انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي)).
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّاد.
[خ: ١٢١٧]
في هذه الأحاديث:
١ - بيان مشروعية صلاة النافلة على الراحلة دون التوجه إلى القبلة، فيصلي إلى جهة سيره، فإذا كان السير طريقه إلى جهة الشرق صلى إلى الشرق، وإذا كان جهة الغرب صلى إلى الغرب، أما الفريضة فلا بد أن ينزل ويصلي على الأرض.
مسألة: اختلف العلماء: هل يجب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام أم لا؟
الجواب: جاء في الحديث أن النبي ﷺ : ((كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ)) (١)، وهذا أحسن وأحوط.
فرع: أما إذا كان يصلي في السيارة، أو يصلي في الطائرة نافلةً فالظاهر أنه لا بد أن يستدير مع القبلة؛ لأنها ليست مثل الراحلة؛ لاستقرارها، فقد ذكر العلماء أنه إذا كان يصلي في المحفة- التي مثل الهودج- فإنه يستدير مع القبلة، والطائرة والسيارة مثل المحفة فيستدير مع القبلة حيث دارت (٢).
٢ - دليل على أنه لا بأس من الإشارة بالرأس، أو باليد في الصلاة.
стр. 807
٣ - أن العمل القليل لا يؤثر في الصلاة؛ كالإشارة باليد، والإشارة بالرأس، والخطوات اليسيرة، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جِئْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي الْبَيْتِ، وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فَمَشَى حَتَّى فَتَحَ لِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ، وَوَصَفَتِ الْبَابَ فِي الْقِبْلَةِ (١).
وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا (٢).
وكذلك لما صلى ﵊ على المنبر سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، فكان إذا أراد أن يسجد تأخر وسجد على الأرض، فإذا قام تقدم على المنبر، وقال النبي ﷺ : ((إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي)) (٣).
стр. 808
بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ، وَجَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ
[٥٤١] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ- أَوْ: كُلُّكُمْ-، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا)).
[خ: ٤٦١]
وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ شُعْبَةُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ-.ح، قَالَ: حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُهُ: ((فَذَعَتُّهُ))، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: ((فَدَعَتُّهُ)).
قوله: ((ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ))، يعني: ذكر أن تسخير الشياطين من خصائص سليمان ﵇، فلقد سُخِّرت له الشياطين والريح، قال تعالى: ﴿والشياطين كل بناء وغواص﴾، وقال تعالى على لسان سليمان: ﴿رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾، فخشي ﵊ أن يكون إذا ربط هذا العفريت من الجن أن يكون شارك سليمان ﵇ في تسخير الجن، فتركه.
وقوله: ((فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا)) فيه: دليل على أن الشيطان قد يسلَّط على الإنسان، وعلى الرجل الصالح، بل على النبي ﷺ .
стр. 809
[٥٤٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ يقول: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ)) - ثَلَاثًا- وَبَسَطَ يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ، شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ قَالَ: ((إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنَ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ، لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)).
في هذا الحديث: عتو هذا الشيطان- والعياذ بالله- لما يلي:
أولًا: أنه جاء بشهاب من نار؛ ليحرق وجه النبي ﷺ .
ثانيًا: أن النبي ﷺ لعنه ثلاثًا، واستعاذ ثلاثًا، ولم يستأخر.
وفيه: دليل على أنه لا بأس بالاستعاذة من الشيطان في الصلاة، فإذا كثرت الوساوس على الإنسان جاز له أن يستعيذ بالله من الشيطان، كما قال النبي ﷺ : ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ)).
في هذه الأحاديث:
١. أن العمل القليل لا يؤثر في صحة الصلاة.
٢. أن ثياب الصبي محمولة على الطهارة، إذا لم يُعْلَمْ فيها نجاسة، ولا ينظر إلى احتمال أنها نجسة، ولو قدر أنها نجسة ولم يعلم فصلاته صحيحة، كما أن الإنسان إذا صلى وفي ثوبه نجاسة ولم يعلم فصلاته صحيحة، ولا يعيدها، أو كان يعلمها، ثُمَّ نسيها، ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصلاة فصلاته صحيحة لا يعيدها، وإذا علم أثناء الصلاة فإنه لا بد أن يتخلص من النجاسة، فإن كانت النجاسة في الثوب ويمكن إلقاؤها ألقاها، وإذا كان في غترة، أو في منديل، فيلقيه ويستمر في صلاته، أو كانت في نعليه، أو خفيه فيخلعهما، أما إذا كانت في ثوبه الذي عليه ولا يمكن التخلص منه فإنه يقطع الصلاة ويغسلها؛ والدليل على ذلك قول أبي سعيد الخدري: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: ((مَا بَالُكُمْ أَلْقَيْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ ! ))، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا- أَوْ قَالَ: أَذًى- فَأَلْقَيْتُهُمَا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا- أَوْ قَالَ: أَذًى- فَلْيَمْسَحْهُمَا، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا)) (١).
٣. بيان رفق النبي ﷺ ، وشفقته على الأطفال، وعنايته، ورحمته بهم، وتواضعه ﵊؛ فإنه لم يأنف من حمل حفيدته، وثبت أن الحسن أو الحسين ركب عليه وهو ساجد فأطال السجود، ولما سلم قال: ((ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ)) (٢)، يعني: جعلني راحلة، وهذا خلاف صنيع المتكبرين، فإنهم يأنفون مثل هذا الصنيع.
صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعَلَّموا صَلَاتِي)).
٢. أن الخطوة والخطوتين وما أشبهها لا تؤثر في الصلاة ولا تبطلها، وإنما يبطلها العمل الكثير إذا توالى.
٣. استحباب اتخاذ المنبر في الخطبة، حتى يكون الإمام على موضع عالٍ؛ ليراه المأمومون.
٤. أن منبر النبي ﷺ كان فيه ثلاث درجات، وقد أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ- قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّهَا يَوْمَئِذٍ- ((انْظُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا))، فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلَاثَ دَرَجَاتٍ. وفي لفظ آخر: أَنَّ امْرَأَةً، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: ((إِنْ شِئْتِ))، فَعَمِلَتِ الْمِنْبَرَ (١)، ويجمع بينهما: أنها أرسلت إليه أولًا، ثُمَّ لما تأخرت عليه أرسل ﷺ إليها (٢).
стр. 814
بَابُ كَرَاهَةِ الاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ
[٥٤٥] وَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ، أَبُو أُسَامَةَ، جَمِيْعًا عَنْ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
[خ: ١٢٢٠]
قوله: ((مُخْتَصِرًا))، يعني: يجعل يده على خاصرته في مؤخر الأضلاع، ولعل الحكمة من النهي أنه فعل اليهود، وهذا هو الأرجح في تفسير النهي عنه.
стр. 815
بَابُ كَرَاهَةِ مَسْحِ الْحَصَى وَتَسْوِيَةِ التُّرَابِ فِي الصَّلَاةِ
[٥٤٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُعَيْقِيبٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَسْحَ فِي الْمَسْجِدِ- يَعْنِي: الْحَصَى- قَالَ: ((إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً)).
[خ: ١٢٠٧]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ مُعَيْقِيبٍ: أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْمَسْحِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((وَاحِدَةً)).
وَحَدَّثَنِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِيهِ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ.
وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ- فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ-: ((إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً)).
قوله: ((فَوَاحِدَةً))، يعني: ولا تزد أثناء الصلاة، فلا ينبغي المسح إلا بعد الانتهاء من الصلاة، فإذا كان في محل سجوده شيء يؤذيه فيزيله بفعلة واحدة، ولا يزيد عليها، أو يزيله قبل الصلاة ويهيئ موضع صلاته.
стр. 816
بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا
[٥٤٧] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، فَحَكَّهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى)).
[خ: ٤٠٦]
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ. ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، جَمِيْعًا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح، وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ ابْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ- عَنْ أَيُّوبَ. ح، حَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ- يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ- ح، حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّد قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، إِلَّا الضَّحَّاكَ، فَإِنَّ فِي حَدِيثِهِ: نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.
في هذا الحديث: تحريم البصاق في المسجد؛ فهو خطيئة، ويجب عليه إزالته، ويجب على من رأى البصاق أن يزيله.
وفيه: أن الله تعالى قِبَلَ وجه المصلي، وهو فوق العرش ، وهو أمام المصلي؛ فلهذا نهي عن البزاق أمامه، وإذا جاء الوعيد يكون المتوعَّدُ عليه من الكبائر.
стр. 817
[٥٤٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيْعًا عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَحَكَّهَا بِحَصَاةٍ، ثُمَّ نَهَى أَنْ يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ أَمَامَهُ، وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى.
[خ: ٤١٤]
حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ.
[خ: ٤٠٩]
قوله: ((وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى))، يعني: إذا كان في غير المسجد.
في هذا الحديث: تحريم بصاق المصلي أمامه، وعن يمينه، ولكن يبصق عن يساره، أو تحت قدمه إذا لم يكن في المسجد، فإن كان في المسجد فإنه يبصق في ثوبه، يرد بعضه إلى بعض- كما سيأتي، أو في منديل؛ لأن النبي ﷺ نهى عن البصاق في المسجد.
[٥٤٩] وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ، أَوْ مُخَاطًا، أَوْ نُخَامَةً، فَحَكَّهُ.
[خ: ٤٠٧]
[٥٥٠] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيْعًا عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ
стр. 818
أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَقُلْ هَكَذَا))، وَوَصَفَ الْقَاسِمُ، فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ هُشَيْمٍ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَرُدُّ ثَوْبَهُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
[٥٥١] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، تَحْتَ قَدَمِهِ)).
[خ: ٤١٣]
قوله: ((فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَقُلْ هَكَذَا، وَوَصَفَ الْقَاسِمُ، فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ))، يعني: يتفل في ثوبه، ثُمَّ يرد بعضه إلى بعض، والآن يُفعل هذا بالمنديل.
وقوله: ((فَيُتَنَخَّعَ)) بالعين، أو بالميم- يتنخم، والمعنى واحد. والبصاق والبزاق والمخاط من الفم، والنخام من الأنف، والنخاع أو النخامة من الحلق، أو من الصدر، وكلها طاهرة.
في هذه الأحاديث: أن البصاق إذا كان خارج الصلاة فلا بأس؛ لأنه لا يناجي ربه، فالمناجاة إنما تكون في الصلاة؛ ولهذا بوب الإمام البخاري ﵀ بهذا في ترجمته قال: باب لا يبصق عن يمينه في الصلاة (١).
стр. 819
[٥٥٢] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا)).
[خ: ٤١٥]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ عَنِ التَّفْلِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يقول: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((التَّفْلُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا)).
[٥٥٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ- مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ- عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الْأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا: النُّخَاعَةَ، تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، لَا تُدْفَنُ)).
[٥٥٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا كَهْمَسٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُهُ تَنَخَّعَ، فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ.
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((فَتَنَخَّعَ، فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ الْيُسْرَى)).
في هذه الأحاديث: أنه إذا كان في المسجد تراب فإن النخامة تدفن، أما إذا لم يكن فيه تراب فتحك وينظف محلها، وهذا مخاطَب به كل أحد، سواء المتنخم وغيره، من باب إزالة الأذى، وإنكار المنكر، وهو إثم في حق المتنخِّم، وعليه التوبة، والمساجد سابقًا فيها تراب، ولا يوجد فيها فرش، فكان يصلَّى فيها بالنعال، لكنها الآن مفروشة فينبغي أن تُتَعهد بالنظافة.
стр. 820
بَابُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي النَّعْلَيْنِ
[٥٥٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)).
[خ: ٣٨٦]
حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ- أَبُو مَسْلَمَةَ- قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا، بِمِثْلِهِ.
في هذا الحديث: بيان سنة الصلاة بالنعلين، وجاء في حديث آخر: ((خَالِفُوا الْيَهُودَ، فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ، وَلَا خِفَافِهِمْ)) (١)، لكن ينبغي للإنسان أن يتفقد نعليه عند دخول المسجد، فإذا لم يكن فيهما أذى فإنه يصلي فيهما، أما إذا كان فيهما أذى فلا يدخل بهما المسجد، ويحكهما حتى يزول الأذى عنهما، لكن إذا كانت المساجد مفروشة وبعض الناس يتأذى فينبغي أن يخلعهما عند باب المسجد دفعًا للمفسدة؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
стр. 821
بَابُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ
[٥٥٦] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ- قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، وَقَالَ: ((شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، فَاذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ)).
[خ: ٧٥٢]
حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ أَعْلَامٍ، فَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: ((اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ، وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيِّهِ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا فِي صَلَاتِي)).
حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَتْ لَهُ خَمِيصَةٌ، لَهَا عَلَمٌ، فَكَانَ يَتَشَاغَلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، فَأَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ، وَأَخَذَ كِسَاءً لَهُ أَنْبِجَانِيًّا.
قوله: ((خَمِيصَةٍ))، أي: كساء له أعلام.
وقوله: ((أَنْبِجَانِيِّه)) وهو كساء غليظ ليس له أعلام.
في هذه الأحاديث: دليل على أنه ينبغي للمصلي أن يُبعد عنه كل ما يشغله عن الصلاة، أو عن كمال الخشوع فيها، ويتذكر القيام بين يدي الله ، فلا ينشغل بالنقوش التي تكون في محاريب المساجد أو في سجادها، أو النقوش التي تكون في ثوبه، والصلاة والحالة هكذا صحيحة مع الكراهة.
في هذا الحديث: دليل على أنه ينبغي للإنسان أن لا يأتي الصلاة وهو مشغول.
وفيه: أنهم كانوا يتعشون قبل صلاة المغرب، فقوله: ((فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ))، أي: قبل أن تصلوا المغرب.
فطعام العشاء يكون بعد العصر، وقبل المغرب، وربما تأخر العشاء إلى بعد المغرب؛ ولهذا كان الناس في نجد قبل أن توجد الوظائف يتعشون بعد العصر، وقد يتأخرون إلى بعد المغرب، فبعد صلاة العشاء ليس إلا النوم، فكانوا ينامون مبكرين ويستيقظون في آخر الليل، فلما وجدت الوظائف، واتسعت البلدان، وانشغل الناس صعب عليهم الاجتماع إلا بعد العشاء فصار العَشاء بعد العِشاء، وصار بعض الناس يتأخر كثيرًا إلى ساعة متأخرة من الليل، وقد ورد عن عبدالرحمن بن أبي بكر قال: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِضَيْفٍ لَهُ- أَوْ بِأَضْيَافٍ لَهُ- فَأَمْسَى عِنْدَ النَّبِيِّ فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ لَهُ أُمِّي: احْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ، أَوْ عَنْ أَضْيَافِكَ اللَّيْلَةَ قَالَ: مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ فَقَالَتْ: عَرَضْنَا عَلَيْهِ- أَوْ عَلَيْهِمْ- فَأَبَوْا- أَوْ فَأَبَى ... (١)، فهذا واضح أن أبا بكر ﵁ تعشى مع النبي ﷺ بعد المغرب، وربما تعشى قبل المغرب.
والمقصود: أنه إذا قُدِّمَ العَشاء أو الغداء مثلًا قبل العصر، ونفسه متشوقة فقد تشوش، فإنه يبدأ بالعَشاء ولو فاتته الجماعة، ويكون هذا عذرًا له، لكن لا ينبغي أن يتعمد وضع العشاء، فلو تعمد وضعه فإنه يأثم لترك الجماعة، لكن إذا قُدِّم من دون اختياره، أو كان محتاجًا إليه فإنه يبدأ بالعَشاء.
стр. 824
[٥٦٠] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ- هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ- عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ: تَحَدَّثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ حَدِيثًا- وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً، وَكَانَ لِأُمِّ وَلَدٍ- فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: مَا لَكَ، لَا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ أَخِي هَذَا؟ أَمَا إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ هَذَا، أَدَّبَتْهُ أُمُّهُ، وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ؟ قَالَ: وَأَضَبَّ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أُتِيَ بِهَا قَامَ، فَغَضِبَ الْقَاسِمُ، قَالَتْ: أَيْنَ؟ قَالَ: أُصَلِّي، قَالَتْ: اجْلِسْ؟ قَالَ: إِنِّي أُصَلِّي، قَالَتْ: اجْلِسْ غُدَرُ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ)).
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- أَخْبَرَنِي أَبُو حَزْرَةَ الْقَاصُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، بِمِثْلِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةَ الْقَاسِمِ.
قوله: ((وَكَانَ الْقَاسِمُ رَجُلًا لَحَّانَةً))، أي: كثير اللحن في كلامه.
والقاسم بن محمد أمه أم ولد، فأبوه تزوج مَن وليها من بنات كسرى، والثاني أمه عربية من قريش (١).
وقولها: ((وَأَنْتَ أَدَّبَتْكَ أُمُّكَ؟ ))، يعني: وهي أم ولد أعجمية.
وقوله: ((وَأَضَبَّ عَلَيْهَا))، يعني: غضب على عائشة ﵂، وهي عمته، وهذا كأنه يشبه المزاح، قالت: هذا أدبته أمه، وأنت أدبتك أمك، تقصد أنك تلحن كثيرًا؛ لأن أمك أعجمية، وهذا أمه عربية.
وقولها: ((غُدَر))، يعني: يا غادر، من باب الشدة عليه؛ لأنه لما قدم العشاء قال: أريد أن أصلي، فكأنه لا يريد أن يأكل غضبًا مما قالت.
стр. 825
وقوله ﷺ : ((الأَخْبَثَانِ)) هما: البول والغائط.
مسألة: وقد اختلف العلماء في معنى قوله: ((لَا صَلَاةَ)):
القول الأول: أنه إذا ذهب يصلي وهو بحضرة الطعام، أو وهو يدافِع الأخبثين فلا تصح الصلاة، وذهب إلى هذا أهل الظاهر وجماعة (١)؛ لأنه يكون منشغلًا مشوش الذهن، يدافعه البول والغائط، فعليه أن يستفرغ من البول والغائط، ويتوضأ ولو فاتته الجماعة؛ ولهذا أنكرت عائشة ﵂ على القاسم.
القول الثاني: وإليه ذهب الجمهور إلى أن النفي للكمال، بمعنى: لا صلاة كاملة، فإذا صلى وهو يدافع الأخبثين، أو صلى بحضرة طعام، فصلاته صحيحة مع الكراهة (٢).
نَاسٌ مِنْهُمْ، فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ، فَرُحْنَا إِلَيْهِ، فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الْبَصَلَ، وَأَخَّرَ الآخَرِينَ، حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا.
في هذه الأحاديث: بيان أن من أكل الكرَّاث أو الثوم أو البصل، وكان له رائحة، فلا يقرب المسجد، ولا يصلي مع الجماعة؛ لأنه يؤذي الآدميين، ويؤذي الملائكة، فلا يدخل المسجد إلا إذا أزال الرائحة، ولكن إذا تعمد أكل الكراث حتى يترك الجماعة يكون آثمًا، فإذا أكلها محتاجًا ولم يتعمد فإنه يكون عذر له في ترك الجماعة، ومثله كل ما فيه رائحة كريهة، فلا يجوز للإنسان أن يؤذي الناس مثل رائحة الدخان فهي أعظم، أو رائحة الأسنان، أو رائحة الإبطين.
وهذا الأمر للوجوب، فيجب عليه أن يقعد في بيته لئلَّا يؤذي الناس، وقد حدثني بعض الناس أنه قطع صلاته لما صلى بجوار أحدهم وقد تأذى من رائحته.
ويدل على أن أكل هذه الأشياء ليست محرمة أنه ﷺ قربها لبعض أصحابه، وقال ((كُلْ))، وهذا يحمل على أنه لم يكن قريبًا من المسجد، أو من وقت صلاة.
وقوله: ((فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي))، أي: هو ﷺ يناجي المَلَكَ، فلا يأكل ما له رائحة كريهة.
والمرأة- ولو كانت في البيت- لا تأكل ما له رائحة قبل الصلاة؛ لأنها تؤذي الملائكة، إلا أن تزيل رائحته.
وفيها: أن المحرِّم والمحلِّل هو الله، وأن النبي ﷺ مبلغ عن الله، فهو يحرم بوحي من الله، قال الله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
قوله: ((حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا)) فيه: أنه إذا أزال ريحها بشيء فلا يضر؛ كإزالتها بالبقدونس، أو ما أشبه ذلك.
أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ، وَلَا خِلَافَتَهُ)) وفي أثر آخر قال: ((إنْ أَسْتَخْلِفْ، فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: أَبُو بَكْرٍ، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) (١)، فدل على أن النبي ﵊ لم يستخلف، وإنما ثبتت خلافة أبي بكر ﵁ بمبايعة أهل الحل والعقد، وأما أبو بكر ﵁ فإنه استخلف عمر ﵁، وعمر- كذلك- جعل الأمر شورى بين ستة، وهم: عثمان، وعلي، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ جميعًا.
ولم يجعل معهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁؛ لأنه من قبيلة عمر ﵁، كما أنه لم يجعل معهم عبد الله بن عمر ﵂.
فتشاور عبد الرحمن بن عوف، والزبير، وطلحة، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص ﵃ جميعًا، وجعلوا أمرهم إلى ثلاثة، كل واحد جعل أمره إلى واحد، ثُمَّ أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الخلافة، واختار أحد الشيخين بعد المشاورة الطويلة، وبعد العناية العظيمة، حتى رأى وجوه الناس كلها إلى عثمان ﵁، فاختاره وبايعه بقية العشرة، ثُمَّ بايعه من ورائه الأجناد والأنصار وتمت له البيعة.
وفيه: أن حكم الكَلالة أُشكل على عمر ﵁ إشكالًا شديدًا، وتمنى أن يكون النبي ﷺ بيَّن فيها، وهي واضحة بحمد الله؛ ولهذا قال له ﵊: ((أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ )) فهي آخر آية في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾.
والكلالة: من لا ولد له، ولا والد، فإذا مات إنسان ليس له أولاد، وليس له آباء، ولا أجداد، فهذه المسألة تسمى الكلالة؛ لهذا قال الله تعالى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾.
стр. 831
وقوله: ((أَلَا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ؟ )) فيه: دليل على أنه لا بأس أن يقال: ((سورة النساء))، و ((سورة البقرة))؛ خلافًا للحجاج بن يوسف، فإنه كان يتورع في ذلك، وكان يقول: ((السورة التي تذكرها فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها آل عمران والسورة التي تذكر فيها النساء)) (١).
وفيه: أن العالم الكبير قد تشكل عليه بعض المسائل ولو كان صحابيًّا.
وقوله: ((لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا)) فيه: دليل على أنه يجوز أن يُخرَج من وجد له رائحة كريهة، إلا إذا ترتب على هذا مفسدة، فإنه يكتفى بالنصيحة، أما إذا كان هناك سلطان أو أمير أو إنسان له مكانة أو شيخ قبيلة، ولا يترتب على هذا مفسدة، فله أن يُخرج من وجد له رائحة؛ للحديث الذي معنا.
في هذا الحديث: تحريم نشد الضالة في المسجد، وأنه لا يجوز للإنسان أن يقول: من وجد الضائعة؟
وفيه: أن مَن نشد ضالة في المسجد فإنه يدعى عليه، ويقال له: لا وجدتَ، أو يقال: لا ردها الله عليك؛ تعزيرًا وردعًا له ولأمثاله.
مسألة: يحرم كذلك- أيضًا- البيع والشراء في المسجد، وكذلك الإجارة، وإذا باع في المسجد يقال له: لا أربح الله تجارتك؛ لأن المساجد لم تُبن للبيع ولا للشراء، ولا نشدان الضالة، وإنما بنيت لذكر الله.
وكذا من نشد في المسجد طفلًا، أو ساعة، أو غيرها يُمنع، ويقال: لا ردها الله عليك، ولو أَسَرَّ إلى شخص وسأله فيخشى أن يكون من ذلك، فالأولى الترك، أما وضع صندوق في المسجد يجعل للضائع فلا حرج- إن شاء الله-؛ لأنه ليس فيه كلام.
قوله: ((التَّثْوِيبُ))، يعني: الإقامة، وسميت تثويبًا؛ لأنه رجوع إلى الأذان مرة أخرى؛ فالأذان إعلام بدخول الوقت، والإقامة إعلام بإقامة الصلاة، فهي أذانٌ ثانٍ.
في هذا الحديث:
١. أن الشيطان يولي إذا سمع الأذان وإذا سمع الإقامة؛ لأنه يشق عليه ويؤذيه سماع الأذان، فيولي وله ضراط؛ حتى يشوش على نفسه ولا يسمع، فإذا انتهى الأذان أقبل، فإذا أُقيمت الصلاة ولى هاربًا.
٢. أن الشيطان له ضراط، وهو الريح التي لها صوت؛ لأنه يأكل ويشرب مثل بني آدم، ويخرج منه الحدث كالإنسان.
٣. أنه ينبغي للإنسان ألا يشابه الشيطان، فإذا سمع الأذان يقبل على الصلاة، ويعتني ولا يتأخر، ولا يدبر كالشيطان.
٤. حرص الشيطان على ابن آدم، فهو يخطر بينه وبين نفسه ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا، يُذَكِّره الأشياء التي نسيها حتى يلبس عليه صلاته؛ فلا يدري كم صلى.
وقوله: ((فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ))، يعني: هنَّاه بإسعاد، ومنَّاه وذكَّره بالأشياء التي نسيها، حتى يلبس عليه صلاته، يريد أن يفسدها عليه؛ لأن الشيطان حريص على إفساد عبادة ابن آدم، وقد أخذ على نفسه العهد وأقسم لما أهبطه الله على إغواء بني آدم، وقال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين﴾.
стр. 836
[٥٧٠] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
[خ: ١٢٢٤]
وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ، وَهُوَ جَالِسٌ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بْنِ بُحَيْنَةَ الأَزْدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فِي الشَّفْعِ، الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْلِسَ فِي صَلَاتِهِ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، سَجَدَ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ.
قوله: ((وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ))، يعني: انتظرنا.
في هذا الحديث: أن التشهد الأول واجب مخفَّف، ليس كالأركان؛ لأنه يسقط بالنسيان، ويجبر بسجود السهو، أما الأركان فهي لا تسقط لا سهوًا، ولا عمدًا، ولا جهلًا، ولا بد من الإتيان بها، ولو تركها بطلت صلاته.
وقال العلماء (١): من نسي التشهد الأول فله أحوال ثلاثة:
الحالة الأولى: أن يذكر قبل أن يستتم قائمًا، فهنا يرجع.
الحالة الثانية: أن يستتم قائمًا ولم يشرع في القراءة، فهذا يكره له الرجوع.
стр. 837
الحالة الثالثة: أن يشرع في القراءة، وهذا يحرم عليه الرجوع.
والجمهور عندهم: أن سجود السهو سنة (١)، ولها تكبير، فيكبر إذا سجد، وإذا رفع كبر، وإذا سجد كبر، والسجدة الثانية كذلك، وهكذا- أيضًا- سجدة التلاوة.
[٥٧١] وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ ابْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى، ثَلَاثًا، أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا، شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ، كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ)).
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي مَعْنَاهُ قَالَ: ((يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، قَبْلَ السَّلَامِ))، كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ.
في هذا الحديث: أنه إذا حصل للمصلي شك- ولم يكن عنده غلبة ظن- فإنه يبني على اليقين، وهو الأقل، فاليقين إذا شك أصلى ثلاث ركعات، أم أربع، فيجعلها ثلاثًا، فيتمم صلاته، ثُمَّ يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ومثله لو شك في الطواف هل طاف شوطين أو ثلاثة فيبني على اليقين، وهو الأقل، ويجعله شوطين.
في هذه الأحاديث: بيان أن النبي ﷺ بشر، ليس برب، ولا إله يعبد، بل هو بشر يصيبه ما يصيب البشر، كالنسيان والأمراض وغيرها، أما الرب فلا ينسى، كما قال الله: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾، والله تعالى منزه لا يلحقه النسيان؛ لأنه كامل، ولا يحتاج إلى شيء، ولا يحتاج إلى أحد، فهو غني عن العالمين ، بخلاف الرسول ﷺ ؛ فإنه عبد، يأكل ويشرب، لكنه نبي كريم، يطاع ويتبع، ولا يعبد فالعبادة حق الله؛ ولهذا قال: ((وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي))، وقال الله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾.
وهذا من رحمة الله تعالى بعباده: أن جعل نبيه ينسى؛ حتى يكون فعله تشريعًا للأمة؛ ليعلمهم ماذا يعملون إذا حصل لهم النسيان.
وقوله: ((فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ)) هذا إذا كان عنده غلبة ظن، فيبني على غلبة الظن، ويتحرى الصواب، وفي رواية النسائي: ((فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ)) (١)؛ فإنه يبني على غلبة الظن، ويتم الصلاة، ثُمَّ يسلم، ثُمَّ يسجد سجدتين، ثُمَّ يسلم، بخلاف حديث أبي سعيد ﵁ الذي سبق فيما إذا كان عنده شك، ولم يكن عنده غلبة ظن؛ فيبني على اليقين، وهو الأقل، ويكون السجود قبل السلام.
وفيه: دليل لمن يقول: إنه يعمل بغلبة الظن، ولا يبني على اليقين في هذه الحالة وهو الأقل، فيكون الجمع بينه وبين الحديث السابق أنه يعمل باليقين- وهو الأقل- إذا كان عنده شكٌ، فإن كان عنده غلبة ظن عمل به، ثُمَّ يسجد سجدتين بعد أن يسلم، كما في رواية النسائي، وهذا هو الصواب.
نَقَصَ- قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَالْوَهْمُ مِنِّي؟ - فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ))، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ.
وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ- أَبُو مُعَاوِيَةَ- عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ((أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ)).
في هذه الأحاديث: أنه إذا نسي الإنسان فصلى خمسًا فإنه يسجد سجدتين، وصلاته صحيحة.
قوله: ((وَأَنْتَ- أيضًا- يَا أَعْوَرُ، تَقُولُ ذَاكَ؟ )) لعل هذا من باب الإدلال عليه وممازحته؛ لأنه من تلاميذه، وإلا فلا ينبغي للإنسان أن ينبَز باللقب، كأن يقول: يا أعور، ويا أحول ... إلخ، .
قوله: ((بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ)) فيه: دليل لمن رأى أن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها (١)، ولأنه حينما تكلم اعتقد أنه انتهى من الصلاة؛ فالكلام إذا كان في مصلحة الصلاة بعد ما يسلم- وهو يعتقد أنه انتهى من الصلاة- لا يعتبر متعمدًا، إنما يبطل الصلاة الكلام العمد.
وفيه: أنه يسجد سجدتين بعد ما يسلم وبعد ما يتكلم؛ لأن الكلام لا يمنع، وإن كان فاصلًا، إلا أن بعض الفقهاء يرى أنه إن طال الفصل، أو أحدث، أو تكلم بكلام سقطت السجدتان؛ لأنه ينافي الصلاة (٢)، والأقرب: أنه يسجد، ولو طال الفصل.
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ- وَهُوَ الْحَذَّاءُ- عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ: سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ مِنَ الْعَصْرِ، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ الْحُجْرَةَ، فَقَامَ رَجُلٌ بَسِيطُ الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَخَرَجَ مُغْضَبًا، فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الَّتِي كَانَ تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ.
في هذا الحديث: بيان لواقعة أخرى غير الواقعة الأولى، ففي الأولى سلم من ركعتين، وفي هذه سلم من ثلاث ركعات.
وفيه: أنه ﷺ دخل الحجرة، فهو قد قام، وخرج من المسجد، ودخل الحجرة، وجاءه الصحابي وأخبره، فرجع؛ فهنا حركة وكلام بينه وبين الصحابة، ومع ذلك بنى على صلاته، ولم يُعِدِ الصلاةَ؛ فدل على أن الفاصل إذا كان طويلًا فلا يؤثر.