← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11

توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم

عبد العزيز بن عبد الله الراجحي

Полный текст (4 625 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بَابُ الِاعْتِرَاضِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي [٥١٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ. [خ: ٣٨٣] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ كُلَّهَا، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي، فَأَوْتَرْتُ. وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، فَقَالَتْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لَدَابَّةُ سَوْءٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْتَرِضَةً كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي. في هذا الحديث: أن عائشة ﵂ تريد أن تقول: إن مرور المرأة بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة؛ لأنها تكون- إذن- هي والدابة سواء، بل تكون دابة سوء، وهذا اجتهاد منها ﵂. وقولها: ((وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ)) المعترض لا يسمى مارًّا، والمرور هو الذي يكون من جانب إلى جانب، فالاعتراض- إذن- لا يؤثر، وَلَا يقطع الصلاة، وإنما الذي يقطعها المرور.

стр. 772

حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ قَالَ: ح، وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ. ح، قَالَ الأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ- وَذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ-: قَدْ شَبَّهْتُمُونَا بِالْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ، فَأُوذِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَدَلْتُمُونَا بِالْكِلَابِ وَالْحُمُرِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ، فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْنَحَهُ، فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي. [خ: ٥٠٨] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [خ: ٥١٣] في هذا الحديث: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء؛ لأنه ﷺ غمزها بدون حائل، فلو كان مس المرأة ينقض الوضوء لبطل وضوؤه، وفي المسألة ثلاثة مذاهب للعلماء: المذهب الأول: أنَّ مسَّها لا ينقض الوضوء، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، إلا إذا خرج منه شيء، وهو مذهب الحنفية (١).

стр. 773

والمذهب الثاني: أنه ينقض مطلقاً سواء أكان بشهوة، أو بغير شهوة، وهذا هو مذهب الشافعية (١). والمذهب الثالث: أن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء، وبدون شهوة لا ينقض الوضوء، وهذا مذهب الحنابلة (٢)، والصواب: القول الأول أنه لا ينقض مطلقًا إلا إذا خرج منه شيء. وأما قوله تعالى: ﴿أو لامستم النساء﴾ فالمراد: الجماع، والله تعالى يكني عن الجماع باللمس وبالمس وبالمسيس، ومنه قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾. وقولها: ((وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ))، يعني: هي ظلام، فهي لا ترى ما فيها. وفيه: الرد على من قال: إن النبي ﷺ سراج، وأنه يضيء البيت المظلم، فلو كان يضيء لرأته عائشة ﵂، وإنما الرسول ﷺ سراج معنوي، بما أعطاه الله من النور الرباني والهداية الإلهية. [٥١٣] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، جَمِيعًا عَنْ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ- زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ. [خ: ٣٧٩] في هذا الحديث: أنه لا بأس بكون الإنسان يصلي والمرأة حذاءه، ولو

стр. 774

كانت حائضًا، ولو كان على المصلي ثوب وعلى الحائض بعضه؛ فلا يضر هذا؛ لأنه ليس حاملًا للنجاسة. [٥١٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ، وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ إِلَى جَنْبِهِ. قولها: ((وَعَلَيَّ مِرْطٌ)) المرط: الكساء المخطط.

стр. 775

بَابُ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَصِفَةِ لِبْسِهِ [٥١٥] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ فَقَالَ: ((أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ! )). [خ: ٣٥٨] حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَادَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: أَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: ((أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ ! )). قوله: ((أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ )) المراد بالثوبين، مثل: الإزار والرداء، فالإزار ثوب، والرداء ثوب. وفي هذا الحديث: أن الناس كانوا- وَلَا سيما في أول الهجرة- قد أصابتهم شدة، وأهل الصُّفة كما سبق يصلون في غرفة في المسجد، كما في الحديث: ((وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ وَلَا خِفَافٌ وَلَا قَلَانِسُ وَلَا قُمُصٌ)) (١)، فبعضهم له إزار، فإذا أراد أن يسجد جمعه بيده كراهيةَ أن تُرى عورته؛ ولهذا قال: ((أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ))؟ لما سُئل عن الصلاة في الثوب الواحد، أي: وهل كل واحد منكم يملك ثوبين؟ ! والخلاصة أنه: إذا صلى في قطعة واحدة وستر عورته صحت صلاته.

стр. 776

وفيه: جواز صلاة المرء وعاتقاه مكشوفان، وأنه لو صلى وليس عليه رداء صحت صلاته، وقد احتج به الجمهور (١). [٥١٦] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ)). [خ: ٣٥٩] في هذا الحديث: أنه لو صلى وليس على عاتقه شيء لم تصح صلاته. وسيأتي قريبًا تفصيل القول في هذه المسألة. [٥١٧] حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. [خ: ٣٥٤] حَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ وَكِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: مُتَوَشِّحًا، وَلَمْ يَقُلْ: مُشْتَمِلًا. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي ثَوْبٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. قوله: ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي ثَوْبٍ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ))، يعني: هو ثوب من قطعة واحدة خالف بين طرفيها، فإذا كانت القطعة

стр. 777

ضيقة يشد بها النصف الأسفل، وإذا كانت واسعة يشد بها النصف الأسفل ويضع على عاتقه بقيته مثل الشرشف (١) الكبير، ويخالف بين الطرفين. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُلْتَحِفًا، مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ. زَادَ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، فِي رِوَايَتِهِ قَالَ: عَلَى مَنْكِبَيْهِ. [٥١٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ. [خ: ٣٥٣] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ، جَمِيعًا بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ رَأَى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ، وَعِنْدَهُ ثِيَابُهُ، وَقَالَ جَابِرٌ: إِنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ. [٥١٩] حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو- قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ((فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ، يَسْجُدُ عَلَيْهِ))، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُتَوَشِّحًا بِهِ. في هذا الحديث: جواز الصلاة على الحصير، وفي الثوب الواحد.

стр. 778

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ: وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، وَرِوَايَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَسُوَيْدٍ: مُتَوَشِّحًا بِهِ. اختلف العلماء في الجمع بين هذا الحديث بروايتيه: ((أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ))، و ((أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ ))، وبين قوله: ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ)): القول الأول: وإليه ذهب الجمهور إلى صحة صلاة المصلي، ولو لم يكن على عاتقيه شيء (١)، وأجابوا عن حديث: ((لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ)) بأن النهي للتنزيه؛ فالأفضل أن يستر كتفيه، وإن لم يستر كتفيه صحت صلاته. القول الثاني: وإليه ذهب الإمام أحمد أنه لا تصح الصلاة إذا لم يكن على عاتقيه شيء، وأجابوا بأن قوله: ((أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ )) منسوخ (٢). فعند الإمام أحمد أن الصلاة لا تصح إذا كان الكتفان مكشوفين إذا كان يجد ثيابًا تسترهما؛ لأن النهي يقتضي الفساد (٣)، والجمهور على أن النهي لا يقتضي الفساد، فإذا صلى وليس على عاتقيه شيء صحت صلاته ويأثم (٤). * * *

стр. 779

كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ

стр. 780

كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ [٥٢٠] حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: ((الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ))، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((الْمَسْجِدُ الأَقْصَى))، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: ((أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَهُوَ مَسْجِدٌ)). [خ: ٣٣٦] في هذا الحديث: بيان فضل الله تعالى وإحسانه لعباده من هذه الأمة: حيث جعل لهم الأرض مسجدًا وطهورًا، بخلاف الأمم السابقة؛ فإنهم لا يصلون إلا في أماكن العبادة الخاصة كالكنائس، وإذا كانوا بعيدين عنها جمعوا الصلوات حتى يصلوها في مكان عبادتهم. أما هذه الأمة فإن الله تعالى تفضل عليها، وأحسن إليها، وجعل الأرض كلها لها مسجدًا وطهورًا، كما قال ﷺ : ((وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ))، أي: في أي أرض من أرض الله. وهناك مواضع مستثناة من هذا التعميم، وردت في قوله ﷺ : ((سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَاهِرُ بَيْتِ اللَّهِ، وَالْمَقْبَرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَعَطَنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ)) (١)، فهذه المواضع لا يصلَّى فيها.

стр. 781

وفيه: أن أول مسجد وضع في الأرض: المسجد الحرام، وبناه إبراهيم الخليل ﵇، وبنى الكعبة هو وابنه إسماعيل ﵇، ثُمَّ المسجد الأقصى، بناه حفيدُ إبراهيمَ يعقوبُ ﵈، وبينهما أربعون سنة، ثُمَّ ثالث المساجد: مسجد النبي ﷺ ، وهو آخرها بناءً. حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ فِي السُّدَّةِ، فَإِذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ يقول: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ، قَالَ: ((الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ))، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ((الْمَسْجِدُ الأَقْصَى))، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: ((أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ)). قوله: ((السُّدَّةِ)) مكان رحب حول المسجد، ومنه سمي السُّدِّي (١)؛ لأنه كان يبيع في سدة المسجد مما حوله، كما يبيع الناس الآن حول المساجد.

стр. 782

[٥٢١] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ سَيَّارٍ عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ)). [خ: ٤٣٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ، أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ. [٥٢٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى)). حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سَعْدِ ابْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. [٥٢٣] وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ ابْنُ حُجْرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ- وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ- عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ)). حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ

стр. 783

خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيَّ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا. [خ: ٢٩٧٧] وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حميد قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ. [٥٢٤] وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ- مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ-: أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدَيَّ)). [خ: ٤٢٨] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ)). في هذه الأحاديث: بيان ذكر خصائص النبي ﷺ . وقوله: ((أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ)) في المراد بالأحمر والأسود قولان (١): القول الأول: أن المراد بالأحمر: العجم، والأسود: العرب؛ لأن فيهم سمرة. القول الثاني: أن المراد بهم: الجن، والإنس. وكل هذا صحيح، فهو ﷺ مبعوث إلى العرب والعجم، وإلى الجن والإنس.

стр. 784

وفيها: أن حل الغنائم من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم السابقة تجمع الغنائم، فإذا قبلها الله جاءت نار من السماء فأكلتها. وقوله: ((وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ))، أي: أنه إذا كان بينه وبين العدو مسافة شهر خاف العدو ورعب، وكذلك من تبع النبي ﷺ ، واقتدى به، واتبع سنته، وعمل بشرعه، ونصر دينه- ينصره الله على عدوه بالرعب. وفيها: أن النبي ﷺ أعطي الشفاعة العظمى يوم القيامة. وقوله: ((وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا)) استدل به المحققون على أن الماء مطهر، وأنه رافع للحدث، وأن التراب- أيضًا- مطهر كالماء إذا عدم الماء، وأن التيمم يرفع الحدث، فلا يبطل إلا إذا وجد ناقض من نواقض الوضوء، أو وجد الماء. وذهب جمهور الفقهاء إلى أن التيمم مبيح لا رافع، وأنه يبطل بخروج الوقت (١)، والصواب: أنه كالماء يرفع ويصلي به وقتًا، ووقتين، وثلاثة، وأربعة، ما لم يُحدث. وقوله: ((تَنْتَثِلُونَهَا))، يعني: تستخرجون ما في خزائن الأرض من الكنوز في الفتوحات، ومن ذلك: كنوز كسرى وقيصر لما فُتحت، كأن أبا هريرة ﵁ يقول: مضى النبي ﷺ إلى ربه، وأنتم الآن تستخرجون هذه الكنوز بالفتوحات. وقوله: ((وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ)) جوامع الكلم: القرآن والسنة، كقول الرسول ﷺ : ((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ)) (٢)، فهذا من جوامع الكلم، لأنه يجمع الدين كله؛ ومنه: قوله ﷺ : ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ)) (٣).

стр. 785

بَابُ ابْتِنَاءِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ [٥٢٤] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلَ فِي عُلْوٍ، وَالْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسِلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ، قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا، فَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا؟ ))، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ، كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخِرَبٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، قَالَ: فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً، قَالَ: فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ- وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ- وَهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ؛ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدّثَنَا خَالِدٌ- يَعْنِي: ابْنَ الْحَارِثِ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يقول: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، بِمِثْلِهِ. قوله: ((مَلَأ بَني النَّجَّارِ)) الملأُ هم: الأشراف، وبنو النجار هم: أخوال جد

стр. 786

رسول الله- ﷺ لأن والدة عبد المطلب منهم؛ ولهذا نزل النبي ﷺ عند أبي أيوب ﵁ لأنه قريبه من جهة جده. وقوله: ((وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ)) هو الشاهد من ذكره في هذا الموضع، فهو يعني: أن الصلاة جائزة في أي مكان في الأرض، وهذا من فضل الله تعالى وإحسانه لعباده، عدا ما ورد النهي عنه كما تقدم. وقوله: ((ثَامِنُونِي))، يعني: اطلبوا ثمنه حتى أدفعه إليكم. في هذا الحديث: ١. فضل الأنصار ﵃، فقد تبرعوا بالحائط، ولم يأخذوا عوضًا، وإنما طلبوا العوض من الله . ٢. أن الظاهر أن المكان كان واسعًا، فقد كان نخلًا وقبورًا للمشركين وأرضًا، فسواها جميعًا، وصارت مسجدًا. ٣. فيه دليل على أنه لا بأس بالارتجاز؛ ليساعد على العمل، كما ارتجزوا هنا: ((اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ؛ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ))، فخير الآخرة هو الدائم، أما الدنيا فخيرها زائل. ٤. فيه دليل على أنه لا بأس بنبش القبور، وأنه لا بأس أن يكون بعد ذلك مسجد، ومن ذلك ما فعله النبي ﷺ ، فلقد هدم صنم اللات في الطائف وجعل مكانه مسجدًا، هو مسجد العباس ﵁، وكان مسجد النبي ﷺ مكان قبور المشركين. ٥. أنه لا بأس بقطع النخل للمصلحة، وأن قبور المسلمين محترمة لا تُنبش.

стр. 787

بَابُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْقُدْسِ إِلَى الْكَعْبَةِ [٥٢٥] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، فَنَزَلَتْ بَعْدَمَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِنَاسٍ مِنَ الأَنْصَار- وَهُمْ يُصَلُّونَ- فَحَدَّثَهُمْ، فَوَلَّوْا وُجُوهَهُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ. [خ: ٣٣٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، جَمِيْعًا عَنْ يَحْيَى، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي أبو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ يقول: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفْنَا نَحْوَ الْكَعْبَةِ. [خ: ٤٤٩٢] [٥٢٦] حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. ح، وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ- وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ؛ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، فَاسْتَقْبَلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ. حَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ؛ إِذْ جَاءَهُمْ رَجُلٌ، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ. [٥٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ

стр. 788

وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، وَهُمْ رُكُوعٌ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، فَنَادَى أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَمَالُوا كَمَا هُمْ نَحْوَ الْقِبْلَةِ. قوله: ((وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ)) المعنى: أنهم كانوا في أول الصلاة متجهين إلى بيت المقدس، وفي آخرها إلى الكعبة، فهي صلاة واحدة صلوا فيها إلى قبلتين. في هذه الأحاديث: دليل لمن احتج من العلماء على أن الإنسان إذا صلى في الصحراء إلى جهة، ثُمَّ تبين له بعد الصلاة أنها غير جهة القبلة، فصلاته صحيحة، وإن تبين له أثناء الصلاة فإنه يستدير إلى القبلة وصلاته صحيحة، كما فعل أهل القبلتين، أما إذا كان في البلد، أو في المدن والقرى الإسلامية وصلى إلى غير القبلة فإنه يعيد؛ لأنه يستطيع أن يسأل، ويستطيع أن يرى المسجد ومحرابه. وقوله: ((بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ)) من أسماء صلاة الفجر. قوله: ((فَنَادَى أَلَا إِنَّ الْقِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ، فَمَالُوا)) دليل على قبول خبر الواحد؛ ولهذا قبل به أهل مسجد قباء.

стр. 789

بَابُ النَّهْيِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِيهَا، وَالنَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ [٥٢٨] وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ- فِيهَا تَصَاوِيرُ- لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). [خ: ٤٢٧] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهُمْ تَذَاكَرُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ، فَذَكَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ، كَنِيسَةً، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ. حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ. [٥٢٩] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَالَا: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ-: ((لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ))، قَالَتْ: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: ((وَلَوْلَا ذَاكَ))، وَلَمْ يَذْكُرْ: ((قَالَتْ)). [خ: ١٣٣٠] [٥٣٠] حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، وَمَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ

стр. 790

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). وَحَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الأَصَمِّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ)). في هذا الباب: تحريم اتخاذ القبور مساجد، والتحذير من ذلك في ثلاثة أوجه: الأول: قوله ﷺ : ((قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ)). والثاني: قوله ﷺ : ((أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ)). والثالث: قوله ﷺ : ((إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ))، وما ذاك إلا؛ لأن اتخاذ القبور مساجد من أسباب الشرك، ومن وسائله القريبة. وفيه: أن المصورين الذين يصورون التماثيل ويعكفون عند القبور هم من شرار الخلق. وقوله: ((وَصَالِحِيهِمْ)) يبين أن البناء على القبور كان غير قاصر على قبور الأنبياء فقط. وقوله: ((ذَكَرْنَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ)) هذه اللغة يسمونها لغة: ((أكلوني البراغيث))، وهي أن الفعل فيها يُثنى ويُجمع مع فاعله المثنى والمجموع.

стр. 791

[٥٣١] وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ حَرْمَلَةُ: أَخْبَرَنَا، وقَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَائِشَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا نَزَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ- وَهُوَ كَذَلِكَ-: ((لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ- يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا)). [خ: ٤٣٦] [٥٣٢] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ- وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ- قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ النَّجْرَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنْدَبٌ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ- ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ- وَهُوَ يَقُولُ: ((إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ؛ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)). قوله: ((لَمَّا نَزَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ )، أي: المنية، وفي رواية أخرى في الصحيحين: ((لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) (١) بالبناء للمجهول، أي: مَلَكُ الموت.

стр. 792

بَابُ فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَالْحَثِّ عَلَيْهَا [٥٣٣] حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ: أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِيَّ يَذْكُرُ: أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ- عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ، حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ : إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى)) - قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: ((يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ- بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)). قَالَ ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ: ((مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ)). [خ: ٤٥٠] حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى- وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى- قَالَا: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ((مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ)). في هذا الحديث: بيان فضل من بنى لله مسجدًا، وأنه موعود بأن يبني الله له بيتًا في الجنة، لكن بشرط أن يبتغي به وجه الله، أما من بناه رياءً وسمعةً فلا يتحقق فيه هذا الوعد، ومن شارك في البناء فله نصيب من الأجر. وعمارة المساجد نوعان: النوع الأول: عمارة حسية، وهي: العمارة بالبناء باللبن والإسمنت وغيره. النوع الثاني: عمارة معنوية، وهي: عمارتها بالذكر، والدعاء، والصلاة، وتعلم العلم، وتعليمه، وتلاوة القرآن، وهذه هي الأصل، والعمارة الحسية تبعٌ، قال الله تعالى: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر

стр. 793

وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾. وفيه: أن عثمان ﵁ أراد أن يجدد بناء مسجد النبي ﷺ ، ومع ذلك استدل بهذا الحديث، فدل على أن تجديد المساجد يدخل في هذا، وبعض الصحابة كره ذلك، وأحبوا أن يدعه كما كان في زمن النبي ﷺ والخليفتين من بعده، فقال: ((إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى- قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ- بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)) فبناه باللبن، وسقفه بالساج.

стр. 794

بَابُ النَّدْبِ إِلَى وَضْعِ الأَيْدِي عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ وَنَسْخِ التَّطْبِيقِ [٥٣٤] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ قَالَا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَقُومُوا فَصَلُّوا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، قَالَ: وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا، فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا قَالَ: فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، وَطَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا، وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً، وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَصَلُّوا جَمِيعًا، وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَلْيَجْنَأْ وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرَاهُمْ. وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، ح، قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَالأَسْوَدِ: أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللهِ، بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ، وَجَرِيرٍ: فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ: أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى مَنْ خَلْفَكُمْ؟ قَالَا: نَعَمْ، فَقَامَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ

стр. 795

أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا، فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . في هذه الأحاديث: أن السنة خفيت على ابن مسعود ﵁ في مواضع ثلاثة، وهي: الموضع الأول: أنه أمرهم أن يصلوا بلا أذان ولا إقامة، اكتفاءً بأذان الجماعة وإقامتهم، والصواب: أن المنفرد لا يكتفي بإقامة الجماعة، بل لا بد أن يقيم الصلاة، أما الأذان فإذا أُذِّن في البلد ففيه خلاف: هل يؤذن إذا فاتته الصلاة، أو لا يؤذن؟ فقيل: يؤذن، وقيل: لا يؤذن، وقيل: إذا لم يسمع من الجماعة فإنه يؤذن، وخفي هذا على عبد الله بن مسعود ﵁، فأمرهم أن يصلوا بلا أذان ولا إقامة. الموضع الثاني: خفيت عليه السنة في أنهم إذا كانوا ثلاثة يقف الإمام أمامهم، والمأمومان خلفه، فوقف هو بينهم، فجعل واحدًا عن يمينه وواحدًا عن شماله. الموضع الثالث: هو أنه لما ركع طبق بين كفيه ووضعهما بين ركبتيه، وهذا كان أولًا، ثُمَّ نسخ، كما سيأتي في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁. وفيه: دليل على أن السنة قد تخفى على الإمام والعالم الكبير، كما خفيت السنة على عبد الله بن مسعود ﵁، وهو حبر من أحبار الصحابة، وعالم كبير، ومع ذلك فقد خفيت عليه السنة في هذه المواضع، والسنة حاكمة على كل أحد، ومن حفظ فهو حجة على من لم يحفظ. وفيه: عَلَمٌ من أعلام النبوة، وهو أن النبي ﷺ قد أخبر أنه يأتي بعده ناس يؤخرون الصلاة عن وقتها، وأمراء بني أمية كانوا يؤخرونها عن وقتها، ويخنقونها حتى تكاد الشمس أن تغرب.

стр. 796

وقوله: ((وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى)) فيه معنيان: الأول: أن الشمس لم يبق عليها إلا شيء قليل، ثُمَّ تغيب. الثاني: أن الإنسان إذا شرق بريقه لم يبقَ عليه إلا قليل، ثُمَّ يموت، والمعنى: أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها المختار إلى وقت الضرورة. وفيه: أن النبي ﷺ أخبر أنه إذا كان الأمراء يصلون الصلاة في غير أوقاتها، فإن على المسلم أن يصلي الصلاة في وقتها المختار، ثُمَّ يصلي معهم، ويجعل الصلاة معهم سبحة- يعني: نافلة- حتى لا يشق عصا الطاعة، ولا يحصل خلاف؛ درءًا للفتنة. وقوله: ((وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَصَلُّوا جَمِيعًا))، أي: فيكون الإمام في الوسط، وإذا كنتم أكثر من ذلك فصلوا خلف إمامكم، وهذا اختيار عبد الله بن مسعود ﵁، والسنة أن يكونوا خلفه إذا كانوا اثنين فأكثر، وإذا كان واحد وقف عن يمين الإمام، وهذه هي السنة، إلا إذا كان المكان ضيقًا فلا بأس أن يصلي أحدهم عن يمينه، والآخر عن يساره. قوله: ((وَلْيَجْنَأْ))، يعني: يجافي بين يديه. قوله: ((هَكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) فعله رسول الله ﷺ أولًا، ثُمَّ نسخ، فكانوا في أول الإسلام يضعون أيديهم بين الركبتين، أو بين الفخذين، ثُمَّ أُمروا بوضع الأيدي على الركب إذا ركعوا.

стр. 797

[٥٣٥] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ- وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ- قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، قَالَ: وَجَعَلْتُ يَدَيَّ بَيْنَ رُكْبَتَيَّ، فَقَالَ لِي أَبِي: اضْرِبْ بِكَفَّيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، قَالَ: ثُمَّ فَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَضَرَبَ يَدَيَّ، وَقَالَ: إِنَّا نُهِينَا عَنْ هَذَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِالأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ. حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: فَنُهِينَا عَنْهُ، وَلَمْ يَذْكُر مَا بَعْدَهُ. حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَكَعْتُ، فَقُلْتُ بِيَدَيَّ هَكَذَا- يَعْنِي: طَبَّقَ بِهِمَا، وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ- فَقَالَ أَبِي: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ. حَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ عَنِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، فَلَمَّا رَكَعْتُ شَبَّكْتُ أَصَابِعِي وَجَعَلْتُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيَّ، فَضَرَبَ يَدَيَّ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا أَنْ نَرْفَعَ إِلَى الرُّكَبِ. قوله: ((وَأُمِرْنَا أَنْ نَضْرِبَ بِالأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ)) هذا هو ناسخ تطبيق اليدين، ووضعهما بين الركبتين. وقوله: ((ثُمّ أُمِرْنَا بِالرُّكَبِ))، يعني: أُمرنا بوضع الأيدي على الركب.

стр. 798

بَابُ جَوَازِ الإِقْعَاءِ عَلَى الْعَقِبَيْنِ [٥٣٦] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ- وَتَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ- قَالَا جَمِيعًا: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ طَاوُسًا يقول: قُلْنَا لِابْنِ عَبَّاسٍ: فِي الإِقْعَاءِ عَلَى الْقَدَمَيْنِ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ، فَقُلْنَا لَهُ: إِنَّا لَنَرَاهُ جَفَاءً بِالرَّجُلِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ هِيَ سُنَّةُ نَبِيِّكَ ﷺ . في هذا الحديث: مشروعية الإقعاء بين السجدتين، وهو نصب القدمين والجلوس على العقبين، وهذه سنة كان يفعلها النبي ﷺ ، لكن على قلة، والغالب أنه كان يفترش، فينصب رجله اليمنى، ويفرش اليسرى، ويجلس عليها بين السجدتين وفي التشهد الأول، والإقعاء في هذا الحديث غير الإقعاء المنهي عنه، وهو إقعاء الكلب، فقد روى ابن ماجه عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ((يَا عَلِيُّ: لَا تُقْعِ إِقْعَاءَ الْكَلْبِ)) (١). والإقعاء المنهي عنه هو أن يلصق إليتيه بالأرض، وينتصب على ساقيه ويضع يديه بالأرض، وقال أبو عبيدة: الإقعاء: جلوس الإنسان على إليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب والسبع (٢).

стр. 799

بَابُ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسْخِ مَا كَانَ مِنْ إِبَاحَتِهِ [٥٣٧] حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ- وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ- قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ)) - أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ قَالَ: ((فَلَا تَأْتِهِمْ)) قَالَ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ قَالَ: ((ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ، فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ)) - قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ: ((فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ)) - قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ قَالَ: ((كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ)) قَالَ: وَكَانَتْ لِي جَارِيَةٌ، تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: ((ائْتِنِي بِهَا))، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: ((أَيْنَ اللَّهُ؟ ))، قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ قَالَ: ((مَنْ أَنَا؟ )) قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: ((أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ)).

стр. 800

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. في هذا الحديث: ١ - أن الجاهل إذا تكلم في الصلاة- ومثله الناسي- فإن صلاتهما صحيحة لا تبطل؛ ولهذا لما تكلم معاوية بن الحكم السلمي ﵁ وكان جاهلا بالحكم-لأنهم كانوا في أول الإسلام يتكلمون في الصلاة، ثُمَّ نهوا عن الكلام- لم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة، فدل على أن الجاهل إذا تكلم في الصلاة فصلاته صحيحة، ومثله الناسي- أيضًا- فقد جاء في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ! )) (١)، ثُمَّ لم يعد رسول الله ﷺ الصلاة ولم يأمرهم بإعادة. أما إذا تكلم المصلي عالمًا عامدًا فبان منه حرفان- لأنه أقل الكلام- بطلت صلاته، لقوله ﷺ : ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ))، حتى قال بعض العلماء: إذا تنحنح فبان منه حرفان بطلت صلاته، لكن الأقرب أن النحنحة يُعفى عنها. ٢ - حسنُ خلق النبي ﷺ ، فقد قال معاوية بن الحكم ﵁: ((فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي))، يعني: ما انتهره ولا زجره؛ فينبغي للدعاة أن يتأسوا به ﵊ في دعوتهم إلى الله، والأصل أن تكون الدعوة بالرفق واللين، كما قال الله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾؛ لأن هذا أدعى إلى القبول، إلا من ظلم وتعدى الحد فإنه

стр. 801

يُسلَكُ معه مسلكُ الشدة؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾. ٣ - فيه دليل على أن الإشارة في الصلاة والعمل القليل لا يبطلها، ومن الإشارة اليسيرة التي لا تبطل الصلاة: رد السلام، فعنْ أَسْمَاءَ ﵂، قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! قُلْتُ: آيَةٌ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَيْ نَعَمْ (١). ٤ - تحريم الكهانة، وهي: ادعاء العلم بمغيبات المستقبل؛ فقد جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ : ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)) (٢)، وقال: ((مَنْ أَتَى عَرَّافًا، أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ فِيمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﵌) (٣). ولما سئل النبي ﷺ عن الكهان، قال: ((لَيْسُوا بِشَيْءٍ)) (٤)، يعني: أن أخبارهم لا يوثق بها، ولا ينبغي سؤالهم، ولا الإتيان إليهم. ٥ - تحريم التطير، وهو التشاؤم بالطيور، أو بالأسماء، أو بالألفاظ، أو بالبقاع، أو بالأشخاص، قال النبي ﷺ : ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ، أَوْ تُطِيَّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ، أَوْ تُكِهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ، أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ عَقَدَ عُقْدَةً، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)) (٥). ومن الشعوذة والكهانة: الخط في الأرض للإخبار عن المغيبات في المستقبل، والإخبار عن مكان المسروق، كل هذا من أنواع الكهانة المحرمة، فلا يجوز أن يخط خطًّا في الأرض يستدل به على علم الغيب، أو

стр. 802

يرمي بالحصى، ومثله الذي يقرأ الفنجان، ومثله الذي يفتح الكتاب، ويُحضِّر الجنَّ، كل هذا من أنواع الشعوذة والسحر والكهانة. وقوله: ((كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ)) معناه: من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة، فلا يباح، فالمقصود: أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بيقين الموافقة، وليس لنا يقين بها، وإنما قال النبي ﷺ : ((فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ)) ولم يقل: هو حرام، بغير تعليق على الموافقة؛ لئلا يتوهم متوهم أن هذا النهي يدخل فيه ذاك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي ﷺ على حرمة ذاك النبي، مع بيان الحكم في حقنا. وقوله: ((وَالْجَوَّانِيَّةِ)) مكان قِبَلَ أحد. ٦ - دليل على أنه لا يجوز ضرب الخادمة والعبد إذا لم يقصر في حفظ ما وُكِلَ إليه رعايته، وأنه لا يلام ولا يضرب، ما لم يفرِّط. ٧ - دليل على أن الكفارة لمن ضرب عبده أن يعتقه، وجاء في حديث آخر أنه ضرب أحدهم عبده وأعتقه، فقال له النبي ﷺ : ((أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ- أَوْ: لَمَسَّتْكَ النَّارُ)) (١). ٨ - فائدة عظيمة تتعلق بالعقيدة، والرد على أهل البدع من الجهمية والمعتزلة، وهي: أن الله تعالى في السماء، وأن الله في العلو. والسماء تطلق على: أالعلو، وله سبحانه أعلى العلو، وهو فوق العرش. ب الأجرام المبنية وهي السماوات وفوقها العرش. فهذا رد على المبتدعة القائلين: إن الله في كل مكان، تعالى الله عما يقولون، وهذا كفر وردة، وبعضهم ينفون ويقولون: لا هو داخل العالم ولا

стр. 803

خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا مغاير له ولا مخالط، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وهذا قول طائفة أخرى من المبتدعة، وكلاهما ينفون العلو، نعوذ بالله من ذلك. ٩ - فيه دليل على أنه يسأل عن الله بـ ((أين))، و ((أين)) يسأل بها عن المكان، والجهمية والمعتزلة يقولون: لا يسأل عن الله بـ ((أين))، ويقولون: إن الرسول ﷺ وجه الخطاب إلى الجارية يخاطبها على مقدار عقلها، وإلا فإن إثبات المكان لله فيه تنقص منه؛ فالسؤال فاسد لا يصلح، والجواب كذلك- والعياذ بالله-، ويقولون: إن مقصد الرسول: ((مَنِ الله؟ )) وليس مقصده أن يقول: ((أين الله؟ )). وللرد عليهم نقول: إن الرسول ﷺ هو أفصح الناس، فكيف لا يستطيع أن يقول: ((من الله؟ )) بدلًا من: ((أين الله؟ ))، لكنهم قالوا هذا فرارًا من إثبات المكان، وأن الله في العلو، والله له علو الذات، فقد علا بذاته، وله علو القدر والشأن، وله علو القهر والسلطان والعظمة، وهذه هي أنواع العلو الثلاثة. قال ابن القيم ﵀: والفوقُ أنواعٌ ثلاثةُ كلُّها ... للهِ ثابتةٌ بلا نُكْرانِ (١) وقد صنف العلماء مؤلفات في الرد على الجهمية في إنكار العلو، كشيخ الإسلام ابن تيمية، فله: ((الحموية))، و ((التدمرية))، و ((الواسطية))، وغيرها في الرد على الجهمية، وكلها رد على هؤلاء في إنكار العلو، والرؤية، والاستواء، وهذه الصفات الثلاث من أنكرها فهو من أهل البدع، ومن أثبتها فهو من أهل السنة. ١٠ - أن النبي ﷺ شهد لهذه الجارية بالإيمان لما أخبرت وآمنت أن الله

стр. 804

في السماء، فدل على أن القول بأن الله في السماء إيمان. ١١ - أن من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، حُكم له بالإيمان وشُهد له به، كما شهد النبي ﷺ لهذه الجارية. [٥٣٨] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأبو سعيد الأشج- وألفاظهم متقاربة- قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ، فَتَرُدُّ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ: ((إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا)). [خ: ١١٩٩] حَدَّثَنِي ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ السَّلُولِيُّ، حَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. قوله: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ، فَتَرُدُّ عَلَيْنَا؟ )) كانوا يتكلمون في الصلاة في أول الإسلام، كان يسلم بعضهم على بعضهم، ويردون السلام، ثُمَّ نُسخ ذلك ونهوا عن الكلام، وصار رد السلام بالإشارة. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى قُبَاءَ يُصَلِّي فِيهِ قَالَ: فَجَاءَتْهُ الْأَنْصَارُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ: فَقُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي؟ قَالَ: يَقُولُ هَكَذَا: وَبَسَطَ كَفَّهُ، وَبَسَطَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ كَفَّهُ، وَجَعَلَ بَطْنَهُ أَسْفَلَ، وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إِلَى فَوْقٍ (١).

стр. 805

[٥٣٩] حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ. [خ: ٥٤٣٤] حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ. [٥٤٠] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِي لِحَاجَةٍ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَسِيرُ، قَالَ قُتَيْبَةُ: يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَانِي، فَقَالَ: ((إِنَّكَ سَلَّمْتَ آنِفًا وَأَنَا أُصَلِّي))، وَهُوَ مُوَجِّهٌ- حِينَئِذٍ- قِبَلَ الْمَشْرِقِ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَتَيْتُهُ- وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى بَعِيرِهِ- فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِي بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ بِيَدِهِ، ثُمَّ كَلَّمْتُهُ، فَقَالَ لِي: هَكَذَا، فَأَوْمَأَ زُهَيْرٌ- أيضًا- بِيَدِهِ نَحْوَ الأَرْضِ، وَأَنَا أَسْمَعُهُ يَقْرَأُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: ((مَا فَعَلْتَ فِي الَّذِي أَرْسَلْتُكَ لَهُ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُكَلِّمَكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي))، قَالَ زُهَيْرٌ: وَأَبُو الزُّبَيْرِ جَالِسٌ مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ بِيَدِهِ أَبُو الزُّبَيْرِ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَقَالَ بِيَدِهِ إِلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ. حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَبَعَثَنِي فِي حَاجَةٍ، فَرَجَعْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَوَجْهُهُ عَلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا

стр. 806

انْصَرَفَ قَالَ: ((إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي)). وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ، بِمَعْنَى حَدِيثِ حَمَّاد. [خ: ١٢١٧] في هذه الأحاديث: ١ - بيان مشروعية صلاة النافلة على الراحلة دون التوجه إلى القبلة، فيصلي إلى جهة سيره، فإذا كان السير طريقه إلى جهة الشرق صلى إلى الشرق، وإذا كان جهة الغرب صلى إلى الغرب، أما الفريضة فلا بد أن ينزل ويصلي على الأرض. مسألة: اختلف العلماء: هل يجب استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام أم لا؟ الجواب: جاء في الحديث أن النبي ﷺ : ((كَانَ إِذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ)) (١)، وهذا أحسن وأحوط. فرع: أما إذا كان يصلي في السيارة، أو يصلي في الطائرة نافلةً فالظاهر أنه لا بد أن يستدير مع القبلة؛ لأنها ليست مثل الراحلة؛ لاستقرارها، فقد ذكر العلماء أنه إذا كان يصلي في المحفة- التي مثل الهودج- فإنه يستدير مع القبلة، والطائرة والسيارة مثل المحفة فيستدير مع القبلة حيث دارت (٢). ٢ - دليل على أنه لا بأس من الإشارة بالرأس، أو باليد في الصلاة.

стр. 807

٣ - أن العمل القليل لا يؤثر في الصلاة؛ كالإشارة باليد، والإشارة بالرأس، والخطوات اليسيرة، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جِئْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي فِي الْبَيْتِ، وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فَمَشَى حَتَّى فَتَحَ لِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ، وَوَصَفَتِ الْبَابَ فِي الْقِبْلَةِ (١). وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا (٢). وكذلك لما صلى ﵊ على المنبر سَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ، فكان إذا أراد أن يسجد تأخر وسجد على الأرض، فإذا قام تقدم على المنبر، وقال النبي ﷺ : ((إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا، وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي)) (٣).

стр. 808

بَابُ جَوَازِ لَعْنِ الشَّيْطَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَالتَّعَوُّذِ مِنْهُ، وَجَوَازِ الْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ [٥٤١] حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يقول: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُّهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ- أَوْ: كُلُّكُمْ-، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا)). [خ: ٤٦١] وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ شُعْبَةُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ- هُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ-.ح، قَالَ: حَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَوْلُهُ: ((فَذَعَتُّهُ))، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ: ((فَدَعَتُّهُ)). قوله: ((ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ))، يعني: ذكر أن تسخير الشياطين من خصائص سليمان ﵇، فلقد سُخِّرت له الشياطين والريح، قال تعالى: ﴿والشياطين كل بناء وغواص﴾، وقال تعالى على لسان سليمان: ﴿رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾، فخشي ﵊ أن يكون إذا ربط هذا العفريت من الجن أن يكون شارك سليمان ﵇ في تسخير الجن، فتركه. وقوله: ((فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا)) فيه: دليل على أن الشيطان قد يسلَّط على الإنسان، وعلى الرجل الصالح، بل على النبي ﷺ .

стр. 809

[٥٤٢] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ يقول: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ))، ثُمَّ قَالَ: ((أَلْعَنُكَ بِلَعْنَة اللَّهِ)) - ثَلَاثًا- وَبَسَطَ يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ، شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ قَالَ: ((إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنَ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ، لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ)). في هذا الحديث: عتو هذا الشيطان- والعياذ بالله- لما يلي: أولًا: أنه جاء بشهاب من نار؛ ليحرق وجه النبي ﷺ . ثانيًا: أن النبي ﷺ لعنه ثلاثًا، واستعاذ ثلاثًا، ولم يستأخر. وفيه: دليل على أنه لا بأس بالاستعاذة من الشيطان في الصلاة، فإذا كثرت الوساوس على الإنسان جاز له أن يستعيذ بالله من الشيطان، كما قال النبي ﷺ : ((أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ)).

стр. 810

بَابُ جَوَازِ حَمْلِ الصِّبْيَانِ فِي الصَّلَاةِ . [٥٤٣] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. ح، وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ، بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا؟ قَالَ يَحْيَى: قَالَ: مَالِكٌ: نَعَمْ! . [خ: ٥١٦] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنِ عَجْلَانَ، سَمِعَا عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ- وَهِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ، وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ، أَعَادَهَا. حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ الأَنْصَارِيَّ يقول: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي لِلنَّاسِ، وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عُنُقِهِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح، قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، جَمِيْعًا عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيِّ، سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ يقول: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسٌ، خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ فِي تِلْكَ الصَّلَاة.
следующие страницы →