المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
كلية أصول الدين
قسم القرآن وعلومه
استدراكات السمين الحلبي في الدر المصون
على ابن عطية في القراءات والتفسير وإعراب القرآن
جمعًا ودراسة
رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في القرآن وعلومه
إعداد الطالبة
هنادي بنت عبد العزيز بن أحمد الموسى
إشراف
د. نور محمد علي مكاوي
الأستاذ المساعد بقسم القرآن وعلومه
العام الجامعي: ١٤٣٣/ ١٤٣٤ هـ
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
المقدمة
الحمد لله الذي أنعم علينا بالقرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جعله - تعالى- عبرة لمن اعتبر، وكفاية لمن تفكر في آياته وتدبر، وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، والصلاة والسلام على نبينا المختار، وعلى آله وصحبه الطيبين الأخيار، وعلى التابعين لهم بإحسان والمقتدين بهم في كل زمان.
أما بعد:
فإن علوم الدين الإسلامي هي أشرف العلوم وأنفعها، وقد تعددت هذه العلوم وتنوعت، وعلم التفسير هو أعلاها قدرًا وأسماها منزلة؛ لتعلقه بكلام الله - تعالى-، ونظرًا لأهمية علم التفسير ومنزلته صنف كثير من العلماء في هذا العلم، وتنوعت طرائقهم في التصنيف، وتعددت اهتماماتهم، وكان من هؤلاء العلماء: شهاب الدين أبو العباس أحمد بن يوسف، المعروف بالسمين الحلبي، فقد صنف كتابه (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون)، وركز فيه على الناحية اللغوية والإعرابية للقرآن الكريم، فهو من أبرز مراجع التفسير اللغوي وإعراب القرآن، كما اعتنى بتوجيه القراءات القرآنية صحيحها وشاذها.
وقد تعددت مصادره التفسيرية واللغوية في هذا الكتاب، لكنه لا يكتفي بالنقل عمن سبقه بل يناقش الأقوال ويرجح ويدلل، كل ذلك في أسلوب علمي مميز قائم على منهج منضبط.
стр. 4
وكان من أبرز مصادره: تفسير ابن عطية، وهو يحتل الدرجة الثالثة بعد كتابي أبي حيان والزمخشري في المصادر التي نقل عنها (١).
ولم يكتفِ بالنقل عنه بل استدرك عليه وناقشه كثيرًا، وقد أفصح عن ذلك في مقدمة كتابه حيث قال: "وذكرت كثيرًا من المناقشات الواردة على أبي القاسم الزمخشري وأبي محمد بن عطية" اهـ (٢)، وكانت أغلب تلك المناقشات في مجال الإعراب والقراءات، ونظرًا لكثرتها وقيمتها العلمية اخترتها لتكون موضوع بحثي لرسالة الماجستير في القرآن وعلومه.
وقد تتبعتُ المواضع التي نقل فيها السمين عن ابن عطية ثم أتبع قول ابن عطية بقول له يبين فيه خطأه ويرد عليه، أو يُكمل نقصًا في قوله أو يزيل عنه لبسًا، أو يذكر معنى أولى من قول ابن عطية لوجهٍ من وجوه الترجيح، وجمعت تلك الاستدراكات وقسّمتها حسب موضوعها، ورتبتها حسب ترتيب السور والآيات في المصحف، ثمّ درست تلك الاستدراكات.
* أهمية الموضوع وأسباب اختياره:
١ - أن أسلوب الاستدراك من الأساليب المعتمدة في بيان المعاني وإيضاحها، وهو من أفضل أساليب الرد والتصحيح. (٣)
٢ - أهمية تفسير ابن عطية وقيمته العلمية الفائقة جعلتني أختار أقواله التي تعقبه فيها السمين كموضع للبحث والدراسة.
٣ - تميز السمين الحلبي في مناقشاته، ودقة استدراكاته، وتحليه بالأسلوب العلمي في الرد على من خالفه.
стр. 5
٤ - كثرة استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية، وقيمتها العلمية، واعتدال السمين في موقفه من ابن عطية؛ فتارة ينقل عنه ويؤيد قوله، وتارة يرد عليه، وتارة يدافع عنه أمام مَن رد عليه ويلتمس له الأدلة.
٥ - مكانة الدر المصون العلمية؛ فهو يعد جامعًا لخلاصة كثير من كتب إعراب القرآن، وقد قيل عنه: هو أجل كتب إعراب القرآن (١)، وعُني أيضاً بذكر القراءات ودافع عنها وخرجّها، كما أنه يعتبر من أبرز مراجع التفسير اللغوي.
٦ - تميز منهج السمين الحلبي في إعراب القرآن؛ فهو يلتزم بالظاهر ويرفض التكلف في الإعراب، كما أنه اعتمد القرآن الكريم والحديث النبوي وكلام العرب في إعرابه للقرآن، واعتنى بالترجيح بين الأعاريب.
* أهداف البحث:
١ - بيان موقف السمين الحلبي من تفسير ابن عطية.
٢ - جمع استدراكات السمين على ابن عطية في بحث مستقل.
٣ - دراسة استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية دراسة مقارنة، وترجيح ما يظهر رجحانه.
* حدود البحث:
استدراكات السمين الحلبي في "الدر المصون" على ابن عطية في القراءات والتفسير وإعراب القرآن، من أول القرآن إلى آخره، وجمعها ودراستها.
ويخرج بهذا القيد: استدراكات أبي حيان على ابن عطية التي نقلها السمين عن شيخه نصًا أو مع شيء من التصرف أو الاختصار (٢)، أمّا الاستدراكات التي نقلها مع زيادة منه على كلام شيخه كأنْ يضيف سببًا لتضعيف قول ابن عطية لم يذكره شيخه فتلك داخلة في هذا البحث.
стр. 6
* الدراسات السابقة:
لم أجد دراسة عنيت بجمع استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية، ولكن هناك دراسات تناولت بعض الجوانب المتعلقة بهذا الموضوع، ودراسات أخرى ليس لها علاقة بموضوع بحثي، وفيما يلي ذكر لأبرز تلك الدراسات:
١ - منهج السمين الحلبي في التفسير في كتابه الدر المصون، للدكتور: عيسى الدريبي، وهي رسالة قدمت لنيل درجة الماجستير في قسم القرآن بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود، ونوقشت عام ١٤١٨ هـ.
وقد بين الباحث في رسالته أن تفسير ابن عطية من المصادر الأساسية التي اعتمد عليها السمين الحلبي في "الدر المصون"، وتحدث عن المجالات التي نقل عنه فيها، وطريقته في النقل عنه، وموقفه مما ينقله، وذكر أيضًا أن السمين اعتنى بمناقشة المعربين والرد عليهم ومنهم ابن عطية.
٢ - اختيارات السمين الحلبي في كتاب الدر المصون: دراسة وتقويمًا، للباحث: محمد عبد الصمد، وهي رسالة قدمت لنيل درجة الماجستير في قسم النحو بكلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود، ونوقشت عام ١٤١٧ هـ.
وهي دراسة نحوية صرفية، وفيها بعض استدراكات السمين النحوية على ابن عطية.
٣ - التوجيهات النحوية للقراءات الشاذَّة في (الدر المصون) للسمين الحلبي، جمعًا ودراسةً، للباحث: إبراهيم سالم الصاعدي، وهي رسالة دكتوراه في الجامعة الإسلامية، ونوقشت عام ١٤٢٥ هـ.
стр. 7
وهذه الدراسة لها علاقة بموضوع بحثي من حيث إن بعض استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية كانت في مجال القراءات الشاذة، إلا أنها دراسة نحوية تعتمد على قواعد النحو في الدراسة والترجيح، بخلاف دراستي التي ستكون تفسيرية، وتقوم على قواعد الترجيح المتعلقة بالقراءات والإعراب عند المفسرين.
٤ - اعتراضات السمين الحلبي النحوية للزمخشري في الدر المصون: جمعاً ودراسة وتقويما، للباحث: عبد الله الجعفري، رسالة ماجستير في النحو والصرف وفقه اللغة بكلية اللغة العربية في جامعة الإمام محمد بن سعود، ونوقشت عام ١٤١٧ هـ.
وهذه الدراسة وما سيذكر بعدها من الدراسات النحوية والتصريفية والبلاغية ليس لها علاقة بموضوع بحثي.
٥ - اعتراضات السمين الحلبي النحوية والتصريفية في كتابه (الدر المصون) على أبي البقاء العكبري في كتابه (التبيان في إعراب القرآن) للباحث: التلبدي محمد، رسالة ماجستير بكلية اللغة العربية، جامعة الإمام محمد بن سعود، ونوقشت عام ١٤٠٩ هـ.
٦ - اعتراضات السمين الحلبي في الدر المصون على أبي حيان: دراسة نحوية صرفية، للباحث: عبد الله الطريقي، وهي رسالة دكتوراه في كلية اللغة العربية بالجامعة الإسلامية، ونوقشت عام ١٤٢٠ هـ.
٧ - مسائل التصريف عند السمين الحلبي من خلال كتابيه: (الدر المصون، وعمدة الحفاظ) دراسة وتقويم، للباحث: عبد الواحد الحربي، رسالة ماجستير بكلية اللغة العربية- الجامعة الإسلامية، ونوقشت عام ١٤٢٣ هـ.
стр. 8
٨ - مسائل علم المعاني في كتاب (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون) للسمين الحلبي، دراسةً وتقويمًا، للباحث: صالح أحمد عليوي، رسالة ماجستير بكلية اللغة العربية- جامعة الإمام محمد بن سعود، ونوقشت عام ١٤١٨ هـ.
٩ - مسائل البيان في كتاب (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون) للسمين الحلبي، للباحث: هارون المهدي، رسالة ماجستير، بكلية اللغة العربية- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ونوقشت عام ١٤١٩ هـ.
* الجديد في بحثي:
بيان موقف السمين الحلبي في الدر المصون من ابن عطية، وجمع استدراكات السمين الحلبي في الدر المصون على ابن عطية في تفسيره، ودراستها دراسة مقارنة، وبيان القول الراجح في كل موضع، وذكر سبب الترجيح.
стр. 9
* خطة البحث:
قسمت البحث إلى مقدمة، وتمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة.
- المقدمة: وتشتمل على: أهمية الموضوع وأسباب اختياره، وأهداف البحث، وحدود البحث، والدراسات السابقة، وخطة البحث، ومنهجي فيه.
- التمهيد: وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معنى الاستدراك وأغراضه وأنواعه، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: معنى الاستدراك وأغراضه.
المطلب الثاني: أنواع الاستدراكات.
المبحث الثاني: التعريف بابن عطية والسمين الحلبي وكتابيهما في التفسير، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف بابن عطية وكتابه في التفسير.
المطلب الثاني: التعريف بالسمين الحلبي وكتابه في التفسير.
المبحث الثالث: موقف السمين الحلبي في الدر المصون من تفسير ابن عطية.
الفصل الأول: استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية في القراءات.
الفصل الثاني: استدراكاته في التفسير اللغوي وإعراب القرآن، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: استدراكاته في التفسير اللغوي.
المبحث الثاني: استدراكاته في إعراب القرآن.
стр. 10
الفصل الثالث: استدراكاته في التفسير بالرأي.
- الخاتمة: وفيها أبرز النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث.
- الفهارس الفنية للبحث:
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الأحاديث النبوية.
فهرس الأعلام.
فهرس الأشعار.
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الموضوعات.
* منهج البحث:
يقوم البحث على المنهج الاستقرائي المقارن، وفق ما يلي:
١ - في دراسة الاستدراكات أبدأ بذكر الآية التي ورد فيها الاستدراك، ثم أذكر قول ابن عطية، ثم استدراك السمين عليه، ثم أقوم بدراسة الاستدراك ذاكرةً أقوال العلماء في المسألة أو المسائل المتعلقة بالاستدراك، مصرحةً بأسماء أبرز العلماء الذين وافقوا وخالفوا ابن عطية والسمين، ثم أختم بما يظهر لي أنه الراجح مع بيان سبب الترجيح، وأحكم على الاستدراك.
٢ - قسمت الاستدراكات حسب موضوعها، ورتبت الاستدراكات في كل موضوع حسب ترتيب السور والآيات في المصحف.
٣ - كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع عزوها إلى سورها وذكر أرقامها.
стр. 11
٤ - أعزو القراءات القرآنية إلى أصحابها وأخرجها من مظانها المعتمدة، وأقوم بالحكم عليها وتوجيهها.
٥ - أخرج الأحاديث من كتب السنة المسندة، وذلك بذكر الجزء والصفحة، والكتاب والباب، ورقم الحديث، وأكتفي بتخريج الحديث من الصحيحين أو أحدهما إنْ وجد فيهما، وإن لم يكن في أي منهما فأخرجه من أمهات كتب السنة، وأنقل كلام أهل العلم في الحكم عليه ودرجته.
٦ - أعزو الآراء لكتب قائليها مباشرة، إلا إذا تعذر الأصل فإني أعزو إلى أوثق المصادر المعتمدة.
٧ - أوثق المعاني اللغوية من المعاجم المعتمدة بذكر المادة والجزء والصفحة.
٨ - أذكر تعريفًا بالمصطلحات من كتب العلم الذي يتبعه المصطلح أو من كتب المصطلحات المتعمدة.
٩ - أنسب الأبيات الشعرية لقائليها، وأوثقها من دواوين أصحابها إذا توفرت، وإلا فمن دواوين اللغة والأدب.
١٠ - أوضح المراد بالكلمات الغريبة، وأضبط الكلمات المشكلة بالشكل، كل ذلك من مظانه المتعمدة.
١١ - أعرف بالأعلام غير المشهورين بإيجاز، وأرجع في ذلك إلى الكتب الأصلية والمتخصصة في الترجمة، وأكتفي بمصدرين غالبًا.
١٢ - اعتني بقواعد اللغة والإملاء، وعلامات الترقيم.
١٣ - عند النقل أو الاستفادة من كتب أخرى أبيّن ذلك، فإذا كان النقل بالنص أذكر اسم الكتاب والمؤلف -إنْ لم أذكره في المتن- والجزء والصفحة، مع جعل النص بين علامتي تنصيص هكذا: " ... " خلافًا للحديث أو الأثر فإني أضعه بين قوسين هلاليين هكذا: ( ... ).
وإن كان النقل بالمعنى أذكر اسم الكتاب مسبوقًا بكلمة: يُنظر، دون جعل النص المنقول بين علامتي تنصيص أو قوسين، وأذكر اسم المؤلف والجزء والصفحة، أما بقية معلومات المرجع فأذكرها في آخر البحث ضمن الفهارس.
стр. 12
وختامًا فما كان في هذا البحث من صواب فمن الله ، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان.
وبعد شكر الله -تعالى- أشكر كلّ مَن أفادني، وشدَّ من أزري، وكانَ عونًا لي في مسيرتي العلمية عمومًا وفي هذه المرحلة خصوصًا.
أسأل الله - تعالى- أن ينفع بهذا العمل كاتبته وكلّ مَن يطلع عليه، وأسأله - تعالى- التوفيقَ والسداد، وصلّى الله وسلّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 13
التمهيد
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معنى الاستدراك وأغراضه وأنواعه، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: معنى الاستدراك وأغراضه.
المطلب الثاني: أنواع الاستدراكات.
المبحث الثاني: التعريف بابن عطية والسمين الحلبي وكتابيهما في التفسير، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: التعريف بابن عطية وكتابه في التفسير.
المطلب الثاني: التعريف بالسمين الحلبي وكتابه في التفسير.
المبحث الثالث: موقف السمين الحلبي في الدر المصون من تفسير ابن عطية.
стр. 14
المبحث الأول
معنى الاستدراك وأغراضه وأنواعه
المطلب الأول: معنى الاستدراك وأغراضه .
أولاً: معنى الاستدراك:
الاستدراك لغةً:
الاستدراك: اسْتِفْعَالٌ مِنْ (دَرَكَ) يفيد معنى الطلب واللحاق (١)، قال ابن فارس (٢): "الدال وَالراء وَالكاف أصلٌ واحدٌ، وهو لُحوقُ الشيءِ بالشيءِ ووصولُه إليه"اهـ (٣)، يقال: ...
стр. 15
" أدركتُ الرجلَ إدراكاً: إذا لحقته" (١)، وتَدَاركَ القومُ: لَحِق آخرُهم أولَهم (٢)، و (استدركَ) ما فات و (تدارَكَه) بمعنىً (٣).
قال الزمخشري (٤): "وتدارك خطأ الرأي بالصواب واستدركه، واستدرك عليه قوله"اهـ (٥)، وقال الزبيدي (٦): "استدركَ عليه قولَه: أصلح خطأه، ومنه المستدرك على الصحيحين"اهـ (٧)، وفي المعجم الوسيط: استدرك عليه القول: أصلح خطأه أو أكمل نَقصه أو أزال عنهُ لبساً (٨).
فيظهر مما ذُكر أن الاستدراك في اللغة له استعمالان:
الأول: أن يستدرك الشَّيءَ بالشَّيءِ، إذا حاولَ اللَّحَاقَ به.
стр. 16
والثاني: في مثلِ قولهم: استدركَ الرأي والأمر، إذا تلافى مَا فَرَّطَ فيه مِنَ الخطأِ أو النقص (١).
الاستدراك اصطلاحاً:
الاستدراك في اصطلاح النحويين: رفع توهُّمٍ نشأ من كلام سابق (٢).
وفي اصطلاح الفقهاء (٣): إصلاحُ ما حصل في القول أو العمل من خللٍ أو قُصورٍ أو فَوات (٤).
والمراد بالاستدراك في هذا البحث: التصويب والإكمال والتوضيح، وذلك من خلال إتباعُ القول الأول بقول ثانٍ؛ يصلحُ خطأه، أو يكمل نقصه، أو يزيلُ عنه لَبْساً (٥).
وهذا المعنى هو الذي أراده العلماء الذين صنفوا في مجال الاستدراكات في شتى العلوم.
стр. 17
ومن أمثلة ذلك:
في التفسير: جزء فيه استدراك أم المؤمنين عائشة ﵂ على الصحابة (١)، لأبي منصور الشِّيْحِي البغدادي (٢)، والاستدراك هنا بمعنى التصويب.
وقد قام بدر الدين الزركشيّ (٣) بنقل هذه الاستدراكات، وزاد عليها ورتبها في مصنف مستقل، سمّاه: الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة (٤).
في الحديث: المستدرك على الصحيحين (٥)، للحاكم (٦)، والاستدراك هنا بمعنى الإضافة والإكمال.
стр. 18
في الفقه: المستدرك في فروع الشافعية (١) لإسماعيل بن محمد البُوشَنْجِي الشافعي (٢)، والاستدراك هنا بمعنى التنقيح والإضافة.
في اللغة: الاستدراك على الخليل في المهمل والمستعمل (٣) لأبي تراب اللغوي (٤)، والاستدراك هنا بمعنى التصويب والإضافة والتهذيب.
ثانياً: أغراض الاستدراك:
يمكن حصر أغراض الاستدراكات في التفسير في غرضين رئيسين:
стр. 19
الأول: رد قول المستدرَك عليه وإبطاله، وإصلاح خطئه، مع بيان وجه نقده أحياناً.
والثاني: تكميل نقص في قول المستدرَك عليه، وإزالة لبسه، وتوجيه السامع إلى معنى أولى منه لوجه من وجوه الترجيح التي تُذكر أحياناً (١).
وقد يقع الاتفاق على القول والاختلاف في الدليل أو التعليل.
كأن يقول المستدرِك: وقوله -أي قول المستدرَك عليه- هو الصحيح ولكن الدليل لا يصح، أو ولكن العلة التي ذكرها ليست صحيحة، أو لا تصلح كتعليل لذلك القول، ثم يثني بذكر الدليل الصحيح أو التعليل الملائم، وهذا يدخل في ردّ الخطأ وتصحيحه، وإكماله بذكر دليله أو علته.
ومن خلال أغراض الاستدراك نستشف بعضاً من فوائد دراسة الاستدراكات، ومن أبرزها:
١ - معرفة أصح الأقوال وأولاها بالقبول في تفسير كتاب الله -تعالى-.
٢ - أن هذه الاستدراكات أبرزت قواعد الترجيح (٢)، وساهمت في حصر وجوهها (٣).
٣ - معرفة أسباب الخطأ في التفسير (٤)، وإذا عُلمت تلك الأسباب اجتُنبت (٥).
стр. 20
المطلب الثاني: أنواع الاستدراكات .
تنوعت الاستدراكات في التفسير باعتبار موضوعها ومجالها، ويمكن إجمالها في نوعين رئيسين:
١ - استدراكات في النقل والأثر.
وهي الاستدراكات التي تدور حول ما يُنقل بالأثر، وفي قبول هذا المنقول أو عدم قبوله أو تصحيحه.
أمثلتها: الاستدراكات التي تختص بقبول قراءة قرآنية أو ردها، والاستدراكات المختصة بقبول شيء من الإسرائيليات أو ردها أو تصحيحها، والاستدراكات المتعلقة بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ من ناحية ثبوت ذلك أو عدم ثبوته.
٢ - استدراكات في الرأي والنظر.
стр. 21
وهي الاستدراكات الناشئة عن اختلاف المفسرين في معنى الآية وتفسيرها، وبيان ألفاظها، وأحكامها، وإعرابها، ونحو ذلك؛ اختلافاً في الرأي والنظر لا في النقل والأثر.
أمثلتها: الاستدراكات في توجيه القراءات، والاستدراكات المتعلقة برأي مفسرٍ ما في معنى الآية، والاستدراكات في إعراب القرآن، والاستدراكات في معاني الألفاظ القرآنية.
стр. 22
المبحث الثاني
التعريف بابن عطية والسمين الحلبي وكتابيهما في التفسير
المطلب الأول: التعريف بابن عطية وكتابه في التفسير .
أولاً: حياة ابن عطية الشخصية والعلمية .
- اسمه ونسبه وكنيته ومولده ووفاته:
هو عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي، الغرناطي، أبو محمد، وُلد سنة ٤٨١ هـ، وتوفي بحصن لورقة (١) سنة ٥٤١ هـ، وقيل: ٥٤٢ هـ، وقيل: ٥٤٦ هـ (٢).
- شيوخه:
تتلمذ ابن عطية على جماعة من العلماء (٣)، وفيما يلي ذِكرٌ لأبرزهم، وما أخذ عنهم:
١ - الحسين بن محمد الغساني الأندلسي الجَيَّانِيّ (٤)، أبو علي، المحدث الحافظ، من علماء اللغة والإعراب والشعر والأنساب، من مؤلفاته (تقييد المهمَل) ضبط فيه كل لفظ يقع فيه اللبس من رجال الصحيحين، توفي سنة ٤٩٨ هـ (٥).
стр. 23
سمع ابنُ عطية مِنهُ ألفاظاً من اللُّغة وأبياتاً من الشّعر وقيَّدها عنه، وقرأ عليه كتاب الموَطَّأ، وسنن أبي داوُد سُلَيْمَان بن الأشعث السجستانِي (١)، وناوله الجيانيُّ كتابَ الاستذكار في شرح الموطأ، كما ناوله بعضاً من كتب الأدب وأخبار العرب (٢).
٢ - الحسينُ بنُ مُحمَّدِ الصَّدفِي الأَندَلُسِيّ السَّرَقُسْطِي، أبو علي، المعروف بابن سُكَّرَة، الحافظُ، القاضي، رحل كثيراً إلى بلاد المشرق طلباً للعلم، توفي سنة ٥١٤ هـ (٣).
قرأ عليه ابنُ عطية جامع التِّرمذيّ (٤)، وحدّث ابنَ عطية إجازَةً بالتاريخ الكبير (٥).
стр. 24
٣ - غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن تمَّام بن عطيَّةَ المُحَارِبِيّ الأَندَلُسِيّ الغَرنَاطِي، أبو بكر، المحدّث الحافظُ الفقيه، والد ابن عطية، توفي سنة ٥١٨ هـ (١).
قرأ عليه ابنُ عطية عددًا من كتب السنة، والسيرة، والتفسير، والنحو (٢).
٤ - عبد الرحمن بن محمد بن عَتَّاب القرطبي، أبو محمد، المحدث الفقيه، عُرف بعلو الإسناد وسعة الرواية، وكان صدراً فيمن يُسْتَفتَى لِسنّه وتقدمه في عصره، له كتاب (شفاء الصدور) في الزهد والرقائق، توفي سنة ٥٢٠ هـ (٣).
قرأ عليه ابنُ عطية كتابَ الموطأ (٤).
٥ - علي بن أحمد بن خلف الأنصاري الغرناطي، أبو الحسن، المعروف بابن البَاذِش (٥)، المُقرِئ النحويّ، كان عالماً بالقرآن والحديث واللغة والشعر والنحو، ومِن أهل التقدم في علم القراءات والضبط للروايات، ومِن أحفظ الناس لكتاب سِيبَوَيْه (٦)، توفي سنة ٥٢٨ هـ (٧).
стр. 25
قرأ عليه ابنُ عطية بعض كتاب سِيبَوَيْه (١).
هؤلاء بعض الشيوخ الذين تتلمذ عليهم ابن عطية، وروى عنهم (٢).
- تلاميذه:
كان ابن عطية من كبار العلماء في عصره، وحرص طلاب العلم على الانتفاع بعلمه؛ فتتلمذ عليه كثيرٌ منهم، وفيما يلي ذكر لبعض تلاميذه:
١ - محمد بن خَيْرِ بنِ عُمر بن خَلِيفَةَ اللَّمْتُوْنِيّ الإِشْبِيْلِيّ، أبو بكر، المعروف بابن خَيْر، الحافظُ، المُجَوِّدُ، المُقْرِئُ، أحد المقرئين المحدثين المشهورين بحسن الضبط وإتقان التقييد، مع معرفته بالعربية واللغة والأدب والغريب، كان مُكثِراً في الرواية، وَسَمِعَ مِن أكثر مِن مائة نَفْس، من أشهر مصنفاته: فهرسة ما رواه عن شيوخه (فهرسة ابن خير الإشبيلي)، توفي سنة ٥٧٥ هـ (٣).
стр. 26
قرأ ابنُ خير الإشبيلي على ابن عطية بعضاً من شروح الموطأ، وكتاب (تَقْيِيد المهمَل وتمييز المشكِل) لأبي عَليّ الغساني (١).
٢ - عبد الرحمن بنُ مُحمَّدِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ يُوْسُفَ الأنْصارِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ، أبو القاسم، المعروف بابن حُبَيْش، القاضي، الحافظُ، كان عارفاً بصناعة الحديث، عالماً بطريق الرواية، مقيداً ضابطاً حافظاً لأسماء الرجال، متقدماً في اللُّغَة وَالأَدب، من أئمة القراءات، وكانت الرحلة إليه في زمانه، توفي سنة ٥٨٤ هـ (٢).
٣ - أحمد بن عبد الرحمن بن مُحَمَّد بن مَضاء اللَّخْمِيّ القُرطُبيّ، أبو العباس، القاضي، النحوي، كان مقرئاً مجوداً مُحدثا مكثراً واسع الروايةِ عاليها ضابطاً لما يحدث به، وكان عارفًا بالفقه وأصوله، مُتَقَدما في علم الكلام، ماهراً في كثير من علوم الأوائل كالطب والحساب، وكان له تقدم في علم العربية، توفي سنة ٥٩٢ هـ (٣).
стр. 27
٤ - عبد المُنعِم بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحيم الأَنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، أبو مُحَمَّد، المعروف بابن الفَرَسِ، القاضي، شيخ المالكية في زمانه، برعَ في الفِقْه والأصول، وألف كتاباً في أحكام القرآن، قيل: اضطرب قبل موته بعامين فتُرك الأخذُ عنه إلى أنْ توفي سنة ٥٩٧ وقيل: ٥٩٩ هـ (١).
٥ - مُحَمَّدُ بن سعيد بنِ عَلِيٍّ الأنصَارِيّ الأَنْدَلُسِيّ الغَرْنَاطِي، أبو عبد الله، المعروف بالطَّرَّاز، المُقرِئُ، المُجَوِّدُ، المُحَدِّثُ الحافظُ، كان مشاركاً في علم العربية والفقه والأصول، وكان مِمَّن وَضَع الله لَهُ ودّاً فِي قلوب عباده، وكان مِنْ أَشدّ النَّاس غيرَةً على السنة وأهلها وأَبغَضِهِم في أهل الأهواء والبِدَع، توفي سنة ٦٤٥ هـ (٢).
- عقيدته:
القاضي ابن عطية أشعريّ العقيدة، اتبع منهج السلف في بعض المسائل العقدية وخالفهم في بعضها الآخر.
فمن المسائل التي وافق فيها أهل السنة والجماعة:
стр. 28
مسألة الرؤية؛ فأثبت أن العباد يرون ربهم يوم القيامة (١)، ومسألة مرتكب الكبيرة؛ فيرى أنه لا يخلد في النار (٢)، كما وافق السلف في مسألة ثبوت الشفاعة لعصاة الموحدين (٣).
وخالف أهل السنة والجماعة في تأويله لبعض صفات الله ، ومن الصفات التي أوَّلهَا:
صفة الاستواء على العرش؛ حيث يقول: هي استواء القدرة والسلطان (٤)، كما أوّل صفة اليد لله تعالى؛ فقال: هي عبارة عن الإنعام (٥).
- مذهبه الفقهي:
ابنُ عطية مالكيّ المذهب، وهو من أعيان المذهب المالكي (٦)، وعند تفسيره لآيات الأحكام يعرض المذاهب الفقهية المختلفة دون أن يتعصب لمذهبه الفقهي، ويولي آراء الإمام مالك (٧) عناية خاصة (٨).
стр. 29
- مذهبه النحوي:
كان ابن عطية متبعاً للمذهب البصري في النحو، معجباً بآراء سيبويه (١)، وقد درس كتب البصريين وشروحها على أكثر من شيخ لا سيما كتاب سيبويه وكتاب الجمل في النحو (٢).
ثانياً: التعريف بتفسير ابن عطية .
اسم هذا التفسير: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز.
قال ابن عطية عن تفسيره: " قصدت فيه أن يكون جامعاً وجيزاً محرراً، لا أذكر من القصص إلا ما لا تنفك الآية إلا به، وأثبت أقوال العلماء في المعاني منسوبة إليهم على ما تلقى السلف الصالح ﵃ كتابَ الله ... وسردت التفسير في هذا التعليق بحسب رتبة ألفاظ الآية من حكم، أو نحو، أو لغة، أو معنى، أو قراءة ... وقصدت إيراد جميع القراءات: مستعملها وشاذها، واعتمدت تبيين المعاني وجميع محتملات الألفاظ، كل ذلك بحسب جهدي وما انتهى إليه علمي، وعلى غاية من الإيجاز وحذف فضول القول".اهـ (٣)
ويعتبر تفسير ابن عطية من أحسن التفاسير وأعدلها، وقد اطلع على تصانيف مَن كان قبله فهذبها ولخصها، وهو مع ذلك حسن العبارة (٤).
стр. 30
قال أبو حيان (١) - مقارناً بين تفسير ابن عطية والزمخشري-: "كتاب ابن عطية أنقَل وأجمع وأخلص، والزمخشري ألخص وأغوص". اهـ (٢)
وقال ابن خلدون (٣): "فلمّا رجع النّاس إلى التّحقيق والتّمحيص، وجاء أبو محمّد بن عطيّة من المتأخرين بالمغرب فلخّص تلك التّفاسير كلّها، وتحرّى ما هو أقرب إلى الصّحّة منها، ووضع ذلك في كتاب متداول بين أهل المغرب والأندلس حسن المنحى". اهـ (٤)
فتفسير ابن عطية من التفاسير الجامعة المحررة، فاستحق أن يوصف بأنه (محرَّر)؛ فقد حرر ما هو محتاج إلى التحرير، وهو (وجيز) بالنسبة إلى التفاسير التي سبقته (٥).
وقد أضفى ابن عطية على تفسيره من روحه العلمية الفيّاضة ما أكسبه دقة، ورواجاً، وقبولاً، وصار أصدق شاهد لمؤلفه بإمامته في العربية وغيرها من النواحي العلمية المختلفة.
стр. 31
وهو في تفسيره يذكر الآية ثم يفسِّرها بعبارة سهلة، ويورد من التفسير المأثور، ويناقش المنقول أحياناً، وهو كثير الاستشهاد بالشعر العربي، ويحتكم إلى اللغة العربية عندما يُوجه بعض المعاني، وهو كثير الاهتمام بالصناعة النحوية، كما أنه يتعرض كثيراً للقراءات ويُنزل عليها المعاني المختلفة (١).
ولكن يؤخذ على تفسير ابن عطية تأويل بعض آيات الصفات على مذهب الأشاعرة.
قال شيخ الإسلام: "وتفسير ابن عطية أتبع للسنة والجماعة وأسلم من البدعة من تفسير الزمخشري، ولو ذكر كلام السلف الموجود في التفاسير المأثورة عنهم على وجهه لكان أحسن وأجمل، فإنه كثيرًا ما يدع ما يُنقل عن السلف لا يحكيه بحال، ويذكر ما يزعم أنه قول المحققين، وإنما يعني بهم طائفة من أهل الكلام الذين قرروا أصولهم بطرق من جنس ما قررت به المعتزلة أصولهم، وإن كانوا أقرب إلى السنة من المعتزلة، لكن ينبغي أن يعطى كل ذي حق حقه، ويُعرف أن هذا من جملة التفسير على المذهب". اهـ (٢)
стр. 32
المطلب الثاني: التعريف بالسمين الحلبي وكتابه في التفسير .
أولاً: حياة السمين الحلبي الشخصية والعلمية .
- اسمه ونسبه وكنيته ووفاته:
أحمد بن يُوسُف بن محمد -وقيل عبد الدائِم- الحلبيّ، شهَاب الدّين، أبو العباس، المعروف بالسمين، توفي سنة ٧٥٦ هـ (١).
- شيوخه:
تتلمذ السمين الحلبي على يد شيوخٍ أجلاّء، وهم كثيرون، ومنهم:
١ - محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي الصائغ المصري الشافعي، تقي الدين، أبو عبد الله، المقرئ، مسند عصره وشيخ زمانه، تتلمذ على عدد كبير من الشيوخ، ورحل إليه الخلق من الأقطار، وازدحم الناس عليه لعلو سنده وكثرة مروياته، توفي سنة ٧٢٥ هـ (٢).
стр. 33
أخذ عنه السمينُ القراءات (١).
٢ - يونس بن إبراهيم بن عبد القوي الكِناني الدَبُّوسِي -ويُقال: الدَّبابيسي- العسقلاني، أبو النون، المحدث المُسْنِد، توفي سنة ٧٢٩ هـ (٢).
سمع منه السمينُ الحديث (٣).
٣ - أحمد بن محمد بن إبراهيم المرادي القرطبي، أبو العباس، المعروف بالعشَّاب، المقرئ، الفقيه الأديب، المحدث، توفي سنة ٧٣٦ هـ (٤).
أخذ عنه السمينُ القراءات (٥).
٤ - محمد بن يُوسُف بن حَيَّان الأندلسي الغرناطي، أثير الدّين، أبو حَيَّان، إمام النحو، المقرئ المفسر اللغوي المحدث المؤرخ الأديب، من تصانيفه: (البحر المحيط) في التفسير، و (إتحاف الأريب بِما في القرآن من الغريب)، توفي سنة ٧٤٥ هـ (٦).
стр. 34
أخذ عنه السمينُ النحو (١).
٥ - مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن نُمَير المصري، شمس الدّين، أبو عبد الله، المعروف بابن السّراج، الكَاتِب المجود المقرئ، توفي سنة ٧٤٧ هـ وقيل: ٧٤٩ هـ (٢).
قال الحافظ ابن حجر (٣): "حَدَّث عَن ابن السراج جماعة منهم ... أبو العَبَّاس السمين النَّحْوِيّ أحمد بن يوسُف" (٤).
- تلاميذه:
لا توجد معلومات كافية في كتب التراجم عن تلاميذ السمين، لكن ذُكر منهم:
يحيى بن أحمد بن صفوان القِيني الأندلسي المالكي، نزيل مصر، المقرئ، الإمام المحقق، أخذ القراءات عن جماعة منهم: أحمد بن يوسف السمين الحلبي، توفي بُعَيد السبعين وسبعمائة بمكة (٥).
стр. 35
- عقيدته:
السمين الحلبي أشعري في باب الأسماء الصفات، ومن الصفات التي أوّلها:
- صفة الغضب؛ فقال: هي الانتقام (١).
- صفة الحياء؛ حيث قال: هي مجاز عن الترك أو الخشية (٢).
- صفة الساق؛ حيث قال: هي كناية عن الشدة (٣).
ووافق أهل السنة والجماعة في أغلب مسائل العقيدة الأخرى، ومن المسائل التي وافقهم فيها:
١ - مسألة أفعال العباد؛ فهو يثبت أن الله هو خالق أفعال العباد، خيرًا كانت أو شرًا (٤).
٢ - مسألة الرؤية؛ فيثبت أن العباد يرون ربهم يوم القيامة (٥).
стр. 36
- مذهبه الفقهي:
السمين شافعيّ المذهب، وقد ترجم له مَن ألف في طبقات الشافعية (١).
- مذهبه النحوي:
السمين بصريّ الاتجاه في مجمل ما يقرره ويرجحه من آراء في النحو، وهو مع ذلك غير متعصب لمذهبه النحوي؛ فقد يخرج أحياناً عن قواعد البصريين ليؤيد الكوفيين (٢).
فنراه قد يرجح الرأي الكوفي إذا كان الدليل معه، مما يؤكد استقلال السمين في آرائه وترجيحاته في النحو عموماً وفي إعرابه للقرآن على وجه الخصوص (٣).
- مؤلفاته:
خلّف السمين عددًا من الكتب القيمة، منها:
١ - (التفسير الكبير): وهو الذي اطلع عليه ابن حجر فقال في ترجمة السمين: "وله تفسير القرآن في عشرين مجلدًا رأيته بخطه"اهـ (٤)، وهذا التفسير قد أحال إليه السمين في أكثر من موضع من الدر المصون وكان يسميه (التفسير الكبير) (٥).
стр. 37
٢ - (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون): قال عنه ابن حجر: "صنّفه في حياة شيخه أبي حيان، وناقشه فيه مناقشات كثيرة غالبها جيِّدة"اهـ (١).
وقد ركّز في كتابه هذا على مسائل إعراب القرآن وتوجيه القراءات المتواترة والشاذة.
وهو مطبوع، ومن أجود طبعاته طبعة دار القلم، بتحقيق الدكتور: أحمد الخراط، وتقع في أحد عشر مجلدًا.
٣ - (العقد النضيد في شرح القصيد): وهو شرح للشاطبية (حرز الأماني)، قال ابن الجَزرِي (٢): "شرَحَ الشاطبية شرحًا لم يسبق إلى مثله"اهـ (٣).
والكتاب لا يزال مخطوطاً، منه نسخة بدار الكتب المصرية.
٤ - (عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ): وهو من أوسع الكتب المصنفة في غريب القرآن.
له عدة طبعات محققة (٤).
٥ - (القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز): ويُسمى أيضاً (أحكام القرآن)، ولا يزال مخطوطاً، يقع في عشرة مجلدات، وفي دار الكتب المصرية نسخة منه (٥).
стр. 38
ثانياً: التعريف بكتابه .
اسم هذا الكتاب: الدر المصون في علوم الكتاب المكنون.
ألّف السمين الحلبي هذا الكتاب قاصدًا دراسة القرآن الكريم من حيث إعرابه، وتوجيه قراءاته المتواترة والشاذة، وتفسيره، معتمدًا على مصادر كثيرة في التفسير وإعراب القرآن، والقراءات، وغريب القرآن، والنحو واللغة.
وقد جمع فيه علم الإعراب، وعلم التصريف، وعلم اللغة، وعلم المعاني، وعلم البيان.
جاء في مقدمة كتابه: وقد ذَمَّ السلفُ الصالح الذين يتلون القرآن مِن غير فهم، فالأولى بالعاقل الأريب أن يطلع على علومه، قال: "وهي بعد تجويد ألفاظه بالتلاوة خمسة علوم: علم الإعراب، وعلم التصريف، وعلم اللغة، وعلم المعاني، وعلم البيان".اهـ (١)
فجمع أطراف هذه العلوم، وقال عن تصنيفه هذا: "هو لبّ كلام أهل هذه العلوم". ... اهـ (٢)
وكان من أغراضه الأساسية في هذا التصنيف: مناقشة المفسرين لاسيما المعربين منهم كأبي حيان، وابن عطية، والزمخشري (٣).
стр. 39
وهو من أجلِّ كتب إعراب القرآن، قال عنه السيوطي: "هو أَجَلُّهَا على ما فيه مِن حَشْوٍ وتطويل" (١).
والسمين عند عرضه للمسائل يهتم بنسبة الأقوال لأصحابها، ولا يخرج من أي مسألة حتى يوفيها حقها من البحث والدراسة، ولا يكتفي بالنقل، بل يناقش الأقوال مناقشة علمية منضبطة، ويهتم بالترجيح بين الأقوال (٢).
ويتوسع في حديثه عن المسائل النحوية والصرفية، وقد تميزت طريقته في ذلك بالتأصيل والتقعيد (٣)، وكان منهجه في إعراب القرآن منضبطاً متميزًا بمميزات كثيرة من أبرزها: الاهتمام بالمعنى، والالتزام بالظاهر في الإعراب (٤).
ويهتم كثيرًا بعرض القراءات القرآنية الصحيحة والشاذة منسوبة لأصحابها، موجهاً لها، ومدافعاً عنها، وقد يستخدم القراءة في الاحتجاج لرأي معين (٥).
ويولي مفردات القرآن عناية خاصة، ويبرز الجوانب البلاغية في الآيات القرآنية.
وتميزّ بذكر لفتات تفسيرية هامة فيما يتعلق بتفسير القرآن والاهتمام بخواتيم الآيات وغير ذلك (٦).
стр. 40
والدر المصون غني بالشواهد الشعرية لاسيما النادر منها (١).
ولم تكن للسمين عناية بالمسائل الفقهية والعقدية في هذا الكتاب.
وقد تميّز في كل ما سبق بحسن الترتيب والدقة في التنظيم (٢).