← Тафсир

Тафсир · id 12

استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية

هنادي بنت عبد العزيز الموسى

Полный текст (546 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

- مذهبه الفقهي: السمين شافعيّ المذهب، وقد ترجم له مَن ألف في طبقات الشافعية (١). - مذهبه النحوي: السمين بصريّ الاتجاه في مجمل ما يقرره ويرجحه من آراء في النحو، وهو مع ذلك غير متعصب لمذهبه النحوي؛ فقد يخرج أحياناً عن قواعد البصريين ليؤيد الكوفيين (٢). فنراه قد يرجح الرأي الكوفي إذا كان الدليل معه، مما يؤكد استقلال السمين في آرائه وترجيحاته في النحو عموماً وفي إعرابه للقرآن على وجه الخصوص (٣). - مؤلفاته: خلّف السمين عددًا من الكتب القيمة، منها: ١ - (التفسير الكبير): وهو الذي اطلع عليه ابن حجر فقال في ترجمة السمين: "وله تفسير القرآن في عشرين مجلدًا رأيته بخطه"اهـ (٤)، وهذا التفسير قد أحال إليه السمين في أكثر من موضع من الدر المصون وكان يسميه (التفسير الكبير) (٥).

стр. 37

٢ - (الدر المصون في علوم الكتاب المكنون): قال عنه ابن حجر: "صنّفه في حياة شيخه أبي حيان، وناقشه فيه مناقشات كثيرة غالبها جيِّدة"اهـ (١). وقد ركّز في كتابه هذا على مسائل إعراب القرآن وتوجيه القراءات المتواترة والشاذة. وهو مطبوع، ومن أجود طبعاته طبعة دار القلم، بتحقيق الدكتور: أحمد الخراط، وتقع في أحد عشر مجلدًا. ٣ - (العقد النضيد في شرح القصيد): وهو شرح للشاطبية (حرز الأماني)، قال ابن الجَزرِي (٢): "شرَحَ الشاطبية شرحًا لم يسبق إلى مثله"اهـ (٣). والكتاب لا يزال مخطوطاً، منه نسخة بدار الكتب المصرية. ٤ - (عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ): وهو من أوسع الكتب المصنفة في غريب القرآن. له عدة طبعات محققة (٤). ٥ - (القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز): ويُسمى أيضاً (أحكام القرآن)، ولا يزال مخطوطاً، يقع في عشرة مجلدات، وفي دار الكتب المصرية نسخة منه (٥).

стр. 38

ثانياً: التعريف بكتابه . اسم هذا الكتاب: الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. ألّف السمين الحلبي هذا الكتاب قاصدًا دراسة القرآن الكريم من حيث إعرابه، وتوجيه قراءاته المتواترة والشاذة، وتفسيره، معتمدًا على مصادر كثيرة في التفسير وإعراب القرآن، والقراءات، وغريب القرآن، والنحو واللغة. وقد جمع فيه علم الإعراب، وعلم التصريف، وعلم اللغة، وعلم المعاني، وعلم البيان. جاء في مقدمة كتابه: وقد ذَمَّ السلفُ الصالح الذين يتلون القرآن مِن غير فهم، فالأولى بالعاقل الأريب أن يطلع على علومه، قال: "وهي بعد تجويد ألفاظه بالتلاوة خمسة علوم: علم الإعراب، وعلم التصريف، وعلم اللغة، وعلم المعاني، وعلم البيان".اهـ (١) فجمع أطراف هذه العلوم، وقال عن تصنيفه هذا: "هو لبّ كلام أهل هذه العلوم". ... اهـ (٢) وكان من أغراضه الأساسية في هذا التصنيف: مناقشة المفسرين لاسيما المعربين منهم كأبي حيان، وابن عطية، والزمخشري (٣).

стр. 39

وهو من أجلِّ كتب إعراب القرآن، قال عنه السيوطي: "هو أَجَلُّهَا على ما فيه مِن حَشْوٍ وتطويل" (١). والسمين عند عرضه للمسائل يهتم بنسبة الأقوال لأصحابها، ولا يخرج من أي مسألة حتى يوفيها حقها من البحث والدراسة، ولا يكتفي بالنقل، بل يناقش الأقوال مناقشة علمية منضبطة، ويهتم بالترجيح بين الأقوال (٢). ويتوسع في حديثه عن المسائل النحوية والصرفية، وقد تميزت طريقته في ذلك بالتأصيل والتقعيد (٣)، وكان منهجه في إعراب القرآن منضبطاً متميزًا بمميزات كثيرة من أبرزها: الاهتمام بالمعنى، والالتزام بالظاهر في الإعراب (٤). ويهتم كثيرًا بعرض القراءات القرآنية الصحيحة والشاذة منسوبة لأصحابها، موجهاً لها، ومدافعاً عنها، وقد يستخدم القراءة في الاحتجاج لرأي معين (٥). ويولي مفردات القرآن عناية خاصة، ويبرز الجوانب البلاغية في الآيات القرآنية. وتميزّ بذكر لفتات تفسيرية هامة فيما يتعلق بتفسير القرآن والاهتمام بخواتيم الآيات وغير ذلك (٦).

стр. 40

والدر المصون غني بالشواهد الشعرية لاسيما النادر منها (١). ولم تكن للسمين عناية بالمسائل الفقهية والعقدية في هذا الكتاب. وقد تميّز في كل ما سبق بحسن الترتيب والدقة في التنظيم (٢).

стр. 41

المبحث الثالث موقف السمين الحلبي في الدر المصون من تفسير ابن عطية أولاً: مكانة تفسير ابن عطية عند السمين الحلبي . اعتمد السمين الحلبي في كتابه (الدر المصون) على تفسير ابن عطية اعتمادًا كبيرًا. وقد جعل الدكتور: أحمد الخراط (المحرر الوجيز) في المرتبة الثانية في المصادر التي نقل عنها السمين بعد تفسير أبي حيان (١)، بينما رأى الدكتور: عيسى الدريبي أنه يحتل المرتبة الثالثة بعد تفسير (البحر المحيط) لأبي حيان و (الكشاف) للزمخشري في المصادر التي نقل عنها السمين (٢)، وبعد التتبع والبحث الدقيق خلصتُ إلى أنّ تفسير ابن عطية يحتل المرتبة الثالثة في المصادر التي نقل عنها السمين (٣). ولا غرابة في ذلك؛ فإن تفسير ابن عطية أثّر كثيرًا في المفسرين من بعده، واعتمدوا عليه؛ لما تميّز به من تحرير للأقوال.

стр. 42

قال السمين متحدثاً عن منهجه في كتابه: "ذكرتُ كثيرًا من المناقشات الواردة على أبي القاسم الزمخشري وأبي محمد بن عطية ومحب الدين أبي البقاء (١)، وإن أمكن الجواب عنهم بشيءٍ ذكرتُه". اهـ (٢) ثانياً: المجالات التي نقل فيها السمين عن ابن عطية: نقل السمين عن ابن عطية وأفاد منه في مجالاتٍ عدة، وفيما يلي ذكر لأبرزها مع التمثيل: ١ - القراءات . نقل السمين عن ابن عطية كثيرًا في مجال القراءات، سواءً كان ذلك في نقلها ونسبتها لقارئيها أو في الحكم عليها وتوجيهها.

стр. 43

مثال ذلك: عند تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩] قال: "وقرأ أبو عمرو (١) فيما نَقَل عنه ابن عطية (٢): (ولامُرَنَّهم) بغيرِ ألفٍ".اهـ (٣). ٢ - النحو والإعراب . وهو أكثر المجالات التي نقل عنه فيها؛ وذلك لأن السمين كان معنياً بالنحو والإعراب في كتابه (٤). مثال ذلك: عند إعرابه لقوله- تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] قال: قال ابنُ عطية: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ معطوفٌ على (إذ) المتقدمة (٥) من قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، ثم قال السمين: "ولا يَصِحُّ هذا لاختلافِ الوقتين". اهـ (٦)

стр. 44

٣ - اللغة . حيث ينقل عن ابن عطية في بيان المعاني اللغوية لبعض الكلمات القرآنية، مثل معنى (العفو) عند قوله - تعالى-: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٢]. قال السمين (١): "قال ابنُ عطية: " والعفو تغطية الأثر وإذهاب الحال الأولى من الذنب أو غيره، ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب".اهـ (٢) ٤ - البلاغة . فقد نقل السمين بعضاً من كلام ابن عطية في مجال البلاغة القرآنية. مثال ذلك: عند حديثه عن التشبيه الوارد في قوله - تعالى-: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧] قال (٣): "قيل إنه من باب التشبيه بين شيئين بشيئين، فذَكَر أحدَ المُشَبَّهين وتَرَك ذِكْر الآخر، ثم ذكر أحد الشيئين المشبه بهما وترك ذكر الآخر؛ فقد حَذفَ مِن كلِّ اثنين ما يَدُلُّ عليه نظيرُه ... واختار هذا ابن عطية، وقال: "هذه غايةُ البلاغةِ والإعجاز". اهـ (٤)

стр. 45

٥ - الصرف . كان مجال التصريف من المجالات التي نقل فيها السمين عن ابن عطية في غير موضع من كتابه. مثال ذلك: عند حديثه عن كلمة (تبيان) وصرفها في قوله - تعالى-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] قال (١): "وهو مصدر"، وقال ابن عطية: "إن التِّبْيان اسمٌ وليس بمصدرٍ ".اهـ (٢) ٦ - التفسير بالرأي . نقل السمين عن ابن عطية بعضاً من اجتهاداته التفسيرية. مثال ذلك: عند بيانه معنى قوله - تعالى-: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] قال (٣): "قال ابنُ عطية (٤): "وتحتمل الآية أن يكون المعنى: فما آلت دعواهم التي كانت في حال كفرهم إلا إلى الاعتراف". اهـ

стр. 46

ثالثاً: موقف السمين مما ينقله عن ابن عطية: ١ - النقل دون تعقيب . فكثيرًا ما يذكر أقوال ابن عطية دون استحسان أو مناقشة. مثال ذلك: عند حديثه عن (مِن) الثانية في قوله - تعالى-: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] قال (١): " قال ابنُ عطية: "هي لبيانِ الجنسِ".اهـ (٢) ولم يعقّب على هذا القول. ٢ - استحسان قوله، والدفاع عنه . فهو أحياناً يستحسن ما يقوله ابن عطية ويوافقه. مثال ذلك: عند كلامه عن معنى قوله (أصبحتم) في قوله - تعالى-: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] قال: قال ابن عطية: " ﴿فأصبحتم﴾ عبارةٌ عن الاستمرار، وإن كانت اللفظة مخصوصةً بوقت ما، وإنما خُصَّتْ هذه اللفظةُ بهذا المعنى من حيث هي مبدأُ النهار، وفيها مبدأُ الأعمالِ، فالحالُ التي يُحِسُّها المرءُ مِنْ نفسه فيها هي حاله التي يستمر عليها يومُه في الأغلب" (٣)، ثم قال السمين: "وهذا

стр. 47

الذي ذكره ابنُ عطية معنىً حسن، وإذا لم ينصّ عليه النحويون لا يُدفَع؛ لأَنَّ النحاةَ غالِباً إنما يتحدثون بِما يتعلَّقُ بالألفاظ، وأمَّا المعاني المفهومةُ من فحوى الكلامِ فلا حاجةَ لهم بالكلامِ عليها غالباً". ... اهـ (١) وتارة نجده يقف موقف المدافع عن أقوال ابن عطية والموضح لها أمام مَن ينتقدها، لاسيما صاحب البحر المحيط الذي اعترض على ابن عطية كثيرًا في كتابه. مثال ذلك: في كلامه عن تصريف كلمة ﴿أسرع﴾ في قوله - تعالى-: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ [يونس: ٢١] قال: " جعله ابن عطية (٢) - أعني كونَ أسرع للتفضيل - نظيرَ قوله: "لهي أسودُ مِنَ القار" (٣)، قال الشيخ: وأما تنظيره "أسود من القار" بـ (أسرع) ففاسد؛ لأن (أسود) ليس فعلُه على وزِن أَفْعَل، وإنما هو على وزن فَعِل ... ولم يمتنع التعجب ولا بناء أفعل التفضيل عند البصريين مِنْ سَوِدَ وحَمِرَ إلا لكونه لوناً".اهـ (٤) ثم قال السمين ردًا على أبي حيان: "تنظيره به ليس بفاسد، لأنَّ مرادَه بناءُ أفعل مما زاد على ثلاثة أحرف وإن لم يكن على وزن أَفْعَل، وسَوِد وإن كان على ثلاثةٍ لكنه في معنى الزائد على ثلاثة، إذ هو في معنى اسود ... نصَّ على ذلك النحويون، وجعلوه هو العلةَ المانعةَ من التعجب في الألوان". اهـ (٥)

стр. 48

٣ - الاستدراك والرد . وهو موضوع هذا البحث، فكثيرًا ما كان ينقل عن ابن عطية ثم يستدرك عليه، وقد تعددت أغراض استدراكاته ما بين إكمال نقص، وإزالة لبس، وشرح غامض، وتصحيح خطأ، والإشارة لمعنى أولى؛ لوجهٍ من وجوه الترجيح.

стр. 49

الفصل الأول: استدراكات السمين الحلبي على ابن عطية في القراءات . [١]: قال ابن عطية في توجيه القراءة الواردة في ﴿يَطَّوَّفَ﴾ من قوله - تعالى-: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]: "قرأ أبو السَمَّال (١) (أن يَطّاف) (٢) وأصله: يطتوف، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فانقلبت ألفا فجاء (يطتاف)، أدغمت التاء بعد الإسكان في الطاء على مذهب من أجاز إدغام الثاني في الأول، كما جاء في ﴿مُدَّكِر﴾، ومن لم يجز ذلك قال: قلبت التاء طاء ثم أدغمت الطاء في الطاء، وفي هذا نظر؛ لأن الأصلي أدغم في الزائد وذلك ضعيف". اهـ (٣) قال السمين مستدركاً عليه: "وهذا الذي قاله ابنُ عطية فيه خطأٌ من وجهين، أحدُهما: كَونُه يَدَّعي إدغامَ الثاني في الأولِ وذلك لا نظيرَ له، إنما يُدْغَمُ الأولُ في الثاني. والثاني: أنه قال كما جاء في ﴿مُدَّكِر﴾ (٤) لأنه كان ينبغي على قوله أن يقال: مُذَّكِر بالذال المعجمة، وهذه لغةٌ رديئةٌ، إنما اللغةُ الجيدةُ بالمهملة؛ لأنَّا قلبنا تاءَ الافتعالِ بعد الذالِ المعجمةِ دالاً مهملة فاجتمع متقاربان، فقلبنا أوَّلهما لجنسِ الثاني وأدغمنا". اهـ (٥)

стр. 50

تحليل الاستدراك ودراسته: رأى ابن عطية أن التاء في (يطتاف) أدغمت بعد الإسكان في الطاء (يطّاف)، أي أنه يرى إدغام الثاني في الأول. وعارضه السمين في ذلك فقال: إنما يدغم الأول في الثاني. وهذا هو الراجح، وهو رأي أبي حيان أيضاً، حيث قال: "أدغمت الطاء في التاء بعد قلبها إلى طاء". اهـ (١) وهذا التوجيه فيه ضعف عند ابن عطية حيث قال: "لأن الأصلي أدغم في الزائد وذلك ضعيف". اهـ وهذا ليس بضعيف لأن تاء (يفتعل) تقلب طاءً إذا كان قبلها طاء (٢)، ويلزم ذلك (٣)، وبعد قلب التاء طاء تدغم الطاء فيها (٤). فالعرب تقول في (يطتلب) مثلاً: يطّلب؛ أبدلوا من التاء طاء لأنها من مخرجها، فأدغموا الطاء في الطاء، وصار الإدغام هاهنا لازماً لسكونه (٥). والأصل في كلام العرب ظهور الأصلي وعدم إدغامه في الزائد، وأما في مثل هذه الحالة فقد قلبوا الزائد إلى جنس الأصلي وأدغموه (٦).

стр. 51

ومثّل ابن عطية على إدغام الثاني في الأول بـ ﴿مُدَّكِر﴾، وانتقده السمين في ذلك؛ لأنه بناءً على قوله كان يلزم أن يقول (مُذَّكِر) وليس (مُدَّكر)، وهذا صحيح. فابن عطية يرى إدغام الثاني (التاء) في الأول (الذال) في (مذتكر) فتكون (مذّكر)، من غير إبدال، كقوله في (يطتاف): بإدغام الثاني (التاء) في الأول (الطاء) فتكون (يطّاف). وقال السمين بأن (مذّكر) لغة ردئية، وأن الجيدة بالمهملة (مدّكر)، أصلها (مذتكر) قلبت تاء الافتعال بعد الذال دالاً (مذدكر) فاجتمع متقاربان، فقلب أولهما (الذال) لجنس الثاني (الدال)، وأدغمت الدال في الدال. والصحيح أن (مذّكر) ليست بلغة رديئة، وإنما هي غير شائعة. فتاء الافتعال تُقلب مع الذال دالاً وجوباً، نحو قولهم في (مذتكر): (مذدكر). ويجوز فيه بعد قلب التاء قلبان، أحدهما: أن تُقلب الذال دالاً (مددكر) وتدغم في الدال التي بعدها، فتصيران في اللفظ دالاً واحدة مشددة (مدّكر) وهذا شرط الإدغام، لأنهم يقلبون الحرف الأول إلى جنس الثاني ثم يدغمونه فيه (١). وإنما جاز قلب الأول إلى جنس الثاني؛ لأن الأول أصلي والثاني زائد، فكرهوا إدغام الأصلي في الزائد، فقلبوا الزائد إلى جنس الأصلي وأدغموه. والوجه الثاني: أن تقلب الدال ذالاً (مذذكر) وتدغم، فيكون اللفظ به ذالاً معجمة (مذّكر) (٢). وقد قال الفراء (٣): "وبعض بني أسد يقولون: مذكر". اهـ (٤)

стр. 52

وأما إدغام الثاني في الأول في (مذكر) على توجيه ابن عطية فله ما يسوغه من الناحية الصوتية؛ حيث فنِيَ الصوت الثاني في الأول، ونُطق بهما صوتاً واحدًا كالأول (١)، وهذا تأثر تقدمي. (٢) خلاصة دراسة الاستدراك: • إدغام الأول في الثاني هو الشائع. • (مُذَّكر) لغة وردت عن بعض العرب لكنها قليلة، ولها توجيهها. •إدغام الأصلي في الزائد مكروه في اللغة إلا أنه يقع في مثل ما ذُكر من الأمثلة، حيث قلبوا الزائد إلى جنس الأصلي وأدغموه. * * *

стр. 53

[٢]: قال ابن عطية عند حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]: "وقرأ ابن عباس (يَطَّيَّقونه) (١) بفتح الياء وشد الطاء وشد الياء المفتوحة، بمعنى يتكلفونه"، ثم قال: "وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف". اهـ (٢) قال السمين مستدركاً ومدافعاً عن هذه القراءة: "وقد رَدَّ بعضُ الناس هذه القراءةَ، وقال ابن عطية: " تشديدُ الياء في هذه اللفظةِ ضعيفٌ "، وإنما قالوا ببُطلانِ هذه القراءةِ لأنها عندهم من ذوات الواوِ وهو الطَّوْق، فمن أين تَجِيءُ الياءُ؟ وهذه القراءةُ ليست باطلةً ولا ضعيفةً، ولها تخريجٌ حسنٌ: وهو أنَّ هذه القراءةَ ليست مِنْ تَفَعَّل حتى يلزمَ ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من تَفَيْعَل، والأصلُ: تَطَيْوَق من الطَّوْقِ، كتَدَيَّر وتَحَيَّر من الدَّوَران والحَوْر، والأصلُ: تَدَيْوَر وتَحَيْوَرَ، فاجتمعت الياءُ والواوُ، وسبقت إحداهما بالسكونِ فقلبت الواوُ ياءً، وأدغمت الياءُ في الياءِ، فكان الأصلُ: يَتَطَيْوَقُونه، ثم أُدغمَ بعد القلبِ، فمَن قرأه (يَطَّيَّقونه) بفتح الياءِ بناه للفاعل، ومَن ضَمَّها بناه للمفعول. وتحتمل قراءةُ التشديد في الواوِ أو الياءِ أن تكونَ للتكلفِ، أي: يتكلَّفون إطاقتَه، وذلك مجازٌ من الطوقِ الذي هو القلادَةُ، كأنه بمنزلةِ القلادةِ في أعناقهم". اهـ (٣)

стр. 54

تحليل الاستدراك ودراسته: ضعّفَ ابنُ عطية القراءة بتشديد الياء في (يطَّيَّقونه) من الناحية اللغوية. وذكر السمين الإشكال الذي جعل ابنَ عطية وغيره يضعفون هذه القراءة ويردونها، فقال بأنهم استشكلوا مجيء الياء في هذه اللفظة، لأنها عندهم من ذوات الواو وهو الطوق (١). وهذا السبب صرّح به أبو بكر الأنباري (٢) حيث قال: "لأن الفعل من الواو مأخوذ من الطوق، فلا معنى لقلب الواو ياء بغير علة ولا أصل". اهـ (٣) وصرّح به أيضاً أبو جعفر النحّاس (٤) حيث قال عن تشديد الياء في هذه القراءة: "لا يجوز لأن الواو لا تقلب ياء إلا لعلّة". اهـ (٥)

стр. 55

وقال السمين مبيناً سلامة القراءة لغوياً: "وهذه القراءةُ ليست باطلةً ولا ضعيفةً، ولها تخريجٌ حسنٌ: وهو أنَّ هذه القراءةَ ليست مِنْ تَفَعَّل حتى يلزمَ ما قالوه من الإشكال، وإنما هي من تَفَيْعَل، والأصلُ: تَطَيْوَق من الطَّوْقِ، كتَدَيَّر وتَحَيَّر من الدَّوَران، والحَوْر، والأصلُ: تَدَيْوَر وتَحَيْوَرَ، فاجتمعت الياءُ والواوُ، وسبقت إحداهما بالسكونِ فقُلِبَت الواوُ ياءً، وأُدْغِمَت الياءُ في الياءِ، فكان الأصلُ: يَتَطَيْوَقُونه، ثم أُدْغِمَ بعد القلب" (١). ثم قال: "وتحتمل قراءةُ التشديد في الواوِ أو الياءِ أن تكونَ للتكلفِ، أي: يتكلَّفون إطاقَتَه، وذلك مجازٌ من الطَّوْقِ الذي هو القلادة، كأنه بمنزلةِ القلادةِ في أعناقهم". اهـ (٢) ووافق السمين في هذا التوجيه عدد من العلماء، منهم: ابنُ جنِّيّ (٣) (٤)، وابن سِيْدَه (٥) (٦)، والزمخشريّ (٧)، وأبو البقاء (٨)، وأبو حيان (٩)، والفيروزأبادي (١٠) (١١).

стр. 56

قال الزمخشري: "ويَطَّيَّقونه ويُطَّيَّقونه بمعنى يتطوَّقونه، وأصلهما: يطَّيْوَقونه ويتَطَيْوَقونه، على أنهما من فَيْعَل وتَفَيْعَل من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم: تَدَيَّر المكان وما بها ديار، وفيه وجهان: أحدهما نحو معنى يطيقونه. والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر، وهم الشيوخ والعجائز". (١) اهـ فما قاله السمين هو الراجح في توجيه القراءة، وسبب ضعفها لغوياً قد زال بزوال الإشكال. وهذه من طرق السمين في الدفاع عن القراءات الشاذة؛ حيث يثبت صحة القراءة لغوياً بإزالة الإشكال الذي ظهر لمن ضعّف القراءة أو ردها، ثم يخرّج القراءة تخريجاً لغوياً أو نحوياً صحيحاً. * * *

стр. 57

[٣]: قال ابن عطية في معرض حديثه عن القراءات الواردة في قوله - تعالى-: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]: "وقرأت فرقة بإدغام الراء في الراء، وذلك لا تقتضيه الأصول؛ لاجتماع الساكنين فيه". اهـ (١) وذكر السمين هذه القراءة منسوبة لقارئها ودافع عنها حيث قال: "وأَدغم أبو عمرو راء ﴿شهر﴾ في راء ﴿رمضان﴾ (٢)، ولا يُلتفت إلى من استضعفها من حيثُ إنَّه جَمَعَ بين ساكنين على غيرِ حَدَّيْهِما، وقولُ ابن عطية: "وذلك لا تقتضيه الأصولُ" غيرُ مقبولٍ منه؛ فإنَّه إذا صَحَّ النقلُ لا يُعارَضُ بالقياس". اهـ (٣) دراسة الاستدراك: في قول ابن عطية واستدراك السمين عليه عدة مسائل: المسألة الأولى: في قراءة أبي عمرو: قرأ أبو عمرو في المثلين من كلمتين بإدغام الأول في الثاني منهما سواء سكن ما قبله أو تحرّك، فكان يدغم الراء في مثلها، تحرك أو سكن ما قبلها، في كل إعرابها حيث وقع (٤).

стр. 58

وقال بعضهم: إن ما ورد عن أبي عمرو ليس بإدغام حقيقي، بَل هو إخفاء أول المثلين إخفاء يشبه الإدغام، وحملوا ما وقع مِن عبارة المتقدمين بالإدغام على المجاز؛ بإطلاق اسم الإدغام على الإخفاء؛ لما كان الإخفاء قريباً منه (١). قال الإمام ابن الجزري (٢): "واختلف عن أبي عمرو، فروى عنه المغاربة قاطبة الإخفاء، يريدون الاختلاس؛ فرارًا من الجمع بين الساكنين. وروى عنه العراقيون والمشرقيون قاطبة الإسكان (الإدغام)، ولا يبالون من الجمع بين الساكنين لصحته رواية، ووروده لغةً ... وقد حَكى النحويون الكوفيون سَماعًا مِن العرب: شَهْرُ رَمَضانَ: مُدغَمًا". ثم قال: "والوجهان صحيحان غيرَ أنَّ النصَّ عنهم بالإسكان، ولا يُعرفُ الاختلاس إلا مِن طُرُقِ المغاربةِ ومَن تبعهم". اهـ (٣) المسألة الثانية: في سبب انتقاد ابن عطية للقراءة: انتقد ابن عطية هذه القراءة لمخالفتها ما تقرر عند جمهور البصريين. وممن انتقدها أيضاً أبو جعفر النحاس حيث قال: " أدغم أبو عمرو الراء في الراء وهذا لا يجوز لئلاً يجتمع ساكنان". اهـ (٤)

стр. 59

فمذهب جمهور البصريين في المثلين من كلمتين: جواز الإدغام في المثلين من كلمتين بشرطين: أن لا يكونا همزتين، وأن لا يكون الحرف الذي قبلهما ساكناً غير ليّن نحو ﴿شهر رمضان﴾، فإن هذا لا يجوز إدغامه عند جمهور البصريين. فما قبل الراء هنا (الهاء) حرف صحيح ساكن، والمدغم ساكن؛ والجمع بين ساكنين في الوصل ليس أولهما حرف علة لا يجوز عندهم (١). المسألة الثالثة: دفاع السمين الحلبي عن القراءة: دافع السمين الحلبي عن قراءة أبي عمرو ورد على ابن عطية قائلاً: "وقوله "وذلك لا تقتضيه الأصولُ" غيرُ مقبولٍ منه؛ فإنَّه إذا صَحَّ النقلُ لا يُعارَضُ بالقياس" اهـ (٢). فالسمين الحلبي قد التزم المنهج الأثري في دفاعه عن القراءات الصحيحة ورده على مَن انتقدها، فمتى صحّت القراءة فلا التفات إلى مَن ينتقدها لكونها تخالف قياسه النحوي. وما ذكره السمين قاعدة في القراءات الصحيحة؛ فإذا ثبتت القراءة وصحّ نقلها وجبَ إتباعها؛ لأنها سنة متبعة لابد من التزامها والمصير إليها ولو خالفت الأقيسة اللغوية والقواعد النحوية. قال أبو حيان في دفاعه عن هذه القراءة: "ولم تقتصر لغة العرب على ما نقله أكثر البصريين، ولا على ما اختاروه، بل إذا صحَّ النقلُ وجبَ المصيرُ إليه". اهـ (٣)

стр. 60

والَّذين رووا الإدغام عن أبي عمرو أئمة ثقاة ومنهم علماء بالنحو، فوجبَ قبُوله وإن لم يجزه البصريون غير أبي عمرو، فأبو عمرو رأس في البصريين (١). قال ابن الحاجب (٢) بعد نقله التعارض بين قولي القراء والنحويين: "والأولى الرد على النحويين في منع الجواز فليس قولهم بحجة إلا عند الإجماع، ومِن القراء جماعة من أكابر النحويين؛ فلا يكون إجماع النحويين حجة مع مخالفة القراء لهم، ثم ولو قدر أن القراء ليس فيهم نحوي فإنهم ناقلون لهذه اللغة، وهم مشاركون للنحويين في نقل اللغة فلا يكون إجماع النحويين حجة دونهم، وإذا ثبت ذلك كان المصير إلى قول القراء أولى؛ لأنهم ناقلوها عمن ثبتت عصمته عن الغلط في مثله؛ ولأن القراءة ثبتت متواترة وما نقله النحويون آحاد، ثم لو سلم أنه ليس بمتواتر فالقراء أعدل وأكثر فكان الرجوع إليهم أولى". اهـ (٣)

стр. 61

وقال الدمياطي (١): "لا فرق بين الساكن للوقف والساكن للإدغام، ودعواهم عدم جواز الإدغام المذكور وصلاً ممنوعة، وعدم وجدان الشيء لا يدل على عدم وجوده في نفس الأمر، فقد سمع التقاؤهما من أفصح العرب بل أفصح الخلق على الإطلاق ﷺ فيما يروى: (نِعمَّا (٢) بالمال الصالح للرجل الصالح) (٣)، وتواتر ذلك عن القراء، وشاع وذاع ولم ينكر وهو إثبات مفيد للعلم، وما ذكروه نفي مستنده الظن، فالإثبات العلمي أولى من النفي الظني، ولئن سلمنا أن ذلك غير متواتر فأقل الأمر أن يثبت لغة بدلالة نقل العدول له عمن هو أفصح ممن استدلوا بكلامهم، فبقي الترجيح في ذلك بالإثبات وهو مقدم على النفي". اهـ (٤) فالصحيح في هذه المسألة: أن القرآن حجة على اللغة، لا اللغة حجة على القرآن، وما دامت القراءة بالجمع بين ساكنين لم يكن أولهما حرف لين قد وردت من طريقها المقطوع بصحته، فإنها هي التي يجب أن يصار إليها وأن تقعَّد عليها القواعدُ (٥)، وعليه: فاستدراك السمين على ابن عطية ودفاعه عن قراءة أبي عمرو في محله. * * *

стр. 62

[٤]: قال ابنُ عطية عند تفسيره لقوله - تعالى-: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]: "وقرأ الجَحْدَريّ (١) (ليُحْكَم) (٢) على بناء الفعل للمفعول، وحكى عنه مكي (٣)

стр. 63

(لنَحْكُم) (١)، وأظنه تصحيفاً (٢)؛ لأنه لم يحكِ عنه البناء للمفعول كما حكى الناس". اهـ (٣) وقال السمين الحلبي: "وفي الفاعلِ المضمرِ في ﴿لِيَحْكُمَ﴾ ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: وهو أظهرُها، أنه يعودُ على اللَّهِ - تعالى- لتقدُّمِهِ في قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾ ولأنَّ نسبةَ الحكمَ إليه حقيقةٌ، ويؤيِّده قراءةُ الجَحْدَرِيّ فيما نقله عنه مكي: (لنَحكُمَ) بنون العظمةِ، وفيه التفاتٌ من الغَيْبَةِ إلى التكلُّمِ. وقد ظَنَّ ابنُ عطية أن مكياً غلطَ في نقل هذه القراءة عنه وقال: إنَّ الناسَ رَوَوْا عن الجحدري: (ليُحْكَمَ) "على بناءِ الفعل للمفعول" اهـ، ولا ينبغي أن يُغَلِّطَه لاحتمالِ أن يكونَ عنه قراءتان". اهـ (٤)

стр. 64

تحليل الاستدراك ودراسته: وردَ عن الجَحْدَرِيّ قراءتان في قوله: ﴿لِيَحْكُمَ﴾: ١ - (ليُحْكَم) بالبناء للمفعول، وهي القراءة التي نقلها عنه الناس (١). ٢ - (لنَحكُم) بنون العظمة، وهي القراءة التي نقلها عنه مكيّ بن أبي طالب. قال ابن عطية معلقاً على ما نقله مكي عن الجَحدري: " وأظنه تصحيفاً؛ لأنه لم يحكِ عنه البناء للمفعول كما حكى الناس". اهـ فردّ السمين على ابن عطية قائلاً بأنه لا ينبغي أن يُغَلّطَ مكيّ؛ لاحتمال أن يكون عن الجحدريّ قراءتان: بالبناء للمفعول، وبنون العظمة. وأيضاً يظهر من كلام أبي حيان أنه لم يوافق ابن عطية فيما ذهب إليه حيث قال في البحر المحيط: "وظنَّ ابنُ عطية هذه القراءة تَصْحيفًا قالَ ما معناه: لأنّ مَكِّيًّا لَمْ يَحْكِ عن الجَحْدَرِيِّ قراءَتهُ التي نقلَ النَّاسُ عنه، وهي: (لِيُحْكَمَ) على بناء الفعل للمفعول، ونقل مكِّيٌّ (لِنَحْكُمَ) بالنُّون". اهـ (٢) هذا: والقول بالتصحيف واردٌ لسببين: ١ - أنّ مكياً لم ينقل عن الجَحدري القراءة التي نقلها عنه الناس بالبناء للمفعول، وهذا السبب ذكره ابنُ عطية. ٢ - أنّ مكياً تفرّد بنقل هذه القراءة عن الجَحدري، ولم أجدها عند غيره، وقد ذكرها في (الهداية) (٣) ولم يذكرها في كتبه الأخرى. إلا أنه لا يُمكن الجزم بوقوع التصحيف؛ لأن مكيَّ بن أبي طالب من الأئمة الثقات الأثبات، فيحتمل كما قال السمين: أن يكون للجحدري قراءتان: بالبناء للمفعول، وبنون العظمة. * * *

стр. 65

[٥]: قال ابنُ عطية في توجيهه للقراءتين بالتشديد والتخفيف في: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ (١) من قوله - تعالى-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]: "وكل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء، وأن يراد بها انقطاع الدم وزوال أذاه، وما ذهب إليه الطبري من أن قراءة شد الطاء مضمنها الاغتسال، وقراءة التخفيف مضمنها انقطاع الدم: أمر غير لازم، وكذلك ادعاؤه الإجماع". اهـ (٢)

стр. 66

قال السمين مستدركاً على ابن عطية في رده على الطبري: "وفي رَدِّ ابنِ عطية عليه نظرٌ؛ إذ لو حَمَلْنَا القراءتين على معنىً واحدٍ لَزِم التكرار". اهـ (١) تحليل الاستدراك: استدرك السمين على ابن عطية رأيه الذي ذكره في معرض رَدِّهِ على الطبري؛ حيث ذهب الطبري إلى أن القراءة بالتخفيف معناها: انقطاع الدم، والقراءة بالتشديد معناها: الاغتسال بالماء. فرَدَّ عليه ابن عطية بأن هذا التفريق غير لازم، وأن كل واحدة من القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء، وأن يراد بها انقطاع الدم. واستدرك السمين على ابن عطية قوله هذا؛ حيث حمل القراءتين على معنى واحد، فلزم التكرار.

стр. 67

دراسة الاستدراك: يدور هذا الاستدراك حول مسألة: هل القراءتان بالتشديد والتخفيف في قوله: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ ... بمعنى واحد أم لكل قراءة معنى؟ ذهب عدد كبير من المفسرين وبعض أهل اللغة إلى أن القراءة بالتخفيف معناها: انقطاع الدم، والقراءة بالتشديد معناها: الاغتسال بالماء. وممن قال بذلك: الفراء (١)، وابن قتيبة (٢) (٣)، ومكي بن أبي طالب (٤)، والزمخشري (٥)، وابن العربي (٦) (٧). وذهب بعض العلماء من المفسرين والفقهاء وأهل اللغة إلى أن القراءتين بمعنى واحد، منهم: المبرّد (٨) فيما نُقل عنه (٩)، وأبو جعفر النحاس (١٠).

стр. 68

والقول بأن هناك فرقاً بين القراءتين هو الراجح لأسباب، منها: ١ - أنَّ معظم العلماء يرون ذلك، والذين قالوا بعدم التفريق هدفهم أن يسلم لهم ما يرونه في هذه المسألة (١) من الناحية الفقهية (٢). ٢ - أنَّه لا يُقَالُ: (اطَّهرت المرأة) بمعنى انقطع دمها، كما لا يُقَالُ (قَطَّعَ) مُشَدَّدًا بمعنى (قَطَعَ) مُخَفَّفًا، وإنّما التشديدُ بمعنى تكثير التخفيف (٣). ٣ - أنَّ (التطهّر) لا يُستعمل إلا فيما يكتسبه الإنسان ويتكلّفه وهو الاغتسالُ بالماء، فأمّا انقطاعُ الدمِ فلَيْسَ بِمُكتَسَبٍ (٤). ٤ - أنَّ اختلاف المعنيين إذا لم يحصل منه تضادٌ أولى؛ لتكونَ الكلمةُ الثانيةُ مفيدةً شيئاً جديدًا (٥).

стр. 69

قال ابنُ خالويه (١): "الحجة لمن شدَّد أنه طابقَ بين اللفظين لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، والحجة لمن خفّف أنه أرادَ حتى ينقطع الدَّم؛ لأنَّ ذلك ليس من فعلهن، ثمَّ قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ يعني بالماء". اهـ (٢) فمجموع القراءتين يحكم بأمرين: أحدهما: أن الحائض لا يقربها زوجها حتى يحصل أصل الطهر وذلك بانقطاع الحيض، على قراءة التخفيف. الثاني: أنها لا يقربها زوجها حتى ينقطع الدم، وتزيد عليه التطهر بغسل المحل أو الوضوء أو الاغتسال على قراءة التشديد. فجمعت هاتان القراءتان بين حكمين، ولابد منهما في جواز قربان الحائض (٣). وبناءً على ما ذُكر فاستدراك السمين على ابن عطية في محله؛ إذ جعْلُ القراءتين في ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ - بالتشديد والتخفيف- بمعنى واحد فيه نظر. * * *

стр. 70

[٦]: قال ابنُ عطية في توجيه القراءة بنصب الراء في ﴿يَأْمُرَكُمْ﴾ (١) من قوله - تعالى-: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾ [آل عمران: ٧٩ - ٨٠]: "وأما قراءة من نصب الراء، فهي عطف على قوله: ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾ والمعنى ولا له أن يأمركم وقال الطبري: قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ بالنصب، معطوف على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾. قال الفقيه أبو محمد: وهذا خطأ لا يلتئم به المعنى". اهـ (٢) وقال السمين الحلبي في أوجه قراءة النصب: " أن يكونَ معطوفاً على ﴿يَقُولَ﴾ في قراءة العامة، قاله الطبري. قال ابن عطية: "وهذا خطأٌ لا يلتئم به المعنى" اهـ، ولم يبين أبو محمد وجهَ الخطأ ولا عدمَ التئام المعنى".

стр. 71

وذكر السمين وجه الخطأ الذي بيّنه أبو حيان، ثم ساقَ قولَ الزمخشري في توجيه قراءة النصب، وجعله ردًا على ابن عطية، حيث قال: "وهذا الذي أورده الزمخشري كلامٌ صحيح ومعنى واضح على كلا تقديري كونِ (لا) لتأسيسِ النفي أو تأكيدِهِ، فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري فاسداً على أحد التقديرين وهو كونُها لتأسيس النفي؟ فقد ظهر -والحمد لله- صحة كلام الطبري بكلام أبي القاسم الزمخشري وظهر أن ردَّ ابن عطية عليه مردود". اهـ (١) دراسة الاستدراك: أولاً: اختلف المفسرون والنحاة في توجيه القراءة بنصب الراء في ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ على ثلاثة أقوال: ١ - أن تقدّر (أن) قبل الفعل ﴿يَأْمُرَكُمْ﴾ فيكون منصوباً بها، ويكون المعنى: ولا له أن يأمركم، وتكون (لا) مؤكدة لمعنى النفي السابق، كقول القائل: «ما كان من زيد إتيانٌ ولا قيام» وهو يريد انتفاءَ كلِّ واحدٍ منهما عن زيد (٢). أشار إلى هذا القول أبو علي الفارسي (٣).

стр. 72

٢ - أن يكون منصوباً بالعطف على ﴿أَنْ يُؤْتِيَهُ﴾، قاله سيبويه (١)، والفراء (٢)، وغيرهما (٣). قال سيبويه في المعنى على هذا التوجيه: "وما كان لبشرٍ أن يأمركم أن تتخذوا الملائكة". اهـ (٤) ٣ - أن يكون منصوباً بالعطف على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾، قاله الطبري (٥) والزمخشري (٦) وأبو البقاء العكبري (٧)، وغيرهم (٨). قال الطبري في توجيهه لهذه القراءة: "عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ﴾ ". اهـ (٩) وقال الزمخشري: "وقرئ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ بالنصب عطفاً على ﴿ثُمَّ يَقُولَ﴾ وفيه وجهان، أحدهما: أن تجعل (لا) مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ والمعنى: ما كان لبشر أن يستنبئه اللَّه، وينصبه للدعاء إلى اختصاص اللَّه بالعبادة وترك الأنداد، ثم يأمر الناس بأن يكونوا عباداً له ويأمركم أنْ تَتَّخِذُوا الملائِكةَ وَالنَّبِيِّينَ أرباباً، كما تقول: ما كان لزيد أن أكرمه ثم يهينني ولا يستخف بى.

стр. 73

والثاني: أن تجعل (لا) غير مزيدة، والمعنى: أن رسول اللَّه ﷺ كان ينهى قريشاً عن عبادة الملائكة، واليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك ربا؟ قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه اللَّه، ثم يأمر الناس بعبادته، وينهاكم عن عبادة الملائكة والأنبياء". اهـ (١) ثانياً: سبب تخطئه ابن عطية لتوجيه الطبري: قال أبو حيان: "ووجهُ الخطأ أنه إذا كان معطوفاً على ﴿يَقُولَ﴾ كانت (لا) لتأسيس النفي، فلا يمكن إلا أن يُقدَّرَ العاملُ قبل (لا) وهو (أَنْ)؛ فَيَنْسَبِكُ مِنْ (أَنْ) وَالْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ مَصْدَرٌ مُنْتَفٍ فيصيرُ المعنى: ما كان لبشرٍ موصوف بما وصف به انتفاء أمره باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، وإذا لم يكن له الانتفاءُ كان له الثبوت، فصار آمِرًا باتخاذهم أرباباً وهو خطأ، فإذا جعلتَ (لا) لتأكيد النفي السابق كان النفي منسحباً على المصدرين المقدر ثبوتهما، فينتفي قوله: كونوا عِباداً لي، وأمرهُ باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، ويوضح هذا المعنى وضع (غير) موضعَ (لا) فإذا قلت: ما لزيد فقه ولا نحو؛ كانت (لا) لتأكيد النفي وانتفى عنه الوصفان، ولو جعلت (لا) لتأسيس النفي كانت بمعنى غير، فيصير المعنى انتفاء الفقه عنه وثبوتَ النحو له، إذ لو قلت: ما لزيد فقه وغيرُ نحو؛ كانَ في ذلك إثبات النحو له، كأنك قلت: ما له غيرُ نحو، ألا ترى أنك إذا قلت: جئتُ بلا زادٍ؛ كان المعنى: جئت بغير زادٍ، وإذا قلت: ما جئت بغير زادٍ، معناه: أنك جِئت بزاد؛ لأنَّ (لا) هنا لتأسيس النفي، فإطلاق ابن عطية الخطأ وعدمَ التئام المعنى إنما يكون على أحد التقديرين، وهو أن تكون (لا)

стр. 74

لتأسيس النفي لا لتأكيده، وأن يكون من عطف المنفي بلا على المُثبَتِ الداخلِ عليه النَّفيُ، نَحْوَ: ما أريد أن تجهل وأن لا تتعلم، تريد: ما أريد أن لا تتعلم". اهـ (١) قال السمين: "الذي أورده الزمخشري كلامٌ صحيح ومعنى واضح على كلا تقديري كونِ (لا) لتأسيسِ النفي أو تأكيدِه، فكيف يجعل الشيخ كلام الطبري فاسداً على أحد التقديرين وهو كونُها لتأسيس النفي؟ فقد ظهر والحمد لله صحة كلام الطبري بكلام أبي القاسم الزمخشري، وظهر أن ردَّ ابن عطيةَ عليه مردود". اهـ (٢) ثالثاً: القول الراجح: قول السمين الحلبي هو الأقرب للصواب لسببين: ١ - زوال العلة التي ضعَّف من أجلها ابنُ عطية قولَ الطبري، وبيّنها أبو حيان. ٢ - أنَّ القول الثالث أورده أئمة من المفسرين والنحاة (٣)؛ مما يدل على صحته (٤). * * *

стр. 75

[٧]: قال ابنُ عطية في توجيهه للقراءة الواردة في ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ (١) بفتح اللام وتشديد الميم في قوله - تعالى-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]: "ويظهر أن (لمَاّ) هذه هي الظرفية
следующие страницы →