المجلد الأول
مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كثيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا٧٠ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ٧١﴾ ٣.
أما بعد:
فإن التوحيد من أجْلِِِِِِهِِ بُعٍِِِثَتْ الرسل، ومن أجل إقامته شُرعَ الجهاد، وهو من أهم ما يتكلم فيه الدعاة، ومن أفضل ما يؤلف فيه المؤلفون، ولقد كان الشيخ محمد ابن عبد الوهاب من عظماء الدعاة إليه فقد جاءت دعوته في الوقت المناسب وفي الحال المناسب وفي البلد المناسب.
وجاءت تلك الدعوة الإصلاحية التي قادها، مزيلة لكثير من البدع والشركيات والخرافات التي أقامها كثير من الناس وجعلوها من الإسلام، وهي لا تمت إلى الإسلام بصلة.
стр. 2
جاءت تلك الدعوة لتعيد الناس إلى تعاليم الإسلام الصحيحة كما كان في عهد السلف الصالح.
لقد كان لدعوة التوحيد القبول في أنحاء الجزيرة العربية، وذلك لما كان عليه أهلها من الأحوال المتردية: فقد كانت الجزيرة العربية تضم العديد من المراكز الفكرية المختلفة كالحجاز ونجد والقطيف والأحساء وتهامة وعسير واليمن وعمان، ولكل جهة من تلك الجهات سمات وخصائص متميزة عن غيرها.
فقد كانت تعمها الفرقة السياسية والاتجاهات المذهبية والفرقة الدينية والخلافات القبلية، مما كان يستدعي أهل الفكر والعلماء آنذاك للمشاورات واللقاءات لإصلاح تلك الظروف.
ولهذا فإنه لما ظهرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان لها القبول في أنحاء الجزيرة، ولا أدل على ذلك مما قاله١ الإمام الصنعاني في تلك الفترة من الزمن لما بلغته دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
سلام على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يُجْدي
قفي واسألي عن عالم حل سُوْحَها ... به يهتدي من ضل عن منهج الرشدِ
محمدُ الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي
لقد أنكرت كلُّ الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ولا ورد
إلى أن قال:
وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيدُ لنا الشرعَ الشريف بما يُبْدي
وينشرُ جهرًا ما طَوَى كلُّ جاهلٍ ... ومبتدع منه موافقُ ما عندي
ويعمر أركان الشريعة هادمًا ... مشاهد ضلّ الناسُ فيها عن الرشدِ
стр. 3
إلى قوله في الدفاع عنه:
يصبُّ عليه سوطَ ذم وغيبة ... ويجفوه من كان يهواه من عمْدِ
ويُعزى إليه كلُّ ما لا يقولُه ... لتنقيصِهِ عند التهاميِّ والنجْدِ
فيرميه أهلُ الرفض بالنصبِ فريةً ... ويرميه أهلُ النصب بالرفضِ والجحدِ
وليس له ذنبٌ سوى أنه غدا ... يُتَابِعُ قولَ الله في الحل والعقد
ويتبع أقوال النَّبي محمدٍ ... وهل غيره بالله في الشرع من يهدي
ومما يدل على ذلك القبول - أيضًا - قولُ١ محمد بن أحمد الحفظي:
عصائبُ في نجدٍ تمهد للمهدي ... وتحيى موات الدين في القرب والبعد
وبارقهم ما زال بالخير لامعًا ... فَبُورِكَ من بَرْقٍ وبورك من نجدٍ
إلى قوله في الشوق للقاء أولئك الدعاة:
وهيَّجْتَ قلبي للمسير وللقا ... وأدخلت وسط القلب ودًّا على ودِ
ولو أن لي يا بارق الخير قدرة ... وليس معي عذر لجئتكم وحدي
ولكن أهلا ثم سهلا بمن دَعَا ... إلى الحقِّ والتوحيد للواحد الفرْدِ
وإني لمن يدعو إلى الحق تابعٌ ... مجيب وتواب من السهو والعمْدِ
ولقد كانت عسيرُ في مقدمة البلدان التي قبلت تلك الدعوة، وذلك بتوفيق الله تعالى ثم للواقع الذي كانوا يعيشونه; فقد سلموا إلى حد كبير مما أصاب أمثالهم من الاتجاهات الدينية الضالة والفرق المذهبية الخاطئة، حيث كان يسود قبائلها المذهب الشافعي، وهو مذهب سني معهود مما جعل قبول هذه الدعوة الإصلاحية أمرًا يسيرًا٢.
стр. 4
عملي في الكتاب:
وقد قسمت دراستي لهذا الكتاب إلى قسمين:
القسم الأول: الدراسة: وقد جعلته في بابين:
الباب الأول: التعريف بالمؤلف وعصره، وقسمته إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: عصر المؤلف: وفيه:
١- الحالة السياسية في عصره.
٢- الحالة الدينية في عصره.
٣- دور الحفاظية في إقامة دولة التوحيد.
الفصل الثاني: حياة المؤلف: وفيه:
١- اسمه ونسبه وأسرته.
٢- موطنه، ومولده، ووفاته.
الفصل الثالث: عقيدة المؤلف.
الباب الثاني: التعريف بالكتاب ونسخه. وقسمته إلى ثلاثة فصول:
الفصل الأول: التعريف بالكتاب وبينت فيه:
١- اسم الكتاب.
٢- نسبته لصاحبه.
٣- موضوع الكتاب.
٤- منهج المؤلف في شرحه.
٥- مقارنته بالتيسير والفتح.
الفصل الثاني: التعريف بنسخ الكتاب وبينت فيه:
١- عدد النسخ وكيفية الحصول عليها ورموز.
٢- وصف نسخ الكتاب.
стр. 5
الفصل الثالث: الإضافة العلمية في الكتاب، وبينت فيه بعض المسائل والفوائد التي تعرض لها هذا الشرح زيادة عما جاء في الشرحين الآخرين، وإن كان فيهما من المسائل ما لم يتعرض لها هذا الشرح.
والقسم الثاني: النص المحقق:
وقد قمت فيه بخدمة النص من تخريج أحاديثه وآثاره ونصوصه، ونبهت على ما يحتاج إلى تنبيه وذلك ببذل قصارى جهدي.
стр. 6
منهجي في التحقيق:
وقد سرت في تحقيقي للكتاب على المنهج الآتي:
١- قمت بنسخ الكتاب على النسخة الأصل.
٢- حققت النص بأن أجريت مقارنة بين النسخة الأصل مع بقية النسخ الأخرى وأثبت الفروق في الحاشية. وقد حاولت أثناء هذه المقارنة أن أختار الصواب فإن كان من غير الأصل قوست عليه وأشرت في الحاشية.
٣- زدت في مقارنة النسخ مقارنة متن كتاب التوحيد بالنسخة المطبوعة ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ورمزت لها بقولي "المؤلفات"، وما كان من زيادة في نسخة "المؤلفات" عما في النسخ المخطوطة جعلته بين قوسين ضمن المتن في أعلى الصحائف.
٤- جعلت متن كتاب التوحيد في أعلى الصحائف متكاملا إضافة إلى وجوده مقطعا أثناء الشرح.
٥- كل ما حصل بين النسخ من الاختلاف في أمثال "قال تعالى" أو "قال الله تعالى" أو " ﷺ " أو "﵌" أو "﵁" فإني أثبت ما فيه كمال العبارة ولا أشير إلى الفروق بين النسخ.
٦- صححت الأخطاء الواقعة في الآيات ولم أشر.
٧- صححت الأخطاء الإملائية والنحوية بدون إشارة لذلك إلا لما له وجه.
٨- إن كان الخطأ في حديث أو أثر ولا مجال لاحتمال صحة العبارة صححته من أصل الحديث أو الأثر وأشرت.
стр. 7
فقبل هذه الدعوةَ من بين من قبلها رجالٌ من تلك البلاد تعلقتْ قلوبهم بها، ثم هاجروا من أجلها إلى الدرعية فدرسوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته، ثم عادوا إلى بلادهم وقد جندوا أنفسهم لتلك الدعوة وتعليمها والجهاد من أجلها وتأليف الكتب فيها، ولقد كان "المؤلف" عبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي أحد أولئك العلماء الذين بذلوا جهودهم في ذلك.
ولقد كان لكتاب التوحيد الذي ألفه الشيخُ محمد ابن عبد الوهابِ أعظمُ الأثر على من قبل دعوته، فقد أودع فيه أساس دعوته فأصبح منهجًا ودليلاً يسترشد به الدعاةُ إلى التوحيد.
ومن أجل هذا فقد اعتنى بشرحه وفهمه العلماءُ الذين قبلوا وأقبلوا على هذه الدعوة، فشرحوه وبينوه للناس بما يسهل عليهم فهمه.
ولقد كان هذا الشرح الذي بين أيدينا من هذه الشروح التي أسهمت في نشر دعوة التوحيد في عسير وتهامة في الوقت الذي كانت فيه الكتب نادرة قليلة.
وتأتي أهميته من حيث إنه قد اعتمد إلى حد كبير على كتب الشافعية التي كانت متداولة بين علماء تلك البلدان، فكان كالشاهد عليهم أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا تتسم بالتعصب لمذهب، وإنما تسير مع الحق وتدعو إلى الحق وتقبل الحق، فكانت له من الأهمية والمكانة العلمية الشيء الكثير في تلك الناحية، ومما يدل على دراسته وأهميته تنقله وتصحيح بعض نسخه، فقد انتسخ في ضمد بينما مؤلفه في عسير من رجال ألمع، وأهديت نسخة منه إلى بعض الأعيان في الرياض مما يدل على نفاسة الكتاب وأهميته.
فلما لهذا الكتاب من تلك الأهمية، ولما فيه من عرض لشرح كتاب التوحيد بأسلوب جديد بجوار الشرحين المعروفين "تيسير العزيز الحميد"
стр. 8
و"فتح المجيد"، فإني قد رأيت أن فيه إضافة علمية جديدة فعرضته على بعض مشايخي، وقرأت عليهم منه مواضع فأقروه، وبالتالي اخترت تحقيقه موضوعا لرسالتي هذه.
ولقد كان من أهم ما واجهته في بحثي هذا وكان سببا - بعد قدر الله - في عدم ظهور هذه الرسالة قبل هذا الوقت ما تعذّر عليّ من عدم وجود معلومات كافية عن المؤلف، لكنني بحمد الله وفضله استطعت بعد ذلك أن أقف على ما يحقق الغرض، فإنني بعد أن قمت باستعراض الكتب التي يظن أن له أو لأبيه فيها ترجمة ك "البدر الطالع" للشوكاني، و "نيل الوطر" لمحمد زبارة، والمعاجم الحديثة، ولم أجد له فيها ذكر، انتقلت إلى المخطوطات ك "المخلاف السليماني" لحسن بن أحمد عاكش الضمدي و "حدائق الزهر" له أيضا فقرأتها لعلي أجد عن المؤلف شيئًا فلم أجد.
- حينها أرسلت رسالة لعالم مشهور في اليمن له باع طويل في التاريخ والآثار وهو الشيخ القاضي إسماعيل بن علي الأكوع لعليِّ أحظى عنده بترجمة كاملة للمؤلف وأسرته فلم أجد.
- ثم إنه نقل إلي أنه ربما أجد معلومات عن المؤلف عند بعض أهل العلم في ضمد، فسافرت إليها واتصلت بأحد العلماء الأفاضل وهو الشيخ علي بن محمد أبو زيد الحازمي والذي حصلت على النسخة الأصلية من مكتبته كما سيأتي ذكره١ فوعدني - جزاه الله خيرا - باستعراض ما يستطيع الوصول إليه من مخطوطات يرى بأنها مظنةٌ لترجمتِه إلا أنه أرسل إلي بعد فترة أنه لم يجد شيئًا.
стр. 9
- ثم قمت بعد ذلك بزيارة لمنطقة أبها التي بها أكثر عائلة الحفظيين ومن ثم قمت بزيارة قرى رُجال ألمع والشعبين، وقمت بزيارة من ذكر لي أن لديهم آثارا ومؤلفات وصورت من بعضهم بعض المخطوطات التي رأيت أن لها علاقة بموضوعي.
وتجولت في بعض المكتبات فحصلت على بعض الكتب عن تاريخ المنطقة.
وصورت من مكتبة النادي الأدبي بأبها بعض المواضع من بعض الكتب القديمة التي لها علاقة بترجمة المؤلف.
- ثم قمت بعد ذلك بجمع البحوث التي قام بإصدارها الدكتور/ عبد الله أبو داهش عن بلاد عسير، والتي كان من بينها دراسةُ بعض كتبها المخطوطة ومن بينها كتاب لأبي المؤلف "محمد بن عبد الهادي" وهو كتاب "الظل الممدود"، ووجدت أن أبا داهش لم يقف على معرفة مولده ووفاته مع أنه يعيش في أبها وله اتصال بمن لديهم الكثير من المخطوطات المتعلقة بذلك.
فتوصلت من مجموع دراستي لتلك المخطوطات والبحوث على المعلومات التي قيدتها في دراستي عن المؤلف، وأسأل الله أن لا يحرمني الأجر والثواب فيما بذلته من جهد المقل.
стр. 10
٩- كل كلمةٍ أو جملةٍ ضُرب عليها أو كررت بعد كتابتها فإني أهملها من غير إشارة لذلك.
١٠- عرفت ببعض الكلمات الغريبة والأماكن والمواضع مما رأيت الحاجة تمس إليه.
١١- أحلت شرحَ المؤلف وتفسيره للآيات وبيانه إلى المصادر والمراجع ما استطعت إلى ذلك سبيلا.
١٢- عزوت الآيات القرآنية إلى أماكنها من المصحف الشريف بذكر السورة ورقم الآية.
١٣- خرجت الأحاديث الواردة في هذا الشرح إلا ما لم أجده وقد سلكت في ذلك الخطوات الآتية:
(أ) إن كان الحديث في "صحيح البخاري" و "صحيح مسلم" خرجته منهما ولم أزد، وإن كان في أحدهما زدت عليه مصدرا إن وجدت.
(ب) إن كان الحديثُ في غيرهما وله مراجعُذ كثيرة تزيد على خمسة ذكرت اثنين أو ثلاثة منها وأحلت على الملحق لاستيفاء التخريج، وقد حذفت هذا الملحق من هذه الطبعة وسوف أطبعه مستقلا إن شاء الله.
(ج) أنقل بعد التخريج أقوال أهل العلم في تصحيح الحديث إن وقفت على شيء منها.
(د) إذا لم يذكر الراوي في الحديث ذكرته في الحاشية بعد تخريجه.
(هـ) إن كان الحديث مما توسعت في تخريجه أحيل إلى الملحق بذكر رقم الحديث في الملحق هكذا [٣ح] مثلا وذلك في أول الحاشية.
стр. 11
١٤- خرجت الآثار سواء كانت عن الصحابة أو التابعين أو من بعدهم من علماء السلف من كتب السنة أو كتب العقائد والزهد وغيرها ولم أهمل إلا ما لم أجده. فإن كان الأثر في أكثر من خمسة مصادر اكتفيت بذكر اثنين أو ثلاثة منها وأحلت على الملحق لما بقي هكذا [٣ث] مثلا.
١٥- ترجمت للأعلام من الرواة، وأصحاب الأقوال إلا ما تعذّر عليَّ ترجمة مختصرة ضمنتها ذكر ما له علاقة بالاعتقاد إن وجدت مشيرًا في نهاية كل ترجمة إلى أهم المراجع التي استقيت منها الترجمة، وقد استثنيت من ذلك من له شهرة كالخلفاء الراشدين، والأئمة الأربعة وأصحاب الكتب الستة.
١٦- سميت التفاسير في أثناء التحقيق بأسماء أصحابها وجمعت بين التسميتين في فهرس المراجع.
١٧- خصصت في آخر الرسالة فهارس شاملة للآيات والأحاديث والآثار والأعلام والشعر والغريب والأماكن والقبائل والأمم والفرق والأديان والحيوانات والكتب، وفهرس للموضوعات مرتبا على الحروف الهجائية، وفهرس المراجع والمصادر، ثم فهرس الموضوعات.
١٨- سوف يطبع الملحق مستقلا - إن شاء الله - مع بعض التعديل ليكون صالحا للرجوع لأي حديث في شروح كتاب التوحيد الثلاثة: "التيسير"، و "الفتح"، و "التجريد".
هذا ما قدمته من جهد ولا أدعي الكمال، فما كان فيه من صواب فالحمد والمنة لله على فضله، وما كان فيه من خطأ ونقص فإني أقول رحم الله امرئً وقف عليه فأهداه إليَّ.
وأحمد الله تعالى أن وفقني على إتمام تحقيق هذا الكتاب، وأشكر
стр. 12
شيخي الفاضل معالي الدكتور/ صالح بن عبد الله العبود مدير الجامعة الإسلامية الذي أشرف على هذه الرسالة حيث خصص لي الكثير من وقته في الجامعة وفي منزله مما جعل الرسالة تبرز بهذه الصورة المتكاملة فيما يظهر لي، ولقد كان رحب الصدر في كل لقاء ألتقي به، فجزاه الله عني خير الجزاء.
وأشكر الشيخين الفاضلين الدكتور/ محمد بن ربيع المدخلي، والدكتور/ أحمد بن مرعي العمري على تفضلهما بقبول مناقشة هذه الرسالة.
وأتقدم بشكري لكل مشايخي وزملائي من طلاب العلم الذين أعانوني على إتمام هذا التحقيق بكتاب أو مخطوط أو فائدة أو تقديم أي مساعدة،١ وأخص منهم بالذكر أولئك الذين حصلت على نسخ الكتاب عن طريقهم والذين قد ذكرتهم عند كلامي عن وصف النسخ.
وأسأل الله أن يديم خير هذه الجامعة للأمة الإسلامية وأن يزيد ويبارك فيه، وأن يعين المسئولين فيها على تقديم الأفضل للأمة الإسلامية، وأن يثيب الدولة السعودية على ما قدمته وتقدمه لهذه الجامعة من رعاية وخدمة.
والحمد لله رب العالمين.
إعداد
حسن بن علي بن حسين العواجي
المدينة النبوية - الجامعة الإسلامية- كلية الدعوة وأصول الدين- قسم العقيدة
стр. 13
*
مقدمة تحقيق الكتاب
...
مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الر حيم١.
الحمد/ لله الذي شرح صدور أوليائه بنور اليقين، ومنح بأنوار علومه من اختاره من عباده المؤمنين، وفتح أقفال قلوب علمائه بفتحه٢ المبين، وأرشدهم إلى تبيين أحكام الإسلام والدين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الأمي٣ الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين.
أما بعد:
فإن التوحيد عظيم شأنه، عال قدره ومكانه، المحققون حول حماه [يحمون] ٤ والمقصرون٥ فيه في لجج بحار الشرك غارقون قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٦ وأهم العلوم وأعظمها
стр. 14
وأفضلها وأقدمها توحيد١ الله وإفراده٢ بالعبادة، ومن أنفع الكتب المصنفة فيه "كتاب التوحيد" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان النجدي٣ - تغمده الله برحمته الواسعة وأفاض عليه سحائب مغفرته الجامعة-، وقد شرعت في شرحه مستعينا بالله الكريم الوهاب، وأسأله النفع به وجزيل الثواب٤ وإصابة الحق بعين الصواب، وسميته: "تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد"، وأبدأ فيه بذكر بعض ترجمة الشيخ هو الإمام المجدد لدين الإسلام، علم الأئمة الأعلام، المتفرد في زمانه بنشر علم التوحيد، المؤيد بتأييد الله المبدئ المعيد، الذي شاع علمه٥ واشتهر، وملأ الأرض صيته وانتشر، كان بروزه إلى الوجود في
стр. 15
العيينة١ محلة آبائه والجدود، سنة خمس عشرة بعد المائة والألف، نشأ بها في طاعة الله تعالى، ورحل في طلب العلم/ الشريف، وجد واجتهد، ونال ما طلب وقصد ودعا إلى الله تعالى، وانتقل إلى الدرعية٢ واستقر به القرار في محروس تلك الديار، وهو يدعو الناس إلى عبادة الله بالإخلاص و [أن] ٣ لا يشرك بالله شيئًا، ولم تزل دعوته تهرول في آفاق٤ الأرض وتجري، وتبكر في جميع الأقطار وتسري٥ وكانت وفاته يوم الاثنين في شهر شوال سنة ست بعد المائتين والألف٦ فكان عمره قريبا من ثنتين وتسعين سنة، رحمه الله تعالى.
والآن ابتدي في المقصود بعون الله الملك المعبود٧.
стр. 16
بسم الله الرحمن الر حيم
الحمد لله
стр. 17
جميع المحامد كلها١ وأردف الشيخ التسمية بالحمد اقتداء بكتاب الله العزيز، وعملا بما صح عن النبي ﷺ " كل أمر ذي بال "٢ - أي: حال يهتم به- لا يبدأ فيه ببسم٣ الله الرحمن الرحيم،- وفي رواية: بالحمد- فهو أجذم"، أي: مقطوع البركة. رواه أبو داود، وغيره٤ وحسنه ابن الصلاح٥.
стр. 18
رب العالمين
стр. 19
(العالم اسم لذوي العلم من الملائكة والجن والإنس) ، ولا يقال للبهائم: عالم; لأنها لا تعقل١ واختلف٢ في مبلغ عددهم، والله تعالى أعلم بالصحيح منها. فنقل عن المتقدمين أعداد مختلفة، فقال مقاتل٣ " (ثمانون ألف عالم نصفها في البر ونصفها في البحر "٤ وقال الضحاك٥ " (ثلاثمائة وستون عالمًا حفاة عراة لا يعرفون خالقهم،
стр. 20
وستون ألفًا مكسيون يعرفونه "١ وقال ابن المسيب٢ " لله ألف عالم ستمائة في البحر، وأربع مائة في البر "٣ وقال وهب٤ " (ثمانية عشر ألف عالم) ٥ الدنيا عالم منها٦ وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في صحراء"٧ -الفسطاط الخيمة-، وقال كعب الأحبار٨ " (لا يحصى
فذكره في إنزال القرآن على عبده فقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ ١٢وفي مقام الدعوة إليه فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ٣ وفي مقام الإسراء فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ ٤ وفي مقام الوحي إليه فقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ ٥ وقدمه أيضا امتثالا لما في الحديث الصحيح: " ولكن قولوا عبد الله ورسوله ٦ " وهو أحب الأسماء إلى الله وأرفعها إليه٧.
صلى الله عليه وسلم تسليما.....................................................
стр. 27
الشيخ -رحمه الله تعالى- بين الصلاة والسلام لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ١ وفائدة الصلاة والسلام تعود إلى المصلي، ففي الحديث: " من صلَّى عَلَيَّ واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات ٢ " وقال ﷺ " من صلَّى عَلَيَّ حين يصبح عشرًا، وحين/ يمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة "٣.
стр. 28
الباب الأول: التعريف بالمؤلف وعصره
الفصل الأول: عصر المؤلف
...
الفصل الأول: عصر المؤلف
الحالة السياسية في عصره:
إذا اعتبرنا أن حياة المؤلف قد كانت بين سنتي بضع وسبعين ومائة وألف (١١٧٢ هـ) وبضع وستين ومائتين وألف (١٢٦٢ هـ١) فإن الفترة الواقعة بين هذين التاريخين كانت مليئة بالأحداث السياسية فقد كان الصراع محتدما في المنطقة على الإمارة، وقبائل عسير كغيرها من القبائل في تلك الفترة من الزمن كان يحكمها أمراء ورؤساء القبائل المحليون٢.
فقد كانت عسير تابعة للإدارة المركزية بمكة المكرمة أيام الخلافة الإسلامية. ولما ضعفت الدولة الإسلامية وكان الحكم للأتراك وكثر الخارجون عليهم، كانت تلك القبائل تخضع في الأعم لصاحب النفوذ القوي من حكام الأقاليم المجاورة٣.
ولما ظهرت دعوة التوحيد في الجزيرة العربية على يد المصلح الكبير الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقامت بنصرتها الدولة السعودية الأولى فرفعها الله بها وامتدت إلى جهات كثيرة، كانت عسير من تلك الجهات التي دخلت في تلك الدولة.
стр. 29
وقد كانت البلاد التي تَنْضَمُّ لتلك الدولة - وبالتالي لدعوة التوحيد - تقوم بدورها بدعوة البلاد المجاورة إلى التوحيد - وبالتالي إدخالها في طاعة الدولة السعودية.
ولهذا كانت عسير قاعدة لتوسع الدولة السعودية في جنوب الجزيرة حيث امتدت من خلالها إلى الدرب والشقيق وبيش وصبيا وأبو عريش وما حول تلك البلاد.
بداية دخول عسير في الدولة السعودية الأولى:
ففي عام ١٢٠٥ هـ وصلت أخبار الدعوة السلفية وما يحققه المنتسبون إليها من النصر إلى عسير، فبقي الناس في تشوق لها ومالت نفوسهم وأرواحهم لذلك الخير فهاجر إلى الدرعية اثنان منهم عام ١٢١٣ هـ وهما محمد بن عامر المتحمي وأخوه عبد الوهاب، وأخذا مبادئ تلك الدعوة وعادا لتطبيقها على قومهما فتمكنا بإعانة الدولة السعودية لهما من السلطة والسيادة على قبائل عسير١ فقد أرسل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود معهما سرية لغزو عسير فلم ينتصف عام ١٢١٥ هـ حتى دخل سائر أهل عسير السراة في طاعة الدولة السعودية آنذاك٢.
стр. 30
إمارة آل المتحمي:
ومن هنا بدأت في عسير إمارة آل المتحمي التابعة للدولة السعودية آنذاك، وكان الأمير الأول محمد بن عامر المتحمي الذي عرف بلقب (أبو نقطة) وقد حكم سنتين، ثم خلفه أخوه عبد الوهاب الذي سار على نهجه في نصر الدعوة وتوسيع رقعة الدولة السعودية١ فقد قام عبد الوهاب بفتح مدينة (أبو عريش) وما حولها بعد قتال كبير مع الشريف حمود وأتباعه وكان ذلك سنة ١٢١٧ هـ٢.
وقد كان المؤلف وأبوه وإخوانه وأسرته ممن يترقبون ويعايشون تلك الحروب قائمين بما يمكنهم القيام به لمناصرة الحق من مشاركة فعلية في تلك الحروب أو القيام بأعمال الدعوة والتدريس.
فقد كان أبو المؤلف (محمد بن عبد الهادي) بصحبة ذلك الجيش فكان مع الأمير في خيمته٣.
وكان المؤلف عبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي قاضيا في تلك السنة٤ فلعله كان قائما بالقضاء محل أبيه فقد عرف أن أباه كان قاضيًا أيضًا٥.
وبهذا الفتح طالب الأشراف بالأمان ودخلوا ضمن الدولة السعودية، فأصبحت أبو عريش وصبيا وما حولهما تابعة للدولة السعودية، والتزم
стр. 31
الأشراف بقيادة حمود نصر الدعوة، فقاتلوا كثيرًا من البلاد اليمنية وأدخلوها في دولة التوحيد١.
ويستمر الجهاد من أهل تلك البلاد مع الدولة السعودية فيصدر الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أمره إلى عبد الوهاب في شهر ذي الحجة من سنة ١٢١٧هـ٢ أن يتوجه بجيش إلى مكة لملاقاة جيش يقوده سعود ويصل الجيشان إلى مكة ويتم لهما النصر على الشريف غالب، ويعود كل جيش إلى دياره بعد أن يخلف حامية هناك وذلك في أوائل سنة ١٢١٨ هـ٣.
وفي شهر رجب من تلك السنة يصل الخطاب من الإمام عبد العزيز إلى عبد الوهاب بالمسير مرة أخرى إلى مكة، وكذلك وصلت خطابات أخرى لأمراء تهامة لنفس الغرض ليجتمعوا بعبد الوهاب ويسيروا سويًّا ليلتقوا جميعًا في الطائف ويسيروا منها إلى مكة٤ وقد كان بصحبتهم أبو المؤلف (محمد بن عبد الهادي) داعيا وموجها، وكذلك أخوه إسماعيل بن محمد٥.
ولما وصلوا كانت الأمور قد تغيرت فقد مات الإمام عبد العزيز وخلفه ابنه سعود فلم يصل الجيش من هناك، وكذلك فإن شريف مكة قد وصله مدد كبير من اليمن فاكتفى عبد الوهاب بإرسال خطاب للشريف
стр. 32
غالب ينذره فيه ويحذره ويدعوه للتسليم بعد أن حصلت بينهما بعض المناوشات١ ثم توجه عبد الوهاب ومن معه إلى الدرعية والتقوا بالإمام سعود وإخوانه وأولاده والمشايخ والعلماء.
وتواعد عبد الوهاب مع سعود أن يكون اللقاء بينهم في هلال رمضان من سنة ١٢١٩ هـ ليقوموا بإيصال الدعوة إلى الأماكن المقدسة في مكة المكرمة ثم رجع عبد الوهاب بمن معه إلى الأوطان٢.
وبدأ بعد عودته الاستعداد للرحلة والموعد الجديد وكان من ذلك الإعداد أن استلحق قبائل بللحمر وباللسمر وأهل العرضية وأهل الساحل والشريف حمود أمير (أبو عريش) والشريف منصور أمير (صبيا) ، وعرار أمير (الدرب) ٣.
وكان قد وصل إلى الأميرين منصور صاحب صبيا، وعرار صاحب الدرب كتابان من سعود يأمرهما بالمسير مع عبد الوهاب فجهزا جيشين وأمرا عليهما فلحقا عبد الوهاب في الطريق، وكأن جيش عرار قد تأخر فلم يلحق بعبد الوهاب إلا في أطراف الليث فوبخهم عبد الوهاب على التراخي وعاقبهم بأخذ الخيل والحلقة إذا عادوا بعد القتال٤ ولعل هذا الفعل كان سببا فيما حدث من خلاف وقتال بين عبد الوهاب من جهة وعرار ورجال ألمع من جهة ثانية فيما بعد.
стр. 33
وقد ذكر ابن عبد الهادي أنه لما وصل عبد الوهاب بمن معه إلى السعدية في ست بقين من رمضان، وكتب إلى الشريف غالب أمير مكة ينذره ويحذره ويقيم عليه وعلى قومه الحجة، كان الرد أن قدم غالب عليه بجنود وعساكر من الترك والمغاربة والمصارية وأشراف مكة وهذيل والمجاورين لمكة ممن هم في قبضة غالب، فتقاتل الجيشان وغنم عبد الوهاب ومن معه منهم غنائم كثيرة ثم رجع غالب إلى مكة وقفل عبد الوهاب إلى وطنه بعد هذا النصر١.
وعندما عاد عبد الوهاب حصل الخلاف بينه وبين الأمراء عرار أمير (الدرب) وحمود أمير (أبو عريش) ومنصور أمير (صبيا) ومعهم بعض رجال ألمع. وكان أول هذا الخلاف والقتال بين بعض رجال ألمع وعبد الوهاب بسبب ميلهم لعرار، وأخيرًا ألزمهم عبد الوهاب أن يذعنوا لطاعته، وخطب الفقهاء في الأسواق بحفظ عهد عبد الوهاب والصراحة ببغي عرار وأنه ممن يسعى في الأرض بالفساد٢.
ولابد أن المؤلف قد شهد تلك الحادثة، ولعله من الفقهاء الذين قد عالجوا الأمور والأحداث، فقد كان قاضيًا في البلد وعمله يحتم عليه ذلك. ولما بلغت هذه الأحداث سعودًا أرسل لجنة من ثلاثة رجال لتنظر في الخلاف الدائر بين أمراء الجنوب وتقوم بحله، فأمرتهم بأن يتوجهوا جميعًا إلى الدرعية فسار عبد الوهاب ومنصور وعرار واعتذر حمود،
стр. 34
وأرسل بدلاً عنه ابنه بصحبة وزيره الحسن بن خالد الحازمي١.
فذهب ذلك الوفد ثم عاد، وقد تبين من خلال المحاكمة بينهم عند سعود أن الحجة قد ظهرت لعبد الوهاب، وانجلت تلك المحاكمة على إطفاء نار المخاصمة، وأوضح سعود للأشراف أن الحجة عليهم قد قامت بالمخالفة ولكنه يعفو ويصفح٢.
وانطلقت وفود جديدة للدعوة والجهاد بقيادة عبد الوهاب إلى نجران في سنة ١٢٢١ هـ، وقد أقام بها نحو شهر وبنى فيها قلعة عظيمة٣.
وفي سنة ١٢٢٢ هـ أمر سعود عبد الوهاب بن عامر بالتقدم على الشريف حمود والاستيلاء على ممالكه بعد أن تواترت إليه أخبار مخالفاته، وأمر أمير قحطان وأمير شهران بالمسير معه وعين بعض رجالاته ليكونوا معه٤.
وبعد ترتيبات وتحريات ومراسلات تم العقد على تقدم عبد الوهاب ابن عامر على حمود، وفي شهر ربيع الثاني من سنة ١٢٢٤ هـ وصلت الأخبار إلى الشريف حمود بأن عبد الوهاب قادم; فجهز جيشا استنفر فيه كل من أطاعه.
وقدم جيش عبد الوهاب في جمادى الآخرة من تلك السنة، ونشبت المعركة فولى أصحاب الشريف الأدبار، ولكن عبد الوهاب قتل في تلك المعركة، وعاد حمود إلى (أبو عريش) وصارت الحرب بينه وبين جيوش عسير سجالاً٥.
стр. 35
وعين طامي بن شعيب أميرًا بدلاً من عبد الوهاب، وجاءت الأوامر من سعود إلى أمير مكة من قبله بأن يتجه إلى اليمن ومعه خمسة آلاف، وأن يمر على طامي ابن شعيب وقومه وعددهم ثلاثة آلاف وينضم إليهم رجال شهران وغيرهم نحو الألف، واتجهوا جميعا إلى اليمن ثم عادوا على الشريف حمود في (أبو عريش) وحصلت بينهم مقتلة هزم فيها حمود وعاد إلى (أبو عريش) .
وفي سنة ١٢٢٦ هـ أجمع أمراء الترك على المسير إلى الحجاز بعددهم وعتادهم بقيادة محمد علي باشا، فوصل بعضهم سنة ١٢٢٧ هـ إلى ينبع، ومنها ساروا إلى القرى والبوادي حتى وصلوا إلى المدينة النبوية، وقد كان بها جيش كبير لسعود يبلغون سبعة آلاف، كان من بينهم عدد كبير من رجال عسير وأهل بيته وأهل الجنوب ونجد، وقد حصرهم الترك وأعملوا فيهم القتل حتى انتشرت بينهم الأمراض والأوبئة والهلاك١.
ومن هنا بدأت الدولة السعودية في حروبها مع جيوش محمد علي باشا، وبدأ الضعف فيها، وبدأ جزرها عن عسير واليمن، ففي سنة ١٢٢٩ هـ توجهت الجيوش التركية إلى عسير واليمن فتجهز لهم طامي بن شعيب ولاقاهم في القنفدة واقتتل معهم وانتصر عليهم٢.
وفي شهر شوال من تلك السنة سار طامي بن شعيب برعاياه من عسير وألمع وغيرهم نحو عشرة آلاف مقاتل إلى أودية زهران حيث قد تجمع
стр. 36
نحو عشرين ألفا من الترك والمغاربة فتقاتل الجيشان وانتصر طامي عليهم وغنم منهم الكثير١.
وفي سنة ١٢٣٠ هـ انضم طامي بن شعيب ومن معه من عسير وألمع إلى جيوش فيصل بن سعود لقتال الترك في تربة قرب الطائف وقد تغلب عليهم الترك وتفرق جندهم.
ثم إن الجيوش التركية واصلت سيرها إلى الجنوب فوصلوا بيشة ثم إلى تبالة٢ حتى وصلوا إلى بلاد طامي بن شعيب ورعاياه من عسير وألمع ورفيده، وقد قاومهم طامي بما استطاع ولكنه عجز وهرب أخيرًا إلى شعوف الجبال، وما زال في توجه إلى الجنوب حتى وصل إلى صبيا حيث استدعاه الحسن بن خالد الذي كان وزيرًا لحمود الشريف، ثم سلمه للأتراك الذين كانوا في بحث عنه فبعثوا به إلى محمد علي الذي سيره إلى مصر حيث قتل وصلب فيها٣.
وبهذا دخلت عسير في الحكم التركي، وانكمشت عنها الدولة السعودية فأصبح النفوذ والقوة للأتراك، وبهذا ضعف دور العلماء سيما البكريون٤ الذين كانوا يتولون القضاء والتوجيه في البلاد وإعانة أمرائهم في نشر دعوة التوحيد.
стр. 37
ولقد كان (المؤلف) وأبوه وإخوانه من أعيانهم الذين كان لهم دورهم في التوجيه والدعوة.
وفي سنة ١٢٣٠ هـ تولى إمارة عسير محمد بن أحمد المتحمي (الرفيدي) وهو من قرابة طامي، وبعد أيام من توليه قضى على قوات محمد علي وتولى الحكم واجتمع على طاعته أهل السراة رغبة ورهبة١.
وفي سنة ١٢٣١ هـ جمع الجيوش لقتال الشريف حمود لما اجتمع في نفسه عليه من إسلام قريبه طامي للأتراك، ولما سبق من خروج صبيا ومخلافها من أيديهم إليه، وكذلك فعل الشريف حمود.
وفي الثامن عشر من شهر رجب من تلك السنة اقتتل الجيشان في درب بني شعبة، وكانت الغلبة للشريف حمود، ورجع كل إلى بلده.
وفي السنة التي تليها سنة ١٢٣٢ هـ هَمَّ كلٌّ بغزو الآخر، وفي تلك السنة جاء الأتراك إلى عسير واستولوا عليها مرة أخرى، واستعادوا الحكم فيها فاختفى محمد ابن أحمد في جبل، ولما ذهبت القوات خرج ونادى بالجهاد ولكنه لم يوفق، فاتفق مع علي بن مجثل أن يطلبا من الشريف حمود أن يتقدم للاستيلاء على عسير فوافق ذلك رغبة عنده ففعل وملكها بعدما لاقى في ذلك ما لاقى٢. وفي سنة ١٢٣٣ هـ والناس يدخلون في طاعة الشريف حمود في جبال السراة ورجال ألمع جاءت الجيوش التركية لتعيد ما كان تابعا لها من قبل
стр. 38
ولتدفع من أراد تملكها، فعبأ الشريف جنوده ولاقاهم وانتصر عليهم١.
وتم للقوات التركية القبض على محمد بن أحمد وأسروه ثم قتلوه٢.
وبعد سنة ١٢٣٣ هـ توالت الحملات التركية بالتعاون مع أمير مكة محمد بن عون على بلاد عسير ودفعهم سعيد بن مسلط الذي نصب نفسه أميرًا على عسير إثر انتصارات أحرزها ضدهم واستمرت تلك الحملات حتى توفي سعيد بن مسلط سنة ١٢٤٢ هـ٣. ثم تولى الإمارة بعده ابن عمه علي بن مجثل الذي كان متشبعًا بالدعوة الإصلاحية السلفية فأخذ بالعمل في إمارته على غرار آل سعود من التقدير لرجال العلم وقد خص علماء الحفاظية بالمكان الأول في إمارته.
ومن هنا فإن المؤلف، وهو من الحفاظية كما سيأتي بيانه٤ إن كان قد أدركته إمارة ابن المجثل فإنه سينال اهتمامًا وسيجد حرية في نشر العلم والدعوة.
وقد استمرت إمارة علي بن مجثل من سنة ١٢٤٣ هـ إلى سنة ١٢٤٩ هـ امتدت إمارته خلال تلك السنوات إلى الجنوب حتى ضمت إليها صبيا وأجزاء من اليمن.
وقد ساعد علي بن مجثل في قيام إمارته وقوتها انشغال محمد علي باشا بحروبه في نجد وسوريا، واختلاف أمراء مكة على السلطة٥.
стр. 39
ولما قاربت وفاة علي بن مجثل عهد إلى الأمير عائض بن مرعي المغيدي فحكم عسير من سنة ١٢٥٠ هـ إلى سنة ١٢٧٣ هـ.
وقد تقدمت في أثناء إمارته جحافل تركية للاستيلاء على عسير إلا أنها صدت من قبل قبائل عسير التي اتحدت والتفت حول أميرها، إضافة إلى ما حصل من اختلاف بين قواد الأتراك وأمراء مكة.
وقد كان ذلك الخلاف سببًا من الأسباب التي هيأها الله لتقوية حكم عائض فتفرغ لشئون إمارته والإصلاحات المحلية، وخصوصًا التشجيع على التفقه في الدين والذي كان للحفاظية الذين ربما كان (المؤلف) من بينهم - دور كبير فيه١.
стр. 40
الحالة الدينية والعلمية في عصره:
لقد كان للحركة العلمية والدينية في عصر المؤلف ارتباط وثيق به وبأسرته فقد قام البكريون أو الحفاظية١ بنشاط كبير في نصرة الدعوة السلفية، سواء كان ذلك بتآليفهم أو خطبهم أو مشاركتهم في حملات الدعوة التي كان يقوم بها الأمراء الذين نصروا الدعوة السلفية هناك في أول ظهورها٢، وأصبحت بذلك مدينة رجال ألمع مركزًا فكريًّا مهمًّا يَضُمُّ عددًا من المفسرين والمحدثين والمؤلفين والدعاة والشعراء والكتاب٣.
وقد كان من البكريين أو الحفاظية - الدعاة والوعاظ والقضاة - فأصبحوا مع أمرائهم محال الشيخ مع أمراء آل سعود٤.
وقد كان من أشهر العلماء القائمين بتلك النهضة العلمية والدينية أحمد بن عبد القادر الحفظي، ومحمد بن أحمد الحفظي وإبراهيم بن أحمد الزمزمي ومحمد بن عبد الهادي (أبو المؤلف) وعبد الهادي بن محمد (المؤلف) وإسماعيل بن محمد (أخو المؤلف) وإسماعيل بن إبراهيم الزمزمي وعبد القادر بن أحمد الحفظي٥.
فقد خالطت قلوب هؤلاء العلماء بشاشة التوحيد فناصروا دعاتها بأشعار الحماسة والأقوال في الرسائل وغيرها، ومن أجل هذا فقد كان لهم ولمن استفاد منهم أثر كبير في تعليم الناس وتوجيههم.