← Акыда

Акыда · id 12001

تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد

عبد الهادي البكري

Полный текст (695 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نحو عشرين ألفا من الترك والمغاربة فتقاتل الجيشان وانتصر طامي عليهم وغنم منهم الكثير١. وفي سنة ١٢٣٠ هـ انضم طامي بن شعيب ومن معه من عسير وألمع إلى جيوش فيصل بن سعود لقتال الترك في تربة قرب الطائف وقد تغلب عليهم الترك وتفرق جندهم. ثم إن الجيوش التركية واصلت سيرها إلى الجنوب فوصلوا بيشة ثم إلى تبالة٢ حتى وصلوا إلى بلاد طامي بن شعيب ورعاياه من عسير وألمع ورفيده، وقد قاومهم طامي بما استطاع ولكنه عجز وهرب أخيرًا إلى شعوف الجبال، وما زال في توجه إلى الجنوب حتى وصل إلى صبيا حيث استدعاه الحسن بن خالد الذي كان وزيرًا لحمود الشريف، ثم سلمه للأتراك الذين كانوا في بحث عنه فبعثوا به إلى محمد علي الذي سيره إلى مصر حيث قتل وصلب فيها٣. وبهذا دخلت عسير في الحكم التركي، وانكمشت عنها الدولة السعودية فأصبح النفوذ والقوة للأتراك، وبهذا ضعف دور العلماء سيما البكريون٤ الذين كانوا يتولون القضاء والتوجيه في البلاد وإعانة أمرائهم في نشر دعوة التوحيد.

стр. 37

ولقد كان (المؤلف) وأبوه وإخوانه من أعيانهم الذين كان لهم دورهم في التوجيه والدعوة. وفي سنة ١٢٣٠ هـ تولى إمارة عسير محمد بن أحمد المتحمي (الرفيدي) وهو من قرابة طامي، وبعد أيام من توليه قضى على قوات محمد علي وتولى الحكم واجتمع على طاعته أهل السراة رغبة ورهبة١. وفي سنة ١٢٣١ هـ جمع الجيوش لقتال الشريف حمود لما اجتمع في نفسه عليه من إسلام قريبه طامي للأتراك، ولما سبق من خروج صبيا ومخلافها من أيديهم إليه، وكذلك فعل الشريف حمود. وفي الثامن عشر من شهر رجب من تلك السنة اقتتل الجيشان في درب بني شعبة، وكانت الغلبة للشريف حمود، ورجع كل إلى بلده. وفي السنة التي تليها سنة ١٢٣٢ هـ هَمَّ كلٌّ بغزو الآخر، وفي تلك السنة جاء الأتراك إلى عسير واستولوا عليها مرة أخرى، واستعادوا الحكم فيها فاختفى محمد ابن أحمد في جبل، ولما ذهبت القوات خرج ونادى بالجهاد ولكنه لم يوفق، فاتفق مع علي بن مجثل أن يطلبا من الشريف حمود أن يتقدم للاستيلاء على عسير فوافق ذلك رغبة عنده ففعل وملكها بعدما لاقى في ذلك ما لاقى٢. وفي سنة ١٢٣٣ هـ والناس يدخلون في طاعة الشريف حمود في جبال السراة ورجال ألمع جاءت الجيوش التركية لتعيد ما كان تابعا لها من قبل

стр. 38

ولتدفع من أراد تملكها، فعبأ الشريف جنوده ولاقاهم وانتصر عليهم١. وتم للقوات التركية القبض على محمد بن أحمد وأسروه ثم قتلوه٢. وبعد سنة ١٢٣٣ هـ توالت الحملات التركية بالتعاون مع أمير مكة محمد بن عون على بلاد عسير ودفعهم سعيد بن مسلط الذي نصب نفسه أميرًا على عسير إثر انتصارات أحرزها ضدهم واستمرت تلك الحملات حتى توفي سعيد بن مسلط سنة ١٢٤٢ هـ٣. ثم تولى الإمارة بعده ابن عمه علي بن مجثل الذي كان متشبعًا بالدعوة الإصلاحية السلفية فأخذ بالعمل في إمارته على غرار آل سعود من التقدير لرجال العلم وقد خص علماء الحفاظية بالمكان الأول في إمارته. ومن هنا فإن المؤلف، وهو من الحفاظية كما سيأتي بيانه٤ إن كان قد أدركته إمارة ابن المجثل فإنه سينال اهتمامًا وسيجد حرية في نشر العلم والدعوة. وقد استمرت إمارة علي بن مجثل من سنة ١٢٤٣ هـ إلى سنة ١٢٤٩ هـ امتدت إمارته خلال تلك السنوات إلى الجنوب حتى ضمت إليها صبيا وأجزاء من اليمن. وقد ساعد علي بن مجثل في قيام إمارته وقوتها انشغال محمد علي باشا بحروبه في نجد وسوريا، واختلاف أمراء مكة على السلطة٥.

стр. 39

ولما قاربت وفاة علي بن مجثل عهد إلى الأمير عائض بن مرعي المغيدي فحكم عسير من سنة ١٢٥٠ هـ إلى سنة ١٢٧٣ هـ. وقد تقدمت في أثناء إمارته جحافل تركية للاستيلاء على عسير إلا أنها صدت من قبل قبائل عسير التي اتحدت والتفت حول أميرها، إضافة إلى ما حصل من اختلاف بين قواد الأتراك وأمراء مكة. وقد كان ذلك الخلاف سببًا من الأسباب التي هيأها الله لتقوية حكم عائض فتفرغ لشئون إمارته والإصلاحات المحلية، وخصوصًا التشجيع على التفقه في الدين والذي كان للحفاظية الذين ربما كان (المؤلف) من بينهم - دور كبير فيه١.

стр. 40

الحالة الدينية والعلمية في عصره: لقد كان للحركة العلمية والدينية في عصر المؤلف ارتباط وثيق به وبأسرته فقد قام البكريون أو الحفاظية١ بنشاط كبير في نصرة الدعوة السلفية، سواء كان ذلك بتآليفهم أو خطبهم أو مشاركتهم في حملات الدعوة التي كان يقوم بها الأمراء الذين نصروا الدعوة السلفية هناك في أول ظهورها٢، وأصبحت بذلك مدينة رجال ألمع مركزًا فكريًّا مهمًّا يَضُمُّ عددًا من المفسرين والمحدثين والمؤلفين والدعاة والشعراء والكتاب٣. وقد كان من البكريين أو الحفاظية - الدعاة والوعاظ والقضاة - فأصبحوا مع أمرائهم محال الشيخ مع أمراء آل سعود٤. وقد كان من أشهر العلماء القائمين بتلك النهضة العلمية والدينية أحمد بن عبد القادر الحفظي، ومحمد بن أحمد الحفظي وإبراهيم بن أحمد الزمزمي ومحمد بن عبد الهادي (أبو المؤلف) وعبد الهادي بن محمد (المؤلف) وإسماعيل بن محمد (أخو المؤلف) وإسماعيل بن إبراهيم الزمزمي وعبد القادر بن أحمد الحفظي٥. فقد خالطت قلوب هؤلاء العلماء بشاشة التوحيد فناصروا دعاتها بأشعار الحماسة والأقوال في الرسائل وغيرها، ومن أجل هذا فقد كان لهم ولمن استفاد منهم أثر كبير في تعليم الناس وتوجيههم.

стр. 41

ومن أهم الدعائم التي كانت سببًا في زوال الجهل وانقياد الناس للخير وتعظيم العلم والعلماء ما كان يتمتع به أولئك العلماء مع أمرائهم من الاتفاق على كلمة واحدة في نصر الدين ورفع راية التوحيد، فقد كانوا يصحبون الأمراء في غزواتهم وجهادهم المستمر من أجل الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر١. ولقد كان لمسجد بلدة رجال ألمع التي تربى هؤلاء العلماء والمشايخ فيها أثر كبير في ثقافتهم، فقد كان منبرًا من منابر العلم يشع نوره في جميع أرجاء منطقة عسير. ثم زاد ذلك النور عندما قام الشيخ محمد بن أحمد الحفظي وصنوه إبراهيم بتأسيس مدرستين لطلبة العلم، فأصبحت تلك البلاد منارًا للعلم يقصد، ومنهلاً من مناهل المعرفة يورد، تضرب إليها أكباد الإبل، وتستقبل طلاب العلم من مختلف الجهات، فيعودون إلى أوطانهم يحملون العلم والنور٢. وقد كان من مظاهر الحركة الدينية والعلمية في تلك الفترة من الزمن المؤلفات التي ألفت لتوعية الناس ونقلهم من الظلمة والجهل والشركيات إلى التوحيد والاستنارة بدعوته.

стр. 42

ومن أمثلة تلك المؤلفات: ١- كتاب "الظل الممدود في الوقائع الحاصلة في عهد ملوك آل سعود الأولين" وهو لوالد المؤلف محمد بن هادي، وقد أوضح خلال ذكره لتلك الوقائع ما كان يتمتع به أصحاب تلك الدعوة من قوة في التمسك بالتوحيد، وما كانت عليه أكثر البلاد في تلك المناطق من ترك للتوحيد وتعلق بغير الله تعالى، وما كان يقوم به هو وأمثاله من العلماء في الغزوات من إقامة الحجة للمدعوين قبل حربهم. ٢- كتاب "نفخ العود في الظل الممدود" لمحمد بن أحمد الحفظي وقد احتوى تقريبًا على بعض ما احتوى عليه سابقه، وفيه مفاهيم الدعوة إلى التوحيد ما في الكتاب الأول وهو لا يزال مخطوطًا١. ٣- ومنها كتاب "اللجام المكين والزمام المتين" لمحمد بن أحمد الحفظي أيضًا، وهو مطبوع وقد ذكر فيه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان من المجددين وذكر فيه أنهم - يعني: الحفاظية - لدعوته من المحبين ولفتاويه من المطيعين٢. ومما يحتوي عليه هذا الكتاب التناصح مع الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود، والطلب منه ومن المشايخ أن يبينوا للدعاة الحاملين لراية الأمير الأخطاء التي يقعون فيها والتي كانت سببًا في وصف دعوة الشيخ بغير ما كانت تتصف به٣

стр. 43

٤- كتاب "تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد" وهو الكتاب الذي بين أيدينا لمؤلفه عبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي، وسيأتي التعريف به في الباب الثاني من هذه الدراسة١. ٥- وهناك مؤلفات ورسائل وشروحات وقصائد كلها أسهمت في تكوين حركة علمية ودينية عمت بلاد عسير واستفاد منها خلق كثير. كما أن من المظاهر الدالة على شهود المنطقة حالة دينية وعلمية في تلك الفترة من الزمن ما يحصل من مراسلات بين أهل العلم والأمراء في تلك البلاد وبين العلماء والأمراء في الدرعية من أمثلة ذلك: ١- رسالة وجهت من الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى محمد بن أحمد الحفظي جوابًا عن أسئلة تتعلق بالبناء على القبور، وعن الحدود، وعمن صدر منه كفر من غير قصد منه٢. ٢- رسالة من الشيخ عبد الله أيضا إلى الأمير عبد الوهاب أبو نقطة أجابه فيها على أسئلة عمن قال: يعلم الله كذا وهو كاذب، وعن قول القائل: من صلى على النبي عشرًا صلى الله بها عليه مائة، ومن صلى مائة صلى الله عليه بها ألفًا، وعن التلفظ بالنية٣.

стр. 44

دور الحفاظية في إقامة دولة التوحيد في بلادهم: لقد كان لعلماء الحفاظية دورٌ كبيرٌ في قيام ذلك النظام السياسي والديني في أرجاء عسير في تلك الفترة من الزمن بسبب توليهم لأهم المناصب في ذلك الوقت من قضاء وإرشاد وفتوى، ولم يكونوا ليحصلوا على هذه الدرجة لولا إيمانهم بمبادئ الدعوة إلى التوحيد وتعمقها في نفوسهم فنصروها وأيدوها بكل ما أوتوا من قوة في العبارة وجهاد بالنفس والمال، ومن الأمثلة الحية الدالة على شغف قلوبهم بدعوة التوحيد والقائمين عليها تلك الخطبة التي ألقاها الشيخ محمد بن هادي (أبو المؤلف) لما بلغته وفاة الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود١. وفي هذه الخطبة تظهر المحبة البالغة التي كان يكنها العلماء الحفاظية لدعوة التوحيد وعلمائها وأمرائها ومن تلك الخطبة قوله: (ألا وإن إمام زماننا ومحيي موات ديننا الذي جمع شمل الأمة على كلمة التوحيد وشيد حصن لا إله إلا الله على أرسخ أساس، وأرفع تشييد، وجدد دين الله بعد اندراسه وبين حق الله على العبيد، من نفى بأسياف عزمه الشرك والطواغيت والجحود، الداعي إلى الله المجدد لدين الله عبد العزيز بن محمد بن سعود قد قتل شهيدًا ولقي ربه حميدًا) . ومن الأمثلة الدالة على منافحتهم عن دعوة التوحيد وبيانها للناس تلك القصيدة٢ التي أرسلها الشيخ محمد بن أحمد الحفظي إلى حاكم المخلاف السليماني الشريف علي بن حيدر وقاضيه عبد الرحمن البهكلي

стр. 45

وعلماء تلك المنطقة، التي يدعو فيها إلى قبول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويدفع عنها ما علق في أذهانهم عنها حيث يقول في مطلعها: هام الشجا وهاج شوق الممتلى ... وبدت صبابات الغرام الأول ثم يقول في أبيات منها: واستشهد الأيام وانظر شأنها ... وارمق عواقب حالها المتحول والحق أولى أن يجاب وإنما ... لم أدر ما حيلولة المتحيل إن كان ظنًًّا أن ذاك مخالف ... فهو البريء من الخلاف المبطل بل قام يدعو الناس بالتوحيد ... والتجريد والتفريد للرب العلي ويذب عن شرع النبي محمد ... ويذم من يدع النبي أو الولي أو كان ظنًّا أن فيه غلاظة ... وفضاضة وشكاية لم تحمل فأقول حاشا إن فيه ليونة ... وبشاشة للمقبل المستقبل لا يطلب الأموال من خزانها ... أو يقتل الأبطال إن لم تبطل بل قصده التوحيد في أفعالنا ... ثم اتباعًا للنبي المرسل ومن الأدلة على ارتباط تلك الأسرة بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وعلمائها وأمرائها تلك الرسائل المتبادلة بين الطرفين التي يظهر منها عبارات التقدير والاحترام والتواصي بالخير وعرض كل طرف على الآخر ما فيه مصلحة الدعوة وتقدمها وتلافي ما يؤدي إلى إضعاف تقدمها.

стр. 46

ومن تلك الرسائل: ١- رسالة وجهت من حسين وعبد الله ابني الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى محمد ابن أحمد الحفظي. ومما قالا فيها: ( ... وقد وصل إلينا كتابك وفهمنا ما حواه من حسن خطابك، وتذكر أنك على هذا الدين الذي نحن عليه من إخلاص الدين لله تعالى، وترك عبادة ما سواه وأنك لا ترضى بالإشراك والتخلف عن التوحيد ولو قدر فواق، فالحمد لله الذي مَنَّ علينا وعليك، وهذا هو أفرض الفرائض على جميع الخلق ... ) . ومما أوصياه به قولهما له: "والذي نوصيك به ونحضك عليه التفقه في التوحيد ومطالعة مؤلفات شيخنا - رحمه الله تعالى - فإنها تبين لك حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ وحقيقة الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله". ومما حذراه منه قولهما: (فإياك أن تغتر بما أحدثه المتأخرون وابتدعوه كابن حجر الهيتمي وأشباهه، واعتمد في هذا الأصل على كتاب الله الذي أنزله تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وعلى ما كان عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا تغتر بما حدث بعدهم من البدع المضلة في أصول الدين وفروعه) ١. ٢- ومنها رسالة من عبد العزيز بن محمد إلى الشيخ محمد بن أحمد الحفظي وفيها يشرح له معاملتهم للناس حيث قال: (فإذا جاءنا من

стр. 47

يقول أنا أريد أن أبايعكم على دين الله ورسوله وافقناه وبايعناه وبينا له الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ ونأمره بذلك ونحضه على القيام به في بلده ودعوة الناس إليه وجهاد من خالفه، فإذا خالف ذلك وغدر فالله حسيبه ... ) . وقال فيها أيضًا: (وأما الجيوش والأجناد الذين نجهزهم من الوادي وأتباعهم فنأمرهم بقتال كل من بلغته الدعوة وأبى عن الدخول في الإسلام والانقياد لتوحيد الله وأوامره وفرائضه ... ) ١. ٣- ومنها رسالة من الأمير عبد الله بن سعود إلى والد (المؤلف) محمد بن عبد الهادي وأولاده الذين كان من أشهرهم المؤلف قال فيها: من عبد الله بن سعود إلى الأخ محمد بن عبد الهادي وأولاده سلمهم الله تعالى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: وصل الخط وصلكم الله إلى رضوانه وما ذكرتم من نصر الله للإسلام وأهله فإنه المحمود على ذلك ووعد الله يتم ... ثم طلب الأمير من الشيخ أن يلازم عبد الوهاب الأمير هناك ويناصره إذ قال: (ويذكر لنا أن ديرتكم متشطره٢ عن عبد الوهاب والذي مثل عبد الوهاب يشره٣ عليكم بالملازمة والمعاضدة في أمور دينه ودنياه ... ثم قال: فنحن نلزم عليكم ونعزم أنكم تنتقلون

стр. 48

يم١ عبد الوهاب ... وواجبكم نقوم به إن شاء الله ... والمأمول فيكم الامتثال ساعة يجيكم الكتاب ... وأنتم بحفظ الله وأمانه والسلام) ٢. وهناك رسائل كثيرة في "مجموعة الرسائل" وفي كتاب "أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" وكتاب "عسير خلال قرنين" كلها تدل على الصلة القوية بين أسرة (المؤلف) البكريين أو (الحفظيين) مع علماء الدعوة إلى التوحيد في الدرعية. ولم يقتصر دورهم في نصر الدعوة على الإسهام بالخطبة والكتاب والدروس بل تعدى ذلك إلى المشاركة بالنفس: فإن أبا المؤلف محمد بن عبد الهادي كان قد صحب أحد الجيوش بنفسه وهو شيخ كبير كما يدل عليه قوله في تاريخه "الظل الممدود" (ثم حصل للفقير إلى الله تعالى العزم على السفر للمعاونة في الجهاد ... وإن كان الحال يقصر والعذر واسع والعجز ظاهر) ٣. وكذلك محمد بن أحمد الحفظي كان يشارك في حضور الغزوات استجابة لدعوة الحق والهدى ويرسل إلى العلماء الكتب والقصائد ليقنعوا من وراءهم بقبول الدعوة كما حصل مع حكام المخلاف السليماني٤.

стр. 49

الضيف يمر بك فتكرمه وتحسن١ إليه. وعن أبي٢ شريح٣ خويلد بن عمرو العدوي- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "م ن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه "٤ أخرجاه٥.

стр. 50

الجائزة: العطية، أي: يقري الضيف ثلاثة أيام ثم يعطيه ما يجوز به من منهل إلى منهل١ وقيل: هو أن يكرم الضيف ثلاثة أيام٢ فإذا سافر أعطاه ما يكفيه يوما وليلة حتى يصل إلى موضع آخر٣. العاشر: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: المماليك، فأحسنوا إليهم والإحسان إليهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقون، ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، وأن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه بقدر الكفاية. وعن علي بن أبي طالب- ﵁ قال: " كان آخر كلام النبي ﷺ الصلاة، الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم "٤ أخرجاه٥.

стр. 51

عن المعرور بن سويد١ ﵁ قال: " رأيت أبا ذر- ﵁ وعليه حلة، وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك فذكر أنه ساب رجلا على عهد رسول الله ﷺ فعيره بأمه فأتى الرجل إلى النبي ﷺ فذكر ذلك، فقال له النبي ﷺ إنك امرؤ فيك جاهلية [قال] ٢ ساعتي هذه من كبر السن قال: نعم هم إخوانكم وخولكم٣ جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم " أخرجاه٤.

стр. 52

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ ١ المختال٢ المتكبر العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق الناس، والفخور هو الذي يفخر على الناس، ويتطاول عليهم، ختم الله هذه الآية الكريمة٣ بهذين الوصفين المذمومين; لأن المختال والفخور يأنف من أقاربه الفقراء ومن جيرانه الضعفاء، فلا يحسن إليهم، ولا يلوي بنظره عليهم، ولأن المختال هو المتكبر، ومن كان متكبرًا فلا يقوم بحقوق الناس. عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء "٤. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينظر الله

стр. 53

يوم القيامة إلى من جر إزاره خيلاء "١٢. وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل شعره، يختال في مشيته، إذ خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة "٣. وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الفخر والخيلاء في الفدادين من أهل/ الوبر، والسكينة في أهل الغنم "٤ الفدادون: الحراثون وأصحاب الإبل والبقر، المتكبرون على الناس بها٥.

стр. 54

وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت رديف النبي ﷺ على حمار.......................................................

стр. 55

نفسًا١ قيل: إن حمار النبي ﷺ أهداه٢ المقوقس صاحب مصر الذي أهدى مارية القبطية٣ أم إبراهيم، وقيل: أهداه فروة٤ بن عمرو الجذامي٥ وقيل: أصابه يوم خيبر، وسماه يعفور، وكان يركبه في حاجته، ويبعثه في حاجته، ويبعثه إلى باب الرجل فيأتي الباب فيضربه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار، أومأ إليه برأسه فيأتي إلى النبي ﷺ فلما قبض النبي ﷺ جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان٦ فتردى فيها

стр. 56

فقال: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ " فقلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا "

стр. 57

فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس، قال: " لا تبشرهم فيتكلوا "١ أخرجاه في " الصحيحين".

стр. 58

من كتم علمًا يعلمه لما روى عنه ﷺ أنه قال: " من كتم علمًا يعلمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار ١ " والمراد بذلك العلم الذي يجب تعليمه من علوم الشرع، فلا يحمل ذلك على تعليم الحرف والصنائع٢ إلا ما كان تعليمه فرض كفاية كتعليم الرمي وغيره من أسباب القتال، وفيه استحباب البشارة للمسلم بما يسره.

стр. 59

الفصل الثاني: حياة المؤلف ... حياة المؤلف اسمه ونسبه: هو عبد الهادي [هادي] بن محمد بن عبد الهادي [هادي] ١ بن بكري بن محمد بن مهدي بن موسى بن جعثم بن عجيل بن عيسى بن حسن ابن محمد بن أسعد بن عبد الله بن أحمد بن موسى بن علي بن يوسف بن إبراهيم بن أبي العباس أحمد بن موسى بن علي بن عمر بن عجيل بن محمد بن حامد بن زرنوق بن وليد بن زكريا بن محمد بن حامد بن معزب ابن عبيد بن محمد الفارسي بن زايد بن ذؤال بن شنوءة بن ثوبان بن عيسى ابن غالب بن عبد الله بن عك بن عدنان٢. وعبد الهادي هو أحد أبناء أربعة أنجبهم محمد بن عبد الهادي وهم عقيلي وهادي وإسماعيل وإبراهيم وكلهم من أم إلا عقيلي٣ فنلاحظ نسبته إلى البكري، وإلى العجيلي، وقد يطلق عليه وعلى أفراد أسرته الحفظي كما سيأتي بيانه.

стр. 60

أسرته: البكريون أو (الحفاظية) كما اشتهر عنهم أخيرًا ينتمون إلى بيت العجيلي وهو بيت عرف بالفتوى والقضاء والتعليم والصلاح وكان مستقرهم بناحية من نواحي زبيد باليمن. وقد ظهر من هذا البيت العالم المشهور أحمد بن موسى الذي اشتهر فقهه وعلمه وسكن محلة عرفت بعد ذلك (بيت الفقيه) نسبة إليه١. وقد هاجر أحد أفراد هذا البيت من محلتهم تلك باليمن وهو موسى ابن جعثم متوجهًا إلى قرية رجال ورزقه الله فيها الأبناء والحفظة فكان من بين هؤلاء بكري ابن مهدي بن موسى فاشتهر وأصبحت القرية تنسب إليه٢. ثم إنه تفرع من بكري هذا خمسة بطون لأن أبناءه كانوا خمسة: عبد القادر وهادي ومحمد وطواشي وأحمد ولكل منهم عقب، فجد المؤلف هو هادي٣، وأما آل الحفظي (أو الحفاظية) فعرفوا بذلك لأنه ولد لعبد القادر أحد الأبناء الخمسة لبكري ولد اسمه أحمد اشتهر بالذكاء والحفظ فسمي أحمد الحفظي فغلب هذا الاسم وشمل حتى أبناء عمومته من أبناء عبد الهادي وغيره٤. فالحفاظية من البكريين، والبكريون من العجيليين، فهي سلسلة نسب، والمؤلف متصل بهذه السلسلة فهو حفيد هادي بن بكري.

стр. 61

موطنه: وأما موطنه فبلاد عسير في قرية رجال التي كانت موطنًا لآبائه وأجداده كما تقدم ذكره قريبًا، والتي أصبحت بعد هجرة واستيطان أجداده بها محطًّا لركاب وفود طلبة العلم من كل الجهات١. مولده ووفاته: وأما عن مولده ووفاته فإن المصادر المخطوطة والمطبوعة التي وقفت عليها لم تذكر عنه شيئًا. ولا يمنع أن يكون ذلك موجودًا فيما لم يطبع أو لم أتمكن من الوصول إليه مما زال مخطوطًا فقد قال صاحب كتاب "نسب الفقهاء العجيليين" حسن بن عبد الرحمن الحفظي وهو منهم قال في الورقة الأولى عنهم: (ومناقبهم بحمد الله معلومة مقررة، وتراجمهم لدينا مجموعة محررة) ٢. وقد اجتهدت وسعي في معرفة ذلك: فاستعرضت الكتب التي يظن أن له فيها ترجمة وراسلت علماء في اليمن، وسافرت إلى ضمد وأبها - المجاورة لرجال ألمع مسقط رأس المؤلف وموطن أسرته - واتصلت بالعلماء فيهما فحصلت على معلومات شفوية ومخطوطات عن أسرة المؤلف وكتب قديمة.

стр. 62

فخرجت من ذلك بالنتيجة الآتية: ١- لما عدد صاحب الرسالة المعروفة بـ "نسب الفقهاء العجيليين" أبناء الشيخ بكري بن محمد الذي ينسب إليه البكريون ذكر أن منهم هادي وعبد القادر١. ٢- ثم عدد أبناء هادي فذكر أن منهم محمدًا، وذكر أن لعبد القادر ابنًا اسمه أحمد عرف بالحفظي٢. فمحمد بن هادي هو أبو المؤلف، وأحمد الحفظي (ابن عم أبيه) وقد عرف مولد ووفاة أحمد الحفظي (١١٤٥ - ١٢٣٣ هـ) . ثم إن محمد بن هادي ولد له أبناء منهم المؤلف هادي بن محمد ولم يعرف مولده ولا وفاته بالدقة وأحمد الحفظي ولد له أبناء من بينهم محمد بن أحمد (١١٧٦ - ١٢٣٧ هـ) وقد عرف مولده ووفاته وإبراهيم بن أحمد الذي عرف بالزمزمي وقد عرف مولده ووفاته (١١٩٩ - ١٢٥٧ هـ) . فمحمد بن أحمد وإبراهيم بن أحمد من أقران المؤلف فمولده على ذلك بالتقدير لعله في العقد الثامن من القرن الثاني عشر (؟ ١١٧ هـ) ووفاته في العقد السابع من القرن الثالث عشر (؟ ١٢٦ هـ) . ٣- وقد ذكر محمد بن هادي والد (المؤلف) عند ذكره بعض الغزوات التي كانت تقوم بها الدولة السعودية الأولى لنشر الدعوة هناك سنة ١٢١٨ هـ بأن ابنه إسماعيل كان مطوعهم أي مرشدهم ومرجعهم في الأحكام٣.

стр. 63

وهذا يعني أنه في سنٍّ تمكنه من ذلك، ولابد أن أخاه عبد الهادي (المؤلف) كان أكبر منه لتقدمه عنه في الذكر عند من ذكروا أنسابهم وشجروا لهم فإذا قدر لإسماعيل (٤٠) أربعون سنة، وأخوه أكبر منه بسنتين أو ثلاث تبين أن مولدهما كان حسب تقديري في العقد الثامن من القرن الثاني عشر وذلك بعد طرح هذا العمر من سنة الغزاة (١٢١٨ - ٤٠ = ١١٧٨ هـ) . ٤- وجاء في أقدم نسخة عندي للكتاب أن كاتبها قد انتهى من نسخه لها سنة ١٢٦٤ هـ، ولم يترحم على المؤلف بل مدحه بأنه عالم زمانه١ مما يعطي احتمالا أنه كان في تلك السنة حيًّا أو كان قد مات ولم يبلغ نبأ وفاته تلك الديار. فيقوى احتمال تقديري لمولده ووفاته بما ذكرت أنه ولد في العقد الثامن من القرن الثاني عشر (؟ ١١٧ هـ) وتوفي في العقد السابع من القرن الثالث عشر (؟ ١٢٦ هـ) . ٥- وجاء في كتاب "تاريخ عسير" لهاشم النعمي بعد أن ذكر وفاة أمير عسير (أبو نقطة) سنة ١٢١٧ هـ قوله وكان من ضمن قضاته الشرعيين كل من عبد الهادي بكري ومحمد بن أحمد الحفظي ومحمد بن موسى وغيرهم من رجال العلم٢. فعلم من ذلك أن عبد الهادي كان حينها كما قدرت له حين ذكر بجوار أخيه إسماعيل فوق الأربعين.

стр. 64

الفصل الثالث: عقيدته لقد كان المؤلف ﵀ كما ظهر لي ذلك من خلال معايشتي لشرحه لهذا الكتاب يعتقد معتقد السلف الصالح ويدافع عنه، إلا أن فائدة إظهار ذلك تأتي من حيث إن بعض العلماء في بلاد المؤلف وما حولها١ لم تبلغهم دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب واضحة في تلك الفترة من الزمن مما حدا بكثير منهم إلى ردها. ولهذا فقد كان المؤلف وأبوه وكثير من العلماء في أسرته من أوائل من فهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، واعتقدوا مبادئها التي تتفق مع منهج الكتاب والسنة، فتركوا ما كانوا عليه من التقليد والميل للتصوف الذي كان شائعًا بين علماء تلك البلاد فكانوا ممن جاهدوا لإبراز تلك الدعوة وإيضاحها للناس بمؤلفاتهم وأشعارهم، وسيرهم مع السرايا التي كانت ترسل إليهم من الدرعية٢. وقد استخرجت من خلال كتابه هذا ما يثبت انتظامه منهج السلف في الاعتقاد. الإيمان بالله: فهو يعتقد في الإيمان منهج السلف من أهل السنة والجماعة أنه تصديق بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح والأركان، وأنه يزيد وينقص كما قال

стр. 65

تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ١. الأسماء والصفات: ويعتقد في أسماء الله تعالى أنها توقيفية فلا يجوز فيها غير ما ورد في الشرع، بل يدعى الله بأسمائه التي وردت في الكتاب والسنة على وجه التعظيم. ويراعي الداعي حسن الآداب فلا يجوز أن يقال: يا ضار، يا مانع، يا خالق القردة، على الانفراد، بل يقول: يا ضار يا نافع، يا معطي يا مانع، يا خالق الخلق٢. وإنه يجب الإيمان بصفاته الثابتة من غير تمثيل ولا تعطيل حيث قال ﵀: واعلم أن ما ورد في الكتاب العزيز والسنة الشريفة من ذكر الصفات نحو ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، ٣ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ ٤ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ٥ ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ٦ ونحو حديث: " إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء "٧ وحديث: " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها "٨ رواهما مسلم٩.

стр. 66

يجب الإيمان بها من غير تمثيل ولا تعطيل، وأنشد في ذلك قول الشيباني: فلا مذهب التشبيه نرضاه مذهبًا ولا مقصد التعطيل نرضاه مقصدًا١. الإيمان بالقدر: ويعتقد أن الإيمان بالقدر خيره وشره وحلوه ومره معناه أن ما قدره الله تعالى في الأزل لابد من وقوعه، وما لم يقدره يستحيل وقوعه، وبأنه تعالى قدر الخير والشر قبل خلق الخلق٢. ويُفَصَّل في الإيمان بالقدر بمثل ما نقل عن علماء السلف كابن تيمية وابن رجب وابن القيم فيقسمه إلى قسمين: أحدهما: الإيمان بأنه تعالى سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشر، وما يجازون عليه، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن الأعمال تجري على ما سبق علمه وكتابه. الثاني: خلق أفعال العباد كلها من خير وشر وكفر وإيمان، وهذا القسم الذي ينكره القدرية كلهم. وأن الأول لا ينكره إلا غلاتهم، وهو الذي كفرهم بإنكاره أكثر العلماء حيث أنكروا العلم القديم٣. ويعتقد ما عليه السلف أن الهداية والإضلال بيد الله ، وأن الله قد بعث الرسول ﷺ داعيًا ومبلغًا وليس إليه من الهدى شيء، وأن إبليس خلق مزينًا للدنيا وليس إليه من الضلال شيء٤.

стр. 67

وأن الخير والشر كلَّه من الله لا يجري في سلطانه إلا ما يشاء ولا يحصل في ملكه إلا ما سبق به القضاء، لا مهرب لعبد عن معصيته إلا بتوفيقه ورحمته، ولا قوة له على طاعته إلا بمعونته وإرادته، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه ولا راد لأمره١. الشفاعة: ويعتقد أن الشفاعة في القرآن الكريم على قسمين شفاعة مثبتة وشفاعة منفية، وأن المثبتة لأهل الإخلاص أهل "لا إله إلا الله" وأن المنفية لأهل الشرك والكفر٢. وأن الشفاعة المثبتة لا تكون إلا بإذن الله تعالى لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٣ وأنها تنفع العصاة من أهل التوحيد٤. وأن الشفاعة ثابتة للنبي ﷺ والأنبياء والملائكة والمؤمنين بعضهم لبعض٥. القرآن الكريم: ويعتقد في القرآن الكريم ما يعتقده السلف والأئمة أنه كلام الله منزل غير مخلوق، وما فيه من الكلام نزل به جبريل من عند الله على محمد ﷺ وأنه صفة من صفات الله.

стр. 68

قال ﵀: واعلم أن القرآن العظيم من صفات الله تعالى وهو كلام الله تعالى، تكلم به في القدم١. ويؤكد ﵀ على أنه يجب العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه٢. الجماعة والإمامة: ويعتقد بأنه يجب السمع والطاعة لولاة الأمر، وأنه لا يجوز أن تفرق جماعة المسلمين، وأن المفارق للجماعة يجوز قتله كما قال ﷺ " فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد أن يفرق أمر أمة محمد ﷺ كائنًا من كان فاقتلوه فإن يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يركض "٣ وقوله ﷺ " من قتل تحت راية عمية يدعو لعصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية "٤٥. وأن أبا بكر الصديق أفضل الصحابة، وأولى بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ٦. التوحيد: ويعتقد أن التوحيد أهم وأعظم وأفضل وأقدم العلوم٧ وأن تفسيره وبيانه أكبر المسائل وأهمها٨.

стр. 69

وأنه إما توحيد في الربوبية أو توحيد في الألوهية. ويعرف توحيد الألوهية بأنه لا معبود بحق في الوجود إلا الله، وأن كل ما في القرآن من العبادة فمعناه التوحيد، وأن أصل العبودية التذلل، وأن العبادة هي غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال والإعظام وهو الله تعالى١. وفسر العبادة بأنها عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم، ولا تليق إلا لمن له الإنعام والإفضال على عباده، ولا منعم إلا الله تعالى، فكان هو المستحق للعبادة لا غيره٢. وإن حقيقة التوحيد إفراد الله بالطاعة، وإفراد رسوله ﷺ بالمتابعة٣. اللعن والتكفير والولاء والبراء: وكان اعتقاده ﵀ في اللعن والتكفير والولاء والبراء يتفق مع ما عليه جمهور أهل السنة والجماعة من جواز لعن أهل المعاصي على العموم من غير تعيين كما ثبت في الأحاديث الصحيحة من لعن الواصلة والمستوصلة وآكل الربا ونحو ذلك٤. ويقرر ﵀ أن كل من اعتقد في مخلوق وجعل فيه نوعًا من الإلهية فقد جعله إلهًا مع الله وإن لم يسمه إلهًا لأن الاعتبار بالمعاني لا بالألفاظ والأسماء٥.

стр. 70

ويقرر ﵀ أن الاستهزاء بالله وبرسوله كفر، وأن الرضا بالكفر كفر، وأن شاتم الرسول ﷺ يكفر ويقتل، ومن شك في كفره كفر١. ويقول ﵀ بأن الموحد العاصي لا يجوز أن يقال: إن الله يعاقبه لا محالة، ولا يجوز أن يقال: إن الله تعالى يعفو عنه لا محالة، بل هو في مشيئة الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٢ إن شاء عفا عنه بفضله وكرمه ... وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أخرج من النار وأدخل الجنة، ولا يخلد في النار مؤمن، ولا يجوز أن يشهد لأحد من المؤمنين بالجنة إلا للأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ولمن بشرهم النبي ﷺ ٣. ولا يجوز أن يقال: بأن الذنب لا يضر مع الإيمان بل يضر، ولا يثبت به في الحال جواز المؤاخذة عليه. ويقرر ﵀ أن من كمال الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى المسلم مما سواهما، فيقول ﵀ بأن الحب في الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله: أصل من أصول الدين وبهما يكمل الإيمان٤. موقفه من الفرق: لقد حذر ﵀ من اتباع الطرق المختلفة والأهواء المضلة والبدع المردية، وسائر الملل والأديان المخالفة لدين الإسلام٥.

стр. 71

وأما موقفه من الفرق المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة فإنه متفق مع العلماء من سلف هذه الأمة، فقد بين ﵀ أن الرافضة والجهمية هما أشر أهل البدع، وأن بعض السلف قد أخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة، وأن الشرك قد حدث بسبب الرافضة فقد كانوا أول من بنوا على القبور وعظموها. وبيَّن ﵀ أن الجبرية - أو الجهمية - ينسبون إلى جهم بن صفوان، وهم يزعمون أن لا قدرة للعبد أصلا; ولهذا أطلق عليهم الجبرية، وليس الذي أنكر عليهم مذهب الجبرية خاصة، وإنما الذي أطبق السلف بذمهم عليه هو إنكارهم للصفات، حتى قالوا بأن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق١. وبيَّن ﵀ أن القدرية هم الذين ينسبون خلق الخير إلى الله تعالى والشر إلى النفس، وقد جاء في الحديث " القدرية مجوس هذه الأمة "٢،لأن قولهم إن أفعال العباد مخلوقة بقدرتهم، يشبه قول المجوسية القائلين بأن الخير من فعل النور، والشر من فعل الظلمة. وبيَّن أن الجامع بين فرق القدرية أنهم ينكرون خلق أفعال العباد من خير وشر وكفر وإيمان. وأما غلاتهم فينكرون علم الله بما يفعله العباد من الخير والشر وكتابته له وسبق علمه به٣.

стр. 72

وبيَّن ﵀ أن جهال الصوفية وغلاة الرافضة تكون عندهم طاعة لمشايخهم وأئمتهم توصلهم إلى طاعة المخلوق في معصية الخالق، وقد تكون هذه الطاعة شركًا أكبر إذا أوجبوا ذلك أو استحبوه أو استحلوه، مع العلم بأنه معصية، وقد تكون شركا أصغر١. وبيَّن ﵀ اعتقاد المرجئة بأنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. ثم عقب عليه بأن ذلك من الافتراء على الله تعالى٢. هذه بعض الجوانب من عقيدة الشارح التي ظهرت من خلال شرحه، وهناك جوانب أخرى كثيرة تتعلق بتوحيد الألوهية الذي هو موضوع الكتاب يمكن تأملها من خلال قراءة الكتاب.

стр. 73

ونزلت: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ١٢?﴾ عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " إذا بعث الله الخلائق يوم القيامة نادى مناد من تحت العرش: يا معشر الموحدين إن الله قد عفا عنكم فليعف بعضكم عن بعض "٣ قال الشاعر: وكل ذنب فإن الله يغفره ... إن أسعف المرء إخلاص وإيمان وكل كسر/ فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران٤

стр. 74

الباب الثاني: التعريف بالكتاب ونسخه الفصل الأول: التعريف بالكتاب ... الفصل الأول: التعريف بالكتاب اسم الكتاب: اتفقت جميع النسخ على تسمية الكتاب على الورقة الأولى بأنه "تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد". وكذلك تصدير المؤلف كتابه بقوله: (وقد شرعت في شرحه مستعينا بالله الكريم الوهاب وأسأله النفع به وجزيل الثواب وإصابة الحق بعين الصواب وسميته "تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد١ ") . نسبته لصاحبه: وقد صرح المؤلف في أول كتابه بأنه يستعين بالله على شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب فعلم أنه له لاسيما وأنه لم ينسبه أحد لغيره. وقال أحد نساخه بعد أن انتهى من نسخه: تم الكتاب المسمى "تحقيق التجريد في شرح كتاب التوحيد" شرح الشيخ العالم العلامة فريد دهره ووحيد عصره عبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي٢. وأخبرني الشيخ عبد الرحمن الزميلي - وهو الذي حصلت على النسخة الرابعة منه - مشافهة بأنها نسخ جد أبيه، وقد أخبره أبوه عمن قبله بأن الكتاب لعبد الهادي بن محمد بن عبد الهادي.

стр. 75

موضوع الكتاب: والكتاب كما هو معلوم شرح للكتاب المشهور "كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد" لمؤلفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فهو شرح منتظم على أبوابه. - فقد صدر الكتاب بشرح أدلة المصنف أن التوحيد أول واجب على المكلف، وما للتوحيد من الفضل من تكفيره للذنوب، ونجاة صاحبه من الخلود في النار، ثم زاد بيان ذلك ببيان ضده وهو الشرك فبضدها تتبين الأشياء. - ثم انتقل المصنف وتبعه الشارح بعد معرفة التوحيد إلى بيان أهمية الدعوة إليه المشروط بأن يكون على بصيرة، وذلك تحت باب (الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) ، وباب (تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله) . - ثم انتقل إلى الأبواب المفصلة لمعنى التوحيد وبيانه والتحذير مما وقع فيه الناس من أنواع الشرك الأكبر والأصغر، فشرح الأبواب التي فيها التحذير من التعلق بغير الله ظانًّا فيه النفع والضر كلبس الحلق والخيوط والحروز لرفع البلاء أو دفعه والتعلق بالرقى والتمائم، والتبرك بالأشجار والأحجار، والذبح والنذر والاستعاذة والاستغاثة بغير الله. - ثم انتقل إلى بيان ما أورده المصنف من الآيات والأحاديث في الرد على من أجاز التعلق بالخلق وأنهم ينفعون ويضرون تحت باب قول الله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١ وباب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُم﴾ ٢ وباب الشفاعة، وباب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت﴾ ٣
следующие страницы →