← Джавами‘

Джавами‘ · id 12003

بدائع الفوائد - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Полный текст (992 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فانظر كيف جعل فعل الشرط ماضيا والجزاء مستقبلا لأن القصد كان إلى دخولهم المسجد الحرام وعنايتهم كلها مصروفة وهممهم معلقة به دون وقوع الأفعال بمشيئة الله تعالى فإنهم لم يكونوا يشكون في ذلك ولا يرتابون وأكد هذا المعنى تقديم الجزاء على الشرط وهو إما نفس الجزاء على أصح القولين دليلا كما تقدم تقريره وإما دال على الجزاء وهو محذوف مقدر تأخيره وعلى القولين فتقدم الجزاء أو تقديم ما يدل عليه اعتناء بأمره وتجريدا للقصد إليه ويدل عليه أيضا تأكيده باللام المؤذنة بالقسم المضمر كأنه قيل والله لتدخلن المسجد الحرام فهذا كله يدلك على أنه هو المقصود المعنى به ومثل هذا قوله تعال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ونحوه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ومثله: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وهذا أصل غير منخرم وفيه نكتة حسنة وهي اعتماد الكلام في هذا النوع على القسم كما رأيت فحسن الإتيان بلفظ الماضي إذ القسم أولى به لتحققه ولا يكون الإلغاء مستشنعا فيه لأنه مبني ولما كان الفعل بعد حرف الجزاء يقع بلفظ الماضي لما ذكرناه من الفائدة حسن وقوع المستقبل المنفي بلم بعدها نحو: وإن لم تنتهوا وهما جازمتان ولا يجتمع جازمان كما لا يجتمع في شيء من الكلام عاملان من جنس واحد ولكن لما كان الفعل بعدها ماضيا في المعنى وكانت متصلة به حتى كأن صيغته صيغة الماضي لقوة الدلالة عليه بلم جاز وقوعه بعد إن وكان العمل والجزم لحرف لم لأنها أقرب إلى الفعل وألصق به وكان المعنى في الاستقبال لحرف أن لأنها أولى وأسبق فكان اعتبارها في المعنى واعتبار لم في الجزم ولا ينكر إلغاء أن هنا لأن ما بعدها في حكم صيغة الفعل الماضي كما لا ينكر إلغاؤها قبله وقد أجازوا في إن النافية من وقوع المستقبل بعدها بلفظ الماضي ما أجازوا في إن التي للشرط كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ﴾ ولو جعلت مكان إن هاهنا غيرها من حروف النفي لم يحسن فيه مثل هذا لأن الشرطية أصل للنافية كأن المجتهد في النفي إذا أراد توكيده يقول إن كان

стр. 107

كذا وكذا فعلي كذا أو فأنا كذا ثم كثر هذا في كلامهم حتى حذف الجواب وفهم القصد فدخلت إن في باب النفي والأصل ما ذكرناه والله أعلم فائدة بديعة في ذكر المفرد والجمع وأسباب اختلاف العلامات الدالة على الجمع واختصاص كل محل بعلامته ووقوع المفرد موقع الجملة وعكسه وأين يحسن مراعاة الأصل وأين يحسن العدول عنه وهذا فصل نافع جدا يطلعك على سر هذه اللغة العظيمة القدر المفضلة على سائر لغات الأمم الأصل في الأسماء هو المفرد اعلم أن الأصل هو المعنى المفرد وأن يكون اللفظ الدال عليه مفردا لأن اللفظ قالب المعنى ولباسه يحتذي حذوه والمناسبة الحقيقية معتبرة بين اللفظ والمعنى طولا وقصرا وخفة وثقلا وكثرة وقلة وحركة وسكونا وشدة ولينا فإن كان المعنى مفردا أفردوا لفظه وإن كان مركبا ركبوا اللفظ وإن كان طويلا طولوه كالقطنط والعشنق للطويل فانظر إلى طول هذا اللفظ لطول معناه وانظر إلى لفظ بحتر وما فيه من الضم والاجتماع لما كان مسماه القصير المجتمع الخلق وكذلك لفظة الحديد والحجر والشدة والقوة ونحوها تجد في ألفاظها ما يناسب مسمياتها وكذلك لفظا الحركة والسكون مناسبتهما لمسمياتهما معلوم بالحس وكذلك لفظ الدوران والنزوان والغليان وبابه في لفظها من تتابع الحركة ما يدل على تتابع حركة مسماها وكذلك الدجال والجراح والضراب والأفاك في تكرر الحرف المضاعف منها ما يدل على تكرر المعنى وكذلك الغضبان والظمآن والحيران وبابه صيغ على هذا البناء الذي يتسع النطق به ويمتلئ الفم بلفظه لامتلاء حامله من هذه المعاني فكان الغضبان هو الممتلئ غضبا الذي قد اتسع غضبه حتى ملأ قلبه وجوارحه وكذلك بقيتها ولا يتسع المقام لبسط هذا فإنه يطول ويدق جدا حتى تسكع عنه أكثر الأفهام وتنبو عنه للطافته فإنه ينشأ

стр. 108

من جوهر الحرف تارة وتارة من صفته ومن اقترانه بما يناسبه ومن تكرره ومن حركته وسكونه ومن تقديمه وتأخره ومن إثباته وحذفه ومن قلبه وإعلاله إلى غير ذلك من الموازنة بين الحركات وتعديل الحروف وتوخي المشاكلة والمخالفة والخفة والثقل والفصل والوصل وهذا باب يقوم من تتبعه سفر ضخم وعسى الله أن يساعد على إبرازه بحوله وقوته ورأيت لشيخنا أبي العباس بن تيمية فيه فهما عجيبا كان إذا انبعث فيه أتى بكل غريبة ولكن كان حاله فيه كما كان كثيرا يتمثل: تألق البرق نجديا فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول ولنذكر من هذا الباب حال اللفظ في إفراده وتغييره عند زيادة معناه بالتثنية والجمع دون سائر مغيراته فنقول لما كان المفرد هو الأصل والتثنية والجمع تابعان له جعل لهما في الاسم علامة تدل عليهما وجعلت آخره قضاء لحق الأصالة فيه والتبعية فيهما والفرعية فالتزموا هذا في التثنية ولم ينخرم عليهم وأما الجمع فإنهم ذهبوا به كل مذهب وصرفوه كل مصرف فمرة جعلوه على حد التثنية وهو قياس الباب كالتثنية والنسب والتأنيث وغيرها وتارة اجتلبوا له علامة في وسطه كالألف في جعافر والياء في عبيد والواو في فلوس وتارة جعلوا اختصار بعض حروفه وإسقاطها علامة عليه نحو: عنكبوت وعناكب فإنه لما ثقل عليهم المفرد وطالت حروفه وازداد ثقلا بالجمع خففوه بحذف بعض حروفه لئلا يجمعوا بين ثقلين ولا يناقض هذا ما أصلوه من طول اللفظ لطول المعنى وقصره لقصره فإن هذا باب آخر من المعادلة والموازنة عارض ذلك الأصل ومنع من طرده ومنهم جمعهم فعيل وفعول وفعال على فعل كرغيف وعمود وقذال على رغف وعمد وقذل لثقل المفرد بالمدة فإن كان في واحده ياء التأنيث فإنها تحذف في الجمع فكرهوا أن يحذفوا المدة فيجمعوا عليه بين نقيضين فقلبوا المدة ولم يحذفوها كرسالة ورسائل وصحيفة وصحائف فجبروا النقص بالفرق لا أنهم تناقضوا

стр. 109

وتارة يقتصرون على تغيير بعض حركاته فيجعلونها علامة لجمعه كفلك وفللك وعبد وتارة يجتلبون له لفظا مستقلا من غير لفظ واحدة كخيل وأيم وقوم ورهط ونحوه وتارة يجعلون العلامة في التقدير والنية لا في اللفظ كفلك للواحد والجمع فإن ضمة الواحد في النية كضمة قفل وضمة الجمع كضمة رسل وكذلك هجان ودلاص وأسمال وأعشار مع أن غالب هذا الباب إنما يأتي في الباب لحصول التمييز والعلامة بموصوفاتها فلا يقع لبس ولا يكاد يجيء في غير الصفات إلا نادرا جدا ومع هذا فلا بد أن يكون لمفرده لفظ يغاير جمعه ويكون فيه لغتان لأنهم علموا أنه يثقل عليهم أما في الجر والنصب فلتوالي الكسرات وأما في الرفع فيثقل الخروج من الكسرة إلى الضمة فعدلوا إلى جمع تكسيره ولا يرد هذا عليهم في راحمين وراحمون لفصل الألف الساكنة ومنعها من توالي الحركات فهو كمسلمين وقائمين وكذلك عدلوا عن جمع فعل المضاعف من صفات العقلاء كفظ وبر فلم يجمعوه جمع سلامة ويقولون برون وفظون لئلا يشتبه بكلوب وسفود لأنه برائين فكسروه وقالوا أبرار فلما جاءوا إلى غير المضاعف كصعب جمعوه جمع تصحيح ولم يخافوا التباسا إذ ليس في الكلام فعلول وصعبون فتأمل هذا التفريق وهذا التصور الدال على أن أذهانهم قد فاقت أذهان الأمم كما فاقت لغتهم لغاتهم وتأمل كيف لم يجمعوا شاعرا جمع سلامة مع استيفائه وشروطه بل كسروه فقالوا: شعراء إيذانا منهم بأن واحده على زنة فعيل فجمعوه كرحيم ورحماء لما كان مقصودهم المبالغة في وصفهم بالشعور ثم انظر كيف لم ينطقوا بهذا الوجه المقدر كراهية منهم لمجيئه بلفظ شعير وهو الحب المعروف فأتوا بفاعل ولما لم يكن هذا المانع في الجمع قالوا شعرا فأما التثنية فإنهم ألزموها حالا واحدا فالتزموا فيها لفظ المفرد ثم زادوا عليه علامة التثنية وقد قدمنا أن ألف التثنية في الأسماء أصلها ألف الإثنين في فعلا وذكرنا الدليل على ذلك فجاءت الألف في التثنية في الأسماء كما كانت في فعلا علامة

стр. 110

الإثنين وكذلك الواو في جمع المذكر السالم علامة الجمع نظير واو فعلوا وتقدم أنك لا تجد الواو علامة للرفع في جميع الأسماء إلا في الأسماء المشتقة من الأفعال أو ما هو في حكمها ولما كانت الألف علامة الإثنين في ضمير من يعقل وغيره كانت علامة التثنية في العاقل وغيره وكانت الألف أولى بضمير الإثنين لقرب التثنية من الواحد وأرادوا أن لا يغيروا الفعل عن البناء على الفتح في الإثنين كما كان ذلك في الواحد للقرب المذكور ولما كانت الواو ضمير العاقلين خاصة في فعلوا خصوها بجمع العقلاء في نحو هم مسلمون وقائمون ولما كان في الواو من الضم والجمع ما ليس في غيرها خصوها بالدلالة على الجمع دون الألف وسر المسألة أنك إذا جمعت وكان القصد إلى تعيين آحاد الجموع وأنت معتمد الإخبار عن كل واحد منهم وسلم لفظ بناء الواحد في الجمع كما سلم معناه في القصد إليه فقلت: فعلوا وهم فاعلون وأكثر ما يكون هذا فيمن يعقل لأن جميع ما لا يعقل من الأجناس يجري مجرى الأسماء المؤنثة المفردة كالثلة والأمة والجملة فلذلك تقول الثياب بيعت وذهبت ولا تقول بيعوا وذهبوا لأنك تشير إلى الجملة من غير تعيين آحادها هذا هو الغالب فيما لا يعقل إلا ما أجرى مجرى العاقل وجاءت جموع التكسير معتبرا فيها بناء الواحد جارية في الإعراب مجراه حيث ضعف الإعتماد على كل واحد بعينه وصار الخبر كأنه عن الجنس الكبير الجاري في لفظه مجرى الواحد وكذلك جمعوا ما قل عدده من المؤنث جمع السلامة وإن كان ما لا يعقل نحو الثمرات والسمرات إلا أنهم لم يجعلوا المذكر منه وإن قل عدده إلا جمع تكسير لأنهم في المؤنث لم يزيدوا غير ألف فرقا بينه وبين الواحد وأما التاء فقد كانت موجودة في الواحدة وفي وصفها وإن كثر جمعوه جمع تكسير كالمذكر فإذا كانوا في الجمع القليل يسلمون لفظ الواحد من أجل الإعتماد في إسناد الخبر على إفراده فما ظنك به في الإثنين إذا ساغ لهم ذلك في الجمع الذي هو على حدها لقربه منها فلهذا لا تجد التثنية في العاقل وغيره إلا على حد واحد وكذلك ضمير الإثنين في الفعل تثنية الأسماء

стр. 111

إذا علم هذا فحق العلامة في تثنية الأسماء أن يكون على حدها في علامة الإضمار وأن تكون ألفا في كل الأحوال وكذلك فعلت طوائف من العرب وهم خثعم وطيء وبنو الحرث بن كعب وعليه جاءت في قول محققي النحاة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ وأما أكثر العرب فإنهم كرهوا أن يجعلوه كالاسم المبني والمقصور من حيث كان الإعراب قد ثبت في الواحد والتثنية طارئة على الإفراد وكرهوا زوال الألف لاستحقاق التثنية لها فتمسكوا بالأمرين فجعلوا الياء علامة الجر وشركوا النصب معه لما علمت من تعليل النحاة فكان الرفع أجدر بالألف لا سيما وهي في الأصل علامة إضمار الفاعل وهي في تثنية الأسماء علامة رفع الفاعل أو ما ضارعه وقام مقامه وأما الواو فقد فهمت اختصاصها بالجمع واستحقاق الرفع لها بما قررناه في الألف ولكنهم حولوا إلى الياء في الجر لما ذكرنا في ألف التثنية ومتى انقلبت الواو ياء فكأنها إذ لم يفارقها المد واللين فكأنهما حرف واحد والانقلاب فيهما يعتبر حالا لا تبديلا ولهذا تجدهم يعبرون عن هذا المعنى بالقلب لا بالإبدال ويقولون في تاء تراث وتخمة وتجاه أنها بدل من الواو فإن قيل: فإذا كان بعض العرب قد جعل التثنية بالألف في كل حال فهلا جعلوا الجمع بالواو في جميع أحواله قيل: إن الألف منفردة في كثير من أحكامها عن الواو والياء والواو أختان فكأنهم لما قلبوها ياء في النصب لم يبعدوا عن الواو بخلاف الألف فإنهم إذا قلبوها ياء بعدوا عنها جمع سنين ومئين فإن قيل: فما بال جمعهما جاء على حد التثنية وليس على صفات العاقلين ولا أسمائهم قيل: إن هذا الجمع لا يوجد إلا فيما كملت فيه أربعة شروط أحدها أن يكون معتل اللام الثاني أن لا يكون المحذوف منه غير حرف مد ولين الثالث أن يكون مؤنثا الرابع أن لا يكون له مذكر فخرج من هذا الضابط شفه لأن محذوفها هاء وكذا شاه وعضه وخرج منه أمه لأن لها مذكرا وإن لم يكن على لفظها فقالوا: في جمعها أموات ولم يجمعوه جمع سنين كيلا يظن أنه جمع المذكر إذ كان له مذكر فجمعوا هذا الباب جمع سلامة من أجل أنه مؤنث والمؤنث يجمع

стр. 112

جمع سلامة وإن لم يكن على هذا اللفظ فلما حصل فيه جمع السلامة بالقياس الصحيح وكانت عادتهم رد اللام المحذوفة في الجموع وكانت اللام المحذوفة واوا أو ياء أظهر في الجمع السالم لها ياء أو واو ولم يكن في الواحد وساق القياس إليها سوقا لطيفا حتى حصلت له بعد أخذها منه فما أشبه حال هذا الاسم بحال من أخذ الله تعالى منه شيئا وعوضه خيرا منه وأين الواو والياء الدالة على جمع أولي العلم من ياء أو واو لا تدل على معنى البتة فتأمل هذا النحو ما ألطفه وأغربه وأعزه في الكتب والألسنة ثم انظر كيف كسروا السين من سنين لئلا يلتبس بما هو على وزن فعول من أوزان المبالغة فلو قالوا: سنون بفتح السين لالتبس بفعول من سن يسن فكان كسر السين تحقيقا للجمع إذ ليس في الكلام اسم مفرد على وزن فعيل وفعول بكسر الفاء تثنية الأرض وجمعها فإن قيل: فما أنت صانع في الأرضين قيل ليست الأرض في الأصل كأسماء الأجناس مثل ماء وحجر وتمر ولكنها لفظة جارية مجرى المصدر فهي بمنزلة السفل والتحت وبمنزلة ما يقابلها كالفوق والعلو ولكنها وصف بها هذا المكان المحسوس فجرت مجرى امرأة زور وضيف ويدل على هذا قول الراجز ولم يقلب أرضها البيطار يصف قوائم فرس فأفرد اللفظ وإن كان يريد ما هو جمع في المعنى فإذا كانت بهذه المنزلة فلا معنى لجمعها كما لا يجمع الفوق والتحت والعلو والسفل فإن قصد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة وعين قطعة محدودة منها خرجت عن معنى السفل الذي هو في مقابلة العلو حيث عين جزءا محسوسا منها فجاز على هذا أن يثنى إذا ضممت إليه جزءا آخر فنقول رأيت أرضين ولا تقول للواحدة أرضة كما تقول في واحد التمر تمرة لأن الأرض ليس باسم جنس كما تقدم ولا يقال أيضا أرضة من حيث قلت: ضربة وجرحة لأنها في الأصل تجرى مجرى السفل والتحت ولا يتصور في العقول أن يقال سفلة وتحتة كما يتصور ذلك في بعض المصادر فلما لم يمكنهم أن يجمعوا أرضا على أرضات من حيث رفضوا أرضة ولا أمكنهم أن يقولوا: آرض ولا آراض من حيث لم يكن مثل أسماء الأجناس كصخر

стр. 113

وكلب وكانوا قد عينوا مجزوءا محدودا فقالوا: فيه أرض وفي تثنيته أرضان لم يستكثروا إذا أضافوا إلى الجزأين بالياء ورابعا أن يجمعوه على حد التثنية فقد تقدم السر في الجمع الذي على حد التثنية وأنه مقصود إلى آحاده على التعيين فإن أرادوا الكثرة والجمع الذي لا يتعين آحاده كأسماء الأجناس لم يحتاجوا إلى الجمع فإن لفظ أرض يأتي على ذلك كله لأنها كلها بالإضافة إلى السماء تحت وسفل فعبر عنها بهذا اللفظ الجاري مجرى المصدر لفظا ومعنى وكأنه وصف لذاتها لا عبارة عن عينها وحقيقتها إذ يصلح أن يعبر به عن كل ما له فوق وهو بالإضافة إلى ما يقابله سفل كما تقدم فسماء كل شيء أعلاه وأرضه أسفله وتأمل كيف جاءت مجموعة في قوله: " طوقه من سبع أرضين " رواه مسلم أحمد لما اعتمد الكلام على ذات الأرضين وأنفسها على التفضيل لآحادها دون الوصف لها بتحت أو سفل في مقابلة فوق وعلو فتأمله جمع السماء واشتقاقها فإن قلت: فلم جمعوا السماء فقالوا: سماوات وهلا راعوا فيها ما راعوا في الأرض فإنها مقابلة فما الفرق بينهما قيل: بينهما فرقان فرق لفظي وفرق معنوي أما اللفظي فإن الأرض على وزن ألفاظ المصادر الثلاثة وهو فعل كضرب وأما السماوات كان نظيرها في المصادر التلاء والجلاء فهي بأبنية الأسماء أشبه وإنما الذي يماثل الأرض في معناها ووزنها السفل والتحت وهما لا يثنيان ولا يجمعان وفي مقابلتهما الفوق والعلو وهما كذلك لا يجمعان على أنه قد قيل: إن السماوات ليس جمع سماء وإنما هي جمع سماوة وسماوة كل شيء أعلاه وأما جمع سماء فقياسه أسمية كأكسية وأغطية أو سموات وليس هذا بشيء فإن السماوة هي أعلى الشيء خاصة ليست باسم لشيء عال وإنما هي اسم لجزئه العالي وأما السماء فاسم لهذا السقف الرفيع بجملته فالسماوات جمعه لا جمع أجزاء عالية منه على أنه كل عال وأحسن من هذا الفرق أن يقال لو جمعوا أرضا على قياس جموع التكسير لقالوا آرض كأفلس أو آراض كأجمال أو أروض كفلوس فاستثقلوا هذا اللفظ إذ ليس فيه من الفصاحة والحسن والعذوبة ما في لفظ السماوات وأنت تجد السمع ينبو عنه بقدر ما يستحسن

стр. 114

لفظ السماوات ولفظ السماوات يلج في السمع بغير استئذان لنصاعته وعذوبته ولفظ الأراضي لا يأذن له السمع إلا على كره ولهذا تفادوا من جمعه إذا أرادوه بثلاثة ألفاظ تدل على التعدد كما قال تعالى: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ كل هذا تفاديا من أن يقال أراض وآرض الفرق المعنوي فإن الكلام متى اعتمد به على السماء المحسوسة التي هي السقف وقصد به إلى ذاتها دون معنى الوصف صح جمعها جمع السلامة لأن العدد قليل وجمع السلامة بالقليل أولى لما تقدم من قربه من التثنية القريبة من الواحد ومتى اعتمد الكلام على الوصف ومعنى العلى والرفعة جرى اللفظ مجرى المصدر الموصوف به في قولك: قول عدول وزور وأما الأرض فأكثر ما تجيء مقصودا بها معنى التحت والسفل دون أن يقصد ذواتها وأعدادها وحيث جاءت مقصودا بها الذات والعدد أتي بلفظ يدل على البعد كقوله: ﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ وفرق ثان وهو أن الأرض لها نسبة لا إلى السماوات وسعتها بل هي بالنسبة إليها كحصاة في صحراء فهي وإن تعددت وتكبرت فهي بالنسبة إلى السماء كالواحد القليل فاختير لها اسم الجنس وفرق ثالث أن الأرض هي دار الدنيا التي بالإضافة إلى الآخرة كما يدخل الإنسان إصبعه في اليم فما تعلق بها هو مثال الدنيا من الآخرة والله سبحانه لم يذكر الدنيا إلا مقللا لها محقرا لشأنها وأما السماوات فليست من الدنيا هذا على أحد القولين في الدنيا فإنه اسم للمكان فإن السماوات مقر ملائكة الرب تعالى ومحل دار جزائه ومهبط ملائكته ووحيه فإذا اعتمد التعبير عبر عنها بلفظ الجمع إذ المقصود ذواتها لا مجرد العلو والفوق وأما إذا أريد الوصف الشامل للسماوات وهو معنى العلو والفوق أفردوا ذلك بحسب ما يتصل به من الكلام والسياق فتأمل قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ كيف أفردت هنا لما كان المراد الوصف الشامل والفوق المطلق ولم يرد سماء معينة مخصوصة ولما لم تفهم الجهمية هذا المعنى أخذوا

стр. 115

في تحريف الآية عن مواضعها إفراد السماء وجمعها وكذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ بخلاف قوله في سبأ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ فإن قبلها ذكر سبحانه سعة ملكه ومحله وهو السماوات كلها والأرض ولما لم يكن في سورة يونس ما يقتضي ذلك أفردها إرادة للجنس وتأمل كيف أتت مجموعة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فإنها أتت مجموعة هنا لحكمة ظاهرة وهي تعلق الظرف بما في اسمه ﵎ من معنى الإلهية فالمعنى وهو الإله وهو المعبود في كل واحدة من السماوات ففي كل واحدة من هذا الجنس هو المألوه المعبود فذكر الجمع هنا أبلغ وأحسن من الإقتصار على لفظ الجنس الواحد ولما عزب هذا المعنى عن فهم بعض المتسننة فسر الآية بما لا يليق بها فقال الوقف التام على السماوات ثم يبتديء بقوله وفي الأرض يعلم وغلط في فهم الآية وأن معناها ما أخبرتك به وهو قول محققي أهل التفسير وتأمل كيف جاءت مفردة في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ إرادة لهذين الجنسين أي رب كل ما علا وكل ما سفل فلما كان المراد عموم ربوبيته أتى بالاسم الشامل لكل ما يسمى سماء وكل ما يسمى أرضا وهو أمر حقيقي لا يتبدل ولا يتغير وإن تبدلت عين السماء والأرض فانظر كيف جاءت مجموعة في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ في جميع الصور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم ونظير هذا جمعها في قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ وكذلك جاءت في قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ﴾ مجموعة إخبارا بأنها تسبح له بذواتها وأنفسها على اختلاف عددها وأكد هذا المعنى بوصفها بالعدد ولم يقتصر على السماوات فقط بل قال: ﴿السَّبْعُ﴾ وانظر كيف جاءت مفردة في قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ فالرزق المطر وما وعدنا به الجنة وكلاهما في هذه الجهة لا أنهما في كل واحدة واحدة من

стр. 116

السماوات فكان لفظ الإفراد أليق بها ثم تأمل كيف جاءت مجموعة في قوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ لما كان المراد نفي علم الغيب عن كل من هو في واحدة من السماوات أتى بها مجموعة وتأمل كيف لم يجيء في سياق الإخبار بنزول الماء منها إلا مفردة حيث وقعت لما لم يكن المراد نزوله من ذات السماء بنفسها بل المراد الوصف وهذا باب قد فتح الله ولك فلجه وانظر إلى أسرار الكتاب وعجائبه وموارد ألفاظه جمعا وإفرادا وتقديما وتأخيرا إلى غير ذلك من أسراره فلله الحمد والمنة لا يحصى أحد من خلقه ثناء عليه هل الرزق من السماء أو من السماوات فإن قيل: فهل يظهر فرق بين قوله تعالى: في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ﴾ وبين قوله في سورة سبأ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ قيل هذا من أدق هذه المواضع وأغمضها وألطفها فرقا فتدبر السياق تجده نقيضا لما وقع فإن الآيات التي في يونس سيقت مساق الاحتجاج عليهم بما أقروا به ولم يمكنهم إنكاره من كون الرب تعالى هو رازقهم ومالك أسماعهم وأبصارهم ومدبر أمورهم وغيرها ومخرج الحي من الميت والميت من الحي فلما كانوا مقرين بهذا كله حسن الاحتجاج به عليهم إن فاعل هذا هو الله الذي لا إله غيره فكيف يعبدون معه غيره ويجعلون له شركاء لا يملكون شيئا من هذا ولا يستطيعون فعل شيء منه ولهذا قال بعد أن ذكر ذلك من شأنه تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أي لا بد أنهم يقرون بذلك ولا يجحدونه فلا بد أن يكون المذكور مما يقرون به والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية إنما كانوا مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التي يشاهدونها بالحس ولم يكونوا مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى تنتهي إليهم ولم يصل علمهم إلى هذا فأفردت لفظ السماء هنا فإنه لا يمكنهم إنكار مجيء الرزق منها لا سيما والرزق هاهنا إن كان هو المطر فمجيئه من السماء التي هي السحاب فإنه يسمى سماء لعلوه وقد أخبر سبحانه أنه بسط السحاب في السماء بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ والسحاب إنما هو مبسوط في جهة العلو لا في نفس الفلك وهذا معلوم بالحس فلا يلتفت إلى غيره

стр. 117

فلما انتظم هذا بذكر الاحتجاج عليهم لم يصلح فيه إلا إفراد السماء لأنهم لا يقرون بما ينزل من فوق ذلك من الأرزاق العظيمة للقلوب والأرواح ولا بد من الوحي الذي به الحياة الحقيقية الأبدية وهو أولى باسم الرزق من المطر الذي به الحياة الفانية المنقضية فما ينزل من فوق ذلك من الوحي والرحمة والألطاف والموارد الربانية والتنزلات الإلهية وما به قوام العالم العلوي والسفلي من أعظم أنواع الرزق ولكن القوم لم يكونوا مقرين به فخوطبوا بما هو أقرب الأشياء إليهم بحيث لا يمكنهم إنكاره وأما الآية التي في سورة سبأ فلم ينتظم بها ذكر إقرارهم بما ينزل من السماوات ولهذا أمر رسوله بأن يتولى الجواب فيها ولم يذكر عنهم أنهم المجيبون المقرون فقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ولم يقل: سيقولون الله فأمر تعالى نبيه ﷺ أن يجيب بأن ذلك هو الله وحده الذي ينزل رزقه على اختلاف أنواعه ومنافعه من السماوات السبع وأما الأرض فلم يدع السياق إلى جمعها في واحدة من الإثنين إذ يقر به كل أحد مؤمن وكافر وبر وفاجر إفراد الرياح وجمعها ومن هذا الباب ذكر الرياح في القرآن جمعا ومفردة فحيث كانت في سياق الرحمة أتت مجموعة وحيث وقعت في سياق العذاب أتت مفردة وسر ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمهاب والمنافع وإذا هاجت منها ريح أنشأ لها ما يقابلها ما يكسر سورتها ويصدم حدتها فينشأ من بينهما ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات فكل ريح منها في مقابلها ما يعدلها ويرد سورتها فكانت في الرحمة ريحا وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد وحمام واحد لا يقوم لها شيء ولا يعارضها غيرها حتى تنتهي إلى حيث أمرت لا يرد سورتها ولا يكسر شرتها فتمتثل ما أمرت به وتصيب ما أرسلت إليه ولهذا وصف سبحانه الريح التي أرسلها على عاد بأنها عقيم فقال: ﴿أرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ وهي التي لا تلقح ولا خير فيها والتي تعقم ما مرت عليه ثم تأمل كيف اطرد هذا إلا في قوله في سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا

стр. 118

رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ فذكر ريح الرحمة الطيبة بلفظ الإفراد لأن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها فإن السفينة لا تسير إلا بريح واحدة من وجه واحد سيرها فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت فهو سبب الهلاك فالمطلوب هناك ريح واحدة لا رياح وأكد هذا المعنى بوصفها بالطيب دفعا لتوهم أن تكون ريحا عاصفة بل هي مما يفرح بها لطيبها فلينزه الفطن بصيرته في هذه الرياض المونقة المعجبة التي ترقص القلوب لها فرحا ويتغذى بها عن الطعام والشراب والحمد لله الفتاح العليم فمثل هذا الفصل يعض عليه بالنواجذ وتثنى عليه الخناصر فإنه يشرف بك على أسرار عجائب تجتنيها من كلام الله والله الموفق للصواب مصطلحات بين الإفراد والجمع مما يدخل في هذا الباب جمع الظلمات وإفراد النور وجمع سبل الباطل وإفراد سبل الحق وجمع الشمائل وإفراد اليمين أما الأول فكقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ وأما الثاني فكقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وأما الثالث فكقوله: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ والجواب عنها يخرج من مشكاة واحدة وسر ذلك والله أعلم أن طريق الحق واحد وهو على الواحد للأحد كما قال تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ قال مجاهد: "الحق طريقه على الله ويرجع إليه كما يقال طريقك علي" ونظيره قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ في أصح القولين: أي السبيل القصد الذي يوصل إلى الله وهي طريق عليه قال الشاعر: فهن المنايا أي واد سلكنه ... عليها طريقي أو علي طريقها وقد قررت هذا المعنى وبينت شواهده من القرآن وسر كون الصراط المستقيم على الله وكونه تعالى على الصراط المستقيم كما في قول هود: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في كتاب التحفة المكية والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق وطرق الباطل متشعبة متعددة فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها بل هي بمنزلة بنيات الطريق وطريق الحق بمنزلة الطريق

стр. 119

الموصل إلى المقصود فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه ولما كانت اليمين جهة الخير والفلاح وأهلها هم الناجون أفردت ولما كانت الشمال جهة أهل الباطل وهم أصحاب الشمال جمعت في قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ فإن قيل فهلا كذلك في قوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ وما بالها جاءت مفردة قيل: جاءت مفردة لأن المراد أهل هذه الجهة ومصيرهم ومآلهم إلى جهة واحدة وهي جهة الشمال مستقر أهل النار والنار من جهة الشمال فلا يحسن مجيئها مجموعة لأن الطرق الباطلة وإن تعددت فغايتها المرد إلى طريق الجحيم وهي جهة الشمال وكذلك مجيئها مفردة في قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ لما كان المراد أن لكل عبد قعيدين قعيدا عن يمينه وقعيدا عن شماله يحصيان عليه الخير والشر فلكل عبد من يختص بيمينه وشماله من الحفظة فلا معنى للجمع هاهنا وهذا بخلاف قوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ فإن الجمع هنا في مقابلة كثرة من يريد إغواءهم فكأنه أقسم أن يأتي كل واحد من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ولا يحسن هنا عن يمينهم وعن شمالهم بل الجمع هاهنا من مقابلة الجملة بالجملة المقتضى توزيع الأفراد ونظيره: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وقد قال بعض الناس: إن الشمال إنما جمعت في الظلال وأفرد اليمين لأن الظل حين ينشأ أول النهار يكون في غاية الطول يبدو كذلك ظلا

стр. 120

واحدا من جهة اليمين ثم يأخذ في النقصان وأما إذا أخذ في جهة الشمال فإنه يتزايد شيئا فشيئا والثاني منه غير الأول فلما زاد منه شيئا فهو غير ما كان قبله فصار كل جزء منه كأنه ظل فحسن جمع الشمائل في مقابلة تعدد الظلال وهذا معنى حسن المشرق والمغرب بين الجمع والتثنية والإفراد ومن هذا المعنى مجيء المشرق والمغرب في القرآن تارة مجموعين وتارة مثنيين وتارة مفردين لاختصاص كل محل بما يقتضيه من ذلك فالأول كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ والثاني كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ والثالث كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ فتأمل هذه الحكمة البالغة في تغاير هذه المواضع في الإفراد والجمع والتثنية بحسب موادها يطلعك على عظمة القرآن الكريم وجلالته وأنه تنزيل من حكيم حميد فحيث جمعت كان المراد بها مشارق الشمس ومغاربها في أيام السنة وهي متعددة وحيث أفردت كان المراد أفقي المشرق والمغرب وحيث ثنيا كان المراد مشرقي صعودها وهبوطها ومغربيهما فإنها تبتديء صاعدة حتى تنتهي إلى غاية أوجها وارتفاعها فهذا مشرق صعودها وينشأ منه فصلا الخريف والشتاء: فجعل مشرق صعودها بجملته مشرقا واحدا ومشرق هبوطها بجملته مشرقا واحدا ويقابلها مغرباها فهذا وجه اختلاف هذه في الإفراد والتثنية والجمع وأما وجه اختصاص كل موضع بما وقع فيه فلم أر أحدا تعرض له ولا فتح بابه وهو بحمد الله بين من السياق فتأمل وروده مثنى في سورة الرحمن لما كان مساق السورة مساق المثاني المزدوجات فذكر أولا نوعي الإيجاد وهما الخلق والتعظيم ثم ذكر سراجي العالم ومظهري نوره وهما الشمس والقمر ثم ذكر نوعي النبات ما قام منه على ساق وما انبسط منه على وجه الأرض وهما النجم والشجر ثم ذكر نوعي السماء المرفوعة والأرض الموضوعة وأخبر أنه رفع هذه ووضع هذه ووسط بينهما ذكر الميزان ثم ذكر العدل والظلم في الميزان فأمر بالعدل ونهى عن الظلم ذكر نوعي الخارج من الأرض وهما الحبوب والثمار ثم ذكر خلق نوعي المكلفين وهما نوع الإنسان ونوع الجان ثم ذكر نوعي المشرقين ونوعي المغربين ثم ذكر

стр. 121

بعد ذلك البحرين الملح والعذب فتأمل حسن تثنية المشرق والمغرب في هذه السورة وجلالة ورودهما لذلك وقدر موضعهما اللفظ مفردا ومجموعا تجد السمع ينبو عنه ويشهد العقل بمنافرته للنظم ثم تأمل ورودهما مفردين في سورة المزمل لما تقدمهما ذكر الليل والنهار فأمر رسوله علي الصلاة والسلام بقيام الليل ثم أخبره أن له في النهار سبحا طويلا فلما تقدم ذكر الليل وما أمر به فيه وذكر النهار وما يكون منه فيه عقب ذلك بذكر المشرق والمغرب اللذين هما مظهر الليل والنهار فكان ورودهما مفردين في هذا السياق أحسن من التثنية والجمع لأن ظهور الليل والنهار هما واحد فالنهار أبدا يظهر من المشرق والليل أبدا يظهر من المغرب ثم تأمل مجيئهما مجموعين في سورة المعارج في قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ لما كان هذا القسم في سياق سعة ربوبيته وإحاطة قدرته والمقسم عليه أرباب هؤلاء والإتيان بخير منهم ذكر المشارق والمغارب لتضمنهما انتقال الشمس التي هي أحد آياته العظيمة الكبيرة ونقله سبحانه لها وتصريفها كل يوم في مشرق ومغرب فمن فعل هذا كيف يعجزه أن يبدل هؤلاء وينقل إلى أمكنتهم خيرا منهم وأيضا فإن تأثير مشارق الشمس ومغاربها في اختلاف أحوال النبات والحيوان أمر مشهور وقد جعل الله تعالى ذلك بحكمته سببا لتبدل أجسام النبات وأحوال الحيوانات وانتقالها من حال إلى غيره ويبدل الحر بالبرد والبرد بالحر والصيف بالشتاء والشتاء بالصيف إلى سائر تبدل أحوال الحيوان والنبات والرياح والأمطار والثلوج وغير ذلك من التبدلات والتغيرات الواقعة في العالم بسبب اختلاف مشارق الشمس ومغاربها كان ذلك تقدير العزيز العليم فكيف لا يقدر مع ما يشهدونه من ذلك على أن يبدل خيرا منهم وأكد هذا المعنى بقوله وما نحن بمسبوقين فلا يليق بهذا الموضع سوى لفظة الجمع ثم تأمل كيف جاءت أيضا في سورة الصافات مجموعة في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ لما جاءت مع جملة المربوبات المتعددة وهي السماوات والأرض وما بينهما كان

стр. 122

الأحسن مجيئها مجموعة لينتظم مع ما تقدم من الجمع والتعدد ثم تأمل كيف اقتصر على المشارق دون المغارب لاقتضاء الحال لذلك فإن المشارق مظهر الأنوار وأسباب انتشار الحيوان وحياته وتصرفه ومعاشه وانبساطه فهو إنشاء مشهود فقدمه بين يدي الرد على منكري البعث ثم ذكر تعجب بنيه من تكذيبهم واستبعادهم البعث بعد الموت ثم قدر الموت وحالهم فيه وكان الإقتصار على ذكر المشارق هاهنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب والله أعلم. فائدة: إنما ظهرت علامة التثنية والجمع في الفعل دون علامة الواحد لأن الفعل يدل على فاعل مطلق ولا يدل على تثنية ولا جمع لأنهما طارئان على الإفراد وهو الأصل ففعل الواحد مستغن عن علامة الإضمار لعلم السامع أن له فاعلا ولا كذلك في التثنية والجمع لأن السامع لا يعلم أن الفاعل مثنى ولا مجموع استتار الضمير في الفعل فإن قيل: فما معنى استتار الضمير في الفعل وهو حروف مركبة من حركات اللسان فكيف يستتر فيها شيء أو يظهر قيل أكثر ألفاظ النحاة محمول على الاستعارة والتشبيه والتسامح إذ مقصودهم التقريب على المتعلمين والتحقيق أن الفاعل مضمر في نفس المتكلم ولفظ الفعل متضمن له دال عليه واستغني عن إظهاره لتقدم ذكره وعبر عنه بلفظ مضمر ولم يعبر عنه بمحذوف لأن المضمر هو المستتر فهو مضمر في النية مخفي في الخلد والإضمار هو الإخفاء فإن قيل: فهلا سموا ما حذفوه لفظا وأرادوا نيته مضمرا مثل الغاية في قولك الذي رأيت زيد وما الفرق بينهما وبين زيد قام قيل: الضمير في زيد قام لم ينطق به ثم حذف ولكنه مضمر في الإرادة ولا كذلك الضمير المحذوف للعلم به لأنه قد لفظ به في النطق ثم حذف تخفيفا فلما كان قد لفظ به ثم قطع من اللفظ تخفيفا عبر عنه بالحذف والحذف هو القطع من الشيء فهذا هو الفرق بينهما.

стр. 123

فائدة بديعة: لحاق علامة التثنية والجمع للفعل مقدما جاء في لغة قوم من العرب حرصا على البيان وتوكيدا للمعنى إذ كانوا يسمون بالتثنية والجمع نحو فلسطين وقنسرين وحمدان وسلمان مما يشبه لفظه لفظ المثنى والجمع فهذا ونحوه دعاهم إلى تقديم العلامة في قولهم أكلوني البراغيث وقد ورد في الحديث: " يتعاقبون فيكم ملائكة" رواه البخاري ومسلم وكما أن هذه العلامة ليست للفعل إنما هي للفاعلين وكذلك التاء في قامت هند ليست للفعل إذ هو حيث يذكر لا يلحقه تأنيث إلا في نحو: "ضربه وقتله" والفعل لم يشتق من المصدر محدودا وإنما يدل عليه مطلقا فالتاء إذا بمنزلة علامة التثنية والجمع إلا أنها ألزم للفعل منها وقد ذكر النحاة في ذلك فروقا وعللا مشهورة فراجعها إلحاق علامة التأنيث للفعل قالوا إن الاسم المؤنث لو كان تأنيثه حقيقيا فلا بد من لحوق تاء التأنيث في الفعل وإن كان مجازيا لكنت بالخيار وزعموا أن التاء في: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ﴾ ونحوه لتأنيث الجماعة وهو غير حقيقي وقد كان على لحوق التاء في: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ أولى لأن تأنيثهن حقيقي واتفقوا أن الفعل إذا تأخر عن فاعله المؤنث فلا بد من إثبات التاء وإن لم يكن التأنيث حقيقيا ولم يذكروا فرقا بين تقدم الفعل وتأخره ومما يقال لهم إذا لحقت التاء لتأنيث الجماعة فلم لا يجوز في جمع السلامة المذكر كما جازت في جمع التكسير ومما يقال لهم أيضا إذا كان لفظ الجماعة مؤنثا فلفظ الجمع مذكر فلم روعي لفظ التأنيث دون لفظ التذكير فإن قلت أنت مخير فإن راعيت لفظ التأنيث أنثت وإن راعيت لفظ التذكير ذكرت قيل لهم هذا باطل فإن أحدا من العرب لم يقل الهندان ذهب ولا الإعراب انطلق مراعاة للفظ الجمع فبطلت العلة فهذه عللهم قد انتقضت كما ترى فاسمع الآن سر المسألة وكشف قناعها الأصل في هذا الباب أن الفعل متى اتصل بفاعله ولم يحجز بينهما حاجز لحقت العلامة ولا نبالي

стр. 124

أكان التأنيث حقيقيا أم مجازيا فتقول طابت الثمرة وجاءت هند إلا أن يكون الاسم المؤنث في معنى اسم آخر مذكر كالحوادث والحدثان والأرض فلذلك جاء فإن الحوادث أودى بها فإن الحوادث في معنى الحدثان وجاء ولا أرض أبقل إبقالها فإنه في معنى ولا مكان أبقل إبقالها وإذا فصلت الفعل عن فاعله فكلما بعد عنه قوي حذف العلامة وكلما قرب قوي إثباتها وإن توسط توسط ف حضر القاضي اليوم امرأة أحسن من حضرت وفي القرآن: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ومن هنا كان إذا تأخر الفعل عن الفاعل وجب ثبوت التاء طال الكلام أم قصر لأن الفعل إذا تأخر كان فاعله مضمرا متصلا به اتصال الجزء بالكل فلم يكن بد من ثبوت التاء لفرط الاتصال وإذا تقدم الفعل متصلا بفاعله الظاهر فليس مؤخر الاتصال كهو مع المضمر لأن الفاعل الظاهر كلمة والفعل كلمة أخرى كان حذف التاء في تأنيث هند وطابت الثمرة أقرب إلى الجواز منه في قولك الثمرة طابت فإن حجز بين الفعل وفاعله حاجز كان حذف التاء حسنا وكلما كثرت الحواجز كان حذفها أحسن فإن كان الفاعل جمعا مكسرا دخلت التاء للتأنيث وحذفت لتذكير اللفظ لأنه بمنزلة الواحد في أن إعرابه كإعرابه ومجراه في كثير من الكلام مجرى اسم الجنس فإن كان الجمع مسلما فلا بد من التذكير لسلامة لفظ الواحدة فلا تقول قالت الكافرون كما لا تقول قالت الكافر لأن اللفظ بحاله لم يتغير بطرو الجمع عليه فإن قيل: فلم لا تقول الأعراب قال: كما تقوله مقدما قيل ثبوت التاء إنما كان مراعاة لمعنى الجماعة فإذا أردت ذلك المعنى أثبت التاء وإن تأخر الفعل لم يجز حذفه لاتصال الضمير وإن لم ترد معنى الجماعة حذفت التاء إذا تقدم الفعل ولم يحتج إليها إذا تأخر لأن ضمير الفاعلين لجماعة في المعنى وليسوا جمعا لأن الجمع مصدر جمعت أجمع فمن قال: إن التذكير في ذهب الرجال وقام الهندات مراعاة لمعنى الجمع فقد أخطأ وأما حذف التاء من وقال نسوة فلأنه اسم جمع كرهط وقوم ولولا أن فيه تاء التأنيث لفتحت التاء في فعله ولكنه قد يجوز أن تقول قالت نسوة كما تقول: سألت قبيلة ونسوة فإن قلت: إذا كانت النسوة باللام كان دخول التاء في الفعل أحسن كما كان ذلك في قالت الأعراب

стр. 125

لأن اللام للعهد وكان الاسم قد تقدم ذكره فأشبهت حال الفعل حاله إذا كان فيه ضمير يعود إلى مذكور من أجل الألف واللام فإنها ترد إلى معهود معنى الصيحة في القرآن الكريم فإذا قلت: فإذا استوى ذكر التاء وتركها في الفعل المتقدم وفاعله مؤنث غير حقيقي فما الحكمة في اختصاصها في قصة شعيب بالفعل وحذفها في قصة صالح وأخذ الذين ظلموا الصيحة قلت الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي إذ كانت منتظمة بقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية فقوي التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك هذا جواب السهيلي وعندي فيه جواب أحسن من هذا إن شاء الله وهو: أن الصيحة يراد بها المصدر بمعنى الصياح فيحسن فيها التذكير ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة اللفظ أحدها: الرجفة في قوله في الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ الثاني: الظلة بقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ الثالث: الصيحة: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وجمع لهم بين الثلاثة فإن الرجفة بدأت بهم فأصحروا إلى الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم فصهرتهم الشمس بحرها ورفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس فنزل عليهم منها العذاب وفيه الصيحة فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح وكان ذكر التاء والله أعلم فإن قيل: فلم قلتم إن التاء حرف ولم تجعلوها بمنزلة الواو والألف في قاما وقاموا قيل: لإجماع العرب على قولهم الهندان قامتا بالتاء والضمير ولا يجوز أن يكون للفعل ضميران فاعلان فإن قيل: فما الفرق بين قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ وبين قوله: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ قيل: الفرق من وجهين لفظي ومعنوي أما اللفظي فهو أن الحروف الحواجز بين الفعل والفاعل في قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ أكثر منها في قوله: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ وقد تقدم أن الحذف مع كثرة الحواجز أحسن وأما المعنوي فإن من في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ واقعة على الأمة والجماعة وهي مؤنثة لفظا ألا تراه يقول: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا﴾

стр. 126

ثم قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أي من تلك الأمم أمم حقت عليهم الضلالة ولو قال: بدل ذلك ضلت لتعينت التاء ومعنى الكلامين واحد وإذا كان معنى الكلامين واحدا كان إثبات التاء أحسن من تركها لأنها ثابتة فيما هو في معنى الكلام الآخر وأما: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ فالفريق مذكر ولو قال: فريقا ضلوا لكان بغير تاء وقولهم: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ في معناه فجاء بغير تاء وهذا أسلوب لطيف من أساليب العربية تدع العرب حكم اللفظ الواجب له في قياس لغتها إذا كان في معنى كلمة لا يجب لها ذلك الحكم تراهم يقولون هو أحسن الفتيان وأجمله لأنه في معنى هو أحسن فتى وأجمله ونظيره تصحيحهم حول وعور لأنه في معنى أحول وأعور ونظائره كثيرة جدا فإذا حسن الحمل على المعنى فيما كان القياس لا يجوزه فما ظنك به حيث يجوزه القياس والإستعمال وأحسن من هذا أن يقول إنهم أرادوا أحسن شيء وأجمله فجعلوا مكان شيء قولهم الفتيان تنبيها على أنه أحسن شيء من هذا الجنس فلو اقتصروا على ذكر شيء لم يدل على الجنس المفضل عليه ومن هذا قوله ﷺ : "أحناه على ولد في صغره وأرعاه في ذات يده " رواه البخاري ومسلم وأحمد فهذا يدل على أن التقدير هناك أحسن شيء وأجمله لأنه أحسن فتى إذ لو كان التقدير أحسن فتى لكان نظيره هنا أحنى امرأة على ولد وكان يقال أحناها وأرعاها فلما عدل إلى التذكير دل على أنهم أرادوا أحسن شيء من هذا الجنس وأرعاه فائدة بديعة: قولك ضرب القوم بعضهم بعضا هذه المسألة مما لم يدخل تحت ضبط النحاة ما يجب تقديمه من الفاعلين فإن كلاهما ظاهر إعرابه وتقديم الفاعل متعين وسر ذلك وهو الضمير المحذوف فإن الأصل أن يقال: ضرب القوم بعضهم لأن حق البعض أن يضاف إلى الكل ظاهرا أو مقدرا فلما حذفوه من المفعول استغناء بذكره في الفاعل لم يجوزوا تأخير الفاعل فيقولوا: ضرب بعضا بعضهم لأن اهتمامهم بالفاعل قد

стр. 127

قوي وتضاعف لاتصاله بالضمير الذي لا بد منه فبعد أن كانت الحاجة إلى الفاعل مرة صارت الحاجة إليه مرتين فإن قلت: فما المانع من إضافة بعض المفعول إلى الضمير فتقول ضرب القوم بعضهم بعض أو ضرب القوم بعض بعضهم قلت الأصل أن يذكر الضميران منهما جميعا فلما أرادوا حذفه من أحدهما تخفيفا كان حذفه مع المفعول الذي هو كالفضلة في الكلام أولى من حذفه مع الفاعل الذي لا بد منه ولا غناء عنه كقولك خلطت القوم بعضهم ببعض لأن رتبة المفعول هاهنا التقدم على المجرور كما كانت رتبة الفاعل التقديم على المفعول فحق الضمير العائد على الكل أن يتصل بما هو أهم بالتقديم. فائدة: إذا قلت إنما يأكل زيد الخبز فحققت ما يتصل ومحقت ما ينفصل هذه عبارة بعض النحاة وهي عبارة أهل سمرقند يقولون في إنما وضعت لتحقيق المتصل وتمحيق المنفصل وتلخيص هذا الكلام أنها لنفي وإثبات فأثبتت لزيد أكل الخبز المتصل به في الذكر ونفت ما عداه فمعناه ما يأكل زيد إلا الخبز فإن قدمت المفعول فقلت إنما يأكل الخبز زيد انعكس المعنى والقصد فائدة بديعة: الوصلات في كلامهم التي وضعوها للتوصل بها إلى غيرها خمسة أقسام أحدها حروف الجر التي وضعوها ليتوصلوا بالأفعال إلى المجرور بها ولولاها لما نفذ الفعل إليها ولا باشرها الثاني حرف ها التي للتنبيه وضعت ليتوصل بها إلى نداء ذي الألف واللام الثالث ذو وضعوها وصلة إلى وصف النكرات بأسماء الأجناس غير المشتقة كرجل ذي مال

стр. 128

الرابع الذي وضعوه وصلة إلى وصف المعارف بالجمل ولولاها لما جرت صفاتها عليها الخامس الضمير الذي جعل وصلة إلى ارتباط الجمل بالمفردات خبرا وصفة وصلة وحالا فأتوا بالضمير وصلة إلى جريان الجمل على هذه المفردات أحوالا وأخبارا وصفات وصلات ولم يصفوا المعرفة بالجملة مع وجود هذه الوصلة المصححة كما وصفوا بها النكرة لوجهين أحدهما أن النكرة مفتقرة إلى الوصف والتبيين فعلم أن الجملة بعدها مبينة لها ومكملة لفائدتها الوجه الثاني أن الجملة تتنزل منزلة النكرة لأنها خبر ولا يخبر المخاطب إلا بما يجهله لا بما يعرفه فصلح أن يوصف بها النكرة بخلاف المعرفة فإنك لو قلت جاءني زيد قائم أبوه على وجه الوصف لما ارتبط الكلام بعضه ببعض لاستقلال كل واحد منهما بنفسه فجاءوا بالوصلة التي توصلوا بها إلى وصف النكرة باسم الجنس وهي ذو فقالوا جاءني زيد ذو قام أبوه وهي لغة طيء وهي الأصل ثم إن أكثر العرب لما رآها اسما قد وصف بها المعرفة أرادوا تعريفه ليتفق الوصف والموصوف في التعريف فأدخلوا الألف واللام عليه ثم ضاعفوا اللام كيلا يذهب لفظها بالإدغام وتذهب ألف الوصل في الدرج فلا يظهر التعريف فجاء منه هذا اللفظ تقديرا ل ذو فلما رأوا الاسم قد انفصل عن الإضافة حيث صار معرفة قلبوا الواو منه ياء إذ ليس في كلامهم واو متطرفة مضموم ما قبلها إلا وتنقلب ياء كأدل وأحق وإنما صحب الواو في قولهم: ذو لأنها كانت في حكم التوسط إذ المضاف مع المضاف إليه كالشيء الواحد في معنى ذو وبمعنى الذي طرف من معنى ذا التي للإشارة لأن كلا منهما يبين بأسماء الأجناس كقولك: هذا الغلام وهذا الرجل فيتصل بها على وجه البيان كما يتصل بها ذو على جهة الإضافة وكذلك قالوا في المؤنث من الذي التي بالتاء كما قالوا في المؤنث من هذا هاتان وهاتين إعراب الذي في حالة التثنية فإن قيل: فلم أعرب الذي في حالة التثنية قيل: لأن الألف التي فيه بعضها علامة الرفع في الأسماء المعربة فدار الأمر بين ثلاثة أمور أحدها أن يبنوه وفيه علامة الإعراب وهو مستشنع وصار بمنزلة من تعطل عن التصرف وفيه آلته الثاني أن يسقطوها منه ليعطوه حظه من البناء فيبطل

стр. 129

معنى التثنية الثالث فإنه أسهل شيء عليهم وهو إعرابه فكان ترك مراعاة علة البناء أسهل عليهم من إبطال معنى التثنية ولهذه بعينها أعربوا اثني عشر وهذين وطرد هذا أن يكون هذان معربا وهو الصحيح وممن نص عليه السهيلي وأحسن ما بينا فإن الألف لا يكون علامة بناء بخلاف الضمير فإنها تكون للبناء ك حيث ومنذ فتأمل هذا الموضع فإن قلت: ينتقض عليك بالجمع فإنهم بنوه أعني الذين وهو على حد التثنية وفيه علامة الإعراب قلت الفرق بين الجمع والتثنية من وجهين أحدهما أن الجمع قد يكون إعرابه كإعراب الواحد بالحركات نعم وقد يكون الجمع اسما واحدا في اللفظ كقوم ورهط الثاني أن الجمع نصبه وخفضه يضارع لفظه لفظ الواحد من حيث كان آخره ياء مكسورا ما قبلها فجعلوا الرفع الذي هو أقل حالاته على النصب والخفض وغلبوا عليه البناء حيث كان لفظه في الإعراب في أغلب أحواله كلفظه في البناء وليس كذلك التثنية فإن ياءها مفتوح ما قبلها فلا يضارع لفظها في شيء من أحوالها لفظ الواحد وأما النون في الذين فلا اعتبار بها لأنها ليست في الجمع ركنا من أركان صيغته لسقوطها في الإضافة من الشعر كما قال الشاعر: وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد هذا تعليل السهيلي وعندي فيه علة ثانية: وهي أن التثنية في واللذين خاصة من خواص الاسم قاومت شبه الحرف فتقابل المقتضيان فرجع إلى أصله فأعرب بخلاف الذين فإن الجمع وإن كان من خواص الأسماء لكن هذه الخاصة ضعيفة في هذا الاسم لنقصان دلالته مجموعا عما يدل عليه مفردا فإن الذي يصلح للعاقل وغيره الذين لا يستعمل إلا للعقلاء خاصة فنقصت دلالته فضعفت خاصية الجمع فيه فبقي موجب بنائه على قوته وهذا بخلاف المثنى فإنه يقال على العاقلين وغيرهما فإنك تقول الرجلان اللذان لقيتهما والثوبان اللذان لبستهما ولا تقول الثياب الذين لبستهم وعلى هذا التعليل فلا حاجة بنا إلى ركوب ما تعسفه ﵀ من مضارعة الجمع للواحد وشبهه به وتكلف الجواب عن تلك الإشكالات والله أعلم

стр. 130

فائدة بديعة: قول النحاة إن ما الموصولة بمعنى الذي إن أرادوا به أنها بمعناها من كل وجه فليس بحق وإن أرادوا أنها بمعناها من بعض الوجوه فحق والفرق بينهما أن ما اسم مبهم في غاية الإبهام حتى أنها تقع على كل شيء وتقع على ما ليس بشيء ألا تراك تقول إن الله يعلم ما كان وما لم يكن لفرط إبهامها لم يجز الإخبار عنها حتى توصل بما يوضحها وكل ما وصلت به يجوز أن يكون صلة ل الذي فهو يوافق الذي في هذا الحكم ويخالفها في إبهامها فلا تكون نعتا لما قبلها ولا منعوتة لأن صلتها بعينها غير النعت وأيضا فلو نعتت بنعت زائد على الصلة لارتفع إبهامها وفي ارتفاع الإبهام منها جملة بطلان حقيقتها وإخراجها عن أصل موضوعها وتفارق الذي أيضا في امتناعها من التثنية والجمع وذلك أيضا لفظ إبهامها فإذا ثبت الفرق بينهما فاعلم أنه لا يجوز أن توجد إلا موصولة لإبهامها وموصوفة ولا يجوز أن توجد إلا واقعة على جنس تتنوع منه أنواع لأنها لا تخلو من الإبهام أبدا ولذلك كان في لفظها ألف آخره لما في الألف من المد والاتساع في هواء الفم مشاكلة لاتساع معناها في الأجناس فإذا أوقعوها على نوع بعينه وخصوا به من يعقل وقصروها عليه أبدلوا الألف نونا ساكنة فذهب امتداد الصوت فصار قصر اللفظ موازنا لقصر المعنى وإذا كان أمرها كذلك وجب أن يكون ضميرها العائد عليها من الصلة التي لا بد للصلة منه ولولا هو لم ترتبط بموصول حتى تكون صلة له فيجب أن يكون ذلك الضمير بمنزلة ما يعود عليه في الإعراب والمعنى فإذا وقعت على ما هو فاعل في المعنى كان ضميرها فاعلا في المعنى واللفظ نحو كرهت ما أصابك ف ما مفعولة لكرهت في اللفظ وهي فاعلة لأصاب في المعنى فالضمير الذي في أصاب فاعل في اللفظ والمعنى وإذا وقعت على مفعول كان ضميرها مفعولا لفظا ومعنى نحو سرني ما أكلته وأعجبني ما لبسته فهي في المعنى مفعولة لأنها عبارة عن الملبوس فضميرها مفعول

стр. 131

في اللفظ والمعنى وكذلك إذا وقعت على اللفظ كان ضميرها مجرورا ب في لأن الظرف كذلك في المعنى إلا أنها لا تقع على المصادر إلا على ما تختلف أنواعه للإبهام الذي فيها فإن قيل: فكيف وقعت على من يعقل كقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ وأمثال ذلك قيل: هي في هذا كله على أصلها من الإبهام والوقوع على الجنس العام لما يراد بما ما يراد بمن من التعيين لما يعقل والاختصاص دون الشيوع ومن فهم حقيقة الكلام وكان له ذوق عرف هذا واستبان له وأما قوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ فهذا كلام ورد في معرض التوبيخ والتبكيت للعين على امتناعه من السجود ولم يستحق هذا التبكيت والتوبيخ حيث كان السجود لمن يعقل ولكن للمعصية والتكبر على ما لم يخلقه إذ لا ينبغي التكبر لمخلوق على مثله إنما التكبر للخالق وحده فكأنه يقول سبحانه: لم عصيتني وتكبرت على ما لم تخلقه وخلقته أنا وشرفته وأمرتك بالسجود له فهذا موضع ما لأن معناها أبلغ ولفظها أعم وهو في الحجة أوقع وللعذر والشبهة أقطع فلو قال: ما منعك أن تسجد لمن خلقت لكان استفهاما مجردا من توبيخ وتبكيت ولتوهم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل ولعله موجود في ذاته وعينه وليس المراد كذلك وإنما المراد توبيخه وتبكيته على ترك سجوده لما خلق الله وأمره بالسجود له ولهذا عدل عن اسم آدم العلم مع كونه أخص وأتى بالاسم الموصول الدال على جهة التشريف المقتضية لسجوده له كونه خلقه بيديه وأنت لو وضعت مكان ما لفظة من لما رأيت هذا المعنى المذكور في الصلة وأن ما جيء بها وصلة إلى ذكر الصلة فتأمل ذلك فلا معنى إذا للتعيين بالذكر إذ لو أريد التعيين لكان بالاسم العلم أولى وأحرى وكذلك قوله: والسماء وما بناها لأن القسم تعظيم للمقسم به واستحقاقه للتعظيم من حيث ما وأظهر هذا الخلق العظيم الذي هو السماء ومن حيث سواها وزينها بحكمته فاستحق التعظيم وثبتت قدرته فلو قال: ومن بناها لم يكن في اللفظ دليل على استحقاقه للقسم من حيث اقتدر على بنائها ولكان المعنى مقصورا على ذاته ونفسه دون الإيماء إلى أفعاله الدالة على عظمته المنبئة عن حكمته المفصحة باستحقاقه للتعظيم من خليقته وكذلك قولهم: سبحان

стр. 132

ما يسبح الرعد بحمده" لأن الرعد صوت عظيم من جرم عظيم والمسبح به لا محالة أعظم فاستحقاقه للتسبيح من حيث يستحقه العظيمات من خلقه لا من حيث كان يعلم ولا تقل يعقل في هذا الموضع فإذا تأملت ما ذكرناه استبان لك قصور من قال أن ما مع الفعل في هذا كله سوى الأول في تأويل المصدر وأنه لم يقدر المعنى حق قدره فلا لصناعة النحو وفق ولا لفهم التفسير رزق وأنه تابع الحز وأخطأ المفصل وحام ولكن ما ورد المنهل فوائد سورة الكافرون وأما قوله : ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فإن ما على بابها لأنها واقعة على معبوده ﷺ على الإطلاق لأن امتناعهم من عبادة الله تعالى ليس لذاته بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله تعالى ولكنهم كانوا جاهلين به فقوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أي لا أنتم تعبدون معبودي ومعبوده هو ﷺ كان عارفا به دونهم وهم جاهلون به هذا جواب بعضهم قال آخرون: إنها هنا مصدرية لا موصولة أي لا تعبدون عبادتي ويلزم من تنزيههم عن عبادته تنزيههم عن المعبود لأن العبادة متعلقة به وليس هذا بشيء إذ المقصود براءته من معبوديهم وإعلامه أنهم بريئون من معبوده تعالى فالمقصود المعبود لا العبادة وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته ﷺ حسدا له وأنفة من إتباعه فهم لا يعبدون معبوده لا كراهية لذات المعبود ولكن كراهية لاتباعه ﷺ وحرصا على مخالفته في العبادة وعلى هذا فلا يصح في النظم البديع والمعنى الرفيع إلا لفظ ما لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية وقيل في ذلك وجه رابع: وهو قصد ازدواج الكلام في البلاغة والفصاحة مثل قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ و: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ فكذلك: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ومعبودهم لا يعقل ثم ازدوج مع هذا الكلام قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فاستوى اللفظان وإن اختلف المعنيان ولهذا لا يجيء في الإفراد مثل هذا بل لا يجيء إلا من كقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ﴾ ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ﴿أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ﴾ إلى أمثال ذلك وعندي فيه وجه خامس أقرب من

стр. 133

هذا كله وهو أن المقصود هنا ذكر المعبود الموصوف بكونه أهلا للعبادة مستحقا لها فأتى ب ما الدالة على هذا المعنى كأنه قيل: ولا أنتم عابدون معبودي الموصوف بأنه المعبود الحق ولو أتى بلفظة من لكانت إنما تدل على الذات فقط ويكون ذكر الصلة تعريفا لا أنه هو جهة العبادة ففرق بين أن يكون كونه تعالى أهلا لأن يعبد تعريف محض أو وصف مقتضى لعبادته فتأمله فإنه بديع جدا وهذا معنى قول محققي النحاة: أن ما تأتي لصفات من يعلم ونظيره: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ لما كان المراد الوصف وأن هو السبب الداعي إلى الأمر بالنكاح وقصده وهو الطيب فتنكح المرأة الموصوفة به أتى بما دون من وهذا باب لا ينخرم وهو من ألطف مسالك العربية وإذ قد أفضى الكلام بنا إلى هنا فلنذكر فائدة ثانية: تكرير الأفعال في هذه السورة ثم فائدة ثالثة: كونه كرر الفعل في حق نفسه بلفظ المستقبل في الموضعين وأتى في حقهم بالماضي ثم فائدة رابعة: وهي أنه جاء في نفي عبادة معبودهم عنه بلفظ الفعل المستقبل وجاء في نفي عبادتهم معبوده باسم الفاعل ثم فائدة خامسة: وهي كون إيراده النفي هنا ب لا دون لن ثم فائدة سادسة: وهي أن طريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات فينفي عبادة ما سوى الله ويثبت عبادته وهذا هو حقيقة التوحيد والنفي المحض ليس بتوحيد وكذلك الإثبات بدون النفي فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي والإثبات وهذا حقيقة لا إله إلا الله فلم جاءت هذه السورة بالنفي المحض وما سر ذلك وفائدة سابعة: وهي ما حكمة تقديم نفي عبادته عن معبودهم ثم نفي عبادتهم عن معبوده وفائدة ثامنة: وهي أن طريقة القرآن إذا خاطب الكفار أن يخاطبهم بالذين كفروا والذين هادوا كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ﴾ ولم يجيء يا أيها الكافرون إلا في هذا الموضع فما وجه هذا الاختصاص وفائدة تاسعة: وهي هل في قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ معنى زائد على النفي المتقدم فإنه يدل على اختصاص كل بدينه ومعبوده وقد فهم هذا من النفي فما أفاد التقسيم المذكور وفائدة عاشرة: وهي تقديم ذكرهم ومعبودهم في هذا

стр. 134

التقسيم والاختصاص وتقديم ذكر شأنه وفعله في أول السورة وفائدة حادية عشرة وهي أن هذه السورة قد اشتملت على جنسين من الأخبار أحدهما براءته من معبودهم وبراءتهم من معبوده وهذا لازم أبدا الثاني إخباره بأن له دينه ولهم دينهم فهل هذا متاركة وسكوت عنهم فيدخله النسخ بالسيف أو التخصيص ببعض الكفار أم الآية باقية على عمومها وحكمها غير منسوخة ولا مخصوصة وبعد فهذه عشر مسائل في هذه السورة ذكرنا منها مسألة واحدة وهي: وقوع ما فيها بدل من فنذكر المسائل التسع مستمدين من فضل الله مستعينين بحوله وقوته متبرئين إليه من الخطأ فما كان من صواب فمنه وحده لا شريك له وما كان من خطأ فمنا ومن الشيطان والله تعالى ورسوله ﷺ بريئان منه وأما المسألة الثانية وهي: فائدة تكرار الأفعال فقيل فيه وجوه أحدها: أن قوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نفي للحال والمستقبل وقوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مقابلة أي لا تفعلون ذلك وقوله: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ أي لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي ولهذا أتى في عبادتهم بلفظ الماضي فقال ما عبدتم فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم وقوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ مقابله أي لم تعبدوا قط في الماضي ما أعبده أنا دائما وعلى هذا فلا تكرار أصلا وقد استوفت الآيات أقسام النفي ماضيا وحالا ومستقبلا عن عبادته وعبادتهم بأوجز لفظ وأحضره وأبينه وهذا إن شاء الله أحسن ما قيل فيها فلنقتصر عليه ولا نتعداه غيره فإن الوجوه التي قيلت في مواضعها فعليك بها وأما المسألة الثالثة: وهي تكريره الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم ففي ذلك سر وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة الله تعالى له عن الزيغ والانحراف عن عبادة معبوده والاستبدال به غيره وأن معبوده واحد في الحال والمال على الدوام لا يرضي به بدلا ولا يبغي عنه حولا بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم فهم بصدد أن يعبدوا اليوم معبودا وغدا غيره فقال: ﴿لا أَعْبُدُ

стр. 135

مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني الآن ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآن أيضا ثم قال: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون وأشبهت ما هنا رائحة الشرط فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي وهو مستقبل في المعنى كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط كأنه يقول مهما عبدتم من شيء فلا أعبده أنا فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط وقد عمل فيها الفعل ولا جواب لها وهي موصولة فما أبعد الشرط منها قلنا لم نقل أنها شرط نفسها ولكن فيها رائحة منه وطرف من معناه لوقوعها على غير معين وإيهامها في المعبودات وعمومها وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديا على صفحاته فإذا قلت لرجل ما تخالفه في كل ما يفعل أنا لا أفعل ما تفعل ألست ترى معنى الشرط قائما في كلامك وقصدك وأن روح هذا الكلام مهما فعلت من شيء فإني لا أفعله وتأمل ذلك من مثل قوله تعالى: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ كيف تجد معنى الشرطية فيه حتى وقع الفعل بعد من بلفظ الماضي والمراد به المستقبل وأن المعنى من كان في المهد صبيا فكيف نكلمه وهذا هو المعنى الذي حام حوله من قال من المفسرين والمعربين أنه كان نبيا بمعنى يكون لكنهم لم يأتوا إليه من بابه بل ألقوه عطلا من تقدير وتنزيل وعزب فهم غيرهم عن هذا للطفه ودقته فقالوا كان زائدة والوجه ما أخبرتك فخذه عفوا لك عزمه وعلى سواك غرمه إلا على من في الآية قد عمل فيها الفعل وليس لها جواب ومعنى الشرطية قائم فيها فكذلك في قوله ولا أنا عابد ما عبدتم وهذا كله مفهوم من كلام فحول النحاة كالزجاج وغيره فإذا ثبت هذا فقد صحت الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضي من قوله: ﴿وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾ بخلاف قوله: ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ لبعد ما فيها عن معنى الشرط تنبيها من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبودا سواه وأن يتنقل في

стр. 136

المعبودات تنقل الكافرين أما المسألة الرابعة: وهي أنه لم يأت النفي في حقهم إلا باسم الفاعل وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارة وباسم الفاعل أخرى فذلك والله أعلم لحكمة بديعة وهي أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت فأتى أولا بصيغة الفعل الدالة على الحدوث والتجدد ثم أتى في هذا النفي بعينه بصيغة اسم الفاعل الدالة على الوصف والثبوت فأفاد في النفي الأول أن هذا لا يقع مني وأفاد في الثاني أن هذا ليس وصفي ولا شأني فكأنه قال: عبادة غير الله لا تكون فعلا لي ولا وصفا فأتى بنفيين لمنفيين مقصودين بالنفي وأما في حقهم فإنما أتى بالاسم الدال على الوصف والثبوت دون الفعل أي أن الوصف الثابت اللازم العائد لله منتف عنكم فليس هذا الوصف ثابتا لكم وإنما ثبت لمن خص الله وحده بالعبادة لم يشرك معه فيها أحدا وأنتم لما عبدتم غيره فلستم من عابديه وإن عبدوه في بعض الأحيان فإن المشرك يعبد الله ويعبد معه غيره كما قال أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾ أي اعتزلتم معبودهم إلا الله فإنكم لم تعتزلوه وكذا قال المشركون عن معبودهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فهم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره فلم ينتف عنهم الفعل لوقوعه منهم ونفي الوصف لأن من عبد غير الله لم يكن ثابتا على عبادة الله موصوفا بها فتأمل هذه النكتة البديعة كيف تجد في طيها أنه لا يوصف بأنه عابد الله وعبده المستقيم على عبادته إلا من انقطع إليه بكليته وتبتل إليه تبتيلا لم يلتفت إلى غيره لم يشرك به أحدا في عبادته وأنه وإن عبده وأشرك به غيره فليس عابدا لله ولا عبدا له وهذا من أسرار هذه السورة العظيمة الجليلة التي هي إحدى سورتي الإخلاص التي تعدل ربع القرآن كما جاء في بعض السنن وهذا لا يفهمه كل أحد ولا يدركه إلا من منحه الله فهما من عنده فلله الحمد والمنة وأما المسألة الخامسة: وهي أن النفي في هذه السورة أتى بأداة لا دون لن وذلك لأن النفي ب لا أبلغ منه ب لن وأن لا أدل على دوام النفي

стр. 137

وطوله من لن وأنها للطول والمد الذي في نفيها طال النفي بها واشتد وأن هذا ضد ما فهمته الجهمية والمعتزلة من أن لن إنما تنفي المستقبل ولا تنفي الحال المستمر النفي في الاستقبال وقد تقدم تقرير ذلك بما لا تكاد تجده في غير هذا التعليق فالإتيان بلا متعين هنا والله أعلم وأما المسألة السادسة: وهي اشتمال هذه السورة على النفي المحض فهذا هو خاصة هذه السورة العظيمة فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها أنها براءة من الشرك فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلوبة بين الموحدين والمشركين ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقا للبراءة المطلوبة هذا مع أنها متضمنة للإثبات صريحا فقوله: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ براءة محضة ﴿وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ إثبات أن له معبودا يعبده وأنتم بريئون من عبادته فتضمنت النفي والإثبات وطابقت قول إمام الحنفاء: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وطابقت قول فئة الموحدين: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ﴾ فانتظمت حقيقة لا إله إلا الله تعالى ولهذا كان النبي ﷺ يقرنها بسورة قل هو الله أحد في سنة الفجر وسنة المغرب فإن هاتين السورتين سورتا الإخلاص صحيح وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح إلا بهما وهما توحيد العلم والاعتقاد المتضمن تنزيه الله عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد وأنه إله أحد صمد لم يلد فيكون له فرع ولم يولد فيكون له أصل ولم يكن له كفوا أحد فيكون له نظير ومع هذا فهو الصمد الذي اجتمعت له صفات الكمال كلها فتضمنت السورة إثبات ما يليق بجلاله من صفات الكمال ونفي ما لا يليق به من الشريك أصلا وفرعا ونظيرا فهذا توحيد العلم والاعتقاد والثاني توحيد القصد والإرادة وهو أن لا يعبد إلا إياه فلا يشرك به في عبادته سواه بل يكون وحده هو المعبود وسورة قل يا أيها الكافرون مشتملة على هذا التوحيد فانتظمت السورتان نوعي التوحيد وأخلصتا له فكان ﷺ يفتتح بهما النهار في سنة الفجر ويختم بهما في سنة المغرب وفي السنن أنه كان يوتر بهما فيكونان خاتمة عمل الليل كما كانا خاتمة عمل النهار ومن هنا تخريج جواب المسألة

стр. 138

السابعة وهي تقديم براءته من معبودهم ثم أتبعها ببراءتهم من معبوده فتأمله وأما المسألة الثامنة وهي إثباته هنا بلفظ يا أيها الكافرون دون يا أيها الذين كفروا فسره والله أعلم إرادة الدلالة على أن من كان الكفر وصفا ثابتا لا لازما لا يفارقه فهو حقيق أن يتبرأ الله منه ويكون هو أيضا بريئا من الله فحقيق بالموحد البراءة منه فكان في معرض البراءة التي هي غاية البعد والمجانبة بحقيقة حاله التي هي غاية الكفر وهو الكفر الثابت اللازم في غاية المناسبة فكأنه يقول كما أن الكفر لازم لكم ثابت لا تنتقلون عنه فمجانبتكم والبراءة منكم ثابتة دائما أبدا ولهذا أتى فيها بالنفي الدال على الاستمرار مقابلة الكفر الثابت المستمر وهذا واضح المسألة التاسعة: وهي ما الفائدة في قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ وهل أفاد هذا معنى زائدا على ما تقدم فيقال في ذلك من الحكمة والله أعلم أن النفي الأول أفاد البراءة وأنه لا يتصور منه ولا ينبغي له أن يعبد معبوديهم وهم أيضا لا يكونون عابدين لمعبوده وأفاد آخر السورة إثبات ما تضمنه النفي من جهتهم من الشرك والكفر الذي هو حظهم وقسمهم ونصيبهم فجرى ذلك مجرى من اقتسم هو وغيره أرضا فقال له لا تدخل في حدي ولا أدخل في حدك لك أرضك ولي أرضي فتضمنت الآية أن هذه البراءة اقتضت أنا اقتسمنا خطتنا بيننا فأصابنا التوحيد والإيمان فهو نصيبنا وقسمنا الذي نختص به لا تشركونا فيه وأصابكم الشرك بالله والكفر به فهو نصيبكم وقسمكم الذي تختصمون به لا نشرككم به فتبارك من أحيا قلوب من شاء من عباده بفهم كلامه وهذه المعاني ونحوها إذا تجلت للقلوب رافلة في حللها فإنها تسبى القلوب وتأخذ بمجامعها ومن لم يصادف من قلبه حياة فهي خود تزف إلى ضرير مقعد فالحمد لله على مواهبه التي لا تنتهي ونسأله إتمام نعمته وأما المسألة العاشرة: وهي تقديم قسمهم ونصيبهم على قسمه ونصيبه وفي أول السورة قدم ما يختص بهم فهذا من أسرار الكلام وبديع الخطاب الذي لا يدركه إلا فحول البلاغة وفرسانها فإن السورة لما اقتضت البراءة واقتسام ديني التوحيد والشرك بينه وبينهم ورضي كل بقسمه

стр. 139

وكان المحق هو صاحب القسمة وقد برز النصيبين وميز القسمين وعلم أنهم راضون بقسمهم الدون الذي لا أردا منه وأنه هو قد استولى على القسم الأشراف والحظ الأعظم بمنزلة من اقتسم هو وغيره سما وشفاء فرضي مقاسمه بالسم فإنه يقول له لا تشاركني في قسمي ولا أشاركك في قسمك لك قسمك ولي قسمي فتقديم ذكر قسمه هاهنا أحسن وأبلغ كأنه يقول هذا هو قسمك الذي آثرته بالتقديم وزعمت أنه أشرف القسمين وأحقهما بالتقديم فكان في تقديم ذكر قسمه من التهكم به والنداء على سوء اختياره وقبح ما رضيه لنفسه من الحسن والبيان ما لا يوجد في ذكر تقديم قسم نفسه والحاكم في هذا هو الذوق والفطن يكتفي بأدنى إشارة وأما غليظ الفهم فلا ينجع فيه كثرة البيان ووجه ثان وهو أن مقصود السورة براءته ﷺ من دينهم ومعبودهم هذا هو لبها ومغزاها وجاء ذكر براءتهم من دينه ومعبوده بالقصد الثاني مكملا لبراءته ومحققا لها فلما كان المقصود براءته من دينهم بدأ به في أول السورة ثم جاء قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ مطابقا لهذا المعنى أي لا أشارككم في دينكم ولا أوافقكم عليه بل هو دين تختصون أنتم به لا أشرككم فيه أبدا فطابق آخر السورة أولها فتأمله وأما المسألة الحادية عشرة: وهي أن هذا الإخبار بأن لهم دينهم وله دينه هل هو إقرار فيكون منسوخا أو مخصوصا أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص فهذه مسألة شريفة من أهم المسائل المذكورة: وقد غلط في السورة خلائق وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ولا تخصيص بل هي محكمة عمومها نص محفوظ وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها فإن أحكام التوحيد التي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه وهذه السورة أخلصت التوحيد ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم ومنشأ الغلط ظنهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف فقالوا:

стр. 140

منسوخ وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار وهم من لا كتاب لهم فقالوا هذا مخصوص ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرا لهم أو إقرارا على دينهم أبدا بل لم يزل رسول الله ﷺ في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم وعيب دينهم وتقبيحه والنهي عنه والتهديد والوعيد كل وقت وفي كل ناد وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم وعيب دينهم ويتركونه وشأنه فأبى إلا مضيا على الإنكار عليهم وعيب دينهم فكيف يقال إن الآية اقتضت تقريره لهم معاذ الله من هذا الزعم الباطل وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقكم عليه أبدا فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق فهذا غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم فأين الإقرار حتى يدعي النسخ أو التخصيص أفترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يظهر الله منهم عباده وبلاده وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول ﷺ أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به الداعين إلى غير سنته إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته لكم دينكم ولنا ديننا لا يقتضي هذا إقرارهم على بدعتهم بل يقولون لهم هذه براءة منها وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان فهذا ما فتح الله العظيم به من هذه الكلمات اليسيرة والنبذة المشيرة إلى عظمة هذه السورة وجلالتها ومقصودها وبديع نظمها من غير استعانة بتفسير ولا تتبع لهذه الكلمات من مظان توجد فيه بل هي استملاء مما علمه الله وألهمه بفضله وكرمه والله يعلم أني لو وجدتها في كتاب لأضفتها إلى قائلها ولبالغت في استحسانها وعسى الله المان بفضله الواسع العطاء الذي عطاؤه على غير قياس المخلوقين أن يعين على تعليق تفسير هذا النمط وهذا الأسلوب وقد كتبت على مواضع متفرقة من القرآن بحسب ما يسنح من هذا النمط وقت مقامي بمكة وبالبيت المقدس والله

стр. 141

المرجو إتمام نعمته ولنذكر تمام الكلام على أقسام ما ومواقعها ما المصدرية فقد ذكرنا منها ما الموصولة ومن أقسامها المصدرية ومعنى وقوعها عليه أنها إذا دخلت على الفعل كان معها في تأويل المصدر هكذا أطلق النحاة وهنا أمور يجب التنبيه عليها والتنبه لها أحدها الفرق بين المصدر الصريح والمصدر المقدر مع ما والفرق بينهما أنك إذا قلت يعجبني صنعك فالإعجاب هنا واقع على نفس الحدث بقطع النظر عن زمانه ومكانه وإذا قلت يعجبني ما صنعت فالإعجاب واقع على صنع ماض وكذلك ما تصنع واقع على مستقبل فلم تتحد دلالة ما والفعل والمصدر الثاني أنه لا تقع مع كل فعل في تأويل المصدر وإن وقع المصدر في ذلك الموضع فإنك إذا قلت يعجبني قيامك كان حسنا فلو قلت يعجبني ما تقوم لم يكن كلاما حسنا وكذلك يعجبني ما تقوم وما تجلس أي قيامك وجلوسك ولو أتيت بالمصدر كان حسنا وكذلك إذا قلت يعجبني ما تذهب لم يكن في الجواز والاستعمال مثل يعجبني ذهابك قال أبو القاسم السهيلي الأصل في هذا أن ما لما كانت اسما مبهما لم يصح وقوعها إلا على جنس تختلف أنواعه فإن كان المصدر مختلف الأنواع جاز أن تقع عليه ويعبر بها عنه كقولك يعجبني ما صنعت وما عملت وما حكمت لاختلاف الصنعة والعلم والحكم فإن قلت يعجبني ما جلست وما قعدت وما انطلق زيد كان غثا من الكلام لخروج ما عن الإبهام ووقوعها على ما لا يتنوع من المعاني لأنه يكون التقدير يعجبني الجلوس الذي جلست والقعود الذي قعدت فيكون آخر الكلام مفسرا لأوله رافعا للإبهام فلا معنى حينئذ ل ما فأما قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾ فلأن المعصية تختلف أنواعها وقوله: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ فهو كقولك: لأعاقبنك بما ضربت زيدا وبما شتمت عمرا أوقعتها على الذنب والذنب مختلف الأنواع ودل ذكر المعاقبة والمجازاة على ذلك وكأنك قلت لأجزينك بالذنب الذي هو ضرب زيد أو شتم عمرو ف ما على بابها غير خارجة عن بابها هذا كلامه وليس كما زعم ﵀ فإنه لا يشترط في كونها مصدرية ما ذكر من الإبهام بل تقع على المصدر الذي لا تختلف أنواعه بل هو

стр. 142

نوع واحد فإن إخلافهم ما وعد الله كان نوعا واحدا مستمرا معلوما وكذلك كذبهم وأصرح من هذا كله قوله تعالى: ﴿كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ فهذا مصدر معين خاص لا إبهام فيه بوجه وهو علم الكتاب ودرسه وهو فرد من أفراد العمل والصنع فهو كما منعه من الجلوس والقعود والانطلاق ولا فرق بينهما في إبهام ولا تعيين إذ كلاهما معين متميز غير مبهم ونظيره ﴿بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ [الأنعام ٩٣] فاستكبارهم وقولهم على الله غير الحق مصدران معينان غير مبهمين واختلاف أفرادهما كاختلاف أفراد الجلوس والانطلاق ولو أنك قلت في الموضوع الذي منعه هذا بما جلست وهذا بما نطقت كان حسنا غير غث ولا مستكره وهو المصدر بعينه فلم يكن الكلام غثا بخصوص المصدر وإنما هو لخصوص التركيب فإن كان بقدر امتناعه واستكراهه إذا صنعته في تركيب آخر زالت الكراهية والغثاثة عنه كما رأيت ما الموصولة والتحقيق أن قوله يعجبني ما تجلس وما ينطلق زيد إنما استكره وكان غثا لأن ما المصدرية والموصولة يتعاقبان غالبا ويصلح أحدهما في الموضع الذي يصلح فيه الآخر وربما احتملها كلام واحد ولا يميز بينهما فيه إلا بنظر وتأمل فإذا قلت يعجبني ما صنعت فهي صالحة لأن تكون مصدرية أو موصولة وكذلك والله عليم بما يفعلون والله بصير بما يعملون فتأمله تجده كذلك ولدخول إحداهما على الأخرى ظن كثير من الناس أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أنها مصدرية واحتجوا بها على خلق الأعمال وليست مصدرية وإنما هي موصولة والمعنى والله خلقكم وخلق الذي تعملونه وتنحتونه من الأصنام فكيف تعبدونه وهو مخلوق لله ولو كانت مصدرية لكان الكلام إلى أن يكون حجة لهم أقرب من أن يكون حجة عليهم إذ يكون المعنى أتعبدون ما تنحتون والله خلق عبادتكم لها فأي معنى في هذا وأي حجة عليهم والمقصود أنه كثيرا ما تدخل إحداهما على الأخرى ويحتملها الكلام سواء وأنت لو قلت يعجبني الذي يجلس لكان غثا من المقال إلا أن تأتي بموصوف يجري هذا صفة له فتقول يعجبني

стр. 143

الجلوس الذي تجلس وكذلك إذا قلت يعجبني الذي ينطلق زيد كان غثا فإذا قلت يعجبني الانطلاق الذي ينطلق زيد كان حسنا فمن هنا يعجبني ما ينطلق وما تجلس إذا أردت به المصدر وأنت لو قلت آكل ما يأكل كانت موصولة وكان الكلام حسنا فلو أردت بها المصدرية والمعنى آكل أكلك كان غثا حتى تأتي بضميمة تدل على المصدر فتقول آكل كما يأكل فعرفت أنه لم يكن الاستكراه الذي أشار إليه من جهة الإبهام والتعيين فتأمله وأما طالما يقوم زيد وقل ما يأتي عمرو ف ما هنا واقعة على الزمان والفعل بعدها متعد إلى ضميره بحرف الجر والتقدير طال زمان يقوم فيه زيد وقل زمان يأتينا فيه عمرو ثم حذف الضمير فسقط الحرف هذا تقدير طائفة من النحاة منهم السهيلي وغيره ويحتمل عندي تقديرين آخرين هما أحسن من هذا أحدهما أن تكون مصدرية وقتية والتقدير طال قيام زيد وقل إتيان عمرو وإنما كان هذا أحسن لأن حذف العائد من الصفة قبيح بخلاف حذفه إذا لم يكن عائدا على شيء فإنه أسهل وإذا جعلت مصدرية كان حذف الضمير حذف فضلة غير عائد على موصوف والتقدير الثاني وهو أحسنها أن ما هاهنا مهيأة لدخول الفعل على الفعل ليست مصدرية ولا نكرة وإنما أتى بها لتكون مهيأة لدخول طال على الفعل فإنك لو قلت طال يقوم زيد وقل يجني عمرو لم يجز فإذا أدخلت ما استقام الكلام وهذا كما دخلت على رب مهيأة لدخولها على الفعل نحو قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ وكما دخلت على إن مهيأة لدخولها على الفعل نحو: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فإذا عرفت هذا فقول النبي ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي " رواه البخاري ومسلم هو من هذا الباب ودخلت ما بين كاف التشبيه وبين الفعل مهيأة لدخولها عليه في كافة للخافض ومهيأة له أن تقع بعد الفعل وهذا قد خفي على أكثر النحاة حتى ظن كثير منهم أن ما هاهنا مصدرية وليس كما ظن فإنه لم يقع التشبيه بالرؤية وأنت لو صرحت بالمصدر هنا لم يكن كلاما صحيحا فإنه لو قيل صلوا كرؤيتكم صلاتي لم يكن مطابقا للمعنى المقصود فلو قيل إنها موصولة والعائد محذوف والتقدير صلوا كالتي رأيتموني أصلي أي كالصلوات التي رأيتموني أصليها كان أقرب من المصدرية على كراهته فالصواب ما ذكرته لك ونظير هذه المسألة

стр. 144

قوله للصديق "كما أنت " رواه الطبراني فأنت مبتدأ والخبر محذوف فلا مصدر هنا إذ لا فعل فمن قال إنها مصدرية فقد غلط وإنما هي مهيأة لدخول الكاف على ضمير الرفع والمعنى كما أنت صانع أو كما أنت مصل فدم على حالتك ونظير ذلك أيضا وقوعها بين بعد والفعل نحو قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ ليست مصدرية كما زعم أكثر النحاة بل هي مهيأة لدخول بعد على فعل كاد إذ لا يصاغ من كاد وما مصدر إلا أن يتجشم له فعل بمعناه يسبك منها ومن ذلك الفعل مصدر وعلى ما قررناه لا يحتاج إلى ذلك ويؤيد هذا قول الشاعر: أعلاقة أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس أفلا تراها هاهنا حيث لا فعل ولا مصدر أصلا فهي كقوله كما أنت مهيأة لدخول بعد على الجملة الابتدائية ولكن الخبر في البيت مذكور وهو في قوله كما أنت محذوف فإن قلت: فما بالهم لم يدخلوها في قبل كافة لها مهيأة لدخولها على الفعل والجملة قبلما يقوم زيد وقبل ما زيد قائم قلت لا تكون ما كافة لأسماء الإضافة وإنما تكون كافة للحروف وبعد أشد مضارعة للحروف من قبل لأن قبل كالمصدر في لفظها ومعناها تقول جئت قبل الجمعة تريد الوقت الذي تستقبل في الجمعة فالجمعة بالإضافة إلى ذلك الوقت قابله كما قال الشاعر: نحج معا قالت أعاما وقابله ... فإذا كان العام الذي بعد عامك يسمى قابلا فعامك الذي أنت فيه قبل ولفظه من لفظ قابل فقد بان لك من جهة اللفظ والمعنى أن قبل مصدر في الأصل والمصدر كسائر الأسماء لا يكف به ولا يهيأ لدخول الجمل بعد وإنما ذلك في بعض الحروف العوامل لا في شيء من الأسماء وأما بعد فهي أبعد عن شبه المصدر وإن كانت تقرب من لفظ بعد ومن معناه فليس قربها من لفظ المصدر كقرب قبل ألا ترى أنهم لم يستعملوا من لفظها اسم فاعل فيقولون للعام الماضي الباعد كما قالوا للمستقبل القابل فإن قلت: فما تقول في

стр. 145

قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ فإنها لا يمتنع فيها تقدير المصدر في هذه المواضع كلها فهل هي كافة مهيأة أو مصدرية قلت التحقيق أنها كافة لحرف التشبيه عن عمله مهيأة لدخوله على الفعل ومع هذا فالمصدر ملحوظ فيها وإن لم تكن مصدرية محضة ويدل على أن ما لا تقع مصدرية على حد أنك تجدها لا تصلح في موضع تصلح فيه أن فإذا قلت أريد أن تقوم كان مستقيما فلو قلت أريد ما تقوم لم يستقم وكذلك أحب أن تأتيني لا تقول موضعه أحب ما تأتيني وسر المسألة: أن المصدرية ملحوظ فيها معنى الذي كما تقدم بخلاف أن فإن قلت: فما تقول في كما قمت أكرمتك أمصدرية هنا أم كافة أم نكرة قلت هي هاهنا نكرة وهي ظرف زمان في المعنى والتقدير كل وقت تقوم فيه أكرمك فإن قلت: فهلا جعلتها كافة لإضافة كل إلى الفعل مهيأة لدخولها عليه قلت: ما أحراها بذلك لولا ظهور الظرف والوقت وقصده من الكلام فلا يمكن إلغاؤه مع كونه هو المقصود ألا ترى أنك تقول كل وقت يفعل كذا أفعل كذا فإذا قلت كلما فعلت وجدت معنى الكلامين واحدا وهذا قول أئمة العربية وهو الحق. فصل: قال أبو القاسم السهيلي: اعلم أن ما إذا كانت موصولة بالفعل الذي لفظه عمل أو صنع أو فعل وذلك الفعل مضاف إلى فاعل غير الباري سبحانه فلا يصح وقوعها إلا على مصدر لإجماع العقلاء من الأنام في الجاهلية والإسلام على أن أفعال الآدميين لا تتعلق بالجواهر والأجسام لا تقول عملت جملا ولا صنعت جبلا ولا حديدا ولا حجرا ولا ترابا فإذا قلت: أعجبني ما عملت وما فعل زيد فإنما يعني الحدث فعلى هذا لا يصح في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ إلا قول أهل السنة أن المعنى والله خلقكم وأعمالكم ولا يصح قول المعتزلة من جهة المنقول ولا من جهة المعقول لأنه زعموا أن ما واقعة على الحجارة التي كانوا ينحتونها أصناما وقالوا: تقدير الكلام خلقكم والأصنام التي تعملون إنكارا منهم أن تكون أعمالنا مخلوقة لله
следующие страницы →