Полный текст (992 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
إنما نالوه بواسطة السمع فكان السمع كالوسيلة لهذا المطلوب الأعظم فتفضيله عليه كفضيلة الغايات على وسائلها وأما ما ذكرتم من سعة إدراكاته وعمومها فيعارضه كثرة الخيانة فيها ووقوع الغلط فإن الصواب فيما يدركه السمع بالإضافة إلى كثرة المسموعات قليل في كثير ويقابل كثير مدركاته صحة مدركات البصر وعدم الخيانة وأن ما يراه ويشاهده لا يعرض فيه من الكذب ما يعرض فيه فيما يسمعه وإذا تقابلت المرتبتان بقي الترجيح بما ذكرناه قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه: "وفصل الخطاب أن إدراك السمع أعم وأشمل وإدراك البصر أتم وأكمل فهذا له التمام والكمال وذاك له العموم والشمول فقد ترجح كل منهما على الآخر بما اختص" به تم كلامه وقد ورد في الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: " هذان السمع والبصر " صحيح على الراجح وهذا يحتمل أربعة أوجه أحدها: أن يكون المراد أنهما مني بمنزلة السمع والبصر والثاني يريد أنهما من دين الإسلام بمنزلة السمع والبصر من الإنسان فيكون الرسول بمنزلة القلب والروح وهما بمنزلة السمع والبصر من الدين وعلى هذا فيحتمل وجهين أحدهما التوزيع فيكون أحدهما بمنزلة السمع والآخر بمنزلة البصر والثاني الشركة فيكون هذا التنزيل والتشبيه بالحاستين ثابتا لكل واحد منهما فكل منهما بمنزلة السمع والبصر فعلى احتمال التوزيع والتقسيم تكلم الناس أيهما هو السمع وأيهما هو البصر وبنوا ذلك على أي الصفتين أفضل فهي صفة الصديق والتحقيق أن صفة البصر للصديق وصفة السمع للفاروق ويظهر لك هذا من كون عمر محدثا كما قال النبي ﷺ : "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر " رواه مسلم والتحديث المذكور هو ما يلقى في القلب من الصواب والحق وهذا طريقه السمع الباطن وهو بمنزلة التحديث والإخبار في الأذن وأما الصديق فهو الذي كمل مقام الصديقية لكمال بصيرته حتى كأنه قد باشر بصره مما أخبر به الرسول ما باشر قلبه فلم يبق بينه وبين إدراك البصر إلا حجاب الغيب فهو
стр. 72
كأنه ينظر إلى ما أخبر به من الغيب من وراء ستوره وهذا لكمال البصيرة وهذا أفضل مواهب العبد وأعظم كراماته التي يكرم بها وليس بعد درجة النبوة إلا هي ولهذا جعلها سبحانه بعدها فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ وهذا هو الذي سبق به الصديق لا بكثرة صوم ولا بكثرة صلاة وصاحب هذا يمشي رويدا ويجيء في الأول ولقد تعناه من لم يكن سيره على هذا الطريق وتشميره إلى هذا العلم وقد سبق من شمر إليه وإن كان يزحف زحفا ويحبو حبوا ولا تستطل هذا الفصل فإنه أهم مما قصد بالكلام فليعد إليه فقيل تقديم السمع على البصر له سببان أحدهما أن يكون السياق يقتضيه بحيث يكون ذكرها بين الصفتين متضمنا للتهديد والوعيد كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكره من صفاته التي تقتضي الحذر والاستقامة كقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ والقرآن الكريم مملوء من هذا وعلى هذا فيكون في ضمن ذلك أني أسمع ما يردون به عليك وما يقابلون به رسالاتي وأبصر ما يفعلون ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان أحدهما قابلوها بقولهم صدقت ثم عملوا بموجبها والثاني قابلوها بالتكذيب ثم عملوا بخلافها فكانت مرتبة المسموع منهم قبل مرتبة البصر فقدم ما يتعلق به على ما يتعلق بالمبصر وتأمل هذا المعنى في قوله تعالى: لموسى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ هو يسمع ما يجيبهم به ويرى ما يصنعه وهذا لا يعم سائر المواضع بل يختص منها بما هذا شأنه والسبب الثاني أن إنكار الأوهام الفاسدة لسمع الكلام مع غاية البعد بين السامع والمسموع أشد من إنكارها لرؤيته مع بعده وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول فقال: الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا فقال الثالث: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو
стр. 73
يسمع إذا أخفينا " رواه البخاري ومسلم والترمذي ولم يقولوا أترون الله يرانا فكان تقديم السمع أهم والحاجة إلى العلم به أمس وسبب ثالث وهو أن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثيرا في الخير والشر والصلاح والفساد بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان فكأن تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى وبهذا يعلم تقديمه على العليم حيث وقع تقديم السماء على الأرض وأما تقديم السماء على الأرض ففيه معنى وهو أن السموات والأرض تذكر غالبا في سياق آيات الرب الدالة على وحدانيته وربوبيته ومعلوم أن الآيات في السموات أعظم منها في الأرض لسعتها وعظمها وما فيها من كواكبها وشمسها وقمرها وبروجها وعلوها واستغنائها عن عمد تقلها أو علاقة ترفعها إلى غير ذلك من عجائبها وما فيها كقطرة في سعتها ولهذا أمر سبحانه بأن يرجع الناظر فيها البصر كرة بعد كرة ويتأمل استواءها واتساقها وبراءتها من الخلل والفطور فالآية فيها أعظم من الأرض وفي كل شيء له آية سبحانه وبحمده وأما تقديم الأرض عليها في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ وتأخيرها عنها في سبأ فتأمل كيف وقع هذا الترتيب في سبأ في ضمن قول الكفار: ﴿لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي اْلأَرْضِ﴾ كيف قدم السموات هنا لأن الساعة إنما تأتي من قبلها وهي غيب فيها ومن جهتها تبتديء وتنشأ ولهذا قدم صعق أهل السموات على أهل الأرض عندها فقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونس فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر وإعلامهم أنه سبحانه عالم بأعمالهم دقيقها وجليلها وأنه لا يغيب عنه منها شيء اقتضى ذلك ذكر محلهم وهو الأرض قبل ذكر السماء فتبارك من أودع كلامه من الحكم والأسرار والعلوم ما يشهد أنه كلام الله تعالى وأن مخلوقا لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا الحكم أبدا تقديم المال على الولد وأما تقديم المال على الولد فلم يطرد هذا التقديم في القرآن الكريم بل قد جاء مقدما كذلك في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ
стр. 74
وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وجاء ذكر البنين مقدما كما في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ فأما تقديم الأموال في تلك المواضع الثلاثة فلأنه ينتظمها معنى واحد وهو التحذير من الاشتغال بها والحرص على تحصيلها حتى يفوته حظه من الله والدار الآخرة فهي في موضع عن الإلتهاء بها وأخبر في موضع أنها فتنة وأخبر في موضع آخر أن الذي يقرب عباده إليه إيمانهم وعملهم الصالح لا أموالهم ولا أولادهم ففي ضمن هذا النهي عن الاشتغال بها عما يقرب إليه ومعلوم أن اشتغال الناس بأموالهم والتلاهي بها أعظم من اشتغالهم بأولادهم وهذا هو الواقع حتى إن الرجل ليستغرقه اشتغاله بماله عن مصلحة ولده وعن معاشرته وقربه وأما تقديمهم على الأموال في تينك الآيتين فلحكمة باهرة وهي أن براءة متضمنة لوعيد من كانت تلك الأشياء المذكورة فيها أحب إليه من الجهاد في سبيل الله ومعلوم أن تصور المجاهد فراق أهله وأولاده وآبائه وإخوانه وعشيرته تمنعه من الخروج عنهم أكثر مما يمنعه مفارقته ماله فإن تصور مع هذا أن يقتل فيفارقهم فراق الدهر نفرت نفسه عن هذه أكثر وأكثر ولا يكاد عند هذا التصور يخطر له مفارقة ماله بل يغيب بمفارقة الأحباب عن مفارقة المال فكان تقديم هذا الجنس أولى من تقديم المال وتأمل هذا الترتيب البديع في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر يطلعك على عظمة هذا الكلام وجلالته فبدأ أولا بذكر أصول العبد وهم آباؤه المتقدمون طبعا وشرفا ورتبة وكان فخر القوم بآبائهم ومحاماتهم عنهم أكثر من محاماتهم عن أنفسهم وأموالهم وحتى عن أبنائهم ولهذا حملتهم محاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احتملوا القتل وسبي الذرية ولا يشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من إزرائهم بهم ثم ذكر الفروع وهم الأبناء لأنهم يتلونهم في الرتبة وهم أقرب أقاربهم إليهم وأعلق بقلوبهم وألصق بأكبادهم من الإخوان
стр. 75
والعشيرة ثم ذكر الإخوان وهم الكلالة وحواشي النسب فذكر الأصول أولا ثم الفروع ثانيا ثم النظراء ثالثا ثم الأزواج رابعا لأن الزوجة أجنبية عنده ويمكن أن يتعوض عنها بغيرها وهي إنما تراد للشهوة وأما الأقارب من الآباء والأبناء والإخوان فلا عوض عنهم ويرادون للنصرة والدفاع وذلك مقدم على مجرد الشهوة ثم ذكر القرابة البعيدة خامسا وهي العشيرة وبنو العم فإن عشائرهم كانوا بني عمتهم غالبا وإن كانوا أجانب فأولى بالتأخير ثم انتقل إلى ذكر الأموال بعد الأقارب سادسا ووصفها بكونها مقترفة أي مكتسبة لأن القلوب إلى ما اكتسبته من المال أميل وله أحب وبقدره أعرف لما حصل له فيه من التعب والمشقة بخلاف مال جاء عفوا بلا كسب من ميراث أو هبة أو وصية فإن حفظه للأول ومراعاته له وحرصه على بقائه أعظم من الثاني والحس شاهد بهذا وحسبك به ثم ذكر التجارة سابعا لأن محبة العبد للمال أعظم من محبته للتجارة التي يحصله بها فالتجارة عنده وسيلة إلى المال المقترف فقدم المال على التجارة تقديم الغايات على وسائلها ثم وصف التجارة بكونها مما يخشى كسادها وهذا يدل على شرفها وخطرها وأنه قد بلغ قدرها إلى أنها مخوفة الكساد ثم ذكر الأوطان ثامنا آخر المراتب لأن تعلق القلب بها دون تعلقه بسائر ما تقدم فإن الأوطان تتشابه وقد يقوم الوطن الثاني مقام الأول من كل وجه ويكون خيرا منه فمنها عوض وأما الآباء والأبناء والأقارب والعشائر فلا يتعوض منهما بغيرها فالقلب وإن كان يحن إلى وطنه الأول فحنينه إلى آبائه وأبنائه وزوجاته أعظم فمحبة الوطن آخر المراتب وهذا هو الواقع إلا لعارض يترجح عنده إيثار البعيد على القريب فذلك جزئي لا كلي فلا تناقض به وأما عند عدم العوارض فهذا هو الترتيب المناسب والواقع وأما آية آل عمران فإنها لما كانت في سياق الإخبار بما زين للناس من الشهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها قدم ما تعلق الشهوة به أقوى والنفس إليه أشد سعرا وهو النساء التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا وهي القيود التي حالت بين العباد
стр. 76
وبين سيرهم إلى الله ثم ذكر البنين المتولدين منهم فالإنسان يشتهي المرأة للذة والولد وكلاهما مقصود له لذاته ثم ذكر شهوة الأموال لأنها تقصد لغيرها فشهوتها شهوة الوسائل وقدم أشرف أنواعها وهو الذهب ثم الفضة بعده ثم ذكر الشهوة المتعلقة بالحيوان الذي لا يعاشر عشرة النساء والأولاد فالشهوة المتعلقة به دون الشهوة المتعلقة بها وقدم أشرف هذا النوع وهو الخيل فإنها حصون القوم ومعاقلهم وعزهم وشرفهم فقدمها على الأنعام التي هي الإبل والبقر والغنم ثم ذكر الأنعام وقدمها على الحرث لأن الجمال بها والانتفاع أظهر وأكثر من الحرث كما في قوله تعال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ والانتفاع بها أكثر من الحرب فإنه ينتفع بها ركوبا وأكلا وشربا ولباسا وأمتعة وأسلحة ودواء وقنية إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع وأيضا فصاحبها أعز من صاحب الحرث وأشرف وهذا هو الواقع فإن صاحب الحرث لا بد له من نوع مذلة ولهذا قال بعض السلف وقد رأى سكة ما دخل هذا دار قوم إلا دخلهم الذل فجعل الحرث في آخر المراتب وضعا له في موضعه ويتعلق بهذا نوع آخر من التقديم لم يذكره وهو تقديم الأموال على الأنفس في الجهاد حيث ما وقع في القرآن الكريم إلا في موضع واحد وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأما سائر المواضع فقدم فيها المال نحو قوله: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ وهو كثير فما الحكمة في تقديم المال على النفس وما الحكمة في تأخيره في هذا الموضع وحده وهذا لم يتعرض له السهيلي ﵀ فيقال: أولا: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه فإن كان عاجزا وجب عليه أن يكتري بماله وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد والأدلة عليها أكثر من أن تذكر هنا ومن تأمل أحوال النبي ﷺ وسيرته في أصحابه وأمرهم بإخراج أموالهم
стр. 77
في الجهاد قطع بصحة هذا القول والمقصود تقديم المال في الذكر وأن ذلك مشعر بإنكار وهم من يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادرا على أن يغزو بماله لا يجب عليه شيء فحيث ذكر الجهاد قدم ذكر المال فكيف يقال لا يجيب به ولو قيل إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس لكان هذا القول أصح من قول من قال لا يجب بالمال وهذا بين وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر وفائدة ثانية على تقدير عدم الوجوب وهي أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها فندب الله تعالى محبيه المجاهدين في سبيله إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم ولا يكون في الوجود شيء أحب إليهم منه فإذا بذلوا محبوبهم في حبه نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها وهي بذل نفوسهم له فهذا غاية الحب فإن الإنسان لا شيء أحب إليه من نفسه فإذا أحب شيئا بذل له محبوبه من نفسه وماله فإذا آل الأمر إلى بذل نفسه ضن بنفسه وآثرها على محبوبه هذا هو الغالب وهو مقتضى الطبيعة الحيوانية والإنسانية ولهذا يدافع الرجل عن ماله وأهله وولده فإذا أحس بالمغلوبية والوصول إلى مهجته ونفسه فر وتركهم فلم يرض الله من محبيه بهذا بل أمرهم أن يبذلوا له نفوسهم بعد أن بذلوا له محبوباتهم وأيضا فبذل النفس آخر المراتب فإن العبد يبذل ماله أولا يقي به نفسه فإذا لم يبق له ماله بذل نفسه فكان تقديم المال على النفس في الجهاد مطابقا للواقع وأما قوله ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم﴾ فكان تقديم الأنفس هو الأولى لأنها هي المشتراة في الحقيقة وهي مورد العقد وهي السلعة التي استلمها ربها وطلب شراءها لنفسه وجعل ثمن هذا العقد رضاه وجنته فكانت هي المقصود بعقد الشراء والأموال تبع لها فإذا ملكها مشتريها ملك مالها فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له فيه شيء فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها فحسن تقديم النفس على المال في
стр. 78
هذه الآية حسنا لا مزيد عليه الاستدلال على كلام السهيلي لنرجع إلى كلام السهيلي فما ذكره من تقديم الغفور على الرحيم فحسن جدا وأما تقديم الرحيم على الغفور في موضع واحد وهو أول سبأ ففيه معنى غير ما ذكره يظهر لمن تأمل سياق أوصافه العلى وأسمائه الحسنى في أول السورة إلى قوله وهو الرحيم الغفور فإنه ابتدأ سبحانه السورة بحمده الذي هو أعم المعارف وأوسع العلوم وهو متضمن لجميع صفات كماله ونعوت جلاله مستلزم لها كما هو متضمن لحكمته في جميع أفعاله وأوامره فهو المحمود على كل حال وعلى كل ما خلقه وشرعه ثم عقب هذا الحمد بملكه الواسع المديد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ثم عقبه بأن هذا الحمد ثابت له في الآخرة غير منقطع أبدا فإنه حمد يستحقه لذاته وكمال أوصافه وما يستحقه لذاته دائم بدوامه لا يزول أبدا وقرن بين الملك والحمد على عاداته تعالى في كلامه فإن اقتران أحدهما بالآخر له كمال زائد على الكمال بكل واحد منهما فله كمال من ملكه وكمال من حمده وكمال من اقتران أحدهما بالأخر فإن الملك بلا حمد يستلزم نقصا والحمد بلا ملك يستلزم عجزا والحمد مع الملك غاية الكمال ونظير هذا العزة والرحمة والعفو والقدرة والغنى والكرم فوسط الملك بين الجملتين فجعله محفوفا بحمد قبله وحمد بعده ثم عقب هذا الحمد والملك باسم الحكيم الخبير الدالين على كمال الإرادة وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة وعلى كمال العلم وأنه كما يتعلق بظواهر المعلومات فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بخبره فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم فالمراد ظاهر والحكمة باطنة والعلم ظاهر والخبرة باطنة فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة وكمال العلم أن يكون كاشفا عن الخبرة فالخبرة باطن العلم وكماله والحكمة باطن الإرادة وكمالها فتضمنت الآية إثبات حمده وملكه وحكمته وعلمه على أكمل الوجوه ثم ذكر تفاصيل علمه بما ظهر وما بطن في العالم العلوي والسفلي فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ
стр. 79
وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ثم ختم الآية بصفتين تقتضيان غاية الإحسان إلى خلقه وهما الرحمة والمغفرة فيجلب لهم الإحسان والنفع على أتم الوجوه برحمته ويعفو عن زلتهم ويهب لهم ذنوبهم ولا يؤاخذهم بها بمغفرته فقال: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ فتضمنت هذه الآية سعة علمه ورحمته وحكمه ومغفرته وهو سبحانه يقرن بين سعة العلم والرحمة كما يقرن بين العلم والحلم فمن الأول قوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً﴾ ومن الثاني: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فما قرن شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم ومن رحمة إلى علم وحملة العرش أربعة اثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك فاقتران العفو بالقدرة كاقتران الحلم والرحمة بالعلم لأن العفو إنما يحسن عند القدرة وكذلك الحلم والرحمة إنما يحسنان مع العلم وقدم الرحيم في هذا الموضع لتقدم صف ثم ختم الآية بذكر صفة المغفرة لتضمنها دفع الشر وتضمن ما قبلها جلب الخير ولما كان دفع الشر مقدما على جلب الخير قدم اسم الغفور على الرحيم حيث وقع ولما كان في هذا الموضع تعارض يقتضي تقديم اسمه الرحيم لأجل ما قبله قدم على الغفور وأما قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فقد أبعد النجعة فيما تعسفه من فائدة التقديم وأتى بما ينبو اللفظ عنه وقال غيره السجود كان في دينهم قبل الركوع وهذا قائل ما لا علم له به والذي يظهر في الآية والله أعلم بمراده من كلامه أنها اشتملت على مطلق العبادة وتفصيلها فذكر الأعم ثم ما هو أخص منه ثم ما هو أخص من الأخص فذكر القنوت أولا وهو الطاعة الدائمة فيدخل فيه القيام والذكر والدعاء وأنواع الطاعة ثم ذكر ما هو أخص منه وهو السجود الذي يشرع وحده كسجود الشكر والتلاوة ويشرع في الصلاة فهو أخص من مطلق القنوت ثم ذكر الركوع الذي لا يشرع إلا في الصلاة فلا يسن الإتيان به منفردا فهو أخص مما قبله
стр. 80
ففائدة الترتيب النزول من الأعم إلى الأخص إلى أخص منه وهما طريقتان معروفتان في الكلام النزول من الأعم إلى الأخص وعكسها وهو الترقي من الأخص إلى ما هو أعم منه إلى ما هو أعم ونظيرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ فذكر أربعة أشياء أخصها الركوع ثم السجود أعم منه ثم العبادة أعم من السجود ثم فعل الخير العام المتضمن لذلك كله والذي يزيد هذا وضوحا الكلام على ما ذكره بعد هذه الآية من قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فإنه ذكر أخص هذه الثلاثة وهو الطواف الذي لا يشرع إلا بالبيت خاصة ثم انتقل منه إلى الاعتكاف وهو القيام المذكور في الحج وهو أعم من الطواف لأنه يكون في كل مسجد ويختص بالمساجد لا يتعداها ثم ذكر الصلاة التي تعم سائر بقاع الأرض سوى ما منع منه مانع أو استثني شرعا وإن شئت قلت ذكر الطواف الذي هو أقرب العبادات بالبيت ثم الاعتكاف الذي يكون في سائر المساجد ثم الصلاة التي تكون في البلد كله بل في كل بقعة فهذا تمام الكلام على ما ذكره من الأمثلة وله ﵀ مزيد السبق وفضل التقدم:.
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
الواو والألف في يفعلون وتفعلان أصل للواو والألف في الزيدون والزيدان فإنما جعلنا ما هو من الأفعال أصلا لما هو في الأسماء لأنها إذا كانت في الأفعال كانت أسماء وعلامة جمع وإذا كانت في الأسماء كانت علامة محضة لا أسماء وما يكون اسما وعلامة في حال هو الأصل لما يكون حرفا في موضع آخر إذا كان اللفظ واحدا نحو كاف الضمير وكاف المخاطبة في ذلك وهذا أولى بنا من أن نجعل الحرف أصلا والاسم فرعا له يدلك على هذا أنهم لم يجمعوا بالواو والنون من الأسماء إلا ما كان فيه معنى الفعل كالمسلمون والصالحون دون رجلون وخيلون فإن قيل فالأعلام ليس فيها معنى الفعل وقد جمعوها كذلك قيل الأسماء الأعلام لا تجمع هذا الجمع إلا وفيها الألف واللام فلا يقال جاءني زيدون وعمرون
стр. 81
فدل على أنهم أرادوا معنى الفعل أي الملقبون بهذا الاسم والمعرفون بهذه العلامة فعاد الأمر إلى ما ذكرنا وأما التثنية فمن حيث قالوا: في الفعل فعلا وصنعا لمن يعقل وغيره ولم يقولوا: صنعوا إلا لمن يعقل لم يجعلوا الواو علامة للجمع في الأسماء إلا فيما يعقل إذ كان فيه معنى الفعل ومن حيث اتفق معنى التثنية ولم يختلف اتفق لفظها كذلك في جميع أحوالها ولم يختلف استوى فيها العاقل وغيره ومن حيث اختلفت معاني الجموع بالكثرة والقلة اختلفت ألفاظها ولما كان الإخبار عن جمع ما لا يعقل يجري مجرى الجملة والأمة والبلد لا يقصد به في الغالب إلا الأعيان المجتمعة على التخصيص لا كل منهما على التعيين كان الإخبار عنها بالفعل كالإخبار عن الأسماء المؤنثة إذ الجملة والأمة وما هو في ذلك المعنى أسماء مؤنثة ولذلك قالوا: الجمال ذهبت والثياب بيعت إذ لا يتعين في قصد الضمير كل واحد منهما في غالب الكلام والتفاهم بين الأنام ولما كان الإخبار عن جمع ما يعقل بخلاف ذلك وكان كل واحد من الجمع يتعين غالبا في القصد إليه والإشارة وكان اجتماعهم في الغالب عن ملازمتهم وتدبير أغراض عقلية جعلت لهم علامة تختص بهم تنبيء عن الجمع المعنوي كما هي في ذاتها جمع لفظي وهي الواو لأنها ضامة بين الشفتين وجامعة لهما وكل محسوس يعبر عن معقول فينبغي أن يكون مشاكلا له فما خلق الله الأجساد في صفاتها المحسوسة إلا مطابقة للأرواح في صفاتها المعقولة ولا وضع الألفاظ في لسان آدم وذريته إلا موازنة للمعاني التي هي أرواحها وعلى نحو ذلك خصت الواو بالعطف لأنه جمع في معناه وبالقسم لأن واوه في معنى واو العطف وأما اختصاص الألف بالتثنية فلقرب التثنية من الواحد في المعنى فوجب أن يقرب لفظها من لفظه وكذلك لا يتغير بناء الواحد منهما كما لا يتغير في أكثر الجموع وفعل الواحد مبني على الفتح فوجب أن يكون فعل الإثنين كذلك وذلك لا يمكن مع غير الألف فلما ثبت أن الألف بهذه العلة ضمير الإثنين كانت علامة للاثنين في الأسماء كما فعلوا في الواو حين كانت ضمير الجماعة في الفعل جعلت علامة للجمع في الأسماء
стр. 82
إلحاق النون بالأفعال الخمسة وأما إلحاق النون بعد حرف المد في هذه الأفعال الخمسة فحملت على الأسماء التي في معناها المجموعة جمع السلامة والمثناة نحو مسلمون ومسلمان وهي في تثنية الأسماء وجمعها عوضا عن التنوين كما ذكروا ثم شبهوا بها هذه الأمثلة الخمسة وألحقوا النون فيها في حال الرفع لأنها إذا كانت مرفوعة كانت واقعة موقع الاسم فاجتمع فيها وقوعها موقع الاسم ومضارعتها له في اللفظ لأن آخرها حرف مد ولين ومشاركتها له في المعنى فألحق فيها النون عوضا عن حركة الإعراب حملا على الأسماء كما حملت الأسماء عليها فجمعت بالواو والياء فالنون في تثنية الأسماء وجمعها أصل للنون في تثنية الأفعال وجمعها أعني علامة الإعراب هي أصل الحروف والمد في تثنية الأسماء وجمعها التي هي علامات إعراب وحروف إعراب كما تقدم فإن قيل فهلا أثبتوا هذه النون في حال النصب والجزم من الأمثلة الخمسة لعدم العلة المتقدمة وهي وقوعها موقع الاسم وأنت إذا أدخلت النواصب والجوازم لم تقع موقع الأسماء لأن الأسماء لا تكون بعد عوامل الأفعال فبعدت عن الأسماء ولم يبق فيها إلا مضارعتها لها في اتصال حروف المد بها مع الاشتراك في معنى الفعل فإن قيل فأين الإعراب فيها في حال النصب والجزم قلنا مقدر كما هو في كل اسم وفعل آخره حرف مد ولين سواء وسواء كان حرف المد زائدا أو أصليا ضميرا أو حرفا كيرمي القاضي وعصا ورمى وسكرى وغلامي إلا أنه مع هذه الياء مقدر قبلها أعني الإعراب وهو في يرمي ويخشى ونحوه مقدر في نفس الحرف لا قبله لأنه لا يتقدر إعراب اسم في غيره وإذا ثبت ذلك فقولك لن تفعلوا ولن تفعلي إعرابه مقدر قبل الضمير في لام الفعل كما هو كذلك في غلامي وليس زوال النون وحذفها هو الإعراب لأنه يستحيل أن يحول بين حرف الإعراب وبين إعرابه اسم فاعل أو غير فاعل مع أن العدم ليس بشيء فيكون إعرابا وعلامة لشيء في أصل الكلام ومفعوله وأما فعل جماعة النساء فكذلك أيضا إعرابه مقدر قبل علامة الإضمار كما هو مقدر قبل الياء من غلامي فعلامة الإضمار منعت من ظهوره لاتصالها بالفعل وأنها لبعض حروفه
стр. 83
فلا يمكن تعاقب الحركات على لام الفعل معها كما لم يمكن ذلك مع ضمائر الفاعلين المذكورين ولا مع الياء في غلامي ولا يمكن أيضا أن يكون الإعراب في نفس النون لأنها ضمير الفاعل فهي غير الفعل ولا يكون إعراب شيء في غيره ولا يمكن أيضا أن يكون بعدها فإنه مستحيل في الحركات وبعيد كل البعد في غير الحركات أن يكون إعرابا وبينه وبين حرف الإعراب اسم أو فعل فثبت أنه مقدر كما هو في جميع الأسماء والأفعال المعربة التي لا يقدر على ظهور الإعراب فيها لمانع كما تقدم فإن قيل: فقد أثبتم أن فعل جماعة المؤنث معرب وهذا خلاف لسيبويه ومن وافقه من النحويين فإنهم زعموا أنه مبني وإن اختلفوا في علة بنائه قلنا بل هو وفاق لهم لأنهم علمونا وأصلوا لنا أصلا صحيحا فلا ينبغي لنا أن ننقضه ونكسره عليهم وهو وجود المضارعة الموجبة للإعراب وهي موجودة في يفعلن وتفعلن فمتى وجدت الزوائد الأربع وجدت المضارعة وإذا وجدت المضارعة وجد الإعراب فإن قيل: فهلا عوضوا من حركة الإعراب في حال رفعه كما فعلوا في يفعلون لأنه أيضا واقع موقع الاسم قلنا قد تقدم ما في يفعلون ويفعلان من وجوه الشبه بينه وبين جمع السلامة في الأسماء فمنها الوقوع موقع الاسم ومنها المضارعة في اللفظ من جهة حروف المد واللين وهذا الشبه معدوم في يفعلن من جهة اللفظ لأنه ليس مثل لفظ فاعلين ولا فاعلات وإن كان واقعا موقعه في حال الرفع فائدة: أسماء الأيام
لما كانت الأيام متماثلة لا يتميز يوم من يوم بصفة نفسية ولا معنوية لم يبق تمييزها إلا بالأعداد ولذلك جعلوا أسماء أيام الأسبوع مأخوذة من العدد نحو الإثنين والثلاثاء والأربعاء أو بالأحداث الواقعة فيها كيوم بعاث ويوم بدر ويوم الفتح ومنه يوم الجمعة وفيه قولان: أحدهما: لاجتماع الناس فيه للصلاة. والثاني: وهو الصحيح
стр. 84
لأنه اليوم الذي جمع فيه الخلق وكمل وهو اليوم الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين لفصل القضاء وأما يوم السبت فمن القطع كما تشعر به هذه المادة ومن السبات لانقطاع الحيوان فيه عن التحرك والمعاش والنعال السبتية التي قطع عنها الشعر وعلة السبات التي تقطع العليل عن الحركة والنطق ولم يكن يوما من أيام تخليق العالم بل ابتداء أيام التخليق الأحد وخاتمتها الجمعة هذا أصح القولين وعليه يدل القرآن وإجماع الأمة على أن أيام تخليق العالم ستة فلو كان أولها السبت لكان سبعة وأما حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في صحيحه: "خلق الله التربة يوم السبت " رواه مسلم فقد ذكر البخاري في تاريخه أنه حديث معلول وأن الصحيح: "أنه قول كعب" وهو كما ذكر لأنه يتضمن أن أيام التخليق سبعة والقرآن يرده واعلم أن معرفة أيام الأسبوع لا يعرف بحس ولا عقل ولا وضع يتميز به الأسبوع عن غيره وإنما يعلم بالشرع ولهذا لا يعرف أيام الأسبوع إلا أهل الشرائع ومن تلقى ذلك عنهم وجاورهم وأما الأمم الذين لا يدينون بشريعة ولا كتاب فلا يتميز الأسبوع عندهم من غيره ولا أيامه بعضها من بعض وهذا بخلاف معرفة الشهر والعام فإنه بأمر محسوس
فائدة: الأمس واليوم والغد هذا بحث
في اليوم وأمس وغد وسبب اختصاص كل لفظ بمعناه اعلم أن أقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه فيقال فعلت اليوم فذكر الاسم العام ثم عرف بأداة العهد ولا شيء أعرف من يومك الحاضر فانصرف إليه ونظيره الآن من آن وأما أمس وغد فلما كان كل واحد منهما متصلا بيومك اشتق له اسم من أقرب ساعة إليه الأمس فاشتق لليوم الماضي أمس الملاقي للمساء وهو أقرب إلى
стр. 85
يومك من صباحه أعني صباح غد فقالوا: أمس وكذلك غد فقد اشتق الاسم من الغد وهو أقرب إلى يومك من مسائه أعني مساء غد وتأمل كيف بنو أمس وأعربوا غدا لأن أمس صيغ من فعل ماض وهو أمسى وذلك مبني فوضعوا أمس على وزن الأمر من أمسى يمسي وأما الغد فإنه لم يؤخذ من مبني إذ لا يمكن أن يقال هو مأخوذ من غدا كما يمكن أن يقال أمس من أمسى بل أقصى ما يمكن فيه أن يكون من الغدو والغدوة وليستا بمبنيتين وهذه العلة أحسن من علة النحاة أن أمس بني لتضمنه معنى اللام وأصله الأمس قالوا لأنهم يقولون أمس الدابر فيصفونه بذي اللام فدل على أنه معرفة ولا يمكن أن يكون معرفة إلا بتقدير اللام وهذا أولا منقوض بقولهم غد الآتي فيلزم على طرد علتهم أن يبنوا غدا وأيضا فإن أمس جرى مجرى الإعلام وهو والله أعلم بمنزلة أصمت وأطرق مما جاء منها بلفظ الأمر اسم علم لمكان يقول الرجل لصاحبه فقد اصمت إذا جاوزه فاصمت في المكان كأمس في الزمان ولعله أخذ من قولهم أمس بخير وأمس معنا ونحوه ولا يقال كيف يدعي فيهم العلمية مع شيوعه لأنا نقول علميته ليست كعلمية زيد وعمرو بل كعلمية أسامة وذؤالة وبرة وفجار وبابه مما جعل الجنس فيه بمنزلة الشخص في العلم الشخصي فإن قيل فما الفرق بينه وهو اسم الجنس إذا قيل هذا ما أعضل على كثير من النحاة حتى جعلوا الفرق بينهما لفظيا فقط وقالوا يظهر تأثيره في منع الصرف ووصفه بالمعرفة وانتصاب الحال عنه ونحو ذلك ولم يهتدوا لسر الفرق بين أن موضع اللفظ لواحد منهم منكر شائع في الجنس ولمسمى الجنس المطلق فهنا ثلاثة أمور تتبعها ثلاثة أوضاع أحدها معرف معين من الجنس له العلم الشخصي كزيد الثاني واحد منهم شائع في الجنس غير معرف فله الاسم النكرة كأسد من الأسد والثالث الجنس المتصور في الذهن المنطبق على كل فرد من أفراده وله علم الجنس كأسامة فنظير هذا أمس في الزمان ولهذا وصف بالمعرفة فأعلق بهذه الفائدة التي لا تجدها في شيء من كتب القوم والحمد لله الوهاب المان بفضله.
стр. 86
فائدة: حذف لام يد ودم وغد
المشهور عند النحاة أن حذف لام يد ودم وغد وبابه حذف اعتباطي لا سبب له لأنهم لم يروه جاريا على قياس الحذف وقد يظهر فيه معنى لطيف وهو أن الألفاظ أصلها المصادر الدالة على الأحداث فأصل مصدر غدا يغدو غدوا بوزن رمى وأصل دمي بوزن فرح مصدر دمي يدمى كبقي يبقى وأصل كذلك يدي من يديت إليه يديا ثم حذفوا فقالوا: يدا وكذلك سم أصله سمو من سما يسمو سموا كعلم يعلم علما فلما زحزحت على أصل موضوعاتها وبقى فيها من المعنى الأول ما يعلم أنها مشتقة منه حذفت منها لاماتها بإزاء ما نقص من معانيها ليكون النقص في اللفظ موازيا للنقص في المعنى فلا يستوفى حروف الكلمة بأسرها إلا عند حصول المعنى بأسره
فائدة: دخول الزوائد على الحروف
دخول الزوائد على الحروف الأصلية منبه على معان زائدة على معنى الكلمة التي وضعت الحروف الأصلية عبارة عنه فإن كان المعنى الزائد آخرا كانت الزيادة آخر كنحو التاء في فعلت لأنها تنبيء عما رتبته بعد الفعل وإن كان المعنى الزائد أولا كانت الزيادة الدالة عليه سابقة على حروف الكلمة كالزوائد الأربع فإنها تنبيء أن الفعل لم يحصل بعد لفاعله وأن بينه وبين تحصيله جزءا من الزمان وكان الحرف الزائد السابق للفظ مشيرا في اللسان إلى الجزء من الزمان مرتبا في البيان على حسب ترتب المعنى في الجنان وكذلك حكم جميع ما يرد
стр. 87
عليك في كلامهم فإن قيل: فهلا كانت الياء مكان التاء والهمزة قيل: أصل هذه الزوائد الياء بدليل كونها في الوضع الذي لا يحتاج فيه إلى الفرق بين ما مذكر ومؤنث وهو فعل جماعة النساء فإنك إذا قلت النسوة يقمن فالفرق حاصل بالنون وأيضا فأصل الزيادة لحروف المد واللين والواو لا تزاد أولا لئلا يشتبه بواو العطف والألف يتعذر أولا لسكونها فلم يبق إلا الياء فهي الأصل فلما أريد الفرق كانت الهمزة للمتكلم أولى لإشعارها بالضمير المستتر في الفعل إذ هي أول حروف ذلك الضمير إذا برز فلتكن مشيرة إليه إذا خفي وكانت النون لفعل المتكلم أولى لوجودها في أول لفظ الضمير الكامن في الفعل إذا ظهر فلتكن دالة عليه إذا خفي واستتر وكانت التاء من تفعل للمخاطب لكونها في الضمير المستتر فيه وإن لم تكن في أول اللفظ أعني أتت ولكنها في آخره ولم يخصوا بالدلالة عليه ما هو في أول لفظه أعني الهمزة لمشاركته للمتكلم فيها وفي النون فلم يبق من لفظ الضمير إلا التاء فجعلوها في أول الفعل علما عليه وإيماء إليه فإن قيل: فكان يلزم على هذا أن تكون الزيادة في فعل الغائب جاء لوجودها في لفظ ضمير الغائب إذا برز قيل لا ضمير في الغائب في أصل الكلام وأكثر مواضعه لأن الاسم الظاهر يغني عنه ولا يستتر ضمير الغائب حتى يتقدمه مذكور يعود عليه وليس كذلك فعل المتكلم والمخاطب والمخبرين عن أنفسهم فإنه لا يخلو أبدا عن ضمير ولا يجيء بعده اسم ظاهر يكون علامة ولا مضمرا أيضا إلا أن يكون توكيدا للمضمر المنطوي عليه الفعل ومن هاهنا ضارعت الأسماء حتى أعربت وجرت مجراها في دخول لام التوكيد وغير ذلك لأنها ضمنت معنى الأسماء بالحروف التي في أوائلها فهي من حيث دلت على الحدث والزمان فعل محض ومن حيث دلت بأوائلها على المتكلم والمخاطب وغير ذلك متضمنة معنى الاسم فاستحقت الإعراب الذي هو من خواص الاسم كما استحق الاسم المتضمن معنى الحرف البناء
стр. 88
فائدة: فعل الحال.
فعل الحال لا يكون مستقبلا وإن حسن فيه عد كما لا يكون المستقبل حالا أبدا ولا الحال ماضيا وأما جاءني زيد يسافر غدا فعلى تقدير الحكاية له إذا وقع وهي حال مقدرة ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا﴾ والوقوف مستقبل لا محالة ولكن جاء بلفظ الماضي حكاية لحال يوم الحساب فيه لا يترتب على وقوف قد ثبت وكذلك: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾ وهو كثير والوقت مستقبل والفعل بلفظ الماضي ونحوه: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ حكاية للحال فكذلك يقوم زيد غدا هو على التقرير والتصوير لهيئته إذا وقع وهذا لأن الأصل أنه لا يحكم للفظين متغايرين بمعنى واحد إلا بدليل ولا للفظ واحد بمعنيين إلا بدليل
فائدة: حروف المضارعة
حروف المضارعة وإن كانت زوائد فقد صارت كأنها من أنفس الكلم وليست كذلك السين وسوف وإن كانوا قد شبهوهما بحروف المضارعة والحروف الملحقة بالأصول ولذلك تقول غدا يقوم زيد فتقدم الظرف على الفعل كما تفعل ذلك في الماضي الذي لا زيادة فيه نحو أمس قام زيد ولا يستقيم هذا في المقرون بالسين وسوف لا تقول غدا سيقوم زيد لوجوه منها أن السين تنبيء عن معنى الاستئناف والاستقبال للفعل وإنما يكون مستقبلا بالإضافة إلى ما قبله فإن كان قبله ظرف أخرجته السين عن الوقوع في الظرف فبقي الظرف لا عامل فيه فبطل الكلام فإذا قلت: سيقوم غدا دلت السين على أن الفعل مستقبل بالإضافة إلى ما قبله وليس قبله إلا حالة التكلم ودل لفظ غدا على استقبال اليوم فتطابقا
стр. 89
وصار ظرفا له الثاني: أن السين وسوف من حروف المعاني الداخلة على الجمل ومعناها في نفس المتكلم وإليه يسند لا إلى الاسم المخبر عنه فوجب أن يكون له صدر الكلام كحروف الاستفهام والنفي والنهي وغير ذلك ولذلك قبح زيد سأضرب وزيد سيقوم مع أن الخبر عن زيد إنما هو بالفعل لا بالمعنى الذي دلت عليه السين فإن ذلك المعنى مستند إلى المتكلم لا إلى زيد فلا يجوز أن يخلط بالخبر عن زيد فتقول زيد سيفعل فإذا دخلت أن على الاسم المبتدأ جاز دخول السين في الخبر لاعتماد الاسم على أن ومضارعتها للفعل فصارت في اللفظ مع اسمها كالجملة التامة فصلح دخول السين فيما بعدها وأما مع عدم أن فيقبح ذلك وهذا مذهب أبي الحسن شيخ السهيلي قال السهيلي: فقلت له: أليس قد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ﴾ فقال لي: اقرأ ما قبل الآية فقرأت ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية فضحك وقال: قد كنت أفزعتني أليست هذه أن في الجملة المتقدمة وهذه الأخرى معطوفة بالواو عليها والواو تنوب مناب تكرار العامل فسلمت له وسلمت قال: ونظير هذه المسألة مسألة اللام في إن تقول إن زيدا لقائم ولا تقول زيد لقائم والمصحح لتقديم الظرف على الفعل الماضي أن معنى المضي مستفاد من لفظه لا من حرف زائد على الجملة منفصل عن الفعل كالسين وقد وأما فعل الحال فزوائده ملحقة بالأصل فإن أدخلت على الماضي قد التي للتوقع كانت بمنزلة السين التي للاستئناف وقبح حينئذ أمس قد قام زيد كما قبح غدا يقوم زيد والعلة حذو النعل بالنعل
стр. 90
فائدة: السين تشبه حروف المضارعة
السين تشبه حروف المضارعة ونقرر قبل ذلك مقدمة وهي لم تعمل في الفعل وقد اختصت به والجواب أنها فاصلة لهذا الفعل من فعل الحال كما فصلت الزوائد الأربع فعل الحال عن الماضي فأشبهتها وإن لم تكن مثلها في اتصالها ولحوقها بالأصل كما أشبهت لام التعريف العلمية في اتصالها وتعرف الاسم بها وإن لم تكن ملحقة بحروف الأصل فلما لم تعمل تلك اللام في الأسماء مع اختصاصها بها لم تعمل هذه في الأفعال مع استبدادها بها هذا تعليل الفارسي في بعض كتبه وابن السراج والسهيلي وهو يحتاج إلى بيان وإيضاح وتقريره أن الحرف إذا نزل منزلة الجزء من الكلمة لم يعمل فيها لأن أجزاء الكلمة لا يعمل بعضها في بعض ولام التعريف مع المعرف بمنزلة اسم علم فنزلت منزلته مع الماضي بمنزلة فعل الحال فنزلت منزلة جزئه وأما الزوائد الأربع فهي فاصلة لفعل الحال عن الماضي فصارت مع الفعل بمنزلة كلمة واحدة دالة على فعل الحال وكذلك السين مع الفعل فاصلة للمستقبل عن الحال فصارت مع الفعل بمنزلة كلمة واحدة دالة على فعل الاستقبال وهذا المعنى موجود في سوف أيضا فاختصاص الحرف شرط عمله ونزوله منزلة الجزء مانع عن العمل فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم ب أن المصدرية فإنها منزلة الجزء من الكلمة ولهذا يصير الفعل بها في تأويل كلمة مفردة ومع هذا فهي عاملة قيل: هذا لا ينقض ما أصلناه لأن هذا الحرف لم ينزل منزلة الجزء من الفعل وإنما صار به الفعل في تأويل الاسم فلم ينتقض ما ذكرناه وعلل السهيلي بطلان عمل سوف بعلة أخرى فقال وأما سوف فحرف ولكنه على لفظ السوف الذي هو الشم لرائحة ما ليس بحاضر وقد وجدت رائحته كما أن سوف هذه تدل على أن ما بعدها ليس بحاضر وقد علم وقوعه
стр. 91
وانتظر إيابه ولا غرو أن يتقارب معنى الحرف من معنى الاسم المشتق المتمكن في الكلام
فائدة: معنى ثم
ثم حرف عطف ولفظها كلفظ الثم وهو زم الشيء بعضه إلى بعض كما قال: كنا أهل ثمة ورمة وأصله ثممت البيت إذا كان فيه فرج فسدد بالثمام والمعنى الذي في ثم العاطفة قريب من هذا لأنه ضم شيء إلى شيء بينهما مهلة كما أن ثم البيت ضم بين شيئين بينهما فرجة ومن تأمل هذا المعنى في الحروف والأسماء المضارعة لها ألفاه كثيرا
فائدة بديعة: دخول أن على الفعل
في دخول أن على الفعل دون الاكتفاء بالمصدر ثلاث فوائد أحدها: أن المصدر قد يكون فيما مضى وفيما هو آت وليس في صيغته ما يدل عليه فجاءوا بلفظ الفعل المشتق منه مع أن ليجتمع لهم الإخبار عن الحدث مع الدلالة على الزمان الثانية: أن تدل على إمكان الفعل دون الوجوب والاستحالة الثالثة: أنها تدل على مجرد معنى الحدث دون احتمال معنى زائد عليه ففيها تحصين من الإشكال وتخليص له من شوائب الإجمال بيانه أنك إذا قلت كرهت خروجك وأعجبني قدومك احتمل الكلام معاني منها أن يكون نفس القدوم هو المعجب لك دون صفة من صفاته وهيأته وإن كان لا يوصف في الحقيقة بصفات ولكنها عبارة عن الكيفيات واحتمل أيضا أنك تريد أنه أعجبك سرعته أو بطؤه
стр. 92
أو حالة من حالاته فإذا قلت أعجبني أن قدمت كانت أن على الفعل بمنزلة الطبايع والصواب من عوارض الإجمالات المتصورة في الأذهان وكذلك زادوا أن بعد لما في قولهم لما أن جاء زيد أكرمتك ولم يزيدوها بغير ظرف سوى لما وذلك أن لما ليست في الحقيقة ظرف زمان ولكنه حرف يدل على ارتباط الفعل الثاني بالأول وأن أحدهما كالعلة للآخر بخلاف الظرف إذا قلت حين قام زيد قام عمرو فجعلت أحدهما وقتا للآخر على اتفاق لا على ارتباط فلذلك زادوا أن بعدها صيانة لهذا المعنى وتخليصا له من الاحتمال العارض في الظرف إذ ليس الظرف من الزمان بحرف فيكون قد جاء لمعنى كما جاءت لما تركيب لما وقد زعم الفارسي أنها مركبة من لم وما وقال السهيلي: ولا أدري ما وجه قوله: وهي عندي من الحروف التي في لفظها شبه من الاشتقاق وإشارة إلى مادة هي مأخوذة منها نحو: ما تقدم في سوف وثم لأنك تقول لممت الشيء لما إذا ضممت بعضه إلى بعض وهذا نحو من هذا المعنى الذي سيقت إليه لأنه ربط فعل بفعل على جهة التسبيب أو التعقيب فإذا كان التسبيب حسن إدخال إن بعدها زائدة إشعارا بمعنى المفعول من أجله وإن لم يكن مفعولا من أجله نحو قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً﴾ ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ ونحوه وإذا كان التعقيب مجردا من التسبب لم يحسن زيادة أن بعدها وتأمله في القرآن الكريم أن التفسيرية وأن المصدرية وأما أن التي للتفسير فليست مع ما بعدها بتأويل المصدر ولكنها تشارك أن التي تقدم ذكرها في بعض معانيها لأنها تحصين لما بعدها من الاحتمالات وتفسير لما قبلها من المصادر المجملة التي في معنى المقالات والإشارات فلا يكون تفسيرا إلا لفعل في معنى التراجم الخمسة الكاشفة عن كلام النفس لأن الكلام القائم في النفس والغائب عن الحواس في الأفئدة يكشفه للمخاطبين خمسة أشياء اللفظ والخط والإشارة والعقد والنصب وهي لسان الحال وهي أصدق من لسان المقال فلا تكون أن المفسرة إلا تفسيرا لما أجمل من هذه الأشياء كقولك كتبت إليه أن اخرج وأشرت إليه اذهب ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾
стр. 93
وأوصيته أن اشكر وعقدت في يدي أن قد أخذت بخمسين وزريت على حائطي أن لا يدخلوه ومنه قول الله : ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ هي هاهنا لتفسير النصبة التي هي لسان الحال وإذا كان الأمر فيها كذلك فهي بعينها التي تقدم ذكرها لأنها إذا كانت تفسيرا فإنما تفسر الكلام والكلام مصدر فهي إذا في تأويل مصدر إلا أنك أوقعت بعدها الفعل بلفظ الأمر والنهي وذلك مزيد فائدة ومزيد الفائدة لا تخرج الفعل عن كونه فعلا فلذلك لا تخرج عن كونها مصدرية كما لا يخرجها عن ذلك صيغة المضي والاستقبال بعدها إذا قلت يعجبني أن تقوم وأن قمت فكأنهم إنما قصدوا إلى ماهية الحدث مخبرا عن الفاعل لا الحدث مطلقا ولذلك لا تكون مبتدأة وخبرها في ظرف أو مجرور لأن المجرور لا يتعلق بالمعنى الذي يدل عليه أن ولا الذي من أجله صيغ الفعل واشتق من المصدر وإنما يتعلق المجرور بالمصدر نفسه مجردا من هذا المعنى كما تقدم فلا يكون خبرا عن أن المتقدمة وإن كانت في تأويل اسم وكذلك أيضا لا يخبر عنها بشيء مما هو من صفة للمصدر كقولك قيام سريع أو بطيء ونحوه لا يكون مثل هذا خبرا عن المصدر فإن قلت: حسن أن تقوم وقبح أن تفعل جاز ذلك لأنك تريد بها معنى المفعول كأنك تقول أستحسن هذا أو أستقبحه وكذلك إذا قلت لأن تقوم خير من أن تقعد جاز لأنه ترجيح وتفصيل فكأنك تأمره بأن يفعل ولست بمخبر عن الحدث بدليل امتناع ذلك في المضي فإنك لا تقول إن قمت خير من أن قعد ولا إن قام زيد خير من أن قعد وامتناع هذا دليل على ما قدمناه من أن الحدث هو الذي يخبر عنه وأما أن وما بعدها فإنها وإن كانت في تأويل المصدر فإن لها معنى زائدا ولا يجوز الإخبار عنه ولكنه يراد ويلزم يؤمر به فإن وجدتها مبتدأة ولها خبر فليس الكلام على ظاهره كما تقدم تركيب لن وأما لن فهي عند الخليل مركبة من لا ولن ولا يلزم ما اعترض عليه سيبويه من تقديم المفعول عليها لأنه يجوز في المركبات ما لا يجوز في
стр. 94
البسائط واحتج الخليل بقول جابر الأنصاري وهو من شعراء الجاهلية
فإن أمسك فإن العيش حلو ... إلي كأنه عسل مشوب
يرجى المرء مالا أن يلاقي ... ويعرض دون أدناه الخطوب
فإذا ثبت ذلك فمعناها نفي الإمكان ب لن كما تقدم وكان ينبغي أن تكون جازمة ك لم لأنها حرف نفي مختص بالفعل فوجب أن يكون عمله الجزم الذي هو نفي الحركة وانقطاع الصوت ليتطابق اللفظ والمعنى وقد فعل ذلك بعض العرب فجزم بها حين لحظ هذا الأسلوب النفي ولكن أكثرهم ينصب بها مراعاة ل أن المركبة فيها مع لا إذ هي من جهة الفعل وأقرب إلى لفظه فهي أحق بالمراعاة من معنى النفي فرب نفي لا يجزم الأفعال وذلك إذا لم يختص بها دون الأسماء والنفي في هذا الحرف إنما جاءه من قبل لا وهي غير عاملة لعدم اختصاصها فلذلك كان النصب بها أولى من الجزم على أنها قد ضارعت لم لتقارب المعنى واللفظ حتى قدم عليها معمول فعلها فقالوا زيدا لن أضرب كما قالوا: زيدا لم أضرب ومن خواصها تخليصها الفعل للاستقبال بعد أن كان محتملا للحال فأغنت عن السين وسوف وجل هذه النواصب تخلص الفعل للاستقبال ومن خواصها أنها تنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف لا إذا قلت: لا يقوم زيد أبدا وقد قدمنا أن الألفاظ مشاكلة للمعاني التي أرواحها يتفرس الفطن فيها حقيقة المعنى بطبعه وحسه كما يتعرف الصادق الفراسة صفات الأرواح في الأجساد من قوالبها بفطنته وقلت يوما لشيخنا أبي العباس بن تيمية قدس الله روحه قال ابن جني: مكثت برهة إذا ورد علي لفظ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها وجرسه وكيفية تركيبه ثم أكشفه فإذا هو كما ظننته أو قريبا منه فقال لي ﵀: وهذا كثيرا ما يقع لي وتأمل حرف لا كيف تجدها لاما بعدها
стр. 95
ألفا يمتد بها الصوت ما لم يقطعه ضيق النفس فآذن امتداد لفظها بامتداد معناها ولن يعكس ذلك فتأمله فإنه معنى بديع وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً﴾ بحرف لا في الموضع الذي اقترن به حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم فانسحب على جميع الأزمنة وهو قوله : ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ كأنه يقول: متى زعموا ذلك لوقت من الأوقات أو زمن من الأزمان وقيل لهم: تمنوا الموت فلا يتمنونه أبدا وحرف الشرط دل على هذا المعنى وحرف لا في الجواب بإزاء صيغة العموم لاتساع معنى النفي فيها وقال في سورة البقرة ولن يتمنونه فقصر من سعة النفي وقرب لأن قبله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ﴾ لأن إن وكان هنا ليست من صيغ العموم لأن كان ليست بدالة على حدث وإنما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن مضي الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث فكأنه يقول إن كان قد وجبت لكم الدار الآخرة وثبتت لكم في علم الله فتمنوا الموت الآن ثم قال في الجواب: ولن يتمنوه فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعا وليس في قوله: أبدا ما يناقض ما قلناه فقد يكون أبدا بعد فعل الحال تقول زيد يقوم أبدا قصور المعتزلة في فهم كلام الله ومن أجل ما تقدم من قصور معنى النفي في لن وطوله في لا يعلم الموفق قصور المعتزلة في فهم كلام الله تعالى حيث جعلوا لن تدل على النفي على الدوام واحتجوا بقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وعلمت بهذا أن بدعتهم الخبيثة حالت بينهم وبين فهم كلام الله كما ينبغي وهكذا كل صاحب بدعة تجده محجوبا عن فهم القرآن وتأمل قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ كيف نفى فعل الإدراك ب لا الدالة على طول النفي ودوامه فإنه لا يدرك أبدا وإن رآه المؤمنون فأبصارهم لا تدركه تعالى عن أن يحيط به مخلوق وكيف نفى الرؤية ب لن فقال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ لأن النفي بها لا يتأبد وقد كذبهم الله في قولهم بتأبيد النفي ب لن بقوله وقالوا: يا مالك ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فهذا تمن للموت فلو اقتضت لن دوام
стр. 96
النفي تناقض الكلام كيف وهي مقرونة بالتأبيد بقوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ ولكن ذلك لا ينافي تمنيه في النار لأن التأبيد قد يراد به التأبيد المقيد والتأبيد المطلق فالمقيد كالتأبيد بمدة الحياة مقيد كقولك: والله لا أكلمه أبدا والمطلق كقولك والله لا أكفر بربي أبدا وإذا كان كذلك فالآية إنما اقتضت نفي تمني الموت أبد الحياة الدنيا ولم يتعرض للآخرة أصلا وذلك لأنهم لحبهم الحياة وكراهتهم للجزاء لا يتمنون وهذا منتف في الآخرة فهكذا ينبغي أن يفهم كلام الله لا كفهم المحرفين له عن مواضعه قال أبو القاسم السهيلي: على أني أقول إن العرب إنما تنفي ب لن ما كان ممكنا عند المخاطب مظنونا أنه سيكون فتقول له إن لن تكون لما ظن أنه يكون لأن لن فيها معنى أن وإذا كان الأمر عندهم على الشك لا على الظن كأنه يقول أيكون أم لا قلت في النفي لن يكون وهذا كله مقول لتركيبها من لا وإن وتبين لك وجه اختصاصها في القرآن الكريم بالمواضع التي وقعت فيها دون لا
فائدة: إذا الظرفية الشرطية قولهم
إذا أكرمك قال السهيلي: هي عندي إذا الظرفية الشرطية خلع منها معنى الاسمية كما فعلوا ذلك بإذ وبكاف الخطاب وبالضمائر المنفصلة وكذلك فعلوا ب إذا إلا أنهم زادوا فيها التنوين فذهبت الألف والقياس إذا وقفت عليها أن يرجع الألف لزوال العلة وإنما نونوها لما فصلوها عن الإضافة إذ التنوين علامة الانفصال كما فصلوها عن الإضافة إلى الجملة فيه فصار التنوين معاقبا للجملة إلا أن إذ في ذلك الموضع لم تخرج عن الاسمية في نحو قوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ جعلها سيبويه هاهنا حرفا بمنزلة إن فإن قيل: ليس شيء من هذه الأشياء التي صيرت حروفا بعد أن كانت اسما إلا وقد بقي فيها معنى من معانيها كما بقي في كاف الخطاب معنى الخطاب وفي على معنى الاستعلاء فما بقي في إذا من معانيها في حال الاسمية
стр. 97
الجواب أنك إذا قلت سأفعل كذا إذا خرج زيد ففعلك مرتبط بالخروج مشروط به وكذلك إذا قال لك القائل قد أكرمتك فقلت إذا أحسن إليك ربطت إحسانك بإكرامه وجعلته جزاء له فقد بقي فيها طرف من معنى الجزاء وهي حرف كما كان فيها معنى الجزاء وهو اسم وأما إذ من قوله إذ ظلمتم ففيها معنى الاقتران بين الفعلين كما كان فيها ذلك في حال الظرفية تقول: لأضربن زيدا إذ شتمني فهي وإن لم تكن ظرفا ففيها معنى الظرف كأنك تنهه على أنك تجازيه على ما كان منه وقت الشتم فإن لم يكن الضرب واقعا في حال الشتم فله رد إليه وتنبيه عليه فقد لاح لك قرب ما بينها وبين أن التي هي للمفعول من أجله ولذلك شبهها سيبويه بها في شواذ كتابه وعجبا للفارسي: حيث غاب ذلك عنه وجعلها ظرفا ثم تحيل في إيقاع الفعل الذي هو النفع فيها وسوقه إليها وأما إذا فإذا كانت منونة فإنها لا تكون إلا مضافا إلى ما قبلها ليعتمد على الظرف المضاف إليها فلا يزول عنها معنى الظرفية كما زال عن أختها حين نونوها وفصلوها عن الفعل الذي كانت تضاف إليه والأصل في هذا أن إذ وإذا في غاية من الإبهام والبعد عن شبه الأسماء والقرب من الحروف لعدم الاشتقاق وقلة حروف اللفظ وعدم التمكن وغير ذلك فلولا إضافتها إلى الفعل الذي يبنى للزمان ويفتقر إلى الظروف لما عرف فيها معنى الاسم أبدا إذ لا تدل واحدة منهما على معنى في نفسها إنما جاءت لمعنى في غيرها فإذا قطعت عن ذلك المعنى تمخض معنى الحرف فيها إلا أن إذ لما ذكرنا من إضافة ما قبلها من الظرف إليها لم يفارقها معنى الاسم وليست الإضافة إليها في الحقيقة ولكن إلى الجملة التي عاقبها التنوين وأما إذا فلما لم يكن فيها بعد فصلها عن الإضافة ما يعضد معنى الاسمية فيها صارت حرفا لقربها من حروف الشرط في المعنى ولما صارت حرفا مختصا بالفعل مخلصا له للاستقبال لسائر النواصب للأفعال نصبوا الفعل بعده إذ ليس واقعا موقع الاسم فيستحق الرفع ولا غير واجب فيستحق الجزم فلم يبق إلا النصب ولما لم يكن العمل فيها أصليا لم تقو قوة إخوتها فألغيت تارة وأعملت أخرى وضعفت عن عوامل الأفعال فإن قيل فهلا فعلوا بها ما فعلوا ب إذ حين نونوها وحذفوا الجملة بعدها فيضيفوا
стр. 98
إليها ظروف الزمان كما يضيفونها إلى إذ في نحو يومئذ لأن الإضافة في المعنى إلى الجملة التي عاقبتها التنوين فالجواب أن إذ قد استعملت مضافة إلى الفعل في المعنى على وجه الحكاية للحال كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ ولم يستعملوا إذا مضافة إلى الماضي بوجه ولا على الحال فلذلك استغنوا بإضافة الظروف إلى إذ وهم يريدون الجملة بعدها عن إضافتها إلى إذا مع أن إذ في الأصل حرفان وإذا ثلاثة أحرف فكان ما هو أقل حروفا في اللفظ أولى بالزيادة فيه وإضافة الأوقات إليه زيادة فيه لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد وأقوى من هذا أن إذا فيها معنى الجزاء وليس في إذ منه رائحته فامتنع إضافة ظرف الزمان إلى إذا لأن ذلك يبطل ما فيها من معنى الجزاء لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد فلو أضيف إليه والحين إليهما لغلب عليهما حكمه لضعفهما عن درجة حرف الجزاء فتأمله
فائدة: بديعة لام كي ولام الجحود
لام كي والجحود حرفان ماضيان بإضمار أن إلا أن لام كي هي لام العلة فلا يقع فيها إلا فعل يكون علة لما بعدها فإن كان ذلك الفعل منفيا لم يخرجها عن أن تكون لام كي كما ذهب إليه الصيمري لأن معنى العلة فيها باق وإنما الفرق بين لام الجحود ولام كي وذلك من ستة أوجه أحدها: أن لام الجحود يكون قبلها كون منفي بشرط المضي إما ما كان أو لم يكن لا مستقبلا فلا تقول ما أكون لأزورك وتكون زمانية ناقصة لا تامة ولا يقع بعد اسمها ظرف ولا مجرور لا تقول ما كان زيد عندك ليذهب ولا أمس ليخرج فهذه أربعة فروق والذي يكشف لك قناع المعنى ويهجم بك على الغرض أن كان الزمانية عبارة عن زمان ماض فلا يكون علة لحادث ولا يتعدى إلى المفعول من أجله ولا إلى الحال وظروف
стр. 99
المكان وفي تعديها إلى ظرف الزمان نظر وهذا الذي منعها أن تقع قبلها لام العلة أو يقع بعدها المجرور أو الظرف وأما الفرق الخامس بين اللامين فهو أن الفعل بعد لام الجحود لا يكون فاعله إلا عائدا على اسم كان لأن الفعل بعدها في موضع الخبر فلا تقول ما كان زيد ليذهب عمرو كما تقول يا زيد ليذهب عمرو أو لتذهب أنت ولكن تقول ما كان ليذهب وما كنت لأفعل والفرق السادس جواز إظهار أن بعد لام كي ولا يجوز إظهارها بعد لام الجحود لأنها جرت في كلامهم نفيا للفعل المستقبل بالسين أو سوف فصارت لام الجحود بإزائها فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدها وفي هذه النكتة مطلع على فوائد من كتاب الله ومرقاة إلى تدبره كقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ فجاء بلام الجحود حيث كان نفيا لأمر متوقع وسبب مخوف في المستقبل ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي وقوع العذاب بالمستغفرين على العموم في الأقوال لا يخص مضيا من استقبال ومثله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾ ثم قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى﴾ فلاحظ هذه الآية من مطلع الأخرى تجدها كذلك لام العاقبة أو لام الصيرورة وأما لام العاقبة ويسمونها لام الصيرورة في نحو: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً﴾ فهي في الحقيقة لام كي ولكنها تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة وهو الله أي فعل الله تعالى ذلك ليكون كذا وكذا وكذلك قولهم أعتق ليموت لم يعتق لقصد الموت ولم تتعلق اللام بالفعل وإنما المعنى قدر الله أنه يعتق ليموت فهي متعلقة بالمقدور وفعل الله ونظيره إني: "أنسى لا سن" ومن رواه أنسي بالتشديد فقد كشف قناع المعنى وسمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: يستحيل دخول لام العاقبة في فعل الله فإنها حيث وردت في الكلام فهي لجهل الفاعل لعاقبة فعله كالتقاط آل فرعون لموسى فإنهم لم يعلموا عاقبته أو لعجز الفاعل عن دفع العاقبة نحو لدوا للموت وابنوا للخراب فأما في فعل من لا يعزب عنه مثقال ذرة ومن هو على كل شيء قدير
стр. 100
فلا يكون قط إلا لام كي وهي لام التعليل ولمثل هذه الفوائد التي لا تكاد توجد في الكتب يحتاج إلى مجالسة الشيوخ والعلماء
فائدة: نفي الماضي ونفي المستقبل
كما أن لن لنفي المستقبل كان الأصل أن تكون لا لنفي الماضي وقد استعملت فيه نحو: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ ونحو وأي عبد لك لا ألما ولكن عدلوا في الأكثر إلى نفي الماضي ب لم لوجوه منها أنهم خصوا المستقبل بلن فأرادوا أن يخصوا الماضي بحرف ولا لا تخص ماضيا من مستقبل ولا فعلا من اسم فخصوا نفي الماضي ب لم ومنها أن لا يتوهم انفصالها مما بعدها إذ قد تكون نافية لما قبلها ويكون ما بعدها في حكم الوجوب مثل لا أقسم حتى لقد قيل في قول عمر: لا نقضي ما تجانفنا لإثم إن لا رد لما قبلها ونقضي واجب لا منفي وقال بعض الناس في قوله ﷺ : "لا ترآى ناراهما " صحيح أن لا رد وما بعدها واجب وهذا خطأ في الأثرين وتلبيس لا يجوز حمل النصوص عليه وكذلك: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أيضا بل القول فيها أحد قولين إما أن يقال هي للقسم وهو ضعيف وإما أن يقال أقحمت أول القسم إيذانا بنفي القسم عليه وتوكيدا لنفيه كقول الصديق: "لاها الله تعمد إلى أسد من أسد الله" الحديث ومما يدل على حرصهم على إيصال حرف النفي بما بعده قطعا لهذا التوهم إنما قلبوا لفظ الفعل الماضي بعد لم إلى لفظ المضارع حرصا على الاتصال وصرفا للوهم عن ملاحظة الانفصال فإن قيل: وأي شيء في لفظ المضارع مما يؤكد هذا المعنى أو ليسا سواء هو والماضي قلبا لا سواء فاعلم أن الأفعال مضارعة للحروف من حيث كانت عوامل في الأسماء ك هي ومن هناك استحقت البناء وحق العامل أن لا يكون مهيئا لدخول عامل آخر عليه قطعا للتسلسل الباطن
стр. 101
والفعل الماضي بهذه الصورة وهو على أصله من البناء ومضارعة الحروف العوامل في الأسماء فليس يذهب الوهم عند النطق به إلا إلى انقطاعه عما قبله إلا بدليل يربطه وقرينة تجمعه إليه ولا يكون في موضع الحال البتة إلا مصاحبا لقيد ليجعل هذا الفعل في موضع الحال فإن قلت: فقد يكون في موضع الصفتين النكرة نحو مررت برجل ذهب قبل افتقار النكرة إلى الوصف وفرط احتياجها إلى التخصيص تكملة لفائدة الخبر هو الرابط بين الفعل وبينها بخلاف الحال فإنها تجيء بعد استغناء الكلام وتمامه وأما كونه خبرا للمبتدأ فلشدة احتياج المبتدأ إلى خبره جاز ذلك حتى أنك إذا أدخلت أن على المبتدأ بطل أن يكون الماضي في موضع الخبر إذ قد كان في خبرها اللام لما في الكلام من معنى الابتداء والاستئناف لما بعدها فاجتمع ذلك مع صيغة الماضي وتعاونا على منع الفعل الماضي من أن يكون خبرا لما قبلها وليس ذلك في المضارع وليس المضارع كالماضي لأن مضارعته للاسم هيأته لدخول العوامل عليه والتصرف بوجوه الإعراب كالاسم وأخرجته عن شبه العوامل التي لها صدر الكلام وصيرته كالأسماء المعمول فيها فوقع موقع الحال والوصف وموقع خبر المبتدأ وإن لم يقطعه دخول اللام عن أن يكون خبرا في باب إن كما قطع الماضي من حيث كانت صيغة الماضي لها صدر الكلام كما تقدم فإن قيل: فما وجه مضارعة الفعل المستقبل والحال قبل دخول الزوائد ملحقة بالحروف الأصلية متضمنة لمعاني الأسماء كالمتكلم والمخاطب فما تضمن معنى الاسم أعرب كما بني من الأسماء ما تضمن معنى الحرف ومع هذا فإن الأصل في دخول الزوائد شبه الأسماء وصلح فيها من الوجوه ما لا يصلح في الماضي
стр. 102
فائدة: بديعة لام الأمر ولا الناهية
لام الأمر ولا في النهي وحروف المجازاة داخلة على المستقبل فحقها أن لا يقع بعدها لفظ الماضي ثم لم يوجد ذلك إلا لحكمة أما حرف النهي فلا يكون فيه ذلك كي لا يلتبس بالنفس لعدم الجزم ولكن إذا كانت لا في معنى الدعاء جاز وقوع الفعل بعدها بلفظ: الماضي ثم قد يوجد بعد ذلك لوجوه منها أنهم أرادوا أن يجمعوا التفاؤل مع الدعاء في لفظ واحد فجاءوا بلفظ الفعل الحاصل في معرض الدعاء تفاؤلا بالإجابة فقالوا: لا خيبك الله وأيضا فالداعي قد تضمن دعاؤه القصد إلى إعلام السامع وإخبار المخاطب بأنه داع فجاءوا بلفظ الخبر إشعارا بما تضمنه من معنى الإخبار نحو أعزك الله وأكرمك ولا رحم فلانا جمعت بين الدعاء والإخبار فإنك داع ويوضح ذلك أنك لا تقول هذا في حال مناجاتك الله تعالى ودعائك لنفسك لا تقول رحمتني رب ورزقتني وغفرت لي كما تقول للمخاطب رحمك الله ورزقك وغفر لك إذ لا أحد في حال مناجاتك يقصد إخباره وإعلامه وإنما أنت داع وسائل محض فإن قيل: وكيف لم يخافوا اللبس كما خافوه في النهي قلنا للدعاء هيبة ترفع الالتباس وذكر الله مع الفعل ليس بمنزلة ذكر الناس فتأمله فإنه بديع في النظر والقياس فقد جاءت أشياء بلفظ الخبر وهي في معنى الأمر والنهي منها قول عمر صلى رجل في كذا وكذا من اللباس وقولهم أنجز حر ما وعد وقولهم اتقى الله امرؤ وهو كثير فجاء بلفظ الخبر الحاصل تحقيقا لثبوته وأنه مما ينبغي أن يكون واقعا ولا بد فلا يطلب من المخاطب إيجاده بل يخبر عنه به ليحققه خبرا صرفا كالإخبار عن سائر الموجودات وفيه طريقة أخرى وهي أفقه معنى من هذه وهو أن هذا إخبار محض عن وجوب ذلك واستقرار حسنه في العقل والشريعة والفطرة وكأنهم يريدون بقولهم: أنجز حر ما وعد أي ثبت ذلك في المروءة
стр. 103
واستقر في الفطرة وقول عمر: "صلى رجل في إزار ورداء" الحديث رواه البخاري أي هذا مما وجب في الديانة وظهر وتحقق من الشريعة فالإشارة إلى هذه المعاني حسنت صرفه إلى صورة الخبر وإن كان أمرا زائدا لا يكاد يجيء الاسم بعده إلا نكرة لعموم هذا الحكم وشيوع النكرة في جنسها فلو جعلت مكان النكرة في هذه الأفعال أسماء معرفة تمخض فيها معنى الخبر وزال معنى الأمر فقلت اتقى الله زيد وأنجز عمر وما وعد فصار خبرا لا أمرا وهذا هو موضع المسألة المشهورة: "وهي مجيء الخبر بمعنى الأمر" مجيء الخبر بمعنى الأمر في القرآن في نحو قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ونظائره فمن سلك المسلك الأول جعله خبرا بمعنى الأمر ومن سلك المسلك الثاني قال بل هو خبر حقيقة غير مصروف من جهة الخبرية ولكن هو خبر عن حكم الله وشرعه ودينه ليس خبرا عن الواقع ليلزم ما ذكروه من الإشكال وهو احتمال عدم وقوع مخبره فإن هذا إنما يلزم من الخبر عن الواقع وأما الخبر عن الحكم والشرع فهو حق مطابق لمخبره لا يقع خلافه أصلا وضد هذا مجيء الأمر بمعنى الخبر نحو قوله: " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " رواه البخاري وأبو داود وابن ماجة فإن هذا صورته صورة الأمر ومعناه معنى الخبر المحض أي من كان لا يستحيي فإنه يصنع ما يشتهي ولكنه صرف عن جهة الخبرية إلى صورة الأمر لفائدة بديعة وهي أن العبد له من حيائه آمر يأمره بالحسن وزاجر يزجره عن القبيح ومن لم يكن من نفسه هذا الأمر لم تنفعه الأوامر وهذا هو واعظ الله في قلب العبد المؤمن الذي أشار إليه النبي ﷺ ولا تنفع المواعظ الخارجة إن لم تصادف هذا الواعظ الباطن فمن لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ فإذا فقد هذا الأمر الناهي بفقد الحياء فهو مطيع لا محالة لداعي الغي والشهوة طاعة لا انفكاك له منها فنزل منزلة المأمور وكأنه يقول إذا لم تأتمر لأمر الحياء فأنت مؤتمر لأمر الغي والسفه وأنت مطيعه لا محالة وصانع ما شئت لا محالة فأتى بصيغة الأمر تنبيها على هذا المعنى ولو أنه عدل عنها إلى صيغة الخبر المحض فقيل: إذا لم تستح صنعت ما شئت لم يفهم منها هذا المعنى اللطيف فتأمله وإياك والوقوف مع كثافة الذهن وغلظ الطباع فإنها تدعوك إلى إنكار هذه اللطائف وأمثالها فلا تأتمر لها وأما
стр. 104
وقوع الفعل المستقبل بلفظ الأمر أما وقوع الفعل المستقبل بلفظ الأمر في باب الشرط نحو قم أكرمك أي إن تقم أكرمك فقيل حكمته أن صيغة الأمر تدل على الاستقبال فعدلوا إليها إيثارا للخفة وليست هذه العلة مطردة فإن الأفعال المختصة بالمستقبل لا يحسن إقامة لفظ الأمر مقام أكثرها نحو: سيقوم وسوف يقوم ولن تقوم وأريد أن يقوم ولكن أحسن ما ذكروه أن يقال في قوله: قم أكرمك فائدتان ومطلوبان: أحدهما: جعل القياس سببا للإكرام ومقتضيا له اقتضاء الأسباب لمسبباتها والثاني: كونه مطلوبا للآمر مرادا له وهذه الفائدة لا يدل عليها الفعل المستقبل فعدل عنه إلى لفظ الأمر تحقيقا له وهذا واضح جدا وقوع المستقبل بلفظ الماضي وأما وقوع المستقبل بعد حرف الجزاء بلفظ الماضي فقد علل بنحو هذه العلة وأن الإرادة لا تدل على الاستقبال فعدلوا إلى الماضي لأنه أخف وهي أيضا غير مطردة ولا مستقلة ولو لم ينقض عليهم إلا بسائر الأدوات التي لا يكون الفعل بعدها إلا مستقبلا ومع ذلك لا يقع بلفظ الماضي وأحسن مما ذكروه أن يقال عدل عن المستقبل هنا إلى صيغة الماضي إشارة إلى نكتة بديعة وهي تنزيل الشرط بالنسبة إلى الجزاء منزلة الفعل الماضي فإن الشرط لا يكون سابقا للجزاء متقدما عليه فهو ماض بالإضافة إليه ألا ترى أنك إذا قلت إن اتقيت الله أدخلك جنته فلا يكون إلا سابقا على دخول الجنة فهو ماض بالإضافة إلى الجزاء فأتوا بلفظ الماضي تأكيدا للجزاء وتحقيقا لأن الثاني لا يقع إلا بعد تحقق الأول ودخوله في الوجود وأنه لا يكتفي فيه بمجرد العزم وتوطين النفس عليه الذي في المستقبل بل لا سبيل إلى نيل الجزاء إلا بتقدم الشرط عليه وسبقه له فأتى الماضي لهذه النكتة البديعة مع أمنهم اللبس بتحصين أداة الشرط لمعنى الاستقبال فيهما يبقى أن يقال: فهذا تقرير حسن في فعل الشرط فما الذي حسن وقوع الجزاء المستقبل من كل وجه بلفظ الماضي إذا قلت إن قمت قيل: هذا سؤال حسن وجوابه أنهم أبرموا تلك الفائدة في فعل الشرط قصدوا معها تحسين اللفظ مشاكلة أوله لآخره وازدواجه واعتدال أجزائه فأتوا بالجزاء ماضيا لهذه الحكمة فإن لفظتي الشرط
стр. 105
والجزاء كالأخوين الشقيقين وأنت تراهم يغيرون اللفظ عن جهته وما يستحقه لأجل المعادلة والمشاكلة فيقولون أتيته بالغدايا والعشايا ومأزورات غير مأجورات ونظائره ألا ترى كيف حسن إن تزرني أزرك وإن زرتني زرتك وقبح إن تزرني زرتك وتوسط إن زرتني أزرك فحسن الأولان للمشاكلة وقبح الثالث للمنافرة حتى منع منه أكثر النحاة وأجاز جماعة منهم أبو عبد الله بن مالك وغيره وهو الصواب لكثرة شواهده وصحة قياسه على الصورة الواقعة وادعى أنه أولى منها قال لأن المستقبل في هذا الباب هو الأصل والماضي فرع عليه فإذا أجزتم أن يكون الماضي أولا والمستقبل بعده فجواز الإتيان بالمستقبل الذي هو الأصل أولا والماضي بعده أولى والتقرير الذي قدمناه من كون الشرط سابقا على الجزاء فهو ماض بالنسبة إليه يدل على ترجيح قولهم وإن زرتني أزرك أولى بالجواز من إن تزرني زرتك والتقرير الذي قرره من جواز المستقبل هو الأصل في هذا الباب والماضي دخيل عليه فإذا قدم الأصل كان أولى بالجواز ترجح ما ذكره فالترجيحان حق ولا فرق بين الصورتين وكلاهما جائز هذا هو الإنصاف في المسألة والله أعلم ولكن هنا دقيقة تشير إلى ترجيح قول الجماعة وهي أن الفعل الواقع بعد حرف الشرط تارة يكون القصد إليه والاعتماد عليه فيكون هو مطلوب المعلق وجعل الجزاء باعثا ووسيلة إلى تحصيله وفي هذا الموضع يتأكد أو يتعين الإتيان فيه بلفظ المضارع الدال على أن المقصود منه أن يأتي به فيوقعه وظهور القصد المعنوي إليه أوجب تأثير العمل اللفظي فيه ليطابق المعنى اللفظ فيجتمع التأثيران اللفظي والمعنوي والذي يدل على هذا أنهم قلبوا لفظ الفعل الماضي إلى المستقبل في الشرط لهذا المعنى حتى يظهر تأثير الشرط فيه واقتضاؤه له وإذا كان الكلام معتمدا على الجزاء والقصد إليه والشرط جعل تابعا ووسيلة إليه كان الإتيان فيه بلفظ: الماضي حسنا أو أحسن من المستقبل فزن بهذه القاعدة ما يرد عليك من هذا الباب فمنه قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾
стр. 106
فانظر كيف جعل فعل الشرط ماضيا والجزاء مستقبلا لأن القصد كان إلى دخولهم المسجد الحرام وعنايتهم كلها مصروفة وهممهم معلقة به دون وقوع الأفعال بمشيئة الله تعالى فإنهم لم يكونوا يشكون في ذلك ولا يرتابون وأكد هذا المعنى تقديم الجزاء على الشرط وهو إما نفس الجزاء على أصح القولين دليلا كما تقدم تقريره وإما دال على الجزاء وهو محذوف مقدر تأخيره وعلى القولين فتقدم الجزاء أو تقديم ما يدل عليه اعتناء بأمره وتجريدا للقصد إليه ويدل عليه أيضا تأكيده باللام المؤذنة بالقسم المضمر كأنه قيل والله لتدخلن المسجد الحرام فهذا كله يدلك على أنه هو المقصود المعنى به ومثل هذا قوله تعال: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ ونحوه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ ومثله: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ وهذا أصل غير منخرم وفيه نكتة حسنة وهي اعتماد الكلام في هذا النوع على القسم كما رأيت فحسن الإتيان بلفظ الماضي إذ القسم أولى به لتحققه ولا يكون الإلغاء مستشنعا فيه لأنه مبني ولما كان الفعل بعد حرف الجزاء يقع بلفظ الماضي لما ذكرناه من الفائدة حسن وقوع المستقبل المنفي بلم بعدها نحو: وإن لم تنتهوا وهما جازمتان ولا يجتمع جازمان كما لا يجتمع في شيء من الكلام عاملان من جنس واحد ولكن لما كان الفعل بعدها ماضيا في المعنى وكانت متصلة به حتى كأن صيغته صيغة الماضي لقوة الدلالة عليه بلم جاز وقوعه بعد إن وكان العمل والجزم لحرف لم لأنها أقرب إلى الفعل وألصق به وكان المعنى في الاستقبال لحرف أن لأنها أولى وأسبق فكان اعتبارها في المعنى واعتبار لم في الجزم ولا ينكر إلغاء أن هنا لأن ما بعدها في حكم صيغة الفعل الماضي كما لا ينكر إلغاؤها قبله وقد أجازوا في إن النافية من وقوع المستقبل بعدها بلفظ الماضي ما أجازوا في إن التي للشرط كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ﴾ ولو جعلت مكان إن هاهنا غيرها من حروف النفي لم يحسن فيه مثل هذا لأن الشرطية أصل للنافية كأن المجتهد في النفي إذا أراد توكيده يقول إن كان
стр. 107
كذا وكذا فعلي كذا أو فأنا كذا ثم كثر هذا في كلامهم حتى حذف الجواب وفهم القصد فدخلت إن في باب النفي والأصل ما ذكرناه والله أعلم
فائدة بديعة
في ذكر المفرد والجمع وأسباب اختلاف العلامات الدالة على الجمع واختصاص كل محل بعلامته ووقوع المفرد موقع الجملة وعكسه وأين يحسن مراعاة الأصل وأين يحسن العدول عنه وهذا فصل نافع جدا يطلعك على سر هذه اللغة العظيمة القدر المفضلة على سائر لغات الأمم الأصل في الأسماء هو المفرد اعلم أن الأصل هو المعنى المفرد وأن يكون اللفظ الدال عليه مفردا لأن اللفظ قالب المعنى ولباسه يحتذي حذوه والمناسبة الحقيقية معتبرة بين اللفظ والمعنى طولا وقصرا وخفة وثقلا وكثرة وقلة وحركة وسكونا وشدة ولينا فإن كان المعنى مفردا أفردوا لفظه وإن كان مركبا ركبوا اللفظ وإن كان طويلا طولوه كالقطنط والعشنق للطويل فانظر إلى طول هذا اللفظ لطول معناه وانظر إلى لفظ بحتر وما فيه من الضم والاجتماع لما كان مسماه القصير المجتمع الخلق وكذلك لفظة الحديد والحجر والشدة والقوة ونحوها تجد في ألفاظها ما يناسب مسمياتها وكذلك لفظا الحركة والسكون مناسبتهما لمسمياتهما معلوم بالحس وكذلك لفظ الدوران والنزوان والغليان وبابه في لفظها من تتابع الحركة ما يدل على تتابع حركة مسماها وكذلك الدجال والجراح والضراب والأفاك في تكرر الحرف المضاعف منها ما يدل على تكرر المعنى وكذلك الغضبان والظمآن والحيران وبابه صيغ على هذا البناء الذي يتسع النطق به ويمتلئ الفم بلفظه لامتلاء حامله من هذه المعاني فكان الغضبان هو الممتلئ غضبا الذي قد اتسع غضبه حتى ملأ قلبه وجوارحه وكذلك بقيتها ولا يتسع المقام لبسط هذا فإنه يطول ويدق جدا حتى تسكع عنه أكثر الأفهام وتنبو عنه للطافته فإنه ينشأ
стр. 108
من جوهر الحرف تارة وتارة من صفته ومن اقترانه بما يناسبه ومن تكرره ومن حركته وسكونه ومن تقديمه وتأخره ومن إثباته وحذفه ومن قلبه وإعلاله إلى غير ذلك من الموازنة بين الحركات وتعديل الحروف وتوخي المشاكلة والمخالفة والخفة والثقل والفصل والوصل وهذا باب يقوم من تتبعه سفر ضخم وعسى الله أن يساعد على إبرازه بحوله وقوته ورأيت لشيخنا أبي العباس بن تيمية فيه فهما عجيبا كان إذا انبعث فيه أتى بكل غريبة ولكن كان حاله فيه كما كان كثيرا يتمثل:
تألق البرق نجديا فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول
ولنذكر من هذا الباب حال اللفظ في إفراده وتغييره عند زيادة معناه بالتثنية والجمع دون سائر مغيراته فنقول لما كان المفرد هو الأصل والتثنية والجمع تابعان له جعل لهما في الاسم علامة تدل عليهما وجعلت آخره قضاء لحق الأصالة فيه والتبعية فيهما والفرعية فالتزموا هذا في التثنية ولم ينخرم عليهم وأما الجمع فإنهم ذهبوا به كل مذهب وصرفوه كل مصرف فمرة جعلوه على حد التثنية وهو قياس الباب كالتثنية والنسب والتأنيث وغيرها وتارة اجتلبوا له علامة في وسطه كالألف في جعافر والياء في عبيد والواو في فلوس وتارة جعلوا اختصار بعض حروفه وإسقاطها علامة عليه نحو: عنكبوت وعناكب فإنه لما ثقل عليهم المفرد وطالت حروفه وازداد ثقلا بالجمع خففوه بحذف بعض حروفه لئلا يجمعوا بين ثقلين ولا يناقض هذا ما أصلوه من طول اللفظ لطول المعنى وقصره لقصره فإن هذا باب آخر من المعادلة والموازنة عارض ذلك الأصل ومنع من طرده ومنهم جمعهم فعيل وفعول وفعال على فعل كرغيف وعمود وقذال على رغف وعمد وقذل لثقل المفرد بالمدة فإن كان في واحده ياء التأنيث فإنها تحذف في الجمع فكرهوا أن يحذفوا المدة فيجمعوا عليه بين نقيضين فقلبوا المدة ولم يحذفوها كرسالة ورسائل وصحيفة وصحائف فجبروا النقص بالفرق لا أنهم تناقضوا
стр. 109
وتارة يقتصرون على تغيير بعض حركاته فيجعلونها علامة لجمعه كفلك وفللك وعبد وتارة يجتلبون له لفظا مستقلا من غير لفظ واحدة كخيل وأيم وقوم ورهط ونحوه وتارة يجعلون العلامة في التقدير والنية لا في اللفظ كفلك للواحد والجمع فإن ضمة الواحد في النية كضمة قفل وضمة الجمع كضمة رسل وكذلك هجان ودلاص وأسمال وأعشار مع أن غالب هذا الباب إنما يأتي في الباب لحصول التمييز والعلامة بموصوفاتها فلا يقع لبس ولا يكاد يجيء في غير الصفات إلا نادرا جدا ومع هذا فلا بد أن يكون لمفرده لفظ يغاير جمعه ويكون فيه لغتان لأنهم علموا أنه يثقل عليهم أما في الجر والنصب فلتوالي الكسرات وأما في الرفع فيثقل الخروج من الكسرة إلى الضمة فعدلوا إلى جمع تكسيره ولا يرد هذا عليهم في راحمين وراحمون لفصل الألف الساكنة ومنعها من توالي الحركات فهو كمسلمين وقائمين وكذلك عدلوا عن جمع فعل المضاعف من صفات العقلاء كفظ وبر فلم يجمعوه جمع سلامة ويقولون برون وفظون لئلا يشتبه بكلوب وسفود لأنه برائين فكسروه وقالوا أبرار فلما جاءوا إلى غير المضاعف كصعب جمعوه جمع تصحيح ولم يخافوا التباسا إذ ليس في الكلام فعلول وصعبون فتأمل هذا التفريق وهذا التصور الدال على أن أذهانهم قد فاقت أذهان الأمم كما فاقت لغتهم لغاتهم وتأمل كيف لم يجمعوا شاعرا جمع سلامة مع استيفائه وشروطه بل كسروه فقالوا: شعراء إيذانا منهم بأن واحده على زنة فعيل فجمعوه كرحيم ورحماء لما كان مقصودهم المبالغة في وصفهم بالشعور ثم انظر كيف لم ينطقوا بهذا الوجه المقدر كراهية منهم لمجيئه بلفظ شعير وهو الحب المعروف فأتوا بفاعل ولما لم يكن هذا المانع في الجمع قالوا شعرا فأما التثنية فإنهم ألزموها حالا واحدا فالتزموا فيها لفظ المفرد ثم زادوا عليه علامة التثنية وقد قدمنا أن ألف التثنية في الأسماء أصلها ألف الإثنين في فعلا وذكرنا الدليل على ذلك فجاءت الألف في التثنية في الأسماء كما كانت في فعلا علامة
стр. 110
الإثنين وكذلك الواو في جمع المذكر السالم علامة الجمع نظير واو فعلوا وتقدم أنك لا تجد الواو علامة للرفع في جميع الأسماء إلا في الأسماء المشتقة من الأفعال أو ما هو في حكمها ولما كانت الألف علامة الإثنين في ضمير من يعقل وغيره كانت علامة التثنية في العاقل وغيره وكانت الألف أولى بضمير الإثنين لقرب التثنية من الواحد وأرادوا أن لا يغيروا الفعل عن البناء على الفتح في الإثنين كما كان ذلك في الواحد للقرب المذكور ولما كانت الواو ضمير العاقلين خاصة في فعلوا خصوها بجمع العقلاء في نحو هم مسلمون وقائمون ولما كان في الواو من الضم والجمع ما ليس في غيرها خصوها بالدلالة على الجمع دون الألف وسر المسألة أنك إذا جمعت وكان القصد إلى تعيين آحاد الجموع وأنت معتمد الإخبار عن كل واحد منهم وسلم لفظ بناء الواحد في الجمع كما سلم معناه في القصد إليه فقلت: فعلوا وهم فاعلون وأكثر ما يكون هذا فيمن يعقل لأن جميع ما لا يعقل من الأجناس يجري مجرى الأسماء المؤنثة المفردة كالثلة والأمة والجملة فلذلك تقول الثياب بيعت وذهبت ولا تقول بيعوا وذهبوا لأنك تشير إلى الجملة من غير تعيين آحادها هذا هو الغالب فيما لا يعقل إلا ما أجرى مجرى العاقل وجاءت جموع التكسير معتبرا فيها بناء الواحد جارية في الإعراب مجراه حيث ضعف الإعتماد على كل واحد بعينه وصار الخبر كأنه عن الجنس الكبير الجاري في لفظه مجرى الواحد وكذلك جمعوا ما قل عدده من المؤنث جمع السلامة وإن كان ما لا يعقل نحو الثمرات والسمرات إلا أنهم لم يجعلوا المذكر منه وإن قل عدده إلا جمع تكسير لأنهم في المؤنث لم يزيدوا غير ألف فرقا بينه وبين الواحد وأما التاء فقد كانت موجودة في الواحدة وفي وصفها وإن كثر جمعوه جمع تكسير كالمذكر فإذا كانوا في الجمع القليل يسلمون لفظ الواحد من أجل الإعتماد في إسناد الخبر على إفراده فما ظنك به في الإثنين إذا ساغ لهم ذلك في الجمع الذي هو على حدها لقربه منها فلهذا لا تجد التثنية في العاقل وغيره إلا على حد واحد وكذلك ضمير الإثنين في الفعل تثنية الأسماء
следующие страницы →