← Джавами‘

Джавами‘ · id 12003

بدائع الفوائد - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Полный текст (992 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فائدة: الحكمة في علامة التصغير جعلت علامة التصغير ضم أوله وفتح ثانيه وحكمة ذلك والله أعلم ما أشار إليه السهيلي فقال التصغير تقليل أجزاء المصغر والجمع مقابلة وقد زيد في الجمع ألف ثالثة كفعالل فزيد في مقابلته ياء ثالثة ولم يكن آخرا كعلامة التأنيث لأن الزيادة في اللفظ على حسب الزيادة في المعنى والصفة التي هي صغر الجسم لا تختص بجزء منه دون جزء بخلاف صفة التأنيث فإنها مختصة في جميع الحيوانات بطرف يقع به الفرق بين الذكر والأنثى وكانت العلامة في اللفظ المنبئة عن معنى المناسبة طرفا في اللفظ بخلاف الياء في التصغير فإنها منبئة عن صفة واقعة على جملة المصغر وكانت ياء لا ألفا لأن الألف قد اختصت بجمع التذكير وكانت به أولى كما كانت الفتحة التي هي أخفها بذلك أولى لأن الفتح ينبيء عن الكثرة ويشار به إلى السعة كما تجد الأخرس والأعجم بطبعه إذا أخبر عن شيء كثير فتح شفتيه وباعد ما بين يديه وإذا كان الفتح ينبيء عن السعة والضم الذي هو ضده ينبيء عن القلة والحقارة كما تجد المقلل للشيء يشير إليه بضم يد أو فم كما فعل رسول الله حين ذكر ساعة الجمعة وأشار بيده يقللها رواه البخاري ومسلم فإنه جمع أصابعه وضمها ولم يفتحها وأما الواو فلا معنى لها في التصغير لوجهين أحدهما دخولها في ضرب من الجموع نحو المفعول فلم يكونوا يجعلونها علامة في التصغير فيلتبس التقليل بالتكثير والثاني أنه لا بد من كسر ما بعد علامة التصغير إذا لم يكن حرف إعراب كما كسر ما بعد علامة التكسير في مفاعل ليتقابل اللفظان وإن تضادا كما قابلوا علم بجهل وروى بعطش ووضع فهو وضيع وشرف فهو شريف فلم يمكن إدخال الواو لئلا يخرجوا منها إلى كسرة واستبقيت الألف لأجل أصل الجمع لها وبقيت الياء وفتح ما قبلها لأجل ضم أول الكلمة لئلا يخرج من ضم إلى كسر

стр. 37

فائدة: تنوع الأفعال. الأفعال واجب وممكن ومنفي أو في حكمه فالرفع للواجب والنصب للمكن والجزم الذي هو عدم الحركة للمنفي أو ما في حكمه هذا هو الأصل وقد يخالف وإن شئت قلت الأفعال ثلاثة أقسام واقع موقع الاسم فله الرفع نحو هل تضرب واقع موقع ضارب وفعل في تأويل الاسم فله النصب نحو أريد أن تقوم أي قيامك وفعل لا واقع موقع اسم ولا في تأويله فله الجزم نحو لم يقم. فائدة: إضافة ظروف الزمان للأحداث. إنما أضيف ظروف الزمان إلى الأحداث الواقعة فيها نحو يوم يقوم زيد لأنها أوقات لها وواقعة فيها فهي لاختصاصها بها أضيف إليها وهذا بخلاف ظروف المكان لأنها لا تختص بتلك الأحداث فإن اختصت غالبا حسنت الإضافة نحو هذا مكان يجلس القاضي ويكون بمنزلة يوم يجلس القاضي سواء وربما أضيفت أسماء الزمان إلى أحداث لا تقع فيها لاتصالها بها كقوله تعالى: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ فالليلة من ظروف الزمان وقد أضيف إلى الصيام وليس بواقع فيها فلما جاز في بعض الكلام أن يضاف الظرف إلى الاسم الذي هو الحدث وإن لم يكن واقعا فيه أضافوه إلى الفعل لفظا وهو مضاف إلى الحدث معنى وأقحم لفظ الفعل إقرارا للمعنى وتخصيصا للغرض ورفعا لشوائب الإحتمال حتى إذا سمع المخاطب قولك يوم قام زيد علم أنك تريد اليوم الذي قام فيه زيد ولو قلت مكان قولك ليلة الصيام ليلة صيام زيد ما كان له معنى إلا وقوع الصيام في الليل فهو الذي حملهم على إقحام لفظ الفعل عند إرادتهم إضافة الظروف إلى الأحداث وقس على ذلك المبتدأ والخبر وأما ريث فبمنزلة الظرف وقد صارت في

стр. 38

معناه وكذلك حيث وذي تسلم أن المعنى في قول بعضهم ذهب لوقت ذي تسلم أي سلامتك فلما حذفت المنعوت وأقمت النعت مقامه أضفته إلى ما كنت تضيف إلى المنعوت وهو الوقت قال السهيل: وهو عندي على الحكاية حكوا قول الداعي تسلم كما تعيش وتبقى فقولهم: إذهب بذي تسلم أي اذهب بهذا القول مني ولم يقولوا اذهب بتسلم لئلا يكون اقتصارا على دعوة واحدة ولكن قالوا بذي تسلم أي بقول يقال فيه تسلم يريدون هذا المعنى وحذفوا قول المنعوت بذي اكتفاء بدلالة الحال عليه وأما قوله بآية ما تحبون الطعام فالآية هي العلامة وهي هاهنا بمعنى الوقت لأن الوقت علامة للتوقيت والذي يجوز إضافته من ظروف الزمان إلى الفعل ما كان منها مفردا متمكنا جاز إضافته إليها وما كان مثنى كيومين ونحوه لم يضف إليها لأن الحدث إنما يقع مضافا لظرفه الذي هو وقت له فلا معنى لذكر وقت آخر وأيضا فالجملة المضاف إليها نعت للظرف في المعنى فقولك يوم قام زيد كقولك يوم قام زيد فيه في المعنى والفعل لا يدخله التثنية فلا يصح أن يضاف إليه الإثنان كما لا يصح أن ينعت الإثنان بالواحد وجه ثالث وهو أن قولك قام زيد يوما قام عمرو لم يصح إلا أن يكون جوابا ل متى واليومان جواب ل كم وما هو جواب ل كم لا يكون جوابا ل متى أصلا فإن أضفت اليومين إلى الفعل صرت مناقضا لجمعك بين الكمية وبين ما لا يكون إلا ل متى فأما الأيام فربما جاءت إضافتها مجموعة إلى الفعل لأنه قد يراد بها معنى الفرد كالشهر والأسبوع والحول وغيره وكذلك غير المتمكن ك قبل وبعد لا يضاف إلى الفعل لأنك لو أضفتها إليه لاقتضت إضافتها إليه ما يقتضيه قولك يوم قام زيد أي اليوم الذي قام فيه وذلك محال في قبل وبعد لأنه يؤول إلى إبطال معنى القبلية والبعدية وأما سحر يوم بعينه فيمتنع من إضافته إلى الفعل لما فيه من معنى اللام فقس على هذا فائدة الأسماء الخمسة قياس الأسماء الخمسة أن تكون مقصورة قال السهيلي: قياس الأسماء الخمسة أن تكون مقصورة لأن أصلها أبو أخو والواو إذا تحركت وانفتح ما قبلها تقلب ألفا تكون مقصورة كما هو

стр. 39

إحدى لغاتها ولكن هذه الأسماء حذفت أواخرها في حال الإفراد والانفصال عند الإضافة وقال لي بعض أشياخنا في بعلبك إن التنوين لما أوجب حذف الألف المنقلبة لالتقاء الساكنين حذفوها رأسا كما قيل: رأى الأمر يقضي إلى آخر ... فصير آخره أولا فإذا أضيف وزالت عند التنوين رجعت الحروف المحذوفة وكان الإعراب فيها مقدرا كما هو مقدر في الأسماء المقصورة. وقال بهذا بعض النحاة: قال: الأمر عندي علامات إعراب وليست حروف إعراب والمحذوف منها لا يعود إليها في الإضافة كما لا يعود المحذوف من يد ودم وبرهان ذلك أنك تقول أخي وأبي إذا أضفت إلى نفسك كما تقول يدي ودمي لأن حركات الإعراب لا تجتمع مع ياء المتكلم كما تجتمع معها واو الجمع فلو كانت الواو في أخوك حرف إعراب لقلت في الإضافة إلى نفسك هذا أخي كما تقول هؤلاء مسلمي فتدغم الواو في الياء لأنها حرف إعراب عند سيبويه وهي عند غيره علامة إعراب فإذا كانت واو الجمع تثبت مع ياء المتكلم وهي غير زائدة وهي عند غيره علامة إعراب فكيف يحذف لام الفعل وهو أحق بالثبات منها فقد وضح لك أنها ليست الحروف المحذوفة بل هي الأصلية إعراب الأسماء الخمسة بالحروف وإعلالها بالحذف فإن قيل: فلم أعربت بالحروف ولم أعلت بالحذف دون القلب خلافا لنظائرها مما علته كعلتها وهي الأسماء المقصورة قلنا في ذلك جواب لطيف وهو أن اللفظ جسد والمعنى روح فهو تبع له في صحته واعتلاله والزيادة فيه والنقصان منه كما أن الجسد مع الروح كذلك فجميع ما يعتري اللفظ من زيادة أو حذف فإنما يكون بحسب ما يكون في المعنى اللهم إلا أن يكثر استعمال كلمة فتحذف منها تخفيفا على اللسان لكثرة دورها فيه ولعلم المخاطب بمعناها كقولهم إيش في أي شيء وهذه الأسماء الخمسة مضافة إلى المعنى فإذا قطعت عن الإضافة وأفردت نقص المعنى فينقص اللفظ تبعا له مع أن أواخرها حروف علة فلا بد من تغييرها إما بقلب وإما بحذف وكان الحذف فيها أولى كما قدمنا وكان ينبغي على هذا أن يتم لفظها في حال الإضافة كما تم معناها إلا

стр. 40

أنهم كرهوا أن يخلوا الخاء من أخ والباء من أب من الإعراب الحاصل فيها إذ ليس في الكلام ما يكون حرف إعراب في حال الإفراد دون الإضافة فجمعوا بين الغرضين ولم يبطلوا أحد القياسين فمكنوا الحركات التي هي علامات الإعراب في الإفراد فصارت حروف مد ولين في الإضافة وقد تقدم أن الحركات بعض الحرف فالضمة التي في قولك أخ هي بعينها علامة الرفع في أخوك إلا أن المصوت بها يمد ليتمموا اللفظ كما تمموا المعنى بالإضافة إلى ما بعد الاسم ولم يحتاجوا مع تطويل حركات الإعراب إلى إعادة ما حذف من الكلمة رأسا كما لا يعاد محذوف يد ودم وأما التثنية فإنهم صححوا اللفظ فيها بإعادة المحذوف تنبيها على الأصل وهو الإنقلاب إلى ألف فقالوا أخوان وأبوان كما قالوا عضوان ونضوان لأن قياسه في الأصل كقياسه بخلاف يد ودم فإن أصلهما يدي ودمي فلم يكن بابها كباب عصى ورحا فاستمر الحذف فيهما في التثنية والإفراد فإن قيل فلم يعود في ابن في تثنية ولا إضافة قيل لأنهم عوضوا من المحذوف ألف الوصل في ابن واسم فلم يجمعوا بين العوض والمعوض بخلاف أخ وأب ومنعهم أن يعوضوا من المحذوف في أخ وأب الهمزة التي في أولها فرارا من اجتماع همزتين وأما حم فأصلة حمأ بالهمزة فلم يكونوا ليعوضوا من الهمزة همزة أخرى فجعلوه كأخ وأب فائدة جمع ابن على بنون دون ابنون فإن قيل فلم قالوا في جمعه بنون دون ابنون قيل الجمع قد يلحقه التغيير بالكسر وغيره بخلاف التثنية فإنه لا يتغير فيها لفظ الواحد بحال مع أنهم رأوا أن جمع السلامة لا بد فيه من واو في الرفع وياء مكسور ما قبلها في النصب والخفض فأشبهت حاله حال ما لم يحذف منه شيء وليست هذه العلة في التثنية ولم يقولوا ابنات كما قالوا ابنتان فإنهم حملوا جمع المؤنث على جمع المذكر لئلا يختلف وأما أخت وبنت فتاء أخت مبدلة من واو ك تاء تراث وتخمة وإنما حملهم على ذلك هاهنا أنهم رأوا المذكر قد حذفت لامه في الإفراد فقالوا أخ وكان القياس أن يقولوا في المؤنث أخت كسنة ولو فعلوا ذلك لكانت

стр. 41

تلك التاء حرف إعراب في الإضافة والإفراد ولم يمكنهم أن يعيدوا المحذوف في الإضافة إلى اللفظ فيخالف لفظه لفظ المذكر ولا أمكنهم من تطويل الصوت بالحركات ما أمكنهم في التذكير لأن ما قبل تاء التأنيث ليس بحرف إعراب ولا أمكنهم نقصان اللفظ في الموطن الذي تم فيه المعنى فجمعوا بين الأغراض بإبدالها تاء لتكون في حال الإفراد علما للتأنيث وفي حال الإضافة من تمام الاسم كالحرف الأصلي إذ هو موطن تتميم كما تقدم وسكنوا ما قبلها لتكون بمنزلة الحرف الأصلي وضموا أول الكلمة إشعارا بالواو وكسروها في بنت إشعارا بالياء لأنها من بنيت وقالوا في تأنيث ابن ابنة وبنت ولم يقولوا في تأنيث أخ إلا أخت والعلة في ذلك مستقرأة كما تقدم وأما قولهم فوك وفاك وفيك فحروف المد فيها حروف إعراب لانفرادها فلم يلزم فيها ما لزم في الخاء والباء ألا تراهم يقولون هذا في جعلته في في كما يقولون مسلمي فيثبتونها مع ياء المتكلم وهذا يدلك على أنها حرف إعراب بخلاف أخواتها ألا تراهم في حال الإفراد كيف أبدلوا من الواو ميما لتتعاقب عليها حركات الإعراب ويدخلها التنوين إذ لو لم يبدلوها ميما لأذهبها التنوين في الإفراد وبقيت الكلمة على حرف واحد فإذا أضيفت زالت العلة حيث أثبتوا التنوين فلم يحتاجوا إلى قلبها ميما فإن قلت أين علامات الإعراب في حال الأصالة قلت مقدر فيها وإن شئت قلت تغير صيغها في الأحوال الثلاثة هو الإعراب والمتغير هو حرف الإعراب فإن قلت فلم لم تثبت الألف في حال النصب إذا أضيفت إلى ضمير المتكلم فتقول فاي كعصاي قلت الفرق أن ألف عصا ثابتة في جميع الأحوال وهذه لا تكون إلا في حال النصب وقد قلبت تلك ياء في لغة طيىء فهذه أحرى بالقلب وأما ذو مال فكان الأظهر فيه أن يكون حرف العلة حرف إعراب وأن لا يكون الاسم على حرفين كما هو في بعض الأسماء المبهمة كذلك يدلك على ذلك قولهم في الجمع ذوو مال وذوات مال إلا أنه قد جاء في القرآن الكريم: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ و ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ وهذا ينبئ أن الاسم ثلاثي

стр. 42

ولامه ياء انقلبت ألفا في تثنية المؤنث خاصة وقولهم في التثنية ذواتي وفي الجمع ذوات والجمع كان أحق بالرد من التثنية لأن التثنية أقرب إلى لفظ الواحد ولأنها أقرب إلى معناه ألا تراهم يقولون أخت وأختان وابنة وابنتان ولا تقول في الجمع ابنتات فلذلك كان القياس حين قالوا ذوات فلم يردوا لام الكلمة والعلة فيه أن ألف ذو وإن كانت منقلبة عن واو فإن انقلابها ليس بلازم وإنما هو عارض بدخول التأنيث ولولا التأنيث لكانت واوا في حال الرفع غير منقلبة وياء في حال الخفض والتثنية أقرب إلى الواحد لفظا ومعنى فلذلك حين ثبوتها جعلوها واوا كما هي في الواحد إذ كان مرفوعا ومثنى ومجموعا وكان حكم الواو أغلب عليها من حكم الياء والألف ثم ردوا لام الفعل لأنهم لو لم يردوها لقالوا ذواتا مال في حال الرفع فيلتبس بالفعل نحو رمتا وقضتا إذا أخبرت عن امرأتين وذواتا من الذوي فكان في رد اللام رفع لهذا اللبس وفرق بين ما يصح عينه في المذكر نحو ذات وذو وبين ما لا يصح عينه في مذكر ولا في جمع نحو شاة فإنك تقول في تثنيته شاتان كقياس ذات وليس في جمع ذات ما يوجب رد لامها كما في تثنيتها كما تقدم وأما سنتان وشفتان فلا يلزم فيهما من الإلتباس بالفعل ما لزم في ذواتا لو قيل لأن نون الإثنين لا تحذف منهما حذفا لازما لأنهما غير مضافين في أكثر الكلام بخلاف ذواتا فإن النون لا توجد فيها البتة للزومها الإضافة ((فوائد تتعلق بالحروف الروابط بين الجملتين وأحكام الشروط وفيها مباحث وفوائد عزيزة نافعة تحررت بعد فكر طويل بحمد الله)) : فائدة: الروابط بين جملتين الروابط بين جملتين هي الأدوات التي تجعل بينهما تلازما لم يفهم قبل دخولها وهي أربعة أقسام أحدها ما يوجب تلازما مطلقا بين الجملتين إما بين

стр. 43

ثبوت وثبوت أو بين نفي ونفي أو بين نفي وثبوت وعكسه في المستقبل خاصة وهو حرف الشرط البسيط ك إن فإنها تلازم بين هذه الصور كلها تقول إن اتقيت الله أفلحت وإن لم تتق الله لم تفلح وإن أطعت الله لم تخب وإن لم تطع الله خسرت ولهذا كانت أم الباب وأعم أدواته تصرفا القسم الثاني أداة تلازم بين هذه الأقسام الأربعة تكون في الماضي خاصة وهي لما تقول لما قام أكرمته وكثير من النحاة يجعلها ظرف زمان وتقول إذا دخلت على الفعل الماضي فهي اسم وإن دخلت على المستقبل فهي حرف ونص سيبويه على خلاف ذلك وجعلها من أقسام الحروف التي تربط بين الجملتين ومثال الأقسام الأربعة لما قام أكرمته ولما لم يقم لم أكرمه ولما لم يقم أكرمته ولما قام لم أكرمه القسم الثالث أداة تلازم بين امتناع الشيء لامتناع غيره وهي لو نحو لو أسلم الكافر نجا من عذاب الله القسم الرابع أداة تلازم بين امتناع الشيء ووجود غيره وهي لولا نحو لولا أن هدانا الله لضللنا وتفصيل هذا الباب يرسم عشرة مسائل المسألة الأولى: المشهور أن الشرط والجزاء لا يتعلقان إلا بالمستقبل فإن كان ماضي اللفظ كان مستقبل المعنى كقولك إن مت على الإسلام دخلت الجنة ثم للنحاة فيه تقديران أحدهما: أن الفعل ذو تغير في اللفظ وكان الأصل إن تمت مسلما تدخل الجنة فغير لفظ المضارع إلى الماضي تنزيلا له منزلة المحقق والثاني: أنه ذو تغير في المعنى وأن حرف الشرط لما دخل عليه قلب معناه إلى الاستقبال وبقي لفظه على حاله والتقدير الأول أفقه في العربية لموافقته تصرف العرب في إقامتها الماضي مقام المستقبل وتنزيلها المنتظر منزلة الواقع المتيقن نحو: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ونظائره فإذا تقرر ذلك في الفعل المجرد فليفهم مثله المقارن لأداة الشرط وأيضا فإن تغيير الألفاظ أسهل عليهم من تغيير المعاني لأنهم يتلاعبون بالألفاظ مع محافظتهم على المعنى وأيضا فإنهم إذا أعربوا الشرط أتوا بأداته ثم أتبعوها فعله يتلوه الجزاء فإذا أتوا بالأداة جاءوا بعدها بالفعل

стр. 44

وكان حقه أن يكون مستقبلا لفظا ومعنى فعدلوا عن لفظ المستقبل إلى الماضي لما ذكرنا فعدلوا عن صيغة إلى صيغة وعلى التقدير الثاني كأنهم وضعوا فعل الشرط والجزاء أولا ماضيين ثم أدخلوا عليهما الأداة فانقلبا مستقبلين والترتيب والقصد يأبى ذلك فتأمله. المسألة الثانية: قال تعالى عن عيسى ﵊: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فهذا شرط دخل على ماضي اللفظ وهو ماضي المعنى قطعا لأن المسيح إما أن يكون هذا الكلام قد صدر منه بعد رفعه إلى السماء أو يكون حكاية ما يقوله يوم القيامة وعلى التقديرين فإنما تعلق الشرط وجزاؤه بالماضي وغلط على الله من قال إن هذا القول وقع منه في الدنيا قبل رفعه والتقدير إن أكن أقول هذا فإنك تعلمه وهذا تحريف للآية لأن هذا الجواب إنما صدر منه بعد سؤال الله له عن ذلك والله لم يسأله وهو بين أظهر قومه ولا اتخذوه وأمه إلهين إلا بعد رفعه بمئين من السنين فلا يجوز تحريف كلام الله انتصارا لقاعدة نحوية هدم مائة أمثالها أسهل من تحريف معنى الآية وقال ابن السراج: في أصوله يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين تقديرهما إن ثبت في المستقبل أني قلته في الماضي يثبت أنك علمته وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل فيحسن التعليق عليه وهذا الجواب أيضا ضعيف جدا ولا ينبئ عنه اللفظ وليت شعري ما يصنعون بقول النبي ﷺ " إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه" رواه البخاري ومسلم هل يقول عاقل إن الشرط هنا مستقبل أما التأويل الأول فمنتف هنا قطعا وأما الثاني فلا يخفي وجه التعسف فيه وأنه لم يقصد أنه يثبت في المستقبل أنك أذنبت في الماضي فتوبي ولا قصد هذا المعنى وإنما المقصود المراد ما دل عليه الكلام إن كان صدر منك ذنب فيما مضى فاستقبليه بالتوبة لم يرد إلا هذا الكلام وإذا ظهر فساد الجوابين فالصواب أن يقال جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقا محضا غير متضمن جوابا لسائل هل كان كذا ولا يتضمن لنفي قول من قال قد كان كذا

стр. 45

فهذا يقتضي الاستقبال وتارة يكون مقصودة ومضمنة جواب سائل هل وقع كذا أو رد قوله قد وقع كذا فإذا علق الجواب هنا على شرط لم يلزم أن يكون مستقبلا لا لفظا ولا معنى بل لا يصح فيه الاستقبال بحال كمن يقول لرجل هل أعتقت عبدك فيقول إن كنت قد أعتقته فقد أعتقه الله فما للاستقبال هنا معنى قط وكذلك إذا قلته لمن قال صحبت فلانا فيقول إن كنت صحبته فقد أصبت بصحبته خيرا وكذلك إذا قلت له هل أذنبت فيقول إن كنت قد أذنبت فإني قد تبت إلى الله واستغفرته وكذلك إذا قال هل قلت لفلان كذا وهو يعلم أنه علم بقوله له فيقول إن قلته فقد علمته فقد عرفت أن هذه المواضع كلها مواضع ماض لفظا ومعنى ليطابق السؤال الجواب ويصح التعليق الخبري لا الوعدي فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال وأما التعليق الخبري فلا يستلزمه ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وتقول إن كانت البينة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت وهذه دقيقة خلت منها كتب النحاة والفضلاء وهي كما ترى وضوحا وبرهانا ولله الحمد المسألة الثالثة: المشهور عند النحاة والأصوليين والفقهاء أن أداة إن لا يعلق عليها إلا محتمل الوجود والعدم كقولك إن تأتني أكرمك ولا يعلق عليها محقق الوجود فلا تقول إن طلعت الشمس أتيتك بل تقول إذا طلعت الشمس أتيتك وإذا يعلق عليها النوعان واستشكل هذا بعض الأصوليين فقال قد وردت إن في القرآن في معلوم الوقوع قطعا كقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ وهو سبحانه يعلم أن الكفار في ريب منهم وقوله ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّار﴾ ومعلوم قطعا انتفاء فعلهم وأجاب عن هذا بأن قال إن الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية بل الأوضاع العربية مبنية على خصائص الخلق والله تعالى أنزل القرآن بلغة العرب وعلى منوالهم فكل ما كان في عادة العرب حسنا أنزل القرآن على ذلك

стр. 46

الوجه أو قبيحا لم ينزل في القرآن فكل ما كان شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه بين الناس حسن تعليقه بأن من قبل الله ومن قبل غيره سواء كان معلوما للمتكلم أو للسامع أم لا وكذلك يحسن من الواحد منا أن يقول إن كان زيد في الدار فأكرمه مع علمه بأنه في الدار لأن حصول زيد في الدار شأنه أن يكون في العادة مشكوكا فيه فهذا هو الضابط لما تعلق على إن فاندفع الإشكال قلت هذا السؤال لا يرد فإن الذي قاله القوم إن الواقع ولا بد يعلق بأن وأما ما يجوز أن يقع ويجوز أن لا يقع فهو الذي يعلق بها وإن كان بعد وقوعه متعين الوقوع وإذا عرفت هذا فتدبر قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ﴾ كيف أتى في تعليق الرحمة المحققة إصابتها من الله تعالى ب إذا وأتى في إصابة السيئة ب أن فإن ما يعفو الله تعالى عنه أكثر وأتى في الرحمة بالفعل الماضي الدال على تحقيق الوقوع وفي حصول السيئة بالمستقبل الدال على أنه غير محقق ولا بد وكيف أتى في وصول الرحمة بفعل الإذاقة الدال على مباشرة الرحمة لهم وأنها مذوقة لهم والذوق هو أخص أنواع الملابسة وأشدها وكيف أتى في الرحمة بحرف ابتداء الغاية مضافة إليه فقال: ﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾ وأتى في السيئة بباء السببية مضافة إلى كسب أيديهم وكيف أكد الجملة الأولى التي تضمنت إذاقة الرحمة بحرف إن دون الجملة الثانية وأسرار القرآن الكريم أكثر وأعظم من أن يحيط بها عقول البشر وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاّ إِيَّاهُ﴾ كيف أتى بإذا هاهنا لما كان مس الضر لهم في البحر محققا بخلاف قوله: ﴿لا يَسْأَمُ الإنسان مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ فإنه لم يقيد مس الشر هنا بل أطلقه ولما قيده بالبحر الذي هو متحقق فيه ذلك أتى بأداة إذا وتأمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسَانُ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوساً﴾ كيف أتى هنا ب إذا المشعرة بتحقيق الوقوع المستلزم لليأس فإن اليأس إنما حصل عند تحقق مس الشر له فكان الإتيان ب إذا هاهنا أدل على المعنى المقصود من إن بخلاف قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ فإنه

стр. 47

بقلة صبره وضعف احتماله متى توقع الشر أعرض وأطال في الدعاء فإذا تحقق وقوعه كان يؤوسا ومثل هذه الأسرار في القرآن لا يرقى إليها إلا بموهبة من الله وفهم يؤتيه عبدا في كتابه فإن قلت فما تصنع بقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ والهلاك محقق قلت التعليق ليس على مطلق الهلاك بل على هلاك مخصوص وهو هلاك لا عن ولد فإن قلت فما تصنع بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وتقول العرب: إن كنت ابني فأطعني وفي الحديث: في السلام على الموتى "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " رواه مسلم واللحاق محقق وفي قولة الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة" قلت أما قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ الذي حسن مجيء إن هاهنا الاحتجاج والإلزام فإن المعنى إن عبادتكم لله تستلزم شكركم له بل هي الشكر نفسه فإن كنتم ملتزمين لعبادته داخلين في جملتها فكلوا من رزقه واشكروه على نعمه وهذا كثيرا ما يورد في الحجاج كما تقول للرجل إن كان الله ربك وخالقك فلا تعصه وإن كان لقاء الله حقا فتأهب له وإن كانت الجنة حقا فتزود إليها وهذا أحسن من جواب من أجاب بأن إن هنا قامت مقام إذا وكذا قوله: ﴿إن كنتم بآياته مؤمنين﴾ [الأنعام ١١٨] وكذا قولهم إن كنت ابني فأطعني ونظائر ذلك وأما قوله: "وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" فالتعليق هنا ليس لمطلق الموت وإنما هو للحاقهم بالمؤمنين ومصيرهم إلى حيث صاروا وأما قول الموصي: " إن مت فثلث مالي صدقة" فلأن الموت وإن كان محققا لكن لما لم يعرف تعين وقته وطال الأمد وانفردت مسافة أمنية الحياة نزل منزلة المشكوك كما هو الواقع الذي يدل عليه أحوال العباد فإن عاقلا لا يتيقن الموت ويرضى بإقامته على حال لا يحب الموت عليها أبدا كما قال بعض السلف: "ما رأيت يقينا لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت" وعلى هذا حمل بعض أهل المعاني ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ

стр. 48

بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ فأكد الموت باللام وأتى فيه باسم الفاعل الدال على الثبوت وأتى في البعث بالفعل ولم يؤكده المسألة الرابعة قد يتعلق الشرط بفعل محال ممتنع الوجود فيلزمه محال آخر وتصدق الشرطية دون مفرد بها أما صدقها فلاستلزام المحال المحال وأما كذب مفرديها فلاستحالتهما وعليه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ ومنه قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ومنه قل لو كان معه آلهة كما يقولون: ﴿إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ ونظائره كثيرة وفائدة الربط بالشرط في مثل هذا أمران أحدهما بيان استلزام إحدى القضيتين للأخرى والثاني أن اللازم منتف فالملزوم كذلك فقد تبين من هذا أن الشرط تعلق به المحقق الثبوت والممتنع الثبوت والممكن الثبوت المسألة الخامسة: اختلف سيبويه ويونس في الاستفهام الداخل على الشرط فقال سيبويه يعتمد على الشرط وجوابه فيتقدم عليهما ويكون بمنزلة القسم نحو قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ وقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران ٤٤] وقال يونس بن حبيب يعتمد على الجزاء فتقول إن مت فأنت خالد والقرآن الكريم مع سيبويه والقياس أيضا كما يتقدم لتكون جملة الشرط والجزاء مقسما عليها ومستفهما عنها لو كان كما قال يونس ابن حبيب: لقال فإن مت أفهم الخالدون المسألة السادسة: اختلف الكوفيون والبصريون فيما إذا تقدم أداة الشرط جملة تصلح أن تكون جزاء ثم ذكر فعل الشرط ولم يذكر له جزاء نحو أقوم إن قمت فقال محمد بن السراج إن الذي عندي أن الجواب محذوف يغني عن الفعل المتقدم قال وإنما يستعمل هذا على وجهين إما أن يضطر إليه شاعر وإما أن يكون المتكلم به محققا بغير شرط ولا نية فقال أجيئك ثم يبدو له أنه لا يجيئه إلا لسبب فيقول إن جئتني فيشبه الاستثناء ويغني عن الجواب ما تقدم وهذا قول البصريين وخالفهم أهل الكوفة وقالوا المتقدم هو الجزاء والكلام مرتبط به وقولهم في ذلك

стр. 49

هو الصواب وهو اختيار الجرجاني قال الدليل على أنك إذا قلت آتيك إن أتيتني كان الشرط متصلا بآتيك وإن الذي يجري في كلامهم لا بد من إضمار الجزاء ليس على ظاهره وأما إن عملنا على ظاهره وتوقفنا أن الشرط متقدم في النفس على الجزاء صار من ذلك شيئان ابتداء كلام ثان ثم اعتقاد ذلك يؤدي إلى إبطال ما اتفق عليه العقلاء في الإيمان من افتراق الحكم بين أن يصل الشرط في نطقه وبين أن يقف ثم يأتي بالشرط وأنه إذا قال لعبده أنت حر إن شاء الله فوصل لم يعتق ولو وقف ثم قال إن شاء الله فإنه يعتق فإذا سمعت ما قلنا عرفت خلاف المسألة فالمشهور من مذهب البصريين امتناع تقديم الجزاء على الشرط هذا كلامه قلت ولم يكن به حاجة في تقرير الدليل إلى الوقف بين الجملة الأولى وجملة الشرط فالدلالة قائمة ولو وصل فإنه إذا قال أنت حر فهذه جملة خبرية ترتب عليها حكمها عند تمامها وقوله: إن شاء الله ليس تعليقا لها عندكم فإن التعليق إنما يعمل في الجزاء وهذه ليست بجزاء وإنما هي خبر محض والجزاء عندكم محذوف فلما قالوا إنه لا يعتق دل على أن المتقدم نفسه جزاء معلق هذا تقرير الدلالة ولكن ليس هذا باتفاق فقد ذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أن الشرط إنما يعمل في تعليق الحكم إذا تقدم على الطلاق فتقول إن شاء الله فأنت طالق فأما إن تقدم الطلاق ثم عقبه بالتعليق فقال أنت طالق إن شاء الله طلقت ولا ينفع التعليق وعلى هذا فلا يبقى فيما ذكر حجة ولكن هذا المذهب شاذ والأكثرون على خلافه وهو الصواب لأنه إما جزاء لفظا ومعنى قد اقتضاه التعليق على قول الكوفيين وإما أن يكون جزاء في المعنى وهو نائب الجزاء المحذوف ودال عليه فالحكم تعلق به على التقديرين والمتكلم إنما بنى كلامه عليه وأما قول ابن السراج إنه قصد الخبر جزما ثم عقبه بالجزاء فليس كذلك بل بنى كلامه على الشرط كما لو قال له علي عشرة إلا درهما فإنه لم يقر بالعشرة ثم أنكر درهما ولو كان كذلك لم ينفعه الاستثناء ومن هنا قال بعض

стр. 50

الفقهاء أن الاستثناء لا ينفع في الطلاق لأنه إذا قال أنت طالق ثلاثا إلا واحدة فقد أوقع الثلاثة ثم رفع منها واحدة وهذا مذهب باطل فإن الكلام مبني على آخره ترتبط أجزاؤه بعضها ببعض كارتباط التوابع من الصفات وغيرها بمتبوعاتها والاستثناء لا يستقل بنفسه فلا يقبل إلا بارتباطه بما قبله فجرى مجرى الصفة والعطف ويلزم أصحاب هذا المذهب أن لا ينفع الاستثناء في الإقرار لأن المقر به لا يرفع ثبوته وفي إجماعهم على صحته دليل على إبطال هذا المذهب وإنما احتاج الجرجاني إلى ذكر الفرق بين أن يقف أو يصل لأنه إذا وقف عتق العبد ولم ينفعه الاستثناء وإذا وصل لم يعتق فدل على أن الفرق بين وقوع العتق وعدمه هو السكوت والوصل هو المؤثر في الحكم لا تقدم الجزاء وتأخره فإنه لا تأثير له بحال كما ذكره ابن السراج أنه إنما يأتي في الضرورة ليس كما قال فقد جاء في أفصح الكلام وهو كثير جدا كقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وهو كثير فالصواب المذهب الكوفي والتقدير إنما يصار إليه عند الضرورة بحيث لا يتم الكلام إلا به فإن كان الكلام تاما بدونه فأي حاجة بنا إلى التقدير وأيضا فتقديم الجزاء ليس بدون تقديم الخبر والمفعول والحال ونظائرها فإن قيل الشرط له التصدير وصفا فتقديم الجزاء عليه يخل بتصديره قلنا: هذه هي الشبهة التي منعت القائلين بعدم تقديمه وجوابها إنكم إن عنيتم بالتصدير أنه لا يتقدم معموله عليه والجزاء معمول له فيمتنع تقديمه فهو نفس المتنازع فيه فلا يجوز إثبات الشيء بنفسه وإن عنيتم به أمرا آخر لم يلزم منه امتناع التقديم ثم نقول الشرط والجزاء جملتان قد صارتا بأداة الشرط جملة واحدة وصارت الجملتان بالأداة كأنهما مفردان لشبههما بالمفردين في باب الابتداء والخبر فكما لا يمتنع تقديم الخبر على المبتدأ فكذلك تقديم الجزاء فالجزاء هو المقصود والشرط قيد فيه وتابع له

стр. 51

فهو من هذا الوجه رتبته التقديم طبعا ولهذا كثيرا ما يجيء الشرط متأخرا عن المشروط لأن المشروط هو المقصود وهو الغاية والشرط وسيلة فتقديم المشروط هو تقديم الغايات على وسائلها ورتبتها التقديم ذهنا وإن تقدمت الوسيلة وجودا فكل منهما له التقدم بوجه وتقدم الغاية أقوى فإذا وقعت في مرتبتها فأي حاجة إلى أن نقدرها متأخرة وإذا انكشف الصواب فالصواب أن تدور معه حيثما دار. المسألة السابعة: لو يؤتى بها للربط لتعلق ماض بماض كقولك لو زرتني لأكرمتك ولهذا لم تجزم إذا دخلت على مضارع لأن الوضع للماضي لفظا ومعنى كقولك لو يزورني زيد لأكرمته فهي في الشرط نظير إن في الربط بين الجملتين لا في العمل ولا في الاستقبال وكان بعض فضلاء المتأخرين وهو تاج الدين الكندي ينكر أن تكون لو حرف شرط وغلط الزمخشري في عدها في أدوات الشرط قال الأندلسي في شرح المفصل: فحكيت ذلك لشيخنا أبي البقاء فقال غلط تاج الدين في هذا التغليط فإن لو تربط شيئا بشيء كما تفعل إن قلت ولعل النزاع لفظي فإن أريد بالشرط الربط المعنوي الحكمي فالصواب ما قاله أبو البقاء الزمخشري وإن أريد بالشرط ما يعمل في الجزأين فليست من أدوات الشرط المسألة الثامنة: المشهور أن لو إذا دخلت على ثبوتين نفتهما أو نفيين أثبتتهما أو نفي وثبوت أثبتت المنفي ونفت المثبت وذلك لأنها تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره وإذا امتنع النفي صار إثباتا فجاءت الأقسام الأربعة وأورد على هذا أمور. أحدها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ومقتضى ما ذكرتم أن تكون كلمات الله تعالى قد نفدت وهو محال لأن الأول ثبوت وهو كون أشجار الأرض أقلاما والبحار مدادا لكلماته وهذا منتف والثاني وهو قوله ما نفدت كلمات الله فيلزم أن يكون

стр. 52

ثبوتا الثاني قول عمر: "نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" لا أصل له فعلى ما ذكرتم يكون الخوف ثابتا لأنه منفي والمعصية كذلك لأنها منفية أيضا وقد اختلفت أجوبة الناس عن ذلك فقال: أبو الحسن بن عصفور: لو في الحديث بمعنى إن لمطلق الربط فلا يكون نفيها إثباتا ولا إثباتها نفيا فاندفع الإشكال وفي هذا الجواب ضعف بين فإنه لم يقصد في الحديث مطلق الربط كما قال وإنما قصد ارتباط متضمن لنفي الجزاء ولا سيق الكلام إلا لهذا ففي الجواب إبطال خاصية لو التي فارقت بها سائر أدوات الشرط وقال غيره لو في اللغة لمطلق الربط وإنما اشتهرت في العرف في انقلاب ثبوتها نفيا وبالعكس والحديث إنما ورد بمعنى اللفظ في اللغة حكى هذا الجواب محمد القرافي عن الخسر وشاهي وهو أفسد من الذي قبله بكثير فإن اقتضاء لو لنفي الثابت بعدها وإثبات المنفي متلقى من أصل وضعها لا من العرف الحادث كما أن معاني سائر الحروف من نفي أو تأكيد أو تخصيص أو بيان أو ابتداء أو انتهاء إنما هو متلقى من الوضع لا من العرف فما قاله ظاهر البطلان الثالث جواب الشيخ: أبي محمد بن عبد السلام وغيره وهو أن الشيء الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه وقد يكون له سببان فلا يلزم من عدم أحدهما عدمه لأن السبب الثاني يخلف السبب الأول كقولنا في زوج هو ابن عم لو لم يكن زوجا لورث أي بالتعصيب فإنهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم الآخر وكذلك الناس هاهنا في الغالب إنما لم يعصوا لأجل الخوف فإذا ذهب الخوف عنهم عصوا لاتحاد السبب في حقهم فأخبر عمر أن صهيبا اجتمع له سببان يمنعانه المعصية الخوف والإجلال فلو انتفى الخوف في حقه لانتفى العصيان للسبب الآخر وهو الإجلال وهذا مدح عظيم له قلت وبهذا الجواب بعينه يجاب عن قوله ﷺ في ابنة حمزة: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت لي إنها ابنة أخي من الرضاعة" رواه البخاري ومسلم أي فيها سببان يقتضيان التحريم فلو قدر انتفاء أحدهما لم ينتف التحريم للسبب الثاني وهذا جواب حسن جدا

стр. 53

الجواب الرابع ذكره بعضهم بأن قال جواب لو محذوف وتقديره لو لم يخف الله لعصمه فلم يعصه بإحلاله ومحبته إياه فإن الله يعصم عبده بالخوف تارة والمحبة والإجلال تارة وعصمة الإجلال والمحبة أعظم من عصمة الخوف لأن الخوف يتعلق بعقابه والمحبة والإجلال يتعلقان بذاته وما يستحقه ﵎ فأين أحدهما من الآخر ولهذا كان دين الحب أثبت وأرسخ من دين الخوف وأمكن وأعظم تأثيرا وشاهد ما نراه من طاعة المحب لمحبوبه وطاعة الخائف لمن يخافه كما قال بعض الصحابة إنه ليستخرج حبه مني من الطاعة ما لا يستخرجه الخوف وليس هذا موضع بسط هذا الشأن العظيم القدر وقد بسطته في كتاب الفتوحات القدسية الخامس أن لو أصلها أن تستعمل للربط بين شيئين كما تقدم ثم إنها قد تستعمل لقطع الربط فتكون جوابا لسؤال محقق أو متوهم وقع فيه ربط فتقطعه أنت لاعتقادك بطلان ذلك الربط كما لو قال القائل إن لم يكن زيد زوجا لم يرث فتقول أنت لو لم يكن زوجا لورث زيد إن ما ذكره من الربط بين عدم الزوجية وعدم الإرث ليس بحق فمقصودك قطع ربط كلامه لا ربطه وتقول لو لم يكن زيد عالما لأكرم أي لشجاعته جوابا لسؤال سائل يتوهم أنه لو لم يكن عالما لما أكرم فتربط بين عدم العلم والإكرام فتقطع أنت ذلك الربط وليس مقصودك أن تربط بين عدم العلم والإكرام لأن ذلك ليس بمناسب ولا من أغراض العقلاء ولا يتجه كلامك إلا على عدم الربط كذلك الحديث لما كان الغالب على الناس أن يرتبط عصيانهم بعدم خوفهم وإن ذلك في الأوهام قطع عمر هذا الربط وقال لو لم يخف الله لم يعصه وكذلك لما كان الغالب على الأوهام أن الشجر كلها إذا صارت أقلاما والبحار المذكورة كلها تكتب به الكلمات الإلهية فلعل الوهم يقول ما يكتب بهذا شيء إلا نفد كائنا ما كان فقطع الله تعالى هذا الربط ونفى هذا الوهم وقال: ما نفدت قلت:

стр. 54

ونظير هذا في الحديث أن زوجته لما توهمت أن ابنة عمه حمزة تحل له لكونها بنت عمه فقطع هذا الربط بقوله إنها لا تحل وذكر للتحريم سببين الرضاعة وكونها ربيبة له وهذا جواب القرافي قال: وهو أصلح من الأجوبة المتقدمة من وجهين أحدهما: "شموله للحديث والآية وبعض الأجوبة لا تنطبق على الآية والثاني أن ورود لو بمعنى إن خلاف الظاهر وما ذكره لا يتضمن خلاف الظاهر" قلت: وهذا الجواب فيه ما فيه فإنه إن ادعى أن لو وضعت أو جيء بها لقطع الربط فغلط فإنها حرف من حروف الشرط التي مضمونها ربط السبب بمسببه والملزوم بلازمه ولم يؤت بها لقطع هذا الارتباط ولا وضعت له أصلا فلا يفسر الحرف بضد موضوعه ونظير هذا قول من يقول: إن إلا قد تكون بمعنى الواو وهذا فاسد فإن الواو للتشريك والجمع وإلا للإخراج وقطع التشريك ونظائر ذلك وإن أراد أن قطع الربط المتوهم مقصود للمتكلم من أدلة فهذا حق ولكن لم ينشأ هذا من حرف لو وإنما جاء من خصوصية ما صحبها من الكلام المتضمن لنفي ما توهمه القائل أو ادعاه ولم يأت من قبل لو فهذا كلام هؤلاء الفضلاء في هذه المسألة وإنما جاء الإشكال سؤالا وجوابا من عدم الإحاطة بمعنى هذا الحرف ومقتضاه وحقيقته وأنا أذكر حقيقة هذا الحرف ليتبين سر المسألة بعون الله لو للملازمة بين أمرين فاعلم أن لو حرف وضع للملازمة بين أمرين يدل على أن الحرف الأول منهما ملزوم الثاني لازم هذا وضع هذا الحرف وطبيعته وموارده في هذه الملازمة أربعة فإنه إما أن يلازم بين نفيين أو ثبوتين أو بين ملزوم مثبت ولازم منفي أو عكسه ونعني بالثبوت والنفي هنا الصوري اللفظي لا المعنوي فمثال الأول: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الأِنْفَاقِ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ ونظائره ومثال الثاني لو لم تكن ربيبتي في حجري لما حلت

стр. 55

لي ولو لم يخف الله لم يعصه ومثال الثالث: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ومثال الرابع لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم فهذه صورة وردوها على النفي والإثبات وأما حكم ذلك فأمران أحدهما: نفي الأول لنفي الثاني: لأن الأول ملزوم والثاني لازم والملزوم عدم عند عدم لازمه والثاني تحقق الثاني لتحقق الأول لأن تحقق الملزوم يستلزم تحقق لازمه فإذا عرفت هذا فليس في طبيعة لو ولا وضعها ما يؤذن بنفي واحد من الجزأين ولا إثباته وإنما طبعها وحقيقتها الدلالة على التلازم المذكور لكن إنما يؤتى بها للتلازم المتضمن نفي اللازم أو الملزوم أو تحققها ومن هنا نشأت الشبهة فلم يؤت بها لمجرد التلازم مع قطع النظر عن ثبوت الجزأين أو نفيهما فإذا دخلت على جزأين متلازمين قد انتفى اللازم منهما استفيد نفي الملزوم من قضية اللزوم لا من نفس الحرف وبيان ذلك أن قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ، لم يستفد نفي الفساد من حرف لو بل الحرف دخل على أمرين قد علم انتفاء أحدهما حسا فلازمت بينه وبين من يريد نفيه من تعدد الآلهة وقضية الملازمة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه فإذا كان اللازم منتف قطعا وحسا انتفى ملزومه لانتفائه لا من حيث الحرف فهنا أمران أحدهما الملازمة التي فهمت من الحرف والثاني انتفاء اللازم المعلوم بالحس فعلى هذا الوجه ينبغي أن يفهم انتفاء اللازم والملزوم ب لو فمن هنا قالوا إن دخلت على مثبتين صارا منتفيين بمعنى أن الثاني منهما قد علم انتفاؤه من خارج فينتفي الأول لانتفائه وإذا دخلت على منفيين أثبتتهما لذلك أيضا لأنها تدخل على ملزوم محقق الثبوت من خارج فيتحقق ثبوت ملزومه كما في قوله: " لو لم تذنبوا" فهذا الملزوم وهو صدور الذنب متحقق في الخارج من البشر فتحقق لازمه وهو بقاء النوع الإنساني وعدم الذهاب به لأن الملازمة وقعت بين عدم الذنب وعدم البقاء لكن عدم الذنب منتف قطعا فانتفى لازمه وهو عدم الذهاب

стр. 56

بنا فثبت الذنب وثبت البقاء وكذلك نفيه الأقسام الأربعة يفهم على هذا الوجه وإذا عرف هذا فاللازم الواحد قد يلزم ملزومات متعددة كالحيوانية اللازمة للإنسان والفرس وغيرهما فيقصد المتكلم إثبات الملازمة بين بعض تلك الملزومات واللازم على تقدير انتفاء البعض الآخر فيكون مقصوده أن الملازمة حاصلة على تقدير انتفاء ذلك الملزوم الآخر فلا يتوهم المتوهم انتفاء اللازم عند نفي ملزوم معين فإن الملازمة حاصلة بدونه وعلى هذا يخرجه لو لم يخف الله لم يعصه ولو لم تكن ربيبتي لما حلت لي فإن عدم المعصية له ملزومات فهي الخشية والمحبة والإجلاء فلو انتفى بعضها وهو الخوف مثلا لم يبطل اللازم لأن له ملزومات أخرى غيره وكذلك لو انتفى كون البنت ربيبة لما انتفى التحريم لحصول الملازمة بينه وبين وصف آخر وهو الرضاع وذلك الوصف ثابت وهذا القسم إنما يأتي في لازم له ملزومات متعددة فيقصد المتكلم تحقق الملازمة على تقدير نفي ما نفاه منها وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ فإن الآية سيقت لبيان أن أشجار الأرض لو كانت أقلاما والبحار مدادا فكتبت بها كلمات الله لنفدت البحار والأقلام ولم تنفد كلمات الله فالآية سيقت لبيان الملازمة بين عدم نفاد كلماته وبين كون الأشجار أقلاما والبحار مدادا يكتب بها فإذا كانت الملازمة ثابتة على هذا التقدير الذي هو أبلغ تقدير يكون في نفاد المكتوب فثبوتها على غيره من التقادير أولى ونوضح هذا بضرب مثل يرتقى منه إلى فهم مقصود الآية إذا قلت لرجل لا يعطي أحدا شيئا لو أن لك الدنيا بأسرها ما أعطيت أحدا منها شيئا فإنك إذا قصدت أن عدم إعطائه ثابت على أعظم التقادير التي تقتضي الإعطاء فلازمت بين عدم إعطائه أسباب الإعطاء وهو كثرة ما يملكه فدل هذا على أن عدم إعطائه ثابت على ما هو دون هذا التقدير وأن عدم الإعطاء لازم لكل تقدير فافهم نظير هذا المعنى في الآية وهو عدم

стр. 57

نفاد كلمات الله تعالى على تقدير أن الأشجار أقلام والبحار مداد يكتب بها فإذا لم تنفد على هذا التقدير كان عدم نفادها لازما له فكيف بما دونه من التقديرات فافهم هذه النكتة التي لا يسمح بمثلها كل وقت ولا تكاد تجدها في الكتب وإنما هي من فتح الله وفضله فله الحمد والمنة ونسأله المزيد من فضله فانظر كيف اتفقت القاعدة العقلية مع القاعدة النحوية وجاءت النصوص بمقتضاهما معا من غير خروج عن موجب عقل ولا لغة ولا تحريف لنص ولو لم يكن في هذا التعليق إلا هذه الفائدة لساوت رحلة فكيف وقد تضمن من غرر الفوائد ما لا يتفق إلا على تجارة وأما من ليس هناك فإنه يظن الجوهرة زجاجة والزجاجة المستديرة المثقوبة جوهرة ويزري على الجوهري ويزعم أنه لا يفرق بينهما والله المعين. المسألة التاسعة: في دخول الشرط على الشرط نذكر فيه ضابطا مزيلا للإشكال إن شاء الله فنقول: الشرط الثاني تارة يكون معطوفا على الأول وتارة لا يكون والمعطوف تارة يكون معطوفا على فعل الشرط وحده وتارة يعطف على الفعل مع الأداة فمثال غير المعطوف إن قمت إن قعدت فأنت طالق ومثال المعطوف على فعل الشرط وحده إن قمت وقعدت ومثال المعطوف على الفعل مع الأداة إن قمت وإن قعدت فهذه الأقسام الثلاثة أصول الباب وهي عشر صور أحدها: إن خرجت ولبست فلا يقع المشروط إلا بهما كيفما اجتمعا الثانية: إن لبست فخرجت لم يقع المشروط إلا بالخروج بعد اللبس فلو خرجت ثم لبست لم يحنث الثالث: إن لبست ثم خرجت فهذا مثل الأول وإن كان ثم للتراخي فإنه لا يعتبر هنا إلا حيث يظهر قصده الرابعة: إن خرجت لا إن لبست فيحتمل هذا التعليق أمرين أحدهما جعل الخروج شرطا ونفي اللبس أن يكون شرطا الثاني أن يجعل الشرط هو الخروج المجرد عن اللبس والمعنى إن خرجت لا لابسة أي غير لابسة ويكون المعنى إن كان منك خروج لا مع اللبس فعلى هذا التقدير الأول يحنث بالخروج وحده وعلى الثاني لا يحنث إلا بخروج لا لبس معه الخامسة: إن خرجت بل إن لبست

стр. 58

ويحتمل هذا التعليق أمرين أحدهما أن يكون الشرط هو اللبس دون الخروج فيختص الحنث به لأجل الإضراب والثاني أن يكون كل منهما شرطا فيحنث بأيهما وجد ويكون الإضراب عن الاقتصار فيكون إضراب اقتصار لا إضراب إلغاء كما تقوله أعطه درهما بل درهما آخر السادسة: إن خرجت أو إن لبست فالشرط أحدهما أيهما كان السابعة: إن لبست لكن إن خرجت فالشرط الثاني وقع ولغا الأول لأجل الاستدراك ب لكن الثامنة: أن يدخل الشرط على الشرط ويكون الثاني معطوفا بالواو نحو إن لبست وإن خرجت فهذا يحنث بأحدهما فإن قيل: فكيف لم تحنثوه في صورة العطف على الفعل وحده إلا بهما وحنثتموه هاهنا بأيهما كان قيل: لأن هناك جعل الشرط مجموعهما وهنا جعل كل واحد منهما شرطا برأسه وجعل لهما جوابا واحدا وفيه رأيان أحدهما: أن الجواب لهما جميعا وهو الصحيح والثاني أن جواب أحدهما حذف لدلالة المذكور عليه وهي أخت مسألة الخبر عن المبتدأ بجزأين التاسعة: أن يعطف الشرط الثاني بالفاء نحو قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ فالجواب المذكور جواب الشرط الثاني وهو وجوابه جواب الأول فإذا قال إن خرجت فإن كلمت أحدا فأنت طالق لم تطلق حتى تخرج وتكلم أحدا العاشرة: وهي أن المسألة التي تكلم فيها الفقهاء دخول الشرط على الشرط بلا عطف نحو إن خرجت إن لبست واختلفت أقوالهم فيها فمن قائل إن المؤخر في اللفظ مقدم في المعنى وإنه لا يحنث حتى يتقدم اللبس على الخروج ومن قائل بل المقدم لفظا هو المقدم معنى وذكر كل منهم حججا لقوله وممن نص على المسألة الموفق الأندلسي في شرحه فقال إذا دخل الشرط على الشرط وعيد حرف الشرط توقف وقوع الجزاء على وجود الشرط الثاني قبل الأول كقولك: إن أكلت إن شربت فأنت طالق فلا تطلق حتى يوجد الشرب منها قبل الأكل لأنه تعلق على أكل معلق على شرب وهذا الذي ذكره أبو إسحاق في المهذب وحكى ابن شاس في الجواهر الثمينة: عن أصحاب مالك بن أنس ﵁ عكسه والوجهان لأصحاب الشافعي ﵁ ولا بد في

стр. 59

المسألة من تفصيل: وهو أن الشرط الثاني إن كان متأخرا في الوجود عن الأول كان مقدرا بالفاء وتكون الفاء جواب الأول والجواب المذكور جواب الثاني مثاله إن دخلت المسجد إن صليت فيه فلك أجر تقديره فإن صليت فيه وحذفت الفاء لدلالة الكلام عليها وإن كان الثاني متقدما في الوجود على الأول فهو في نية التقدم وما قبله جوابه والفاء مقدرة فيه ومثل قوله : ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي وتقول إن دخلت المسجد إن توضأت فصل ركعتين تقديره إن توضأت فإن دخلت المسجد فصل ركعتين فالشرط الثاني هنا متقدم وإن لم يكن أحدهما متقدما في الوجود على الآخر بل كان محتملا للتقدم والتأخر لم يحكم على أحدهما بتقدم ولا تأخر بل يكون الحكم راجعا إلى تقدير المتكلم ونيته فأيهما قدره شرطا كان الآخر جوابا له وكان مقدرا بالفاء تقدم في اللفظ أو تأخر وإن لم يظهر نيته ولا تقديره احتمل الأمرين فمما ظهر فيه تقديم المتأخر قول الشاعر: إن تستغيثوا بنا إن تذعروا تجدوا ... منا معاقل عز زانها الكرم لأن الاستغاثة لا تكون إلا بعد الذعر ومنه قول ابن دريد: فإن عثرت بعدها إن وألت ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا ومعلوم أن العثور مرة ثانية إنما يكون بعد الذعر ومن المحتمل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يحتمل أن تكون الهبة شرطا ويكون فعل الإرادة جوابا له ويكون التقدير إن وهبت نفسها للنبي فإن أراد النبي أن يستنكحها فخالصة له ويحتمل أن تكون الإرادة شرطا والهبة جوابا له والتقدير إن أراد النبي أن يستنكحها فإن وهبت نفسها فهي خالصة له يحتمل الأمرين فهذا ما ظهر لي من التفصيل في هذه المسألة وتحقيقها والله أعلم

стр. 60

فائدة عظيمة المنفعة: قال سيبويه: "الواو لا تدل على الترتيب ولا التعقيب" تقول صمت رمضان وشعبان وإن شئت شعبان ورمضان بخلاف الفاء وثم إلا أنهم يقدمون في كلامهم ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم هذا لفظه قال السهيلي: "وهو كلام مجمل يحتاج إلى بسط وتبيين" فيقال" متى يكون أحد الشيئين أحق بالتقدم ويكون المتكلم ببيانه أعنى قال والجواب أن هذا الأصل يجب الاعتناء به لعظم منفعته في كتاب الله وحديث رسوله إذ لا بد من الوقوف على الحكمة في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر نحو السميع والبصير والظلمات والنور والليل والنهار والجن والإنس في الأكثر وفي بعضها الإنس والجن وتقديم السماء على الأرض في الذكر وتقديم الأرض عليها في بعض الآي ونحو سميع عليم ولم يجيء عليم سميع وكذلك عزيز حكيم وغفور رحيم وفي موضع واحد الرحيم الغفور إلى غير ذلك مما لا يكاد ينحصر وليس شيء من ذلك يخلو عن فائدة وحكمة لأنه كلام الحكيم الخبير وسنقدم بين يدي الخوض في هذا الغرض أصلا يقف بك على الطريق الأوضح فنقول إن تقديم الألفاظ في اللسان على حسب تقدم المعاني في الجنان تقديم المعاني تتقدم المعاني بأحد خمسة أشياء إما بالزمان وإما بالطبع وإما بالرتبة وإما بالسبب وإما بالفضل والكمال فإذا سبق معنى من المعاني إلى الخفة والثقل بأحد هذه الأسباب الخمسة أو بأكثرها سبق اللفظ الدال على ذلك المعنى السابق وكان ترتب الألفاظ بحسب ذلك نعم وربما كان ترتب الألفاظ بحسب الخفة والثقل لا بحسب المعنى كقولهم ربيعة ومضر وكان تقديم مضر أولى من جهة الفضل ولكن آثروا الخفة لأنك لو قدمت مضر في اللفظ كثرت الحركات وتوالت فلما أخرت وقف عليها بالسكون قلت:

стр. 61

ومن هذا النحو الجن والإنس فإن لفظ الإنس أخف لمكان النون الخفيفة والسين المهموسة فكان الأثقل أولى بأول الكلام من الأخف لنشاط المتكلم وجمامه وأما في القرآن فلحكمة أخرى سوى هذه قدم الجن على الإنس في الأكثر والأغلب وسنشير إليها في آخر الفصل إن شاء الله أما ما تقدم بتقدم الزمان فكعاد وثمود والظلمات والنور فإن الظلمة سابقة للنور في المحسوس والمعقول وتقدمها في المحسوس معلوم بالخبر المنقول وتقدم الظلمة المعقولة معلوم بضرورة العقل قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ فالجهل ظلمة معقولة وهي متقدمة بالزمان على نور العلم ولذلك قال تعالى: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ فهذه ثلاث محسوسات ظلمة الرحم وظلمة البطن وظلمة المشيمة وثلاث معقولات وهي عدم الإدراك الثلاثة المذكورة في الآية المتقدمة إذ لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع وفي الحديث: " إن الله خلق عباده في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره" صحيح ومن المتقدم بالطبع نحو مثنى وثلاث ورباع ونحو: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَة إَِِلاّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية وما يتقدم من الأعداد بعضها على بعض إنما يتقدم بالطبع كتقدم الحيوان على الإنسان والجسم على الحيوان ومن هذا الباب تقدم العزيز على الحكيم لأنه عز فلما عز حكم وربما كان هذا من تقدم السبب على المسبب ومثله كثير في القرآن نحو: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ لأن التوبة سبب الطهارة وكذلك: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ لأن الإفك سبب الإثم وكذلك: ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ وأما تقدم هماز على مشاء بنميم فبالرتبة لأن المشي مرتب على القعود في المكان والهماز هو العياب وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميمة وأما تقدم مناع للخير على معتد فبالرتبة أيضا لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره ومن المقدم بالرتبة: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِر﴾ لأن الذي يأتي راجلا يأتي من المكان القريب والذي يأتي على الضامر يأتي من المكان البعيد على أنه قد روي عن

стр. 62

ابن عباس أنه قال: "وددت أني حججت راجلا لأن الله قدم الرجالة على الركبان في القرآن الكريم" فجعله ابن عباس من باب تقدم الفاضل على المفضول والمعنيان موجودان وربما قدم الشيء لثلاثة معان وأربعة وخمسة وربما قدم لمعنى واحد من الخمسة ومما قدم للفضل والشرف: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وقوله: النبيين والصديقين ومنه تقديم السميع على البصير وسميع على بصير ومنه تقديم الجن على الإنس في أكثر المواضع لأن الجن تشتمل على الملائكة وغيرهم مما اجتن عن الأبصار قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً﴾ وقال الأعشى: وسخر من جن الملائك شيعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر وأما قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ وقوله: ﴿لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ فإن لفظ الجن هاهنا لا يتناول الملائكة بحال لنزاهتهم عن العيوب وأنه لا يتوهم عليهم الكذب ولا سائر الذنوب فلما لم يتناولهم عموم لفظ هذه القرينة بدأ بلفظ الإنس لفضلهم وكمالهم وأما تقديم السماء على الأرض فبالرتبة أيضا وبالفضل والشرف وأما تقديم الأرض في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ فبالرتبة أيضا لأنها منتظمة بذكر ما هي أقرب إليه وهم المخاطبون بقوله: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ فاقتضى حسن النظم تقديمها مرتبة في الذكر مع المخاطبين الذين هم أهلها بخلاف الآية التي في سبأ فإنها منتظمة بقوله عالم الغيب وأما تقديمه المال على الولد في كثير من الآي فلأن الولد بعد وجود المال نعمة ومسرة وعند الفقر وسوء الحال هم ومضرة فهذا من باب تقديم السبب على المسبب لأن المال سبب تمام النعمة بالولد وأما قوله: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِين﴾ فتقديم النساء على البنين بالسبب وتقدم الأموال على البنين بالرتبة ومما تقدم بالرتبة ذكر السمع والعلم حيث وقع فإنه خبر يتضمن التخويف والتهديد فبدأ بالسمع لتعلقه

стр. 63

بما قرب كالأصوات وهمس الحركات فإن من سمع حسك وخفي صوتك أقرب إليك في العادة ممن يقال لك أنه يعلم وإن كان علمه تعالى متعلقا بما ظهر وبطن وواقعا على ما قرب وشطن ولكن ذكر السميع أوقع في باب التخويف من ذكر العليم فهو أولى بالتقديم وأما تقديم الغفور على الرحيم فهو أولى بالطبع لأن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة والسلامة تطلب قبل الغنيمة وفي الحديث أن النبي قال: لعمرو بن العاص " أبعثك وجها يسلمك الله فيه ويغنمك وأرغب لك رغبة من المال " صحيح فهذا من الترتيب البديع بدأ بالسلامة قبل الغنيمة وبالغنيمة قبل الكسب وأما قوله: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة فإما بالفضل والكمال وإما بالطبع لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص كقوله: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ وكقوله: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ ومما قدم بالفضل قوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ لأن السجود أفضل وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فإن قيل فالركوع قبله بالطبع والزمان والعادة لأنه انتقال من علو إلى انخفاض والعلو بالطبع قبل الانخفاض فهلا قدم الركوع الجواب أن يقال: انتبه لمعنى الآية من قوله: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ ولم يقل اسجدي مع الساجدين فإنما عبر بالسجود عن الصلاة وأراد صلاتها في بيتها لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها مع قومها ثم قال لها: ﴿اركعي مع الراكعين﴾ أي صلي مع المصلين في بيت المقدس ولم يرد أيضا الركوع وحده دون أجزاء الصلاة ولكنه عبر بالركوع عن الصلاة كما تقول: ركعت ركعتين وأربع ركعات يريد الصلاة لا الركوع بمجرده فصارت الآية متضمنة لصلاتين صلاتها وحدها عبر عنها بالسجود لأن السجود أفضل حالات العبد وكذلك صلاة المرأة في بيتها أفضل لها ثم صلاتها في المسجد عبر عنها بالركوع لأنه في الفضل دون السجود وكذلك صلاتها مع المصلين دون صلاتها وحدها في بيتها ومحرابها وهذا نظم بديع

стр. 64

وفقه دقيق وهذه نبذ تسير بك إلى ما وراءها ترشدك وأنت صحيح وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركوع السجود: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ بدأ بالطائفين للرتبة والقرب من البيت المأمور بتطهيره من أجل الطوافين وجمعهم جمع السلامة لأن جمع السلامة أدل على لفظ الفعل الذي هو علة تعلق بها حكم التطهير ولو كان مكان الطائفين الطواف لم يكن في هذا اللفظ من بيان قصد الفعل ما في قوله: للطائفين ألا ترى أنك تقول تطوفون كما تقول طائفون فاللفظان متشابهان فإن قيل: فهلا أتى بلفظ الفعل بعينه فيكون أبين فيقول: وطهر بيتي للذين يطوفون قيل: إن الحكم يعلل بالفعل لا بذوات الأشخاص ولفظ الذين ينبئ عن الشخص والذات ولفظ الطواف يخفي معنى الفعل ولا يبينه فكان لفظ الطائفين أولى بهذا الموطن ثم يليه في الترتيب القائمين لأنه في معنى العاكفين وهو في معنى قوله: ﴿إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً﴾ أي مثابرا ملازما وهو كالطائفين في تعلق حكم التطهر به ثم يليه بالرتبة لفظ الراكع لأن المستقبلين البيت بالركوع لا يختصون بما قرب منه كالطائفين والعاكفين ولذلك لم يتعلق حكم التطهير بهذا الفعل الذي هو الركوع وأنه لا يلزم أن يكون في البيت ولا عنده فلذلك لم يجيء بلفظ جمع السلامة لأنه لا يحتاج فيه إلى بيان لفظ الفعل كما احتيج فيما قبله ثم وصف الركع بالسجود ولم يعطف بالواو كما عطف ما قبله لأن الركع هم السجود والشيء لا يعطف بالواو على نفسه ولفائدة أخرى وهو أن السجود أغلب ما يجيء عبارة عن المصدر والمراد به هاهنا الجمع فلو عطف بالواو لتوهم أنه يريد السجود الذي هو المصدر دون الاسم الذي هو النعت وفائدة ثالثة أن الراكع إن لم يسجد فليس براكع في حكم الشريعة فلو عطفت هاهنا بالواو لتوهم أن الركوع حكم يجري على حباله فإن قيل فلم قال السجود على وزن فعول ولم يقل السجد كالركع وفي آية أخرى: ﴿رُكَّعاً سُجَّداً﴾ ولم جمع ساجد على السجود ولم يجمع راكع على ركوع فالجواب: أن

стр. 65

السجود في الأصل مصدر كالخشوع والخضوع وهو يتناول السجود الظاهر والباطن ولو قال: السجد في جمع ساجد لم يتناول إلا المعنى الظاهر وكذلك الركع ألا تراه يقول تراهم ركعا سجدا وهذه رؤية العين وهي لا تتعلق إلا بالظاهر والمقصود هنا الركوع الظاهر لعطفه على ما قبله مما يراد به قصد البيت والبيت لا يتوجه إليه إلا بالعمل الظاهر وأما الخشوع والخضوع الذي يتناوله لفظ الركوع دون لفظ الركع فليس مشروطا بالتوجه إلى البيت وأما السجود فمن حيث أنبأ عن المعنى الباطن جعل وصفا للركع ومتمما لمعناه إذ لا يصح الركوع الظاهر إلا بالسجود الباطن ومن حيث تناول لفظه أيضا السجود الظاهر الذي يشترط فيه التوجه إلى البيت حسن انتظامه أيضا مع ما قبله مما هو معطوف على الطائفين الذين ذكرهم بذكر البيت فمن لحظ هذه المعاني بقلبه وتدبر هذا النظم البديع بلبه ارتفع في معرفة الإعجاز عن التقليد وأبصر بعين اليقين أنه تنزيل من حكيم حميد تم كلامه قلت وقد تولج ﵀ مضائق تضايق عنها أن تولجها الإبر وأتى بأشياء حسنة وبأشياء غيرها أحسن منها فأما تعليله تقديم ربيعة على مضر ففي غاية الحسن وهذا الاسمان لتلازمهما في الغالب صارا كاسم واحد فحسن فيهما ما ذكره وأما ما ذكره في تقديم الجن على الإنس من شرف الجن فمستدرك عليه فإن الإنس أشرف من الجن من وجوه عديدة وقد ذكرناها في غير هذا الموضع تفضيل الإنس على الملائكة وأما قوله: "إن الملائكة أفضل" أو هم أشرف فالمقدمتان ممنوعتان أما الأول فلأن أصل الملائكة ومادتهم التي خلقوا منها هي النور كما ثبت ذلك مرفوعا عن النبي ﷺ في صحيح مسلم: وأما الجان فمادتهم النار بنص القرآن ولا يصح التفريق بين الجن والجان لغة ولا شرعا ولا عقلا وأما المقدمة الثانية وهي كون الملائكة خيرا وأشرف من الإنس فهي المسألة المشهورة: وهي تفضيل الملائكة أو البشر والجمهور على تفضيل البشر والذين فضلوا الملائكة هم المعتزلة والفلاسفة وطائفة ممن عداهم بل الذي

стр. 66

ينبغي أن يقال في التقديم هنا أنه تقديم بالزمان لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ تقديم الإنس على الجن وأما تقديم الإنس على الجن في قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ فلحكمة أخرى سوى ما ذكره وهو أن النفي تابع لما تعقله القلوب من الإثبات فيرد النفي عليه وعلم النفوس بطمث الإنس ونفرتها ممن طمثها الرجال هو المعروف فجاء النفي على مقتضى ذلك وكان تقديم الإنس في هذا النفي أهم وأما قوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ فهذا يعرف سره من السياق فإن هذا حكاية كلام مؤمني الجن حين سماع القرآن كما قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ الآيات وكان القرآن أول ما خوطب به الإنس ونزل على نبيهم وهم أول من بدأ بالتصديق والتكذيب قبل الجن فجاء قول مؤمني الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ بتقديم الإنس لتقدمهم في الخطاب بالقرآن وتقديمهم في التصديق والتكذيب وفائدة أخرى وهي أن هذا حكاية كلام مؤمني الجن لقومهم بعد أن رجعوا إليهم فأخبروهم بما سمعوا من القرآن وعظمته وهدايته إلى الرشد ثم اعتذروا عما كانوا يعتقدونه أولا بخلاف ما سمعوه من الرشد بأنهم لم يكونوا يظنون أن الإنس والجن يقولون على الله كذبا فذكرهم الإنس هنا في التقديم أحسن في الدعوة وأبلغ في عدم التهمة فإنهم خالفوا ما كانوا يسمعونه من الإنس والجن لما تبين لهم كذبهم فبداءتهم بذكر الإنس أبلغ في نفي الغرض والتهمة وأن لا يظن بهم قومهم أنهم ظاهروا الإنس عليهم فإنهم أول ما أقروا بتقولهم الكذب على الله تعالى وهذا من ألطف المعاني وأدقها ومن تأمل مواقعه في الخطاب عرف صحته وأما تقديم عاد على ثمود حيث وقع في القرآن فما ذكره من تقدمهم بالزمان فصحيح وكذلك الظلمات والنور وكذلك مثنى وبابه وأما تقديم العزيز على الحكيم فإن كان من الحكم وهو الفصل والأمر فما ذكره من المعنى صحيح وإن كان من الحكمة وهي كمال

стр. 67

العلم والإرادة المتضمنين اتساق صنعه وجريانه على أحسن الوجوه وأكملها ووضعه الأشياء مواضعها وهو الظاهر من هذا الاسم فيكون وجه التقديم أن العزة كمال القدرة والحكمة كمال العلم وهو سبحانه الموصوف من كل صفة كمال بأكملها وأعظمها وغايتها فتقدم وصف القدرة لأن متعلقة أقرب إلى مشاهدة الخلق وهو مفعولاته تعالى وآياته وأما الحكمة فمتعلقها بالنظر والفكر والاعتبار غالبا وكانت متأخرة عن متعلق القدرة وجه ثان أن النظر في الحكمة بعد النظر في المفعول والعلم به فينتقل منه إلى النظر فيما أودعه من الحكم والمعاني ووجه ثالث: أن الحكمة غاية الفعل فهي متأخرة عنه تأخر الغايات عن وسائلها فالقدرة تتعلق بإيجاده والحكمة تتعلق بغايته فقدم الوسيلة على الغاية لأنها أسبق في الترتيب الخارجي وأما قوله تعالى: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ففيه معنى آخر سوى ما ذكره وهو أن الطهر طهران طهر بالماء من الأحداث والنجاسات وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي وهذا الطهور أصل لطهور الماء وطهور الماء لا ينفع بدونه بل هو مكمل له معد مهيأ بحصوله فكان أولى بالتقديم لأن العبد أول ما يدخل في الإسلام فقد تطهر بالتوبة من الشرك ثم يتطهر بالماء من الحدث وأما قوله: ﴿كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ فالإفك هو الكذب وهو في القول والإثم هو الفجور وهو في الفعل الكذب يدعو إلى الفجور كما في الحديث الصحيح إن الكذب يدعو إلى الفجور وإن الفجور يدعو إلى النار رواه البخاري ومسلم فالذي قاله صحيح معنى ثان في قوله كل معتد أثيم وهو أن العدوان مجاوزة الحد الذي حد للعبد فهو ظلم في القدر والوصف وأما الإثم فهو محرم الجنس ومن تعاطى تعدي الحدود تخطى إلى الجنس الآخر وهو الإثم معنى ثالث وهو أن المعتدي الظالم لعباد الله تعالى عدوانا عليهم والأثيم الظالم لنفسه بالفجور فكان تقديمه هنا على الأثيم أولى لأنه في سياق ذمه والنهي عن طاعته فمن كان معتديا على العباد ظالما لهم فهو أحرى بأن وتوافقه وفيه معنى رابع وهو أنه قدمه

стр. 68

على الأثيم ليقترن بما قبله وهو وصف المنع للخير فوصفه بأنه لا خير فيه للناس وأنه مع ذلك معتد عليهم فهو متأخر عن المناع لأنه يمنع خيره أولا ثم يعتدي عليهم ثانيا ولهذا يحمد الناس من يوجد لهم الراحة ويكف عنهم الأذى وهذا هو حقيقة التصوف وهذا لا راحة يوجدها ولا أذى يكفه تقديم هماز على مشاء بنميم وأما تقديم هماز على مشاء بنميم ففيه آخر غير ما ذكره وهو أن همزه عيب للمهموز وإزراء به وإظهار لفساد حاله في نفسه فإن قال يختص بالمهموز لا يتعداه إلى غيره والمشي بالنميمة يتعداه إلى من ينم عنده فهو ضرر متعد والهمز ضرره لازم للمهموز إذا شعر به ما ينقل من الأذى اللازم إلى الأذى المتعدي المنتشر تقديم الرجال على الركبان وأما تقديم الرجال على الركبان ففيه فائدة جليلة وهي أن الله تعالى شرط في الحج الاستطاعة ولا بد من السفر إليه لغالب الناس فذكر نوعي الحجاج لقطع توهم من يظن أنه لا يجب إلا على راكب وقدم الرجال اهتماما بهذا المعنى وتأكيدا ومن الناس من يقول قدمهم جبرا لهم لأن نفوس الركبان تزدريهم وتوبخهم وتقول: إن الله تعالى لم يكتبه عليكم ولد يرده منكم وربما توهموا أنه غير نافع لهم فبدأ به جبرا لهم ورحمة تقديم غسل الوجه وأما تقديم غسل الوجه ثم اليد ثم مسح الرأس ثم الرجلين في الوضوء فمن يقول إن هذا الترتيب واجب وهو الشافعي وأحمد بن حنبل ﵄ ومن وافقهما فالآية عندهم اقتضت التقديم وجوبا لقرائن عديدة أحدها: أنه أدخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره ولو أريد الجمع المطلق لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم والممسوح بعدها فلما عدل إلى ذلك دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله الثاني أن هذه الأفعال هي أجزاء فعل واحد مأمور به وهو الوضوء فدخلت الواو عاطفة لأجزائه بعضها على بعض والفعل الواحد يحصل من ارتباط أجزائه بعضها ببعض فدخلت الواو بين الأجزاء للربط فأفادت الترتيب إذا هو الربط المذكور في الآية ولا يلزمه من كونها لا تفيد الترتيب بين أفعال لا ارتباط بينها نحو أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة أن لا تفيده بين أجزاء فعل مرتبطة

стр. 69

بعضها ببعض فتأمل هذا الموضع ولطفه وهذا أحد الأقوال الثلاثة في إفادة الواو للترتيب وأكثر الأصوليين لا يعرفونه ولا يحكونه وهو قول ابن أبي موسى من أصحاب أحمد ولعله أرجح الأقوال الثالث أن لبداءة الرب تعالى بالوجه دون سائر الأعضاء خاصة فيجب مراعاتها وأن لا تلغى وتهدر فيهدر ما اعتبره الله تعالى ويؤخر ما قدمه الله وقد أشار النبي ﷺ إلى أن ما قدمه الله فإنه ينبغي تقديمه ولا يؤخر بل يقدم ما قدمه الله ويؤخر ما أخره الله تعالى فلما طاف بين الصفا والمروة بدأ بالصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله تعالى به" رواه الترمذي ومالك وأخرج مسلم نحوه وفي رواية للنسائي: "ابدءوا بما بدأ الله به" صحيح على الأمر فتأمل بداءته بالصفا معللا ذلك بكون الله تعالى بدأبه فلا ينبغي تأخيره وهكذا يقول المرتبون للوضوء سواء نحن نبدأ بما بدأ الله به ولا يجوز تأخير ما قدمه الله تعالى ويتعين البداءة بما بدأ الله تعالى به وهذا هو الصواب لمواظبة المبين عن الله تعالى مراده ﷺ على الوضوء المرتب فاتفق جميع من ثقل عنه وضوءه كلهم على إيقاعه مرتبا ولم ينقل عنه أحد قط أنه أخل بالترتيب مرة واحدة فلو كان الوضوء المنكوس مشروعا لفعله ولو في عمره مرة واحدة لتبين جوازه لأمته وهذا بحمد الله أوضح تقديم النبيين على الصديقين فأما تقديم النبيين على الصديقين فلما ذكره ولكون الصديق تابعا للنبي فإنما استحق اسم الصديق بكمال تصديقه للنبي فهو تابع محض وتأمل تقديم الصديقين على الشهداء لفضل الصديقين عليهم وتقديم الشهداء على الصالحين لفضلهم عليهم تقديم السمع على البصر السمع متقدم على البصر حيث وقع في القرآن الكريم مصدرا أو فعلا أو اسما فالأول كقوله تعال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ والثاني كقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ والثالث كقوله تعالى: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ فاحتج بهذا من يقول إن السمع أشرف من البصر وهذا قول الأكثرين وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي وحكوا هم وغيرهم عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا البصر أفضل ونصبوا معهم الخلاف وذكروا الحجاج من الطرفين ولا أدري ما يترتب على

стр. 70

هذه المسألة من الأحكام حتى تذكر في كتب الفقه وكذلك القولان للمتكلمين والمفسرين وحكى أبو المعالي عن ابن قتيبة: تفضيل البصر ورد عليه واحتج مفضلو السمع بأن الله تعالى يقدمه في القرآن حيث وقع وبالسمع تنال سعادة الدنيا والآخرة فإن السعادة بأجمعها في طاعة الرسل والإيمان بما جاءوا به وهذا إنما يدرك بالسمع ولهذا في الحديث الذي رواه أحمد وغيره من حديث الأسود بن سريع ثلاثة كلهم يدلي على الله بحجته يوم القيامة فذكر منهم رجلا أصم يقول يا رب لقد جاء الإسلام وأنا لا أسمع شيئا صحيح واحتجوا بأن العلوم الحاصلة من السمع أضعاف العلوم الحاصلة من البصر فإن البصر لا يدرك إلا بعض الموجودات المشاهدة بالبصر القريبة والسمع يدرك الموجودات والمعدومات والحاضر والغائب والقريب والبعيد والواجب والممكن والممتنع فلا نسبة لإدراك البصر إلى إدراكه واحتجوا بأن فقد السمع يوجب ثلم القلب واللسان ولهذا كان الأطرش خلقة لا ينطق في الغالب وأما فقد البصر فربما كان معينا على قوة إدراك البصيرة وشدة ذكائها فإن نور البصر ينعكس إلى البصيرة باطنا فيقوي إدراكها ويعظم ولهذا تجد كثيرا من العميان أو أكثرهم عندهم من الذكاء الوقاد والفطنة وضياء الحس الباطن ما لا تكاد تجده عند البصير ولا ريب أن سفر البصر في الجهات والأقطار ومباشرته للمبصرات على اختلافها يوجب تفرق القلب وتشتيته ولهذا كان الليل أجمع للقلب والخلوة أعون على إصابة الفكرة قالوا فليس نقص فاقد السمع كنقص فاقد البصر ولهذا كثير في العلماء والفضلاء وأئمة الإسلام من هو أعمى ولم يعرف فيهم واحد أطرش بل لا يعرف في الصحابة أطرش فهذا ونحوه من احتجاجهم على تفضيل البصر قال منازعوهم يفصل بيننا وبينكم أمران أحدهما أن مدرك البصر النظر إلى وجه الله تعالى في الدار الآخرة وهو أفضل نعيم أهل الجنة وأحبه إليهم ولا شيء أكمل من المنظور إليه سبحانه فلا حاسة في العبد أكمل من حاسة تراه بها الثاني أن هذا النعيم وهذا العطاء

стр. 71

إنما نالوه بواسطة السمع فكان السمع كالوسيلة لهذا المطلوب الأعظم فتفضيله عليه كفضيلة الغايات على وسائلها وأما ما ذكرتم من سعة إدراكاته وعمومها فيعارضه كثرة الخيانة فيها ووقوع الغلط فإن الصواب فيما يدركه السمع بالإضافة إلى كثرة المسموعات قليل في كثير ويقابل كثير مدركاته صحة مدركات البصر وعدم الخيانة وأن ما يراه ويشاهده لا يعرض فيه من الكذب ما يعرض فيه فيما يسمعه وإذا تقابلت المرتبتان بقي الترجيح بما ذكرناه قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه: "وفصل الخطاب أن إدراك السمع أعم وأشمل وإدراك البصر أتم وأكمل فهذا له التمام والكمال وذاك له العموم والشمول فقد ترجح كل منهما على الآخر بما اختص" به تم كلامه وقد ورد في الحديث المشهور أن النبي ﷺ قال لأبي بكر وعمر: " هذان السمع والبصر " صحيح على الراجح وهذا يحتمل أربعة أوجه أحدها: أن يكون المراد أنهما مني بمنزلة السمع والبصر والثاني يريد أنهما من دين الإسلام بمنزلة السمع والبصر من الإنسان فيكون الرسول بمنزلة القلب والروح وهما بمنزلة السمع والبصر من الدين وعلى هذا فيحتمل وجهين أحدهما التوزيع فيكون أحدهما بمنزلة السمع والآخر بمنزلة البصر والثاني الشركة فيكون هذا التنزيل والتشبيه بالحاستين ثابتا لكل واحد منهما فكل منهما بمنزلة السمع والبصر فعلى احتمال التوزيع والتقسيم تكلم الناس أيهما هو السمع وأيهما هو البصر وبنوا ذلك على أي الصفتين أفضل فهي صفة الصديق والتحقيق أن صفة البصر للصديق وصفة السمع للفاروق ويظهر لك هذا من كون عمر محدثا كما قال النبي ﷺ : "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في هذه الأمة أحد فعمر " رواه مسلم والتحديث المذكور هو ما يلقى في القلب من الصواب والحق وهذا طريقه السمع الباطن وهو بمنزلة التحديث والإخبار في الأذن وأما الصديق فهو الذي كمل مقام الصديقية لكمال بصيرته حتى كأنه قد باشر بصره مما أخبر به الرسول ما باشر قلبه فلم يبق بينه وبين إدراك البصر إلا حجاب الغيب فهو

стр. 72

كأنه ينظر إلى ما أخبر به من الغيب من وراء ستوره وهذا لكمال البصيرة وهذا أفضل مواهب العبد وأعظم كراماته التي يكرم بها وليس بعد درجة النبوة إلا هي ولهذا جعلها سبحانه بعدها فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ وهذا هو الذي سبق به الصديق لا بكثرة صوم ولا بكثرة صلاة وصاحب هذا يمشي رويدا ويجيء في الأول ولقد تعناه من لم يكن سيره على هذا الطريق وتشميره إلى هذا العلم وقد سبق من شمر إليه وإن كان يزحف زحفا ويحبو حبوا ولا تستطل هذا الفصل فإنه أهم مما قصد بالكلام فليعد إليه فقيل تقديم السمع على البصر له سببان أحدهما أن يكون السياق يقتضيه بحيث يكون ذكرها بين الصفتين متضمنا للتهديد والوعيد كما جرت عادة القرآن بتهديد المخاطبين وتحذيرهم بما يذكره من صفاته التي تقتضي الحذر والاستقامة كقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ والقرآن الكريم مملوء من هذا وعلى هذا فيكون في ضمن ذلك أني أسمع ما يردون به عليك وما يقابلون به رسالاتي وأبصر ما يفعلون ولا ريب أن المخاطبين بالرسالة بالنسبة إلى الإجابة والطاعة نوعان أحدهما قابلوها بقولهم صدقت ثم عملوا بموجبها والثاني قابلوها بالتكذيب ثم عملوا بخلافها فكانت مرتبة المسموع منهم قبل مرتبة البصر فقدم ما يتعلق به على ما يتعلق بالمبصر وتأمل هذا المعنى في قوله تعالى: لموسى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ هو يسمع ما يجيبهم به ويرى ما يصنعه وهذا لا يعم سائر المواضع بل يختص منها بما هذا شأنه والسبب الثاني أن إنكار الأوهام الفاسدة لسمع الكلام مع غاية البعد بين السامع والمسموع أشد من إنكارها لرؤيته مع بعده وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: "اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول فقال: الآخر يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا فقال الثالث: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو

стр. 73

يسمع إذا أخفينا " رواه البخاري ومسلم والترمذي ولم يقولوا أترون الله يرانا فكان تقديم السمع أهم والحاجة إلى العلم به أمس وسبب ثالث وهو أن حركة اللسان بالكلام أعظم حركات الجوارح وأشدها تأثيرا في الخير والشر والصلاح والفساد بل عامة ما يترتب في الوجود من الأفعال إنما ينشأ بعد حركة اللسان فكأن تقديم الصفة المتعلقة به أهم وأولى وبهذا يعلم تقديمه على العليم حيث وقع تقديم السماء على الأرض وأما تقديم السماء على الأرض ففيه معنى وهو أن السموات والأرض تذكر غالبا في سياق آيات الرب الدالة على وحدانيته وربوبيته ومعلوم أن الآيات في السموات أعظم منها في الأرض لسعتها وعظمها وما فيها من كواكبها وشمسها وقمرها وبروجها وعلوها واستغنائها عن عمد تقلها أو علاقة ترفعها إلى غير ذلك من عجائبها وما فيها كقطرة في سعتها ولهذا أمر سبحانه بأن يرجع الناظر فيها البصر كرة بعد كرة ويتأمل استواءها واتساقها وبراءتها من الخلل والفطور فالآية فيها أعظم من الأرض وفي كل شيء له آية سبحانه وبحمده وأما تقديم الأرض عليها في قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ وتأخيرها عنها في سبأ فتأمل كيف وقع هذا الترتيب في سبأ في ضمن قول الكفار: ﴿لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي اْلأَرْضِ﴾ كيف قدم السموات هنا لأن الساعة إنما تأتي من قبلها وهي غيب فيها ومن جهتها تبتديء وتنشأ ولهذا قدم صعق أهل السموات على أهل الأرض عندها فقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونس فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر وإعلامهم أنه سبحانه عالم بأعمالهم دقيقها وجليلها وأنه لا يغيب عنه منها شيء اقتضى ذلك ذكر محلهم وهو الأرض قبل ذكر السماء فتبارك من أودع كلامه من الحكم والأسرار والعلوم ما يشهد أنه كلام الله تعالى وأن مخلوقا لا يمكن أن يصدر منه مثل هذا الحكم أبدا تقديم المال على الولد وأما تقديم المال على الولد فلم يطرد هذا التقديم في القرآن الكريم بل قد جاء مقدما كذلك في قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ

стр. 74

وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وجاء ذكر البنين مقدما كما في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ فأما تقديم الأموال في تلك المواضع الثلاثة فلأنه ينتظمها معنى واحد وهو التحذير من الاشتغال بها والحرص على تحصيلها حتى يفوته حظه من الله والدار الآخرة فهي في موضع عن الإلتهاء بها وأخبر في موضع أنها فتنة وأخبر في موضع آخر أن الذي يقرب عباده إليه إيمانهم وعملهم الصالح لا أموالهم ولا أولادهم ففي ضمن هذا النهي عن الاشتغال بها عما يقرب إليه ومعلوم أن اشتغال الناس بأموالهم والتلاهي بها أعظم من اشتغالهم بأولادهم وهذا هو الواقع حتى إن الرجل ليستغرقه اشتغاله بماله عن مصلحة ولده وعن معاشرته وقربه وأما تقديمهم على الأموال في تينك الآيتين فلحكمة باهرة وهي أن براءة متضمنة لوعيد من كانت تلك الأشياء المذكورة فيها أحب إليه من الجهاد في سبيل الله ومعلوم أن تصور المجاهد فراق أهله وأولاده وآبائه وإخوانه وعشيرته تمنعه من الخروج عنهم أكثر مما يمنعه مفارقته ماله فإن تصور مع هذا أن يقتل فيفارقهم فراق الدهر نفرت نفسه عن هذه أكثر وأكثر ولا يكاد عند هذا التصور يخطر له مفارقة ماله بل يغيب بمفارقة الأحباب عن مفارقة المال فكان تقديم هذا الجنس أولى من تقديم المال وتأمل هذا الترتيب البديع في تقديم ما قدم وتأخير ما أخر يطلعك على عظمة هذا الكلام وجلالته فبدأ أولا بذكر أصول العبد وهم آباؤه المتقدمون طبعا وشرفا ورتبة وكان فخر القوم بآبائهم ومحاماتهم عنهم أكثر من محاماتهم عن أنفسهم وأموالهم وحتى عن أبنائهم ولهذا حملتهم محاماتهم عن آبائهم ومناضلتهم عنهم إلى أن احتملوا القتل وسبي الذرية ولا يشهدون على آبائهم بالكفر والنقيصة ويرغبون عن دينهم لما في ذلك من إزرائهم بهم ثم ذكر الفروع وهم الأبناء لأنهم يتلونهم في الرتبة وهم أقرب أقاربهم إليهم وأعلق بقلوبهم وألصق بأكبادهم من الإخوان

стр. 75

والعشيرة ثم ذكر الإخوان وهم الكلالة وحواشي النسب فذكر الأصول أولا ثم الفروع ثانيا ثم النظراء ثالثا ثم الأزواج رابعا لأن الزوجة أجنبية عنده ويمكن أن يتعوض عنها بغيرها وهي إنما تراد للشهوة وأما الأقارب من الآباء والأبناء والإخوان فلا عوض عنهم ويرادون للنصرة والدفاع وذلك مقدم على مجرد الشهوة ثم ذكر القرابة البعيدة خامسا وهي العشيرة وبنو العم فإن عشائرهم كانوا بني عمتهم غالبا وإن كانوا أجانب فأولى بالتأخير ثم انتقل إلى ذكر الأموال بعد الأقارب سادسا ووصفها بكونها مقترفة أي مكتسبة لأن القلوب إلى ما اكتسبته من المال أميل وله أحب وبقدره أعرف لما حصل له فيه من التعب والمشقة بخلاف مال جاء عفوا بلا كسب من ميراث أو هبة أو وصية فإن حفظه للأول ومراعاته له وحرصه على بقائه أعظم من الثاني والحس شاهد بهذا وحسبك به ثم ذكر التجارة سابعا لأن محبة العبد للمال أعظم من محبته للتجارة التي يحصله بها فالتجارة عنده وسيلة إلى المال المقترف فقدم المال على التجارة تقديم الغايات على وسائلها ثم وصف التجارة بكونها مما يخشى كسادها وهذا يدل على شرفها وخطرها وأنه قد بلغ قدرها إلى أنها مخوفة الكساد ثم ذكر الأوطان ثامنا آخر المراتب لأن تعلق القلب بها دون تعلقه بسائر ما تقدم فإن الأوطان تتشابه وقد يقوم الوطن الثاني مقام الأول من كل وجه ويكون خيرا منه فمنها عوض وأما الآباء والأبناء والأقارب والعشائر فلا يتعوض منهما بغيرها فالقلب وإن كان يحن إلى وطنه الأول فحنينه إلى آبائه وأبنائه وزوجاته أعظم فمحبة الوطن آخر المراتب وهذا هو الواقع إلا لعارض يترجح عنده إيثار البعيد على القريب فذلك جزئي لا كلي فلا تناقض به وأما عند عدم العوارض فهذا هو الترتيب المناسب والواقع وأما آية آل عمران فإنها لما كانت في سياق الإخبار بما زين للناس من الشهوات التي آثروها على ما عند الله واستغنوا بها قدم ما تعلق الشهوة به أقوى والنفس إليه أشد سعرا وهو النساء التي فتنتهن أعظم فتن الدنيا وهي القيود التي حالت بين العباد
следующие страницы →