Полный текст (992 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
عبروا عنه بأن لا يكون المستثنى من جنس المستثنى منه وهذا يحتمل شيئين:
أحدهما: أن يكون المستثنى فردا من أفراد المستثنى منه.
الثاني: أن لا يكون داخلا في ماهيته ومسماه فنحو جاء القوم إلا فرسا منقطع اتفاقا وجاءوا إلا زيدا متصل ورأيت زيدا إلا وجهه منقطع على الاعتبار الأول لأن الوجه ليس فردا من أفراد المستثنى منه ولكن لا أعلم أحدا من النحاة يقول ذلك ويلزم من ذلك أن يكون استثناء كل جزء من كل منقطعا ونحو قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ منقطع على التفسير الأول لعدم دخول الموتة الأولى في المستثنى منه متصل على التفسير الثاني لأنها من جنس الموت في الجملة وفي الاستثناء المنقطع عبارة أخرى وهي أن يكون منقطعا مما قبله إما في العمل إما في تناوله له فالمنقطع تناولا جاء القوم إلا حمارا والمنقطع عملا نحو قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلاّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ فهذا استثناء منقطع بجملة كذا قاله ابن خروف وغيره وجعلوا من مبتدأ ويعذبه خبره ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط وجعل الفراء من هذا قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ على قراءة الرفع وقدره إلا قليل منهم لم يشربوا وقواه ابن خروف واستحسنه، ومن هذا قولهم: "ما للشياطين من سلاح أبلغ في الصالحين من النساء إلا المتزوجون أولئك المطهرون المبرؤون من الخناء" وقيل إن من هذا قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ في قراءة الرفع ويكون امرأتك مبتدأ وخبره ما بعده وهذا التوجيه أولى من أن يجعل الاستثناء في قراءة من نصب من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ وفي قراءة من رفع من قوله: ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ ويكون الاستثناء على هذا من فأسر بأهلك رفعا ونصبا وإنما قلنا إنه أولى لأن المعنى عليه فإن الله تعالى أمره أن يسري بأهله إلا امرأته ولو كان الاستثناء من الالتفات لكان قد نهي المسري بهم عن الالتفات وأذن
стр. 562
فيه لامرأته وهذا ممتنع لوجهين:
أحدهما: أنه لم يأمره أن يسرى بامرأته ولا دخلت في أهله الذين وعد بنجاتهم.
والثاني أنه لم يكلفهم بعدم الالتفات ويأذن فيه للمرأة إذا عرف هذا فاختلف النحاة هل من شرط الاستثناء المنقطع تقدير دخوله في المستثني منه بوجه أو ليس ذلك بشرط فكثير من النحاة لم يشترطوا فيه ذلك وشرطه آخرون. قال ابن السراج: "إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل (إلا) قد دل على ما يستثنى؛ فعلى الأول لا يحتاج إلى تقدير وعلى الثاني فلا بد من تقدير الرد ولنذكر لذلك أمثله:
المثال الأول: قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاّ اتِّبَاعَ الظَّنّ﴾ فمن لم يشترط التقدير أجراه مجرى المفرغ والمعنى ما عندهم أو ما لهم إلا اتباع الظن وليس اتباع الظن متعلقا بالعلم أصلا ومن اشترط التقدير قال المعنى ما لهم من شعور إلا اتباع الظن والظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو داخل فيه تقدير إذ هو مستحضر بذكره وقائم مقامه في كثير من المواضع فكان في اللفظ إشعاره به صح به دخوله وإخراجه وهذا بعد تقريره فيه ما فيه فإن المستثنى هو اتباع الظن لا الظن نفسه فهو غير داخل في المستثنى منه تحقيقا ولا تقديرا فالأحسن فيه عندي أن يكون التقدير ما لهم به من علم فيتبعونه ويلقون به إن يتبعون إلا الظن فليس اتباع الظن مستثنى من العلم وإنما هو مستثنى من المقصود بالعلم والمراد به هو اتباعه فتأمله هذا على تقدير اشتراط التناول لفظا أو تقديرا وأما إذا لم يشترط وهو الأظهر فتكون فائدة الاستثناء ههنا كفائدة الاستدراك ويكون الكلام قد تضمن نفي العلم عنهم وإثبات ضده لهم وهو الظن الذي لا يغني من العلم شيئا ومثله قوله تعالى وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ليس المراد به نفي الحكم الجازم وإثبات الحكم الراجح بل المراد نفي العلم وإثبات ضده وهو الشك الذي لا يغنى عن صاحبه شيئا والمذكور من الأمثلة يزيد هذا وضوحا المثال الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاّ مَنِ
стр. 563
اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ فهذا استثناء منقطع لأن اتباعه الغاوين لم يدخلوا في عبادة المضافين إليه وإن دخلوا في مطلق العباد فإن الإضافة فيها معنى التخصيص والتشريف كما لم تدخل الخانات والحمامات في بيوت الله قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرض هَوْناً﴾ إلى آخر الآيات وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ فعباده المضافون إليه هم الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أنتمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ومن هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ فعباده ههنا الذين يغفر ذنوبهم جميعا هم المؤمنون التائبون والانقطاع في هذا قول ابن خروف وهو الصواب وقال الزمخشري: "هو متصل وجعل لفظ العباد عاما" وقد عرفت غلطه وعلي تقدير الانقطاع فإن لم يقدر دخوله في الأول فظاهر وإن قدرنا دخوله فقالوا تقديره إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا على غيرهم إلا من اتبعك من الغاوين ولا يخفى التكلف الظاهر عليه بل الأحسن أن يقال لما ذكر العباد وأضافهم إليه والأضافه يحتمل أن تكون إلى ربوبيته العامة فتكون أضافه ملك وأن تكون إلى الهيئة فتكون أضافه اختصاص ومحبة والغاووين داخلون في العباد عند التعميم والإطلاق لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرض إِلاّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ فالأول متناول له بوجه فصح إخراجه.
المثال الثالث: قوله تعالى: ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ على أصح الوجوه في الآية فإنه تعالى لما ذكر العاصم استدعى معصوما مفهوما من السياق فكأنه قيل لا معصوم اليوم من أمره إلا من رحمة فإنه لما قال لا عاصم اليوم من أمره الله بقى الذهن طالبا للمعصوم فكأنه قيل فمن الذي يعصم فأجيب بأنه لا يعصم إلا من رحمة الله ودل هذا الفظ باختصاره وجلالته وفصاحته علي نفي كل عاصم سواه وعلى نفي كل معصوم سوى من رحمة الله فدل الاستثناء على أمرين على
стр. 564
المعصوم من هو وعلى العاصم وهو ذو الرحمة وهذا من أبلغ الكلام وأفصحه وأوجزه ولا يلتفت إلى ما قيل في الآية بعد ذلك وقد قالوا فيها ثلاثة أقوال آخر:
أحدها: أن عاصما بمعنى معصوم كماء دافق وعيشة راضية والمعنى لا معصوم إلا من رحمة الله وهذا فاسد لأن كل واحد من اسم الفاعل واسم المفعول موضوع لمعناه الخاص به فلا يشاركه فيه الآخر وليس الماء الدافق بمنى المدفوق بل هو فاعل على بابه كما يقال ماء جار فدافق كجار فما الموجب للتكليف البارد وأما عيشة راضية فهي عند سيبويه على النسب كتامر ولابن أي ذات رضي وعند غيره كنهار صائم وليل قائم على المبالغة.
والقول الثاني: أن من رحم فاعل لا مفعول والمعنى لا يعصم اليوم من أمر الله إلا الراحم فهو استثناء فاعل من فاعل وهذا وإن كان أقل تكلفا فهو أيضا ضعيف جدا وجزالة الكلام وبلاغته تأباه بأول نظر.
والقول الثالث إن في الكلام مضافا محذوفا قام المضاف إليه مقامه والتقدير لا معصوم عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحمة الله وهذا من أنكر الأقوال وأشدها منافاة للفصاحة والبلاغة ولو صرح به لكان مستغثا.
المثال الربع: قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فهذا من الاستثناء السابق زمان المستثنى فيه زمان المستثنى منه فهو غير داخل فيه فمن لم يشترط الدخول فلا يقدر شيئا ومن قال لا بد من دخوله قدر دخوله في مضمون الجملة الطلبية بالنهي لأن مضمون قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الإثم والمؤاخذة أي أن الناكح ما نكح أبوه آثم مؤاخذ إلا ما قد سلف قبل النهي وإقامة الحجة فإنه لا تتعلق به المؤاخذة وأحسن من هذا عندي أن يقال لما نهي سبحانه عن نكاح منكوحات الآباء أفاد ذلك أن وطأهن بعد التحريم لا يكون نكاحا البتة بل لا يكون إلا سفاحا فلا يترتب عليه أحكام النكاح من ثبوت الفراش ولحوق النسب بل الولد فيه يكون ولد زنية وليس هذا حكم ما سلف قبل التحريم فإن الفراش كان ثابتا فيه والنسب لاحق فأفادا الاستثناء فائدة جليلة عظيمة وهي أن ولد من
стр. 565
نكح ما نكح أبوه قبل التحريم ثابت النسب وليس ولد زنا والله أعلم.
المثال الخامس: قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ ومعلوم أن التقاة ليست بموالاة ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضي ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجهرتهم بالعدوان في كل حال إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية وليست التقية موالاة لهم والدخول ههنا ظاهر فهو إخراج من متوهم غير مراد.
المثال السادس: قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إِلاّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأكْبَرَ﴾ فهذا من المنقطع لا بالاعتبار الذي ذكره ابن خروف من كون المستثنى جملة مستقلة بل باعتبار آخر وهو أنه ليس المراد إثبات السيطرة على الكفار فإن الله سبحانه بعثه نذيرا مبلغا لرسالات ربه فمن أطاعة فله الجنة ومن عصاه فله النار قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاّ الْبَلاغُ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ قال المفسرون: المعنى أنك لم ترسل مسلطا عليهم قاهرا لهم جبارا كالملوك بل أنت عبدي ورسولي المبلغ رسالاتي فمن أطاعك فله الجنة ومن عصاك فله النار ويوضح هذا أن المخاطبين بهذا الخطاب هم الكفار فلا يصح أن يكونوا هم المستثنين.
المثال السابع: قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ وهذا فيه نفي لسماع اللغو والتأثيم وإثبات لضده وهو السلام المنافي لهما فالمقصود به نفي شيء وإثبات ضده وعلى هذا فلا حاجة إلى تكلف دخوله تحت المستثنى منه لأنه يتضمن زوال هذه الفائدة من الكلام ومن رده إلى الأول قال لما نفي عنهم سماع اللغو والتأثيم وهما مما يقال فكأن النفس تشوفت إلى أنه هل يسمع فيها شيء غيره فقال: ﴿إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ فعاد المعنى إلى لا يسمعون فيها شيئا إلا قيلا سلاما سلاما وأنت إذا تأملت هذين التقديرين رأيت الأول أصوب
стр. 566
فإنه نفى سماع شيء وأثبت ضده وعلى الثاني نفى سماع كل شيء إلا السلام وليس المعنى عليه فإنهم يسمعون السلام وغيره فتأمله.
المثال الثامن: قوله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ فهذا من الاستثناء السابق زمانه زمان المستثنى منه ولما كانت الموته الأولى من جنس الموت المنفى زعم بعضهم أنه متصل. وقال بعضهم: (إلا) بمعنى بعد والمعنى لا يذوقون بعد الموتة الأولى موتا في الجنة وهذا معنى حسن جدا يفتقر إلى مساعدة اللفظ عليه ويوضحه أنه ليس المراد إخراج الموته الأولى من الموت المنفي ولا ثم شيء متوهم يحتاج لأجله إلى الاستثناء وإنما المراد الإخبار بأنهم بعد موتتهم الأولى التي كتبها الله عليهم لا يذوقون غيرها وعلى هذا فيقال لما كان ما بعد إلا حكمه مخالف لحكم ما قبلها والحياة الدائمة في الجنة إنما تكون بعد الموته الأولى كانت أداة إلا مفهمة هذه البعدية وقد أمن اللبس لعدم دخولها في الموت المنفى في الجنة فتجردت لهذا المعنى فهذا من أحسن ما يقال في الآية فتأمله.
المثال التاسع: قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً إِلاّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ فهذا على عدم تقدير التناول يكون فيه نفي الشيء وإثبات ضده وهو أظهر وعلى تقدير التناول لما نفي ذوق البرد والشراب فربما توهم أنهم لا يذوقون غيرهما فقال إلا حميما وغساقا فيكون الاستثناء من عام مقدر.
المثال العاشر: قوله تعالى: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾ فعلى تقدير عدم الدخول نفى الخوف عن المرسلين وأثبته لمن ظلم ثم تاب وعلى تقدير الدخول يكون المعنى ولا غيرهم إلا من ظلم.
وأما قول بعض الناس: إن (إلا) بمعنى الواو والمعنى: ولا من ظلم، فخَبْطٌ منه؛ فإن هذا يرفع الأمان عن اللغة ويوقع اللبس في الخطاب والواو وإلا متنافيتان فإحداهما تثبت للثاني نظير حكم الأول والآخرى تنفى عن الثاني ذلك فدعوى تعاقبتهما دعوى باطلة لغة وعرفا والقاعدة أن الحروف لا ينوب بعضها عن بعض خوفا من اللبس وذهاب المعنى الذي قصد بالحرف وإنما يضمن ويشرب معنى فعل آخر يقتضي ذلك الحرف فيكون ذكر
стр. 567
الفعل مع الحرف الذي يقتضيه غيره قائما مقام الذكر الفعلين وهذا من بديع اللغة وكمالها ولو قدر تعاقب الحروف ونيابة بعضها عن بعض فإنما يكون ذلك إذا كان المعنى مكشوفا واللبس مأمونا فيكون من باب التفنن في الخطاب والتوسع فيه فإما أن يدعى ذلك من غير قرينة في اللفظ فلا يصح وسنشبع الكلام على هذا في فصل مفرد إن شاء الله تعالى والذي حملهم على دعوى ذلك أنهم لما رأوا الخوف منتفيا عن المذكور بعد إلا ظنوا أنها بمعنى الواو لكون المعنى عليه وغلطوا في ذلك فإن الخوف ثابت له حال ظلمه وحال تبديله الحسن بعد السوء أما حال ظلمه فظاهر وأما حال التبديل فلأنه يخاف أنه لم يقم بالواجب وأنه لم يقبل منه ما أتى به كما في الترمذي عن عائشة ﵂ قالت "قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الرجل يزني ويسرق ويخاف؟ قال: يا بنت الصديق هو الرجل يصوم ويصلي ويخاف أن لا يقبل منه"، فمن ظلم ثم تاب فهو أولى بالخوف وإن لم يكن خوف عليه. وقد يجيء الانقطاع في هذا الاستثناء من وجه آخر وهو أن ما بعد إلا جملة مستقلة بنفسها فهي منقطعة مما قبلها انقطاع الجمل بعضها عن بعض فسمى منقطعا بهذا الاعتبار كما تقدم نظيره والله أعلم.
المثال الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أعلم بِمَا يُوعُونَ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ فهذا يبعد تقدير دخوله فيما تقدم قبله جدا وإنما هو إخبار عن مال الفريقين فلما بشر الكافرين بالعذاب بشر المؤمنين بالأجر غير الممنون فهذا من باب المثاني الذي يذكر فيه الشيء وضده كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ فليس هناك مقدر يخرج منه هذا المستثنى والله أعلم.
المثال الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ فمن آمن ليس داخلا في الأموال والأولاد ولكنه من الكلام المحمول على المعنى لأنه تعالى أخبر أن أموال العباد وأولادهم لا تقربهم إليه وذلك يتضمن أن أربابها ليسوا
стр. 568
هم من المقربين إليه فاستثنى منهم من آمن وعمل صالحا أي لا قريب عنده إلا من آمن وعمل صالحا سواء كان له مال وولد أو لم يكن له والانقطاع فيه أظهر فإنه تعالى نفى قرب الناس إليه بأموالهم وأولادهم وأثبت قربهم عنده بإيمانهم وعملهم الصالح فتقدير لكن ههنا أظهر من تقدير الاتصال في هذا الاستثناء وإذا تأملت الكلام العربي رأيت كثيرا منه واردا على المعنى لوضوحه فلو ورد على قياس اللفظ مع وضوح المعنى لكان عيا وبهذه القاعدة تزول عنك إشكالات كثيرة ولا تحتاج إلى تكلف التقديرات التي إنما عدل عنها المتكلم لما في ذكرها من التكلف فقدر المتكلفون لنطقه ما فر منه وألزموه بما رغب عنه وهذا كثير في تقديرات النحاة التي لا تخطر ببال المتكلم أصلا ولا تقع في تراكيب الفصحاء ولو سمعوها لاستهجنوها وسنعقد إن شاء الله تعالى فصلا مستقلا.
المثال الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً﴾ وتقدير الدخول في هذا أظهر إذ المعنى لن ينالوا منكم إلا أذى وأما الضرر فإنهم لن ينالوه منكم ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ فنفى لحوق ضرر كيدهم بهم مع أنهم لا يسلمون من أذى يلحقهم بكيدهم ولو أنه بالإرهاب والكلام وإلجائهم إلى محاربتهم وما ينالهم بها من الأذى والتعب ولكن ليس ذلك بضارهم ففرق بين الأذى والضرر.
المثال الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ المشهور ظلم مبنى للمفعول وعلى هذا ففي الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع أي لكن من ظلم فإنه إذا شكا ظالمه وجهر بظلمه له لم يكن آثما وتقدير الدخول في الأول على هذا القول ظاهر فإن مضمون لا يحب كذا أنه يبغضه ويبغض فاعلة إلا من ظلم فإن جهره وشكايته لظالمه حلال له كما قال النبي ﷺ ﷺ : "الواجد يحل عرضه وعقوبته"، فعرضه شكاية صاحب الحق له وقوله: ظلمني ومطلني ومنعني حقي وعقوبته ضرب الإمام له حتى يؤدي ما عليه في أصح القولين في مذهب أحمد وهو مذهب مالك وقيل هو حبسه وقيل هو استثناء متصل والجهر
стр. 569
بالسوء هو جهره بالدعاء أن يكشف الله عنه ويأخذ له حقه أو يشكوا ذلك إلى الإمام ليأخذ له بحق وعلى هذا التقدير فيجوز فيه الرفع بدلا من احد المدلول عليه بالجهر أي لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء إلا المظلوم ويجوز فيه النصب بدلا من الجهر والمعنى إلا جهر من ظلم وقرىء من ظلم بالفتح وعلى هذه القراءة فمنقطع ليس إلا أي لكن الظالم يجهر بالسوء من القول.
المثال الخامس عشر: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فهذا استثناء منقطع تضمن نفي الأكل بالباطل وإباحة الأكل بالتجارة الحق ومن قدر دخوله في الأول قدر مستثنى منه عاما أي لا تأكلوا أموالكم بينكم بسبب من الأسباب إلا أن تكون تجارة أو يقدر بالباطل ولا بغيره إلا بالتجارة ولا يخفي التكلف على هذا التقدير بل هو فاسد إذا المراد بالنهي الأكل بالباطل وحده وقرىء برفع التجارة ونصبها فالرفع على التمام والنصب على أنها خبر كان الناقصة وفي اسمها على هذا وجهان: أحدهما: التقدير إلا أن يكون سبب الأكل أو المعاملة تجارة، والثاني: إلا أن تكون أموال الناس تجارة.
المثال السادس عشر: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وهذا من أشكل مواضع الاستثناء لأن مملوكته إذا كانت محصنة إحصان التزويج فهي حرام عليه والإحصان ههنا إحصان التزويج بلا ريب إذ لا يصح أن يراد به إحصان العفة ولا إحصان الحرية ولا إحصان الإسلام فهو إحصان التزويج قطعا فكيف يستثنى من المحرمات به لمملوكه فقال كثير من الناس الاستثناء ههنا منقطع والمعنى لكن ما ملكت أيمانكم فهن لكم حلال، ورد هذا بأنه استثناء من موجب والانقطاع إنما يقع حيث يقع التفريغ ورد هذا الرد بأن الانقطاع يقع في الموجب وغيره قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .
وقالت طائفة: الاستثناء على بابه متصل و ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مستثنى من المزوجات ثم اختلفوا:
فقالت طائفة من الصحابة منهم ابن
стр. 570
عباس وغيره وبعض التابعين: أنه إذا زوج أمته ثم باعها كان بيعها طلاقا وتحل للسيد لأنها ملك يمينه واحتج لهم بالآية.
ورد هذا المذهب بأمور:
أحدها: أنه لو كان صحيحا لكان وطؤها حلالا لسيدها إذا زوجها لأنها ملك يمينه فكما اجتمع ملك سيدها لها وحلها للزوج فكذلك يجتمع ملك مشتريها لها وحلها للزوج وتناول اللفظ لهما واحد ما دامت مزوجة وينتقل إلى المشتري ما كان يملكه فملكها المشترى مسلوبة منفعة البضع.
الثاني: أن المشتري خليفة البائع فانتقل إليه بعقد الشراء ما كان يملكه بائعها وهو كان يملك رقبتها مسلوبة منفعة البضع فإذا فارقها زوجها رجع إليه البضع كما كان يرجع إلى بائعها كذلك فهذا محض الفقه والقياس.
الثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين "أن عائشة ﵂ اشترت بريرة وكانت مزوجة فعتقتها وخيرها النبي ﷺ ﷺ " رواه البخاري ولو بطل النكاح بالشراء لم يخبرها وهذا مما أخذا الأئمة الأربعة وغيرهم فيه برواية ابن عباس وتركوا رأيه فإنه راوي الحديث وهو ممن يقول بيع الأمة طلاقها.
وقالت طائفة أخرى: الآية مختصة بالسبايا قال أبو سعيد الخدري: "نزلت في سبايا أوطاس" قالوا: فأباح الله تعالى للمسلمين وطء ما ملكوه من السبي وإن كن محصنات.
ثم اختلف هؤلاء متى يباح وطء المسبيه فقال الشافعي وأبو الخطاب وغيرهما: يباح وطؤها إذا تم استبراؤها سواء كان زوجها موجودا أو مفقودا واحتجوا بثلاث حجج:
إحداها: أن الله سبحانه أباح وطء المسبيات بملك اليمين مستثنيا لهن من المحصنات الثانية ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري "أن رسول الله حين بعث جيشا إلى أوطاس فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا فكأن ناسا من أصحاب النبي ﷺ من غشيانهن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل الله في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ " أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن وفي الترمذي عن أبي سعيد: "أصبنا سبايا يوم أو طاس لهن أزواج في قومهن فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت:
стр. 571
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وهذا صريح في إباحتهن في وإن كن ذوات أزواج وفي الترمذي ومسند أحمد من حديث العرباض بن سارية " أن النبي ﷺ حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن" فهذا التحريم إلى غاية وهي وضع الحمل فلا بد أن يحصل الحل بعد الغاية ولو كان وجود أزواجهن مانعا من الوطء لكان له غايتان: إحداهما: عدم الزوج، والثاني: وضع الحمل وهو خلاف ظاهر الحديث. قالوا: ولأن ملك الكافر الحربي البضع لم يبق له حرمة ولا عصمة إذ قد ملك المسلمون عليه ما كان يملكه فملكوا رقبة زوجته فكيف يقال ببقاء العصمة في ملك البضع لا سيما والمسلمون يستحقون ملك رقبته وأولاده وسائر أملاكه فما بال ملك البضع وحده باقيا على العصمة فهذا لا نص ولا قياس ولا معنى قالوا فقد أذن النبي ﷺ وطء السبايا بعد انقضاء عدتهن مطلقا ولو كان بقاء الزوج مانعا لم يأذن في وطئهن إلا بعد العلم بموته وهذا المذهب كما تراه قوة وصحة.
وقال أصحابنا القاضي وغيره: "إنما يباح وطؤها إذا سبيت وحدها فلو سبيت مع زوجها فهما على نكاحهما ولا يباح وطؤها قالوا لأنها إذا سبيت وحدها فبقاء الزوج مجهول والمجهول كالمعدوم فنزلت منزلة من لا زوج لها فحل وطؤها ولا كذلك إذا كان زوجها معها" ثم أوردوا على أنفسهم سؤالا وهو إذا سبيت وحدها وعلم بقاء زوجها في دار الحرب؟ وهذا سؤال لا محيد لهم عنه ولا ينجيهم منه إلا قولهم بالحل وإن علم بقاء الزوج استنادا إلى زوال عصمة النكاح بالسبي فإنهم إذا أجابوا بالتزام التحريم خالفوا النصوص خلافا بينا وإن أجابوا بالحل مع تحقيق بقاء الزوج نقضوا أصلهم حيث أسندوا الحل إلى كون المسبية خالية من الزوج تنزيلا للمجهول منزلة المعدوم فقول أبي الخطاب أفقه وأصح وعليه تنزل الآية والأحاديث ويظهر به أن الاستثناء متصل وأن الله تعالى أباح من المحصنات من سباها المسلمون فإن قيل فعلى ما قررتموه يزول الإحصان بالسبي فلا تدخل في المحصنات فيجيء الانقطاع في الاستثناء قيل: لما كانت محصنة قبل
стр. 572
السبي صح شمول الاسم لها فأخرجت الاستثناء.
فإن قيل فما تقولون في الأمة المزوجة إذا بيعت محصنة قد ملكت نفسها فهل هي مخصوصة من هذا العموم أو غير داخلة فيه؟
قيل: ههنا مسلكان للناس:
أحدهما: أنها خصت من العموم بالأدلة على أن البيع لا يفسخ النكاح وأن الفرج لا يكون حلالا لشخصين في قت واحد.
المسلك الثاني: أنها لم تدخل في المستثنى منه لأن السيد إذا زوجها فقد أخرج منفعة البضع عن ملكه فإذا باعها فقد أنتقل إلى المشتري ما كان للبائع فملكها المشتري مسلوبه منفعة البضع فلم تدخل هذه المنفعة في ملكه بعقد البيع فلم تتناولها الآية وهذا المسلك ألطف وأدق من الأول والله أعلم.
فوائد شتى منقولة من خط القاضي أبي يعلي رحمه الله تعالى.
فائدة: الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء
إسماعيل بن سعيد عن أحمد لا يجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء ويصلي صلاة الناس ليس فيها تكبير مثل تكبير العيدين وعند محمد بن الحكم والكوسج والمرزوي يجهر بالقراءة فيها لحديث عبد الله بن زياد، قال أبو حفص: "يحتمل أن هذا القول هو المتأخر لأنه قد قيل إن إسماعيل بن سعيد سماعه قديم".
стр. 573
فائدة: صلاة الخوف ركعة
قال أحمد: "لا تعجبني صلاة الخوف ركعة لما روى أبو عياش الزرقي عن النبي ﷺ "أنه صلى بعسفان ويوم بنى سليم" وكذلك روى جابر رواه مسلم وابن عباس رواه البخاري وابن أبي خيثمة رواه البخاري في ذات الرقاع وكذلك أبو هريرة في عام نجد "أنه صلى ركعتين" وكذا روت عائشة وابن عمرو وأبو موسى رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي.
فائدة: الصلاة وقت الغارة
ابن لحيان عن أحمد في القوم إذا أرادوا الغارة فخشوا أن يتبادرهم العدو يصلون على دوابهم أو يؤخرون الصلاة إلى طلوع الشمس؟ قال: "أي ذلك شاءوا فعلوا" والحجة فيه تأخير النبي ﷺ أربع صلوات يوم الخندق وعنه أبو طالب إن كانوا منهزمين يصلون ركبانا يومئون ولا يؤخرون الصلاة على ما صلى النبي ﷺ هذه الآية نزلت بعدما صلى النبي ﷺ والحجة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أو رُكْبَاناً﴾ .
فائدة:
نقل محمد بن الحكم عن أحمد بن حنبل في رجل صلى ركعتين من فرض
стр. 574
ثم أقيمت الصلاة؟ قال: "إن شاء دخل مع الإمام فإذا صلى معه ركعتين سلم وأعجب إلى أن يقطع الصلاة ويدخل مع الإمام" قال القاضي: "وظاهر هذا الدخول من غير تحريمه غير انه اختار القطع والدخول بتحريمه".
فائدة: أبو طالب سألت أحمد عن الرجل يدخل المسجد يظن أنهم قد صلوا فيصلي ركعتين فتقام الصلاة؟ قال: "قد اختلفوا فيها: بعضهم قال: يمضي لا يدخل فرض في فرض، وبعضهم قال: يسلم" قلت: ما تقول؟ قال: ما يبالي كيف، قلت: يسلم ويدخل معه؟ قال: نعم". قال القاضي: "وظاهره هذا أنه منع من الدخول لأنه قال: "يستأنف" فإذا قلنا: لا يدخل معه فهل يمضي في صلاته أو يقطع؟ على روايتين: محمد بن الحكم عنه "إن شاء دخل معه وأعجب إليّ أن يقطع"، أبو طالب: "يسلم ويدخل معه"، والثانية: "يمضي" فعنه أبو الحارث. وقد سئل عن رجل دخل في مسجد فافتتح صلاة مكتوبة وهو يرى أن قد صلوا فلما صلى ركعة أو ركعتين أقيمت الصلاة؟ قال: "يتم الصلاة التي افتتحها ثم إن شاء صلى مع القوم وإن شاء لم يدخل معهم" قال أبو حفص: "وكذلك نقول فيمن افتتح تطوعا ثم أقيمت الصلاة أنه لا يقطعها ولكن يتمها ووجهه قول النبي ﷺ : "تحليلها التسليم " فوجب أن لا يخرج منها بغير التسليم الذي بعد التمام" ابن مسعود: "من دخل في صلاة فلا يقطع حتى يفرغ"، ووجه الأخرى وأنه يخرج منها أن صلاة الجماعة واجبة فإن قلنا يمضي في صلاته ففرغ ثم أدرك الجماعة في المسجد فهل يدخل معهم أو يكون مخيرا في الدخول والانصراف؟
стр. 575
على روايتين: إحداهما: يخير وهو المنصوص في رواية أبي الحارث، والآخرى: يجب أن يصلي معهم إذا حضر في مسجد أهله يصلون وهو الأكثر في مذهبه وبه وردت السنة فإن أحرم بتطوع ثم أقيمت الصلاة فهل يقطعها ويدخل في الجماعة أو يتمها؟ على روايتين ولا فرق بين ركعتي الفجر وغيرها كاختلاف قوليه فيمن انفرد بصلاة فريضة ثم أقيمت الصلاة فإن دخل في تطوع ثم ذكر أن عليه فريضة فعنه يعجبني أن ينصرف عن شفع ثم يقضي الفريضة قال أبو حفص: ويخرج عنه في هذه المسألة رواية أخرى كما ذكرنا فيمن دخل في تطوع ثم أقيمت الصلاة ووجهه قوله ﷺ : "إذا ذكرها ".
فائدة: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة
قال أبو الحارث: "سئل أحمد عن العشاء إذا وضع وأقيمت الصلاة قال: "قد جاءت أحاديث وكان القوم في مجاعة فأما اليوم فلو قام رجوت" وقال في روايةجماعة: "يبدأ بالطعام".
فإن قلنا يبدأ بالطعام فهل يتناول منه شيئا أويتم عشاءه؟ حنبل عنه: "إذا كان الرجل قد أكل من طعامه لقمة أو نحو ذلك فلا بأس أن يقوم إلى الصلاة فيصلى ثم يرجع إلى العشاء لأن النبي ﷺ دعي إلى الصلاة وقد كان يجتز من كتف الشاة فألقى السكين وقام" رواه البخاري، أحمد بن الحسين: "سألت أحمد إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة؟ قال: أبدا بالعشاء قلت: أنال منه شيئا ثم أخرج إلى الصلاة؟ قال: لا بل تعش، قلت: أخاف أن تفوتني الصلاة جماعة؟ قال: إن الرجل إذا تناول منه شيئا ثم تركه فكان في نفسه شغل من ترك الطعام إذا لم ينل منه حاجته، قلت: فيأتي على ما يريد من الطعام ثم يصلي؟ قال: نعم وإن خاف أن تفوته الصلاة ما دام في وقت حرب قلت لأحمد: الرجل يصلي بحضرة الطعام؟ قال: إن كان قد أكل بعضه فأقيمت
стр. 576
الصلاة فإنه يتم أكله وإن كان لم يأكل فأحب إلي أن يصلي" قال القاضي: "وظاهر هذا الفرق بين أن يكون ابتدأ فيستوفي طعامه وبين أن لا يبتدىء فيؤخره".
فائدة: هل يجوز للجماعة أن يقوموا قبل رؤية الإمام
إذا أقيمت الصلاة والإمام غير حاضر مثل أن يكون لم يخرج من بيته بعد أو هو المؤذن وهو في المنارة فعلى روايتين: روى جماعة لا يقوموا حتى يروه للحديث، وروى الأثرم وغيره أنه جائز للمأمومين أن يقوموا قبل أن يروا الإمام لحديث أبي هريرة: "أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم وخرج النبي ﷺ مقامه ثم أومأ إليهم بيده أن مكانكم" راه البخاري ولم ينكر عليهم فدل على جوازه، وروى جعفر بن محمد والمروزي وغيرهما عنه "أنه وسع العمل بالحديثين جميعا فإن شاءوا قاموا قبل أن يروه وإن شاءوا لم يقوموا حتى يروه.
فائدة: أنتظار الإمام للمؤذن
قال أحمد في رواية أبي طالب: "إن أنتظر الإمام المؤذن فلا بأس قد فعل ذلك عمر وإن لم ينتظره فلا بأس، ووجهه قول بلال للنبي ﷺ : "لا تسبقني بآمين" فدل على أنه لم ينتظره.
стр. 577
فائدة:
عبد الله والكوسج قالا: "كان أبو عبد الله أحمد بن حنبل يضع نعليه بين يديه ولا يجعلهما بين رجليه" يعنى في الصلاة إماما كان أو غير إمام، قال عبد الله بن أحمد: "كان أبي يصلي الفريضة والتطوع ونعلة بين يديه" ونقل حنبل وأحمد بن علي يجعلهما عن يساره. وجه الأولى أنه لا يؤذي بهما أحدا وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في الحديث. ووجه الثانية أنه يوم الفتح بمكة فوضع نعليه عن يساره صحيح
فائدة: الوقوف وراء الإمام.
قال في رواية على بن سعيد في الرجل الجاهل يقوم خلف الإمام فيجيء من هو أعلم بالسنة منه فيؤخره أو يدفعه ويقوم في مقامه؟ لا أرى ذلك فذكر له حديث قيس بن عباد حين أخّره أبي بن كعب ﵄ فقال: "إنما كان غلاما" قال القاضي: "إنما لم يجز تأخيره لأنه كبير قد سبق إلى ذلك الموضع" وأجاب أحمد عن حديث أبي بأن قيسا كان غلاما. قلت: وقد يؤخذ من كلام أحمد جواز تأخير الصبي وصلاة الرجل مكانه وقد قال أحمد في رواية الميموني: "يلي الإمام الشيوخ وأصحاب القرآن ويؤخر الغلام والصبيان" وقال في رواية أبي طالب في الصف يكون طويلا فيكون في آخره صبي فيجيء رجل فيقوم خلف الصبي؟ "لا بأس هو متصل بالصف" قال بعض أصحابنا: "وهذا يدل على أنه إذا كان في الصف خلل مقام
стр. 578
رجل لا يبطل الموقف لأن الصبي لا يضاف الرجل وقد حكم باتصاله بالصف فإن كان قد امتلأ الصف وفيه صبي فجاء رجل فللرجل إذا جاء أن يؤخره ويقوم مقامه لأنه أولى بالتقدمة".
فائدة: قال المروزي: "كان أبو عبد الله يقوم خلف الإمام فجاء يوما وقد تجافي الناس أن يصلي أحد في ذلك الموضع فاعتزل وقام في طرف الصف وقال: قد نهي أن يتخذ الرجل مصلاه مثل مربض البعير".
فائدة: الجاهل يصلي برجل فيجعله عن يساره قال أحمد في رواية ابن عبد الله: "لو أن رجلا جاهلا صلى برجل فجعله عن يساره كان مخالفا للسنة ورد إليها وجازت صلاته وقال في رواية جعفر بن محمد في الرجل يقيم الصلاة وليس معه إلا غلام لا يؤمه في الفريضة وإنما "أم النبي ﷺ عباس في تطوع صلاة الليل" رواه البخاري ومسلم وأبو داود. وكذلك حديث أنس إنما هو تطوع رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وروى هذه أيضا عنه حرب وابن سندي قال بعض أصحابنا: "وجه ذلك أنه لا يصح أن يكون إماما في هذه الصلاة فلم تنعقد به كالمرأة والعبد في صلاة الجمعة ولا يلزم أنه إذا صلى بامرأة أن تنعقد الجماعة لأنها تصح أن تكون إمامة فيها في حق النساء.
стр. 579
فائدة: علة منع البالغ من مصاففة الصبي
اختلف أصحابنا في علة منع البالغ من مصاففة الصبي فقال أبو حفص: "يخشي أن لا يكون متطهرا" يعنى فيصير البالغ فذا وقال غيره: "لما لم يجز أن يؤمه لم يجز أن يصافه كالمرأة وعكسه صلاة النافلة لما جاز أن يؤمه جاز أن يصافه" وإذا ثبت ذلك فالإمام مخير بأن يقف في وسطهما الرجل عن يمينه والصبي عن يساره وبين أن يقفا جميعا عن يمينه إن كانت الصلاة فرضا وإن كانت نافلة جاز أن يقفا خلفه نص عليه فقال: "إذا كان رجل وغلام لم يدرك في صلاة الفريضة فيقوم الرجل وسطهم بينهما كما فعل ابن مسعود في الفريضة قيل له حديث أنس "أمنا رسول الله قال ذلك في التطوع" قال أبو حفص: "واحتج أبو عبد الله في أن الرجل يقف على يمين الإمام والغلام عن يساره بما رواه حدثنا يعقوب ثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: "دخلت أنا وعمي علقمة على عبد الله بن مسعود بالهاجرة" قال: "فأقام لصلاة الظهر فقمنا خلفه فأخذ بيدي وبيد عمي ثم جعل أحدنا عن يمينه والآخر عن يساره ثم قام بيننا فصففنا صفا واحدا" ثم قال: "هكذا كان رسول الله ﷺ يصنع إذا كانوا ثلاثة" وحجته في التطوع أنهما يقفان خلف الإمام ما رواه أحمد ثنا عبد الرزاق عن مالك أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس فذكر الحديث وفيه فقمت أنا واليتيم وراءة قال أبو حفص على أن حديث أنس لم يقطع به أبو عبد الله قال في رواية عبد الله: "كان قلبي لا يجسر على حديث إسحاق" لأن حديث موسى يعنى خلافه ليس فيه ذكر لليتيم إنما فيه أن أنسا قام عن يمين النبي ﷺ قال أحمد ثنا حجاج ابن محمد قال شعبة قال سمعت عبد الله بن المختار عن موسى ابن أنس
стр. 580
يحدث عن أنس "أنه كان هو ورسول الله وأمه وخالته خلفهما" قال شعبة وكان عبد الله بن المختار أشب مني.
فائدة: صفوف الجماعة وترتيبها
الأفضل إذا كانا رجلين أن يصليا خلفه نص عليه لحديث جابر وجبار فأما ما ذهب إليه ابن مسعود إذا كانوا ثلاثة يقوم وسطهم فإن أبا عبد الله قال: "لم يبلغ عبد الله هذه الأخبار" وقد سهل أبو عبد الله في ذلك قال: "وأرجوا أن يكون الإمام في الثلاثة واسعا وأحب إلى أن يتقدم كما فعل عمر" وروى عنه المروزي في الرجل يجيء والإمام في التشهد وإلى لزقه رجل هل يقوم معه أو يجذبه؟ قال: "أعجب إلى أن يتقدم الإمام ويجذب الرجل" قال أبو حفص: "قوله يتقدم الإمام ليقل تأخر المأموم ويقرب الإمام من السترة" وقد أجاز جذب الرجل ليصح مقامه معه خلف الإمام وأكثر الروايات عنه أنه كره أن يجذب رجلا لأنه يؤخره عن موقفه فإن اختار هو ذلك وقال في رواية أبي طالب: "إذا صلى الإمام مع رجل وجلس وجاء رجل فليجلس عن يساره حتى يقوم لأن تأخير الجالس يثقل" وكون المأموم عن يسار الإمام إذا كان عن يمينه رجل موسع.
فائدة: صلاة المأمومين على علو
اختلف قول أحمد في صلاة المأمومين على علو فنقل عنه صالح أنه أجاز ذلك للضرورة إذا كان موضعا ضيقا وقال في الرجل يصلي فوق البيت بصلاة الإمام إن كان في موضع ضيق يوم الجمعة كما فعل أنس ونقل حرب وحنبل وأبو الحارث الجواز مطلقا أن يصلي المأموم وهو يسمع قراءة الإمام في دار أو فوق سطح أو في
стр. 581
الرحبة أو رجل منزله مع المسجد يصلي على سطحه بصلاة الإمام أو على سطح المسجد بصلاة الإمام أسفل وذكر الآثار بذلك عن أبي هريرة ﵁ وابن عمر وابن عباس.
واختلف قوله: إذا كان بينهم نهر أو طريق أو حائط؟ فنقل حرب عنه أنه أجاز للمرأة أنها تصلي فوق بيت بصلاة الإمام وبينهما وبين الإمام طريق ولفظه: "أرجو أن لا يكون به بأس" وذكر حديث أنس أنه كان يفعل ذلك فقيل: "إذا كان وحده؟ قال: "لا من صلى خلف الصف وحده أعاد"
ونقل أبو طالب المنع فقال في الرجل يصلي فوق سطح بصلاة الإمام قال: "إذا كان بينهما طريق أو نهر فلا" قيل: أنس صلى؟ قال أنس: "صلى يوم الجمعة في عرفة بعدما كبر ويوم الجمعة لا يكون طريق يمتلىء من الناس" ونقل ابن الحكم جواز ذلك للضرورة قال "إذا كان موضع ضرورة أجزأ عنه يروى عن أنس"
فأما التراويح فتجوز فوق سطح وإن كان بينهما طريق نص عليه وقال: "ذلك تطوع" قال أبو حفص: "وجائز أن يصلي الناس يوم الجمعة في طاقات باب خراسان وخارج الطاقات نص عليه" قال أبو حفص: "إذا فعل الرجل مثل فعل أبي بكرة مع العلم بنهي النبي ﷺ لأبي بكرة رواه البخاري فيه فروايتان إحداهما: يعيد وعنه أنه أجاز للرجل أن يكبر ويركع فيما دون الصف ثم يمشي حتى يدخل في الصف إذا علم أنه لا يدرك فقال في رجل كبر قبل أن يدخل في الصف وركع ثم مشي حتى دخل في الصف فقال: "يجوز له ذلك قد روي أن أبا بكرة ركع دون الصف ولم يأمره أن يعيد" وقد روى أيضا عن ابن مسعود وزيد أنهما ركعا دون الصف وقال في رواية إسحاق ابن إبراهيم: "أرى إذا علم أنه يدرك الركعة لم يركع دون الصف وإذا علم أنه لا يدرك ركع وإثنان أحب إلى أن يكبرا جميعا ويدبا إلى الصف" قال أبو حفص: "ووجه ذلك ما روى عبد الله بن أحمد رحمهما الله تعالى ثنا زكريا بن يحيى ثنا إبراهيم بن سعد الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال: "رأيت زيد ابن ثابت يدخل المسجد والقوم ركوع فيركع ثم يدب حتى يصل إلى الصف" وعن ابن مسعود مثله ابن جريج عن عطاء أنه سمع ابن الزبير على المنبر يقول للناس: "إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل
стр. 582
ثم ليدب راكعا حتى يدخل في الصف فإن ذلك من السنة" قال عطاء: "وقد رأيته هو يفعل ذلك" قال أبو حفص البرمكي وقول النبي ﷺ لأبي بكرة: "لا تعد" نهي عن شدة السعي بدليل قول ابن الزبير فإن ذلك من السنة.
فائدة: قال أحمد في رواية إسحق بن إبراهيم في رجل مكفوف دخل في الصف فلما أراد أن يركع التزق الذين كانوا معه في الصف بصف آخر وبقي هو وحده يعيد وقال في رواية مهنا في رجل صلى يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصف ثم زحموه فصلى الركعة الأخرى خلف الصف وحده يعيد الركعة التي الركعة التي صلى وحده قال في رواية الحسن بن محمد: "إذا ركع ركعة وسجد ثم دخل في الصف يعيد الركعة التي صلاها ولا يعيد الصلاة كلها" وقال في رواية مهنا في رجل ركع ركعة وسجدتين دون الصف ثم جاء الناس فقاموا إلى جنبه في الثلاث ركعات يعيد الصلاة كلها" ثم قال: "لو ركع ركعة وحدها ولم يسجد السجدتين لم يكن عليه إعادة لأن أبا بكرة ركع دون الصف ولم يسجد" قال أبو حفص: "اختلف قول أبي عبد الله في رجل يصلي خلف الصف ركعة كاملة ثم يدخل الصف أو ينضاف إليه قوم هل يعيد تلك الركعة وحدها أو الصلاة كلها. قال أبو حفص: "والأصح عندي أنه يعيد ما صلى خلف الصف حسب فيعيد الركعة أو الركعتين ولا يعيد ما صلى مع غيره" قال: "لأن تكبيرة الإحرام لم تفسد لأنه لا يختلف قوله أنه إذا كبر وحده أنها صحيحة" قال القاضي: "وتحرير قول أبي حفص أنه صلى بعض الصلاة منفردا فلم تبطل جميعها كالتكبيرة والركوع من غير سجود ووجه البطلان أن القياس يقتضي بطلان الصلاة في التكبيرة
стр. 583
والركوع لن ما يفسد جميع الصلاة يفسد بعضها كالحدث وإنما أجاز أحمد ذلك القدر لحديث أبي بكرة قال أحمد: "إذا صلى بين الصفين وحده يعيدها لأنه فذ وإن كان بين الصفين" وقال في الرجل ينتهي إلى الصف الأول وقد تم: "يدخل بين رجلين إذا علم أنه لا يشق عليهم وذلك أنهم قد أمروا أن لا يكون بينهم خلل ويكره أن يمد رجلا من الصف إليه نص عليه" قال: "أما أنا فأستقبح أن يمد رجلا يدخل مع القوم أو ينتزع رجلا من الصف فيركع معه" قال بعض أصحابنا: "ويقرب من هذه المسألة أنه يباح تخطي رقاب الناس إذ تركوا قدامه فرجة في رواية قال في رواية المروزي: "إذا جاء وليس يمكنه الدخول في الصف هل يمد رجلا يصلي معه قال: "لا ولكن يزاحم الصف ويدخل" وقال أبو حفص: "وقد ذكرنا عن أحمد جواز جر الرجل" في رواية المروزي فإن صح النقل كان في المسألة روايتان روي عن أبي أيوب قال: "تحريك الرجل من الصف ظلم"
قلت: وفي المدونة قال مالك: "هو خطأ منهما وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ينكره أيضا ويقول: "يصلي خلف الصف فذا ولا يجذب غيره" قال: "وتصح صلاته في هذه الحالة فذا لأن غاية المصافة أن تكون واجبة فتسقط بالعذر.
فائدة: انفراج القدمين وضمهما
قال مهنا: "رأيت أحمد إذا قام إلى الصلاة يفرج بين قدميه وإذا انحدر للسجود ضم قدميه" قال القاضي: "إنما قلنا يفرج بين قدميه لما روى حرب ثنا أبو حفص ثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر قال: "لا تقارب ولا تباعد" وكيع عن ابن عيينة عن ابن عبد الرحمن بن حوشب قال: "كنت مع أبي في المسجد يعنى مسجد البصرة فنظر إلى رجل قائما يصلي قد ضيق بين قدميه وألزق
стр. 584
إحداهما بالأخرى فقال أبي: "لقد أدركت في هذا المسجد ثمانية عشر من أصحاب رسول الله ﷺ ما رأيت أحدا منهم يصنع هكذا" ولأنه أمكن للقيام في الصلاة وضم القدمين عند الانحدار للسجود أمكن للانحدار قال في رواية حرب وقد سأله الرجل يصف بين قدميه أحب إليك أم يعتمد على هذه مرة وعلى هذه مرة؟ قال: "يراوح بين قدميه أحب إلي يعتمد على هذه مرة وعلى هذه مرة" لما روى الأعمش عن المنهال عن أبي عبيدة قال: "رأى عبد الله رجلا يصلي صافا بين قدميه فقال: لو راوح هذا بين قدميه كان أفضل" ولأنه أروح للمصلى وقد رفع النبي ﷺ المشقة عن المصلى بقوله: "أبردوا بالصلاة " وكان يتوقى بالثوب في الصلاة حر الأرض وبردها وقال حنبل: "رأيته يراوح بين قدميه في صلاة التطوع فإذا كانت المكتوبة قام منتصبا لا يتحرك منه شيء" وقال أحمد بن الحسين الترمذي: "رأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه قريبا من شحمه أذنيه ونشر أصابعه" وقال أبو داود سمعت أحمد بن حنبل سئل تذهب إلى نشر الأصابع إذا كبرت؟ قال: "لا"، قال أبو حفص: "لعل أبا عبد الله أراد بالنشر الذي لم يذهب إليه التفريق الذي كان يقول به أولا والنشر الذي ذهب إليه آخرا هو مد اليدين" وقد قال صالح سألت أبي عن رفع اليدين في التكبيرة الأولى؟ فقال: "يا بني كنت أذهب إلى حديث أبي هريرة كان النبي ﷺ " إذا كبر نشر أصابعه " فظننت أنه التفريق فكنت أفرق أصابعي فسألت أهل العربية فقالوا: هو الضم وهذا النشر ومد أبي أصابعه مدا مضمومة وهذا التفريق وفرق بين أصابعه قال أحمد حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ثنا ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة " أن رسول الله ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا".وروى يحيي بن اليمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ "كان إذا افتتح الصلاة فرّج بين أصابعه ". وقد ضعفه أحمد فقال أحمد بن أثرم: "إن أبا عبد الله سئل عن ابن سمعان في الحديث فقال: "ليس بشيء" والحديث عنده حديث أبي هريرة "أنه كان يرفع
стр. 585
يديه مدا". قال أحمد في رواية الفضل بن زيد وقد سأله عن رجل بلي بأرض ينكرون فيها رفع اليدين في الصلاة وينسبونه إلى النقص يجوز له ترك الرفع؟ قال: "لا يترك ذلك يداريهم" إنما قال يداريهم لأنه لا طاقة له بهم وأمر النبي ﷺ بالرفق قال في رواية ابن مشيش: "رفع اليدين في الصلاة من السنة" وهذا يدل على أن الهيئات في الصلاة يطلق عليها اسم السنة قال أبو حفص: "فأما حديث أحمد بن يونس عن أبي بن بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد عن ابن عمر "أنه كان لا يرفع يديه" فإن أبا عبد الله قيل له إن مجاهدا قال: "ما رأيت ابن عمر رفع يديه إلا في افتتاح الصلاة" قال: "هذا خطأ نافع وسالم أعلم بحديث ابن عمر وإن كان مجاهد أقدم فنافع أعلم منه"
قال بعض أصحابنا: "وهذا من أحمد يدل على أصلين:
أحدهما: أن رواية الأعلم مقدمة على رواية غيره.
والثاني أن رواية من يختص بالصحبة أولى من غيره.
فائدة: اختلف قول أحمد في رفع اليدين فيما عدا المواضع الثلاثة فأكثر الروايات عنه أنه لم ير الرفع عند الانحدار إلى السجود ولا بين السجدتين ولا عند القيام من الركعتين ولا فيما عدا المواضع الثلاثة في حديث ابن عمر ونقل عنه ابن الأثرم وقد سئل عن رفع اليدين فقال: "في كل خفض ورفع" قال ابن الأثرم: "ورأيت أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع" ونقل عنه جعفر بن محمد وقد سئل عن رفع اليدين فقال: "يرفع يديه في كل موضع إلا بين السجدتين" ونقل
стр. 586
عنه المروزي: "لا يعجبني أن يرفع يديه بين السجدتين فإن فعل فهو جائز" عمرو بن مرة عن أبي البحتري عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل بن حجر "أن النبي ﷺ كان يرفع يديه مع التكبير" وقد حكى أحمد لفظ هذا الحديث في موضع آخر "أنه كان يرفع يديه كلما كبر" قال أبو حفص: "وظاهر هذا الحديث يأتي على جميع الصلاة في كل خفض ورفع أحمد عن ابن فضيل عن عاصم بن كليب عن محارب بن دثار عن ابن عمر عن النبي ﷺ "إذا نهض من الركعتين رفع يديه" رواه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم قال أحمد: "لا بأس بحديثه" يعنى عاصم ابن كليب رفدة بن قضاعة عن الأوزاعي عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه عن جده قال: "كان رسول الله ﷺ يرفع يديه مع كل تكبير في الصلاة المكتوبة"، قال أحمد ويحيى بن معين: "ليس بصحيح ولا يعرف عبيد بن عمير يحدث عن أبيه شيئا ولا عن جده" قال أحمد: "لا أعرف رفدة". وجه الثالث: حديث ابن عمر ولا يرفع بين السجدتين بعد ذكر المواضع الثلاثة.
واختلف قوله في حد الرفع فعنه أنه اختار إلى منكبية وعنه فروع أذنيه؛ وجه الأولى حديث ابن عمر، ووجه الثانية حديث مالك بن الحويرث "أن النبي ﷺ رفعيديه إلى فروع أذنيه" رواه مسلم والنسائي وغيرهما وكيع عن قطن عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال: "رأيت رسول الله ﷺ رفع يديه حين افتتح الصلاة حتى جاوزت إبهاماه شحمة أذنيه"، وكيع عن أبيه عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء ابن عازب قال: "كأني أنظر إلى إبهامي رسول الله ﷺ حاذتا شحمة أذنيه في الصلاة" قال أبو حفص: "الأمر عند أبي عبد الله واسع إلى أي موضع رفع ما لم يتجاوز الأذنين ولم يقصر عن المنكبين" الحسين بن محمد الأنماطي "رأيت أبا عبد الله إذا رفع رأسه من الركوع لا يرفع يديه حتى يستتم قائما" والحجة فيه حديث أبي حميد فيقول: "سمع الله لمن حمده ثم يرفع يديه" أبو داود قلت لأحمد: أفتتح الصلاة ولم يرفع يديه أيعيد؟ قال: لا حجته أن النبي ﷺ يعلمه للأعرابي رواه البخاري ومسلم والنسائي وغيرهم ولا نعلم أحدا قال بالإعادة إلا محمد بن سيرين فإن أحمد ذكر
стр. 587
فائدة: وضع اليدين في الصلاة
اختلف قوله في صفة وضع اليد على اليد فعنه أحمد بن أصرم المزني وغيره أنه يقبض بيمينه على رسغ يساره وعنه أبو طالب يضع يده اليمنى وضعا بعضها على ظهر كفة اليسرى وبعضها على ذراعه الأيسر، للأولى حديث وائل "رأيت النبي ﷺ يضع اليمنى على اليسرى قريبا من الرسغ" وفي حديث "ثم ضرب بيمينه على شماله فأمسكها"، وللثانية ما روى أنس أنه وضع يمينه على شماله على هذا الوصف وفي حديث وائل وفي طريق زائدة عن عاصم بن كليب قال: "ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه والرسغ والساعد "
واختلف في موضع الوضع فعنه فوق السرة وعنه تحتها وعنه أبو طالب سألت أحمد أين يضع يده إذا كان يصلي؟ قال: "على السرة أو أسفل وكل ذلك واسع عنده إن وضع فوق السرة أو عليها أو تحتها" علي ﵁: "من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة" عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس مثل تفسير علي إلا أنه غير صحيح، والصحيح حديث علي قال في رواية المزني: "أسفل السرة بقليل ويكره أن يجعلهما على الصدر " وذلك لما روى عن النبي ﷺ أنه نهي عن التكفير وهو وضع اليد على الصدر. مؤمل عن سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل "أن النبي ﷺ وضع يده على صدره " فقد روى هذا الحديث عبد الله بن الوليد عن سفيان لم يذكر ذلك، ورواه شعبة وعبد الواحد لم يذكرا خلاف سفيان قال في رواية صالح والكوسج: "إذا التفت في الصلاة قد أساء وما علمت أني سمعت فيه حديثا" أي أنه يعيد وقال في رواية أبي طالب: "الالتفات في الصلاة لا يقطع إنما كره لأنه يترك الخشوع والإقبال على صلاته" قال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان " الحديث رواه البخاري والنسائي وغيرهم فلو كلف الإعادة شق إذ المصلي لا يكاد يسلم من اختلاسه.
فائدة: الاستفتاح في الصلاة
قال في رواية حنبل: "كان ابن مسعود وأصحابه لا يعرفون الافتتاح يكبرون ولو فعل هذا رجل أجزأه وأهل المدينة لا يعرفون الافتتاح" وحجته في سقوط وجوب الافتتاح ما روى عن ابن مسعود لأن في الأخبار ضعفاء.
قلت: ابن مسعود كان
стр. 588
يذهب في الصلاة إلى أشياء خالفه فيها سائر الصحابة فمنها ترك الرفع فيما عدا الافتتاح ومنها التطبيق في الركوع ومنها قيام إمام الثلاثة في وسطهم ومنها ترك الافتتاح وأحمد لم يضعف أحاديث الافتتاح ولا أسقط وجوبه من أجل ضعفها ولا من أجل ترك ابن مسعود له وإنما لم يوجبه لعدم الأمر به فإن النبي ﷺ قال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" ولم يأمره بالاستفتاح روى حنبل عنه: "إذا أراد أن يبتدىء الصلاة يكبر ثم يستفتح استفتاح عمر ثم يتعوذ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم ثم يقرأ ويبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم هذا كله يخافت به فإن جهر بها فهو سهو يسجد سجدتي السهو إذا جهر بها" قال أبو حفص: "ليس السجود واجبا".
حرب عنه: "لا يقرأ الإمام إلا بعد سكته حتى يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب" عبد الله عنه: "يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم هذا أعجب إلي" وكذا نقل المروزي ثم قال: "والأمر سهل" الأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وفي هذا جمع بين الأمرين وعن النبي ﷺ قصة عائشة قال: " أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ﴾ " روى أحمد بن إبراهيم بن هشام عن أبي عبد الله "أنه سئل عن بسم الله الرحمن الرحيم من فاتحة الكتاب فقال: "نعم هي إحدى آياتها" قال أبو حفص: "ليست هذه الرواية في كتاب الخلال لكنها في سماعنا" وروى أبو طالب: إذا نسي أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يسجد سجدتي السهو؟ قال: "لا" قال أبو حفص: "هذا على إحدى الروايتين إذا تركها عند قراءة السورة" وروى عنه الفضل وأبو الحارث وقد سئل عن الجهر بـ (آمين) قال: "اجهر بها فإنها سنة ذهبت من الناس" وهذا يدل على أن الهيئة سنة عند أحمد لأن الجهر هيئة في الكلام.
وروى عنه إسحاق بن إبراهيم: "آمين أمر من النبي ﷺ إذا أمن القارىء فأمنوا".
وهذا يدل على أن المندوب
стр. 589
مأمور به عند أحمد وروى عنه حنبل: "يجهر بها في المكتوبة وغيرها لعموم الإخبار" ابن منصور عن أحمد وقد سأله عن قول أبي هريرة: "لا تسبقني بآمين " قال: "يتأيد حتى يجيء المؤذن لفضل التأمين".
نسيان القراءة أول الصلاة: وروى عنه الأثرم وقد سئل إذا كان خلف الإمام فقرأ خلفه فيما يجهر فيه أيقول آمين؟ قال: "لا أدري ولا أعلم به بأسا"
اختلف قوله إذا لم يقرأ أول الصلاة هل يقضي؟ فروى عنه عبد الله ابنه أنه إن ترك القراءة في الأولتين قرأ في الآخرتين وسجد سجدتي السهو قبل السلام وإن ترك القراءة في الثالثة ثم ذكر وهو في الرابعة فسدت صلاته واستأنف الصلاة وروى عنه إسماعيل بن سعيد فيمن ترك القراءة من صلاة الغداة أو في ركعتين من الظهر عمدا أو سهوا لا يعتد بتلك الركعة التي لم يقرأ فيها وبيني على صلاته ويقرأ وروى عنه ابن مشيش في إمام صلى بقوم الظهر فلما فرغ ذكر أنه لم يقرأ يعيد ويعيدون وهو الصحيح. وجه الأول ما روى أحمد ثنا وكيع ثنا عكرمة ابن عمار عن ضمضم بن جوس الهسفاني عن عبد الله بن حنظلة بن الراهب قال: "صلى بنا عمر المغرب فنسي أن يقرأ في الركعة الأولى فلما قام في الثانية قرأ بفاتحة الكتاب مرتين وسورتين فلما قضى الصلاة سجد سجدتين" ووجه الثانية قوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" والركعة الواحدة صلاة وروى محمد بن أبي عدي عن الشعبي قال: "قال الأشعري صلى بنا عمر فدخل ولم يقرأ شيئا قال: فاتبعته حتى أتيت الإطناب فقلت يا أمير المؤمنين إنك لم تقرأ شيئا فقال: لقد رأيتني أجهز عيرا بكذا وأفعل كذا قال: فأمر المؤذنين فأذنوا وأقاموا فأعاد بنا الصلاة" قال القاضي: "إذا قلنا يعيد فإنه يعيد الأذان" قال أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد وقد سأله هل يعيدون الأذان والإقامة إذا كانوا على ذلك؟ قال: "نعم" ووجهه حديث عمر ولأن فيه إعلام الناس ليجتمعوا للإعادة وروى عنه أحمد بن الحسين الترمذي وقد سئل عن حديث عمر "أنه صلى بالناس وهو جنب فأعاد ولم يعيدوا" قال: "هكذا نقول".
قلت: فإن لم يقرأ الإمام الجنب والذي على غير طهر ومن خلفه
стр. 590
قال: "يعيد ويعيدون" انتهى قلت: والفرق بين القراءة وترك الطهارة أن القراءة يتحملها الإمام عن المأموم فإذا لم يقرأ لم يكن ثم تحمل والطهارة لا يتحملها الإمام عن المأموم فلا يتعدى حكمها إلى المأموم بخلاف القراءة فإن حكمها يتعدى إليه فإن قيل كيف يتحمل الجنب القراءة عن المأموم وليس من أهل التحمل، قيل كيف يتحمل الجنب القراءة وليس من أهل التحمل قيل لما كان معذورا بنسيانه حدثه نزل في حق المأموم منزلة الطاهر فلا يعيد المأموم وفي حق نفسه تلزمه الإعادة وهذا بخلاف المتعمد للصلاة محدثا أو جنبا فإنه لما لم يكن معذورا نزل فعله بالنسبة إلى المأموم منزلة العبث الذي لا يعتد به وأيضا لما كان هذا يكثر مع السهو لم يتعد بطلان صلاته إلى المأموم رفعا للمشقة والحرج ولما كان يندب مع التعمد تعدى فساد صلاته إليهم واختلف قوله في الصلاة بغير الفاتحة فروى حرب عنه فيمن نسي أن يقرأ بفاتحة الكتاب وقرأ قرآنا؟ قال: "وما بأس بذلك أليس قد قرأ القرآن" قال: وسمعته مرة أخرى يقول: "كل ركعة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فإنها ليست بجائزة وعلى صاحبها أن يعيدها". قال الخلال: الذي رواه حرب قد رجع عنه أبو عبد الله وبين عنه خلف كثير أنه لا يجزئه إلا أن يقرأ في كل ركعة للثانية ما روى مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قال: "من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصل إلا وراء إمام" وروى عنه أبو طالب: "من نسي أول ركعة ثم ذكر في آخر ركعة أنه لم يقرأ لا يعتد بالركعة التي لم يقرأ فيها ويصلي ركعة أخرى مكان تلك الركعة فإن ذكرها وقد سلم وتكلم أعادة الصلاة.
قراءة القرآن في الفرائض:
اختلف قوله في قراءة القرآن الكريم في الفرائض على التأليف على سبيل الدرس فروى عنه ابنه عبد الله أنه قال: سألت أبي عن الرجل يقرأا لقرآن كله في الصلاة الفريضة قال: "لا أعلم فعل هذا" وقد روى عن عثمان بن عفان ﵁ "أنه كان يقرأ بعض القرآن سورا على التأليف" وروى عنه حرب في الرجل يقرأ على التأليف في الصلاة اليوم سورة الرعد وغدا التي تليها ونحو ذلك؟ قال: "ليس في هذا شيء أنه يروى عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصل وحدها"
стр. 591
وروى عنه مهنا أنه رخص أن يقرأ في الفرائض حيث ينتهي سأل ابن قتيبة عن سهل بن أبي حذيفة عن ثابت عن أنس قال: "كانوا يقرؤون في الفريضة من أول القرآن إلى آخره" وروى المروزي أن أحمد سئل عن حديث أنس هذا فقال: "هذا حديث منكر" روى حنبل عنه "إذا كان المسجد على قارعة الطريق أو طريق يسلك فالتخفيف أعجب إلي وإن كان مسجدا معتزلا أهله فيه ويرضون بذلك فلا أرى به بأسا وأرجو إن شاء الله" وروى عنه أبو الحارث "إذا قرأ بفاتحة الكتاب وهو يحسن غيرها إن كان عامدا فلا أحب له ذلك وإن كان ساهيا فلا بأس صلاته تامة" وعنه محمد بن الحكم "هو عندي مسيء إذا عمد ذلك". قلت يريد الاقتصار على الفاتحة وكلامه يدل على أحد أمرين: إما أن تكون السورة واجبة وإما أن يكون تارك سنة الصلاة مسيئا وروى الفضل بن زياد عنه وقد سئل الرجل يقرأ في المكتوبة في كل ركعة بالحمد لله وسورة قال: قد كان عمر يفعل، قيل: فتراه؟ قال: لا قد فعل النبي ﷺ غير هذا اقرأ في الأوليين" أنتهي. وروى عن علي وجابر قالا في الركعتين الآخريين بفاتحة الكتاب. وروى أبو طالب سألت أبا عبد الله عن الرجل يصلي بالناس المكتوبة فيقرأ في الأربع كلها بالحمد لله وسورة؟ قال: "لا ينبغي أن يفعل" قلت: ساهيا؟ قال: "يسجد سجدتين" وروى عنه أحمد بن هاشم وقد سئل عن رجل قرأ في الركعتين الآخريين بالحمد لله وسورة ناسيا هل عليه سجدتا السهو؟ قال: "لا" وكذلك قال مهنا والميموني. وروى عنه أبو الحارث في إمام صلى بقوم فقرأ بفاتحة الكتاب ثم قرأ بعض السورة ولم يتمها ثم ركع لا بأس ثم قال أحمد ثنا عبد الله بن إدريس ثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ابن أبزي قال: "صليت خلف عمرو فقرأ سورة يوسف حتى إذا بلغ ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ وقع عليه البكاء فركع ثم قرأ سورة النجم فسجد فيها ثم قام فقرأ (إذا زلزلت) وروى عنه صالح وقد سأله رجل عن رجل يصلي فيبدأ من أوسط السورة أو من آخرها؟ قال: "أما
стр. 592
آخر السورة فأرجو وأما وسطها فلا" وروى عنه أحمد بن هشام الأنطاكي هل يجزىء مع قراءة الحمد آية؟ قال: "إن كانت مثل آية الدين أو مثل آية الكرسي" وروى عنه محمد بن حبيب يكره أن يقرأ الرجل في صلاة الفجر بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و (أرأيت) إلا أن يكون في سفر" محمد بن حبيب ثنا عمر والناقد ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعيد ثنا أبي عن إسحاق عن مسعر ومالك بن مغول عن الحكم عن عمرو بن ميمون عن عمر "أنه صلي بهم الفجر في طريق مكة فقرأ بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وروى الميموني صلى بنا أبو عبد الله الفجر فقر أفي الأولى وفي الثانية بـ (الفجر) وكنا نصلي خلف أبي عبد الله بغلس فيقرأ بنا في الأولى (تبارك) ونحوها ويقرأ في الثانية (إذا الشمس كورت) وروى عنه أحمد بن الحسين بن حسان في إمام يقصر في الركعة الأولى ويطول في الأخيرة لا ينبغي هذا يطول في الأولى ويقصر في الآخرة قال أبو حفص: "وقد روى عن أنس أنه قرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وفي الثانية بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وهذا يدل على جواز الإطالة في الثانية وليس ما ذكره بقوي ومن خطايا القاضي مما قال أنتقيته من كتاب الصيام لأبي حفص.
من صام رمضان وهو ينوى التطوع
نقل عبد الله قال: سألت أبي عمن صام رمضان وهو ينوى بها تطوعا؟ قال: "لا يفعل هذا إنسان من أهل الإسلام لا يجزئه حتى ينوي لو أن رجلا قام فصلى أربع ركعات لا ينوى بها صلاة فريضة أكان يجزئه" ثم قال: "لا تجزئه صلاه فريضة حتى ينويها" قال أبو حفص: "وقد قال الشافعي: ولو عقد رجل على أن غدا عنده من رمضان في يوم الشك ثم بان أنه من رمضان أجزأه" قال: "وهذا موافق لما قال أبو عبد الله في الغيم" قال عبد الله: قلت لأبي إذا صام شعبان كله؟ قال: "لا بأس أن يصوم اليوم الذي يشك فيه إذا لم ينو أنه من رمضان لأن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان فقد دخل ذلك اليوم في صومه" قال أبو حفص: "مراد أبي عبد الله
стр. 593
في هذه المسألة إذا كان الشك في الصحو لما تقدم من مذهبه في الغيم.
ومن خط القاضي أيضا مما ذكر أنه أنتقاه من كتاب حكم الوالدين في مال ولدهما:
عتق الأب جارية ابنه:
جمع أبي حفص البرمكي قال: "اختلف قول أبي عبد الله في عتق الأب جارية ابنه قبل قبضها فروى عنه بكر بن محمد أنه قال: "ويعتق الأب في ملك الابن وهو في ملك الابن حتى يعتق الأب أو يأخذ فيكون للأب ما أخذ" وعنه المروزي ولو أن لابنه جارية فأعتقها كان جائزا" وعنه بكر بن محمد: "إذا كانت للابن جارية فأراد عتقها قبضها ثم أعتقها ولا يعتق من مال ابنه إلا أن يقبضها" وكذا روى عنه عبد الله وغيره.
قلت: الروايتان مأخذهما أن من ملك أن يملك بتصرف قبل تملكه هل ينفذ تصرفه؟ فيه قولان وعلى هذا يخرج تصرف الزوج في نصف الصداق إذا طلق بعد الالإقباض وقبل الدخول وتصرف الموصى له إذا تصرف بعد الموت وقبل القبول على أن الذي تقتضيه قواعد أحمد وأصوله صحة التصرف ويجعل هذا قبولا واسترجاعا للصداق قد قارن التصرف ومن منع صحته قال: "إن غاية هذا التصرف أن يكون دالا على الرجوع والقبول الذي هو سبب الملك ولم يتقدم على التصرف والملك لا بد أن يكون سابقا للتصرف فكما لا يتأخر عنه لا يقارنه" ولمن نصر الأول أن يجيب عن هذا بأن المحذور أن يرد العقد على ما لا يملكه ولا يكون مأذونا له في التصرف فيه فإذا قارن العقد سبب التملك لم يرد العقد إلا على مملوك فقولكم لا بد أن يتقدم الملك العقد دعوى محل النزاع فمنازعوكم يجوزون مقارنة العقد لسبب التملك وهذه المسألة تشبه مسالة حصول الرجعة بالوطء فإنه بشروعه بالوطء تحصل الرجعة وإن لم يتقدم على الوطء فما وطأ إلا من ارتجعها وإن كانت رجعته مقارنة لوطئها فتأمله فإنه من أسرار الفقة. ونظير هذه المسألة الجارية مسألة الموهوبة للولد سواء قال أحمد في رواية أبي طالب: "إذا وهب لابنه جارية وقبضها الابن لم يجز للأب عتقها حتى يرجع فيها ويردها إليه" قال أبو حفص: "ويخرج في هذه المسألة
стр. 594
رواية أخرى بصحة العتق والأول أصح" قال إسحاق بن إبراهيم: "سألت أبا عبد الله رحمه الله تعالى عن جارية وهبها رجل لابنه ثم قبضها الابن من الأب فأعتقها الأب بعدما قبضها الابن؟ قال: "الجارية للابن وأعتق الأب ما ليس له" قلت: فحديث النبي ﷺ : " أنت ومالك لأبيك" قال: "من قال أن عتق الأب جائز يذهب إلى هذا فأما الحسن وابن أبي ليلى يقولان عتقه عليه جائز ولا أذهب إليه" قلت: إيش الحجة في هذا؟ قال: "لا يجوز عتقه على ما وهبه الابن وأجازه.
قبض الأب صداق ابنته:
اختلف في قبض الأب صداق ابنته فروى عنه مهنا لا يبرأ الزوج بذلك وروى عنه المروزي وأبو طالب أنه يبرأ وأصل الروايتين عند أصحابنا إبراء الأب عن الصداق فإن فيه روايتين فإن قلنا يصح إبراؤه صح قبضه وإلا فلا كالأجنبي.
قلت: وعندي أن الروايتين في القبض غير منيتين على رواية الإبراء بل لما ملك الأب الولاية على ابنته في هذا العقد ملك قبض عوضه فلما ملك تزويجها وهو كإقباض البضع وتمكين الزوج منه ملك قبل الصداق وهذه هي العادة بين الناس والرواية الأخرى لا يقبض لها إلا بإذنها فلا يبرأ الزوج بإقباضه كما لا يتصرف في مالها إلا بإذنها والله أعلم.
يستقرض الرجل من مال أولاده ثم يوصي بما أخذ:
روى المروزي عنه في الرجل يستقرض من مال أولاده ثم يوصي بما أخذ من ذلك قال: "ذلك إليه فإن فعل فلا بأس" وهذه الرواية تدل على أن الدين يثبت في ذمته وإن لم يملك الابن المطالبة به إذ لولا ثبوته في الذمة لم يملك الوصية به وكانت وصيته لوارث وقد روى عنه أبو الحارث في رجل له على أبيه دين فمات الأب؟ قال: "يبطل دين الابن".
قلت: وهذه الرواية عندي تحتمل أمرين:
أحدهما: بطلانه وسقوطه جملة وهو الظاهر.
والثاني: بطلان المطالبة به فلا يختص به من التركة ثم يقسم الباقي فلو أوصى له به من غير مطالبة فله أخذه يقدم به من التركة موافقا لنصه الآخر في رواية المروزي والله أعلم.
فإن قيل لو اشتغلت الذمة به لوجبت الوصية به كسائر الديون قلت: لما كان للأب من الاختصاص في مال ولده ما ليس لغيره فيملك أن يتملك عليه عين ماله فلذلك يملك أن يسقطه من ذمته نفسه وأن
стр. 595
يوفيه إياه فتأمله أخذ الأب من مال ابنه ومات ووجده الابن فهل يأخذه؟ اختلفت الرواية عن أحمد فيما أخذه الأب من مال ابنه ومات ووجده الابن بعينه هل يكون له أخذه؟ على روايتين نقلهما أبو طالب في مسائله واحتج بجواز الأخذ بقول عمر قال أبو حفص: "ولأن قد بينا أن الحق في ذمته ولا يمتنع أن يسقط الرجوع إذا كان دينا ويملك إذا كان عينا كالمفلس بثمن المبيع" ووجه الأخرى أن الأب قد حازه فسقط الرجوع كما لو أتلفه"
روى عنه أبو الحارث "كلما أحرزه الأب من مال ولده فهو له رضي أو كره يأخذ ما شاء من قليل وكثير والأم لا تأخذ إنما قال أنت ومالك لأبيك ولم يقل لأمك" وروى عنه إسحاق بن إبراهيم "لا يحل لها يعنى الأم أن تتصدق بشيء من غير علمه" قال أحمد: "أما الذي سمعنا أن المرأة تتصدق من بيت زوجها ما كان من رطب والشيء الذي تطعمه فأما الرجل فلا أحب له أن يتصدق بشيء إلا بإذنها"
وروى عنه حنبل في الرجل يقع على جارية أبيه أو ابنه أو أمه لا أراه يلزق به الولد عاهر إلا أن يحلها له قال أبو حفص البرمكي: "يحتمل أن يريد بقوله يحلها له أي بالهبة ويحتمل أن يريد لأنه بحل فرجها لأنه إذا أحل فرجها فوطئها لحقه الولد لأجل الشبهة إلا ترى أنا ندرأ عن المحصن الرجم في هذا لحديث النبي ﷺ في رواية بكر بن محمد في رجل له جارية يطؤها فوثب عليها ابنه فوطئها فحملت منه وولدت هي أمه تباع لأنه بمنزلة الغريب وهو أشد عقوبة من الغريب لا يثبت له نسب ولكن لو اعتقد الأب قوله وهو أشد عقوبة لوجهين: أحدهما وطؤه موطوءة أبيه والثاني: أنها محرمة عليه على التأبيد وإنما اختار عتقه لأنه من ماء ولده مخلوق ولم يوجبه لعدم ثبوت النسب.
عبد الله ابنه: إذا دفع إليه ابنه مالا يعمل به فذهب الابن فاشترى جارية واعتقها وتزوج بها مضى عتقها وله أن يرجع على ابنه بالملك ويلحق به الولد وليس له الرجوع بالجارية.
حنبل عنه قال: أرى أن من تصدق على ابنه بصدقة فقبضها الابن أو كان في حجر أبيه فأشهد على صدقته فليس له أن ينقض شيئا من ذلك لأنه لا يرجع في شيء من الصدقة؟
وعنه المروزي: إذا وهب لابنه جارية فأراد أن يشتريها
стр. 596
فإن كان وهبها على وجه المنفعة فلا بأس أن يأخذها بما تقوم وإذا جعل الجارية لله تعالى أو في السبيل أو أعطاها ابنه لم يعجبني أن يشتريها.
أبو حفص: إذا وهبها على جهة المنفعة دون الصدقة جاز أن يشتريها لأن النبي ﷺ أجاز الرجوع في هبة الولد وإن جعل الجارية صدقة على ابنته وقصد الدار الآخرة لم يجز له الرجوع لا بثمن ولا بغيره لقوله: "لا تعد في صدقتك" قال أبو حفص: "وتحصيل المذهب أنه لا يجوز له الرجوع فيما دفع إلى غير الولد هبة كان أو صدقة ويرجع فيما وهبه لابنه ولا يرجع فيما كان على وجه الصدقة وروى عنه مهنا إذا تصدق الرجل بشيء من ماله على بعض ولده ويدع بعضا قال أبو حفص: "لا فرق بين العطية للمنفعة وبين الصدقة للأجر لأن كلاهما عطية وإنما يختلف حكمها في رجوع الوالد".
اختلف قوله في قسمة الرجل ماله بين ولده في حياته فروي "إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم إذا لم يفضل" وروى عنه محمد بن الحكم "أحب إلى أب لا يقسم ماله يدعه على فرائض الله لعله يولد له" علي بن سعيد عن أحمد "إذا زوج بعض ولده وجهزه له ولد سواهم وهم عنده ينفق عليهم ويكسوهم فإن كان نفقته عليهم مما يجحف بماله ينبغي له أن يواسيهم وإن لم يجحف بماله وإنما هي نفقة فلا يكون عليه شيء" قال أبو حفص: "قوله يجحف بماله يعنى ينفق فوق الحاجة ينبغي أن يعطي الذين خرجوا من نفقته بإزاء ذلك لأن ما زاد على النفقة يجري مجرى النحل" وروى عنه أحمد بن الحسين في امرأة جعلت مالها لأحد بنيها إن هو حج بها دون أخويه "تعطيه أجرته وتسوي بين الولد" وروى عنه إسحاق بن إبراهيم في الأب يقول وهبت جاريتي هذه لابني إذا كان ذلك في صحة منه وأشهد عليه كان قبضه لها قبضا وهذه الرواية تدل على أن هبة الأب لابنه الصغير يجري فيها الإيجاب لأنه اعتبر في ذلك القبض وروى عنه يوسف بن موسى في الرجل يكون له الولد البار الصالح وآخر غير بار لا ينيل البار دون الآخر قال أبو حفص: "لأن النبي ﷺ لم يفرق ولأنه كالبار في الميراث"
стр. 597
وروي عنه "للشاهد أن لا يشهد إذا جاء مثل هذا وعرف فيه الحيف في الوصية" وروى عنه الحكم "لا يشهد إذا فضل ببيت ولده" وروى عنه الفضل بن زياد في رجل كانت له بنت وأخ وله عشرة آلاف درهم لم يجز له أن يصالح الأخ منها على ألفي درهم ليس هذا بشيء قال أبو حفص: "لأنه هضم للحق فبطل ولأنه إنما يستحق بعد الموت فهو كإجازة الشريك لشريكه بيع نصبيه ثم له المطالبة بالشفعة".
قلت: هذا القياس غير صحيح لأن النبي ﷺ حرم على الشريك البيع قبل استئذان شريكه فقال: "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق بالشفعة" فدل على أنه إذا أذن في البيع ولم يرد أخذ الشقص سقطت شفعته وعلى هذا موجب النص فسبب الشفعة إرادة البيع واستئذان الشريك فإذا طلبه الشريك وجب على شريكه بيعه إياه هذا مقتضي النص خالفه من خالفه وأما إسقاط الميراث فإسقاط أمر موهوم لا يدري أيحصل أم لا ولعله أن يموت هو قبله فهو جار مجرى إسقاط حقه من الغنيمة قبل الجهاد وتحرك العدو البتة وإسقاط حقه بما لعل الموصى أن يوصي له به وأمثال ذلك مما لا عبرة به والله أعلم.
فائدة: أحكام الوالدين بالنسبة لأولادهما:
إذا مات ولم يسو فهل يرد فيه؟ روايتان منصوصتان رواية ابنه عبد الله وعمه حنبل وأبي طالب "أنه يرد" وأصحابنا إنما نسبوا ذلك إلى أنه قول أبي حفص ولا ريب أنه اختياره في هذا الكتاب ونقله نصا عن أحمد رواية من سمينا وهو الأقيس نقل عنه حرب في مجوسي كان له ولد فنحل بعض ولده دون بعض وكان للمنحول ابن فمات وترك ابنه كيف حاله في هذا المال الذي ورث عن أبيه وكان الجد نحله؟ قال: "لا بأس يأكله لأن هذا في الشرك" قال أبو حفص: "هذا يجيء على القولين جميعا أما على القول الذي يمضيه بالموت فهو مثله
стр. 598
وأما على القول بالرد بعد الموت فلأنه نحله في حال الشرك وهو مقبوض فيه فهو كما يثبت قبض المهر إذا كان خمرا أو خنزيرا وإن كان مرودا في الإسلام". آخر ما أنتقاه القاضي من الكتاب المذكور.
ومما أنتقاه من كتاب أحكام الملل لأبي حفص أيضا:
أبو طالب عنه قال وسأله إسماعيل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ قال: "لا يستعان بهم في شيء" وذكر أبو حفص الحديث إلى قول النبي ﷺ : "فلن أستعين بمشترك " قال: "وروى أبو معاوية حدثنا أبو حيان التيمي عن الزنباع عن أبي الدهقان قال قيل لعمر إن ههنا رجلا من أهل الحيرة له علم بالديوان أفنتخذه كاتبا؟ فقال عمر: "لقد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين" وكيع حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى قال قلت لعمران: "لي كاتب نصراني؟ فقال: "ما لك قاتلك الله ما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ وذكر الحديث قال أبو حفص: "احتج أبو عبد الله في جبر الكافر على الإسلام بذكر الشهادتين وإن لم يقل أنا بريء من الكفر الذي كنت فيه بقوله لعمه: " أدعوك إلى كلمة أن أقاتل الناس حتى يقولوا إلا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " فإن قال: لم أرد الإسلام فهل تضرب عنقه أم لا؟ اختلف قوله في ذلك فروى عنه حرب يضرب عنقه وروى عنه مهنا في يهودي أو نصراني أو مجوسي قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقال: لم أنو الإسلام يجبر على الإسلام فإن أبي يحبس" فقلت: يقتل؟ قال: "لا ولكن يحبس" ووجه الأولى أنه قد أتى بصريح الإسلام والاعتبار في الإسلام بالظاهر، ووجه الثانية أنه يحتمل ما قاله وإن لم يقصد الإيمان فجاز أن
стр. 599
يجعل ذلك شبهة في سقوط القتل والقتل سقط بالشبهة بدليل ما لو أعطي الأمان لواحد من أهل الحصن واشتبه علينا.
ومما أنتقاه من خط أبي حفص البرمكي:
بإسناده إلى أنس بن مالك قال: "رأيت رسول الله ﷺ يسجد على كور عمامته" وبإسناده إليه يرفعه: "إذا سمعت النداء فأجب وعليك السكينة فإن أصبت فرجة وإلا فلا تضيق على أخيك واقرأ ما تسمع أذنيك ولا تؤذ جارك وصل صلاة مودع " وبإسناده إلى ابن عمر يرفعه "ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد " وبإسناده عن أبي هريرة "يرفعه إذا دخل أحدكم المسجد فوجد الناس سجودا فليسجد ولا يقف كما يقف اليهود" وروى ابن بطة بإسناده إلى أبي أمامة "أن رسول الله ﷺ شهد جنازة وهو سابع سبعة فأمرهم رسول الله ﷺ يصفوا ثلاثة صفوف خلفه فصف ثلاثة واثنين وواحد صفا خلف صف فصلى على الميت ثم انصرف" وبإسناده عن سمرة بن جندب يرفعه "من كتم علي غال فهو غال مثله" وبإسناده عن عائشة ﵂ " سئل النبي ﷺ عن الشعر؟ فقال: "هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح " وبإسناده عن جابر بن سمرة يرفعه "لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق بصاع كل يوم على مسكين" وبإسناده عن عائشة ترفعه "أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد وليولم أحدكم ولو بشاة" وبإسناده عن إبراهيم الحربي قال: "الناس كلهم عندي عدول إلا من عدله القاضي" قلت: ويروى عن ابن المبارك أنه قال: "الناس كلهم عدول إلا العدول" سمعته من شيخنا وبإسناده عن يحيى القطان "لم يكن يشهد عند الحاكم إلا القسام والذراع فأما المستورون وأهل العلم فلم يكونوا يشهدون" وبإسناده قال رجل لابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن من السفل؟ قال: "الذين يلبسون القلانس
стр. 600
ويأتون مجالس الحكام" وبإسناده عن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان يدعوا فيه المؤمن للعامة فيقول الله : ادع لخاصة نفسك أستجب لك فأما العامة فإني عليهم ساخط"، وبإسناده عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي قال: قال أحمد بن حنبل: "إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه" قال النبي ﷺ : "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم" وبإسناده عن همام بن مسعود كان يقول: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقا" وليت القاضي ذكر أسانيد هذه الأحاديث وكتبها لأكشف حالها.
ومن خط القاضي أيضا:
حكى عن عثمان بن منصور وعمرو بن معدي كرب أنهما كانا يقولان: "الخمر مناحة مباحة ويحتجان بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قالا: "قد آمنا وعملنا الصالحات فلا جناح علينا فيما طعمنا" فلم تكفرهما الصحابة بهذا القول وسؤالهما الحكم في ذلك لأنه لم يكن قد ظهرت أحكام الشريعة في ذلك الوقت ظهورا عاما ولو قال بعض المسلمين في وقتنا هذا لكفرناه لأنه قد ظهر تحريم ذلك.
وسبب نزول هذه الآية ما قاله الحسن: "لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم وقد أخبر الله أنها رجس فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ وكذلك قد قيل في مانعي الزكاة أنهم على ضربين منهم من حكم بكفره وهم من آمن بمسيلمة وطليحة والعنسي ومنهم من لم يحكم بكفره وهم من لم يؤمنوا بهم لكن منعوا الزكاة وتأولوا أنها كانت واجبة عليهم لأن النبي ﷺ كان يصلي عليهم وكانت صلاته سكنا لهم قالوا: وليس صلاة ابن أبي قحافة سكنا لنا فلم يحكم بكفرهم لأنه لم يكن قد أنتشرت أحكام الإسلام ولو منعها مانع في وقتنا حكم بكفره.
следующие страницы →