← Джавами‘

Джавами‘ · id 12003

بدائع الفوائد - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Полный текст (992 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فإن كان وهبها على وجه المنفعة فلا بأس أن يأخذها بما تقوم وإذا جعل الجارية لله تعالى أو في السبيل أو أعطاها ابنه لم يعجبني أن يشتريها. أبو حفص: إذا وهبها على جهة المنفعة دون الصدقة جاز أن يشتريها لأن النبي ﷺ أجاز الرجوع في هبة الولد وإن جعل الجارية صدقة على ابنته وقصد الدار الآخرة لم يجز له الرجوع لا بثمن ولا بغيره لقوله: "لا تعد في صدقتك" قال أبو حفص: "وتحصيل المذهب أنه لا يجوز له الرجوع فيما دفع إلى غير الولد هبة كان أو صدقة ويرجع فيما وهبه لابنه ولا يرجع فيما كان على وجه الصدقة وروى عنه مهنا إذا تصدق الرجل بشيء من ماله على بعض ولده ويدع بعضا قال أبو حفص: "لا فرق بين العطية للمنفعة وبين الصدقة للأجر لأن كلاهما عطية وإنما يختلف حكمها في رجوع الوالد". اختلف قوله في قسمة الرجل ماله بين ولده في حياته فروي "إن شاء قسم وإن شاء لم يقسم إذا لم يفضل" وروى عنه محمد بن الحكم "أحب إلى أب لا يقسم ماله يدعه على فرائض الله لعله يولد له" علي بن سعيد عن أحمد "إذا زوج بعض ولده وجهزه له ولد سواهم وهم عنده ينفق عليهم ويكسوهم فإن كان نفقته عليهم مما يجحف بماله ينبغي له أن يواسيهم وإن لم يجحف بماله وإنما هي نفقة فلا يكون عليه شيء" قال أبو حفص: "قوله يجحف بماله يعنى ينفق فوق الحاجة ينبغي أن يعطي الذين خرجوا من نفقته بإزاء ذلك لأن ما زاد على النفقة يجري مجرى النحل" وروى عنه أحمد بن الحسين في امرأة جعلت مالها لأحد بنيها إن هو حج بها دون أخويه "تعطيه أجرته وتسوي بين الولد" وروى عنه إسحاق بن إبراهيم في الأب يقول وهبت جاريتي هذه لابني إذا كان ذلك في صحة منه وأشهد عليه كان قبضه لها قبضا وهذه الرواية تدل على أن هبة الأب لابنه الصغير يجري فيها الإيجاب لأنه اعتبر في ذلك القبض وروى عنه يوسف بن موسى في الرجل يكون له الولد البار الصالح وآخر غير بار لا ينيل البار دون الآخر قال أبو حفص: "لأن النبي ﷺ لم يفرق ولأنه كالبار في الميراث"

стр. 597

وروي عنه "للشاهد أن لا يشهد إذا جاء مثل هذا وعرف فيه الحيف في الوصية" وروى عنه الحكم "لا يشهد إذا فضل ببيت ولده" وروى عنه الفضل بن زياد في رجل كانت له بنت وأخ وله عشرة آلاف درهم لم يجز له أن يصالح الأخ منها على ألفي درهم ليس هذا بشيء قال أبو حفص: "لأنه هضم للحق فبطل ولأنه إنما يستحق بعد الموت فهو كإجازة الشريك لشريكه بيع نصبيه ثم له المطالبة بالشفعة". قلت: هذا القياس غير صحيح لأن النبي ﷺ حرم على الشريك البيع قبل استئذان شريكه فقال: "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق بالشفعة" فدل على أنه إذا أذن في البيع ولم يرد أخذ الشقص سقطت شفعته وعلى هذا موجب النص فسبب الشفعة إرادة البيع واستئذان الشريك فإذا طلبه الشريك وجب على شريكه بيعه إياه هذا مقتضي النص خالفه من خالفه وأما إسقاط الميراث فإسقاط أمر موهوم لا يدري أيحصل أم لا ولعله أن يموت هو قبله فهو جار مجرى إسقاط حقه من الغنيمة قبل الجهاد وتحرك العدو البتة وإسقاط حقه بما لعل الموصى أن يوصي له به وأمثال ذلك مما لا عبرة به والله أعلم. فائدة: أحكام الوالدين بالنسبة لأولادهما: إذا مات ولم يسو فهل يرد فيه؟ روايتان منصوصتان رواية ابنه عبد الله وعمه حنبل وأبي طالب "أنه يرد" وأصحابنا إنما نسبوا ذلك إلى أنه قول أبي حفص ولا ريب أنه اختياره في هذا الكتاب ونقله نصا عن أحمد رواية من سمينا وهو الأقيس نقل عنه حرب في مجوسي كان له ولد فنحل بعض ولده دون بعض وكان للمنحول ابن فمات وترك ابنه كيف حاله في هذا المال الذي ورث عن أبيه وكان الجد نحله؟ قال: "لا بأس يأكله لأن هذا في الشرك" قال أبو حفص: "هذا يجيء على القولين جميعا أما على القول الذي يمضيه بالموت فهو مثله

стр. 598

وأما على القول بالرد بعد الموت فلأنه نحله في حال الشرك وهو مقبوض فيه فهو كما يثبت قبض المهر إذا كان خمرا أو خنزيرا وإن كان مرودا في الإسلام". آخر ما أنتقاه القاضي من الكتاب المذكور. ومما أنتقاه من كتاب أحكام الملل لأبي حفص أيضا: أبو طالب عنه قال وسأله إسماعيل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ قال: "لا يستعان بهم في شيء" وذكر أبو حفص الحديث إلى قول النبي ﷺ : "فلن أستعين بمشترك " قال: "وروى أبو معاوية حدثنا أبو حيان التيمي عن الزنباع عن أبي الدهقان قال قيل لعمر إن ههنا رجلا من أهل الحيرة له علم بالديوان أفنتخذه كاتبا؟ فقال عمر: "لقد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين" وكيع حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى قال قلت لعمران: "لي كاتب نصراني؟ فقال: "ما لك قاتلك الله ما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ وذكر الحديث قال أبو حفص: "احتج أبو عبد الله في جبر الكافر على الإسلام بذكر الشهادتين وإن لم يقل أنا بريء من الكفر الذي كنت فيه بقوله لعمه: " أدعوك إلى كلمة أن أقاتل الناس حتى يقولوا إلا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم " فإن قال: لم أرد الإسلام فهل تضرب عنقه أم لا؟ اختلف قوله في ذلك فروى عنه حرب يضرب عنقه وروى عنه مهنا في يهودي أو نصراني أو مجوسي قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقال: لم أنو الإسلام يجبر على الإسلام فإن أبي يحبس" فقلت: يقتل؟ قال: "لا ولكن يحبس" ووجه الأولى أنه قد أتى بصريح الإسلام والاعتبار في الإسلام بالظاهر، ووجه الثانية أنه يحتمل ما قاله وإن لم يقصد الإيمان فجاز أن

стр. 599

يجعل ذلك شبهة في سقوط القتل والقتل سقط بالشبهة بدليل ما لو أعطي الأمان لواحد من أهل الحصن واشتبه علينا. ومما أنتقاه من خط أبي حفص البرمكي: بإسناده إلى أنس بن مالك قال: "رأيت رسول الله ﷺ يسجد على كور عمامته" وبإسناده إليه يرفعه: "إذا سمعت النداء فأجب وعليك السكينة فإن أصبت فرجة وإلا فلا تضيق على أخيك واقرأ ما تسمع أذنيك ولا تؤذ جارك وصل صلاة مودع " وبإسناده إلى ابن عمر يرفعه "ليصل أحدكم في المسجد الذي يليه ولا يتبع المساجد " وبإسناده عن أبي هريرة "يرفعه إذا دخل أحدكم المسجد فوجد الناس سجودا فليسجد ولا يقف كما يقف اليهود" وروى ابن بطة بإسناده إلى أبي أمامة "أن رسول الله ﷺ شهد جنازة وهو سابع سبعة فأمرهم رسول الله ﷺ يصفوا ثلاثة صفوف خلفه فصف ثلاثة واثنين وواحد صفا خلف صف فصلى على الميت ثم انصرف" وبإسناده عن سمرة بن جندب يرفعه "من كتم علي غال فهو غال مثله" وبإسناده عن عائشة ﵂ " سئل النبي ﷺ عن الشعر؟ فقال: "هو كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح " وبإسناده عن جابر بن سمرة يرفعه "لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق بصاع كل يوم على مسكين" وبإسناده عن عائشة ترفعه "أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد وليولم أحدكم ولو بشاة" وبإسناده عن إبراهيم الحربي قال: "الناس كلهم عندي عدول إلا من عدله القاضي" قلت: ويروى عن ابن المبارك أنه قال: "الناس كلهم عدول إلا العدول" سمعته من شيخنا وبإسناده عن يحيى القطان "لم يكن يشهد عند الحاكم إلا القسام والذراع فأما المستورون وأهل العلم فلم يكونوا يشهدون" وبإسناده قال رجل لابن المبارك: يا أبا عبد الرحمن من السفل؟ قال: "الذين يلبسون القلانس

стр. 600

ويأتون مجالس الحكام" وبإسناده عن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ : "يأتي على الناس زمان يدعوا فيه المؤمن للعامة فيقول الله : ادع لخاصة نفسك أستجب لك فأما العامة فإني عليهم ساخط"، وبإسناده عن عبد الله بن محمد بن الفضل الصيداوي قال: قال أحمد بن حنبل: "إذا سلم الرجل على المبتدع فهو يحبه" قال النبي ﷺ : "ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم" وبإسناده عن همام بن مسعود كان يقول: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقا" وليت القاضي ذكر أسانيد هذه الأحاديث وكتبها لأكشف حالها. ومن خط القاضي أيضا: حكى عن عثمان بن منصور وعمرو بن معدي كرب أنهما كانا يقولان: "الخمر مناحة مباحة ويحتجان بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قالا: "قد آمنا وعملنا الصالحات فلا جناح علينا فيما طعمنا" فلم تكفرهما الصحابة بهذا القول وسؤالهما الحكم في ذلك لأنه لم يكن قد ظهرت أحكام الشريعة في ذلك الوقت ظهورا عاما ولو قال بعض المسلمين في وقتنا هذا لكفرناه لأنه قد ظهر تحريم ذلك. وسبب نزول هذه الآية ما قاله الحسن: "لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا الذين ماتوا وهي في بطونهم وقد أخبر الله أنها رجس فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ وكذلك قد قيل في مانعي الزكاة أنهم على ضربين منهم من حكم بكفره وهم من آمن بمسيلمة وطليحة والعنسي ومنهم من لم يحكم بكفره وهم من لم يؤمنوا بهم لكن منعوا الزكاة وتأولوا أنها كانت واجبة عليهم لأن النبي ﷺ كان يصلي عليهم وكانت صلاته سكنا لهم قالوا: وليس صلاة ابن أبي قحافة سكنا لنا فلم يحكم بكفرهم لأنه لم يكن قد أنتشرت أحكام الإسلام ولو منعها مانع في وقتنا حكم بكفره.

стр. 601

ومن خطه أيضا من تعاليقه: عذاب القبر حق، وقد وقيل ولا بد من انقطاعه لأنه من عذاب الدنيا والدنيا وما فيها فان منقطع فلا بد أن يلحقهم الفناء والبلاء ولا يعرف مقدار مدة ذلك يجوز أن يحشر الله العباد يوم القيامة عراة في وقت خروجهم من قبورهم يوم البعث ثم يكسو الله المؤمن حلل الجنان ويجعل على الكافر والعصاة سرابيل القطران والتعبد في الآخرة بترك التكشف زائل. المحشر هل هو في أرض الجنة أو في أرض من أراضي من أراضي الدنيا أو في موضع لا من الجنة ولا من النار؟ فقد قيل: أول حشر الناس عند قيامهم من قبورهم في هذه الأرض التي ماتوا ودفنوا فيها ثم يحولون إلى الأرض التي تسمى الساهرة فهذا معنى قوله: ﴿فَإذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ والساهرة هي التي يحاسبون عليها فإذا فرغوا من الحساب وجازوا على الصراط وميز بين المجرمين والمؤمنين ضرب بينهم بسور فكان ما وراء السور مما يلي الجنة من أرض الجنة وصار ما دون السور مما يلي النار من أرض جهنم وموضع الحساب يصير من جهنم قوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ المراد الأمر في الدنيا لأن الآخرة ليس فيها أمر ولا نهي على الملائكة ولا غيرهم لأن التعبد زائل, وفي البخاري عن علي: "اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل". قلت: هذا وهم منه رحمة الله تعالى فإن الله تعالى يأمر الملائكة يوم القيامة بأخذ الكفار والمجرمين إلى النار وسوقهم إليها وتعذيبهم فيها ويأمر عباده بالسجود له فيخرون سجدا إلا من منعه الله من السجود ويأمر المؤمنين فيعبرون الصراط ويأمر خزنة الجنة بفتحها لهم ويأمر خزنة النار بفتحها لأهلها ويأمر ملائكة السماوات بالنزول إلى الأرض ويأمر بشأن البعث كله وما بعده فالأمر يومئذ لله ولا يعصى الله في ذلك اليوم طرفة عين وأوامره ذلك اليوم للثواب والعقاب

стр. 602

والشفاعة للملائكة والأنبياء وغيرهم تضبطها قدرة الخالق فكيف يقال: ليس في الآخرة أمر ولا نهي حتى يقال لا يعصون الله تعالى ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون في الدنيا أفترى الله لا يأمرهم يوم القيامة في أمر النار بشيء فلا يعصون فيه ويفعلون ما يؤمرون فيه، نعم ليست الآخرة دار حرث وإنما هي دار حصاد وأوامر الرب ونواهيه ثابتة في الدارين وكذلك أوامر التكليف ثابتة في البرزخ ويوم القيامة وحكاه أبو الحسن الأشعري في مقالاته عن أهل السنة في تكليف من لم تبلغه الدعوة في الدنيا أن يكلفوا يوم القيامة فقول القائل: الآخرة ليست دار تكليف ولا أمر ولا نهي قول باطل ودعوى فاسدة والله تعالى الموفق. تحقيق معنى الولاية: قال: ذكر بعضهم أنه يجوز أن يقول: أنا مؤمن ولا يقولك أنا ولي وفرق بينهما فإن الله تعالى أمر من ظهر منه الإيمان أن يسمى مؤمنا قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ الآية ولم يأمر من ظهر منه ذلك أن يسمى وليا ولا فرق بينهما فإن الله قد وصف الولي بصفة المؤمن فقال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاّ الْمُتَّقُونَ﴾ وهذه صفة المؤمن ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي وكذلك المؤمن ولأنه إنما يكون وليا بتوليه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن. قلت: هذه حجة من منع قول القائل: أنا مؤمن بدون استثناء كما لا يقول: أنا ولي ومن فرق بينهما أجاب بأنه لا يمكنه العلم بأنه ولي لأن الولاية هي القرب من الله فولى الله هو القريب منه المختص به والولاء هو في اللغة القرب ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات وله موانع وآفات وقواطع فلا يعلم العبد هل هو ولي الله أم لا وأما الإيمان فهو أن يؤمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ويلتزم أداء فرائضه وترك محارمه وهذا يمكن أن يعلمه من نفسه بل ويعلمه غيره منه. والذي يظهر لي من ذلك أن ولاية الله تعالى نوعان عامة وخاصة: فالعامة: ولاية كل مؤمن فمن كان مؤمنا لله تقيا كان له وليا وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه ولا يمتنع في هذه الولاية أن يقول:

стр. 603

أنا ولي إن شاء الله كما يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. والولاية الخاصة: إن علم من نفسه أنه قائم لله بجميع حقوقه مؤثر له على كل ما سواه في جميع حالاته قد صارت مراضي الله ومحابة هي همه ومتعلق خواطره يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه وإن سخط الخلق فهذا إذا قال: أنا ولي الله كان صادقا. وقد ذهب المحققون في مسألة (أنا مؤمن) إلى هذا التفصيل بعينه فقالوا: له أن يقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ولا يقول: أنا مؤمن لأن قوله: أنا مؤمن يفيد الإيمان المطلق الكامل الآتي صاحبه بالواجبات التارك للمحرمات بخلاف قوله: آمنت بالله فتأمله. وإذا دخل خارجي أو قاطع طريق إلى بلد وقد غصب الأموال وسبى الذراري هل يجوز معاملته؟ نظرت فإن لم يكن معهم إلا ما أخذوه من الناس لم يجز معاملتهم وإن كان معهم حلال وحرام لم يجز أيضا إلا أن يبينوه كرجل كان عنده أربع إماء فأعتق واحدة منهن بعينها وعرض واحدة منهن وهو مدع لرقهن لم يجز الشراء منه حتى يبين التي أعتقها وكذلك إذا كان عنده ميتة ومذكاة لم يجز الشراء منه حتى يبين فأما الأموال التي في أيدي هؤلاء الغصبة من الخوارج واللصوص الذين لا يعرف لهم صناعة غير هذه الأموال المغصوبة عليهم فالعلم قد أحاط بأن جميع ما معهم حرام فلا يجوز البيع والشراء منهم ولكن يجوز للفقير أن يأخذ منهم ما يعطوه من جهة الفقر لأن إمام المسلمين لو ظفر بهذا الفاسق وبما معه من الأموال لوجب أن يصرف هذه الأموال في الفقراء وأما المستور فإنه يحكم له بما في يده لأنا لا نعلم أنه في دعواه مبطل. وكذلك لو أن رجلا من فساق المسلمين لا ينزع عن الزنا والقذف ونحوه وكان في يده مال حكم له به ويفارق هذا من يعرف بالغصب والظلم لأن الظاهر أن تلك الأموال حرام غصوب.

стр. 604

ومن خط القاضي من جزء فيه تفسير آيات من القرآن عن الإمام أحمد: رواية المروزي عنه رواية أبي بكر أحمد بن عبد الخالق عنه رواية أبي بكر أحمد ابن جغفر بن سالم الحنبلي رواية أبي الحسين أحمد بن عبد الله السوسنجردي قال المروزي سمعت أبا عبد الله يقول لرجل: "اقعد اقرأ فجئته أنا بالمصحف فقعد فقرأ عليه فكان يمر بالآية فيقف أبو عبد الله فيقول له: ما تفسيرها؟ فيقول: لا أدري فيفسرها لنا فربما خنقته العبرة فيردها. وكان إذا مر بالسجدة سجد الذي يقرأ وسجدنا معه فقرأ مرة فلم يسجد فقلت لأبي عبد الله لأي شيء لم تسجد؟ قال: "لو سجد سجدنا معه قد قال ابن مسعود للذي قرأ: أنت إمامنا إن سجدت سجدنا" وكان يعجبه أن يسلم فيها. وقال: ذهب إلى ابن سواء فكان يقرأ بنسخة لعبد الوهاب فكان يقرأ ويفسر قال ابن سواء: "كان يقرأ ويفسر" قال: "وكان قتادة يقرأ ويفسر" وقال لرجل: "لو قرأت فسمعنا ونحن يسير من العسكر فكان الرجل يقرأ وأبو عبد الله يسمع وربما زاد أبو عبد الله الحرف والآية فتفيض عيناه" وسمعته يفسر القرآن وقال: "قال مجاهد: "عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث مرات وقال: أعيتني الفرائض فما أحسنها" وقرأ عليه ﴿لا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال لا سواد فيها: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قال: "لا كبيرة ولا صغيره" ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ قال: "محاسبين" وقال: "يقرأ السجن والسجن أحب إلى" ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ قال: "حمر تحمل الطعام كفرت بأنعم الله فإذاقها الله" قال تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ قال: "هذه نسختها التي في البقرة ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أربعة أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ قال: "يفرض لكل حامل مطلقة كانت أو متوفى عنها زوجها لها النفقة حتى تضع" هكذا رأيت هذا التفسير ولا يخلوا من وهم إما من المروزي أو من

стр. 605

الناقل ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: "عملك فأصلحه" ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال: "الرجز عبادة الأوثان" ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال: "تمنن بما أعطيت لتأخذ أكثر ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ قال: "واد في جهنم" (الغاسق) القمر وقال النبي ﷺ : "هذا الغاسق قد طلع" يعني القمر ﴿النَّفَّاثَاتِ﴾ السحر و ﴿الْعُقَدِ﴾ الذين يعقدون السحر ﴿حَاسِدٍ إذا حَسَدَ﴾ قال: "هو الحسد الذي يتحاسد الناس" قلت: إيش تفسير ﴿إذا وَقَبَ﴾ قال: "لا أدري" وقرىء عليه ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ قال:"لم تزل" ﴿جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ قال: "نقبوا الصخر وجاءوا عليهم جلود النمار قد جابوها قد نقبوها" ﴿عَسْعَسَ﴾ أظلم: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ قال: "هذه مدينه مروان قد مررت بها وهي قريبة من عبد الرزاق رأيتها سوداء حمراء أثر النار تبين فيها ليس فيها أثر زرع ولا خضرة إنما غدوا على أن يصرموها أو يجدوها وفيها حرث وكانوا قد أقسموا أن لا يدخلها مسكين ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ قد أكلتها النار حتى تركتها سوداء ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلهم ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ لا يظلمكم ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ قال: "مثل دردري الزيت" ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ قال: "الرجع: المطر" والصدع: النبات ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً﴾ يكفتون فيها الأحياء الشعر والدم وتدفنون فيها موتاكم قال المروزي وسمعته يقول: "يدفن فيها ثلاثة أشياء الأظافر والشعر والدم" ثم قال ﴿وَأَمْوَاتاً﴾ تدفن فيها الأموات ﴿مَاءً فُرَاتاً﴾ عذبا (الفراش المبثوث) قال: الفراش الذي يطير عند السراج فيحترق ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ قال: "مضاجعته" ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ قال: "كان ابن عباس يقول ترون السماوات ولا ترون العمد ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ قال: "الشجر ما كان إلى طول قائم والنجم النبات الذي على وجه الأرض" وقرىء عليه: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ قال: "مشددة مخالفة على الجهمية ﴿أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال: "أخلصوا بذكر الآخرة" ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأعْنَاقِ﴾ قال: "ضرب أعناقها" ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ قال: "الثناء يتولى إبراهيم الملل كلها يتسولونه ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ قال: "جاءت ريح فقطعت

стр. 606

أطناب الفساطيط فرجعوا" ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ قال: "الجنة" ﴿اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخرةِ﴾ قال:" باعوها" قلت يريد أبو عبد الله باعوا الآخرة لا أنه فسر الاشتراء بالبيع فإنهم لم يبيعوا الحياة الدنيا وإنما باعوا الآخرة واشتروا الدنيا ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ برد ﴿فَضَحِكَتْ﴾ حاضت ﴿بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قال: "بعشرين درهما" ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْف﴾ قال: "قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يرين غيرهم" ﴿حُورٌ عِينٌ﴾ قال: "كثير بياض أعينهن شديد سواد الحدق ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قال: "العجم" ﴿يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ قال: "الكفر" ﴿شُرْبَ الْهِيمِ﴾ الإبل ﴿بِالأحْقَافِ﴾ الرمل ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال: "السيل هو السيل والعرم هو مسناة البحر" قال المروزي حدثنا محمد بن جعفر ثنا شريك عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة في قوله: ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ قال: "المسناة بلحن اليمن" قال أي شيء تفسير ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ قلت: لكفور؟ قال: نعم" ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال "الجبلين" ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ النحاس المذاب ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ لا تأخذه نعسة ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ قال: "مكث على عصاة سنة فلما نخرت العصى وقع" ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال: "الأراك" ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ما لم يكن فيه سرف أو تقتير ﴿وَإني لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾ قال: "التناول من مكان بعيد" ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ قال: "القرآن" ﴿ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ قال: "سجل من العذاب" ﴿ذَاتُ الأكْمَامِ﴾ قال: "الطلع" قرىء عليه ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ قال: "الذي قال سفيان إذا اختلفتم في شيء فانظروا ما عليه أهل التقوى" يتأول الآية ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ أخر دعاءه إلى السحر ﴿الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ لم تحلب ولم تصر ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ قال: "ما كسب ولده" ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: "نعيم الدنيا" ﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأرض الْجُرُز﴾ هي أرض لا يأتيها المطر إنما يساق إليها الماء وقد مررت بها بليل قلت وكان شيخنا أبو العباس أحمد بن تيمية يقول: "هي أرض مصر وهي أرض إيليز لا ينفعها المطر فلو أمطرت مطر العادة لم ينفعها ولم يروها ولو داوم عليها المطر لهدم البيوت وقطع المعايش فأمطر الله بلاد الحبشه والنوبة ثم ساق الماء إليها" وعندي أن الآية عامة في الماء الذي يسوقه الله على متون الرياح في السحاب

стр. 607

وفي الماء الذي يسوقه وجه الأرض فمن قال هي مصر إنما أراد التمثيل لا التخصيص ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ قال أهل المدينة ﴿قِنْوَانٌ﴾ نضيج. قلت أهل المدينة أول من وكل بها ولمن بعدهم من الوكالة بحسب قيامة بها علما وعملا ودعوة إلى الله تعالى قال بعث شعيب إلى مدينتين قال عذبوا يوم الظلة قال فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين قال: "يقرأ صواع الملك وصواع وصواعب أصوب" قال وكان من ذهب ﴿هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال: "أشركه معي يا رب قال افعل بنا قال هذا دعاء قال ومن قرأ أشدد به أزري قال موسى: أنا أشركه في أمري قال: "كلا الوجهين حسن" ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: "السر ما كان في القلب يسره وأخفى الذي لم يكن بعد يعلمه هو" ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ﴾ قال: "هو الرجل يكون في القوم فتمر به المرأة فليحظها بصره وقد سئل النبي ﷺ نظرة الفجأة فقال: "اصرف بصرك عنها" ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: "كان ابن مسعود ﵁ يقرأ حيث ما وجد لا يأت بخير قال: أحسن هذا الحرف وقرأه هو ﴿أكثر نَفِيراً﴾ قال: "رجالا" ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّماً﴾ قال: "إنما هو قيما ولم يجعل له عوجا. وقال: "ليس أحد من الأنبياء تمنى الموت غير يوسف ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِما﴾ الآية ﴿أَزْكَى طَعَاماً﴾ أحل ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ قال: "عيسى والعزيز". قلت هذا تفسير يحتاج إلى تفسير فإن كان أحمد قال هذا فلعله أراد الشياطين الذين عبدهم اليهود والنصارى وزعموا أنهما عيسى والعزيز وقال: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ قلت هو هارون أخو موسى قال: "نعم كان المشركون قد اختصموا على عهد رسول الله بين موسى وعيسى كذا وكذا فقال النبي ﷺ : "كان هذا بدعا بين الأنبياء" قال أبو عبد الله "استعمل عمر ﵁ رجلا فأبى أن يدخل له في عمل فقال يعني عمر: يوسف قد سأل العمل فاستعمل على خزائن الأرض". وقال: "في المائدة ثمانية عشرة فريضة حلال وحرام يعمل بها وليس فيها شيء لا يعمل به إلا آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ قال: "هذه منسوخة" وقال: "آخر شيء نزل

стр. 608

من القرآن المائدة وأول شيء نزل من القرآن اقرأ ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ﴾ قال: "كان ابن عباس يأخذ بذنب الجنين ويقول هذا من بهيمة الأنعام" وقد روى عن النبي ﷺ قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" قال: "وأما أبو حنيفة فقال: "لا يؤكل تذبح نفس وتوكل نفس" ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ عليه قال على أبي بكر وكان النبي ﷺ قد أنزلت عليه السكينة. قلت: وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية قدس الله روحه يذهب إلى خلاف هذا ويقول: "الضمير عائد إلى النبي ﷺ وإلى صاحبه تبعا له فهو الذي أنزلت عليه السكينة وهو الذي أيده الله بالجنود وسرى ذلك إلى صاحبه" انتهى وقال: "ما نزل بمكة والمدينة من القرآن أربع سور أنزلت بالمدينة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال: "بالمدينة " ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال: "بمكة". قلت: لم يرد أحمد التخصيص ولا خلاق بين الأمة في أن الأنفال وبراءة والنور والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة والمنافقين نزلن بالمدينة في سور أخرى وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالمدينة صحيح و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ بمكة فمنه ما هو بالمدينة ومنه ما هو بمكة فالبقرة مدينة وفيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ قال: "كان ابن عباس يقول: لو ترك الناس الحج سنة واحدة ماتوا طرا" ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال: "على الأصنام" قال: "وكل شيء يذبح على الأصنام لا يؤكل" ﴿تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قال: "كعاب فارس يقال لها النرد وأشباه ذلك" ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: "لو أن رجلا بعدن همّ بقتل رجل وهو في الحرام هذا قول الله ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هكذا قال ابن مسعود قال وقد خرج جابر من المدينة إلى مكة مجاورا أربعة أشهر وعشرا قال: "والعشر ليال أو أيام" ثم قال: "لو كانت ليالي كان يكون نقصان يوم لكنها وليال عشرة" قال: "وأهل مصر يقولون الشام باديتهم" قال يوسف ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ لا تعبير ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ قال: "شم ريحه من مسيرة سبعة أيام" ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لا جزع فيه قلت: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحة مرارا يقول: "ذكر الله الصبر الجميل والصفح الجميل والهجر الجميل فالصبر الجميل الذي

стр. 609

لا شكوى معه والهجر الجميل الذي لا أذى معه والصفح الجميل الذي لا عتاب معه" انتهى ﴿شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ قال قد قال قوم: "حكيم من أهلها" وقال قوم: "القميص الشاهد" وقال قوم: "الصبر" ﴿خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: "منتصبا وقال: القول الآخر أظهر وهو في مشقة وعناء يكابد أمر الدنيا والآخرة" قال الحسن: ما أجد من خلق الله تعالى يكابد ما يكابده ابن آدم" ﴿مَاؤُكُمْ غَوْراً﴾ قال: "لا يناله الرشاء" ﴿بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ قال: "على وجه الأرض" قلت: يحتمل تفسير أحمد أمرين: أحدهما أن يكون معينا فعيلا من أمعن في الأرض إذا ذهب فيها ويحتمل أن يكون مفعولا من العين أي مرئيا بالعين وأصله معيون ثم أعل إعلال مبيع وبابه أو قال قرأ زيد بن ثابت ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ وهو أشبه إذا شاء أنشره ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ قال: "يعزروه النبي ﷺ ويسبحوه الله تعالى ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ نقصان فيه ﴿يَعْصِرُونَ﴾ قال: "يحلبون" ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ جهنم قلت: لم يرد أحمد المراد بالآية جهنم وإنما أراد أنه يكون جهنم أو موضعها والله أعلم ﴿الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ فاضت ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ قال: "كانوا يؤخرونها حتى يخرج الوقت" ﴿أو دَماً مَسْفُوحاً﴾ هو العبيط ولا يكاد أن يكون في اللحم الصفو فيغسل ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ البحر وحوت في حوت ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ قلت: هذا تفسير فنادى في الظلمات وذكر في ظلمات ثلاث وهم فإن تلك الظلمات هي التي يخلق فيها الجنين لا مدخل لظلمه البحر ولا لظلمه الحوت فيها بل لظلمه الرحم وظلمة المشيمة وظلمة البطن والله أعلم. ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ قال الزنا ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ قال: اشترى ابن المنكدر بجميع ما كان معه بدنة وتأويل هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ إلى ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال: "هذه نزلت بمكة والباقي بالمدينة" ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ قال: "نفخ فيه الروح" ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ قال: "هو أن ينظر قيل أن يرجع طرفه

стр. 610

إليه قال وإنما كان قد علم الاسم الذي يستجاب فدعا به ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ قال: "يسوق إلى أمر الله والشهيد يشهد عليه بما عمل" ﴿الْمَاعُونَ﴾ الفأس والقدر وأشباه ذلك ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ قال: "قدمه على نوح قال هذه حجة على القدرية" قلت: ولعل أحمد أراد القدرية المنكرة للعلم بالأشياء قبل كونها وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف وإلا فلا تعرض فيها خلق الأعمال ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنّ﴾ قال: "هذه لها نصف الصداق وإن متعت فحسن وإن لم تمتع فحسن" قال ابن عباس: "تمتع بخادم" ابن عمر: "تمتع بدرع وإزار ونحو هذا" ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنّ﴾ الآية قال: "هذه ليس عليها عدة" وقال سعيد بن جبير: "لكل مطلقة متاع" ابن المسيب: "ليس لها متاع" قال أبو عبد الله: "من متع فحسن ومن لم يمتع فحسن" ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ هو الزوج وقد قال قوم هو الولي فإذا عفا الرجل أعطاها المهر كاملا ﴿أَنْ يَعْفُونَ﴾ قال: "تكون المرأة تترك للزوج ما عليه فتكون قد عفت". قلت: ونص أحمد في رواية أخرى أنه الأب وهو مذهب مالك واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقد ذكرت على رجحانه بضعة عشر دليلا في موضع آخر ﴿الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قال: "جمعت" وقال قوم: "ماتت" قال من قرأ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ قال: موسى وهارون ومن قرأ ساحران قالك هذان كتابان واحدا بعد واحد. قلت: هكذا رأيته وهو وهم وإنما هذا تفسير الآية التي في القصص ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أراد موسى ومحمدا ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ وقرأ الكوفيون: سحران تظاهرا أرادوا التوراة والقرآن وأما آية طه فليس فيها إلا قراءة واحدة ومعنى واحد لساحران يريدون موسى وهارون فاشتبهت الآيتان على الناقل أو السامع ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ تأكل لحم الساقين قلت: في الآية تفسيران مشهوران أحدهما أن الشوى الأطراف التي ليست مقاتل كاليدين والرجلين تنزعها عن أماكنها ومنه قولهم "رمى الصيد فأشواه" إذا أصاب

стр. 611

أطرافه دون مقاتلة فإن أصاب مقتله فمات موضعه قيل رماه فأصماه فإن حمل السهم وفر به ثم مات في موضع آخر قيل رماه فأنحاه قال الشاعر: فهو لا ينحى رمية ... ما له عد من نفره التفسير الثاني: أن الشوى جمع شواة وهي جلدة الرأس وفروته وتفسير أحمد لا يناقض هذا فلعله إنما ذكر لحم الساقين تمثيلا والله أعلم. ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ لم ينصرف يمينا ولا شمالا ﴿وَمَا طَغَى﴾ لم ينظر إلى فوق وقال: "من قرأ (سال سائل) قال: سال واد ومن قرأ (سأل سائل) قال: دعا" قلت: هذا أحد القولين والثاني أن ذا الألف من السؤال أيضا لكنه قلبت الهمزة فيه ألفا ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْل﴾ قال قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر والناشئة لا تكون إلا من بعد رقدة ومن لم يرقد لا يقال لها ناشئة ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً﴾ قال هي أشد تبيينا تفهم ما يقرأ وتعي أذنك ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ قال: "كان ابن مسعود لا يسجد فيها يقول هي توبة نبي" ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ قال: "قوينا قال هي أنطاكية وجاء الثالث وقد اجتمع الناس على الاثنين فقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً﴾ قال أبو عبد الله: "قال ابن ادريس وددت أني قرأت أهل المدينة المنورة" قال: وقال ابن عيينة قال لي ابن جريح اقرأ علي حتى أفسر لك قال وكان ابن جريح قد كتب التفسير عن ابن عباس وعن مجاهد وقال: "رحم الله سفيان ما كان أفقهه في القرآن وكان له علم" وقال في النجم في آخرها يسجد ثم يقوم فيقرأ هذا في الإمام وقال: "النفاق لم يكن في المهاجرين". وقال: "في القرآن اثنان وثمانون موضعا الصبر محمود وموضعان مذموم" قال: "المذموم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ أو قال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ المروزي شك ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال: "بلي بالذبح ذبح ابنه فوفى وبلى بحرق النار فوفى وذكر الثالثة فوفى فلم أحفظه" قلت لأبي عبد الله إيش تفسير ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال: "لا ترضوا أعمالهم" قال: ﴿وَإذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ في الصلاة والخطبة ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ قال: "هو في

стр. 612

التفسير بكتابها قلت لأبي عبد الله في القرآن المحراب: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ هو محراب مثل محاريبنا هذه؟ قال: "لا أدري أي محراب هو" وفي بعض التفسير ذكر محراب داود وسئل عن قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: "أوعية". قلت: هذا أحد القولين والقول الثاني وهو أرجح غلف أي في غشاوة لا نفقه عنك ما تقول نظيره قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يضعف قول من قال أوعية جدا وقال إنما هي جمع أغلف ويقال للقلب الذي في الغشا أغلف وجمعه غلف كما يقال للرجل غير المختون أقلف وجمعه قلف. وسئل عن صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة؟ قال: "كملت للهدي ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فأما أهل مكة فليس عليهم هدى ولا لمن كان بأطراف ما تقصر فيه الصلاة". آخر ما وجد من خط القاضي رحمة الله تعالى. فوائد شتى من كلام ابن عقيل وفتاويه: سئل عمن قال إن برىء مريضي أو قدم غائبي صمت هل يكفي كونه نذرا أو يفتقر إلى أن يقول: لله علي؟ فأجاب: يكفى نذرا لأنه ذكره على وجه المجازاة لأن الله هو يبرىء المرضى فاستغنى بدلالة الحال. وسئل عن رجل طعن بعض الناس فظنه لصا في لصوص هربوا؟ فأجاب: عليه القود لأنه لو كان لصا فهرب لم يجز طعنه ووجب القود فكيف إذا لم يكن. وسئل لو قال منجم إن الشمس تكسف تحت الأرض في وقت كذا هل تصلي صلاة الكسوف؟ فأجاب: لا لأن خبرهم لا يؤخذ به كما لو قالوا الهلال تحت الغيم فإن قيل فإذا قالوا قد زالت الشمس قلنا ذاك موقوف على تقدير ولهذا نقدره بالصنائع انتهى كلامه. ولا حاجة إلى هذا فإن الشمس لو كسفت ظاهرا ثم غابت كاسفة لم يصل للكسوف بعد غيبتها فكيف يصلي لها إذا لم يعاين كسوفها البتة. وذكر له حاكم طعن عليه بأنه يحكم بالفراسة وأنه ضرب بالجريد في إقرار بمال وأخذه منه فقال ابن عقيل: "ليس ذلك فراسة بل حكم

стр. 613

بالأمارات وإذا تأملتم الشرع وجدتموه يجوز التعويل على ذلك وقد ذهب مالك بن أنس ﵁ إلى التوصل إلى الإقرار بما يراه الحاكم وذلك يستند إلى قوله: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ ومتى حكمنا بعقد الأزح وكثرة الخشب ومعاقد القمط في الحصن وما يصلح للمرأة والرجل يعنى في الدعاوي والدباغ والعطار إذا تحاكما في جلد والقيافة والنظر في الخنثى والنظر في أمارات القبلة وهل اللوث في القسامة إلا نحو هذا. أنتهي. قلت الحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال كفقهه في كليات الأحكام ضيع الحقوق فهاهنا فقهان لا بد للحاكم منهما فقه في أحكام الحوادث الكلية وفقه في الوقائع وأحوال الناس يميز به بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل ثم يطبق بين هذا وهذا بين الواقع والواجب فيعطي الواقع حكمه من الواجب السياسة العادلة جزء من الشريعة ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالها وعدلها وسعتها ومصلحتها وأن الخلق لا صلاح لهم بدونها البتة علم أن السياسة العادلة جزء من أجزائها وفرع من فروعها وأن من أحاط علما بمقاصدها ووضعها لم يحتج معها إلى سياسة غيرها البتة. فإن السياسة نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر وهي من الشريعة علمها من علمها وخفيت على من خفيت عنه ولا تنس في هذا الموضع قول سليمان نبي الله للمرأتين اللتين ادعتا الولد فحكم به داود للكبرى فقال سليمان: ايتوني بالسكين أشقه بينهما فقالت الصغرى: لا تفعل هو ابنها فقضي به للصغرى لما دل عليه امتناعها من رحمة الأم ودل رضى الكبرى بذلك على الاسترواح إلى التأسي بمساواتها في فقد الولد. وكذلك قول الشاهد من أهل امرأة العزيز ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ فذكر الله تعالى ذلك مقررا له غير منكر على قائله بل رتب عليه العلم ببراءة يوسف ﵇ وكذب المرأة عليه، وقد أمر النبي ﷺ الزبير أن يقرر ابني أبي الحقيق بالتعذيب على إخراج الكنز فعذبهما حتى أقرا به. ومن ذلك قول علي للظعينة التي حملت كتاب حاطب وأنكرته فقال لها: "لتخرجن الكتاب أو

стр. 614

لنجردنك" وهل تقتضي محاسن الشريعة الكاملة إلا هذا وهل يشك أحد في أن كثيرا من القرائن تفيد علما أقوى من الظن المستفاد من الشاهدين بمراتب عديدة فالعلم المستفاد من مشاهدة الرجل مكشوف الرأس وآخر هارب قدامه وبيده عمامة وعلى رأسه عمامة فالعلم بأن هذه عمامة المكشوف رأسه كالضروري فكيف تقدم عليه اليد التي إنما تفيد ظنا ما عند عدم المعارضة وأما مع هذه المعارضة فلا تفيد شيئا سوى العلم بأنها يد عادية فلا يجوز الحكم بها البتة ولم تأت الشريعة بالحكم لهذه اليد وأمثالها البتة. وقد أمر النبي ﷺ أن يدفع اللقطة إلى واصفها، وقد نص أحمد على اعتبار الوصف عند تنازع المالك والمستأجر في الدفين في الدار وهذه من محاسن مذهبه ونص على البلد يفتح فيوجد فيه أبواب مكتوب عليها بالكتابة القديمة أنها وقف أنه يحكم بذلك لقوة هذه القرينة وهل الحكم بالقافة إلا حكم بقرينة الشبه وكذلك اللوث في القسامة حتى أن مالكا وأحمد في إحدى الروايتين يقيدان بها وهو الصواب الذي لا ريب فيه وكذلك الحكم بالنكول إنما هو مستند إلى قوة القرينة الدالة على أن الناكل غير محق وبالجملة فالبينة اسم لكل ما يبن الحق ومن خصها بالشاهدين دعواه والشاهدان من البينة ولا ريب أن غيرهما من أنواع البينة قد تكون أقوى منهما وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان مفردة ومجموعة وكذلك قول النبي ﷺ : "البينة على المدعي" المراد به بيان ما يصحح دعواه الشاهدان من البينة ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد تكون أقوى منهما كدلالة الحال على صدق المدعى فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد. والبينة والحجة والدلالة والبرهان والآية والتبصرة كالمترادفة لتقارب معانيها والمقصود أن الشرع لم يلغ القرائن ولا دلالات الحال بل من استقرأ مصادر الشرع وموارده وجده شاهدا لها بالاعتبار مرتبا عليها الأحكام. وقول ابن عقيل: "ليس هذا فراسة" يقال ولا ضير في تسميتة فراسة فإنها فراسة صادقة وقد مدح الله الفراسة وأهلها في مواضع من كتابه قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ

стр. 615

لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ وهم المتفرسون الذين يأخذون بالسيما وهي العلامة ويقال: توسمت فيك كذا أي تفرسته كأنك أخذت من السيما وهي فعلا من السمة وهي العلامة وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ وفي الترمذي مرفوعا: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ والله أعلم. ذكر مناظرة بين فقيهين في طهارة المني ونجاسته: قال مدعي الطهارة: المني مبدأ خلق بشر فكان طاهرا كالتراب. قال الآخر: ما أبعد ما اعتبرت فالتراب وضع طهورا ومساعدا للطهور في الولوغ ويرفع حكم الحدث على رأي والحدث نفسه على رأي فأين ما يتطهر به إلى ما يتطهر منه على أن الاستحالات تعمل عملها فأين الثواني من المبادىء وهل الخمر إلا ابنة العنب والمني إلا المتولد من الأغذية في المعدة ذات الإحالة لها إلى النجاسة ثم إلى الدم ثم إلى المني. قال المطهر: ما ذكرته في التراب صحيح وكون المني يتطهر منه لا يدل على نجاسته فالجماع الخالي من الإنزال يتطهر منه ولو كان التطهر منه لنجاسته لاختصت الطهارة بأعضاء الوضوء كالبول والدم وأما كون التراب طهورا دون المني فلعدم تصور التطهير بالمني وكذلك مساعدته في الولوغ فما أبعد ما اعتبرت من الفرق وأما دعواك أن الاستحالة تعمل عملها فنعم وهي تقلب الطيب إلى الخبيث كالأغذية إلى البول والعذرة والدم والخبيث إلى الطيب كدم الطمث ينقلب لبنا وكذلك خروج البن من بين الفرث والدم فالاستحالة من أكبر حجتنا عليك لأن المني دم قصرته الشهوة وأحالته النجسة وانقلابه عنها إلى عين أخرى فلو أعطيت الاستحالة حقها لحكمت بطهارته. قال مدعي النجاسة: المذي مبدأ المني وقد دل الشرع على نجاسته حيث أمر بغسل الذكر وما أصابه منه وإذا كان مبدؤه نجسا فكيف بنهايته ومعلوم أن المبدأ موجود في الحقيقة بالفعل.

стр. 616

قال المطهر: هذا دعوى لا دليل عليها ومن أين لك أن المذي مبدأ المني وهما حقيقتان مختلفتان في الماهية والصفات والعوارض والرائحة والطبيعة فدعواك أن المذي مبدأ المني وأنه مني لم تستحكم طبخه دعوى مجردة عن دليل نقلي وعقلي وحسي فلا تكون مقبولة ثم لو سلمت لك لم يفدك شيئا البتة فإن للمبادىء أحكاما تخالفها أحكام الثواني فهذا الدم مبدأ اللبن وحكمهما مختلف بل هذا المني نفسه مبدأ الآدمي طاهر العين ومبدأه عندك نجس العين فهذا من أظهر ما يفسد دليلك ويوضح تناقضك وهذا مما لا حيلة في دفعة فإن المني لو كان نجس العين لم يكن الآدمي طاهرا لأن النجاسة عندك لا تطهر بالاستحالة فلا بد من نقض أحد أصليك فإما أن تقول بطهارة المني أو تقول النجاسة تطهر بالاستحالة وإما أن تقول المني نجس والنجاسة لا تطهر بالاستحالة ثم تقول بعد ذلك بطهارة الآدمي فتناقض مالنا إلا النكير له. قال المنجس: لا ريب إن المني فضله مستحيلة عن الغذاء يخرج من مخرج البول فكانت نجسه كهو ولا يرد على البصاق والمخاط والدمع والعرق لأنها لا تخرج من مخرج البول. قال المطهر: حكمك بالنجاسة إما أن يكون للاستحالة عن الغذاء أو للخروج من مخرج البول أو لمجموع الأمرين فالأول باطل إذ مجرد استحالة الفضلة عن الغذاء لا يوجب الحكم بنجاستها كالدمع والمخاط والبصاق وإن كان لخروجه من مخرج البول فهذا إنما يفيدك أنه متنجس لنجاسة مجراه لا أنه نجس العين كما هو أحد الأقوال فيه وهو فاسد فإن المجرى والمقر الباطن لا يحكم عليه بالنجاسة وإنما يحكم بالنجاسة بعد الخروج والانفصال ويحكم بنجاسة المنفصل لخبثه وعينه لا لمجراه مقره وقد علم بهذا بطلان الاستناد إلى مجموع الأمرين والذي يوضح هذا أنا رأينا الفضلات المستحلة عن الغذاء تنقسم إلى طاهر كالبصاق والعرق والمخاط ونجس كالبول والغائط فدل على أن جهة الاستحالة غير مقتضية للنجاسة ورأينا أن النجاسة دارت مع الخبث

стр. 617

وجودا وعدما فالبول والغائط ذاتان خبيثتان منتنتان مؤذيتان متميزتان عن سائر فضلات الآدمى بزيادة الخبث والنتن والاستقذار تنفر منهما النفوس وتنأى عنهما وتباعدهما عنها أقصى ما يمكن ولا كذلك هذه الفضلة الشريفة التي هي مبدأ خيار عباد الله وساداتهم وهي من أشرف جواهر الإنسان وأفضل الأجزاء المنفصلة عنه ومعها من روح الحياة ما تميزت به عن سائر الفضلات فقياسها على العذرة أفسد قياس في العالم وأبعده عن الصواب والله تعالى أحكم من أن يجعل محال وحيه ورسالاته وقربه مبادئهم نجسه فهو أكرم من ذلك وأيضا فإن الله تعالى أخبر عنه هذا الماء وكرر الخبر عنه في القرآن ووصفه مرة بعد مرة وأخبر أنه دافق يخرج من بين الصلب والترائب وأنه استودعه في قرار مكين ولم يكن الله تعالى ليكرر ذكر شيء كالعذرة والبول ويعيده ويبديه ويخبر بحفظه في قرار مكين ويصفه بأحسن صفاته من الدفق وغيره ولم يصفه بالمهانة إلا لإظهار قدرته البالغة أنه خلق من هذا الماء الضعيف هذا البشر القوي السوي فالمهين ههنا الضعيف ليس هو النجس الخبيث وأيضا فلو كان المني نجسا وكل نجس خبيث لما جعله الله تعالى مبدأ خلق الطيبين من عبادة والطيبات ولهذا لا يتكون من البول والغائط طيب فلقد أبعد النجعة من جعل أصول بني آدم كالبول والغائط في الخبث والنجاسة والناس إذا سبوا الرجل قالوا أصله خبيث وهو خبيث الأصل فلو كانت أصول الناس نجسة وكل نجس خبيث لكان هذا السبب بمنزلة أن يقال أصله نطفة أو أصله ماء ونحو ذلك وإن كانوا إنما يريدون بخبث الأصل كون النطفة وضعت في غير حالها فذاك خبث على خبث ولم يجعل الله في أصول خواص عبادة شيئا من الخبث بوجه ما. قال المنجسون قد أكثرتم علينا من التشنيع بنجاسة أصل الآدمي وأطلتم القول وأغرضتم وتلك الشناعة مشتركة الإلزام بيننا وبينكم فإنه كما أن الله يجعل خواص عباده ظروفا وأوعية للنجاسة كالبول والغائظ والدم والمذي ولا يكون ذلك عائدا عليهم بالعيب والذم فكذلك خلقه لهم من المني النجس وما الفرق. قال

стр. 618

المطهرون: لقد تعلقتم بما لا متعلق لكم به واستروحتم إلى خيال باطل فليسوا ظروفا للنجاسة البتة وإنما تصير الفضلة بولا وغائطا إذا فارقت محلها فحينئذ يحكم عليها بالنجاسة وإلا فما دامت في محلها فهي طعام وشراب طيب غير خبيث وإنما يصير خبيثا بعد قذفة وإخراجه وكذلك الدم إنما هو نجس إذا سفح وخرج فأما إذا كان في بدن الحيوان وعروقه فليس بنجس فالمؤمن لا ينجس ولا يكون ظرفا للخبائث والنجاسات. قالوا والذي يقطع دابر القول بالنجاسة أن النبي ﷺ علم أن الأمة شديدة البلوى في أبدانهم وثيابهم وفرشهم ولحفهم ولم يأمرهم فيه يوما ما بغسل ما أصابه لا من بدن ولا من ثوب البتة ويستحيل أن يكون كالبول ولم يتقدم إليهم بحرف واحد في الأمر بغسله وتأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ممتنع عليه. قالوا: ونساء النبي ﷺ أعلم الأمة بحكم هذه المسألة وقد ثبت عن عائشة أنها أنكرت على رجل أعارته ملحفة صفراء ونام فيها فاحتلم فغسلها فأنكرت عليه غسلها وقالت: "إنما كان يكفيه أن يفركه بإصبعه ربما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بإصبعي" ذكره ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن همام قال نزل بعائشة ضيف فذكره وقال أيضا حدثنا هشيم عن مغيرة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: "لقد رأيتني أجده في ثوب رسول الله ﷺ فأحته عنه" تعنى المني وهذا قول عائشة وسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن عباس قال ابن أبي شيبة ثنا هشيم عن حصين عن مصعب بن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجناية من ثوبه" ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن مصعب ابن سعد عن سعد "أنه كان يفرك الجنابة من ثوبه" حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في المني قال: "امسحه بإذخرة" ثنا هشيم انبأنا حجاج وابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس في الجنابة تصيب الثوب قال: "إنما هو كالنخامة أو النخاعة أمطه عنك بخرقة أو بأذخرة". قالوا: وقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه

стр. 619

بعرق الإذخر ثم يصلي فيه ويحته من ثوبه يابسا ثم يصلى فيه" وهذا صريح في طهارته لا يحتمل تأويلا البتة. قالوا: وقد روى الدارقطني من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق ثنا شريك عن محمد ابن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: " سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ فقال: "إنما هو بمنزلة البصاق والمخاط وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" قالوا: هذا إسناد صحيح فإن إسحاق الأزرق حديثه مخرج في الصحيحين وكذلك شريك وإن كان قد علل بتفرد إسحاق الأزرق به فإسحاق ثقة يحتج به في الصحيحين وعندكم تفرد الثقة بالزيادة مقبول. قال المنجس: صح عن عائشة ﵂ أنها كانت تغسله من ثوب رسول الله ﷺ وثبت عن ابن عباس ﵄ أنه أمر بغسله قال أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "إذا أجنب الرجل في ثوبه ورأى فيه أثرا فليغسله وإن لم ير فيه أثرا فلينضحه" ثنا عبد الاعلى عن معمر عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول في الجنابة في الثوب: "إن رأيت أثره فاغسله وإن علمت أنه قد أصابه وخفي عليك فاغسل الثوب مكانه وعلم أنه قد أصابه غسل الثوب" كله ثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن زيد بن الصلت "أن عمر بن الخطاب غسل ما رأى ونضح ما لم ير وأعاد بعدما أضحى متمكنا" ثنا وكيع عن السري بن يحيى عن عبد الكريم بن رشيد عن أنس في رجل أجنب في ثوبه فلم ير أثره قال: "يغسله كله" ثنا جابر ثنا حفص عن أشعت عن الحكم أن ابن مسعود "كان يغسل أثر الاحتلام من ثوبه" ثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان عن خالد بن أبي عزة قال: سأل رجل عمر ابن الخطاب فقال: إني احتلمت على طنفسة؟ فقال: "إن كان رطبا فاغسله وإن كان يابسا فاحككه وإن خفي عليك فارششه". قالوا: وقد ثبت

стр. 620

تسمية المني أذى كما سمي دم الحيض أذى والأذى هو النجس فقال الطحاوي ثنا ربيع الحيرى ثنا إسحاق ابن بكر بن مضر قال حدثني أبي عن جعفر بن ربيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عن معاوية بن أبي سفيان أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ هل كان النبي ﷺ يصلي في الثوب الذي يضاجعك فيه؟ قالت: نعم إذا لم يصبه أذى" وفي هذا دليل من وجه آخر وهو ترك الصلاة فيه وقد روى محمد بن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: "كان رسول الله يصلي في لحف نسائه". قالوا وأما ما ذكرتم من الآثار على مسحه بأذخرة وفركه فإنما هي في ثياب النوم لا في ثياب الصلاة، قالوا وقد رأينا الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها ولا تجوز الصلاة فيها فقد يجوز أن يكون المني كذلك. قالوا: وإنما تكون تلك الآثار حجة علينا لو كنا نقول لا يصح النوم في الثوب النجس فإذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم ما رويتهم عن النبي ﷺ ذلك ونقول من بعد لا تصلح الصلاة في ذلك فلم يخالف شيئا مما روى في ذلك عن النبي ﷺ . قالوا: وإذا كانت الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن فيها دليل على حكم المني كيف هو اعتبرنا ذلك من طريق النظر فوجدنا خروج المني حدثا أغلظ الأحداث لأنه يوجب أكبر الطهارات فأردنا أن ننظر في الأشياء التي خروجها حدث كيف حكمها في نفسها فرأينا الغائط والبول خروجهما حدث وهما نجسان في أنفسهما وكذلك دم الحيض والاستحاضة هما حدث وهما نجسان في أنفسهما ودم العروق كذلك في النظر فلما ثبت بما ذكرنا أن كل ما خروجه حدث فهو نجس في نفسه وقد ثبت أن خروج المني حدث ثبت أيضا أنه في نفسه نجس فهذا هو النظر فيه. قال المطهر: ليس في شيء مما ذكرت دليل على نجاسته أما كون عائشة كانت تغسله من ثوب رسول الله فلا ريب أن الثوب يغسل من القذر والوسخ والنجاسة فلا يدل مجرد غسل الثوب منه على نجاسته فقد كانت تغسله تارة وتمسحه أخرى وتفركه أحيانا

стр. 621

ففركه ومسحه دليل على طهارته وغسله لا يدل على النجاسة فلو أعطيتم الأدلة حقها لعلمتم توافقها وتصادقها لا تناقضها واختلافها، وأما أمر ابن عباس بغسله فقد ثبت عنه أنه قال: "إنما هو بمنزله المخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة" وأمره بغسله للاستقذار والنظافة ولو قدر أنه للنجاسة عنده وأن الرواية اختلفت عنه فتكون مسألة خلاف عنه بين الصحابة والحجة تفضل بين المتنازعين على أنا لا نعلم عن صحابي ولا أحد أنه قال إنه نجس ألبته بل غاية ما يروونه عن الصحابة غسله فعلا وأمرا وهذا لا يستلزم النجاسة ولو أخذتم بمجموع الآثار عنهم لدلت على جواز الأمرين غسله للاستقذار والاجتزاء بمسحه رطبا وفركه يابسا كالمخاط وأما قولكم ثبت تسمية المني أذى فلم يثبت ذلك وقول أم حبيبة: "ما لم ير فيه أذى" لا يدل على أن مرادها بالأذى المني لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام فإنها إنما أخبرت بأنه يصلي في الثوب الذي يضاجعها فيه ما لم يصبه أذى ولم تزد. فلو قال قائل: المراد بالأذى دم الطمث لكان أسعد تفسيره منكم وكذلك تركه الصلاة في لحف نسائه لا يدل على نجاسة المني البتة فإن لحاف المرأة قد يصيبه من دم حيضها وهي لا تشعر وقد يكون الترك تنزها عنه وطلب الصلاة على ما هو أطيب منه وأنظف فأين دليل التنجيس. وأما حملكم الآثار الدالة على الاجتزاء بمسحه وفركه على ثياب النوم دون ثياب الطهارة فنصره المذاهب توجب مثل هذا فلو أعطيتهم الأحاديث حقها وتأملتم سياقها وأسبابها لجزمتم بأنها إنما سيقت لاحتجاج الصحابة بها على الطهارة وإنكارهم على من نجس المني قالت عائشة ﵂: "كنت أفركه من ثوب رسول الله فيصلي فيه " وفي حديث عبد الله بن عباس مرفوعا وموقوفا: "إنما هو كالمخاط والبصاق فأمطه عنك ولو بإذخرة " وبالجملة فمن المحال أن يكون نجسا والنبي ﷺ شدة ابتلاء الأمة به في ثيابهم وأبدانهم ولا يأمرهم يوما من الأيام بغسله وهم يعلمون الاجتزاء بمسحه وفركه. وأما قولكم إن الآثار قد اختلفت في هذا الباب ولم يكن في المروى عن النبي ﷺ بيان حكم المني فاعتبرتم

стр. 622

ذلك من طريق النظر فيقال الآثار بحمد الله في هذا الباب متفقة لا مختلفة وشروط الاختلاف منتفية بأسرها عنها وقد تقدم أن الغسل تارة والمسح والفرك تارة جائز ولا يدل ذلك على تناقض ولا اختلاف البتة ولم يكن رسول الله ﷺ ليكل أمته في بيان حكم هذا الأمر المهم إلى مجرد نظرها وآرائها وهو يعلمهم كل شيء حتى التخلي وآدابه ولقد بينت السنة هذه المسألة بيانا شافيا ولله الحمد. وأما ما ذكرتم من النظر على تنجيسه فنظر أعشى لأنكم أخذتم حكم نجاسته من وجوب الاغتسال منه ولا ارتباط بينهما لا عقلا ولا شرعا ولا حسا وإنما الشارع حكم بوجوب الغسل على البدن كله عند خروجه كما حكم به عند إيلاج الحشفة في الفرج ولا نجاسة هناك ولا خارج وهذه الريح توجب غسل أعضاء الوضوء وليست نجسه ولهذا لا يستنجي منها ولا يغسل الإزار والثوب منها فما كل ما أوجب الطهارة يكون نجسا ولا كل نجس يوجب الطهارة أيضا فقد ثبت عن الصحابة أنهم صلوا بعد خروج دمائهم في وقائع متعددة وهم أعلم بدين الله من أن يصلوا وهم محدثون فظهر أن النظر لا يوجب نجاسته والآثار تدل على طهارته وقد خلق الله الأعيان على أصل الطهارة فلا ينجس منها إلا ما نجسه الشرع وما لم يرد تنجيسه من الشرع فهو على أصل الطهارة والله أعلم. فائدة: تعليق الطلاق على أمر: إذا علق الطلاق بأمر يعلم العقل استحالته عادة وأخبر من لا يعلم إلا من جهته بوقوعه وليس خبره مما قام الدليل على صدقه فقد قال كثير من الفقهاء بوقوع الطلاق عند خبره وقال محمد بن الحسن بعدم الوقوع وهو الصواب وهو اختيار ابن عقيل وغيره من أصحاب أحمد بن حنبل. وصورة المسألة إذا قال: إن كنت

стр. 623

تحبين أن يعذبك الله في النار فأنت طالق فقالت: أنا أحب ذلك. قال الموقعون المحبة أمر لا يتوقف عليه ولا يعلم إلا من جهتها فإذا أخبرت به رجع إلى قولها الباطن، اعترض على ذلك ابن عقيل فقال: "إذا كان عليه دلالة أمكن الاطلاع عليه ولا دلالة أكبر من العلم بأن طباع الحيوان لا تصبر على نفحات النار ولا تحبها وإذا علم هذا طبعا صار دعوى خلافه خرقا للعادة فهو كقوله أنت طالق إن صعدت السماء فغابت ثم ادعت الصعود فإنه لا يقع لاستحالته طبعا وعادة قالوا النعام يميل إلى النار فلا يمتنع أن تكون هذه صادقة لإخبارها عن نفسها أو دخل عليها داخل من برد استولى على جسدها فتمنت معه دخول النار". قال ابن عقيل: "لا يستحيل الميل إلى النار من الحيوان الذي ذكرت لكن ذلك خرق للعادة في حق غيرها فلئن جاز أن يصدقها في ذلك لكونه لا يستحيل وجب أن يصدقها في صعود السماء فقد صعدت إليها الملائكة والجن والأنبياء بل يبنى الأمر على العادة دون خرقها وفي مسألتنا لم تقل أحب النار بل قالت: أحب أن يعذبني الله بالنار والنعام لا يتعذب فقد صرحت بحب أعظم الألم ولم يجتمع في حيوان حب وميل إلى ما يعذب به فقد صرحت بحب أعظم الألم ولم يجتمع في حيوان حب وميل إلى ما يعذب به بل طبعه النفور من كل مؤلم فأما تعلقهم بأن ما في قلبها لا يطلع عليه إلا من إخبارها فهذا شيء يرجع إلى ما يجوز أن يكون في قلبها من طريق العادة فأما المستحيل عادة فإنه كالمستحيل في نفسه ولو أنه قال لها إن كنت تعتقدين أن الجمل يدخل في خرم الإبرة فأنت طالق فقالت: أعتقده لم يقع الطلاق إذ لا عاقل يجوز ذلك فضلا عن أن يعتقده". انتهى كلامه وهو كما ترى قوة صحة. حادثة: مسجد عليه وقف خرب وليس في وقفه ما يفي بعمارته هل يجوز نقل ذلك إلى عمارة الجامع الذي لا غنى للقرية عنه؟ قال جماعة يجوز وخالفهم ابن عقيل

стр. 624

فقال "يجب صرف دخل وقف المسجد إلى عمارته بحسبها وقد كان سقف مسجد النبي ﷺ سعفا" أنتهي. والتحقيق في المسألة أن المسجد إن تعطل بحيث أنتقل أهله عنه وبقى في مكان لا يصلى فيه فالصواب ما قاله الجماعة وإن كان جبرانه بحالهم وهو بصدد أن يصلى فيه فالصواب ما قاله ابن عقيل والله أعلم. وسئل عن رجل تزوج ضريرة ومعها جارية تخدمها فأنفق عليها مدة ثم قصر في النفقة وعلل ذلك بأنه في مقابلة ما كان أنفق على الجارية فقال هذا فإن من تزوج ضريرة فقد دخل على بصيرة أنه لا بد لها من خادم فتكون المؤونة عليه كمن تزوج امرأة ذات جلالة يلزمه إخدامها. وسئل عن رجل أدرك الناس ركوعا في صلاة الجمعة وسمع من المبلغين قول: (سمع الله لمن حمده) فهل يقدر ما يكون به تابعا للإمام أو يعتبر بمن يليه؟ فقال: "بل يقدر ما يكون به حاكما تابعا للإمام في حال ركوعه لأنه قد يكون ركع والإمام قد رفع ولكن لبعد ما بين المبلغين وبين الإمام قد يكون الأواخر ركعا وذلك أن الشرع علق الإدراك بركوع الإمام فالوسائط لا عبرة بهم. حادثة: طلاق امرأة: رجل قال لامرأته أنت طالق لا كلمتك وأعاده فقال بعض أصحاب أحمد: إن قصد إفهامها بالثاني لم يقع وإن قصد الابتداء وقع المعلق بالثاني"، قال ابن عقيل: "هذا خطأ لأن الثاني هو كلام لها على كل حال سواء قصد الإفهام أو الابتداء وإنما اشتبهت بمسألة إذا قال إن حلفت بطلاقك فأنت طالق وأعاده فإن التفصيل كما ذكرت فأما الكلام فهو على الإطلاق يتناول كل كلام مخصوص بخلاف الحلف فإنه لا يكون حلفا إلا بقصد وإذا كان قصده بالثاني إفهامها لما حلف به أولا لم يكن حلفا. قلت: والصواب القول الأول وهذا الفرق خيالي فإنه إذا قصد إفهامها فلم يرد إلا اليمين الأولى ولم يرد به الكلام المحلوف عليه فتحنيثه بما لم يرده البتة وبساط الكلام

стр. 625

وتبينه إنما يدل على أنه لا كلمتك بعد اليمين مفردة كانت أو مكررة فما كلمها الكلام الذي حلف عليه وإنما أفهمها يمينه فلا فرق بينهما وبين مسألة الحلف وأما قوله: إن الحلف لا يكون حلفا إلا بقصد فيقال: إن كان القصد شرطا في اعتبار المحلوف عليه لم يحنث في الموضعين وإن لم يكن شرط فيه فينبغي أن يحنث في الموضعين فأما أن يجعل القصد شرطا في أحدهما دون الآخر فلا وجه له والله أعلم. فائدة: الوصية لأهل البيت: استدل شيعي على الوصية لأهل البيت بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فأجيب بأن قيل هذه وصية بهم لا وصية إليهم فهي حجة على خلاف قول الشيعة لأن الأمر لو كان إليهم لأوصاهم ولم يوص بهم ونظير هذا الاحتجاج على أن الأمر في قريش لا في الأنصار بقول النبي ﷺ : "أوصيكم بالأنصار " فدل على أن الأمر في غيرهم. قلت: وهذا كله خروج عن معنى الآية وما أريد بها ولا دلالة فيها لواحد من الطائفتين فإن معنى الآية: لا أسالكم عليه أجرا إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة فإنه لم يكن بطن من قريش إلا وللنبي ﷺ قرابة فقال: لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجرا ولكن صلوا ما بيني وبينكم من القرابة وليست هذه الصلة أجرا، فالاستثناء منقطع فإن الصلة من موجبات الرحم فهي واجبة على كل أحد وهذا هو تفسير ابن عباس الذي ذكره البخاري عنه في صحيحه.

стр. 626

فائدة: من العجب إنكار كون القرعة طريقا لإثبات الأحكام مع ورود السنة بها وإثبات حل الوطء بشهادة شاهدي زور يعلم الزوج الثاني أنهما شاهدا زور ومع هذا فيثبت الحل له بشهادتهما فمن يقول هذا في باب حل الأبضاع والفروج كيف يمنع القرعة. ومن العجب قولهم: إذا منع الذمي دينار من الجزية أنتقض عهده ولو جاهر بسب الله ورسوله ودينه أو حرق بيوت الله لم ينتقض عهده. ومن العجب إباحتهم القرآن بالعجمية ومنع رواية الحديث بالمعنى. ومن العجب قولهم الإيمان نفس التصديق وهو لا يتفاضل والأعمال ليست منه وتكفيرهم من يقول مسيجد وفقيه ومن يلتذ بالسماع ويصلي بلا وضوء ونحو ذلك. ومن العجب إسقاطهم الحد عمن استأجر امرأة لرضاع ولده فزنا بها أو أستأجرها ليزني بها وإيجابهم الحد على من وطىء امرأة في الظلمة بظنها امرأته فبانت أجنبية. ومن العجب تشددهم في المياه أعظم التشديد حتى نجسوا القناطير المقنطرة من الماء بمثل رأس الإبرة من البول ويجوزون الصلاة في ثوب ربعه متضمخ بالنجاسة. ومن العجب منعهم إلحاق النسب بالقيافة التي هي من أظهر الأدلة وقد اعتبرها النبي ﷺ وعمل بها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ وإلحاقهم النسب برجل تزوج امرأة بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب وبينهما ما لا يقطعه البشر وقال: تزوجت فلانة وهي طالق ثلاثا عقب القبول ثم جاءت بولد فقالت هو منه. ومن العجب إلحاقهم الولد في هذه الصورة وزعمهم أن الرجل إذا كانت له سرية وهو يطأها دائما فأتت بولد على فراشه لم يلحقه إلا أن يستحلفه. ومن العجب أنهم يقولون إذا شهد عليه أربعة بالزنا فقال: صدقوا في شهادتهم وقد فعلت سقط عنه الحد

стр. 627

وإن اتهمهم وقال كذبوا علي حد. ومن العجب قولهم: لا يصح اسئجار دار لتجعل مسجدا يصلي فيه المسلمون ويصح استئجارها كنيسة يعبد فيها الصليب وبيتا تعبد فيه النار. ومن العجب قولهم: إذا قهقه في الصلاة أنتقض وضوؤه ولو غنى في صلاته وقذف المحصنات وأتى بأقبح السب والفحش فوضوؤه بحالة لم ينتقض. ومن العجب قولهم: إذا وقع في البئر نجاسة ينزح منه أدلاء معينة فإذا حصل الدلو الأول في البئر تنجس وغرف الماء نجسا فما أصاب حيطان البئر منه نجسها وكذلك ما بعده من الدلاء إلى الأخير فإنه ينزل نجسا ثم يصعد طاهرا يقشقش النجاسة من البئر قال الحافظ: "ما يكون أكرم أو أعقل من هذا الدلو". ومن العجب قولهم: لو حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل الجوز ولو كان يابسا منذ سنين ولا يحنث بأكل الرطب والعنب والرمان. وأعجب من ذلك تعليلهم بأن هذه الثلاثة خيار الفاكهة فلا تدخل في الاسم المطلق ذكر الحكم والدليل الاسماقي في شرح الطحاوي. ومن العجب قولهم: لو حلف لا يشرب من النيل أو الفرات أو دجلة فشرب بكفه لم يحنث حتى ينكب ويكرع بفيه مثل البهائم. فائدة: قال جماعة من الناس إذا ماتت نصرانية في بطنها جنين مسلم نزل ذلك القبر نعيم وعذاب فالنعيم للابن والعذاب للأم ولا بعد فيما قالته كما لو دفن في قبر واحد مؤمن وفاجر فإنه يجتمع في القبر النعيم والعذاب.

стр. 628

فائدة قالت الامامية إن العتق لا ينفذ إلا إذا قصد به القربة لأنهم جعلوه عبادة والعبادة لا تصح إلا بالنية. قال ابن عقيل: "ولا بأس بهذا القول لا سيما وهم يقولون الطلاق لا يقع إلا إذا كان مصادقا للسنة مطابقا للأمر وليس بقربة فكيف بالعتق الذي هو قربة" قلت: وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: "الطلاق ما كان عن وطر والعتق ما ابتغى به وجه الله". فائدة: كثير من الناس يطلب من صاحبه بعد نيله درجة الرياسة الأخلاق التي كان يعامله بها قبل الرياسة فلا يصادفها فينتقض ما بينهما من المودة وهذا من جهل الصأحب الطالب للعادة وهو بمنزلة من يطلب من صاحبه إذا سكر أخلاق الصاحي وذلك غلط فإن الرياسه سكرة كسكرة الخمر أو أشد ولو لم يكن للرياسة سكرة لما اختارها صاحبها على الآخرة الدائمة الباقية فسكرتها فوق سكرة القهوة بكثير ومحال أن يرى من السكران أخلاق الصاحي وطبعه ولهذا أمر الله تعالى أكرم خلقه عليه بمخاطبة رئيس القبط بالخطاب اللين فمخاطبة الرؤساء بالقول اللين أمر مطلوب شرعا وعقلا وعرفا ولذلك تجد الناس كالمفطورين عليه وهكذا كان النبي ﷺ يخاطب رؤساء العشائر والقبائل وتأمل امتثال موسى لما أمر به كيف قال لفرعون: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ فأخرج الكلام معه مخرج السؤال والعرض

стр. 629

لا مخرج الأمر وقال: ﴿إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ ولم يقل إلى أن أزكيك فنسب الفعل إليه هو وذكر لفظ التزكي دون غيره لما فيه من البركة والخير والنماء ثم قال ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ أكون كالدليل بين يديك الذي يسير أمامك وقال ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾ استدعاء لإيمانه بربه الذي خلقه ورزقه ورباه بنعمه صغيرا ويافعا وكبيرا وكذلك قول إبراهيم الخليل لأبيه ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ فابتدأ خطابه بذكر أبوته الدالة على توقيره ولم يسمه باسمه ثم اخرج الكلام معه مخرج السؤال فقال: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ ولم يقل لا تعبد ثم قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ فلم يقل له جاهل لا علم عندك بل عدل عن هذه العبارة إلى ألطف عبارة تدل على هذا المعنى فقال: ﴿جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ ثم قال: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ هذا ومثل قول موسى لفرعون: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ ثم قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ فنسب الخوف إلى نفسه دون أبيه كما يفعل الشفيق الخائف على من يشفق عليه وقال: (يمسك) فذكر لفظ المس الذي هو ألطف من غيره ثم نكر العذاب ثم ذكر الرحمن ولم يقل الجبار ولا القهار فأي خطاب ألطف وألين من هذا. ونظير هذا خطاب صاحب يس لقومه حيث قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ونظير ذلك قول نوح لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى﴾ . وكذلك سائر خطاب الأنبياء لأمتهم في القرآن إذا تأملته وجدته ألين خطاب وألطفه بل خطاب الله لعباده وألطف خطاب وألينه كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآيات وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وتأمل

стр. 630

ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ من اللطف الذي سلب العقول وقوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ على أحد التأويلين أي نترككم فلا ننصحكم ولا ندعوكم ونعرض عنكم إذا أعرضتم أنتم وأسرفتم وتأمل لطف خطاب نذر الجن لقومهم وقولهم ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . فائدة: سئل ابن عقيل عن رجل له ماء يجري على سطح جاره فعلا داره هل يسقط حق الجري؟ فقال: "لا لكنه إذا سلط الماء على عادته حفر سطح جاره لموضع العلو فينبغي أن يجعل جريه بحدته إلى ملكه ثم يخرجه بسهولة إلى سطح جاره". فائدة: وسئل عن رجل قالت له زوجته: طلقني فقال: إن الله قد طلقك؟ فقال: "يقع الطلاق لأنه كناية استندت إلى دلالة الحال وهي ذكر الطلاق وسؤالها إياه" وأجاب بعض الشافعية بأنه إن نوى وقع الطلاق وإلا لم يقع" قلت: وهذا هو الصواب إن قوله إن الله قد طلقك إن أراد به شرع طلاقك وأباحه لم يقع وإن أراد أن الله قد أوقع عليك الطلاق وأراده وشاءه فهذا يكون

стр. 631

طلاقا لأن ضرورة صدقة أن يكون الطلاق واقعا وإذا احتمل الأمرين فلا يقع إلا بالنية. فائدة: وسئل عن رجل أوقف دابة في مكان فجاء رجل فضربها فرفسته فمات هل يضمن صاحب الدابة؟ فقال: "إذا لم يكن متعديا في إيقافها بأن تكون في ملك الضارب فلا ضمان عليه وإن كان متعديا فالضمان عليه". فائدة: حكى الطحاوي أن مذهب أبي يوسف جواز أخذ بني هاشم الفقراء الزكاة من بني هاشم الأغنياء قاله ابن عقيل قال: "وسألت قاضي القضاة عن ذلك يريد الدامغاني فقال: نعم هو مذهب أبي يوسف وهو مذهب الإمامية" قلت: وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنهم يجوزون لهم الأخذ من الزكاة مطلقا إذا منعوا حقهم من الخمس وأفتى به بعض الشافعية. فائدة: هل حجرة النبي ﷺ أفضل أم الكعبة؟ قال ابن عقيل: "سألني سائل أيما أفضل حجرة النبي ﷺ الكعبة فقلت: إن أردت مجرد الحجرة فالكعبة أفضل وإن أردت وهو فيها فلا والله ولا العرش

стр. 632

وحملته ولا جنه عدن ولا الأفلاك الدائرة لأن بالحجرة جسدا لو وزن بالكونين لرجح. وسئل عن حبس الطير لطيب نغمتها؟ فقال: "سفه وبطر يكفينا أن نقدم على ذبحها للأكل فحسب لأن الهواتف من الحمام ربما هتفت نياحة على الطيران وذكر أفراخها أفيحسن بعاقل أن يعذب حيا ليترنم فيلتذ بنياحته" وقد منع من هذا بعض أصحابنا وسموه سفها. فائدة: من دقيق الورع أن لا يقبل المبذول حال هيجان الطبع من حزن أو سرور فذلك كبذل السكران ومعلوم أن الرأي لا يتحقق إلا مع اعتدال المزاج ومتى بذل باذل في تلك الحال يعقبه ندم ومن هنا لا يقضي القاضي وهو غضبان وإذا أردت اختبار ذلك فاختبر نفسك في كل مواردك من الخير والشر فالبدار بالانتقام حال الغضب يعقب ندما وطالما ندم المسرور على مجازفته في العطاء وود أن لو كان اقتصر وقد ندم الحسن على تمثيله بابن ملجم. فائدة: في قول النبي ﷺ لسائل عن مواقيت الصلاة: "صل معنا" جواز البيان بالفعل وجواز تأخيره إلى وقت الحاجة إليه وجواز العدول عن العمل الفاضل إلى المفضول لبيان الجواز.

стр. 633

فائدة: تفسير القيراط في حديث الرسول ﷺ : قوله ﷺ : "من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان " سئل أبو نصر بن الصباغ عن القيراطين هل هما غير الأول أو به؟ فقال: "بل القيراطان الأول وآخر معه بدليل قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ . قلت: ونظير هذا قوله صلى ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله" فهذا مع صلاة العشاء في جماعة قد جاء مصرحا به في جامع الترمذي كذلك "ومن صلى العشاء والفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله"، ونظيره أيضا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أربعة أيام سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ فهي أربعة باليومين الأولين ولولا ذلك لكانت أيام التخليق ثمانية. فائدة: لم أزل حريصا على معرفة المراد بالقيراط في هذا الحديث وإلى أي شيء نسبته حتى رأيت لابن عقيل فيه كلاما قال: "القيراط نصف سدس درهم مثلا أو نصف دينار ولا يجوز أن يكون المراد هنا جنس الأجر لأن ذلك يدخل فيه ثواب الإيمان وأعماله كالصلاة والحج وغيره وليس في صلاة الجنازة ما يبلغ هذا فلم يبق إلا أن يرجع إلى المعهود وهو الأجر العائد إلى الميت ويتعلق بالميت

стр. 634

أجر الصبر على المصاب فيه وأجر تجهيز وغسله ودفنه والتعزية به وحمل الطعام إلى أهله وتسليتهم وهذا مجموع الأجر الذي يتعلق بالميت فكان للمصلي والجالس إلى أن يقبر سدس ذلك أو نصف سدسه إن صلى وانصرف". قلت: كان مجموع الأجر الحاصل على تجهيز الميت من حين الفراق إلى وضعه في لحده وقضاء حق أهله وأولاده وجبرهم دينار مثلا فللمصلي عليه قيراط من هذا الدينار والذي يتعارفه الناس من القيراط أنه نصف سدس فإن صلى عليه وتبعه كان له قيراطان منه وهما سدسه وعلى هذا فيكون نسبه القيراط إلى الأجر الكامل بحسب عظم ذلك الأجر الكامل في نفسه وكلما كان أعظم كان القيراط منه بحسبه فهذا بين ههنا. وأما قوله ﷺ : " من اقتنى كلبا إلا كلب ماشية أو زرع نقص من أجره أو من عمله كل يوم قيراط" فيحتمل أن يراد به هذا المعنى أيضا بعينه وهو نصف سدس أجر عمله ذلك اليوم ويكون صغر هذا القيراط وكبره بحسب قلة عمله وكثرته فإذا كانت له أربعة وعشرون ألف حسنة مثلا نقص منها كل يوم ألفا حسنة وعلى هذا الحساب والله أعلم بمراد رسوله وهذا مبلغ الجهد في فهم هذا الحديث. فائدة: قوله ﷺ : "من عزى مصابا فله مثل أجره" استشكله بعضهم وقال: مشقة المصيبة أعظم بكثير من مساواة تعزية المعزي لها مع برد قلبه؟ فأجاب ابن عقيل ﵀ بجواب بديع جدا فقال: "ليس مراده بعضهم لبعض نسأ الله في أجلك وتعيش أنت وتبقى وأطال الله عمرك وما أشبه ذلك بل المقصود من عمد إلى قلب قد أقلقه ألم المصاب وأزعجه وقد كاد يساكن السخط ويقول الهجر ويوقع الذنب فداوى ذلك القلب بآي الوعيد وثواب الصبر وذم الجزع

стр. 635

حتى يزيل ما به أو يقلله فيتعزى فيصير ثواب المسلى كثواب المصاب لأن كلا منهما دفع الجزع فالمصاب كابده بالاستجابة والمعزي عمل في أسباب المداواة لألم الكآبة. فائدة: قوله ﷺ : " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود " قال ابن عقيل: "المراد بهم الذين دامت طاعاتهم وعدالتهم فزلت في بعض الأحايين أقدامهم بورطة". قلت: ليس ما ذكره بالبين فإن النبي ﷺ يعبر عن أهل التقوى والطاعة والعبادة بأنهم ذوو الهيئات ولا عهد بهذه العبارة في كلام الله ورسوله للمطيعين المتقين والظاهر أنهم ذوو الأقدار بين الناس من الجاه والشرف والسؤدد فإن الله تعالى خصهم بنوع التكريم وتفضيل على بني جنسهم فمن كان منهم مستورا مشهورا بالخير حتى كبا به جواده ونبا عصب صبره وأديل عليه شيطانه فلا تسارع إلى تأنيبه وعقوبته بل تقال عثرته ما لم يكن حدا من حدود الله فإنه يتعين استيفاؤه من الشريف كما يتعين أخذه من الوضيع فإن النبي ﷺ قال: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها وقال: إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد". وهذا باب عظيم من أبواب محاسن هذه الشريعة الكاملة وسياستها للعالم وانتظامها لمصالح العباد في المعاش والمعاد.
следующие страницы →