Полный текст (992 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وكنظر الخاطب الذي مقصوده الإفضاء إلى المصلحة الراحجة فإن قرب الإفضاء قربا ما فهو الورع وهو في المراتب على قدر قرب الإفضاء وبعده وكلما قرب الإفضاء كان أولى بالكراهة والورع حتى ينتهي إلى درجة التحريم.
فائدة:
قول الملائكة للنبي ﷺ ليلة الإسراء: "مرحبا به" أصل في استعمال هذه الألفاظ وما ناسبها عند اللقاء نحو (أهلا وسهلا ومرحبا وكرامة وخير مقدم وأيمن مورد) ونحوها ووقع الاقتصار منها على لفظ مرحبا وحدها لاقتضاء الحال لها فإن الترحيب هو السعة وكان قد أفضى إلى واسع الأماكن ولم يطلق فيها سهلا لأن معناه وطئت مكانا سهلا والنبي ﷺ محمولا إلى السماء.
فائدة:
قول النبي ﷺ في حديث أبي موسى: "والله لا أحملكم ولا عندي ما أحملكم عليه" يحتمل وجهين:
- أحدهما: أن يكون جملة واحدة والواو واو الحال والمعنى لا أحملكم في حال ليس عندي فيها ما أحملكم عليه، ويؤيد هذا جوابه ﷺ حيث قال: "ما أنا حملتكم الله حملكم" وعلى هذا فلا تكون هذه اليمين محتاجة إلى تكفير.
- ويحتمل أن تكون جملتين حلف من إحداهما أنه لا يحملهم وأخبر في الثانية أنه ليس عنده ما يحملهم عليه. ويؤيد هذا قوله ﷺ في الحديث لما قيل له إنك حملتنا وقد حلفت فقال إني " لا أحلف على يمين فأرى غيرها
стр. 702
خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير".
ولمن نصر الاحتمال الأول أن يجيب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن هذا استئناف لقاعدة كان سببها اليمين ليبين فيها للأمة حكم اليمين لا أنه حنث في تلك اليمين وكفرها.
والجواب الثاني أن هذا كلام خرج على التقدير أي ولو حنثت لكفرت عن يمين وأتيت الذي هو خير والله أعلم.
فائدة:
قول النبي ﷺ عن يوسف "أوتى شطر الحسن " قالت طائفة المراد منه أن يوسف أوتي شطر الحسن الذي أوتيه محمد فالنبي ﷺ بلغ الغاية في الحسن ويوسف بلغ شطر تلك الغاية قالوا ويحقق ذلك ما رواه الترمذي من حديث قتادة عن أنس قال: "ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا".
والظاهر أن معناه أن يوسف ﵇ اختص على الناس بشطر الحسن واشترك الناس كلهم في شطره فانفرد عنهم بشطره وحده وهذا ظاهر اللفظ فلمإذا يعدل عنه واللام في الحسن للجنس لا للحسن المعين والمعهود المختص بالنبي ﷺ أدري ما الذي حملهم علي العدول عن هذا إلى ما ذكروه وحديث أنس لا ينافى هذا بل يدل على أن النبي ﷺ أحسن الأنبياء وجها وأحسنهم صوتا ولا يلزم من كونه أحسنهم وجها أن لا يكون يوسف اختص عن الناس بشطر الحسن واشتركوا هم في الشطر الآخر ويكون النبي ﷺ شارك يوسف فيما اختص به من الشطر وزاد عليه بحسن آخر من الشطر الثاني والله أعلم.
стр. 703
فائدة:
قول النبي ﷺ : "لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة " لأن اللعن إساءة بل من أبلغ الإساءة والشفاعة إحسان فالمسيء في هذه الدار باللعن سلبه الله الإحسان في الأخرى بالشفاعة فإن الإنسان إنما يحصد ما يزرع والإساءة مانعة من الشفاعة التي هي إحسان.
وأما منع اللعن من الشهادة فإن اللعن عداوة وهي منافية للشهادة ولهذا كان النبي ﷺ سيد الشفعاء وشفيع الخلائق لكمال إحسانه ورأفته ورحمته بهم.
فائدة:
السر والله أعلم في خروج الخلافة عن أهل بيت النبي ﷺ إلى أبي بكر وعمر وعثمان إن عليا لو تولى الخلافة بعد موته لأوشك أن يقول المبطلون إنه ملك ورث ملكه أهل بيته فصان الله منصب رسالته ونبوته عن هذه الشبهة.
وتأمل قول هرقل لأبي سفيان: هل كان في آبائه من ملك؟ قال: لا فقال له: "لو كان في آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك آبائه" فصان الله منصبه العلي من شبهة الملك في آبائه وأهل بيته وهذا والله أعلم هو السر في كونه لم يورث هو والأنبياء قطعا لهذه الشبهة لئلا يظن المبطل أن الأنبياء طلبوا جمع الدنيا لأولادهم وورثتهم كما يفعله الإنسان من زهده في نفسه وتوريثه ماله لولده وذريته فصانهم الله عن ذلك ومنعهم من توريث ورثتهم شيئا من المال لئلا تتطرق التهمة إلى حجج الله ورسله فلا يبقى في نبوتهم ورسالتهم شبهة
стр. 704
أصلا ولا يقال فقد وليها علي وأهل بيته لأن الأمر لما سبق أنها ليست بملك موروث وإنما هي خلافة نبوة تستحق بالسبق والتقدم كان علي في وقته هو سابق الأمة وأفضلها ولم يكن فيهم حين وليها أولى بها منه ولا خير منه فلم يحصل لمبطل بذلك شبهة والحمد الله تعالى.
فائدة:
في شراء رجل مسجد المدينة من اليتيمين وجعلها مسجدا من الفقه دليل على جواز بيع عقار اليتيم وإن لم يكن محتاجا إلى بيعه للنفقة إذا كان في البيع مصلحة للمسلمين عامة لبناء مسجد أو سور أو نحوه. ويؤخذ من ذلك أيضا بيعه إذا عوض عنه بما هو خير له منه. وفي نبش قبور المشركين من الأرض وجعلها مسجدا دليل على طهارة المقبرة فإن الصلاة فيها لم ينه عنها لنجاستها وإنما هو صيانة للتوحيد وسدا لذريعة الشرك بالقبور الذي هو أصل عبادة الأصنام كما قال ابن عباس وغيره.
فائدة:
في استئجار النبي ﷺ عبد الله بن أريقط الدؤلي هاديا في وقت الهجرة وهو كافر دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما في مثل طريق الهجرة.
стр. 705
فائدة:
في حديث عبد الله بن جحش "أن النبي ﷺ كتب له كتابا وأمره أن لا يقرأه حتى يسير يومين وأن عبد الله امتثل أمره ففتح الكتاب بعد اليومين فقرأه.." الحديث. فيه من الفقه:
- جواز الشهادة على الكتاب الذي لا يدري ما فيه بل إذا قال: هذا كتاب فاشهد عليّ بما فيه جازت الشهادة وهي مسألة خلاف مشهورة وتسمى شهادة التقليد ويدل عليها أيضا أن النبي ﷺ يبعث كتبه إلى الملوك والنواحي ولا يقرؤها على من يبعثها معه بل يقول هذا كتابي فأوصله إلى فلان وكذلك عمل به خلفاؤه من بعده.
- وفيه جواز تراخي القبول عن الإيجاب فإن في هذا الكتاب "أن اقرأه ولا تكره أحدا فمن أجابك فامض به حتى تنزل نخلة".
- وفيه مسألة بديعة وهي جواز العقد والتولية على أمر مجهول حال العقد يتبين في ثاني الحال.
فائدة:
قول النبي ﷺ لما أنشدته قتيلة بنت الحارث شعرها المعروف ترثي به أخاها النضر "لو سمعت هذا قبل قتله لم أقتله" ليس فيه الندم على قتله فإنه لم يقتله إلا بالحق ولكن كان رحيما يقبل الشفاعة ويمنّ على الجاني، فمعناه لو شفعت عندي بما قالت قبل أن اقتله لقبلت شفاعتها وتركته.
وقريب من هذا قوله: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها متعة " ليس فيها ندامة على أفضل مما أتى به من النسك فإن الله لم يكن ليختار له إلا أفضل الأنساك وأعلاها ولكن
стр. 706
كان لمحبة تآلف قلوب أصحابه وموافقتهم وتطييب نفوسهم بأن يفعل كما فعلوا ودّ لو أنه أحل كما أحلّوا ولكن منعه سوق الهدي وعلى هذا فيكون الله تعالى قد اختار له أفضل الأنساك بفعله وأعطاه ما تمناه من موافقة أصحابه وتآلف قلوبهم بنيته ومناه فجمع له بين الأمرين وهذا هو اللائق به صلوات الله تعالى وسلامة عليه.
فائدة:
استشكل الناس من حديث قتل كعب بن الأشرف استئذان الصحابة أن يقولوا في النبي ﷺ وذلك ينافي الإيمان وقد أذن لهم فيه. وأجيب عنه بأجوبة:
أحدها: بأن الإكراه على التكلم بكلمة الكفر يخرجها عن كونها كفرا مع طمأنينة القلب وبالإيمان وكعب قد اشتد في أذى المسلمين وبالغ في ذلك فكان يحرّض على قتالهم وكان في قتله خلاص المسلمين من ذلك فكان إكراه الناس على النطق بما نطقوا به ألجأهم إليه فدفعوا عن أنفسهم بألسنتهم مع طمأنينة قلوبهم بالإيمان وليس هذا بقوي.
الجواب الثاني: أن ذلك القتل والكلام لم يكن صريحا بما يتضمن كفرا بل تعريضا وتورية فيه مقاصد صحيحة موهمة موافقة في غرضه وهذا قد يجوز في الحرب الذي هو خدعة.
الجواب الثالث: إن هذا الكلام والنيل كان بإذنه والحق له وصأحب الحق إذا أذن في حقه لمصلحة شرعية عامة لم يكن ذلك محظورا.
стр. 707
فائدة:
قوله ﷺ : "لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه ". احتج به من يقول إن النوافل تلزم بالشروع وأن الشروع فيها جار مجرى التزامها بالنذر فإن الشروع التزام بالفعل، والنذر التزام بالقول، والالتزام بالفعل أقوى لأنه الغاية.
وفي الاستدلال بالحديث شيء فإن فيه الإشارة إلى الاختصاص بقوله: "ما ينبغي لنبي" ولم يقل ما ينبغي لأحد ولا ما ينبغي لكم فدل على مخالفة حكم غيره له في هذا وأنه من خواصه ويدل عليه أنه كان إذا عمل عملا أثبته وداوم عليه ولهذا لما قضى سنة الظهر بعد العصر أثبتها وداوم عليها.
وقولهم الشروع التزام بالفعل يقال تعنون بالالتزام إيجابه إياه على نفسه أم تعنون به دخوله فيه: الأول: محل النزاع، والثاني: لا يفيد وبه خرج الجواب عن قولكم الالتزام بالفعل أقوى.
وسر المسألة أن الشارع في النافلة لم يلتزمها التزام الواجبات بل شرع فيها نية تكميلها فعلها فعل سائر النوافل وأما الناذر لها فنذره قد التزم أداءها كما يؤدي الواجبات فافترقا.
فائدة:
عتبة بن أبي وقاص الذي كسر رباعية النبي ﷺ يوم أحد قال بعض العلماء بالأخبار أنه استقرى نسله فلا يبلغ أحد منهم الحلم إلا أبخر وأهتم يعرف ذلك فيهم من شؤم الآباء على الابناء.
واختلف فيما وقع للنبي ﷺ من
стр. 708
هذا ونحوه فقيل هو قبل نزول قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وقيل العصمة الموعود بها عصمة النفس من القتل لا عصمته من إذاهم بالكلية بل أبقى الله تعالى لرسوله ثواب ذلك الأذى ولأمته حسن التأسي به إذا أوذي أحدهم نظر إلى ما جرى عليه وصبر وللمؤذين الأشقياء الأخذة الرابية.
فائدة:
قيل إنما فدا النبي ﷺ سعدا بأبويه لما ماتا عليه وأما الأبوان المسلمان فلا يجوز أن يفدي بهما ولهذا لا يحتاج إليه فإن التفدية نقلت بالعرف عن وضعها الأول وصارت علامة على الرضى والمحبة وكأنه قال أفعل كذا مغبوطا مرضيا عنك.
فائدة:
في حديث أبا لبابه لما بلغ النبي ﷺ ارتباطه قال: "لو أتاني لاستغفرت له وإذا فعل فلست أطلقه حتى يطلقه الله" فأنزل الله تعال: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِم﴾ فأطلقه النبي ﷺ .
وفي هذا ما يدل على صحة قول المفسرين إن (عسى) من الله واجب. وفيه أن فاطمة جاءت تحله فقال: "لا إلا رسول الله ﷺ " فقال: "فاطمة بضعة مني ".
فإن قيل فهل يبر الحالف بمثل هذا لو اتفق اليوم؟ قيل: لا إما لأنه مختص بالنبي ﷺ لأن فاطمة بضعة منه قطعا والله أعلم.
стр. 709
فائدة:
اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر فمنعه قوم ونقل عن مالك واحتجوا بأنه قيل له: "يا سيدنا قال: إنما السيد الله" وجوزه قوم واحتجوا بقول النبي ﷺ : "قوموا إلى سيدكم" وهذا أصح من الحديث الأول. قال هؤلاء السيد أحد ما يضاف الله فلا يقال لتميمي أنه سيد كندة ولا يقال لمالك أنه سيد البشر قال وعلى هذا فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم.
وفي هذا نظر فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب لا بالمعنى الذي يطلق علي المخلوق والله أعلم.
فائدة:
وأخلاق كأخلاق الزجاج ... دققت بها فصارت كالزجاج
إلى أن عدن لي علا وماء ... كذلك يكون عاقبة العلاج
الأول جمع زج وهو نصل الرمح والثاني القوارير
ما أنت أول سار غرة قمر ... ورائد أعجبته خضرة الدمن
فاربأ بنفسك عني إنني رجل ... مثل المعيدي فاسمع بي ولا ترنى
وقال غيره:
إذا اشتاقت الخيل المناهل أعرضت ... عن الماء فاشتاقت إليها المناهل
تحاما الرزايا كل خف ومنسم ... وتلقى رداهن الذرى والكواهل
وترجع أعقاب الرماح سليمة ... وقد حطمت في الدار عين العوامل
стр. 710
من أراد من العمال أن ينظر قدره عند السلطان فلينظر مإذا يوليه. وحدث زيد وما رأى الرسول وكفر ابن أبي وقد صلى معه القبلتين. لما تقدم اختبار الطين المنهبط صعد على النار المرتفعة فكانت الغلبة لآدم في حرب إبليس. سبق العلم بنبوة موسى وإيمان آسية فسبق تابوته إلى بيتها فجاء طفل بلا أم إلى امرأة بلا ولد. يا من هو من جملة عسكر الرسول أيحسن بك كل يوم هزيمة. الحيوانات تذل في طلب القوت والفيل يتملق حتى يأكل.
إن كان يوجب صبري رحمتي فرضى ... بسوء حالي وحل للضنا بدني
منحتك القلب لا أبغي به ثمنا ... إلا رضاك ووافقري إلى الثمن
وقال:
أحسن بأطراف النهار صبابة ... وبالليل يدعوني الهوى فأجيب
وقال غيره:
سأتعب نفسي أو أصادف راحة ... فإن هوان النفس أكرم للنفس
يا من هو من أرباب الخبرة هل عرفت قيمة نفسك إنما خلقت الأكوان كلها لك يا من غذي بلبان البر وقلب بأيدي الألطاف كل الأشياء شجرة وأنت الثمرة صورة وأنت المعنى وصدف وأنت الدر ومخيض وأنت الزبد. منشور اختيارنا لك واضح الخط ولكن استخراجك ضعيف. متى رمت طلبي فاطلبني عندك. ويحك لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي إنما ابعدنا إبليس لأنه لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك فواعجبا كيف صالحته وتركتنا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ . لو كان في قلبك محبة لبان أثرها على جسدك. "عجب ربنا من رجل ثار عن وطائه ولحافه إلى صلاته" تأمل معنى ثار ولم يقل قام لأن القيام قد يقع بفتور فأما الثوران فلا يكون إلا بإسراع. حذرا من فائت ما. أنتفع آدم في بلية وعصى بكمال وعلم ولا رد عنه عز اسجدوا
стр. 711
وإنما خلصة ذل ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ . لما عشقت للبلاء به الشجر تعلقت طلبا للعناق فقيل لها مع الكثافة لا يمكن فرضيت بالتحول والتفت.
تلق قلبي فقد أرسلته عجلا ... إلى لقائك والأشواق تقدمه
ولا تكلني على بعد الديار إلى ... صبري الضعيف فصبري أنت تعلمه
وقال الشاعر:
إذا لم يكن بيني وبينك مرسل ... فريح الصبا مني إليك رسول
ملؤوا مراكب القلوب متاعا لا ينفق إلا على الملك فلما هبت رياح السحر أقلعت تلك المراكب قطعوا بادية الهوى بأقدام الجد فما كان إلا القليل حتى قدموا من السفر فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي فدخلوا بلد الوصل وقد حازوا ربح الأبد. فرغ القوم قلوبهم من الشواغل فضربت فيها سرادقات المحبة فأقاموا العيون تحرس تارة وترسق الأرض أخرى. سرادق المحبة لا تضرب إلا في قاع فارغ نزه. فرغ لي بيتا اسكنه أعرف مقدار ما ضاع منك وابك بكاء من يدري مقدار الفائت. لو تخيلت قرب الأحباب لأقمت المآثم على بعدك. لو استنشقت ريح الاسحار لأفاق قلبك المخمور. من استطال الطريق ضعف مشيه.
وما أنت بالمشتاق إن قلت بيننا ... طوال الليالي أو بعيد المفاوز
أما علمت أن الصادق إذا هم ألقى بين عينيه عزمة. إذا نزل آب في القلب سكن إذار في العين. من قبل فم اللذة لا ينكر عض أسنان الندامة. هان سهر الحراس لما علموا أن أصواتهم بمسع الملك. فيقك قيسي وأنت يماني. إذا كنت كلما لاحت لك شهوة طفيل العرائس فانتظر قبله وضاح اليمن. من لاح له كمال الآخرة هان عليه فراق الدنيا. إذا لاح للباشق الصيد نسي مألوف الكف. يا أقدام الصبر احملى بقي القليل. تذكر حلاوة الوصال يهين عليك مر المجاهدة.
стр. 712
قد علمت أين المنزل فأحد لها تسر.
قال أبو يزيد: "ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكى حتى سقتها إليه وهي تضحك". الهمة العلية من استعد صاحبها للقاء الحبيب وقدم التقادم بين يدي الملتقي فاستبشر عند القدوم: ﴿وَقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ﴾ .
الجنة ترضى منك بأداء الفرائض والنار تندفع عنك بترك المعاصي والمحبة لا تقنع منك إلا ببذل لروح: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ . بدم المحب يباع وصلهم. فمن الذي يبتاع بالثمن. لله ما أحلى زيارة تسعى بها أقدام الرضا على أرض الاشتياق.
زرناك شوقا ولو أن النوى بسطت ... فرش الفلا بيننا جمرا لزرناك
ما سافر الخليل سفرا ولا سلك طريقا أطيب من الفلاة التي دخلها حين خرج من كفة المنجنيق. رآه جبريل قد ودع بلد العادة فظن ضعف التوكل فعرض عليه زاد "ألك حاجة" فرده بأنفه "أما إليك فلا" لما تكامل وفاؤه ما أمر به جاءته خلعته: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ .
قالت لطيف خيال زارها ومضى ... بالله صفة ولا تنقص ولا تزد
فقال خلفته لو مات من ظمأ ... وقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحب شيمته ... يا برد ذاك الذي قالت علي كبدي
وقال غيره:
إن قومي بانوا فرقوا بينه وبيني ... فإذا كنت أنا الرهن فمن يقبض ديني
وقال غيره:
وكم مغرم بين تلك الخيا ... م تحسبه بعض إطنابها
للنفس حظ وعليها حق ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ وإن رأيتم منها فتورا فاضربوها بسوط الهجر في المضاجع ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ ارفقوا بمطايا الأبدان فقد ألفت الترف ﴿وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ " إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق ". ولا تحملوا على النفوس فوق الطاقة إلى أن
стр. 713
تتمكن المحبة فلها حينئذ حكمها. شراب الهوى حلو ولكنه يورث الشوق. من تذكر خنق الفخ هان عليه هجران الحبة. يا معرقلا في شرك الهوى حموة عزم وقد خرقت الشبكة لا بد من نفوذ القدر فاجنح للسلم أي تصرف بقى لك في قلبك وهو بين إصبعين. يا منقطعين عن القوم سيروا في بادية الدجى وافتحوا بوادي الذل فإذا فتح باب للواصلين فدونكم فاهجموا هجوم اللوانين وابسطوا أكف ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ لعل هاتف الرحمة يقول لا تثريب. لله ملك السموات والأرض. واستقرض منك حبة فبخلت بها وخلق سبعة أبحر واستقرض دمعة فقحطت عينك بها. إطلاق البصر ينقش في القلب صورة المنظور والقلب كعبة وما يرضى المعبود بمزاحمه الأصنام. لذات الدنيا كسوداء وقد غلبت عليك والحور العين يعجبن من سوء اختيارك عليهن غير أن زوبعة الهوى إذا ثارت سفت في عين البصيرة فخفيت الجادة. تدور عينك على المحرمات كأنه قد ضاع منك شيء. وراحل همتك في الهوى ما تحمل لها قتب إن قهر نفسك حب الفاني فذكرها العيش الباقي فإن أبت إلا ببيع الغبن فاحجر عليها حجر السفيه وغط بصر باشقك إلى أن ينسى ما رأى واغسل باطن عينيك بطهور المدامع وكلما تذكرت ما أبصرت فاطرق بدمعة لعل فرط البكاء يدفع فساد البصر فيصلح لرؤية الحبيب.
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها ... سواها وما طهرتها المدامع
وتسمع منها لفظة بعدما جرى ... حديث سواها في خروق المسامع
وقال غيره:
إذا لم أنل منكم حديثا ونظرة ... إليكم فما نفعى بسمعي وناظري
تزينت الجنة للخطاب فجدوا في تحصيل المهور. تعرف رب العزة للمحبين فعملوا على اللقاء وأنت مشغول بالجيف. ما يساوى ربع الدينار خجل الفضيحة فكيف بألم القطع. المعرفة بساط لا يطأ عليه إلا مقرب والمحبة نشيد لا يطرب
стр. 714
عليها إلا محب مغرم والحب غدير في صحراء ليس عليه جادة فلهذا قل وراده. المحب يهرب إلى العزلة والخلوة بمحبوبة والتعلق بذكره كهرب الحوت إلى الماء والطفل إلى أمه.
وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا
لو رأيت المحبين في الدجى تمر عليهم زمر النجوم مر الوصائف إلى أن تقبل هوادج هل من سائل فينثرون عليه الأرواح نثر الفراش على النار.
ليس للعابدين مستراح إلا تحت شجرة طوبى ولا للمحبين قرار إلا يوم المزيد فمثل لقلبك الاستراحة تحت شجرة طوبى يهن عليك النصب واستحضر يوم المزيد يهن عليك ما تتحمل من أجله. كنوز الجواهر مودعة في مصر الليل فتتبع آثار المحبين لعلك تظفر بكنز. أنت طفل في حجر العادة مشدود بقماط الهوى فما لك ولمزاحمة الرجال. أين أنت والمحبة وأنت أسير الحبة. تمسكت بالدنيا تمسك الرضيع بالظئر والقوم ما أعاروها الطرف. أف لبدوي لا يطربه ذكر حاجر.
انقسم الصالحون عند السباق: فمنهم من أخذه القلق فكان يقول "ويل لي إن لم يغفرها أنا أمضي إلى النار أو يغفر" ومنهم من غلبه عليه الرجاء كبلال الحبشي كانت زوجته تقول: "واحزناه" وهو يقول: "واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه" واها لبلال علم أن الإمام لا ينسى المؤذن.
اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت. دق كؤوس الرحيل فسار الركب وتأهبوا للمسير وعكمت أحمال الزاد وسار رفقة المجدين وأنت في الرقدة الأولى بعد كيف تطيق السهر مع الشيع أم كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل. هيهات ما وصل القوم إلى المنزل إلا بعد مواصلة السرى ولا عبروا إلى مقر الراحة إلا على جسر التعب.
وأطيب الأرض ما للقلب فيه هوى ... سم الخياط مع المحبوب ميدان
لو رأيت أهل القبور في وثاق الأسر فلا يستطيعون الحركة إلى نجاة ﴿وَحِيلَ
стр. 715
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ . يا منفقا بضاعة العمر في مخالفة حبيبه والبعد منه ليس في أعدائك أشد شرا عليك منك.
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
وقال غيره:
هذا المحب لديك فانظر هل ترى ... قلبا فإن صادفت قلبا فاعذل
غاية العاذل إيصال اللوم إلي الأذن فأما القلب فلا سبيل له إليه. سفر الليل لا يطيقه إلا مضمر المجاعة. تمر النجائب في الأول وحاملات الزاد في الآخر ولو وردت ماء مدين لوجدت عليه أمة من الناس يسقون. إقبال الليل عند المحبين كقميص يوسف في أجفان يعقوب. لو أحببت المخدوم حضر قلبك في خدمته.
فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
العروس تلبس عند العرض تحت الثياب شعار الخوف من الرد وفوق الثياب حلة الانكسار وحمرة الخجل تغنيها عن تخمير مستعار لأنها لا تدري على مإذا تقدم فكيف يسكن من لا يعرف العواقب. مداراة قيس ممكن ولكن لا مع ذكر ليلى. انقسم العباد ثلاثة: أقسام: فمنهم من لاحظ الحصاد فزاد في البذر ومنهم من رأى حق المخدوم فقام بأدائه ومنهم من خدم حبا وشوقا فتلذذ بالخدمة وهذه الخدمة لا ثقل لها لان محركها الحب وغيرها ثقيل على البدن. نوق أبدان المحبين لا تحس بالنصب وأسماعها مشغولة بصوت الحادي وقلوبها معلقة بالمنزل. من عبده خوفا أمنه ومن عبده رجاء أعطاه أمله ومن عبده حبا فلا تعلم نفس ما أخفي لها.
يراها بعين الشوق قلبي على النوى ... فتحظى ولكن من لعيني برؤياها
وهبكم منعتم أن يراها بعينه ... فهل تمنعون القلب أن يتمناها
كم دخل المجلس عاص في باطنه باطية خمر فما زالت تعمل فيها حدة شمس التذكير حتى انقلبت خلا فحلت.
يكون أجاجا دونكم فإذا أنتهي ...
إليكم تلقى نشركم فيطيب
стр. 716
فائدة:
حلي الشيء في عيني وحلي في فمي، الحذف بالعصا والخذف بالحصا، حسر عن رأسه وسفر عن وجهه وافتر عن نابه وكشر عن أسنانه وأبدى عن ذراعيه وكشف عن ساقيه، مائدة لما عليها الطعام وخوان لما لا طعام عليه، عرق العظم عليه اللحم وعراق جمعه وبدون اللحم عظم، كأس لما فيه شراب وبدونه زجاجة وإناء وقدح كوز لذي العروة وبدونها كوب، رضاب للريق في الفم فإذا انفصل فبصاق، أريكة السرير عليه قبة وبدونا سرير خدر، للخباء فيه المرأة وبدونها ستر ظعينة للمرأة في الهودج، قلم للمبرى وبدون بريه، أنبوب عهن للصوف المصبوغ وبدون صبغه صوف، وقود للحطب المشتعل نارا وبدونها حطب، ركية للبئر ذي الماء وراوية للإبل، حاملات الماء سجل للدلو فيها الماء فإذا ملئت فهي ذنوب ودلو بدونهما، نفق إذا كان له منفذ وبدونه سرب، نعش للسرير عليه الميت وبدونه سرير، خاتم لذي الفص وبدونه حلقة، رمح لذي الزج وبدونها قناة، لطيمة الإبل التي تحمل الطيب والبز خاصة وحمولة لحاملات الأمتعه وبدنة للمهداة هضبة للحمراء من التلول غيث للمطر في إبانه وإلا فمطر الفرق البغض بين الزوجين خاصة الشيم نظير البرق وحده الناعية الصائحة على الميت خاصة والإباق هرب العبد خاصة القتار ريح الشواء خاصة القذف الشتم بالزنا خاصة لا يؤوبه به وله وأما إليه فمن لحن الخاصة ينفل بالكسر والضم ويفسق مثله آسيتك وواكلتك وآخيتك وحكى أبو عبيد واسيتك بالواو فيهن وليس إذا من لحن الخاصة وله وجه في العربية فإنهم يقولون أواسيه بقلب الهمزة واوا في المستقبل فأعطوها ذلك في الماضي لا يقال أقلبه إلا في موضع واحد قلبت الخبز إذا حان وقت قلبها القوة الماسكة ليس بغلط كما زعم طائفة لأنه قد ورد مسك
стр. 717
ثلاثي تعس بفتح العين ما أعطي أحد النصف فأباه إلا أخذ أقل منه.
أعجبني الشيء يراد به معنيان: أحدهما سرني وهو من الإعجاب والثاني بمعنى دعاني إلى التعجب منه فتقول عجب يعجب معدي بالهمزة قال كعب بن زهير
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني ... سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
فأعجبني هنا من العجب لا من الإعجاب فتقول أعجبني وما أعجبني بالاعتبارين.
يتحدر في قراءته يسرع ويهدر يهتاج في قراءته مع علو صوته فيها من قولهم هدر الفحل إذا هاج وهدر الحمام وهدرت الضفادع فليس من لحن العامة إذا حلت الشمس بالشرطين بفتح الشين والراء وضمهما لحن يقال عنيت في كذا فأنا عان فيه وعنيت بالضم بها وعنيت بالفتح أي قصدت تقول عنيت كذا أي قصدته غير معدي بالباء فهذا من القصد وأما من العنا فإنما يقال معنى وأما من العناية فإنما يقال عني به مبني للمفعول
فصل: أسماء بعض الرجال وأسماء آبائهم
بلال بن حمامة وأبوه رباح ابن أم مكتوم وأبوه عمرو بشر بن الحصاصة وأبوه معبد الحارث بن الرضا وأبوه مالك خفاف بن ندية وأبوه عمير شرحبيل بن حسنة وأبوه مالك مالك بن نميلة وأبوه ثابت معاذ ومعوذ ابني عفرا وأبوهما الحارث يعلى بن منبه وأبوه أمية عبد الله بن بحينة وأبوه مالك.
فصل:
إسماعيل بن علية وأبوه إبراهيم منصور بن صفية وأبوه عبد الرحمن محمد بن عائشة وأبوه حفص إبراهيم بن هراشة وأبوه سلمة محمد بن عثمة وأبوه خالد.
стр. 718
فصل:
عطاء عن أبي هريرة " في كل صلاة قراءة " وعطاء مرفوعا " لا يجتمع حب هؤلاء الأربعة إلا في قلب مؤمن " فذكر الخلفاء الأربعة وعطاء عنه مرفوعا "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة " وعطاء عنه " أن النبي ﷺ سجد في: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وعطاء عنه مرفوعا "إذا مضى ثلث الليل يقول الله تعالى: ألا داع " فالأول ابن أبي رباح والثاني الخراساني والثالث ابن يسار والرابع ابن ميناء والخامس مولى أم صفية.
عمرة أنها دخلت مع أمها على عائشة فسألتها ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في الفرار من الطاعون؟ قالت: سمعته يقول: "كالفرار من الزحف" وعمرة عن عائشة " سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن الوصال". الأولى بنت عبد الرحمن الثانية بنت قيس العدوية الثالثة بنت أرطأة الرابعة يقال لها الصاحية.
حماد عن ثابت عن أنس "سمع النبي ﷺ في النخل صوتا" الحديث حماد عن ثابت عن أنس "رأى رسول الله ﷺ على عبد الرحمن صفرة" الحديث حماد عن ثابت عن أنس يرفعه "مثل أمتي كالمطر" الأول ابن سلمة الثاني ابن زيد الثالث الأشج.
قتادة يروي عن عكرمة مولي ابن عباس وعن عكرمة بن خالد ضعيف.
وكيع يروي عن النضر بن عدي ثقة وعن النضر بن عبد الرحمن ضعيف.
حفص ابن غياث يروى عن أشعث بن عبد الرحمن ثقة وعن أشعث بن سوار ضعيف.
موسى بن عبيدة الزبدي كان أخوه عبد الله بن عبيدة أسن منه بثمانين سنة، طالب أسن من عقيل بعشر سنين وعقيل أسن من جعفر بعشر وجعفر أسن من علي بعشر.
يزيد وزياد ومدرك بنو المهلب بن أبي صفرة ولدوا في عام واحد وقتلوا في عام
стр. 719
واحد وعاش كل منهم ثمانيا وأربعين سنة.
أربعة أنفس ولد كل منهم مائة ولد أنس بن مالك وعبد الله بن عمر الليثي وخليفة السعدي وجعفر بن سليمان الهاشمي علي بن الحسين وعلي بن عبد الله بن عباس وعلي بن عبد الله جعفر بنو عم ولكل منهم ابن اسمه محمد والكل أشراف والكل علماء والكل أخيار
فصل:
الله سبحانه مهد الأرض لآدم وذريته قبل خلقه فقال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً﴾ وقضى أن يعرفه قدر المخالفة وأقام عذره بقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ وتداركه برحمة بقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّه﴾ يا آدم لا تجزع من كأس خطا كان سبب كيسك فقد استخرج منك داء العجب وألبسك رداء العبودية "لو لم تذنبوا" لا تحزن بقولي لك ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ فلك خلقتها ولكن اخرج إلى مزرعة المجاهدة واجتهد في البذر واسق شجرة الندم بساقية الدمع فإذا عاد العود أخضر فعد لما كان منصب الخلة وهو منصب لا يقبل المزاحمة بغير المحبوب وأخذ الولد شعبة من شعاب القلب غار الحبيب على خليله أن يسكن غيره في شعبة من شعاب قلبه فأمره بذبحه فلما أسلم للامتثال خرجت تلك المزاحمة وخلصت المحبة لأهلها فجاءته البشرى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ليس المراد أن يعذب ولكن يبتلى ليهذب ليس العجب من أمر الخليل بذبح الولد إنما العجب من مباشرة الذبح بيده ولولا الاستغراق في حب الأمر لما هان مثل هذا المأمور فلذلك جعلت آثارها مثابة للقلوب تحن إليها أعظم من حنين الطيور إلى أوكارها.
قول لوط لقومه: ﴿يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ يجمع أنواعا من الاستعطاف:
أحدها: خطابهم بخطاب الناصح المشفق بقوله: ﴿يَا قَوْمِ﴾ ولم يقل يا هؤلاء.
الثاني: عرضه بناته عليهم بقوله: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي﴾ .
стр. 720
الثالث: تنجيز ذلك بالإشارة بلفظ الحضور.
الرابع: ترغيبه فيهن لطهارتهن وطيبهن.
الخامس: تذكيرهم بالله تعالى بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ .
السادس: المطالبة بحفظ الذمام وترك الأذى بقوله: ﴿وَلا تُخْزُونِ﴾ .
السابع: التوبيخ الشديد بقوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ .
حكم ومواعظ وعبر:
لما تمكن الحسد من قلوب إخوة يوسف ﵇ أرى المظلوم مآل الظالم في مرآة ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ . شكرك لا يساوي قدر قوتك. لا كانت دابة لا تعمل بعلفها.. متى رأيت العقل يؤثر الفاني على الباقي فاعلم أنه قد مسخ. ومتى رأيت القلب قد ترحل عنه حب الله والاستعداد للقائه وحل فيه حب المخلوق والرضا بالحياة الدنيا والطمأنينة بها فالعلم أنه قد خسف به. ومتى أقحطت العين من البكاء من خشية الله تعالى فاعلم أن قحطها من قسوة القلب وأبعد القلوب من الله القلب القاسي. ومتى رأيت نفسك تهرب من الأنس به إلى الأنس بالخلق ومن الخلوة مع الله إلى الخلوة مع الأغيار فاعلم أنك لا تصلح له. ومتى رأيته يستزيد غيرك وأنت لا تطلب ويستدني سواك وأنت لا تقرب. فإن تحركت لك قدم في الزيارة تخلف قلبك في المنزل فاعلم أنه الحجاب والعذاب مزاج الإيمان منحرف عن الصحة ونبض الهوى شديد الخفقان. تحكمت أخلاط الشهوات في أعضاء الكسل فثبطت عن الحركة فتولدت الأمراض المختلفة هذا وما يسهل عليك شرب مسهل فإن تداركت المرض وإلا قتل. لو احتميت ساعة لم تحتج إلى معالجة الدواء مدة. من ركب ظهر التفريط والتواني نزل به دار العسرة والندامة. ربك يحب حياة نفسك وأنت تريد قتلها. يريد بك اليسر وأنت تريد العسر. يريد بها الكرامة وأنت جاهد في إهانتها:
ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه
من أدلج في غياهب الليل على نجائب الصبر صبح منزل السرور. ومن نام على فراش الكسل أصبح ملقى بوادي الأسف. الجد كله حركة والكسل كله سكون. فتورك عن السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم. إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة وقت خروجه من البيضة فعلقه بمنقارة فإن تحرك فديك وإلا فدجاجة.
стр. 721
الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج فلذلك عيب عشاقها.
ميزت بين جمالها وفعالها ... فإذا الملاحة بالقباحة لا تفي
حلفت لنا أن لا تخون عهودها ... فكأنما حلفت لنا أن لا تفي
ما حظي الدينار بنقش اسم الملك فيه حتى صبرت سبيكته على الترداد على النار فنفت عنها كل خبث ثم صبرت علي تقطيعها دنانير ثم صبرت على ضربها على السكة فحينئذ يظهر عليها رقم النقش فكيف يطمع في نقش كتب في قلوبهم الإيمان من كله خبث. مكابدة البادية تهون عند ذكر البيت المضحي بوادي الجوع والمعشي بوادي السهر إلى أن تلوح أعلام المنزل. إذا ونت الركاب في السير فبثوا حداة الغزم في نواحيها يطيب لها السرى. إذا حال غيم الهوى بين القلوب وبين شمس الهدى تحير السالك. الحيوان البهيم يتأمل العواقب وأنت لا ترى إلا الحاضر. ما تكاد تهتم بمؤونة الشتاء حتى يقوى البرد ولا بمؤونه الصيف حتى يقوى الحر والذر يدخر الزاد من الصيف لأيام الشتاء. وهذا الطائر إذا علم أن الأنثى قد حملت أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع أفتراك ما علمت قرب رحيلك إلى القبر فهلا بعثت فراش من عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون. وهذا اليربوع لا يتخذ بيتا إلا في موضع صلب ليسلم من الحافز ويكون مرتفعا ليسلم من السيل ويكون عند أكمه أو صخرة لئلا يضل عنه ثم يجعل له أبوابا ويرقق بعضها فلا ينقذه فإذا أتى من باب مفتوح دفع برأسه ما رق من التراب وخرج منه وأنت قد ضيقت على نفسك الخناق فما أبقيت للنجاة موضعا. النفس كالعدو إن عرفت صوله الجد منك استأسرت لك وإن أنست عنك المهانة أسرتك أتمنعها ملذوذ مباحاتها ليقع الصلح على ترك الحرام فإذا احتجت لطلب المباح فإما منا بعد وإما فداء. الدنيا والشيطان عدوان خارجان عنك والنفس عدو بين جنبيك. من سنة الجهاد قاتلوا الذين يلونكم. أليس المبارك بالمحاربة كالكمين الذي يطلع عليك من حيث لا تشعر. أقل ما تفعل النفس معك أنها تمزق العمر بكف
стр. 722
التبذير والبطاله اخل معها في بيت الفكر سويعة ثم انظر هل هي معك أو عليك ثم عاملها بما تعامل به واحدا منهما. من لم تبك الدنيا عليه لم تضحك الآخرة إليه. سينقشع غيم التعب عن فجر الآخرة. كم صبر بشر عن شهوة حتى سمع كل يا من لم يأكل. يامن حسد سجاف نعم العبد على قبة ووهبنا له حتى وصل على قدر إنا وجدناه صابرا. كيف يفلح من يشكو الليل إلى ربه من طول يومه والنهار من قبيح فعله. كيف يفلح من هو جيفة بالليل قطرب بالنهار ينصب بميزان البخس ومكيال التطفيف والقدر ثالثة الأثافي. لو فكر الطائر في الذبح ما حام حول القمح. لولا صبر المضمرات على قلة العلف ما قيل لها سوابق.
مما أضر بأهل العشق أنهم ... هووا وما عرفوا الدنيا وما فطنوا
تفنى نفوسهم شوقا وأعينهم ... في إثر كل قبيح وجهه حسن
تحمل حميلكم كل رابحة ... فكل بين على اليوم مؤتمن
ما في هوادجكم من مهجتي عوض ... إن مت شوقا ولا فيها لها ثمن
سهرت بعد رحيل وحشة لكم ... ثم استمر مريري وارعوى الوسن
لا تلق دهرك إلا غير مكترث ... ما دام تصحب فيه روحك البدن
فما يديم سرورا قد سررت به ... لا يرد عليك الغائب الحزن
إذا لم تكن من أنصار الرسول فتناول الحرب فكن من حراس الخيام فإن لم تفعل فكن من نظارة الحرب الذين يتمنون الظفر للمسلمين ولا تكن الرابعة فتهلك. إذا رأيت الباب مسدودا في وجهك فاقنع بالوقوف خارج الدار مستقبلا الباب سائلا مستعطيا فعسى ولكن لا تول ظهرك وتقول ما حيلتي وقد سد الباب دوني. لما نادي منادي الأفضال ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمثالهَا﴾ سارت نجائب الأعمال قام الجزاء يصيح بالدليل ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ فقال: " ما منكم من ينجيه عمله ". إن لم تقدر على مشارع أرباب العزائم فرد باقي الحياض. فمن لم يكن
стр. 723
عنده ابن لبون قبلت منه ابنة مخاض. لا تحتقر معصية فكم أحرقت شررة. أما عرفت سر: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ . لو قنع آدم لاكتفى ولكن المحنة كانت في الشرة. الخلوة شرك لصيد المؤانسة. أخفى الصيادين شخصا وأقلهم حركة أكثرهم التقاط للصيد. ما صاد هرنوا أي صوت.
أبدا نفوس العاشقين ... إلى ربوعكم تحن
وكذا القلوب بذكركم ... بعد المخافة تطمئن
وقال غيره:
طلولي إذا يشكو إليها متيم ... شكا غير ذي نطق إلى غير ذي فهم
وقال غيره:
وأنما عمر الفتى سوق له ... يصدر عنه غانمأ أو خاسرا
قال غيره:
تراع إذا الجنائز قابلتنا ... ونلهو حين تخفي ذاهبات
كروعة ثلة لظهور ذئب ... فلما غاب عادت راتعات
خذ نفسك بالعزائم لا ترخص. حائط الباطن خراب فعلام إذا تجصص. العلم والعمل توأمان أمهما علو الهمة. الجهل والبطالة توأمان أمهما إيثار الكسل. أيها المعلم تثبت على المبتدى وقدر في السر فللعالم رسوخ وللمتعلم قلق. ويا أيها الطالب تواضع في الطلب فإن التراب بيننا هو تحت الأخمص صار طهورا للوجه. تجلى عليك عروس المعرفة ولكن علي غير كفؤ. وإنما يحل النظر إذا كان العقد جائزا. فغض الطرف إنك من نمير. ليس العالم شخصا واحدا العالم عالم تصانيف. العالم أولاده المخلدون دون أولاده. من خلق للعلم شف جوهره من الصغر. طول الشهر مفض إلى طيب المرقد والهوان في ظل الهوينا كامن. وجلالة الأخطار في ركوب الأخطار. مياه المعاني مخزونة في قلب العالم يفتح منها للسقي سيحا بعد سيح ويدخر أصفاها لأهل الصفا فإذا تكاثرت عليه نادى للسبيل فيبقي علمه سيح ولهذا يتضاعف
стр. 724
عليه زكاة الشكر. كل وقت تسافر بضائع فكره من مدينة قلبه إلى قلوب الطالبين فينادي عليها دلال لسانه وهو يعرضها في مواسم النصح على تجار الطلب والإرادة من يشترى حكمه وعلما بتخيير الثمن
فيا من يرى علو تلك المرتبة لا تنس الدرج. كم خاض بحرا ملحا حتى وقع بالعذب وكم تاه في مهمه قفر حتى سمى بالدليل وكم أنض مراكب الجسم وفض شهوات الحس وواصل السرى ليلا ونهارا وأوقد نار الصبر في دياجي الهوى فإن وثقتم بأمانته فهذا تخبير السرى. الدنيا تفوق سهامها نحو بنيها وتقول خذوا حذركم فلهذا دم قتلاها هدر. غاب الهدهد عن سليمان ساعة فتوعده فيا من أطال الغيبة عن ربه هل أمنت غضبه تخلف الثلاثة عن الرسول في غزوة واحدة فجرى لهم ما سمعت فكيف بمن عمره في التخلف عنه. إذا سكر الغراب بشراب الحرص تنقل بالجيف فإذا صحا من خماره ندم على الطلل خالف موسى الخضر في طريق الصحبة ثلاث مرات فحل عقدة الوصال بيد هذا فراق بيني وبينك أفما تخاف يا من لم يف لربه قط أن تقول في بعض زلاتك هذا فراق بيني وبينك. أعظم عذاب أهل جهنم جهلهم بالمعذب. لو صحت معرفتهم بما لمالك هنالك لما استغاثوا بمالك يا مالك. وقع بينهم شخص ليس من الجنس كان في باطنه ذرة من المعرفة فكلما حملت عليه النار اتقاها بدرع يا حنان يا منان. كان موته في المعاصي سكن فقبر في جهنم فلما تحرك الروح في الباطن أخرج من القبر. حرص العصفور يخنقه وقنع العنكبوت في زاوية الضعف يسوق إليها الذباب قوتا لها. رب ساع لقاعد. أرسلت قلبك مع كل مطلوب من الهوى ثم تبعث وراءه وقت الصلاة فربما لا يلقاه الرسول فتصلي بلا قلب.
خلفت قلبك في الأظغان إذ نزلت ... بالمازمين غداة النفر بالنفر
ورحت تطلب في أرض العراق ضحى ... ما ضاع عند مني فاعجب لذا الخبر
لما طرقنا مني كان الفؤاد معي ... فضل عني بين الضال والسمر
стр. 725
بأرجل العيس تنبيك الرمال فما ... أمشي بوجدي غذا إلا على الأثر
يا من فقد قلبه لا تيأس من عوده
فقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
الهوى قاطن والصواب خاطر وطرد القاطن صعب وإمساك الخاطر أصعب. إنك لم تزل في حبس فأول الحبوس صلب الأب والثاني بطن الأم والثالث القماط والمهد والرابع المكتب والخامس الكد على العيال والسادس مرض الموت والسابع القبر فإن وقعت في الثامن نسيت مرارة كل حبس تقدم. ادخل حبس التقوى باختيارك أياما ليحصل لك الإطلاق على الدوام ولا تؤثر إطلاق نفسك فيما تحب فإنه يؤثر حبس الأبد. العذل على حمل العشق علاوة ومريخ قطب الشم يوجده فروى له خبر التعذيب فعرضا متى تركت المعصية وما حللت عقد الإصرار لم يفد شيئا كما لو سكن المرض من غير استفراغ فإنه على حاله إن لم يتحقق قصد القلب لم يؤثر النطق شيئا. يمين المكره لا تنعقد ويحك نفسك سلعتك وقد استامها المشترى بأفخر الثمن فاجهد في إصلاح عيوبها لعلة يرضي بها. منام المنى أضغاث ورائد الأمال كذوب ومرتع الشهوات وخيم. العجز شريك الحرمان التفريط مصائب الكسل. قفل قلبك رومي ما يقع عليه غش. متى خامر من جنود عزمك عليك واحد لم يأمن قلبك الهزيمة عليه. وإذا كان في الأنابيب خلف وقع الطيش في رؤوس الصعاد. كمن قيما على جوارحك ورعيتك إذا وفيتها الحظوظ فاستوف منها الحقوق. تأمل قوله تعالى: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ كيف شرك بينهما في الخروج وخص الذكر بالشقاء لاشتغاله بالكسب والمعاش والمرأة في خدرها
تزود من الماء القراح فلن يرى ... بوادي الغضا ماء نقاحا ولا بردا
فهل من نسيم البان والرند نفحة ... فهيهات واد ينبت البان والرندا
وكر إلى نجد بطرفك إنه ... متى تسر لا تنظر عقيقا ولا نجدا
стр. 726
انظر يمنه فهل ترى محنة ثم اعطف يسرة فهل ترى إلا حسرة أم الربع العامر فدرس وأما أسر الممات فغرس وأما الراكب فكبت به الفرس ساروا في ظلم ظلامتهم فما عندهم قبس وقفت بهم سفن نجاتهم لأن البحر يبس وانقلبت تلك الدور كلها في تعس وجاء منكر بآخر سبأ ونكير بأول عبس أفلا يقوم لنجاته من طال ما قد جلس.
يا نفس ما هي إلا صبر أيام ... كأن مدتها أضغاث أحلام
يا نفس جودي عن الدنيا ولذتها ... وخل عنها فإن العيش قدامي
ألا يصبر طائر الهوى عن حبة مجهوله العاقبة وإنما هي ساعة ويصل إلى برج أمنة وكم فيه من حبة.
وإن حننت للحمى وروضة ... فبالغضا ماء وروضات أخر
حامل الكتب من الطير أقوى عزيمة فلعل وضعك على غير الاعتدال. لا تكون الروح الصافية إلا في بدن معتدل ولا الهمة العالية إلا في نفس نفيسة. إذا حمل الطائر الرسالة صابر العزيمة ولازم بطون الأوديه فإن خفيت عليه الطريق تنسم الرياح وتلمح قرص الشمس وتستر وهو مع شدة جوعه يحذر الحب الملقى خوفا من دفينة فخ توجب تعرقل الجناح ويضيع ما حمل فإذا بلغ الرسالة اطلق نفسه في أغراضها داخل البرج. فيا حاملي كتب الأمانه أكثركم على غير الجادة وما يستدل منكم من قد راقه الحب فنزل بما حمل فارتهن وربح فيسلم تعرقل جناحه وينتظر الذبح فلا الحبة حصلت ولا الرسالة وصلت.
قطاة غرها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
فلا في الليل نالت ما تمنت ... ولا في الصبح كان لها سراح
لو صابرتم مشقة الطريق لانتهي السفر فتوطنتم مستريحين في جنات عدن يا مهملين النظر في العواقب أسلفوا في وقت الرخص فما يؤمن تغير الأسعار لا ترم بسهام النظر فإنها والله فيك تقع رب راع مقلة أهملها فأغير على السرح.
стр. 727
كل الحوادث مبدأها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فعلت قلب ناظرها ... فعل السهام بلا قوس ولا وتر
وقال غيره:
وأرى السهام نام من يرمي بها ... فعلام سهم للخط يصمى من رمي
اعرف قدر لطفه بل وحفظه لك. إنما نهاك عن المعاصي حماية لك وصيانة لك لا بخلا منه عليك وإنما أمرك بالطاعة رحمة وإحسانا. لا حاجة منه إليك لما عرفته بالعقل حرم ما يزيله وهو الخمر صيانة لبيت المعرفة. يا متناولا للمسكر لا تفعل يكفيك سكر جهلك فلا تجمع بين سكرين. سلعة وإني لغفار لا تبذل إلا بثمن لمن تاب. يا خارجا من سبيلة وأمن عن سكة وعمل صالحا. من داري ضرب ثم اهتدى إن لم تقدر على الجد في العمل فقف على باب الطلب. تعرض لنفحة من نفحات الرب ففي لحظة أفلح السجرة.
لا تجزعن من كل خطب عرى ... ولا ترى الأعداء ما يشمت
واصبر فبالصبر تنال المنى ... إذا لقيتم فئة فاثبتوا
ثمن المعالي الجد والفتور داء أمر من السلوة. أفي عينيك آيات وآثار إذا ما برد القلب فما تسخنه النار. الوجود بحر والعلماء جواهره والزهاد عنبره والتجار حيتانه والأشرار تماسيحه والجهال على ظهره كالزبد. لو كشفت لك الدنيا ما تحت نقابها لرأيت المعشوقة عجوزا وما ترضى إلا بقتل عشاقها وكم تدللت عليهم بالنشوز إذاقتهم برد كانون الأماني وإذا هم في وسط تموز. تطلب مشاركة الغانمين وما شهدت الحرب تحل الغنيمة لمن شهد الوقعة. البلايا تظهر جواهر الرجال وما أسرع ما يفتضح المدعي.
تنام عيناك وتشكو الهوى ... لو كنت صبا لم تكن هكذا
يا مؤثرا ما يفنى على ما يبقى هذا رأي هواك فهلا استشرت العقل لتعلم أنصحهما لك. لا تحقرن يسير المعصية كالعشب الضعيف يفتل منه حبال تجر السفن. أو
стр. 728
ما نفذت في سد سبأ حيلة جرد العمر ثوب غير مكفوف وكل نفس خيط يسل منه. أنت أجير وعليك عمل فأخر ثياب الراحة إلى انقضاء العمل. كم غرقت سفينة في بحر شوق ساروا وما يسألون ما فعل الفجر ولا كيف مالت الشهب عودهم هجرهم مطالبة الراحات أن يظفروا بما طلبوا. الشجاع يلبس القلب على الدرع والجبان يلبس الدرع علىالقلب. أعظم البلايا تردد الركب إلى بلد الحبيب يودعون الدمن.
ومعال لو ادعاها سواهم ... لزمته جناية السراق
نالوا السماء وحطوا من نفوسهم ... إن الكرام إذا انحطوا فقد صعدوا
لو صدق عزمك قذفتك ديار الكسل إلى بيداء الطلب. الناقد يخاف دخول المبهرج عليه واختلاطه بماله والبهرج آفته. هذا الصديق يمسك بلسانه ويقول هذا أوردني الموارد. وعمر يناشد حذيفة هل أنا منهم والمخلط على بساط الأمن. إذا جن الليل وقع الحرب بين النوم والسهر فكان الشوق والخوف في مقدمة عسكر اليقظة وصار الكسل والتواني في كتيبة الغفلة فإذا حمل الغريم حملة صادقة هزم جنود الفتور والنوم فحصل الظفر والغنيمة فما يطلع الفجر إلا وقد قسمت السهمان وما عند النائمين خبر. قام المتهجدون على اقدام الجد تحت ستر الدجى يبكون على زمن ضاع في غير الوصال. ما زالت مطايا السهر تذرع بيداء الدجى وعيون آمالها لا ترى إلا المنزل وحادى العزم يقول:
يا رفقة الليل طاب السير فاغتنموا ... المسرى فمن نام طول الليل لم يصل
إلى أن هب نسيم السحر فقام الصادح يبغي ظلام الليل فلما هم بالرحيل تشبث القوم بأذياله يبكون على فراق المحبوب فلما طلع الفجر حدا حاديهم. عند الصباح يحمد القوم السرى. يا من يستعظم أحوال القوم تنقل في المراقي تصل. من جمع بين العلم بالسنة ومتابعتها أنتحاله المعاني البديعة فهي تنادي على رؤوس الأشهاد ولدت من نكاح لا من سفاح ومن قرن بين البدعة والهوى أنتحاله ضروب الهذيان فهي تنادي على رؤوس الأشهاد أيها الفطن لا تغتر إذا فتحت الوردة عينها فرأت الشوك حولها فلتصبر على
стр. 729
مجاورته قليلا فوحدها تقصد وتقبل وتشم إذا تكلم من يريد الدنيا بكلامه فإنه كلما حفر في قليب قلبه وأمعن في الاستنباط انهار عليه تراب الطمع فطمه إذا رأيت سربال الدنيا قد تقلص عنك فاعلم أنه لطف بك لأن المنعم لم يقبضه بخلا أن يتمزق ولكن رفقا بالساعي أن يتعثر فتش على القلب الضائع قبل الشروع فحضور القلب أول منزل من منازل الصلاة فإذا نزلته أنتقلت إلى بادية المعنى فإذا رحلت عنها أنخت بباب المناجاة فكان أول قرى ضيف اليقظة كشف الحجاب لعين القلب فكيف يطمع في دخول مكة من لا خرج إلى البادية بعد. إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم أخرج عليهن استغرقت إحساس الناظرات فقطعن أيديهن وما شعرن فكيف بالحال يوم المزيد. لو أحببت العبود لحضر قلبك في عبادته قيل لعامر بن عبد القيس أما تسهو في صلاتك قال أو حديث أحب إلى من القرآن حتى استغل به. وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته حتى انهدمت ناحية من نواحي المسجد فزع لها أهل السوق فما التفت وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته فإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا علما منهم بالغيبة. وقيل لبعضهم إنا لنوسوس في صلاتنا قال بأي شيء بالجنة أو الحور العين والقيامة قالوا لا بل بالدنيا فقال لأن تختلف في الأسنة أحب إلي من ذلك تقف في صلاتك بجسدك وقد وجهت وجهك إلى القبلة ووجهت قلبك إلى قطر آخر ويحك ما تصلح هذه الصلاة مهرا للجنة فكيف تصلح ثمنا للمحبة.. رأت فأرة جملا فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما وصلت إلى باب بيتها وقف فنادى بلسان الحال إما أن تتخذي دارا تليق بمحبوبك أو محبوبا يليق بدارك وهكذا أنت إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك وإما أن تتخذ معبودا يليق بصلاتك. تعاهد قلبك فإن رأيت الهوى قد أمال أحد الحملين فاجعل في الجانب الآخر ذكر الجنة والنار ليعتدل الحمل فإن غلبك الهوى فاستعنت بصأحب القلب يعينك على الحمل فإن تأخرت الأجابة فابعث رائد الانكسار خلفها تجده عند المنكسرة قلوبهم اللطف مع الضعف أكثر
стр. 730
فتضاعف ما أمكنك. لما كانت الدجاجة لا تحنو على الولد اخرج كاسبا. لما كانت النملة ضعيفة البصر أعينت بقوة الشم فهي تجد ريح المطعوم من البعد. ولما كانت الخلد عمياء ألهمت وقت الحاجة إلى القوت أن تفتح الذباب فيسقط فيه فتناول منه حاجتها. الأطيار تترنم طول النهار فقيل للضفدع ما لك لا تنطقين فقالت مع صوت المزمار يستبشع صوتي ولكن الليل أجمل بي. لا تنس العناية بالسحرة جاءوا يحاربونه ويحاربون رسله وخلع الصلح قد فصلت وتيجان الرضى قد وضعت وشراب الوصال مروق فمدوا أيديهم إلى ما اعتصروا من خمر الهوى فإذا بها قد انقلبت خلا فأقطروا عليه فسكروا بشراب المحبة فلما عربدت عليهم المحبة صلبوا في جذوع النخل. واعجبا لعزمات ما ثناها لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف. سجدوا له سجدة واحدة فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا منازلهم من الجنة فغلبهم الوجد وتمكن منهم الشوق فقالوا اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا.
تمر الصبا بساكن ذي الغضا ... ويصدع قلبي أن يهب هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس أين حل حبيبها
قطعت نياق جدهم بادية الليل ولم تجد مس التعب فالطريق إلى المحبوب لا تطول.
بعيد على كسلان أو ذي ملالة ... وأما علي المشتاق فهو قريب
يا حاضرين معنا بنية النزهة لستم معنا عودوا إلى أوكار الكسل فالحرب طعن وضرب ويا مودعين ارجعوا فقد عبرنا العذيب وعن قريب تأتيكم أخبارنا بعد قليل ويا أيها الحادث عرس بالخيف من منى تعلمك الدموع كيف ترمى حصا الجمار. ضيف المحبة ما له قرى إلا المهج. إذا رأيت محبا ولم تدر لمن وضع يدك على نبضه وسم له من تطبه به فإن النبض ينزعج عند ذكره. المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. حر الخوف صيف الذوبان وبرودة الرجاء
стр. 731
شتاء العطلة ومن لطف به فزمانه كله فصل الربيع.
عين تسر إذا رأتك وأختها ... تبكى لطول تباعد وفراق
فاحفظ لواحدة دوام سرورها ... وعد التي أبكيتها بتلاق
إذا رزقت يقظة فصنها في بيت عزلة فإن أيدي المعاشرة نهاية واحذر معاشرة البطالين فإن الطبع لص لا تصادقن فاسقا ولا تثق إليه فإن من خان اول منعم عليه لا يفى لك. يا فرح التوبة لازم ذكر الخلوة فإن هر الهوي صيود. إياك والتقرب من طرف الوكر والخروج من بيت العزلة حتى تتكامل نيات الحوافي وإلا كنت رزق الصائد. الأنس بالخلوة دبق أول ما يعلق جناج الطير والمخالطة توجب التخليط وأيسرها تشتيت الهمة وضعف العزيمة
أقل ما في سقوط الذئب في غنم ... إن لم يصب بعضها أن تنفر الغنم
إن لم تكن من جملة المستحقين للميراث فكن من رفقة إذا حضر القسمة أولوا القربى ويحك لا تحقر نفسك فالتائب حبيب والمنكر صحيح. إقرارك بالإفلاس عين الغنى. تنكيس رأسك بالندم هو الرفعة. اعترافك بالخطأ نفس الإصابة عرضت سلعة العبودية في سوق البيع فبذلت الملائكة نقد ونحن تسبح بحمدك فقال آدم ما عندي إلا فلوس الإفلاس نقشها ربنا ظلمنا أنفسنا فقيل هذا الذي ينفق على خزانة الخاص. أنين المذنبين أحب إلينا من زجل المسبحين. إن كان يأجوج الطبع ومأجوج الهوى قد كانوا في أرض القلوب فأفسدوا فيها فأعينوا الملك بقوة يجعل بينكم وبينهم ردما. أجمعوا له من العزائم ما يشابه زبر الحديد ثم تفكروا فيما أسلفتم ليثور صعد الأسف فلا يحتاج إلى أن يقول لكم انفخوا. شدوا بنيان العزم بهجر المألوفات والعوائد وقد استحكم البناء فحينئذ أفرغوا عليه قطر الصبر وهكذا بنى الأولياء قبلكم فجاء العدو فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا ضاقت أيام الموسم فأسرعوا بالإبل لا تفتكم الوقفة. لا تحد وما لك بعير. لا تمد القوس وما لها وتر كم بذل
стр. 732
نفسه مراء ليمدحه الخلق فذهبت نفسه فانقلب المدح ذما. ولو بذلها لله لبقيت ما بقى الدهر. عمل الرائي بصلة كلها قشور المرائي يحشو جراب الزوادة رملا يثقله في الطريق وما ينفعه. ريح الرياء جيفه تجافاها مشام القلوب لما أخذ دود القز ينسج أقبلت العنكبوت تشبهه وقالت لك نسج ولي نسج فقالت دودة القز ولكن نسيجي أردية الملوك ونسجك شبكة الذباب وعند مس الحاجة يتبين الفرق
إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكا ممن تباكا
شجرة الصنوبر تثمر في ثلاثين سنه وشجرة الدباء تصعد في أسبوعين فتقول للصنوبرة إن الطريق التي قطعتها في ثلاثين سنة قطعتها في أسبوعين ويقال لي شجرة ولك شجرة فقالت لها الصنوبرة مهلا حتى تهب رياح الخريف فإن ثبت لها تم فخرك. كان التصوف والفقر في مواطن القلوب فصار في ظواهر الثياب كان خرقة فصار حرفه. غير زيك أيها المرائي فإنه يصبح بك خذوني. السيف والدرع لتزين هيئتك فضيحة البهرج تبين عند المحك. لو أبصرت طلائع الصديقين في أوائل الركب أو سمعت استغاثة المحبين في وسط الركب أو شاهدت ساقة المستغفرين في آخر الركب لعلمت انك قد انقطعت تحت شجر أم غيلان. واحسرتا لمنقطع دون الركب يعد المنازل.
أعد الليالي ليلة بعد ليلة ... وقد عشت دهرا لا أعد اللياليا
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
إلام الرواح في الهوى والتفليس وحتام السعي في صحبة إبليس وكم بهرجة في العمل وتدليس. أين أقرنك هل تسمع لهم من حسيس أعلمت أنهم اشتد ندمهم وحسرتهم على إيثار الخسيس تالله لقد ودوا أن لو كانوا طلقوا الدنيا قبل المسيس.
عين المنية تغضي غير مطرقة ... وطرف مطلوبها مذ كان وسنان
جهلا تمكن منه حين مولده ... فالنطق صاح ولب المرء سكران
стр. 733
لا تنفع الرياضة إلا في نجيب. لو سقى الحنظل بماء السكر لم يخرج إلا مرا. شجر الأثل والصفصاف والحور ونحوها ولو دام الماء في عروقها لا تثمر أبدا سحاب الهوى قد طبق بيداء الأكوان وأمطر مشارق الأرض ومغربها ولكن قيعان أرض قلبك قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ومع هذا فلا تيأس فقد يستحيل الخمر خلا ولكن إنما ذلك لطيب العنصر. خلا الفكر في القلب في بيت التلاوة فجرى ذكر الحبيب وأوصافه فنهض الشوق على قدم السعي يا من لم يشاهد جمال يوسف لم يعرف ما الذي ألم قلب يعقوب.
من لم يبت والحب حشوة فؤاده ... لم يدر كيف تفتت ألأكباد
يا من هبت على قلبه جنوب المجانبة فتكاثفت عليه غيوم الغفلة فأظلم أفق المعرفة لا تيأس فالشمس تحت الغيم. لو تصاعد منك نفس أسف استحالت شمالا فتقطع السحاب فبانت الشمس تحته. لما كان رزق الطائر اختلاسا لم يجعل له أسنان لأن زمن الانتهاب لا يحتمل المضغ وجعل له حوصلة كالمخلاة ينقل إليها ما يسلب ثم تنقله إلى القاضة في زمن الإمكان فإن كانت له أفراخ أسهمهم قبل النقل. كلما طالت ساق الحيوان طال عنقه ليمكنه تناول الأطعمة من الأرض. رميت صخرة الهوى على ينبوع الفطنة فاحتبس الماء فإن لم تطق رفعها فانقب حولها لعل ينابيع الماء تنفجر. لو بعت لحظة من إقبالك على الله بمقدار عمر نوح في ملك قارون لكنت مغبونا في العقد. عشاق الدنيا بين مقتول ومأسور فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر. يا طالبي العلم قد كتبتم ودرستم فلو طلبكم العلم في بيت العمل فلستم وإن ناقشكم على الإخلاص أفلستم. شجرة الإخلاص أصلها ثابت لا يضرها زعازع أين شركائي الذي كنتم تزعمون وأما شجرة الدباء فإنها تجتث عند نسمة من كان يعبد شيئا فليتبعه. رياء المرائين صير مسجد الضرار مزبلة وخربة لا تقم فيه أبدا وإخلاص المخلصين رفع قدر التفث. رب أشعث أغبر قلب من ترائيه بيد من أعرضت عنه يصرفه عنك غلى غيرك فلا على ثواب المخلصين
стр. 734
حصلت ولا إلى ما قصدته بالرياء وصلت وفات الأجر والمدح فلا هذا ولا هذا. لا تنقش على الدرهم الزائف اسم الملك فإنه لا يدخل الخزانة إلا بعد النقد. المخلص يتبهرج على الخلق بستر حاله وببهرجته يصح له النقد والمرائي يتبرطل على باب الملك يوهم أنه من الخواص وهو غريب فسله عن أسرار الملك يفتضح فإن خفي عليك فانظر حاله مع خاصة الملك. يا من لم يصبر عن الهوى صبر يوسف يتعين عليه بكاء يعقوب فإن لم يطق فذل إخواته يوم تصدق علينا. إذا طاب لبث الطين على الأنهار تكامل ربه فإذا نضب عنه الماء استلبت الشمس ما فيه من الرطوبة فيشتد شوقه إلى الماء فلو وضعت منه قطعة على لسانك لأمسكه وعلق به شوقا إلى الورد فيا من نضب ماء معاملته هل أحسست بالعطش وقالوا:
يعود الماء في البئر بعدما ... كانت بالحجاز لنا ليال ... نهبناهن من أيدي الزمان
ولا تنصب خيامك في محل ... فإن النازلين على ارتحال
مداراة الضعفاء باللطف فإذا قووا شدد عليهم. مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم على تركها لعشر. كان الإسلام في بدايته كالنطفة فاقتنع بكلمة التوحيد فلما نفخ فيه الروح احتاج إلى الغذاء ففرضت الصلاة فلما تحرك وجبت الهجرة فلما اشتد وجبت الزكاة فلما قربت الولادة لزم الحج فلما ظهر طفلا حبا بلطف يريد الله بكم اليسر فلما خاف من الزلل والعقاب جاءت بشارة لا تقنطوا فلما ترعرع قال المؤدب من يعمل سوءا يجز به فلما بلغ أشده واستوى جاء ويحذركم الله نفسه. المتعبدون بالليل يقربون إلى نوق الأبدان خيط الرقاد فإذا تناولت سد الفاقة رفعت رؤوسها فإذا الدليل على الجادة فتأخذ في السير. من النجوم الجواري مؤذن ومنها مقيم فأرباب العزائم يؤذن في محلتهم بليل ويقام لهم أول الوقت ومن دونهم يصلون في أول الوقت وأهل الفتور في آخرة. إذا هجمت جنود الرقاد على العيون صاح حارس اليقظة بالمتعبدين الصلاة خير من النوم وهتف رقيب المعاتبة كذب من ادعى محبتي حتى إذا جنة الليل نام عني فيصيح المشتاق
стр. 735
سلوا الليل عني مذ تناءت دياركم ... هل اكتحلت بالغمض لي فيه أجفان
ثم تمر بالمجتهدين سيارة النجوم فيبعثون مع كل فيج رسالة فتسلم أخباره إلى ركب السحر فتهب لمجيئها رياح الأسحار فيقول المنتظر إني لأجد ريح يوسف. سبحان من أنعم على الموجودات بإيجادها من غير طلب فلما وجدت بسطت اكف السؤال لطلب تكميلها فالأجنة في بطون الأمهات تطلب تكميل الخلق والبذر تحت التراب يطلب قوته من الري ومخ الثمار ينتظر من فضله كمال نضجه ومراكب البحار تحريكها بالرياح وأصحاب البضائع ينتظرون وجود الأرباح عليهم وطلاب العلم يسالون فتح منغلق الفهم وأهل المجاهدة يرومون المعاونة على الطبع والمظلوم يترقب طلوع فجر النصر والمريض يتململ بين يديه طلبا للطفه والمكروب ينتظر كشف ما به والخائف يترقب بريد الأمن والأبدان المتمزقة في اللحود تنتظر جمع الشمل بعد الشتات وعرائس الجنان يسألن سلامة بعولتهن وتعجيل اللقاء فإذا قام الخلق من أطباق التراب بإنعاش البعث نكس صاحب الزلل رأس الندم طلبا للعفو ومد العابد يد التقاضي بالمسلم فيه عند حلول الأجل وحدق الزاهد إلى جزاء الصبر واشرف المحب على أطلال الشوق إلى الحبيب وصاح العارف بلسان الوجد إذ لم يبق وقت للصمت
لي عندكم دين فواعجبا ... الدين لي وفؤادي الرهن
من شاء باهلتي باهلته بهم ... وبعد عند ورود الحوض نستبق
وقال غيره:
عدمت دوائي بالعراق وربما ... وجدت بنجد لي طبيبا مداويا
ويا جبل الريان إن تعر منهم ... فإني سأكسوك الدموع الجواريا
ومن جذري لا أسأل الركب عنهم ... وأغلاق وجدي باقيات كما هيا
ومن يسال الركبان عن كل غائب ... فلا بد أن يلقى بشيرا وناعيا
стр. 736
فائدة:
من له غرض في دقائق المعاني يتجاوز نظره قالب اللفظ إلى لب المعنى والواقف مع الألفاظ مقصود على الزينة اللفظية فتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ كيف قابل الجوع بالعرى والظمأ بالضحى والواقف مع القالب ربما يخيّل إليه أن الجوع يقابل بالظمأ والعري بالضحى والداخل إلى بلد المعنى يرى هذا الكلام في أعلى الفصاحة والجلالة لأن الجوع ألم الباطن والعري ألم الظاهر فهما متناسبان في المعنى وكذلك الظمأ مع الضحى لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن والضحى موجب لحرارة الظاهر فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهرا وباطنا.
وفي هذا الباب حكاية مشهورة وهي أن ابن حمدان قال يوما للمتنبي قد أنتقد عليك قولك:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
قالوا: ركبت صدر كل بيت على عجز الآخر وكان الأولى أن تقول:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم
فليتم المعنى حينئذ لأن انبساط الوجد ووضوحه مع الوقوف في موقف الموت أشبه بأوصاف الكماة والسلامة من الردى مع مرور الأبطال كلمى هزيمة أعجب في حصول النجاة وهذا كما أنتقد على امرىء القيس قوله:
كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال
стр. 737
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال
فلو قال:
كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخليلي كري كرة بعد إجفال
ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال
كان أشبه بالمعنى لأن ركوب الخيل أشبه بالكر على الأبطال وسبأ الزق أليق بتبطن الكواعب.
فقال المتنبه يعني قائل الشعر المدعو بالمتنبي الكذاب: أعلم أن القزاز أعلم بالثوب من البزاز لأن القزاز يعلم أوله وآخره والبزاز لا يرى منه إلا ظاهره.
وهذا الانتقاد غير صحيح فإني قلت:
وقفت وما في الموت شك لواقف ... ... ... ... ...
فذكرت الموت وتحقق وقوعه في صدر البيت ثم تممت المعنى بقولي:
... ... ... ... ... كأنك في جفنالردى وهو نائم
والردى الموت بعينه فكأني قلت: وقفت في مواضع الموت ولم تمت كأن الموت نائم عنك فحصل المعنى مناسبا للقصد ثم قلت:
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ... ... ... ...
ومن شأن المكلوم والمنهزم أن يكونا كاشحي الوجوه عابسيها خائبي الأمل فقلت:
... ... ... ... ... ووجهك وضاح وثغرك باسم
لتحصل المطابقة بين عبوس الوجه وقطوبه ونضارته وشحوبه وإن لم تكن ظاهره في اللفظ فهي في المعنى يفهمها من له في إدراك دقائق المعاني قدم راسخ وأما قول امرىء القيس:
كأني لم اركب جودا للذة ... ... ... ...
فإنه لما ذكر الركوب في البيت الأول تممه بما يشبهه ويناسبه من ركوب الكواعب ليحصل لذة ركوب مهر الحرب وركوب مهر اللذة.
وأما البيت الثاني فمن شأن الشارب إذا أنتشي أن تتحرك كوامن صدره ويثور ما في نفسه من كوامن الأخلاق إلى الخارج فلما ذكر الشرب وحالة وتخيل نفسه كذلك فتحرك كامن خلقه من الحماسة والشجاعة فأردفه بما يليق به ثم ذكر الآية وتكلم عليها بنحو ما تقدم.
إذا ظفرت من الدنيا بقربكم ... فكل ذنب جناه الحب مغفور
стр. 738
فصل: حكم ومواعظ وعبر
من نبت جسمه على الحرام فمكاسبه كبريت به يوقد عليه الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب. أتراهم نسوا طي الليالي لمن تقدمهم ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ فما هذا الاغترار وقد خلت من قبلهم المثلات ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أيام الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِم﴾ من لهم إذا طلبوا العودة فحيل بينهم وبين ما يشتهون. سبحان الله كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة واحترقت كبد يتيم وجرت دمعة مسكين ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ : ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . ما ابيض لون رغيفهم حتى اسود لون ضعيفهم وما سمنت أجسامهم حتى أنتحلت أجسام ما استأثروا عليه. لا تحتقر دعاء المظلوم فشرر قلبه محمول بعجيج صوته إلى سقف بيتك. ويحك نبال أدعيته مصيبة وإن تأخر الوقت قوسه قلبه المقروح ووتره سواد الليل وأستاذه صاحب لأنصرنك ولو بعد حين وقد رأيت ولكن لست تعتبر. احذر عداوة من ينام وطرفه باك يقلب وجهه في السماء يرمي سهاما ما لها غرض سوى الأحشاء منك فربما ولعلها إذا كانت راحة اللذة تثمر ثمرة العقوبة لم يحسن تناولها. ما تساوي لذة سنة غم ساعة فكيف والأمر بالعكس. كم في يم الغرور من تمساح فاحذر يا غائص ستعلم أيها الغريم قصتك عند علق الغرماء بك
إذا التقى كل ذي دين وماطلة ... ستعلم ليلى أي دين تداينت
من لم يتتبع بمنقاش العدل شوك الظلم من أيدي التصرف أثر ما لا يؤمن تعديه إلى القلب. يا أرباب الدول لا تعربدوا في سكر القدرة فصأحب الشرطة بالمرصاد سليمان الحكم قد حبس عاصف العقوبة في حصن ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ وأجرى رحا الرخا ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ فلو هبت سموم الجزاء من
стр. 739
مهب ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ﴾ قلعت سكرى ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ فإذا طوفان التلف ينادي فيهم ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ فالحذر ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وأنت أيها المظلوم فتذكر من أين أتيت فإنك لا تلقى كدرا إلا من طريق جناية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ كان يشوب الماء باللبن فجاء سيل فذهب بالغنم فجعل يبكي فهتف به هاتف اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلا ولسان الجزاء يناديه: يداك أوقدتا وفوك نفخ اذكر غفلتك عن الأمر والأمر وقت الكسب ولا تنس اطراح التقوى عند معاملة الخلق فإذا انقض غاصب فسمعت صوت سوطه يضرب عقد المكسب جزاء لخيانته العقود فلا تستعظم ذاك فأنت الجاني والبادي أظلم.
فائدة:
ما يقول الفقيه أيده الله ... وما زال عنده إحسان
في فتى علق الطلاق بشهر ... قبل ما قبل قبله رمضان
في هذا البيت ثمانية أوجه:
أحدها: هذا.
والثاني: بعدما بعد بعده.
والثالث: قبل ما بعد بعده.
والرابع: بعد ما قبل قبله. فهذه أربعة متقابلة.
والخامس: قبل ما بعد قبله.
والسادس: بعد ما قبل بعده.
والسابع: بعد ما بعد قبله.
والثامن: قبل ما قبل بعده.
وتلخيصها إنك إن قدمت لفظه بعد جاء أربعة أحدها بعدات كلها والثانية بعدان وقبل والثالثة بعد وقبلان والرابعة بعد وقبل ثم بعد وإن قدمت لفظه قبل جاءت أربعة كذلك.
فإذا عرفت هذا فضابط الجواب عن هذه الأقسام الثمانية أنه إذا اتفقت الألفاظ فإن كانت قبلا فيكون هذا الشهر الذي تقدمه رمضان بثلاثة أشهر فيقع الطلاق في ذي الحجة فكأنه قال:
стр. 740
"أنت طالق في شهر ذي الحجة لأن المعنى أنت طالق في شهر رمضان قبل قبل قبله فلو قال رمضان قبله طلقت في شوال ولو قال قبل قبله لطلقت في ذي القعدة فإن قال قبل قبل قبله طلقت في ذي الحجة وإن كانت الألفاظ بعدات طلقت في جمادي الآخرة لأن المعنى أنت طالق في شهر يكون رمضان بعد بعد بعده ولو قال رمضان بعده طلقت في شعبان ولو قال بعد بعده طلقت في رجب فإن قال بعد بعد بعده طلقت في جمادى الآخرة وإن اختلفت الألفاظ وهي في ست مسائل فضابطها أن كل ما اجتمع فيه قبل وبعد فألفهما نحو قبل بعده وبعد قبله واعتبر الثالث، فإذا قال قبل بعد بعده أو بعد قبل قبله فألغ اللفظين الأولين يصير كأنه قال في الأول بعده رمضان فيكون شعبان وفي الثاني كأنه قال قبله رمضان فيكون شوال وتقرير هذا أن كل شهر واقع قبل ما هو بعده وبعد ما هو قبله وإن توسطت لفظه بين مضادين لها نحو قبل بعد قلبه وبعد قبل بعده فالغ اللفظين الأولين ويكون شوالا وإذا قال بعد بعد قبله أو قبل قبل بعده وهما تمام الثمانية طلقت في الأولى في شعبان كأنه قال بعده رمضان في الصورة الأولى كأنه قال في شهر رمضان وشعبان في الثانية كأنه قال بعده رمضان وفي الثانية في شوال كأنه قال قبله رمضان.
فائدة:
قال بعض الفضلاء بيتا من الشعر يشتمل على أربعين ألف وثلاث مائة وعشرين بيتا من الشعر وهو لزين الدين المقري:
لقلبي حبيب مليح ظريف ... بديع جميل رشيق لطيف
وبيان ذلك أن هذا البيت ثمانية أجزاء يمكن أن ينطق بكل جزء من أجزائه
следующие страницы →