← Джавами‘

Джавами‘ · id 12003

بدائع الفوائد - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Полный текст (992 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فائدة: من له غرض في دقائق المعاني يتجاوز نظره قالب اللفظ إلى لب المعنى والواقف مع الألفاظ مقصود على الزينة اللفظية فتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ كيف قابل الجوع بالعرى والظمأ بالضحى والواقف مع القالب ربما يخيّل إليه أن الجوع يقابل بالظمأ والعري بالضحى والداخل إلى بلد المعنى يرى هذا الكلام في أعلى الفصاحة والجلالة لأن الجوع ألم الباطن والعري ألم الظاهر فهما متناسبان في المعنى وكذلك الظمأ مع الضحى لأن الظمأ موجب لحرارة الباطن والضحى موجب لحرارة الظاهر فاقتضت الآية نفي جميع الآفات ظاهرا وباطنا. وفي هذا الباب حكاية مشهورة وهي أن ابن حمدان قال يوما للمتنبي قد أنتقد عليك قولك: وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم قالوا: ركبت صدر كل بيت على عجز الآخر وكان الأولى أن تقول: وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم فليتم المعنى حينئذ لأن انبساط الوجد ووضوحه مع الوقوف في موقف الموت أشبه بأوصاف الكماة والسلامة من الردى مع مرور الأبطال كلمى هزيمة أعجب في حصول النجاة وهذا كما أنتقد على امرىء القيس قوله: كأني لم أركب جوادا للذة ... ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال

стр. 737

ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال فلو قال: كأني لم أركب جوادا ولم أقل ... لخليلي كري كرة بعد إجفال ولم أسبأ الزق الروي للذة ... ولم أبتطن كاعبا ذات خلخال كان أشبه بالمعنى لأن ركوب الخيل أشبه بالكر على الأبطال وسبأ الزق أليق بتبطن الكواعب. فقال المتنبه يعني قائل الشعر المدعو بالمتنبي الكذاب: أعلم أن القزاز أعلم بالثوب من البزاز لأن القزاز يعلم أوله وآخره والبزاز لا يرى منه إلا ظاهره. وهذا الانتقاد غير صحيح فإني قلت: وقفت وما في الموت شك لواقف ... ... ... ... ... فذكرت الموت وتحقق وقوعه في صدر البيت ثم تممت المعنى بقولي: ... ... ... ... ... كأنك في جفنالردى وهو نائم والردى الموت بعينه فكأني قلت: وقفت في مواضع الموت ولم تمت كأن الموت نائم عنك فحصل المعنى مناسبا للقصد ثم قلت: تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ... ... ... ... ومن شأن المكلوم والمنهزم أن يكونا كاشحي الوجوه عابسيها خائبي الأمل فقلت: ... ... ... ... ... ووجهك وضاح وثغرك باسم لتحصل المطابقة بين عبوس الوجه وقطوبه ونضارته وشحوبه وإن لم تكن ظاهره في اللفظ فهي في المعنى يفهمها من له في إدراك دقائق المعاني قدم راسخ وأما قول امرىء القيس: كأني لم اركب جودا للذة ... ... ... ... فإنه لما ذكر الركوب في البيت الأول تممه بما يشبهه ويناسبه من ركوب الكواعب ليحصل لذة ركوب مهر الحرب وركوب مهر اللذة. وأما البيت الثاني فمن شأن الشارب إذا أنتشي أن تتحرك كوامن صدره ويثور ما في نفسه من كوامن الأخلاق إلى الخارج فلما ذكر الشرب وحالة وتخيل نفسه كذلك فتحرك كامن خلقه من الحماسة والشجاعة فأردفه بما يليق به ثم ذكر الآية وتكلم عليها بنحو ما تقدم. إذا ظفرت من الدنيا بقربكم ... فكل ذنب جناه الحب مغفور

стр. 738

فصل: حكم ومواعظ وعبر من نبت جسمه على الحرام فمكاسبه كبريت به يوقد عليه الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب. أتراهم نسوا طي الليالي لمن تقدمهم ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ فما هذا الاغترار وقد خلت من قبلهم المثلات ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أيام الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِم﴾ من لهم إذا طلبوا العودة فحيل بينهم وبين ما يشتهون. سبحان الله كم بكت في تنعم الظالم عين أرملة واحترقت كبد يتيم وجرت دمعة مسكين ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ : ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ . ما ابيض لون رغيفهم حتى اسود لون ضعيفهم وما سمنت أجسامهم حتى أنتحلت أجسام ما استأثروا عليه. لا تحتقر دعاء المظلوم فشرر قلبه محمول بعجيج صوته إلى سقف بيتك. ويحك نبال أدعيته مصيبة وإن تأخر الوقت قوسه قلبه المقروح ووتره سواد الليل وأستاذه صاحب لأنصرنك ولو بعد حين وقد رأيت ولكن لست تعتبر. احذر عداوة من ينام وطرفه باك يقلب وجهه في السماء يرمي سهاما ما لها غرض سوى الأحشاء منك فربما ولعلها إذا كانت راحة اللذة تثمر ثمرة العقوبة لم يحسن تناولها. ما تساوي لذة سنة غم ساعة فكيف والأمر بالعكس. كم في يم الغرور من تمساح فاحذر يا غائص ستعلم أيها الغريم قصتك عند علق الغرماء بك إذا التقى كل ذي دين وماطلة ... ستعلم ليلى أي دين تداينت من لم يتتبع بمنقاش العدل شوك الظلم من أيدي التصرف أثر ما لا يؤمن تعديه إلى القلب. يا أرباب الدول لا تعربدوا في سكر القدرة فصأحب الشرطة بالمرصاد سليمان الحكم قد حبس عاصف العقوبة في حصن ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ وأجرى رحا الرخا ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ فلو هبت سموم الجزاء من

стр. 739

مهب ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ﴾ قلعت سكرى ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ فإذا طوفان التلف ينادي فيهم ﴿لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ فالحذر ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وأنت أيها المظلوم فتذكر من أين أتيت فإنك لا تلقى كدرا إلا من طريق جناية ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ كان يشوب الماء باللبن فجاء سيل فذهب بالغنم فجعل يبكي فهتف به هاتف اجتمعت تلك القطرات فصارت سيلا ولسان الجزاء يناديه: يداك أوقدتا وفوك نفخ اذكر غفلتك عن الأمر والأمر وقت الكسب ولا تنس اطراح التقوى عند معاملة الخلق فإذا انقض غاصب فسمعت صوت سوطه يضرب عقد المكسب جزاء لخيانته العقود فلا تستعظم ذاك فأنت الجاني والبادي أظلم. فائدة: ما يقول الفقيه أيده الله ... وما زال عنده إحسان في فتى علق الطلاق بشهر ... قبل ما قبل قبله رمضان في هذا البيت ثمانية أوجه: أحدها: هذا. والثاني: بعدما بعد بعده. والثالث: قبل ما بعد بعده. والرابع: بعد ما قبل قبله. فهذه أربعة متقابلة. والخامس: قبل ما بعد قبله. والسادس: بعد ما قبل بعده. والسابع: بعد ما بعد قبله. والثامن: قبل ما قبل بعده. وتلخيصها إنك إن قدمت لفظه بعد جاء أربعة أحدها بعدات كلها والثانية بعدان وقبل والثالثة بعد وقبلان والرابعة بعد وقبل ثم بعد وإن قدمت لفظه قبل جاءت أربعة كذلك. فإذا عرفت هذا فضابط الجواب عن هذه الأقسام الثمانية أنه إذا اتفقت الألفاظ فإن كانت قبلا فيكون هذا الشهر الذي تقدمه رمضان بثلاثة أشهر فيقع الطلاق في ذي الحجة فكأنه قال:

стр. 740

"أنت طالق في شهر ذي الحجة لأن المعنى أنت طالق في شهر رمضان قبل قبل قبله فلو قال رمضان قبله طلقت في شوال ولو قال قبل قبله لطلقت في ذي القعدة فإن قال قبل قبل قبله طلقت في ذي الحجة وإن كانت الألفاظ بعدات طلقت في جمادي الآخرة لأن المعنى أنت طالق في شهر يكون رمضان بعد بعد بعده ولو قال رمضان بعده طلقت في شعبان ولو قال بعد بعده طلقت في رجب فإن قال بعد بعد بعده طلقت في جمادى الآخرة وإن اختلفت الألفاظ وهي في ست مسائل فضابطها أن كل ما اجتمع فيه قبل وبعد فألفهما نحو قبل بعده وبعد قبله واعتبر الثالث، فإذا قال قبل بعد بعده أو بعد قبل قبله فألغ اللفظين الأولين يصير كأنه قال في الأول بعده رمضان فيكون شعبان وفي الثاني كأنه قال قبله رمضان فيكون شوال وتقرير هذا أن كل شهر واقع قبل ما هو بعده وبعد ما هو قبله وإن توسطت لفظه بين مضادين لها نحو قبل بعد قلبه وبعد قبل بعده فالغ اللفظين الأولين ويكون شوالا وإذا قال بعد بعد قبله أو قبل قبل بعده وهما تمام الثمانية طلقت في الأولى في شعبان كأنه قال بعده رمضان في الصورة الأولى كأنه قال في شهر رمضان وشعبان في الثانية كأنه قال بعده رمضان وفي الثانية في شوال كأنه قال قبله رمضان. فائدة: قال بعض الفضلاء بيتا من الشعر يشتمل على أربعين ألف وثلاث مائة وعشرين بيتا من الشعر وهو لزين الدين المقري: لقلبي حبيب مليح ظريف ... بديع جميل رشيق لطيف وبيان ذلك أن هذا البيت ثمانية أجزاء يمكن أن ينطق بكل جزء من أجزائه

стр. 741

مع الجزء الآخر فتنتقل كل كلمة ثمانية انتقالات فالجزءان الأولان لقلبي حبيب يتصور منهما صورتان بالتقديم والتأخير، ثم خذ الجزء الثالث فيحدث منه مع الأولين ست صور لأن له ثلاثة أحوال تقديمه عليهما وتأخيره وتوسطه ولهما حالان فاضرب أحواله في الحالين يكن ستة، ثم خذ الجزء الرابع وله أربعة أحوال فاضربها في الصور المتقدمة وهي الستة التي لما قبله تكن أربعة وعشرين، ثم خذ الخامس تجد له خمسة أحوال فاضربها في الصور المتقدمة وهي أربعة وعشرون تكن مائة وعشرين، ثم خذ السادس تجد له ستة أحوال فاضربها في مائة وعشرين تكن سبع مائة وعشرين، ثم خذ السابع تجد له سبعة أحوال فاضربها في سبع مائة وعشرين تكن خمسة آلاف وأربعين، ثم خذ الثامن تجد أحواله ثمانية فاضربها في خمسة آلاف وأربعين تكن أربعين ألفا وثلاث مائة وعشرين بيتا فامتحنها تجدها كذلك ومثله لي قلته في القدس: محب صبور غريب فقير ... وحيد ضعيف كتوم حمول فائدة: في دخول الشرط على الشروط وهو صور: أحدها: إن خرجت ولبست فأنت طالق لا يحنث إلا بهما كيفما كانا. الثانية: إن لبست فخرجت لم يحنث إلا بخروج بعد لبس. الثالثة: إن لبست ثم خرجت لا يحنث إلا بخروجها بعد لبسها لا معه ويكون متراخيا هذا البناء على ظاهر اللفظ وأما قصده فيراعي ولا يلتفت إلى هذا. الرابعة: إن خرجت لا إن لبست يحنث بالخروج وحده ولا يحنث باللبس ويحتمل هذا التعليق أمرين: أحدهما: أن يجعل الخروج شرطا ويبقى

стр. 742

أن يكون اللبس شرطا فحكمه ما ذكرنا. الثاني: أن يجعل الخروج مع عدم اللبس شرطا فلا يحنث بخروج معه لبس ويكون المعنى إن خرجت لا لابسه أو غير لابسة فإن خرجت لابسة لم يحنث. الخامسة: إن خرجت بل إن لبست فلا يحنث إلا باللبس دون الخروج ويحتمل هذا التعليق أيضا أمرين: أحدهما: هذا. والثاني: أن يكون كل منهما شرطا فيحنث بأيهما وجد ويكون الإضراب إضراب اقتصار لا إضراب إلغاء فكأنه يقول: لا أقتصر على جعل الأول وحده شرطا بل أيهما وجد فهو شرط فعلى التقدير الأول يكون إضراب إلغاء ورجوع وعلى الثاني إضراب اقتصار وإفراد. السادسة: إن خرجت أو إن لبست يحنث بأيهما وجد. السابعة: إن لبست لكن إن خرجت فالشرط الثاني قد لغا الأول بـ (لكن) لأنها للاستدراك. الثامنة: وهي أشكلها إن لبست إن خرجت وهذه مسألة دخول الشرط على ويحتمل التعليق في ذلك أمرين: أحدهما: أن يجعل كل واحد منهما شرطا مستقلا فيكون كالمعطوف بالواو سواء ولا إشكال. والثاني: أن يجعل أحدهما شرطا في الآخر. واختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة فقال أصحاب مالك هو تعليق للتعليق ففي هذا الكلام تعليقان: أحدهما إن لبست فأنت طالق ثم علق هذه الجملة المعلقة بالخروج فكأنه قال شرط نفوذ هذا التعليق الخروج فعلى هذا لا يحنت حتى يوجد الخروج بعد اللبس وممن نص عليها ابن شاش في الجواهر وقال أبو إسحاق في المهذب وقد صور المسألة: "إن كلمت زيدا إن دخلت الدار فأنت طالق ثم كلمت زيدا طلقت وإن كلمت زيدا أولا ثم دخلت الدار لم تطلق لأنه جعل دخول الدار شرطا في كلام زيد فوجب تقديمه عليه" وهكذا عكس قول المالكية ورجح أبو المعالي قول المالكية في نهايته. وقد وقع هذا التعليق في كتاب الله في مواضع: أحدها: قوله -حكاية عن نوح-: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُم﴾ وهذا ظاهر في أن الشرط الثاني شرط في الشرط الأول والمعنى إن أراد الله أن يغويكم لم ينفعكم نصحي إن

стр. 743

أردته وهذا يشهد لصحة ما قال الشيخ أبو إسحاق. الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ قالوا فهذه الآية ظاهرة في قول المالكية لأن إرادة رسول الله ﷺ متأخرة عن هبتها فإنها تجري مجرى القبول في هذا العقد والإيجاب هو هبتها. ونظير هذا أن يقول: إن وهب لي شيئا إن أردت قبوله أخذته فإرادة القبول متأخرة عن الهبة فلا يكون شرطا فيها قال الأولون: يجوز أن تكون إرادة رسول الله ﷺ فلما فهمت المرأة منه ذلك وهبت نفسها له فيكون كالآية الأولى. وهذا غير صحيح والقصة تأباه فإن المرأة قامت وقالت: يا رسول الله إني وهبت لك نفسي فصعّد فيها النظر وصوّبه ثم لم يتزوجها وزوجها غيره. الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ المعنى: فلولا ترجعونها أي تردون الروح إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين مملوكين إن كنتم صادقين وهنا الثاني شرط للأول والمعنى إن كنتم صادقين في قولكم فهلا تردونها إن كنتم غير مدينين ويدل عليه قول الشاعر أنشده عبد الله بن مالك: إن تستغيثوا بنا أن تذعروا وتجدوا ... منا معاقل عز زانها الكرم ومعلوم أن الاستغاثة إنما تكون بعد الذعر فالذعر شرط فيها ومن هذا قول الدريدي فإن عثرت بعدها أن والت ... نفسي من هاتا فقولا لا لعا ومعلوم أن العثور مرة ثانية إنما يكون بعد النجاة من الأولى فوالت شرط في الشرط الثاني وعلى هذا فإذا ذكرت الشرطين وأتيت بالجواب كان جوابا للأول خاصة والثاني جرى معه مجرى الفضلة والتتمة كالحال وغيرها من الفضلات قاله ابن مالك. وأحسن من هذا أن يقال ليس الكلام بشرطين يستدعيان جوابين بل هو شرط واحد وتعليق واحد اعتبر في شطره قيد خاص جعل

стр. 744

شرطا فيه وصار الجواب للشرط المقيد فهو جواب لهما معا بهذا الاعتبار وإيضاحه أنك إذا قلت إن كلمت زيدا إن رأيته فأنت طالق جعلت الطلاق جزاء على كلام مقيد بالرؤية لا على كلام مطلق وكأنه قال إن كلمته ناظرة إليه فأنت طالق وهذا يبين لك حرف المسألة ويزل عنك إشكالها جملة وبالله التوفيق. فائدة: قولهم: الأعم لا يستلزم الأخص عينا وإنما يستلزم مطلق الأخص ضرورة وقوعه في الوجود ولا بد في هذا من تفصيل وهو أن الحقيقة العامة تارة تقع في رتب متساوية فهذه تستلزم الأخص عينا ولا بد كما إذا قال أفعل كذا فإنه أعم من مرة ومرات وهو يستلزم المرة الواحدة عينا وأنفق مالا يستلزم اقل القليل عينا وتارة يقع في رتب غير متساوية كالحيوان والعدد فإنهما لا يستلزمان أحد أنواعهما عينا والله أعلم. فائدة: حمل المطلق على المقيد في الكلي شيء وحمل المطلق على المقيد في الكلية شيء آخر، فالأول كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقيدها بالإيمان في مكان آخر فهذا إذا حمل المطلق على المقيد فيه لم يكن متضمنا لمخالفة أحدهما بل هو عمل بهما وتوفيه بمقتضاهما ولو عمل بالمطلق دون المقيد لخالف ولا بد، أما الثاني فكما إذا كان الإطلاق في العام كقوله: " في كل أربعين شاة وشاة " فإذا قيل في الغنم السائمة في كل أربعين

стр. 745

شاة شاة فليس هذا من باب حمل المطلق على المقيد فإن اللفظ العام متناول لجميع أفراده فحمله على التخصيص إخراج لبعض مدلوله والفرق بين إخراج بعض مدلول اللفظ وبين تقييد سلب عنه اللفظ الأول رافع لموجب الخطاب والثاني رافع لموجب الاستصحاب وإنما يرجع هذا إلى أصل آخر وهو تخصيص العموم بالمفهوم فتأمله. فائدة: وعلى هذا فلا ينبغي أن يقال يحمل المطلق على المقيد مطلقا بل يفرق بين الأمر والنهي فإن المطلق إذا كان في الأمر لم يكن عاما فحمله على المقيد لا يكون مخالفة لظاهره ولا تخصيصا، وإذا كان الإطلاق في النهي فإنه يعم ضرورة عموم النكرة في سياق النهي، وإذا حمل عليه مقيد آخر كان تخصيصا ومثاله قوله ﷺ : "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه" فهذا عام في الإمساك وقت البول ووقت الجماع وغيرهما وقال: "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول" فهذا مقيد بحالة البول فحمل الأول عليه تخصيص محض. فائدة: حمل المطلق على المقيد مشروط بأن لا يقيد بقيدين متنافيين فإن قيد بقيدين متنافيين امتنع الحمل وبقى على إطلاقه سبع مرات وعلم أن القيدين تمثيل لا تقييد مثاله قوله ﷺ في ولوغ الكلب: "فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب" مطلق

стр. 746

وفي لفظ "أولاهن " وهذا مقيد بالأول، وفي لفظ: " أخراهن " وهذا مقيد بالآخرة فلا يحمل على أحدهما بل يبقى على إطلاقه. فائدة: إنما يحمل المطلق على المقيد إذا لم يستلزم حمله تأخير البيان عن وقت الحاجة فإن استلزمه على إطلاقه وله مثالان: أحدهما: قوله ﷺ بعرفات: "من لم يجد نعلين فليلبس خفين " ولم يشترط قطعا وقال بالمدينة على المنبر لمن سأله ما يلبس المحرم "من لم يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من كعبيه " فهذا مقيد ولا يحمل عليه ذلك المطلق لأن الحاضرين معه بعرفات من أهل اليمن ومكة والبوادي لم يشهدوا خطبته بالمدينة فلو كان القطع شرطا لبينه لهم لعدم علمهم به ولا يمكن اكتفاؤهم بما تقدم من خطبته بالمدينة، ومن هنا قال أحمد ومن تابعه: "إن القطع منسوخ بإطلاقه بعرفات اللبس ولم يأمر بقطع في أعظم أوقات الحاجة" المثال الثاني: قوله لمن سألته عن دم الحيض: " حتيه ثم اغسليه " ولم يشترط عددا مع أنه وقت حاجة فلو كان العدد شرطا لبينه لها ولم يحملها على غسل ولوغ الكلب فإنها ربما لم تسمعه ولعله لم يكن شرع الأمر بغسل ولوغه. فائدة: نهي رسول الله ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه ونهي عن بيع ما لم يقبض في حديث حكيم بن حزام وزيد بن ثابت فقال أصحاب مالك: "النهي مخصوص

стр. 747

بالطعام دون غيره" فمنهم من قال هو من باب حمل المطلق على المقيد وهو فاسد كما تقدم فإنه عام وخاص ولفظه: "إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه" ومنهم من قال خاص وعام تعارضا فقدم الخاص على العام وهو أفسد من الأول إذ لا تعارض بين ذكر الشيء بحكم وذكر بعضه به بعينه، ومنهم من قال هو من باب تخصيص العموم بالمفهوم وهذا المأخذ أقرب لكنه ضعيف هنا لأن الطعام هنا وإن كان مشتقا فاللقبية أغلب عليه حيث لم يلج معنى يقتضي اختصاص النهي به دون الشراب واللباس والأمتعة فالصواب التعميم. فائدة: قوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " وفي لفظ "وترابها طهور " فقيل تخصيص الطهور بالتراب حملا للمطلق على المقيد وهو ضعيف لأنه من باب الخاص والعام. وقيل هو من باب التخصيص بالمفهوم واعترض عليه بثلاثة أمور: أحدها: أن دلالة العموم أقوى لأنها لفظية متفق عليها. الثاني: أنه مفهوم لقب وهو أضعف المفهومات. الثالث: أن التخصيص بالتربة خرج لكونه غالب أجزاء الأرض والتخصيص إذا كان له سبب لم يعتبر بمفهومه. وأجيب بأن ذكر التربة الخاصة بعد ذكر لفظ الأرض عاما في مقام بيان ما اختص به وامتن الله عليه وعلى الأمة به دليل ظاهر على اختصاص الحكم باللفظ الخاص فإن عدوله عن عطفه على اللفظ العام إلى اسم خاص بعده يتضمن زيادة اللفظ والتفريق بين الحكمين وأن الطهور متعلق بالتربة وكونها مسجدا متعلق بمسمى الأرض يفهم تقييد كل حكم بما نسب إليه وتخصيصه بما جعل خبرا عنه وهذا واضح.

стр. 748

فائدة: استشكل جمهور الفقهاء مذهب مالك فيمن قال لنسائه: "إحداكن طالق" فإن الجميع يحرمن عليه بالطلاق وقالوا هذا إلزام بالطلاق لمن لم يطلقها وهو باطل قالوا ويلزم من هذا خلاف الإجماع ولا بد لأن الله تعالى أوجب إحدى خصال الكفارة فأضافه الحكم لأحد الأمور إن اقتضى التعميم وجب أن يوجبوا جميع الخصال وهو خلاف الإجماع وإن لم يقتض العموم وجب أن لا يقتضيه في قوله إحداكن طالق لأنه لو عم لعم بغير مقتض وهو باطل بالإجماع ولكن لقوله ﵁ غور وهو الفرق بين إيجاب القدر المشترك وتحريم القدر المشترك فالإيجاب في الكفارة إيجاب لقدر مشترك وهو مسمى احد الخصال وذلك لا يقتضي العموم كما إذا أوجب عتق رقبة وهي مشتركة بين الرقاب لم يعم سائرها وأما تحرير القدر المشترك فيلزم منه العموم لأن التحريم من باب النهي وإذا نهي عن القدر المشترك كان نهيا عن كل فرد من أفراده بطريق العموم وإذا ثبت هذا فالطلاق تحريم لأنه رافع لحل النكاح فإذا وقع في القدر المشترك وهو إحدى نسائه عم جميعهن كما لو قال: "والله لا قربت إحداكن شهرا" وأما أصحاب أحمد فإنهم قالوا إذا قال: "عبدي حر وامرأتي طالق" عتق عليه جميع عبيده وطلق جميع نسائه ولكن ليس بناء منهم على هذا المأخذ بل لأن عندهم المفرد المضاف يعم كالجمع المضاف وأما أصحاب أبي حنيفة والشافعي فلم يقولوا بالعموم في واحدة من الصورتين وقال أصحاب مالك: "إذا قال لعبيده: (أحدكم حر) كان له أن يختار من شاء منهم فيعينه للعتق ولا يعتق الجميع" قالوا: "لأن العتق قربة وطاعة لا تحريم فهو إيجاب للقدر المشترك وإن لزم منه التحريم ولهذا ولو قال: (لله على أن أعتق أحدكم) لزمه عتق

стр. 749

واحد دون الجميع" فيقال لا فرق بين الطلاق والعتق في ذلك وقول الجمهور أصح وقولكم إن الطلاق تحريم ليس كذلك بل هو كاسمه إطلاق وإرسال للمرأة ويلزم منه التحريم كما أن العتق إرسال للأمة ويلزم منه التحريم فهما سواء ويدل عليه أنه إن قال: (إن كلمت زيدا فلله علي أن أطلق واحدة منكن أو إحداكن) لم يلزمه طلاق جميعهن عند من يعين عليه الوفاء عينا دون الكفارة ومعلوم قطعا أن القائل لنسائه (إحداكن طالق) غير مطلق لبقيتهن لا بلفظه ولا بقصده فكيف يطلقن جميعا فلو طلقن بغير مقتض لطلاقهن ويدل على أن الطلاق ليس بتحريم أن الله تعالى أباحه ولم يبح قط تحريم الحلال والتحريم ليس إلى العبد إنما إليه الأسباب والتحليل والتحريم يتبعها فهو كالعتق سواء وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثم فرض تحلة اليمين في تحريم الحلال وقد طلق ﷺ حفصة ولم يكن ذلك تحريما لها ولو كان الطلاق تحريما لشرعت فيه الكفارة كما شرعت في تحريم الحلال وكما شرعت في الظهار الذي هو تحريم، فإن قيل فما تقولون إذا قال لنسائه: (إحداكن عليّ حرام) فإن هذا تحريم للمشترك فينبغي أن يعم، قيل هذا السؤال غير مسموع منكم فإن التحريم عندكم طلاق فهو كقوله: (إحداكن طالق) وأما من يجعله تحريما تزيله الكفارة كالظهار كقول أحمد ومن وافقه فعندهم لا يعم لأنه مطلق في إثبات فهو كقوله: (حرمت واحدة منكن) بخلاف ما إذا أراد المطلق في نفي كقوله (والله لا قربت واحدة منكن) أو في نهي كقوله: (لا تقرب واحدة منهن) فإنه يعم. فائدة: ارتفاع الواقع شرعا محال أي ارتفاعه في الزمن الماضي وأما تقدير ارتفاعه

стр. 750

مع وجوده ممكن وله أمثله: أحدهما: أن من يقول الفسخ رفع للعقد من أصله فيستتبع الولد والثمرة والكسب نقول بقدر ارتفاعه من أصله واقعا لا أنا نقول برفعه من أصله. الثاني: إذا قال لامرأته إن قدم زيد آخر الشهر فأنت طالق أوله وقلنا تطلق أول الشهر بقدومه آخره فإنا نقدر ارتفاع تلك الإباحة قبل قدومه لا أنا نرفعها ونجعل الوطء حراما بل نقدر أن تلك الإباحة في حكم العدم تنزيلا للموجود بمنزلة المعدوم. الثالث: أنا ننزل المجهول كالمعدوم في باب اللقطة فننقل الملك بعد الحول إلى الملتقط مع بقاء المالك تنزيلا له بمنزلة المعدوم. الرابع: أنا في المفقود نزلنا الزوج الذي فقد منزلة المعدوم فأبحنا لامرأته أن تعتد وتتزوج كما قضى فيه الصحابة. الخامس: إن من مات ولا يعرف له قرابة كان ماله لبيت المال تنزيلا للمجهول منزلة المعدوم ولا نقول نوقفه حتى يتبين له قرابة وكذلك لو علمنا له وارثا واحدا وشككنا في غيره دفعنا إلى المعلوم ميراثه ولم نوقفه إلا إن تيقن أنه كان له وارث وشككنا في عدمه فإنه ينبني على تقدير وجوده لأنه الأصل. وعكس هذا تنزيل المعدوم منزلة الموجود تقديرا لا تحقيقا وله أمثله: أحدها: أن المقتول خطأ تورث عنه ديته المستحقة بعد موته تنزيلا لحياته المعدومة وقت ثبوت الدية منزلة الحياة الموجودة ليثبت له الملك ثانيها: لو أعتق عبده عن غيره فإنا نقدر الملك المعدوم للمعتق عنه بمنزلة الموجود الثابت له ليقع العتق عنه ثالثها: الأجزاء التي لم تخلق بعد في بيع الثمار بعد بدو صلاحها فإنها تنزل بمنزلة الموجود حتى يكون موردا للعقد رابعه ا: المنافع المعدومة في الإجازة فإنها تنزل منزلة الموجود ونظائر القاعدتين كثيرة. فائدة: القياس وأصول الشرع يقتضي أنه لا يصح رفض شيء من الأعمال بعد

стр. 751

الفراغ منه وأن نية رفضه وإبطاله لا تؤثر شيئا فإن الشارع لم يجعل ذلك إليه ولو صح ذلك لتمكن المكلف من إسقاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمن الماضي فيقصد إبطال ما مضي من حجة وجهاده وهجرته وزكاته وسائر أعماله الحسنة والقبيحة فيقصد إبطال زناه وسرقته وشربه وقتله ورباه وأكله أموال اليتامى وغير ذلك فما بال الوضوء والصلاة والصوم والحج دون سائر الأعمال خرج فيها الخلاف فالمشهور في مذهب مالك صحة الرفض في الصلاة والصوم وفي الحج والطهارة خلاف وفي الطهارة خاصة وجهان لأصحابنا وليس في هذه المسائل نص ولا إجماع ولا فرق صحيح بينها وبين سائر الأعمال بل المعلوم من قاعدة الشرع أن إبطال ما وقع من الأعمال إنما يكون بأسباب نصيبه الله تعالى مبطلات لتلك الأعمال كالردة المبطلة للإيمان والحدث المبطل للوضوء والإسلام المبطل للكفر والتوبة المبطلة لآثار الذنوب وقريب منه المن والأذى المبطل للصدقة وفي الرياء اللاحق بعد العمل خلاف فهذه الأسباب جعلها الشارع مبطلات لآثار الأعمال وأما الرفض فلا دليل في الشرع يدل على أنه مبطل ولا يمكن طرده وليس له أصل يقاس عليه بل قد يقترن بالعمل أمور تمنع صحته وترتب أثره عليه كالرياء والسمعة وغيرهما وليس هذا إبطالا لما صح وإنما هو مانع من الصحة. فائدة: الأسباب الفعلية أقوى من الأسباب القولية ولهذا تصح الفعلية من المحجور عليه دون القولية فلو استولد ثبت استيلاده ولو عتق كان لغوا ولو تملك مالا بالشراء كان لغوا ولو تملكه باصطياد أو احتطاب ونحوه ملكه وكذلك لو أحياه

стр. 752

ملكه بالإحياء ثم قيل الفرق بينهما احتياجه إلى الفعل دون القول فإنا لو منعناه من وطئه أمته أضررنا بها ولا حاجة به إلى عتقها وهذا غير طائل فإنه قد يحتاج إلى القول أيضا كالشراء والنكاح والإقرار ولكن الفرق أن أقواله يمكن إلغاؤها فإنها مجرد كلام لا يترتب عليه شيء وأما الأفعال فإذا وقعت لا يمكن إلغاؤها فلا يمكن أن يقال إنه لم يسرق ولم يقتل ولم يستولد ولم يتلف وقد وجدت منه هذه الأفعال فجرى مجرى المكره في إلغاء أقواله ومجرى المأذون له في صحة أفعاله والله اعلم. فائدة: الحائض إذا انقطع دمها فهي كالجنب فيما يجب عليها ويحرم فيصح صومها وغسلها وتجب عليها الصلاة ولها أن تتوضأ وتجلس في المسجد ويجوز طلاقها على أحد القولين إلا في مسألة واحدة فإنها تخالف الجنب فيها وهي جواز وطئها فإنه يتوقف على الاغتسال والفرق بينها وبين الجنب في ذلك أن حدث الحيض أوجب تحريم الوطء وحدثه لا يزول إلا بالغسل بخلاف حدث الجنابة فإنه لا يوجب تحريم الوطء ولا يمكن ذلك فيه البتة. واستثنى بعض الفقهاء مسألة أخرى وهي نقض الشعر للغسل فإنه يجب على الحائض في أحد القولين دون الجنب ولا حاجة إلى هذا الاستثناء فتأمله.

стр. 753

قاعدة: في المسائل التي يتعلق بها الاحتياط الواجب وترك ما لا بأس به حذرا مما به البأس ومدارها على ثلاثة قواعد: - قاعدة في اختلاط المباح بالمحظور حسا. - وقاعدة في اشتباه أحدهما بالآخر والتباسه به على المكلف. - وقاعدة في الشك في العين الواحدة هل هي قسم من المباح أم قسم من المحظور فهذه القواعد الثلاث هي معاقد هذا الباب. فأما القاعدة الأولى وهي اختلاط المباح بالمحظور حسا فهي قسمان: أحدهما: أن يكون المحظور محرما لعينه كالدم والبول والخمر والميتة. والثاني: أن يكون محرما لكسبه لأنه حرام في عينه كالدرهم المغصوب مثلا فهذا القسم الثاني لا يوجب اجتناب الحلال ولا تحريمه البتة بل إذا خالط ماله درهم حرام أو أكثر منه أخرج مقدار الحرام وحل له الباقي بلا كراهة سواء كان المخرج عين الحرام أو نظيره لأن التحريم لم يتعلق بذات الدرهم وجوهره وإنما تعلق بجهة الكسب فيه فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى هذا هو الصحيح في هذا النوع ولا تقوم مصالح الخلق إلا به. وأما القسم الأول: وهو الحرام لعينه كالدم والخمر ونحوهما فهذا إذا خالط حلالا وظهر أثره فيه حرم تناول الحلال ولا نقول أنه صير الحلال حراما فإن الحلال لا ينقلب حراما البتة ما دام وصفه باقيا وإنما حرم تناوله لأنه ما تعذر الوصول إليه إلا بتناول الحرام فلم يجز تناوله وهذه العلة بعينها منصوصة للإمام أحمد وقد سئل بأي شيء يحرم الماء إذا ظهرت فيه النجاسة؟ فأجاب بهذا وقال: "حرم الله تعالى الميتة والدم ولحم الخنزير فإذا خالطت هذه الماء فمتناوله كأنه قد تناول هذه الأشياء" هذا معنى كلامه. هذا إذا ظهر أثر المخالط فلو استهلك ولم يظهر أثره فهنا معترك

стр. 754

النزال وتلاطم أمواج الأقوال وهي مسألة الماء والمائع إذا خالطته النجاسة فاستهلكت ولم يظهر لها فيه أثر البتة والمذاهب فيها لا تزيد على اثني عشر مذهبا نذكرها في غير هذا الموضع إن شاء الله أصحها مذهب الطهارة مطلقا مائعا كان ما خالطته أو جامدا ماء أو غيره قليلا أو كثيرا لبراهين كثيرة قطعية أو تكاد تذكر هناك إن شاء الله وعلى هذا فإذا وقعت قطرة من لبن في ماء فاستهلكت وشربه الرضيع لم تنتشر الحرمة ولو كانت قطرة خمر فاستهلكت في الماء البتة لم يحد بشربه ولو كانت قطرة بول لم يغير ويشربه وهذا لأن الحقيقة لما استهلكت امتنع ثبوت الاسم الخاص بها فنفى الاسم والحقيقة للغالب فيتعين ثبوت أحكامه لأن الأحكام تتبع الحقائق والاسماء وهذا أحد البراهين في المسألة. فصل: وأما القاعدة الثانية: وهي اشتباه المباح بالمحظور إن كان له بدل لا اشتباه فيه أنتقل إليه وتركه وإن لم يكن له بدل ودعت الضرورة إليه اجتهد في المباح واتقى الله ما استطاع فإذا اشتبه الماء الطاهر بالنجس أنتقل إلى بدله وهو التيمم ولو اشتبها عليه في الشرب اجتهد في أحدهما وشربه، وكذلك لو اشتبهت ميتة بمذكاة أنتقل إلى غيرهما ولم يتحر فيهما فإن تعذر عليه الانتقال ودعته الحاجة اجتهد، ولو اشتبهت أخته بأجنبية أنتقل إلى نساء لم يشتبه فيهن فإن كان بلدا كبيرا تحرى ونكح ولو اشتبه ثوب طاهر بنجس أنتقل إلى غيرهما فإن لم يجد فقيل يصلي في كل ثوب صلاة ليؤدي الفرض في ثوب متيقن الطهارة وقيل بل يجتهد في أحد الثوبين ويصلي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية قال: "لأن اجتناب النجاسة من باب الترك ولهذا لا تشترط له النية"، ولو صلى في ثوب لا يعلم نجاسته ثم علمها بعد الصلاة لم يعد فإن اجتهد فقد صلى في ثوب يغلب على ظن

стр. 755

طهارته وهذا هو الواجب عليه لا غير. قلت: وهذا كما لو اشترى ثوبا لا يعلم حاله جاز له أن يصلي فيه اعتمادا على غلبة ظنه وإن كان نجسا في نفس الأمر فكذلك إذا أداه اجتهاده إلى طهارة أحد الثوبين وغلب على ظنه جاز أن يصلي فيه وإن كان نجسا في نفس الأمر فالمؤثر في بطلان العلم بنجاسة الثوب لا نجاسته المجهولة بدليل ما لو جهلها في الصلاة ثم علمها بعد الصلاة لم يعد الصلاة فهذا القول ظاهر جدا وهو قياس المذهب، وقيل يراعى في ذلك جانب المشقة فإذا كثرت الثياب اجتهد في أحدها وإن قلت صلى بعدد الثياب النجسة وزاد صلاة وهو اختيار ابن عقيل المني أو المذي، ومن هذا الباب ما لو استيقظ فرأى في ثوبه بللا واشتبه عليه أمني هو أم مذي ففي هذه المسألة قولان في كل مذهب من المذاهب الأربعة إلا أن أصحاب الإمام أحمد ﵁ قالوا إن سبق منه سبب يمكن إحالة كونه مذيا عليه مثل القبلة والملاعبة والفكر مع الانتشار فهو مذي إذ الظاهر أن الذكر بعد ذلك إنما انكسر به فهو المتيقن وما زاد عليه فمشكوك فيه فلا يجب عليه غسل بالشك وإن لم يتقدم منه شيء من ذلك فهو مني في الحكم إذ هو الغالب على النائم ولم يتقدم سبب يعأرضه والنوم في مظنة الاحتلام وقد قام شاهد المظنة ظاهر القياس بموجب شهادته وقوة هذا المسلك مما لا يخفي على منصف اشتباه جهة القبلة. ومن هذا الباب إذا اشتبهت عليه جهة القبلة ففيها ثلاثة أقوال: أحدها: يجتهد ويصلي صلاة واحدة هذا أصح الأقوال في المذاهب الأربعة وهو المشهور. الثاني: أنه يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات ليؤدي مسيتقنا كما قالوا في الثياب النجسة وكما قالوا فيمن فاتته صلاة من يوم لا يعلم عينها صلى خمس صلوات. والقول الثالث: أنه قد سقط عنه فرض الاستقبال في هذه الحال فيصلي حيث شاء وهذا مذهب أبي محمد بن حزم واحتج بأن الله إنما فرض الاستقبال على العالم بجهة الكعبة القادر على التوجه إليها فأما العاجز عنها فلم يفرض الله عليه التوجه إليها قط فلا يجوز أن يلزم بما لا يلزمه الله ورسوله به وإذا لم يكن التوجه واجبا

стр. 756

عليه لأن وجوبه مشروط بالقدرة صلى إلى أي جهة شاء كالمسافر المتطوع والزمن الذي لا يمكنه التوجه إلى جهة القبلة. قلت: وهذا القول أرجج وأصح من القول بوجوب أربع صلوات عليه فإنه إيجاب ما لم يوجبه الله ورسوله ولا نظير له في إيجابات الشارع البتة ولم يعرف في الشريعة موضع واحد أوجب الله على العبد فيه أن يوقع الصلاة ثم يعيدها مرة أخرى إلا لتفريط في فعلها أولا كتارك الطمأنينة والمصلى بلا وضوء ونحوه وأما أن يأمره بصلاة فيصليها بأمره ثم يأمره بإعادتها بعينها فهذا لم يقع قط وأصول الشريعة ترده. وقياس هذه المسألة على مسألة الثياب وناسي صلاة من يوم قياس لمختلف فيه على مثله ولعل الكلام إلا في تينك المسألتين أيضا فلو أن حكمهما ثبت بكتاب أو سنة أو إجماع لكان في قياس عليها ما فيه بل لم يكن صحيحا لأن جهة الفرق إما مساوية لجهة الجمع أو أظهر وعلى التقديرين فالقياس منتف بقي النظر في ترجيح أحد قولي الاجتهاد والتخيير في مسألة القبلة على الآخر فمن نصر التخيير احتج بما في الترمذي وسنن ابن ماجة عن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ فنزل ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " قال الترمذي: "هذا حديث حسن إلا أنه من حديث أشعث السمان وفيه ضعف" وروى الدارقطني من حديث عطاء عن جابر قال: " كنا مع النبي ﷺ في مسير فأصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي فلم يأمرنا بالإعادة فقال: "قد أجزأتكم صلاتكم" قال الدارقطني: "رواه محمد ابن سالم عن عطاء قال: "ويروى أيضا عن محمد بن عبد الله العرزمي عن عطاء وكلاهما ضعيف". وقال العقيلي: "لا يروى متن هذا الحديث من وجه يثبت. واحتجوا أيضا بما تقدم حكايته أن الله لم يأمر بالاستقبال إلا من كان عالما به وقادرا عليه وأما العاجز الجاهل فساقط عنه فرض

стр. 757

الاستقبال فلا يكلف به ومن نصر الاجتهاد احتج بأن الله تعالى أوجب على العبد أن يتقيه ما استطاع وهذا مقتضي وجوب الاجتهاد عليه في تقوى ربه تعالى والتقوى هي فعل ما أمر وترك ما نهي قالوا وأيضا فإنه من المعلوم أنه إذا قام إلى الصلاة لم يجز له أن يستقبل أي جهة شاء ابتداء بل ينظر إلى مطالع الكواكب ومساقطها وسمت جهة القبلة حتى إذا علم جهتها استقبلها وهذا نوع اجتهاد وأدلة الجهة متفاوتة الخفاء والظهور فيجب على كل أحد فعل مقدوره من ذلك فإن لم يصبها قطعا أصابها ظنا وهو الذي يقدر عليه فمتى ترك مقدوره لم يكن قد اتقى الله تعالى بحسب استطاعته. وقولكم إن الله إنما أوجب الاستقبال على القادر عليه العالم به قلنا الله أوجب على كل عبد ما تؤديه إليه استطاعته من طاعته فإذا عجز عن هذا اليقين وأدلة الجهة سقط عنه ولكن من أين يسقط عنه بذل وسعه ومقدوره اللائق به. فصل: ومن هذا الباب لو طلق إحدى امرأتيه بعينها ثم اشتبهت عليه بالآخرى فقيل يجب عليه اعتزالها ويوقف الأمر حتى يتبين الحال وعليه نفقتهما وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين وهي اختيار صاحب المغنى. وقيل يقرع بينهما كما لو أبهم الطلاق في واحدة لا بعينها وهذا هو المشهور في المذهب وهذا اختيار عامة أصحاب أحمد ونص عليه الخرقي في المختصر فقال: "ولو طلق واحدة من نسائه ونسيها أخرجت بالقرعة" قال المانعون من القرعة في هذه الصورة اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلا تحل له إحداهما بالقرعة كما لو اشتبهت أخته بأجنبية لم يكن له أن يعقد على إحداهما بالقرعة. قالوا: ولأن القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه ولا تزيل احتمال كون المطلقة

стр. 758

غير من وقعت عليها القرعة بدليل أن التحريم لو ارتفع بالقرعة لما عاد إذا ذكرها فلما عاد التحريم بالذكر دل على أن القرعة لم ترفع تحريم المطلقة. قالوا: وأيضا القرعة لا يؤمن وقوعها على غير المطلقة وعدولها عن المطلقة وذلك يتضمن مفسدتين تحريم المحللة له بلا سبب وتحليل المحرمة عليه مع جواز كونها المطلقة. قالوا: وأيضا فلو حلف لا يأكل تمرة بعينها ثم وقعت في تمر فإنها لا تخرج بالقرعة ولو حلف لا يكلم إنسانا بعينه ثم اختلط في آخرين لم يخرج بالقرعة إلى أمثال ذلك من الصور فهكذا قالوا وأيضا فلا نعلم سلفا باستعمال القرعة في مثل هذه الصورة قالوا وأيضا لو حلف لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فأكل منه واحدة فقد قال الخرقي: "لا تحل له امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت اليمين عليها فحرمها مع أن الأصل بقاء النكاح ولم يعأرضه يقين التحريم فهاهنا أولى" قالوا وأيضا فقد قال الخرقي فيمن طلق امرأته ولم يدر أواحدة طلق أو ثلاثا: "اعتزلها وعليه نفقتها ما دامت في العدة فإن راجعها في العدة لم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق فلم يبح له وطؤها لاحتمال كون الطلاق ثلاثا والأصل عدمه واحتمال كون غير من خرجت عليها القرعة هي المطلقة كاحتمال كون هذه مطلقة ثلاثا بل هو هناك أقوى فإن في صورة الشك في عدد الطلاق لم يتيقن تحريما يرفع النكاح والأصل بقاء الحل وفي المنسية قد تيقنا ارتفاع النكاح جملة عن إحداهما وأنها أجنبية وحصل الشك في تعيينها. قالوا ولا يصح قياس هذه الصورة على ما إذا طلق واحدة مبهمة فقال: واحدة منكن طالق جاز له أن يعينها بالقرعة لان الطلاق ههنا لم يثبت لواحدة بعينها فإذا عينتها القرعة تعينت لان الشارع جعل القرعة صالحة للتعيين منشئة له وفي مسألتنا المطلقة معينة في نفسها لا محالة والقرعة لا ترفع الطلاق عنها ولا توقعه على غيرها كما تقدم. وسر المسألة أن القرعة إنما تعمل في إنشاء التعيين الذي لم يكن لا في إظهار تعيين كائن قد نسي فهذا ما احتج به من نصر هذا القول وأما من نصر القول بالقرعة فقالوا الشارع جعل القرعة معينة في كل موضع تتساوى فيه الحقوق ولا يمكن التعيين إلا

стр. 759

بها إذ لولاها لزم أحد باطلين إما الترجيح بمجرد الاختيار والشهوة وهو باطل في تصرفات الشارع وإما التعطيل ووقف الأعيان وفي ذلك تعطيل الحقوق وتضرر المكلفين بما لا تأتي به الشريعة الكاملة بل ولا السياسة العادلة فإن الضرر الذي في تعطيل الحقوق أعظم من الضرر المقدر في القرعة بكثير ومحال أن تجيء الشريعة بالتزام أعظم الضرر لدفع أدناهما. وإذا عرف هذا فالحق إذا كان لواحد غير معين فإن القرعة تعينه فيسعد الله بها من يشاء ويكون تعيين القرعة له هو غاية ما يقدر عليه المكلف فالتعيين بها تعيين لتعلق حكم لما عينته فهي دليل من أدلة الشرع واجب العمل به وإن كان نفس الأمر بخلافه كالبينة والإقرار والنكول فإنها أدلة منصوبة من الشارع لفصل النزاع وإن كانت غير مطابقة لمتعلقها في بعض الصور فلهذا نصّب الشارع القرعة معينة للمستحق قاطعة للنزاع، وإن تعلقت بغير صاحب الحق في نفس الأمر فإن جماعة المستحقين إذا استووا في سبب الاستحقاق لم تكن القرعة ناقله لحق أحدهم ولا مبطلة له بل لما لم يمكن تعميمهم كلهم ولا حرمانهم كلهم وليس أحدهم أولى بالتعيين من الآخرين جعلت القرعة فاصلة بينهم معينة لأحدهم فكأن المقرع يقول: اللهم قد ضاق الحق عن الجميع وهم عبيدك فخص بها من تشاء منهم به ثم تلقى فيسعد الله بها من يشاء ويحكم بها على من يشاء وهذا سر القرعة في الشرع وبهذا علم بطلان قول من شبهها بالقمار الذي هو ظلم وجور وكيف يلحق غاية الممكن من العدل والمصلحة بالظلم والجور هذا من أفسد القياس وأظهره بطلانا وهو كقياس البيع على الربا فإن الشريعة فرقت بين القرعة والقمار كما فرقت بين الربا والبيع فأحل الله البيع وحرم الربا وأحل الشارع القرعة وحرم القمار وقد قال تعالى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ وقال تعالى -إخبارا عن ذي النور-: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ . وقد احتج الأئمة بشرع من قبلنا جاء ذلك منصوصا عنهم في مواضع وقد ثبت عن النبي ﷺ "أنه كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن

стр. 760

خرج سهمها خرج بها معه" وثبت عنه في الصحيح أيضا " أن رجلا أعتق ستة مملوكين لا مال له سواهم فجزأهم النبي ﷺ أجزاء وضرب عليهم بسهمي رق وسهم حربة فأعتق اثنين وأرق أربعة ". وكل ما ذكروه في الطلاق فهو منتقض عليهم بهذه الصورة بل القرعة في الطلاق أولى لأن القرعة ههنا إنما هي لجمع الحرية في بعضهم وقد كان في الممكن أن يعتق من كل واحد سدسه وليستسعى في بقية نفسه كما يقول أبو حنيفة أو يترك رقيقا ومع هذا فاقرع بينهم لجمع الحرية في اثنين منهم وعين بها عبدين من الستة مع تشوفه إلى العتق وحكمه به في السراية في ملكه وملك شريكه فما الظن بالطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله ورسوله ولأنا لو لم نستعمل القرعة في المنسية لزم احد محذورين: إما إيقاع الطلاق على الأربع إذ أنسيت بينهن وهذا باطل لأنه يتضمن تحريم من لم يطلقها ولا حرمها الله عليه، وأما أن يعطل أنتفاعه بهن ويتركهن معلقات أبدا إلى الممات ومع هذا نوجب عليه نفقتهن وكسوتهن وإسكانهن ونقول لا يحل لك قربان واحدة منهن وعليك القيام بجميع حقوقهن فهذا لو جاء به الشارع لقوبل بالسمع والطاعة ولكن حكمة شرعه ورحمته تأبياه ولا شاهد له يرد إليه ويعتبر به، وأما القول بالقرعة فقد ذكرنا من أصول شرعه ما يدل عليه وأنه أولى الأقوال في المسألة. وقد روى البخاري في صحيحه " أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف". وفي السنن والمسند عن أبي هريرة "أن رجلين تداعيا في دابة ليس لواحد منهما بينة فأمرهما رسول الله ﷺ أن يستهما على اليمين أحبا أو كرها". وفي المسند والسنن أيضا أن النبي ﷺ قال: "إذا كره الاثنان اليمين أو استحباها فليستهما عليها ". وفي السنن عن أم سلمة أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست ليس بينهما بينه فقال: " إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له

стр. 761

قطعة من النار يأتي بها أسطاما في عنقه يوم القيامة " فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي فقال رسول الله ﷺ : "إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما عليه ثم ليتحلل كل منكما صاحبه". وأقرع سعد يوم القادسية بين المؤذنين فهذه قرعة في الحضانة وفي تخفيف السفينة وفي السفر بالزوجة والبداءة بها في القسم وفي الحلف على الحق وفي تعيين الحق المتنازع فيه وفي الأذان وفي العتق وجمع الحرية وتكميلها في رقبة كاملة. وصح عن علي ﵁ "أنه سئل عن رجل له أربع نسوة طلق إحداهن ونكح ثم مات لا يدري الشهود أيتهن طلق؟ فقال: أقرع بين الأربع وأنذر منهن واحدة وأقسم بينهن الميراث" فهذه قرعة يدري الشهود فهذه قرعة إما في الطلاق وإما في الاستحقاق للمال وأياً ما كان فالموانع التي ذكروها في الطلاق بعينها قائمة في استحقاق المال سواء بسواء فأيّ فرق بين تحريم مال أحله الله تعالى وبين تحريم فرج أحله الله فإن كانت القرعة تتضمن أحد الفسادين فهي متضمنة للآخر قطعا وإن لم تتضمن الآخر لم تتضمن ذلك، وقولكم المال فهي أسهل لا ينفعكم في دفع هذا الإلزام والله أعلم. قالوا: ونحن نجيب عن كلماتكم: أما قولكم اشتبهت عليه زوجته بأجنبية فلم يحل المشتبه بالقرعة كما لو اشتبهت قبل العقد أخته بأجنبية فجوابه: أن الأصل قبل العقد التحريم وقد شككنا في دفعة والأصل بقاؤه فمنعنا ثم أصل مستصحب لا يجوز تركه إلا بسبب يزيله ولا كذلك في مسألتنا إذ ثبت الحل قطعا فنحن إذا أخرجنا المطلقة بالقرعة بقيت الأخرى على الحل المستصحب قبل الطلاق وقد شككنا في إصابة الطلاق لها فنتمسك بالأصل حتى يثبت ما يزيله وهذا واضح، وقد اتفق على هذا الأصل أعنى استصحاب ما ثبت حتى ثبت رفعه. وأما قولكم القرعة لا تزيل التحريم من المطلقة ولا ترفع الطلاق عمن وقع عليه ولا تزيل احتمال كون المطلقة غير التي وقع عليها القرعة فجوابه أنه منقوض بالعتق وما كان جوابكم عن العتق فهو جوابنا بعينه ومنقوض بالقرعة في الملك المطلق فحق المالك في ملك المال كحقه في ملك

стр. 762

البضع والعتق بالقرعة متضمن إرقاق رقبة من ثبت له الحرية وسقوط الحج والجهاد عنه وثبوت أحكام العبيد له على تقدير كونه هو المعتق في نفس الأمر وإن كانت امة يضمن إباحة فرجها لغير مالكها ومع هذا فالقرعة معينة للمعتق فتعينها للمطلقة كذلك أولى. وجواب آخر وهو أن القرعة لم تزل تحريما ثابتا في المطلقة وإنما عينت حكما لم يكن لنا سبيل إلى تعيينه إلا بالقرعة واحتمال كون غير التي خرجت لها القرعة هي المطلقة في نفس الأمر كما لم يكلفنا به الشارع لتعذر الوصول إلى علمه فنزل منزلة المعدوم وهذا كما أن احتمال كون غير الأمة التي خرجت لها القرعة هي الحرة في نفس الأمر ساقطا عنا لتعذر علمنا به فتنزل منزل المعدوم وكذلك كون مالك المال الضائع موجودا في نفس الأمر لا يمتنع من نقله عنه إلى الملتقط بعد حول التعريف لتعذر معرفته فنزل منزلة المعدوم وكذلك حكم الصحابة عمر وغيره في المفقود تتزوج امرأته وإن كان باقيا حيا على وجه الأرض وقد أبيح فرج زوجته لغيره من غير طلاق منه ولا وفاة لتعذر معرفته فنزل في منزلة المعدوم. قولكم لو ارتفع التحريم بالقرعة لما عاد إذا ذكرها قلنا ارتفاع التحريم مشروط باستمرار النيسان وإذا زال النسيان زال شرط الارتفاع والقرعة إنما صرنا إليها للضرورة ولا ضرورة مع التذكر. قولكم القرعة لا يؤمن وقوعها على غير المطلقة وعدولها عن المطلقة وذلك يتضمن مفسدتين إلى آخره. قلنا منقوض بالعتق وبالملك المطلق وأيضا لما كان ذلك مجهولا معجوزا عن علمه نزل منزلة المعدوم ولم يضر كون المستحق في نفس الأمر غير المستحق بالقرعة كما قدمنا من النظائر فلسنا مؤاخذين بما في نفس الأمر ما لم نعلم به وهذه قاعدة من قواعد الشرع وهي أن المؤاخذة وترتب الأحكام على المكلف إنما هي على علمه لا على ما في نفس الأمر إذا لم يعلمه وعليها جل الشريعة في الطهارات والنجاسات والمعاملات والمناكحات والأحكام والشهادات فإن الشاهد إذا عرف أن لزيد قبل عمرو حقا وجب عليه أن يشهد به وإن كان قد برىء إليه

стр. 763

منه ويحكم به الحاكم فالشريعة غير منكر فيها ذلك وهل تتم مصالح العباد إلا بذلك. قولكم لو حلف لا يأكل تمرة ولا يكلم إنسانا ثم اختلط المحلوف عليه بغيره لم يخرج بالقرعة فيقال هذه المسألة ليست منصوصا عليها ولا يعلم فيها إجماع البتة فإن كانت مثل مسألتنا سواء فالصواب التسوية بينهما وإن كان بينهما فرق بطل الإلحاق فبطل الإلزام بها على التقديرين نعم غاية ما يفيدكم إلزام الفرق بينهما وإن كان بينهما فرق بطل التقديران بالتناقض وأنه يجب عليه التسوية بينهما في الحكم وهذا ليس بدليل يثبت لكم حكم المسألة إذ منازعكم يقول تناقض في الفرق بين المسألتين ليس بدليل على صحة ما ذهبتم إليه فإن كان التفريق باطلا جاز أن يكون الباطل في عدم القول بالقرعة في مسألة الإلزام ولا يتعين أن يكون الباطل القول بها في المسألة المتنازع فيها فهذا جواب إجمالي كاف فكيف والفرق بينهما في غاية الظهور فإنه إذا حلف لا يأكل تمرة بعينها ثم وقعت في تمر فأكل منه واحدة فإنه لا يحنث حتى يأكل الجميع أو ما يعلم به أنه أكلها وما لم يتيقن أكلها لم يتيقن حنثه فلا حاجة إلى القرعة. وكذلك مسألة كلام رجل بعينه فإن قيل فهل يأمرونه بالإقدام على الأكل مع الاختلاط؟ قيل الورع أن لا يقدم على الأكل فإن أكل لم يحنث حتى يتيقن أكله لها. قولكم لا سلف بالقرعة في هذه الصورة فيقال سبحان الله تعالى وأي سلف معكم يوقف الرجل عن جميع زوجاته وجعلهن معلقات لا مزوجات ولا مطلقات إلى الموت مع وجوب نفقتهن وكسوتهن وسكناهن عليه وينبغي أن يعلم أن القول الذي لا سلف به الذي يجب إنكاره أن المسألة وقعت في زمن السلف فأفتوا فيها بقول أو أكثر من قول فجاء بعض الخلف فأفتى فيها بقول لم يقله فيها احد منهم فهذا هو منكر فأما إذا لم تكن الحادثة قد وقعت بينهم وإنما وقعت بعدهم فإذا أفتى المتأخرون فيها بقول لا يحفظ عن السلف لم يقل أنه لا سلف لكم في المسألة اللهم إلا أن يفتوا في نظيرها سواء بخلاف ما أفتى به المتأخرون فيقال حينئذ أنه لا سلف لكم بهذه الفتوى

стр. 764

وليس هذا موضع بسط الكلام في هذا الموضع فإنه يستدعي تحريرا أكثر من هذا. وأما قولكم لو حلف لا يأكل تمرة قد وقعت في تمر فأكل منه واحدة فإن الخرقي يحرم عليه امرأته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت عليها اليمين مع أن الأصل بقاء النكاح فهنا أولى. قلت: الخرقي لم يصرح بالتحريم بل أفتى بأنه لا يقرب زوجته حتى يتبين الحال وهذا لا ينهض للتحريم ولفظ الخرقي في مختصره هذا وإذا حلف بالطلاق أن لا يأكل تمرة فوقعت في تمر فإن أكل منه واحدة منع من وطء زوجته حتى يعلم أنها ليست التي وقعت عليها اليمين ولا يتحقق حنثه حتى يأكل التمر كله هذا لفظه وآخر كلامه يدل على أن منعه من وطئها إنما هو على سبيل الورع فإنه لا يحرمها عليه بحنث مشكوك فيه وهذا ظاهر. وأما مسألة من طلق ولم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا فالاحتجاج بها في غاية الضعف وكذلك الإلزام بها فإن الخرقي بناها على كون الرجعية محرمة ولهذا صرح في المختصر بذلك في تعليل المسألة فقال: "وإذا طلق فلم يدر أواحدة طلق أم ثلاثا اعتزلها وعليه نفقتها ما دامت في العدة فإن راجعها في العدة لم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق لأنه متيقن للتحريم شاك في التحليل" فالخرقي يقول هذا قد تيقن وقوع الطلاق وشك هل الرجعة رافعة له أم لا وغيره ينازعه في إحدى المقدمتين ويستفصل في الأخرى فيقول: لا نسلم أن الرجعية محرمة فلم يتيقن تحريما البتة وعلى تقدير أن تكون محرمة فالتحريم المتيقن أي تحريم يعنون به تحريما تزيله الرجعة أو تحريما لا تزيله الأول مسلم ولا يفيدكم شيئا والثاني ممنوع وعلى التقديرين فلا حجة لكم في هذه المسألة ولا إلزام فإنها ليست منصوصة ولا متفق عليها ولا ملزمة أيضا فإنه بناها على أصله من كون الرجعية محرمة فقد تيقن تحريمها وشك في رفع هذا التحريم بالرجعة ولا كذلك فيمن خرجت على سواها فإنه لم يتيقن تحريمها وإزالة التحريم بالقرعة فافترقا. وأما قولكم لا يصح قياسها على ما إذا طلق واحدة مبهمة حيث يعينها بالقرعة لأن الطلاق لم يثبت لواحدة بعينها

стр. 765

فتعيينها بالقرعة بخلاف المنسية. قلت: لا ريب أن بين المسألتين فرقا ولكن الشأن في تأثيره ومنعه من إلحاق إحداهما بالآخرى فإن صح تأثير الفرق بطل هذا الدليل المعين ولا يلزم من بطلان دليل معين بطلان الحكم إلا أن لا يكون لهم دليل سواه ونحن لم نحتج بهذا الدليل أصلا حتى يلزم بطلان ما ذكرناه وإن بطل تأثير الفرق وجب إلحاق إحدى الصورتين بالآخرى ونحن نبين بحمد الله أن هذا الفرق ملغى فنقول: إذا قال لنسائه إحداكن طالق فإما أن ينفذ الطلاق على واحدة منهن عقب إيقاعه أو لا يقع إلا بتعيينه والثاني باطل لأن التعيين ليس بسبب صالح للتطليق فلا يصح أضافه الطلاق إليه فيتعين أن الطلاق استند إلى واحدة في إيقاعه أولا فقد وقع بواحدة منهن ولا بد والأقوال هنا ثلاثة: أحدها: أنه يملك تعيين المطلقة فيمن شاء وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة. القول الثاني: أنه تطلق عليه الجميع وهذا قول مالك ومن وافقه. القول الثالث: أنه يخرج المطلقة بالقرعة وهذا مذهب أحمد وهو قول علي وابن عباس ولا يعرف لهما مخالف في الصحابة وبه قال الحسن البصري وأبو ثور وغيرهما وهو الصحيح من الأقوال فإن طلاق الأربع مع كون اللفظ غير صالح له والإرادة غير متناوله له مخالفة للأصول وإيقاع الطلاق من غير سببه وقد تقدم الكلام على مأخذ هذا القول وما فيه فلا نعيده وعلى هذا القول فلا قرعة ولا تعيين وإنما الكلام على قولي القرعة والتعيين فنقول: القول بالقرعة أصح وإذا كان القول بها أصح في هذه المسألة فالقول بها في مسألة المنسية أولى فهذان مقامان بهما يتم الكلام في المسألة فأما المقام الأول فيدل عليه أن القرعة قد ثبت لها اعتبار في الشرع كما قدمناه وهي أقرب إلى العدل وأطيب للقلوب وأبعد عن تهمة الغرض والميل بالهوى إذ لولاها لزم أحد الأمرين إما الترجيح بالميل والغرض وإما التوقف وتعطيل الانتفاع وفي كل منهما من الضرر ما لا خفاء به فكانت القرعة من محاسن هذه الشريعة وكمالها وعموم مصالحها. وأما تعيين

стр. 766

المطلقة بعد إبهامها وانتظار ما يعينه النصيب والقسمة التي لا تتطرق إليها تهمة ولا ظن فليس ذلك إلى المكلف بل إليه إنشاء الطلاق ابتداء في واحدة منهن وأما أن يكون إليه تعيين من جعل طريق تعيينه خارجا عن مقدوره وموكولا إلى ما يأتي به القدر ويخرجه النصيب المقسوم المغيب عن العباد فكلا. وسر المسألة أن العبد له التعيين ابتداء وأما تعيين ما أبهمه أولا فلم يجعل إليه ولا ملكه الشارع إياه والفرق بينهما أن التعيين الابتدائي تعلق به إرادته وباشره بسبب الحكم فتعين بتعيينه وبمباشرته بالسبب وأما التعيين بعد الإبهام فلم يجعل إليه لأنه لم يباشره بالسبب والسبب كان قاصرا عن تناوله معينا وإنما تناوله مبهما والمكلف كان مخيرا بين أن يوقع الحكم معينا فيتعين بتعيينه أو يوقعه مهما فيصير تعيينه إلى الشارع. وسر ذلك أن الحكم قد تعلق في المبهم بالمشترك فلا بد من حاكم منزه عن التهمة يعين ذلك المشترك في فرد من أفراده والمكلف ليس بمنزه عن التهمة فكانت القرعة هي المعينة وأما إذا عينه ابتداء فلم يتعلق الحكم بمشترك بل تعلق بما اقتضاه تعيينه وغرضه فأنفذه الشارع عليه فهذا مما يدلك على دقة فقه الصحابة ﵃ وبعد غور مداركهم ولهذا أفتى علي وابن عباس بالقرعة ولم يجعلا التعيين إليه ولا نحفظ عن صحابي خلافهما. وإذا ثبت أن القرعة في هذه الصورة راجحة على تعيين المكلف تبين بذلك تقرير المقام الثاني وهو أن القول بها في مسألة المنسية أولى لأنها إذا علمت في محل قد يعلق الحكم فيه بالمشترك وهو أحد الزوجات إذ كل واحدة منهن يصدق عليها أنها أحدها وهذا هو مأخوذ من عمم الوقوع فلأن يعمل في محل تعلق الحكم فيه ببعض أفراده أولى فإن الحكم في الأول كان صالحا لجميع الأفراد لتعلقه بالقدر المشترك ومع هذا فالقرعة قطعت هذه الصلاحية وخصتها بفرد بعينه والحكم في الثانية إنما تعلق بفرد بعينه لكنه جهل فاستفيد علمه من القرعة ولما جهل صار كالمعدوم إذ المجهول المطلق في الشريعة كالمعدوم وليس

стр. 767

لنا طريق إلى اعتباره موجودا إلا بالقرعة فإذا قطعت القرعة الحق المشترك من غير المعين فلأن يعين مجهولا لا سبيل إلى تعينها إلا بها أولى وأحرى. فإن شئت قلت إخراج المجهول أيسر من تعيين المبهم وأوسع طريقا وأقل مانعا لأن المبهم لا تثبت له حقيقة معينه بعد ولا سيما إذا كان مشتركا بين أفراد تقتضيه اقتضاء واحد فليس ثبوت التعيين لفرد أولى من ثبوته لغيره والمجهول قد ثبتت له الحقيقة أولا ثم جهلت فيكفي في الدلالة عليها أي دليل وجد وأي علامة أمكنت فإنها علامة ودليل على وجودها لا علة لأنيتها وبغير المبهم ليس دليلا محضا بل هو كالعلة لانيتها وثبوته فإذا صلحت القرعة لتعيين المبهم فلان تصلح للدلالة على المجهول بطريق الأولى ونحن لا ندعي ولا عاقل أن القرعة تجعل المخرج بها هو متعلق الحكم في نفس الأمر بل نقول إن القرعة تجعل المخرج بها متعلق الحكم ظاهرا وشرعا وهو غاية ما يقدر عليه المكلف ولم يكلفه الله علم الغيب ولا موافقة ما في نفس الأمر بل القرعة عندنا لا تزيد على البينة والنكول والأمارات الظاهرة التي هي طرق لفصل النزاع والله أعلم. فصل: وأما القاعدة الثالثة وهي قاعدة الشك ينبغي أن يعلم أنه ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه البتة وإنما يعرض الشك للمكلف بتعارض أمارتين فصاعدا عده فتصير المسألة مشكوكا فيها بالنسبة إليه فهي شكية عنده وربما تكون ظنية لغيره أوله في وقت آخر وتكون قطعيه عند آخرين فكون المسألة شكية أو ظنية أو قطعية ليس وصفا ثابتا لها بل هو أمر يعرض لها عند إضافتها إلى حكم المكلف. وإذا عرف هذا فالشك الواقع في المسائل نوعان: أحدهما: شك سببه تعارض الأدلة والأمارات كقولهم في سؤر البغل والحمار مشكوك فيه فنتوضأ ونتيمم فهذا

стр. 768

الشك لتعارض دليلي الطهارة والنجاسة وإن كان النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة فإنه لم يقم على تنجيس سؤرهما دليل وغاية ما احتج به لذلك قول النبي ﷺ في الحمر الأهلية: "إنها رجس" والرجس هو النجس وهذا لا دليل فيه لأنه إنما نهاهم عن لحومها وقال: "إنها رجس " ولا ريب أن شحومها ميتة لا تعمل الذكاة فيها فهي رجس ولكن من أين يلزم أن تكون نجسة في حياتها حتى يكون سؤرها نجسا وليس هذا موضع هذه المسألة. ومن هذا قولهم للدم الذي تراه المرأة بين الخمسين سنة إلى الستين أنه مشكوك فيه فتصوم وتصلي وتقضي فرض الصوم لتعارض دليلي الصحة والفساد وإن كان الصحيح أنه حيض ولا معارض لدليل كونه حيضا أصلا لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع ولا معقول فليس هذا مشكوكا فيه والمقصود التمثيل. القسم الثاني: الشك العارض للمكلف بسبب اشتباه أسباب الحكم عليه وخفائها لنسيانه وذهوله أو لعدم معرفته بالسبب القاطع للشك فهذا الحكم واقع كثيرا في العيان والأفعال وهو المقصود لذكر القاعدة التي تضبط أنواعه. والضابط فيه أنه إن كان للمشكوك فيه حال قبل الشك استصحبها المكلف وبني عليها حتى يتيقن الانتقال عنها هذا ضابط مسائله. فمن ذلك إذا شك في الماء هل أصابته نجاسة أم لا؟ بني علي يقين الطهارة ولو تيقن نجاسته ثم شك هل زالت أم لا؟ بنى على يقين النجاسة. الثالثة: إذا أحدث ثم شك هل توضأ أم لا؟ بنى على يقين الحدث ولو توضأ وشك في الحدث بنى على يقين الطهارة وفروع المسألة مبنية على هذا الأصل. الرابعة: إذا شك الصائم في غروب الشمس لم يجز له الفطر ولو أكل أفطر ولو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل ولو أكل لم يفطر. الخامسة: لو شك هل صلى ثلاثة أو أربعا وهو منفرد بنى على اليقين إذ الأصل بقاء الصلاة في ذمته وإن كان إماما فعلى غالب ظنه لأن المأموم ينبهه فقد عارض الأصل هنا ظهور تنبيه المأموم على الصواب، وقال الشافعي ومالك: "يبني على اليقين مطلقا لأنه الأصل". السادسة: إذا رمى صيدا فوقع في ماء فشك

стр. 769

هل كان موته بالجرح أو بالماء؟ لم يأكله لأن الأصل تحريمه وقد شك في السبب المبيح وكذلك لو خالط كلابا أخرى ولم يدر أصاده كلبه أو غيره لم يأكله لأنه لم يتيقن شروط الحل في غير كلبه كما قال النبي ﷺ : "إنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره". السابعة: إذا شك هل طاف ستا أو سبعا أو رمى ست حصيات أو سبعا؟ بنى على اليقين: الثامنة: إذا شك هل عم الماء بدنه وهو جنب أم لا؟ لزمه يقين تعميمه ما لم يكن ذلك وسواسا. التاسعة: إذا اشترى ثوبا جديدا أو لبيسا وشك هل هو طاهر أو نجس؟ فيبني الأمر على الطهارة ولم يلزمه غسله. العاشرة: إذا أصابه بلل ولم يدر ما هو؟ لم يجب عليه أن يبحث عنه ولا يسأل من أصابه به ولو سأله لم يجب عليه أجابته على الصحيح وعلى هذا لو أصاب ذيله رطوبة بالليل أو بالنهار لم يجب عليه شمها ولا تعرفها فإذا تيقنها عمل بموجب يقينهز الحادية عشر: إذا كان عليه حق لله من صلاة أو زكاة أو كفارة أو عتق أو صيام وشك هل أتى به أم لا؟ لزمه الإتيان به. الثانية عشرة: إذا شك هل مات مورثه فيحل له ماله أو لم يمت؟ لم يحل له المال حتى يتيقن موته. الثالثة عشرة: إذا شك في الشاهد هل هو عدل أو لا؟ لم يحكم بشهادته لأن الغالب في الناس عدم العدالة. وقول من قال: "الأصل في الناس العدالة" كلام مستدرك بل العدالة طارئة متجددة والأصل عدمها فإن خلاف العدالة مستنده جهل الإنسان وظلمه والإنسان خلق جهولا ظلوما فالمؤمن يكمل بالعلم والعدل وهما جماع الخير وغيره يبقى على الأصل أي فليس الأصل في الناس العدالة ولا الغالب. الرابعة عشرة: إذا شك هل صلى ثلاثا أو أربعا؟ بنى علي اليقين وألغى المشكوك فيه واستثنى من هذا موضعين: أحدهما: أن يقع الشك بعد الفراغ من الصلاة لم يلتفت إليه. الثاني: أن يكون إماما فيبني على غالب ظنه. فأما الموضع الأول فهو مبني على قاعدة الشك في العبادة بعد الفراغ منها فإنه لا يؤثر شيئا وفي الوضوء خلاف فمن ألحقه بهذه القاعدة نظر إلى أنه قد انقضى بالفراغ منه ومن نظر إلى بقاء حكمه

стр. 770

وعمله وأنه لم يفعل المقصود به ألحقه بالشك في العبادة قبل انقطاعها والفراغ منها. وأما الموضع الثاني فإنما استثنى لظهور قطع الشك والرجوع إلى الصواب بتنبيه المأموم له فسكوتهم وإقرارهم دليل على الصواب هذا ظاهر المذهب عند الإمام أحمد. ومذهب الشافعي أنه يبني على اليقين مطلقا إماما كان أو منفردا ولا يلتفت إلى قول غيره. ومذهب مالك أنه يبنى على اليقين إلا أن يكون مستنكحا بالشك فلا يلتفت إليه ويلهي عنه فإن لم يمكنه أن يلهي عنه بنى على خواطره. ومذهب أبي حنيفة أنه إن عرض له ذلك في أول صلاته أعادها وإن عرض له فيما بعدها بنى على اليقين. الخامسة عشرة: إذا شك هل دخل وقت الصلاة أو لا؟ لم يصل حتى يتيقن دخوله فإن صلى مع الشك ثم بان له أنه صلى في الوقت فقد قالوا إنه يعيد صلاته، وعلى هذا إذا صلى وهو يشك هل هو محدث أو متطهر ثم تيقن أنه كان متطهرا؟ فإنه يعيدها أيضا، وكذلك إذا صلى إلى جهة وشك هل هي القبلة أو غيرها ثم تبين لها أنها جهة القبلة ولا كذلك إذ شك في طهارة الثوب والبدن والمكان فصلى فيه ثم تيقن أن ذلك كان طاهرا لأن الأصل هنا الطهارة وقد تيقنه آخرا فتوسط الشك بين الأصل واليقين لا يؤثر بخلاف المسائل الأولى لأن الأصل فيها عدم الشك فالشك فيها مستند إلى أصل يوجب عليه حكما لم يأت به. والذي يقتضيه أصول الشرع وقواعد الفقه في ذلك هو التفرقة بين المعذور والقادر فالمعذور لا يجب عليه الإعادة إذا لم ينسب إلى تفريط وقد فعل ما أداه إليه اجتهاده وأصاب فهو كالمجتهد المصيب. وعلى هذا فإذا تحرى الأسير وفعل جهده وصام شهرا يظنه رمضان وهو يشك فيه فبان رمضان أو ما بعده أجزأه مع كونه شاكا فيه، وكذلك المصلي إذا كان معذورا محتاجا إلى تعجيل الصلاة في أول الوقت إما لسفر لا يمكنه النزول في الوقت ولا الوقوف أو لمرض يغمى عليه فيه أو لغير ذلك من الأعذار فتحرى الوقت وصلى فيه مع شكه ثم تبين له أنه أوقع الصلاة في الوقت لم يجب عليه الإعادة بل الذي يقوم عليه الدليل في مسألة الأسير أنه

стр. 771

لو وافق شعبان لم يجب عليه الإعادة وهو قول الشافعي لأنه فعل مقدوره ومأموره والواجب على مثله صوم شهر يظنه من رمضان وإن لم يكنه والفرق بين الواجب على القادر المتمكن والعاجز. فإن قيل فما تقولون في مسألة الصلاة إذا بان أنه صلاها قبل الوقت؟ قيل: الفرق بين المسألتين أن الصوم قابل لإيقاعه في غير الوقت للعذر كالمريض أو المسافر والمرضع والحبلى فإن هؤلاء يسوغ لهم تأخيره ونقله إلى زمن آخر نظرا لمصلحتهم ولم يسوغ لأحد منهم تأخير الصلاة عن وقتها البتة. فإن قيل فقد يسوغ تأخيرها للمسافر والمريض والممطور من وقت إحداهما إلى وقت الأخرى قيل: ليس بتأخير من وقت إلى وقت وإنما جعل الشارع وقت العبادتين في حق المعذور وقتا واحدا فهو يصلي الصلاة في وقتها المشروع الذي جعله الشارع وقتا لها بالنسبة إلى أهل الأعذار فهو كالنائم والناسي إذا استيقظ وذكر فإنه يصلي الصلاة حينئذ لكون ذلك وقتها بالنسبة إليهما وإن لم يكن وقتا بالنسبة إلى الذاكر المستيقظ على أن للشافعي قولين في المسألتين والله أعلم. فصل: مدح العلماء العاملين ابن عيينة عن محمد بن المنكدر قال: "إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم". وقال سهل بن عبد الله: "من أراد أن ينظر إلى محاسن الأنبياء فلينظر إلى محاسن العلماء يجيء الرجل فيقول: يا فلان إيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا فيقول: طلقت امرأته وهذا مقام للأنبياء فاعرفوا لهم ذلك". قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ يسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى

стр. 772

هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا". وقال ابن مسعود: "من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون"، عن ابن عباس ﵄. وقال حصين الأسدي: "إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر"، وعن الحسن والشعبي مثله. وقال الحاكم: سمعت أبا عبد الله الصفار يقول: سمعت عبد الله ابن أحمد يقول: سمعت أبي: يقول سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك ابن أنس يقول: سمعت محمد بن عجلان يقول: "إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله" وروى ذلك بنحوه عن ابن عباس. وذكر أبو عمر عن القاسم بن محمد أنه جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: "لا أحسنه فجعل الرجل يقول إني دفعت إليك لا أعرف غيرك فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي والله لا أحسنه فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيت في مجلس أبيك مثل اليوم فقال القاسم: والله لئن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا أعلم". وذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما". وكان مالك بن أنس يقول: "من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار وكيف يكون خلاصه في الآخرة". سئل عن مسألة فقال: "لا أدري" فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة فغضب وقال: "ليس في العلم شيء خفيف ألم تسمع قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ فالعلم كله ثقيل وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة. وقال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحدهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه مع ما رزقوا من السداد والتوفيق مع الطهارة فكيف بنا الذين غطت الخطايا والذنوب قلوبنا". وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك يسأله عن شيء أياما ما يجيبه فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أريد الخروج وقد طال التردد إليك فأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال:

стр. 773

"ما شاء الله يا هذا إني إنما أتكلم فيما أحتسب فيه الخير ولست أحسن مسألتك هذه". وسئل الشافعي عن مسألة فسكت فقيل له ألا تجيب يرحمك الله؟ فقال: "حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب". وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتى فتيا ولا يقول شيئا إلا قال: "اللهم سلمني وسلم مني". وقال سحنون: "أشقى الناس من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره؛ فقال: تفكرت فيه وجدته المفتى يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقته فيقول له: لا شيء عليك فيذهب الحانث فيستمتع بامراته ورقيقته وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا". وجاء رجل إلى سحنون يسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام فقال: مسألتي أصلحك الله اليوم ثلاثة أيام؟ فقال له: "وما أصنع بمسألتك مسألتك معضلة وفيها أقاويل وأنا متحير في ذلك فقال: وأنت أصلحك الله لكل معضلة؟ فقال سحنون: هيهات يا ابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لحمي ودمي للنار وما أكثر ما لا أعرف إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامض تجاب في مسألتك في ساعة فقال: إنما جئت إليك ولا استفتي غيرك قال: فاصبر ثم أجابه بعد ذلك". وقيل له: إنك تسأل عن المسألة لو سئل عنها أحد من أصحابك لأجاب فيها فتتوقف فيها؟ فقال: "إن فتنة الجواب بالصواب أشد من فتنه المال". وقال بعض العلماء: "قلّ من حرص على الفتوى وسابق إليها وثابر عليها إلاّ قلّ توفيقه واضطرب في أمره وإن كان كارها لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره كانت المعونة له من الله أكثر والصلاح في جوابه وفتاويه أغلب". وقال بشر الحافي: "من أحب أن يسأل فليس بأهل أن يسأل". وذكر أبو عمر عن مالك "أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي فقال: ما يبكيك أمصيبة دخلت عليك وارتاع لبكائه؟ فقال: "لا ولكن استفتي من لا علم له وظهر في الإسلام أمر عظيم". قال ربيعة: "ولبعض من يفتى ههنا أحق بالحبس من السراق".

стр. 774

ومن مسائل إسحاق الكوسج لأحمد: قلت: يتوضأ الرجل في المسجد؟ قال: "فعل ذلك قوم إسحاق هو حسن ما لم يستنج فيه". قلت: إذا عطس الرجل يوم الجمعة؟ قال: "لا تشمته". قلت: يقاتل اللص؟ قال: "إذا كان مقبلا فقاتله وإذا ولى لا تقاتل". قال إسحاق: "كما قال ويناشده في الإقبال ثلاثا فإن أبي وإلا يقاتله". قلت: "الضالة المكتومة؟ قال: "الذي يكتمها إذا زالت القطع فغرامة مثلها عليه". قال إسحاق: "كما قال سنة مسنونة". قلت: سئل سفيان عن صبي افتض صبية؟ قال: "لها مهر مثلها في ماله"، قال أحمد: "يكون على عاقلته إذا بلغ الثلث"، قال إسحاق: "كما قال سفيان في ماله". قلت: قال سفيان: "استفتي يوسف بن عمر بن أبي ليلى في هذه فقال: لها مهر مثلها في ماله"، قال أحمد: "لا بل على عاقلته"، قال إسحاق: "كما قال ابن أبي ليلى". قلت: كأنه أراد والله أعلم أرش البكارة فسماه مهرا أو يقال أن استيفاء هذه المتعة منه تجري مجرى جنايته عليها فإذا أوجبت مالا كان على من يحمل جنايته ولا ريب أن الوطء يجرى مجرى الجناية إذ لا بد فيه من عفو أو عقوبة وجناية الصبي على النفوس والأعضاء والمنافع على عاقلته وهذه جناية على منفعة الصبية فتكون على عاقلته وهذا أصوب الاحتمالين ولم أر أصحابنا تعرضوا لهذا النص ولا وجّهوه. قلت: أيقطع في الطير؟ قال: "لا يقطع في الطير" قال إسحاق: "كما قال". قلت: لعله أراد به الطير إذا تفلت من قفصه فصاده وهو خلاف ظاهر كلامه إذ يقال الطير لا تستقر عليه اليد ولا يثبت في الحرز ولا سيما إذا اعتاد الخروج والمجيء كالحمام. وأجود من هذين المأخذين أن يقال إذا أخذه فهو بمنزلة من فتح القفص عنه حتى ذهب ثم صاده من الهواء فإن ملك صاحبه عليه في الحالين واحد وهو لو تفلت من قفصه ثم جاء إلى دار إنسان فأخذه لم يقطع ولو صاده من الهواء لم يقطع فكذلك إذا فتح قفصه وأخذه منه، والقاضي تأول هذا النص على الكير غير المملوك ولا يخفى فساد هذا التأويل والذي عندي فيه أن أحمد ذهب إلى قول

стр. 775

أبي يوسف في ذلك والله أعلم. قلت: رجل زوج جاريته ثم وقع عليها؟ قال أحمد: "أما الرجم فادرأ عنه لكن أضربه الحد محصنا كان أو غير محصن" قال إسحاق: "كما قال يجلد مائة جلدة نكالا كما قال عمر". قلت لعله سمى التعزير حدا وبلغ به مائة أو لما سقط عنه الرجم حده حد الزاني غير المحصن. قلت: سئل سفيان عن رجل قال لرجل ما كان فلان ليلد مثلك؟ قال: "ما أرى في هذا شيئا" فقال أحمد: "هو تعريض شديد فيه الحد" قلت: سئل سفيان عن رجل قال لرجل أنت أكثر زنا من فلان وقد ضرب فلان في الزنا؟ قال: "ما أرى الحد بينا أرى أن يعزر" قال أحمد: "هذا تعريض يضرب الحد" قال إسحاق: "كما قال أحمد فقد نص على وجوب الحد بالتعريض وهو الصواب بلا ريب فإنه أنكى وأوجع من التصريح وهو ثابت عن عمر" قلت: قال سفيان: "من رمى الجمرتين ولم يقم عندهما فليذبح شاة أو ليتصدق بصاع" قال أحمد: "لا أعلم عليه شيئا ويتقرب إلى الله تعالى بما شاء وقد أساء. قال إسحاق: "كما قال أحمد". قلت: الحائك يدفع إليه ثوبا على الثلث والربع؟ قال: "كل شيء من هذا الغزل والدار والدابة وكل شيء يدفع إلى الرجل يعمل فيه على الثلث والربع فعلى قصة خيبر" قال إسحاق: "كما قال أحمد" قلت: من بنى في فناء قوم بإذنهم أو بغير إذنهم؟ قال: "إذا كان بإذنهم فله عليهم نفقته وإن كان بغير إذنهم قلع بناءه وأحب إلىّ إذا كان البناء ينتفع به هنا أن يعطيه النفقة ولا يقلع بناءه"، قال إسحاق: "كما قال سواء" قلت: رجل ضل بعير له أعجف فوجده في يد رجل قد أنفق عليه حتى سمن؟ قال: "هو بعيره يأخذه من أمر هذا أن يأخذه قال النبي ﷺ : "دعها فإن معها حذاءها وسقاءها"، قال إسحق: "إذا كان أخذه في دار مضيعة فأنفق عليه ليرده إلى الأول ويأخذ النفقة كان له ذلك". قلت: ولا يناقض هذا قاعدته فيمن أدى عن غيره واجبا بغير إذنه أنه يرجع عليه لأن هذا متعد بأخذ البعير حيث نهاه الشارع عن أخذه والله تعالى أعلم.
следующие страницы →