Полный текст (992 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
غيره وإن لم تبلغ المشقة إلى حد إباحة الإفطار لم يبح في حقه ولا حق غيره".
قال أحمد في رواية ابن ماهان: "لا بأس للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده فإن رجع السيد فليس له أن يرجع إذا أذن له مرة وتسرى" فتأوله القاضي قال: "يحتمل أنه أراد بالتسري ههنا التزويج وسماه تسريا مجازا ويكون للسيد الرجوع فيما ملكه عبده وهذا نظير تأويل الشيخ أبي محمد النكاح بالتسري في مسألة تزويج عبده بأمته".
وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد وحرب ليس للسيد أن يأخذ سرية العبد إذا أذن له في التسري فإن تسري بغير إذنه أخذها منه وإذا باع العبد وله سرية فهي لسيده ولا يفرق بينهما لانها بمنزلة المرأة" انتهى كلامه.
وهذا يرد قول الأصحاب إن التسري مبني على الملك وأنه إذا لم يملك لم يتسر ويرد قولهم إن للسيد انتزاع سريته منه ويرد قولهم إنه إذا باعه رجعت السرية إلى سيده ولا يطأها العبد.
قال أحمد في رواية ابن هانىء وحرب ويعقوب بن لحيان: "إذا زوج عبده من أمته ثم أعتقها لا يجوز أن يجتمعا حتى يجدد النكاح" فاستشكل معنى هذه الرواية فقال وعن أحمد: "إن عتقا معا انفسخ النكاح" ومعناه والله أعلم أنه إذا وهب لعبده سرية أو اشترى له سرية وأذن له في التسري بها ثم أعتقها جميعا صارا حرين وخرجت من ملك العبد فلم يكن له إصابتها إلا بنكاح جديد هكذا روى جماعة من أصحابه فيمن وهب لعبده السرية أو اشترى له سرية ثم أعتقها لا يقربها إلا بنكاح جديد واحتج على ذلك بما روى نافع عن ابن عمر أن عبدا له كان له سريتان فأعتقهما فنهاه أن يقربهما إلا بنكاح جديد.
قلت: وهذا تأويل بعيد جدا من لفظ أحمد فإن هؤلاء الثلاثة إنما رووا المسألة عنه بلفظ واحد وهو أنه زوج عبده أمته ثم قوله حتى يجدد النكاح مع قوله زوج صريح في أنه نكاح لا تسر وعنه في هذه المسألة ثلاث روايات هذه إحداهن والثانية لهما الخيار نص عليه في رواية الأثرم والثالثة أنهما على نكاحهما نص عليه في رواية محمد بن حبيب وحكاه أبو بكر في زاد المسافر ثلاث روايات منصوصات
стр. 877
في مسألة التزويج وللبطلان وجه دقيق وهو أنه إنما زوجها بحكم ملكه لهما وقد زال ملكه بخلاف تزويجها بعبد غيره وبين المسألتين فرق ولهذا في وجوب المهر في هذه المسألة نزاع فقيل لا يجب بحال وقيل يجب ويسقط والمنصوص إنه يجب ويتبع به بعد العتق بخلاف تزويجها بعبد الغير والله أعلم.
قوله في المقنع: "وإن باعه السلعة برقمها أو بألف دينار ذهبا وفضة أو بما ينقطع به السعر أو بما باع به فلان أو بدينار مطلق وفي البلد نقود لم يصح أما الرقم فقد نص علي صحة البيع به فقال حرب سألت أحمد عن بيع الرقم فلم ير به بأسا وأما البيع بالسعر فقد اختلفت الرواية عنه فيه فقال في رواية ابن منصور في الرجل يأخذ من الرجل السلعة يقول أخذتها منك على سعر ما تبيع لم يجز ذلك. وحكى شيخنا عنه الجواز نصا وأما البيع بدينار مطلق وفي البلد نقود فقال في رواية الأثرم في رجل باع ثوبا بكذا وكذا درهما أو أكثرى دابة بكذا وكذا واختلفا في النقد فقال له نقد الناس بينهم قيل له نقد الناس بينهم مختلف قال له قال ابن عقيل: "فظاهر هذا جواز البيع بثمن مطلق مع كون النقود مختلفة وإنما يكون لهم أدناها" وقال الأثرم: "باب الرجل يأخذ من الرجل المتاع ولا يقاطعه على سعره سئل أبو عبد الله عن الرجل يأخذ من البقال الأوقية من كذا والرطل من كذا ثم يحاسبه أيجوز له أن يقول اكتب ثمنه علي ولا يعطيه على المكان قال: "أرجو أن يجوز لأنه ساعة أخذه إنما أخذه على معنى الشراء ليس على معنى السلف إنما يكره إذا كان على معنى السلف فإذا قاطعه بقيمته يوم أخذه" قيل له فإن لم يدرك قيمته يوم أخذه؟ قال: "يتحرى ذلك" وسألته مرة أخرى فقلت: رجل أخذ رطلا من كذا ومن كذا ولم يقاطعه على سعره ولم يعطه ثمنا أيجوز هذا؟ قال: "ليس على معنى البيع أخذه؟ قلت: بلى قال: فلا بأس ولكنه إذا حاسبه أعطاه على السعر يوم أخذه لا يوم حاسبه".
قال إسحاق بن هانىء: سألت أبا عبد الله عن رجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: "لا يتزوجها حتى يعلم أنها قد تابت لأنه لا يدري لعلها تعلق عليه ولدا
стр. 878
من غيره قلت: وما علمه أنها قد تابت؟ قال: يريدها على ما كان أرادها عليه فإن امتنعت فهي تائبة".
قلت: وهذا التفاوت من أحمد إلى القرائن ودلائل الحال وجواز إيهام غير الحق قولا وفعلا ليعلم به الحق وهذه اقتداء بنبي الله سليمان بن داود حيث قال في الحكومة بين المرأتين في الصبي: "ائتوني بالسكين أشقه بينكما" ومن تراجم النسائي على حديثه هذا التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعل ليستبين به الحق وهذا الذي قاله أحمد اتبع فيه ابن عمر فإنه قال يريدها على نفسها فإن طاوعته لم تتب وإن أبت فقد تابت وأنكر الشيخ في المغنى هذا جدا وقال: "لا ينبغي لمسلم أن يدعوا امرأة إلى الزنا ويطلبه منها ولأن طلبه ذلك إنما يكون في خلوة ولا تحل الخلوة بأجنبية ولو كان في تعليمها القرآن فكيف يحل في مراودتها على الزنا ثم لا يأمن إن أجابته إلى ذلك أن يعود إلى المعصية فلا يحل التعرض بمثل هذا ولأن التوبة من سائر الذنوب بالنسبة إلى سائر الأحكام وفي حق سائر الناس على غير هذا الوجه فكذا هذا قول ابن عمر لأحمد أفقه فإن التوبة لما كانت شرطا في صحة النكاح لم يكن بد من تحقيقها ولا سبيل له إلى العلم بها إلا بذلك أو بأن يأمر غيره بمراودتها ولا ريب أن المفاسد المذكورة أقرب إلى الغير إذا لا غرض له في نكاحها بخلاف الخاطب فإن أرادته لنكاحها وعزمه عليه يمنعه من معاودة ما يعود على مقصوده بالإبطال.
فائدة:
الذي وقع في صحيح البخاري وأكثر كتب الحديث "وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته" ووقع في صحيح ابن خزيمة والنسائي بإسناد الصحيحين من
стр. 879
رواية جابر "وابعثه المقام المحمود" ورواه ابن خزيمة عن موسى بن سهل الرملي وصدقه أبو حاتم الرازي وباقي الإسناد شرطهما ورواه النسائي عن عمر بن منصور عن علي بن عباس والصحيح ما في البخاري لوجوده:
أحدها اتفاق أكثر الرواة عليه.
الثاني: موافقته للفظ القرآن.
الثالث: إن لفظ التنكير فيه مقصود به التعظيم لقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ وقوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ وقوله وهذا كتاب مصدق ونظائره.
الرابع: أن دخول اللام يعينه ويخصه بمقام معين وحذفها يقتضي إطلاقا وتعددا كما في قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ومقاماته المحمودة في الموقف متعددة كما دلت عليه الأحاديث فكان في التنكير من الإطلاق والإشاعة ما ليس في التعريف.
الخامس: أن النبي ﷺ كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديما وتأخيرا وتعريفا وتنكيرا كما يحافظ على معانيه وعنه ومنه قوله وقد بدأ بالصفا "أبدأ بما بدأ الله به" تقدم تخريجه ومنه بداءته في الوضوء بالوجه ثم اليدين باتباعا للفظ القرآن ومنه قوله في حديث البراء ابن عازب: "آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت " موافقة لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ وعلى هذا فالذي وعدته إما بدل وإما خبر مبتدأ محذوف وإما مفعول فعل محذوف وإما صفة لكون مقاما محمودا قريبا من المعرفة لفظا ومعنى فتأمله.
قال أحمد في رواية بن هانىء: "لا تجوز شهادة من أيسر ولم يحج وليس به زمانة ولا أمر يحبسه عنه" وقال: "لا يجوز شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده إذا كانوا يجرون الشيء لأنفسهم" وقال: "تجوز شهادة الغلام إذا كان ابن اثني عشر سنة أو عشر سنين وأقام شهادته جازت شهادته" وقال ابن هانىء: سمعت أبا عبد الله يقول: "لا يعجبني أن يعدل القاضي لأن الناس يتغيرون ولا يدري ما يحدث"
وسئل عن الرجل يعدل الرجل فقال: "ما يقضي يعدله لأنه لا يدري ما يحدث والناس يتغيرون".
وسئل متى يعدل الرجل فقال قال إبراهيم: "إذا لم تظهر منه ريبة يعدل".
ولأصحابه فيما إذا سئل
стр. 880
عن مسألة فأجاب فيها بحكاية قول من بعد الصحابة وجهان أحدهما أن يكون مذهبا له والثاني لا.
فائدة:
الفرق بين الشك والريب من وجوه:
أحدها: أنه يقال شك مريب لا يقال ريب مشكك.
الثاني: أن يقال رابني أمر كذا ولا يقال شككني.
الثالث: أنه يقال رابه يريبه إذا أزعجه وأقلقه ومنه قول النبي ﷺ وقد مر بظني خافت في أصل شجرة "لا يريبه أحد" ولا يحسن هنا لا يشككه أحد.
الرابع: أنه لا يقال للشاك في طلوع الشمس أو في غروبها أو دخول الشهر أو وقت الصلاة هو مرتاب في ذلك وأن كان شاكا فيه.
الخامس: إن الريب ضد الطمأنينة واليقين فهو قلق واضطراب وانزعاج كما أن اليقين والطمأنينة ثبات واستقرار.
السادس: يقال رابني مجيئه وذهابه وفعله ولا يقال شككني فالشك سبب الريب فإنه يشك أولا فيوقعه شكه في الريب فالشك مبتد االريب كما أن العلم مبتدأ اليقين الاستنجاء.
ومما أنتقاه القاضي من شرح أبي حفص لمبسوط أبي بكر الخلال أحمد في رواية أحمد بن الحسين يغسل يده ثلاثا ثم يستنجي ثم يغسل يده ثم يتوضأ قال أبو حفص قد بينا عن أبي عبد الله غسل اليد في الطهارة في ثلاثة مواضع أحدها قبل الاستنجاء والثاني غسل اليد اليسرى بعد الاستنجاء والثالث عند ابتداء الوضوء الاستجمار.
وقال في الرجل يستجمر ويعرق في سراويله "إذا استجمر ثلاثة فلا بأس" يحتمل أن يحمل على ظاهرها فيكون الموضع قد طهر بالاستجمار ولا يضر العرق ويحتمل أن يأول على أنه عرق غير موضع الحدث أو عرق فلم يصب ذلك الموضع
стр. 881
سراويله وهذا القول أولى لأن الموضع عفى عنه تخفيفا فإذا نال الموضع رطوبة وجب إزالة الأثر كما تجب إزالة العين ونجس ما لاقاها كالعين.
قلت: اختلف أصحابنا في أثر الاستجمار هل هو نجس معفو عنه أو طاهر؟ على وجهين وعلى ما اختاره أبو حفص تصير المسألة على ثلاثة أوجه وقوله الذي اختاره ضعيف جدا مذهبا ودليلا وعملا فإن الصحابة لم يكن أكثرهم يستنجي بالماء وإنما كانوا يستجمرون صيفا وشتاء والعادة جارية بالعرف في الإزار ولم يأمرهم النبي ﷺ بغسله وهو يعلم موضعه ولا كانوا هم يفعلونه مع أنهم خير القرون وأتقاهم لله ولا أعلم أحدا من أصحابنا اختار ما اختاره أبو حفص وهو خلاف نص أحمد والله أعلم.
واختلف قوله إذا لم يجمع المستنجي بين الأحجار والماء أيهما أولى بالاستعمال فنقل الشالنجي أنه قال: "عمر كان لا يمس ذكره بالماء" وروى أبو عبد الله عن أحب إسماعيل بن أمية عن نافع قال: "إن لم يكن مع الأحجار ماء فالأحجار أحب إلي" والوجه فيه أن ابن عمر كان لا يمس ذكره بالماء وروى أبو عبد الله عن إسماعيل بن أمية عن نافع قال: "كان ابن عمر لا يغسل أثر المبال" واستعمال الحجارة أتت في الأخبار روى حرب الكرماني والحسن بن ثوبان تضعيف الأخبار في الاستنجاء بالماء وقال في حديث معاذ عن عائشة عن قتادة لم يرفعه ولأن المستجمر لا تلاقي يده النجاسة وعنه هما سواء وعنه الماء أفضل جاء في البول من التغليظ ما لم يأت في الكلب.
اختلف قوله إذا لم يقدروا أن يصلوا في السفينة قياما جماعة وأمكنهم الصلاة فرادى قياما فهل يصلون جماعة؟ وعنه في رواية حرب "يصلي كل إنسان على حدته" وقال في رواية الفضل بن زياد "تصلى وحدك قائما" ووجهه أن القيام آكد لأنه لو صلى قاعدا مع قدرته على القيام لم يجزئه ولو صلى منفردا مع قدرته على الجماعة أجزأ والقول الآخر تخريجا على قوله: "إن الأمام إذا صلى جالسا يصلي من خلفه جلوسا" فقد أجاز للمأموم الصلاة جالسا لأجل الجماعة قال القاضي: قلت أنا ولأنا أسقطنا القيام لعدم الستارة فكذا الجماعة".
واختلف قوله في صفه جلوس العريان في صلاته فعنه يجعل قيامه تربعا قال
стр. 882
القاضي: "قلت أنا كالمريض والمننفل وعنه يتضامون لأنهم إذا تضاموا كان أستر لعوراتهم والمتربع يفضي بفرجه إلى السماء ولا يمكنه وضع يده على فرجه لئلا تنتقض طهارته".
واختلف قوله إذا توارى بعضهم عن بعض فصلوا قياما فعنه "لا بأس" وعنه أنه قال: "يصلي العريان قاعدا يجعل قيامه متربعا فقد ذكر عريانا واحدا أن يصلى قاعدا وهذا أصح في مذهبه لأن ستر العورة آكد عنده من القيام لأن مذهبة في العراة يصلون جلوسا ولأن ستر العورة يراد للصلاة ألا ترى أنه لا يجوز للخالي أن يصلى مكشوف العورة ولا إذا كان جيبه واسعا ينظر إلى عورته ولحيته تحول بينه وبين النظر.
فائدة:
حديث " يا رسول الله عندي دينار قال أنفقه على بيتك" إلى الخامس قال: " أنت أبصر " قيل لعله أشار إلى أنه قبل الخامس في حكم الفقير فلما أخبره أن معه خامسا والدينار كان عندهم اثنا عشر درهما فقد ملك قيمة خمسين درهما من الذهب وزاد عليها ففوض الأمر إليه في الصدقة في الخامس دون ما قبله فهذا يؤيد حديث من سأل وله ما يغنيه قيل وما يعنيه قال: "خمسون درهما"الحديث والله أعلم.
قال أبو حفص: "واختلف قوله في الاستدارة في المحمل فروى محمد بن الحكم عنه من صلى في محمل فإنه لا يجزئه إلا أن يستقبل القبلة لأنه يمكنه أن يدور وصاحب الراحلة والدابة لا يمكنه والحجة أمر الله تعالى باستقبال القبلة حيث كان المصلى وذلك ممكن في المحمل كما في السفينة بخلاف الدابة تسقط لعدم الإمكان وروى عنه أبو طالب أنه قال: "الاستدارة في المحمل شديدة يصلي حيث كان وجهه لأن الاستدارة في المحمل شديدة على الجمل فجاز تركها
стр. 883
كما جاز في الراحلة لأجل المشقة على الراكب السجود في المحمل".
اختلف قوله في السجود في المحمل فروى عنه عبد الله ابنه أنه قال: "وإن كان محملا فقدر أن يسجد في المحمل سجد" وروى عنه الميموني "إذا صلى على المحمل أحب إلى أن يسجد لأنه يمكنه" وعن الفضل بن زياد "يسجد في المحمل إذا أمكنه" ووجهه أنه تعالى أمر بالسجود وإنما سقط عن المصلى على الراحلة لعدم الإمكان. وروى عنه جعفر بن محمد السجود على المرفقة إذا كان المحمل ربما اشتد على البعير ولكن يومىء ويجعل السجود أخفض من الركوع وكذا روى عنه أبو داود ووجهه المشقة على البعير قلت: الذي أوجب هذا أن الصحابة لم يكن سفرهم ولا حجهم في المحامل وإنما حدث في زمن الحجاج فالصلاة فيها دائرة الشبه بين الصلاة في السفينة والصلاة على الراحلة فمن راعى شبهها بالسفينة أوجب الاستقبال لأن المحمل بيت سائر في البر كما أن السفينة بيت سائر في البحر ومن راعى مشقة الاستدارة على المصلى والبعير أسقط الاستقبال وهو الأقيس والله أعلم.
مسألة:
قال المروزي: "كان أبو عبد الله إذا سلم من المكتوبة ركع ركعتين قبل التراويح" وجهه ما روى عن على ﵁ "كان رسول الله ﷺ يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر".
ظاهره العموم في رمضان وغيره ولا يترك ذلك لأجل التراويح لأن كلا منهما مقصود. وروى أحمد بن الحسين "صليت مع أبي عبد الله في شهر رمضان التراويح فكان إذا صلى العتمة لا يصلي حتى يقوم إلى التراويح".
قال الخلال: "لم يضبط هذا وإن كان قد ضبط ما رواه فوجهه أنه جعل التراويح أو الركعتين قبل ركعة الوتر موضع الركعتين بعد المكتوبة".
قال حنبل: "كان أبو عبد الله يصلي معنا فإذا فرغنا من الترويحة جلس وجلسنا وربما تحدث ويسأل عن الشيء فيجيب ثم
стр. 884
يقوم فيصلي ثم يدعو بعد الصلاة بدعوات ثم يوتر ثم ينصرف".
وقال الفضل: "رأيت أحمد يقعد بين التراويح ويردد هذا الكلام (لا إله إلا الله وحده لا شريك له أستغفر الله الذي لا إله إلا هو) وجلوس أبي عبد الله للاستراحة لأن القيام إنما سمي تراويح لما يتخلله من الاستراحة بعد كل ترويحة".
واختلف قوله في تأخير التراويح إلى آخر الليل؟ فعنه إن أخروا القيام إلى آخر الليل فلا بأس به كما قال عمر: "فإن الساعة التي تنامون عنا أفضل" ولأنه يحصل قيام بعد رقدة وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ الآية وروى عنه أبو داود "لا يؤخر القيام إلى آخر الليل سنة المسلمين أحب إلي" وجهه فعل الصحابة ويحمل قول عمر على الترغيب في الصلاة آخر الليل ليواصلوا قيامهم إلى آخر الليل لا أنهم يؤخرونها ولهذا أمر عمر من يصلي بهم أول الليل.
قال القاضي: "قلت ولأن في التأخير تعريضا بأن يفوت كثيرا من الناس هذه الصلاة لغلبة النوم القيام ليلة العيد"
واختلف قوله في القيام ليلة العيد فروى عنه حنبل: "أما قيام ليلة الفطر فما يعجبني ما سمعنا أحدا فعل ذلك إلا عبد الرحمن وما أراه لأن رمضان قد مضى وهذه ليلة ليست منه ما أحب أن أفعله وما بلغنا من سلفنا أنهم فعلوه وكان أبو عبد الله يصلي ليلة الفطر المكتوبة ثم ينصرف ولم يصلها معه قط وكان يكرهه للجماعة".
الفضل بن زياد: "شهدت أحمد ليلة الفطر وقد اختلف الناس في الهلال فصلى المكتوبة وركع أربع ركعات وجلس يستخبر خبر الهلال فبعث رسولا فقال: اذهب نحو أبي إسحاق فاستخبر خبر الهلال فلم يزل جالسا ونحن معه حتى رجع الرسول فقال: قد رؤي الهلال فانتقل أحمد ثم قام فدخل منزله" وعنه أبو طالب أنه قال في الجماعة يقومون ليلة العيد إلى الصباح يجمعون؟ قال: "من فعل ذلك هو زيادة خير كان عبد الرحمن بن الأسود يعتكف فيقوم ليلة العيد إلى الصباح من فعله فحسن ومن لم يفعله فليس عليه شيء". انتهى.
لما روى مالك بن دينار عن سالم عن ابن عمر "كان يحيي ليلة العيد عبد الرحمن بن الأسود كان يصلي بقومه في شهر رمضان يقرأ بهم القرآن كل ليلة الوتر".
قال أبو عبد الله في الرجل
стр. 885
يصلي شهر رمضان يقوم فيوتر بهم وهو يريد يصلي بقوم آخرين "يشتغل بينهم بشيء بأكل أو شرب أو يجلس" رواه المروزي وذلك لأنه يكره أن يوصل بوتره صلاة فيشتغل بينهم بشيء ليكون فصلا بين وتره وبين الصلاة الثانية وهذا إذا كان يصلي بهم في موضعه أما في موضع آخر فذهابه فصل ولا يعيد الوتر ثانية "لا وتران في ليلة".
وقال أبو عبد الله في الرجل يجيء والإمام يوتر في شهر رمضان المبارك فيلحق معه ركعة "إن كان الإمام يفصل بينهم بسلام أجزأته الركعة التي لحق وإذا كان لا يسلم في الثنتين يقضي مثل ما صلى ثلاثا إذا فرغ قام يقضي ولا يقنت". قوله: (ولا يقنت) يحتمل لأنه قد قنت مع الإمام فلا يقنت كما لو سجد للسهو معه لا يسجد آخر صلاته ويحتمل لأنه أدرك آخر صلاته فلا يقنت في أولها.
محمد بن بحر رأيت أبا عبد الله في شهر رمضان وقد جاء فضل بن زياد القطان فصلى بأبي عبد الله التراويح وكان حسن القراءة فاجتمع المشايخ وبعض الجيران حتى امتلأ المسجد فخرج أبو عبد الله فصعد درجة المسجد فنظر إلى الجمع فقال: "ما هذا تدعون مساجدكم وتجيئون إلى غيرها" فصلى بهم ليالي ثم صرفه كراهية لما فيه يعني من إخلاء المساجد وعلى جار المسجد أن يصلي في مسجده.
قال أحمد ﵁ في الرجل يترك الوتر متعمدا: "هذا رجل سوء يترك سنة سنها رسول الله ﷺ هذا ساقط العدالة إذا ترك الوتر متعمدا" روى هذا المسألة هارون بن عبد الله البزاز ونقل أبو طالب وصالح "من ترك الوتر متعمدا هذا رجل سوء وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ وقد أمر النبي ﷺ .
واختلف قوله إذا أوتر بعد طلوع الفجر هل يوتر بواحدة أو بثلاث؟ فعنه الميموني قال: "إذا استيقظ وقد طلع الفجر ولم يكن تطوع ركع ركعتين ثم يوتر بواحدة لأن الركعتين من وتره" ونحوه الأثرم وأبو داود ووجهه أن الوتر اسم الثلاث لأن النبي ﷺ كان يوتر بها ولأنه وقت لفعل الوتر وكان وقتا للثلاث ونقل يوسف بن موسى يوتر بواحدة وذلك نقل أحمد بن الحسين في الرجل يفجؤه الصبح ولم يكن صلى قبل العتمة ولا بعدها شيئا يوتر بواحدة ولا يصلي قبلها شيئا ووجهه قوله ﷺ : "صلاة الليل
стр. 886
مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة" فجعل ما قبلها من صلاة الليل وأمره بالمبادرة بواحدة ولأن ما بعد طلوع الفجر لا يجوز فيه إلا ركعتا الفجر وإنما أجزنا الوتر لتأكده.
واختلف قوله في اختياره الوتر فروى عنه أبو بكر بن حماد أنه قال أذهب إلى حديث أبي هريرة "أوصاني خليلي بثلاث " الحديث وعنه الميموني "لست أنام إلا على وتر". وعنه الفضل بن زياد قال: "آخره أفضل فإن خاف رجل أن ينام أوتر أول الليل" قال أبو حفص: "وإنما يكون الوتر آخر الليل أفضل في غير شهر رمضان فأما في شهر رمضان فالوتر أول الليل تبع للإمام أفضل لقول النبي ﷺ : "من صلى مع إمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة".
قال أحمد: "إذا كان يقنت قبل الركوع افتتح القنوت بتكبيرة" رواه أبو داود والفضل بن زياد ودليله ابن مسعود "كان يقنت في الوتر إذا فرغ من القراءة كبر ورفع يديه ثم قنت قدر القيام في القنوت".
اختلف قوله في قدر القيام في القنوت فعنه بقدر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ أو نحو ذلك وقد روى أبو داود وسمعت أحمد سئل عن قول إبراهيم القنوت قدر: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ قال: "هذا قليل يعجبني أن يزيد" وعنه كقنوت عمر وعنه كيف شاء وجه:
الأولى: أنه وسط من القيام. والثانية: فعل عمر. والثالثة: أن طريقة الاستحباب فسقط التوقيت فيه نقل يوسف بن موسى عنه لا بأس أن يدعو الرجل في الوتر بحاجته وروى عنه علي بن أحمد الأنماطي أنه قال: "يصلي على النبي ﷺ في دعاء القنوت" قال أحمد: "يدعو الإمام ويؤمن من خلفه" وعنه أبو داود "إذا لم يسمع صوت الإمام يدعوا" أبو حفص: "لأن التأمين لما يسمعون قال النبي ﷺ : "إذا أمن الإمام فأمنوا" وعنه "إذا دعا وأمنوا فجيد وإن دعا ودعوا فلا بأس كل موسع" وجهه أن المؤمن داع قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وكان هارون مؤمنا قال: "يجهر الإمام بالقنوت ولم ير أن بخافت إذا قنت البتة لما روى "أن النبي ﷺ جهر بالقنوت" بدليل أن أصحابه كانوا يؤمنون.
وروى أبو عبد الله حدثنا محمد بن جعفر ثنا سعيد عن جعفر عن أبي عثمان "صليت خلف عمر
стр. 887
بن الخطاب فقنت بعد الركوع ورفع يديه في قنوته ورفع صوته بالدعاء حتى سمع من وراء الحائط".
وعن أبي أنه جهر بالقنوت وعن معاذ القارىء أنه جهر.
المروزي: "كان أبو عبد الله في دعاء الوتر لم يكن يسمع دعاءه من يليه هذا يدل على أنه كان مأموما والمأموم لا يجهر".
مهنا سئل أحمد عن الرجل يقنت في بيته أيعجبك يجهر بالدعاء في القنوت أو يسره؟ قال: "يسره وذلك أن الإمام إنما يجهر ليؤمن المأموم".
عبد الله قلت: لأبي يمسح بهما وجهه قال: "أرجو أن لا يكون به بأس".
وكان الحسن إذا دعا مسح وجهه وقال سئل أبي عن رفع الأيدي في القنوت ويمسح بهما وجهه قال: "لا بأس يمسح بهما وجهه" وقال أبي عن رفع الأيدي في القنوت ويمسح بهما وجهه قال: "لا بأس يمسح بهما وجهه".
قال عبد الله: "ولم أر أبي يمسح بهما وجهه فقد سهل أبو عبد الله في ذلك وجعله بمنزلة مسح الوجه في غير الصلاة لأنه عمل قليل ومنسوب إلى الطاعة واختيار أبي عبد الله تركه" قال حنبل: قلت لأبي عبد الله ما أحب إليك ما يتقرب به العبد من العمل إلى الله؟ قال: "كثرة الصلاة والسجود وأقرب ما يكون العبد من الله إذا عفر وجهه له ساجدا". يعنى بهذا إذا سجد لله على التراب في هذا بيان أن الصلاة أفضل أعمال الخير وروى عنه المروزي أنه قال: "كل تسبيح في القرآن صلاة إلا موضع واحد قال: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ ركعتين قبل الفجر ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ ركعتين بعد المغرب.
قال أبو حفص: "والحجة في تفضيل الصلاة على سائر أعمال القرب قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ وكان حذيفة إذا أحزنه أمر صلى وقال: "أعني على نفسك بكثرة السجود" وقال: "أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها" وقال: " جعلت قرة عيني في الصلاة " ولأنها تختص بجمع الهمة وحضور القلب والانقطاع عن كل شيء سواها بخلاف غيرها من الطاعات ولهذا كانت ثقيلة على النفس.
نقل عنه محمد بن الحكم في الرجل يفوته ورده من الليل لا يقرأ به في ركعتي الفجر كان النبي ﷺ لكن يقرأ إذا أصبح أرجو أن يحسب له بقيام الليل.
اختلفت الرواية في الركعتين بعد الظهر فعنه الأثرم "يصليهما في المسجد" ووجهه حديث أم
стр. 888
سلمة في الركعتين بعد العصر ظاهرة أنهم شغلوه عن صلاة الركعتين في المسجد.
الفضل بن زياد رأيت أحمد لا يصلي بعد المكتوبة شيئا في المسجد إلا مرة بعد الظهر كان يوما نادرا ووجهه حديث عائشة "كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين". والله أعلم.
مسألة:
أبو الصقر عنه "لا بأس أن يجهر الرجل بالقراءة بالليل ولا يجهر بالنهار في التطوع" وقال في الرجل يصلي بقوم صلاة الفريضة فمرت به آيات العذاب فقال: أستجير بالله مضت صلاته ولا يعيد الصلاة وقال في الرجل يصلى ويأتي على ذكر النبي ﷺ وهو في الصلاة قال: "إن كان تطوعا صلى عليه وإن كان الفريضة فلا صلاة الضحى".
واختلف قوله في المداومة على صلاة الضحى فعنه قال: "ما أحب أن أداوم عليها وقد صلاها رسول الله ﷺ يوم الفتح" وقال: "ربما صليت وربما لم أصل ووجهه ما روى أبو هريرة قال: "ما صلى النبي ﷺ الضحى قط إلا مرة" قال الميموني قال أحمد: "ما سمعناه إلا من وكيع" وإسناده جيد وروي عنه موسي بن هارون الخطاب قال: "مر بي أحمد بن حنبل ومعه المروزي وأنا في المسجد قبل الزوال أصلى الضحى لأني كنت شغلت عنها فوقف عليّ فقال: ما هذه الصلاة وليس هذا إلى وقت الظهر قال: قلت يا أبا عبد الله هذه ركعات كنت أصليها ضحى فشغلت عنها إلى هذا الوقت؟ قال: "لا تتركها ولو ذكرتها بعد العتمة". ووجهه قوله ﷺ : "أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل ".
قال في رواية مهنا وعبد الله: "صلاة التسبيح لم يثبت عندي فيها حديث" وقال في رواية أبي الحارث "صلاة التسبيح حديث ليس لها أصل ما يعجبني أن يصليها يصلي غيرها" وقال علي بن سعيد ذكرت لأبي عبد الله حديث عبد الله بن مرة من رواية المستمر بن الريان فقال: "المستمر شيخ ثقة" وكأنه أعجبه.
أحمد بن الأثرم في الركعتين قبل المغرب قال: "أحاديث
стр. 889
جياد أو قال صحاح عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين فمن شاء صلى بين الأذان والإقامة".
وعنه الفضل بن زياد "ما فعلته قط إلا مرة فلم أر الناس عليه فتركتها" وقال في رواية حنبل: "السنة أن يصلي الرجل الركعتين بعد المغرب في بيته" كذا روي عن النبي ﷺ .
قال السائب بن يزيد: "لقد رأيت الناس في زمان عمر بن الخطاب ﵁ إذا انصرفوا من المغرب انصرفوا جميعا حتى لا يبقى في المسجد أحد كان لا يصلون بعد المغرب يعني حتى يصيروا إلى أهلهم" فإن صلى الركعتين في المسجد هل يجزئه اختلف قوله روى عبد الله أنه قال: بلغني عن رجل سماه أنه قال: "لو أن رجلا صلى الركعتين في المسجد بعد المغرب ما أجزأه" وقال: "ما أحسن ما قال هذا الرجل وما أجود ما أسرع" ووجهه أمر النبي ﷺ بالصلاة في البيوت وقال له المروزي: من صلى ركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيا؟ قال: "ما أعرف هذا".
قلت له يحكى عن أبي ثور أنه قال: "هو عاص" قال: "لعله ذهب إلى قول النبي ﷺ : "فاجعلوها في بيوتكم" ووجهه أنه لو صلى الفرض في البيت وترك المسجد أجزأه فكذا السنة في المسجد.
قلت ليس هذا وجهه عند أحمد وإنما وجهه أن السنن لا يشترط لها مكان معين ولا جماعة فتفعل في المسجد والبيت والله أعلم.
قال في رواية الميموني والمروزي: "يستحب أن لا يكون قبل الركعتين بعد المغرب إلى أن تصلهما كلام". وقال الحسن بن محمد: "رأيت أحمد سلم الإمام من صلاة المغرب قام ولم يتكلم ولم يركع في المسجد وتكلم قبل أن يدخل الدار" وجه الكراهة قول مكحول قال رسول الله ﷺ : "من صلى ركعتين بعد المغرب يعنى قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليين" ولأنه يصل النفل بالفرض.
وقال أحمد في رواية حرب ويعقوب وإبراهيم بن هانىء: "إن ترك ركعتي المغرب لا يعيدهما إنما هما تطوع".
المروزي رأيت أبا عبد الله يركع فيما بين المغرب والعشاء. المروزي عنه في رجل يريد سفرا فيقصر يوما ثم يبدو له فيرجع فيتم وجاءه رسول الخليفة رده من بعض الطريق في الليل فأتم الصلاة فقيل له أليس نحن مسافرون قال: "أما الساعة فلا" وكان نحوا من سبع فراسخ محمد بن الحكم عنه في الرجل يخرج إلى بعض البلدان يتنزه أو إلى
стр. 890
بلد يتلذذ فيه ليس يطلب فيه حجا ولا عمرة ولا تجارة "ما يعجبني أن يقصر الصلاة" والوجه فيه أن الأصل الإتمام فلا يجوز أن ينقص الفرض لطلب النزهة والله أعلم.
مسألة:
إن لم يكن مع الملاح أهله وكان يسافر ويرجع إلى أهله قصر الصلاة قال في رواية حرب إن لم يتم المكاري في أهله ما يقضي رمضان يقضي في السفر وذلك أن هذه حال ضرورة والقضاء عليه فرض.
اختلف قوله في المسافر يرد على أهله لا يريد المقام فروي عنه عبد الله لو أن مسافرا ورد على أهله أمسك عن الطعام وأتم الصلاة إلا أن يكون مارا وكذا نقل إسحاق الكوسج في رجل خرج مسافر فبدا في حاجة إلى بيته ليأخذها فأدركته الصلاة وهو مسافر ويقصر إذا لم يكن له أهل وهو أهون لأنه على نية السفر فوروده على أهله لم يخرجه عن حكم السفر.
عنه صالح في رجل خرج مسافرا فبدا له فرجع في حاجة إلى بيته فأدركته الصلاة يتم لأن ابن عباس قال: "إذا قدمت على أهل أو ماشية فأتم" والوجه فيه حديث ابن عباس ولا يصح حمله على ما إذا نوى المقام لأنه إذا نوى المقام في غير أهله لزمه الإتمام ولأنه لو أنشأ السفر من بلده يجز له القصر حتى يفارق منزله كذا بعد رجوعه لحاجة عنه المروزي ركعتا الفجر والمغرب لا يدعهما في السفر عنه صالح والكوسج إذا نوى المسافر المقام وهو في الصلاة يتم وإن قعد في الركعتين حتى يخرج بتسليم ووجهه أنه قد صار مقيما.
مسألة:
الأثرم عنه إذا أجمع أن يقيم إحدى وعشرين صلاة مكتوبة قصّر فإذا عزم على أن يقيم أكثر من ذلك أتم واحتج بحديث جابر وابن عباس قدم النبي ﷺ لصبح رابعة وكذا نقل ابن الحكم.
ونقل المروزي "إذا عزم على مقام إحدى وعشرين فليتم لأن النبي ﷺ صلى الغداة يوم التروية بمكة وكذلك نقل حرب "إذا دخل إلى قرية نوى أن يقيم أربعة أيام وزيادة صلاة أتم".
وكذا نقل ابن أصرم وصالح والكوسج إذا أزمع على إقامة
стр. 891
أربعة أيام وزيادة صلاة يتم في أول يوم واحتج بحديث جابر. قال أبو حفص: "هذه الرواية ليست مستقصاة والأدلة مستقصاة أنه لا يلزمه الإتمام بالعزيمة على إقامة أربعة أيام وزيادة صلاة حتى ينوى أكثر من ذلك فكيف يقول إذا أزمع على إقامة أربع وزيادة صلاة أتم ويحتج بحديث جابر في هذا المقدار وقد كشف هذا في رواية الفضل بن عبد الصمد قيل له يا أبا عبد الله يحكون أنك تقول: "إذا أجمع على إقامة أكثر من أربعة وصلاة أتم" فقال: "لا يفهمون النبي ﷺ أجمع على أقامة أربع وصلاة فقصر".
ونقل عنه أيوب بن إسحاق بن سافري أنه قال: "إن أزمع على إقامة خمسة أيام يتم وما دون ذلك يقصر" قال أبو حفص: "ليس في هذا خلاف لذلك لأنه إذا أوجب الإتمام بإقامة أكثر من أربعة أيام وزيادة صلاة فبخمسة أيام أولى أن يوجب الإتمام وقوله ما دون ذلك يقصر يحتمل أن يكون أراد به الأربعة أيام وزيادة صلاة لأنها دون الخمسة أيام ويحتمل أن يكون ذكره لليوم الخامس لأن الصلاتين بعد الأربعة أيام من اليوم الخامس لا أنه أراد إكمال اليوم الخامس". وقد بين ذلك في رواية طاهر بن محمد التميمي فقال: "إذا نوى أربعة أيام وأكثر من صلاة من اليوم الخامس أتم". فقد بين مراده من ذكر اليوم الخامس أنه بعضه لأنه أكثر من مقام النبي ﷺ الذي قصر فيه الصلاة".
قال القاضي: "وظاهر كلام أبي حفص هذا أن المسألة على رواية واحدة وأن مدة الإقامة ما زاد على أحدى وعشرين صلاة وتأول بقية الروايات واحتج في ذلك بحديث جابر "أن النبي ﷺ دخل مكة صبح رابعة فصلى بها الغداة وخامسة وسادسة وسابعة أربعة أيام كوامل وزاد صلاة لأنه صلى الغداة يوم التروية بمكة بالأبطح وخرج يوم الخامس إلى منى فصلى الظهر بمنى وكان يقصر الصلاة في هذه الأيام وقد أجمع على إقامتها".
ويجوز أن يحمل كلام أحمد على ظاهره فيكون في قدر الإقامة ثلاث روايات:
إحداها: ما زاد على إحدى وعشرين اختارها الخرقي وأبو حفص.
الثانية:
стр. 892
ما زاد على أربعة أيام ولو بصلاة لأنها مدة تزيد على الأربعة فكان بها مقيما دليلة إذا نوى زيارة على إحدى وعشرين.
الثالثة: ما نقص عن خمسة أيام ولو بوقت صلاة لأنها مدة تنقص عن خمس أيام فكان في حكم السفر دليلة مدة إحدى وعشرين أو عشرين صلاة الكسوف.
اختلف قوله في صلاة الكسوف بغير إذن الإمام؟ فروى عنه يعقوب بن حسان "لا بأس به". وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله بن مهدي عن حماد بن يزيد قال: "بلغ أيوب أن سليمان التيمي لما انكسفت الشمس صلى في مسجده فبلغ أيوب فأنكر عليه فقال: "إنما هذا للأئمة" فقال أبو عبد الله: "إلى هذا نذهب في كسوف الشمس الأئمة يفعلون ذلك" وعنه محمد بن الحكم يستحب العتاقة في صلاة الكسوف الاستسقاء.
اختلف في خروج الناس للاستسقاء بغير إمام؟ فعنه أحمد بن القاسم "إن لم يخرج الإمام لا تخرجوا" وعنه الميموني "إن أخرجهم الإمام خرجوا وإلا فيخرجون لأنفسهم يستسقون لا بأس بذلك".
فإن قلنا يخرجون بغير إمام فهل يصلون جماعة أو يستسقون وينصرفون؟ فعنه الميموني "يخرجون لأنفسهم يستسقون ما يعجبني يصلي بهم بعضهم" وعنه حرب أنه قال في أهل قرية ليس فيها وال خرجوا يستسقون يصلي بهم إمامهم جماعة؟ قال: "أرجو أن لا يضيق". هذا آخر ما وجدته من هذا المنتقى.
فائدة:
لا يكون الجحد إلا بعد الاعتراف بالقلب واللسان ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ومنه ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ عقيب قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ ومنه ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلاّ الظَّالِمُونَ﴾ ، ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلاّ الْكَافِرُونَ﴾ وعلى هذا لا يحسن استعمال الفقهاء لفظ الجحود في مطلق
стр. 893
الإنكار في باب الدعاوى وغيرها لأن المنكر قد يكون محقا فلا يسمى جاحدا.
فائدة:
قال إسحاق بن هانىء: "تعشيت مرة أنا وأبو عبد الله وقرابة لنا فجعلنا نتكلم وهو يأكل وجعل يمسح عند كل لقمة بيده بالمنديل وجعل يقول عند كل لقمة: "الحمد لله وبسم الله" ثم قال لي: "أكل وحمد خير من أكل وصمت".
فائدة:
منع كثير من النحاة أن يقال البعض والكل لأنهما اسمان لا يستعملان إلا مضافان ووقع في كلام الزجاج وغيره بدل البعض من الكل. وجوز أبو عبيدة أن يكون بمعنى الكل كما جوز ذلك في الأكثر فالأول كقوله:: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ والثاني كقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ ولا دليل له في ذلك لأن قوله: ﴿بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ من خطاب التلطف والقول اللين وأما ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ فلا يمتنع أن يكون فيهم من يصدق في كثير من أقواله.
إذا عرف هذا فقالت طائفة البعض للجزء القليل والكثير والمساوي وفي هذا نظر إذ إطلاق لفظ بعض العشرة على التسعة مما يحتاج إلى نقل واستعمال والظاهر أنه قريب من البعض معنى كما هو قريب منه لفظا وليس في عرف اللغة والتخاطب إذا قال خذ بعض هذه الصبرة أن يأخذها كلها إلا حفنة منها ولا لمن يجيئك في أيام الشهر كلها إلا يوما واحدا هو يجيء في بعض أيام الشهر مسائل فقهية عن الإمام أحمد قال أحمد في رواية حنبل حديث عائشة
стр. 894
رضي الله عنها "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " يريد الغضب". وقال في رواية أبي داود: "حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امراته البتة لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أن ركانة طلق امرأته ثلاثا وأهل المدينة يسمون ثلاثا البتة". وقال في رواية أحمد بن أصرم أن أبا عبد الله سئل عن حديث ركانة في البتة فقال: "ليس بشيء" وقال في رواية أبي الحارث في رجل غصب رجلا على امراته فأولدها ثم رجعت إلى زوجها وقد أولدها "لا يلزم زوجها الأولاد وكيف يكون الولد للفراش في مثل هذا وقد علم أن هذه في منزل رجل أجنبي وقد أولدها في منزلة إنما يكون الولد للفراش إذا ادعاه الزوج وهذا لا يدعى فلا يلزمه". قال أحمد في رواية إسحاق بن منصور: "إذا زوج السيد عبده من أمته ثم باعها يكون بيعها طلاقها كقول ابن عباس ورواية أكثر أصحابه عنه لا يكون طلاقا" قال أحمد في رواية أبي طالب: "لا أعلم شيئا يدفع قول ابن عباس وابن عمر وأحد عشر من التابعين منهم عطاء ومجاهد وأهل السنة وأهل المدينة على تسري العبد فمن احتج بهذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم﴾ وأي ملك للعبد فقد قال النبي ﷺ : "من اشترى عبدا وله مال فالمال للسيد" جعل له مالا هذا يقوي التسري". وابن عباس وابن عمر أعلم بكتاب الله ممن احتج بهذه الآية لأنهم أصحاب رسول الله وانزل القرآن على رسول الله يعلمون فيما أنزل قالوا بتسري العبد. إذا ثبت هذا فقد قال في رواية إسحاق بن إبراهيم: "يتسرى العبد في ماله هو ما لم يأخذه سيده منه". وقال في رواية جعفر بن محمد وحرب: "ليس للسيد أن يأخذ سرية العبد إذا أذن له في التسري فإن تسري بغير إذنه أخذها منه وإذا باع العبد وله سرية هي لسيده ولا يفرق بينهما لأنها بمنزلة المرأة فقد فرق أحمد بين أن يتبع العبد فتكون السرية للسيد ولا يفرق بينهما وبين العبد وعلل بأنها بمنزلة الزوجة وبين أن يبقى العبد على ملكه فليس له أخذ السرية منه إذا أذن له كما لو أذن له في التزويج ليس له أن يفرق بينه وبين امرأته وعلى
стр. 895
كلا النصين مشكل وله فقه دقيق".
وقال في رواية ابن منصور: "إذا تزوج الحرة على الأمة يكون طلاقا للأمة لحديث ابن عباس". قال أبو بكر: "مسألة ابن منصور مفردة" وقال في رواية أبي الحارث "إذا تزوج امرأة فشرط أن لا يبيت عندها إلا ليلة الجمعة فإن طالبته كان لها المقاسمة وإن أعطته مالا واشترطت عليه أن لا يتزوج عليها يرد عليها المال إذا تزوج ولو دفع إليها مالا على أن لا تتزوج بعد موته فتزوجت ترد المال إلى ورثته". وقال في رواية أحمد بن القاسم: "الأمة إذا كان زوجها حرا فعتقت فلا خيار لها لأن الحديث عندنا أن زوج بريرة كان عبدا فاجعل الرواية هكذا ولا أزيل النكاح إلا في الموضع الذي أزالته السنة وهذا ابن عباس وعائشة يقولون إنه عبد وعليه أهل المدينة وعلمهم وإذا روى أهل المدينة حديثا وعملوا به فهو أصح ما يكون وليس يصح أن زوج بريرة كان حرا إلا عن الأسود وحده وأما غيره فيقول إنه عبد".
وقال أحمد في رواية حنبل: "لا يكنى ولده بأبي القاسم لأنه يروى عن النبي ﷺ أنه نهى عنه". وقال في رواية علي بن سعيد وقد سأله عن الحديث "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي " هو أن يجمع ببن اسمه وكنيته أو يفرد أحدهما؟ فقال: "آخر الحديث "تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي" وهذا موافق لرواية حنبل وقال ابن منصور: قلت لأحمد تكنى المرأة؟ قال: نعم عائشة كناها النبي ﷺ أم عبد الله". وقال في روايته أيضا عمر كره يكنى بأبي عيسى وقال في رواية حنبل: "لا بأس أن يكنى الصبي قال النبي ﷺ يا أبا عمير وكان صغيرا وقال في رواية الأثرم وسئل عن الرجل يعرف بلقبه قال: "إذا لم يعرف إلا به" قال أحمد الأعمش: "إنما يعرفه الناس هكذا فسهل في مثل هذا إذا كان قد شهر به".
وقال ابن منصور: قلت لأحمد رجل نذر أن يذبح نفسه؟ قال: "يفدي نفسه إذا حنث يذبح كبشا" قال إسحاق كما قال وقال أيضا: قلت لأحمد: من مات ولم يحج فهو من جميع المال؟ قال: "إذا كان له مال كثير واجب على الورثة أن ينفذوا ذاك وأما إذا كان مال قليل فإنما هو شيء ضيعه ليس هذا مثل الزكاة".
стр. 896
وقال أيضا قلت له: طواف المكي قبل المغرب؟ قال أحمد: "لا يخرج من مكة حتى يودع البيت" وقال أحمد في رواية ابن منصور: "يكره أن يقول للرجل جعلني الله فداك ولا بأس أن يقول فداك أبي وأمي".
وقال في رواية ابن منصور: "يكره الجلوس بين الشمس والظل أليس قد نهي عنه وقال إسحاق ابن راهوية: "قد صح الخبر فيه عن النبي ﷺ ولكن لو ابتدأ وجلس فيه كان أهون" وقال في رواية أبي طالب وسألته: يكنى الرجل أهل الذمة؟ فقال: "قد كنى النبي ﷺ نجران وعمر". قال: "يا أبا حسان لا بأس فيه" وقال في رواية يعقوب بن لحيان وسأله عن النورة والحجامة والأربعاء فكرهها قال: "وبلغني عن رجل أنه تنور واحتجم فأصابه المرض قلت كأنه تهاون قال: "نعم" وقال في رواية مهنا في الرجل تأتيه المرأة المسحورة فيطلق عنها السحر قال: "لا بأس".
وحدثنا إسماعيل بن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: سألت سعيد ابن المسيب عن المرأة تأتي الرجل فيطلق عنها السحر فقال: "لا بأس" فقلت لأحمد: أحدث بهذا عنك قال: "نعم" وقال في رواية المروزي: "حممت فكتب لي في الحمى بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ومحمد رسول الله ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ﴾ اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل إشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك إله الحق آمين" وقال في رواية عبد الله: "يكتب للمرأة إذا عسر عليها الولادة في جام أو شيء نظيف لا إلة إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ ثم تسقي وينضح بما بقى دون سرتها وقال في رواية الكوسج: "يكره التفل في الرقية ولا بأس بالنفخ" وقال في رواية صالح: "الحقنة إذا كانت لضرورة فلا
стр. 897
بأس" وقال في المروزي: "الحقنة إن اضطر إليها فلا بأس" قال المروزي: "ووصف لأبي عبد الله ففعل" وقال إسحاق بن هانىء: "رأيت أبا عبد الله إذا كان يوم الجمعة يصلي حتى يعلم أن الشمس قد قاربت أن تزول فإذا قاربت أمسك عن الصلاة حتى يؤذن فإذا أخذ في الأذان قام فصلى ركعتين أو أربعا يفصل بينهما بالسلام فإذا صلى الفريضة انتظر في المسجد ثم يخرج منه فيأتي بعض المساجد التي بحضرة الجامع فيصلى فيها ركعتين ثم يجلس وربما صلى أربعا ثم يجلس ثم يقوم فيصلى ركعتين ثم يجلس وربما صلى أربعا ثم يجلس ثم يقوم فيصلى ركعتين أخريين فتلك ست ركعات على حديث على ﵁".
فائدة:
ظن بعض الفقهاء أن الوفاء إنما يحصل باستيفاء الدين بسبب أن الغريم إذا قبض المال صار في ذمته للمدين مثله ثم يقع التقاضي منهما والذي أوجب لهم هذا إيجاب المماثلة بين الواجب ووفائه ليكون قد وفى الدين بالدين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا تكلف أنكره جمهور الفقهاء وقالوا بل نفس المال الذي قبضه يحصل به الوفاء ولا حاجة إلى أن يقدروا في ذمة المستوفي دينا والدين في الذمة من جنس المطلق الكلي والعين من جنس العين الجزئي فإذا ثبت في ذمته دين مطلق كلي كان المقصود منه الأعيان الشخصية الجزئية فأي معين استوفاه حصل به مقصوده لمطابقته للكل مطابقة الأفراد الجزئية.
стр. 898
فائدة:
قال أحمد في رواية صالح في المضارب إذا خالف فاشترى غير ما أمر به صاحب المال فالربح لصاحب المال ولهذا أجرة مثله إلا أن يكون الربح محيطا بأجرة مثله فيذهب قال وكنت أذهب إلى الربح لصاحب المال ثم استحسنت".
وقال في رواية الميموني: "استحسن أن يتمم لكل صلاة ولكن القياس أنه بمنزلة الماء حتى يحدث أو يجد الماء"
وقال في رواية المروزي: "يجوز شراء أرض السواد ولا يجوز بيعها فقيل له كيف تشترى ممن لا يملك؟ فقال: القياس كما يقول ولكن هو استحسان" واحتج بأن أصحاب النبي ﷺ في شراء المصاحف وكرهوا بيعها وهذا يشبه ذاك وقال في رواية بكر بن محمد فيمن غصب أرضا وزرعها "الزرع لرب الأرض وعليه النفقة وليس هذا شيئا يوافق القياس" استحسن أن يدفع إليه نفقته وقال في رواية أبي طالب "أصحاب أبي حنيفة إذا قالوا شيئا خلاف القياس قالوا نستحسن هذا وندع القياس فيدعون الذين يزعمون أن الحق بالاستحسان" قال: "وأنا أذهب إلى كل حديث جاء ولا أقيس عليه" فقال القاضي: "ظاهر هذا يقضي إبطال القول بالاستحسان وأنه لا يجوز قياس المنصوص عليه على المنصوص عليه وجعل المسألة على روايتين ونصر هو وأتباعه رواية القول بالاستحسان" ونازعهم شيخنا في مراد أحمد من كلامه وقال: "مراده أني استعمل النصوص كلها ولا أقيس على أحد النصين قياسا يعارض النص الآخر كما يفعل من ذكره حيث يقيسون على أحد النصين ثم يستثنون موضع الاستحسان إما لنص أو لغيره والقياس عندهم موجب العلة فينقضون العلة التي يدعون صحتها مع تساويها في محالها وهذا من أحمد بين أنه يوجب طرد العلة الصحيحة وأن انتقاضها مع تساويها
стр. 899
ينقصه النص الآخر".
وهذا مثل حديث أم سلمة عن النبي ﷺ : "إذا أراد أحدكم أن يضحى ودخل العشر فلا يأخذ من شعره ولا من بشرته شيئا" مع حديث عائشة: "كنت أفتل قلائد هدي النبي ﷺ ثم نبعث به وهو مقيم لا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم " والناس في هذا على ثلاثة أقوال منهم من يسوى بين الهدى والأضحية في المنع ويقول إذا بعث الحلال هديا صار محرما ولا يحل حتى ينجر كما روى عن ابن عباس وغيره ومنهم من يسوى بينهما في الأذن ويقولك بل المضحى لا يمنع عن شيء كما لا يمنع باعث الهدى فيقيسون على أحد النصين ما يعارض الآخر وفقهاء الحديث كيحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل وغيرهما عملوا بالنصين ولم يقيسوا أحدهما على الآخر وكذلك عند أحمد وغيره من فقهاء الحديث لما أمر النبي ﷺ يصلي الناس قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا ثم لما افتتحوا الصلاة قياما أتمها بهم قياما فعمل بالحديثين ولم يقس على أحدهم قياسا ينقص الآخر ويجعله منسوخا كما فعل غيره.
قلت: وكذلك فعل في حديث الأمر بالوضوء من لحوم الإبل وترك الوضوء مما مست النار عمل بهما ولم يقس على أحدهما قياسا يبطل الآخر ويجعله منسوخا وكذلك فعل في أحاديث المستحاضة ونظائرها ثم القائلون بالاستحسان منهم من يقول هو ترك الحكم إلى حكم أولى منه ومنهم من يقول هو أولى القياسين.
وقال القاضي: "الحجة التي نرجع إليها في الاستحسان هي الكتاب تارة والسنة تارة والإجماع تارة والاستدلال يترجح بعض الأصول على بعض فالاستحسان لأجل الكتاب كما في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر إذا لم يجد مسلما ومما قلنا فيه بالاستحسان السنة فيمن غصب أرضا وزرعها الزرع لرب الأرض وعلى صاحب الأرض النفقة لحديث رافع بن خديج والقياس أن يكون الزرع لزارعة ومما فيه قلنا بذلك الإجماع جواز سلم الدراهم والدنانير في الموزونات والقياس أن لا يجوز ذلك لوجود الصفة المضمونة إلى الجنس وهي الوزن إلا أنهم استحسنوا
стр. 900
فيه الإجماع" انتهى.
قال شيخنا: "ومن ذلك أن نفقة الصغير وأجرة مرضعته على أبيه دون أمة بالنص والإجماع".
قلت: إلا خلافا شاذا في مذهب أبي حنيفة وغيره بإيجابها على الأبوين كالجد والجدة.
وكذلك يقولون إجارة الظئر ثابتة بالنص والإجماع على خلاف القياس والاستحسان يقول يرجع إلى تخصيص العلة بل هو نفسه كما قاله الحسن البصري والرازي وغيرهما والمشهور عن الشافعية منع تخصيصها وعن الحنفية القول بتخصيصها ولأصحاب أحمد قولان وحكينا روايتان عن أحمد وحكى تخصيص العلة مذهب الأئمة الأربعة وهو الصواب والقاضي وابن عقيل يمنعون تخصيص العلة مع قولهم بالاستحسان وأبو الخطاب يختار تخصيص العلة مع قوله بالاستحسان.
وفرق القاضي بين التخصيص والاستحسان بأن التخصيص منع العلة عملها في حكم خاص والاستحسان ترك قياس الأصول للنصوص أي مخالفة القياس لأجل النص كما في شهادة أهل الذمة وإجارة الظئر وإعطاء الزرع لمالك الأرض ونظائره كحمل العاقلة دية الخطأ.
فصول عظيمة النفع جدا:
في إرشاد القرآن والسنة إلى طريق المناظرة وتصحيحها وبيان العلل المؤثرة والفروق المؤثرة وإشارتها إلى إبطال الدور والتسلسل بأوجز لفظ وأبينه وذكر ما تضمناه من التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين والأجوبة عن المعارضات وإلغاء ما يجب إلغاؤه من المعاني التي لا تأثير لها واعتبار ما ينبغي اعتباره وإبداء تناقض المبطلين في دعاويهم وحججهم وأمثال ذلك وهذا من كنوز القرآن التي ضل عنها أكثر المتأخرين فوضعوهم لهم شريعة جدلية فيها حق وباطل ولو أعطوا القرآن حقه لرأوه وافيا بهذا المقصود كافيا فيه مغنيا عن غيره والعالم عن الله من آتاه الله فهما في
стр. 901
كتابه والنبي ﷺ أول من بين العلل الشرعية والمآخذ والجمع والفرق والأوصاف المعتبرة والأوصاف الملغاة وبين الدور والتسلسل وقطعهما فانظر إلى قوله سئل عن البعير يجرب فتجرب لأجله الإبل فقال " من أعدى الأول" كيف اشتملت هذه الكلمة الوجيزة المختصرة البينة على إبطال الدور التسلسل وطالما تفيهق الفيلسوف وتشدق المتكلم وقرب ذلك بعد اللتيا والتي في عدة ورقات فقال: من أوتى جوامع الكلم فمن أعدى الأول ففهم السامع مع هذا أن اعداء الأول إن كان من اعداء غيره له فإنه لم ينته إلى غاية فهو التسلسل في المورثات وهو باطل بصريح العقل وإن انتهى إلى غاية وقد استفادت الجرب من اعداء من جرب به له فهو الدور الممتنع.
وتأمل قوله في قصة ابن اللتبية "أفلا جلس في بيت أبيه وأمه وقال: هذا أهدى لي" كيف يجد تحت هذه الكلمة الشريفة أن الدوران يفيد العلية والأصولي ربما كد خاطره حتى قرر ذلك بعد الجهد فدلت هذه الكلمة النبوية على أن الهدية لما دارت مع العمل وجودا وعدما كان العمل سببها وعلتها لأنه لو جلس في بيت أبيه وأمه لانتفت الهدية وإنما وجدت بالعمل فهو علتها.
وتأمل قوله: اللقطة وقد سئل عن لقطة الغنم فقال: "إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب" فلما سئل عن لقطة الإبل غضب وقال: "ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجرة" ففرق بين الحكمين باستغناء الإبل واستقلالها بنفسها دون أن يخاف عليها الهلكة في البرية واحتياج الغنم إلى راع وحافظ وإنه إن غاب عنها فهي عرضة للسباع بخلاف الإبل فهكذا تكون الفروق المؤثرة في الأحكام لا الفروق المذهبية التي إنما يفيد ضابط المذهب وكذلك قوله في اللحم الذي تصدق به على بريرة " هو عليها صدقة ولنا هدية" ففرق في الذات الواحدة وجعل لها حكمين مختلفين باختلاف الجهتين إذ جهة الصدقة عليها غير جهة الهدية منها وكذلك الرجلان اللذان عطسا عند النبي ﷺ فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر فلما سئل عن
стр. 902
الفرق أجاب بأن هذا حمد الله والآخر لم يحمده فدل على أن تفريقه في الأحكام لافتراقها في العلل المؤثرة فيها.
وتأمل قوله ﷺ في الميتة "إنما حرم منها أكلها " كيف تضمن التفرقة بين أكل اللحم واستعمال الجلد وبين أن النص إنما تناول تحريم الأكل وهذا تحته قاعدتان عظيمتان:
إحداهما: بيان أن التحليل والتحريم المضافان إلى الأعيان غير مجمل وأنه غير مراد به من كل عين ما هي مهيأة له وفي ذلك الرد على من زعم أن ذلك يتضمن لمضمر عام وعلى من زعم أنه مجمل.
والثانية: قطع إلحاق استعمال الجلد بأكل اللحم وأنه لا يصح قياسه عليه فلو أن قائلا قال وإن دلت الآية على تحريم الأكل وحده فتحريم ملابسة الجلد قياسا عليه كان قياسه باطلا بالنص إذ لا يلزم من تحريم الملابسة الباطنية بالتعدي تحريم ملابسة الجلد ظاهرا بعد الدباغ ففي هذا الحديث بيان المراد من الآية وبيان فساد إلحاق الجلد باللحم.
وتأمل قوله ﷺ للنعمان بن بشير وقد خص ابنه بالنحل "أتحب أن يكونوا في البر سواء" كيف تجده متضمنا لبيان الوصف الداعي إلى شرع التسوية بين الأولاد وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض فكما أنك تحب أن يستووا في برك وأن لا ينفرد أحدهم ببرك وتحرمه من الآخر فكيف ينبغي أن تفرد أحدهما بالعطية وتحرمها الآخر وتأمل قوله لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب فقال: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" كيف تجده متضمنا لحكم القاعدة التي اختلف فيها أرباب الجدل والأصوليون وهي أن التعليل بالمانع هل يفتقر إلى قيام المقتضي فعلل النبي ﷺ عصمة دمه شهود بدرا دون الإسلام العام فدل على أن مقتضى قتله كان قد وجد وعارض سبب العصمة وهو الجس على رسول الله ﷺ لكن عارض هذا المقتضي مانع منع من تأثيره وهو شهوده بدرا وقد سبق من الله مغفرته لمن شهدها وعلى هذا فالحديث حجة لمن رأى قتل الجاسوس لأنه ليس ممن شهد بدرا وإنما امتنع قتل حاطب لشهوده بدرا ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم
стр. 903
لعمر سأله عن القبلة للصائم فقال: "أرأيت لو تمضمضت " الحديث فتحت هذا إلغاء الأوصاف التي لا تأثير لها في الأحكام وتحته تشيبه الشيء بنظيره وبإلحاقه به وكما أن الممنوع منه الصائم إنما هو الشرب لا مقدمته وهو وضع الماء في الفم فكذلك الذي منع إنما هو الجماع لا مقدمته وهي القبلة فتضمن الحديث قاعدين عظمتين كما ترى.
ومن ذلك قوله وقد سئل عن الحج عن الميت فقال للسائل: "أرأيت لو كان عليه دين أكنت قاضية قال: نعم قال: فدين الله أحق بالقضاء" فتضمن هذا الحديث بيان قياس الأولى وأن دين المخلوق إذا كان يقبل الوفاء مع شحه وضيقه فدين الواسع الكريم تعالى أحق بأن يقبل الوفاء ففي هذا أن الحكم إذا ثبت في محل الأمر وثم محل آخر أولى بذلك الحكم فهو أولى بثبوته فيه ومقصود الشارع في ذلك التنبيه على المعاني والأوصاف المقتضية لشرع الحكم والعلل المؤثرة وإلا فما الفائدة في ذكر ذلك والحكم ثابت بمجرد قوله.
ومن ذلك أن النبي ﷺ ألحق الولد في قصة وليدة زمعة بعبد ابن زمعة عملا بالفراش القائم وأمر سودة أن تحتجب منه عملا بالشبه المعارض له فرتب على الوصفين حكميهما وجعله أخا من وجه دون وجه وهذا من ألطف مسالك الفقه ولا يهتدي إليه ألا خواص أهل العلم والفهم عن الله تعالى ورسوله.
وتأمل قوله في التشهد وقد علمهم أن يقولوا: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ثم قال: " فإذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح لله في السماء والأرض" كيف قرر بهذا عموم اسم الجمع المضاف وأغنانا عن طريق الأصوليين وتعسفها كذلك قوله تعالى وقد سئل عن زكاة الحمر فقال: لم ينزل علي إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ فسمى الآية جامعة أي عامة شاملة باعتبار اسم الشرط فدل على أن أدوات الشرط العموم وهذا في مخاطبته ومحاورته أكثر من أن يذكر وإنما يجهله من كلامه من لم يحط به علما.
وتأمل قوله للرجل الذي استفتاه عن امرأته وقد ولدت غلاما أسود فأنكر ذلك فقال له النبي ﷺ : "ألك إبل؟ قال: نعم قال: فما لونها؟ قال: سود
стр. 904
قال: هل فيها من أورق؟ قال: نعم قال: فأنى له ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق" كيف تضمن إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثير له في الحكم وهو مجرد اللون ومخالفة الولد للأبوين فيه وإن مثل هذا لا يوجب ريبة وأن نظيره في المخلوقات مشاهد بالحس والله تعالى خالق الإبل وخالق بنى آدم وهو الخلاق العليم فكما أن الجمل الأورق قد يتولد من بين أبوين أسودين فكذلك الولد الأسود قد يتولد من بين أبوين أبيضين وإن ما جوز به من سبب ذلك في الإبل هو بعينه قائم في بنى آدم.
فهذا من أصح المناظرات والإرشاد إلى اعتبار ما يجب من الأوصاف وإلغاء ما يجب إلغاؤه منها وإن حكم الشيء حكم نظيره وإن العلل والمعاني حق شرعا وقدرا.
فصل:
وإذا تأملت القرآن وتدبرته وأعرته فكرا وافيا اطلعت فيه من أسرار المناظرات وتقرير الحجج الصحيحة وإبطال الشبه الفاسدة وذكر النقض والفرق والمعارضة والمنع على ما يشفي ويكفي لمن بصره الله وأنعم عليه بفهم كتابه فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ فهذه مناظرة جرت بين المؤمنين والمنافقين فقال لهم المؤمنون: ﴿لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ﴾ فأجابهم المنافقون بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ فكأن المناظرة انقطعت بين الفريقين ومنع المنافقون ما ادعى عليهم أهل الإيمان من كونهم مفسدين وأن ما نسبوهم إليه إنما هو صلاح لا فساد فحكم العزيز الحكيم بين الفريقين بأن سجل على المنافقين أربع إسجالات:
أحدها: تكذيبهم.
والثاني الإخبار بأنهم مفسدون.
والثالث: حصر الفساد فيهم بقوله: ﴿هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ .
والرابع: وصفهم بغاية الجهل وهو أنه لا شعور لهم البتة بكونهم
стр. 905
مفسدين.
وتأمل كيف نفى الشعور عنهم في هذا الموضع ثم نفى العلم في قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ فقال: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فنفى علمهم بسفههم وشعورهم بفسادهم وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل أن يكون الرجل مفسدا ولا شعور له بفساده البتة مع أن أثر فساده مشهور في الخارج مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه وكذلك كونه سفيها والسفه غاية الجهل وهو مركب من عدم العلم بما يصلح معاشه ومعاده وإرادته بخلافه فإذا كان بهذه المنزلة وهو لا يعلم بحاله كان من أشقى النوع الإنساني فنفي العلم عنه بالسفه الذي هو فيه متضمن لإثبات جهله ونفى الشعور عنه بالفساد الواقع منه متضمن لفساد آلات إدراكه فتضمنت الآيتان الإسجال عليهم بالجهل وفساد آلات الإدراك بحيث يعتقدون الفساد صلاحا والشر خيرا.
وكذلك المناظرة الثانية معهم أيضا فإن المؤمنين قالوا لهم: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ فأجابهم المنافقون بقولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ وتقرير المناظرة من الجانبين أن المؤمنين دعوهم إلى الإيمان الصادر من العقلاء بالله ورسوله وأن العاقل يتعين عليه الدخول فيما دخل فيه العقلاء الناصحون لأنفسهم ولا سيما إذا قامت أدلته وصحت شواهده فأجابهم المنافقون بما مضمونه أنا إنما يجب علينا موافقة العقلاء وأما السفهاء الذي لا عقل لهم يميزون به بين النافع والضار فلا يجب علينا موافقتهم فرد الله تعالى عليهم وحكم للمؤمنين وأسجل على المنافقين بأربعة أنواع:
أحدها: تسفيههم.
الثاني: حصر السفه فيهم.
الثالث: نفي العلم عنهم.
الرابع: تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من دعواهم التنزيه من السفه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ
стр. 906
لِلْكَافِرِينَ﴾ فهذا استدلال في غاية الظهور ونهاية البيان على جميع مطالب أصول الدين من إثبات الصانع وصفات كماله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وحكمته وأفعاله وحدوث العالم وإثبات نوعى توحيده تعالى توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب الخالق الفاطر وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب الذي لا تصلح العبادة والذل والخضوع والحب إلا له ثم قرر تعالى بعد ذلك إثبات نبوة رسوله محمد أبلغ تقرير وأحسنه وأتمه وأبعده عن المعارض فثبت بذلك صدق رسوله في كل ما يقوله وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك ضرورة.
فقررت هذه الآيات هذه المطالب كلها على أحسن وجه فصدرها تعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب لجميع بني آدم يشتركون كلهم في تعلقه بهم ثم قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فأمرهم بعبادة ربهم وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعي على وجوب عبادته لأنه إذا كان ربنا الذي يربينا بنعمة وإحسانه وهو مالك ذواتنا ورقابنا وأنفسنا وكل ذرة من العبد فمملوكه له ملكا خالصا حقيقيا وقد رباه بإحسانه إليه وإنعامه عليه عبادته له وشكره إياه واجب عليه ولهذا قال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ولم يقل إلهكم والرب هو السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها فلا شيء أوجب في العقول والفطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له. ثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فنبه بهذا أيضا على وجوب عبادته وحده وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود وأنشأهم واخترعهم وحده بلا شريك باعترافهم وإقرارهم كما قال في غير موضع من القرآن ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فإذا كان هو وحده الخالق فكيف لا يكون وحده المعبود وكيف يجعلون معه شريكا في العبادة وأنتم مقرون بأنه لا شريك له في الخلق.
وهذه طريقة القرآن يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فنبه بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم وإنه لم يشركه أحد في خلق من قبلكم ولا في خلقكم وخلقه تعالى لهم
стр. 907
متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله فتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله ووحدانيته في صفاته فلا شبيه له فيها ولا في أفعاله فلا شريك له فيها ثم ذكر المطلوب من خلقهم وهو أن يتقوه فيطيعونه ولا يعصونه ويذكرونه فلا ينسونه ويشكرونه ولا يكفرونه فهذه حقيقة تقواه وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قيل إنه تعليل للأمر وقيل تعليل للخلق وقيل المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته وقيل المعنى خلقكم لتتقوه وهو أظهر لوجوه:
أحدها: أن التقوى هي العبادة والشيء لا يكون علة لنفسه.
الثاني: أن نظيره قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ .
الثالث: أن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ من الأمر.
ولمن نصر الأول أن يقول لا يمتنع أن يكون قوله لعلكم تتقون تعليلا للأمر بالعبادة ونظيره قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فهذا تعليل لكتب الصيام ولا يمتنع أن يكون تعليلا للأمرين معا وهذا هو الأليق بالآية والله أعلم. ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ فذكر تعالى دليلا آخر متضمنا للاستدلال بحكمته في مخلوقاته فالأول متضمن لأصل الخلق والإيجاد ويسمى دليل الاختراع والإنشاء والثاني متضمن للحكم المشهودة في خلقه ويسمى دليل العناية والحكمة وهو تعالى كثيرا ما يكرر هذين النوعين من الاستدلال في القرآن ونظيره قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ فذكر خلق السموات والأرض ثم ذكر منافع المخلوقات وحكمها ونظيره قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الأرْضَ
стр. 908
قَرَاراً وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾ إلى آخر الآيات على أن في هذه الآيات من الأسرار والحكم بما بحسب عقول العالمين أن يفهموه ويدركوه ولعله أن يمر بك إن شاء الله التنبيه على رائحة يسيرة من ذلك.
ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وهذا كثير في القرآن لمن تأمله.
وذكر سبحانه في سورة البقرة قرار العالم وهو الأرض وسقفه وهو السماء وأصول منافع العباد وهو الماء الذي انزله من السماء فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه ونبه تعالى بجعله للأرض فراشا على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها فجعلها فراشا ومهادا وبساطا وقرارا وجعل سقفها بناء محكما مستويا لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب ثم قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها وظفر العقل بها بأول وهلة وخلوصها من كل شبهة وريبة وقادح وإن كل متكلم ومستدل ومحاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله وأعرض القول فيه فغايته إن صح ما يذكره أن ينتهي إلي بعض ما في القرآن فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد أي إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال فكيف يجعلون له أندادا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله إعجاز القرآن في بلاغته.
فلما قرر نوعي التوحيد انتقل إلى النبوة فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن حصل لكم ريب في القرآن الكريم وصدق من جاء به وقلتم إنه مفتعل فأتوا بسورة واحدة تشبهه وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم ومن المحال أن يأت واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه ثم يطالب أهل الأرض بجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه
стр. 909
يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك حتى أن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه فإنهم أتوا بشيء يستحي العقلاء من سماعه ويحكمون بسماجته وقبح ركاكته وخسته فهو كمن أظهر طيبا لم يشم احد مثل ريحه قط وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم وجاء الحمقاء بعذرة منتنة خبيثة وقالوا قد جئنا بمثل ما جئت به فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ كما يقول المعجز لمن يدعى مقاومته أجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا إن كان غير إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله والنبي ﷺ يقرأ هذه الآية وأمثالها على أصناف الخلائق أميهم وكتابيهم وعربهم وعجمهم ويقول لن تستطيعوا ذلك ولن تفعلوه أبدا فيعدلون معه إلى الحرب والرضى بقتل ألأحباب فلو قدروا على الإتيان بسورة واحدة لم يعدلوا عنها إلى اختيار المحاربة وأيتام الأولاد وقتل النفوس والإقرار بالعجز عن معارضته.
وتقرير النبوة بهذه الآية وجوه متعددة: هذا أحدها.
وثانيها: إقدامه هذا الأمر وإسجاله على الخلائق إسجالا عاما إلى يوم القيامة أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا فهذا لا يقدم عليه ويخبر به إلا عن علم لا يخالجه شك مستند إلى وحي من الله تعالى وإلا فعلم البشر وقدرته يضعفان عن ذلك.
وثالثها: النظر إلى نفس ما تحدى به وما اشتمل عليه من الأمور التي تعجز قوى البشر على الإتيان بمثله الذي فصاحته ونظمه وبلاغته فرد من أفراد إعجازه.
وهذا الوجه يكون معجزة لمن سمعه وتأمله وفهمه وبالوجهين الأولين يكون معجزة لكل من بلغة خبره ولو لم يفهمه ولم يتأمله فتأمل هذا الموضع من إعجاز القرآن تعرف فيه قصور كثير من المتكلمين وتقصيرهم في بيان إعجازه وأنهم
стр. 910
لن يوفوه عشر معشار حقه حتى قصر بعضهم الإعجاز على صرف الدواعي عن معارضته مع القدرة عليها وبعضهم قصر الإعجاز على مجرد فصاحته وبلاغته وبعضهم على مخالفة أسلوب نظمه لأساليب نظم الكلام وبعضهم على ما اشتمل عليه من الإخبار بالغيوب إلى غير ذلك من الأقوال القاصرة التي لا تشفي ولا تجدي وإعجازه فوق ذلك ووراء ذلك كله فإذا ثبتت النبوة بهذه الحجة القاطعة فقد وجب على الناس تصديق الرسول في خبره وطاعة أمره وقد أخبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وعن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك يقينا فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ الآية فاشتملت الآيات على تقرير مهمات أصول الدين من إثبات خالق العالم وصفاته ووحدانيته ورسالة رسوله والمعاد الأكبر ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ الآية وهذا جواب اعتراض اعترض به الكفار على القرآن وقالوا إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة فلو كان ما جاء به محمد كلام الله لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة فأجابهم الله تعالى بأن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل وإدحاضه كان من أحسن الأشياء والحسن لا يستحيا منه فهذا جواب الاعتراض فكأن معترضا اعترض على هذا الجواب أو طلب حكمه ذلك فأخبر تعالى عما له في ضرب تلك الأمثال من الحكمة وهي إضلال من شاء وهداية من شاء ثم كأن سائلا سأل عن حكمة الإضلال لمن يضله بذلك فأخبر تعالى عن حكمته وعدله وأنه إنما يضل به الفاسقين: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ﴾ فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سببا لأن أضلهم وأعماهم عن الهدى.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ
стр. 911
تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله تعالى أمر مستقر في الفطر والعقول وأنه لا عذر لأحد في الكفر به البتة.
فذكر تعالى أربعة أمور ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم والرابع منتظر موعود به وعد الحق:
الأول: كونهم كانوا أمواتا لا أرواح فيهم بل نطفا وعلقا ومضغة مواتا لا حياة فيها.
الثاني: أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة.
الثالث: أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة.
الرابع: أنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول ويكذب بالرابع وهل الرابع إلا طور من أطوار التخليق فالذي أحياكم بعد أن كنتم مواتا ثم أماتكم بعد أن أحياكم ما الذي يعجزه عن إحيائكم بعد ما يميتكم وهل إنكاركم ذلك إلا كفر مجرد بالله تعالى فكيف يقع منكم بعد ما شاهدتموه ففي ضمن هذه الآية الاستدلال على وجود الخالق وصفاته وأفعاله على المعاد ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أعلم مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أعلم غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فهذه كالمناظرة من الملائكة والجواب عن سؤالهم كأنهم قالوا إن استخلفت في الأرض خليفة كان منه الفساد وسفك الدماء وحكمتك تقتضي أن لا تفعل ذلك وإن جعلت فيها فتجعل فيها من يسبح بحمدك ويقدس لك ونحن نفعل ذلك فأجابهم تعالى عن هذا السؤال بأن له من الحكمة في جعل هذا الخليفة في الأرض ما لا تعلمه الملائكة وإن وراء ما زعمتم من الفساد مصالح وحكما لا تعلمونها أنتم وقد ذكرنا منها قريبا من أربعين حكمة في كتاب التحفة المكية فاستخرج تعالى من هذا الخليفة
стр. 912
وذريته الأنبياء والرسل والأولياء والمؤمنين وعمر بهم الجنة وميز الخبيث من ذريته من الطيب فعمر بهم النار.
وكان في ضمن ذلك من الحكم والمصالح ما لم يكن للملائكة تعلمه ثم إنه سبحانه أظهر فضل الخليفة عليهم بما خص به من العلم الذي لم تعلمه الملائكة وأمرهم بالسجود له تكريما له وتعظيما له وإظهار لفضله.
وفي ضمن ذلك من الحكم ما لا يعلمه إلا الله فمنها امتحانهم بالسجود لمن زعموا أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء فأسجدهم له وأظهر فضله عليهم لما أثنوا على أنفسهم وذموا الخليفة كما فعل سبحانه ذلك بموسى لما أخبر عن نفسه أنه أعلم أهل الأرض فامتحنه بالخضر وعجزه معه في تلك الوقائع الثلاث وهذه سنته تعالى في خليقته وهو الحكيم العليم.
ومنها خبره لهذا الخليفة وابتداؤه له بالإكرام والإنعام لما علم مما يحصل له من الانكسار والمصيبة والمحنة فابتدأه بالجبر والفضل ثم جاءت المحنة والبلية والذل وكانت عاقبتها إلى الخبر والفضل والإحسان فكانت المصيبة التي لحقته محفوفة بإنعامين إنعام قبلها وبعدها ولذريته المؤمنين نصيب مما لأبيهم فإن الله تعالى أنعم عليهم بالإيمان ابتداء وجعل العاقبة لهم فما أصابهم بين ذلك من الذنوب والمصائب فهي محفوفة بإنعام قبلها وإنعام بعدها فتبارك الله رب العالمين.
ومنها استخراجه تعالى ما كان كامنا في نفس عدوه إبليس من الكبر والمعصية الذي ظهر عند أمره بالسجود فاستحق اللعنة والطرد والإبعاد على ما كان كامنا في نفسه عند إظهاره والله تعالى كان يعلم منه ولم يكن ليعاقبه ويلعنه على علمه فيها بل على وقوع معلومة فكان أمره بالسجود له مع الملائكة مظهرا للخبث والكفر الذي كان كامنا فيه ولم تكن الملائكة تعلمه فأظهر لهم سبحانه ما كان يعلمه وكان خافيا عنهم من أمره فكان في الأمر بالسجود له تكريما لخليفته الذي أخبرهم بجعله في الأرض وجبرا له وتأديبا للملائكة وإظهارا لما كان مستخفيا في نفس إبليس وكان ذلك سببا لتمييز الخبيث من الطيب وهذا من بعض حكمه تعالى في إسجادهم لآدم ثم إنه سبحانه لما
стр. 913
علم أدم ما علمه ثم امتحن الملائكة بعلمه فلم يعلموه فأنبأهم به آدم وكان في طي ذلك جوابا لهم عن كون هذا الخليفة لا فائدة في جعله في الأرض فإنه يفسد فيها ويسفك الدماء فأراهم من فضله وعلمه خلاف ما كان في ظنهم
فصل مناظرة إبليس في آدم.
في ذكر مناظرة إبليس عدو الله في شأن آدم وإنائه من السجود له وبيان فسادها وقد كرر الله تعالى ذكرها في كتابه وأخبر فيها أن امتناع إبليس من السجود كان كبرا منه وكفرا ومجرد إباء وإنما ذكر الشبهة تعنتا وإلا فسبب معصيته الاستكبار والإباء والكفر وإلا فليس في أمره بالسجود لآدم ما يناقض الحكمة بوجه وأما شبهته الداحضة وهي أن أصله وعنصره النار وأصل آدم وعنصره التراب ورتب علي ذلك أنه خير من آدم ثم رتب على هاتين المقدمين أنه لا يحسن منه الخضوع لمن هو فوقه وخير منه فهي باطلة من وجوه عديدة منها أن دعواه كونه خيرا من آدم دعوى كاذبة باطلة واستدلاله عليها بكونه مخلوقا من نار وآدم من طين استدلال باطل وليست النار خيرا من الطين والتراب بل التراب خير من النار وأفضل عنصرا من وجوه:
أحدها: أن النار طبعها الفساد وإتلاف ما تعلقت به بخلاف التراب.
الثاني: أن طبعها الخفة والحدة والطيش والتراب طبعه الرزانة والسكون والثبات
الثالث: أن التراب يتكون فيه ومنه أرزاق الحيوان وأقواتهم ولباس العباد وزينتهم والآت معايشهم ومساكنهم والنار لا يتكون فيها شيء من ذلك
الرابع: أن التراب ضروري للحيوان لا يستغني عنه البتة ولا عن ما يتكون فيه ومنه والنار يستغني عنها الحيوان البهيم مطلقا وقد يستغنى عنها الإنسان الأيام والشهور فلا تدعوه إليها الضرورة فأين انتفاع الحيوان كله بالتراب إلى انتفاع الإنسان بالنار في بعض
стр. 914
الأحيان.
الخامس: أن التراب إذا وضع فيه القوت أخرجه أضعاف أضعاف ما وضع فيه فمن بركته يؤدي إليك ما تستودعه فيه مضاعفا ولو استودعته النار لخانتك وأكلته ولم تبق ولم نذر.
السادس: أن النار لا تقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به فيكون حاملا لها والتراب لا يفتقر إلى حامل فالتراب أكمل منها
السابع: أن النار مفتقرة إلى التراب وليس بالتراب فقر إليها فإن المحمل الذي تقوم به النار لا يكون إلا مكونا من التراب أو فيه فهي الفقيرة إلى التراب وهو الغني عنها
الثامن: أن المادة الإبليسية هي المارج من النار وهو ضعيف يتلاعب به الهوى فيميل معه كيفما مال ولهذا غلب الهوى على المخلوق منه فأسره وقهره ولما كانت المادة الآدمية التراب وهو قوي لا يذهب مع الهوى أينما ذهب وقهر هواه وأسره ورجع إلى ربه فاجتباه واصطفاه فكان الهوى الذي مع المادة الآدمية عارضا سريع الزوال فزال وكان الثبات والرزانة أصليا له فعاد إليه وكان إبليس بالعكس من ذلك فرجع كل من الأبوين إلى أصله وعنصر آدم إلي أصله الطيب الشريف واللعين إلى أصله الردىء.
التاسع: أن النار وإن حصل بها بعض المنفعة والمتاع فالشر فيها لا يصدها عنه إلا قسرها وحبسها ولولا القاسر والحابس لها لأفسدت الحرث والنسل وأما التراب فالخير والبر والبركة كامن فيه كلما أثير وقلب ظهرت بركته وخيره وثمرته فأين أحدهما من الآخر.
العاشر: أن الله تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه وأخبر عن منافعها وخلقها وأنه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات ودعا عباده إلى التفكر فيها والنظر في آياتها وعجائب ما أودع فيها ولم يذكر النار إلا في معرض العقوبة والتخويف والعذاب إلا موضعا أو موضعين ذكرها فيه بأنها تذكرة ومتاع للمقوين تذكرة بنار الآخرة ومتاع لبعض أفراد الإنسان وهم المقوون النازلون بالأرض الخالية إذا نزلها المسافر تمتع بالنار في منزلة فأين هذا من أوصاف الأرض في القرآن.
الحادي عشر: أن الله تعالى وصف الأرض بالبركة في غير موضع من كتابه خصوصا وأخبر أنه بارك فيها عموما فقال: ﴿أَإِنَّكُمْ
стр. 915
لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ فهذه بركة عامة وأما البركة الخاصة ببعضها فكقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وأما النار فلم يخبر أنه جعل فيها بركة أصلا بل المشهور أنها مذهبة للبركة ما حقه لها فأين المبارك في نفسه المبارك فيما وضع فيه إلى مزيل البركة وما حقها.
الثاني عشر: أن الله تعالى جعل الأرض محل بيوته التي يذكر فيها اسمه ويسبح له فيها بالغدو والآصال عموما وبيته الحرام الذي جعله قياما للناس مباركا فيه وهدى للعالمين خصوصا ولو لم يكن في الأرض إلا بيته الحرام لكفاها ذلك شرفا وفضلا على النار.
الثالث عشر: أن الله تعالى أودع في الأرض من المنافع والمعادن والأنهار والعيون والثمرات والحبوب والأقوات وأصناف الحيوانات وأمتعتها والجبال والجنان والرياض والمراكب البهية والصور البهيجة ما لم يودع في النار شيئا منه فأي روضة وجدث في النار أو جنة أو معدن أو صورة أو عين فوارة أو نهر مطرد أو ثمرة لذيذة أو زوجة حسنة أو لباس وسترة.
الرابع عشر: أن غاية النار أنها وضعت خادمة لما في الأرض فالنار إنما محلها محل الخادم لهذه الأشياء المكمل لها فهي تابعة لها خادمة فقط إذا استغنت عنها طردتها وأبعدتها عن قربها وإذا احتاجت إليها استدعتها استدعاء المخدوم لخادمة ومن يقضي حوائجه.
الخامس عشر: أن اللعين لقصور نظره وضعف بصيرته رأى صورة الطين ترابا ممتزجا بماء فاحتقره ولم يعلم أن الطين مركب من أصلين الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حي والتراب الذي جعله خزانة المنافع والنعم هذا وكم يجىء من الطين من المنافع وأنواع الأمتعة فلو تجاوز نظره صورة الطين إلى مادته ونهايته لرأى أنه خير من النار وأفضل وإذا استقريت الوجوه التي تدلك على أن التراب أفضل من النار وخير
следующие страницы →