← Джавами‘

Джавами‘ · id 12003

بدائع الفوائد - ط الكتاب العربي

ابن القيم

Полный текст (992 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الحاشية بخط القاضي قوله: "أو بالكنيسة يحتمل أن يريد به يستحلفه بالله في الكنيسة ولم يرد أن يحلفه بها ويحتمل أن يريد يستحلفه بالله ويضم إليه وهدم الله الكنيسة". قلت: ما تقول في الصفي؟ قال: "ذلك شيء للنبي ﷺ خاصة" قلت: قال الله : ﴿لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية أن جعلها رجل في صنف واحد أجزأ عنه قال لي: "ما علمت أن أحدا قال بذا يجعل في الأصناف كلها" وقال: "أرأيت إن كان عنده عشرة آلاف وعليه عشرة آلاف لا يحج ما تقول في حج هذا إذا حج؟ قلت: على القياس حجه فاسد على قول من قال ليس له أن يحج من هذا المال فقال لي: "ما يرى هذا إلا شنيع". قلت: هذا القياس غير صحيح لأنه وإن كان دينه بقدر ما بيده فهو لم يحج بمال حرام حتى تكون مسألة الحج بالمال الحرام وإنما حج بماله نفسه ولكنه أثم بتأخير قضاء الدين من هذا المال ولو أنه اكتسب في هذا المال ونما لكان نماؤه لم يختص به ولو تصدق منه لكان ثوابه له فلا يصح قياسها على ما لو سرق مالا لغيره وحج به. عدنا إلى المسائل: قلت: وتخرج صدقة قوم من بلد إلى بلد؟ قال: "لا إلا أن يكون فيها فضل عنهم" قلت: كيف يكون عن فضل؟ قال: "يعطيهم ما يكفيهم ويخرج الفضل عنهم لأن الذي كان يجىء المدينة إلى النبي ﷺ بكر وعمر إنما من فضل عنهم". وقال لي أبو عبد الله: "إذا بيت فإصاب نساءهم فليس عليه كفارة وليس عليه شيء وإذا عمد فليس عليه أيضا لا دية ولا كفارة ولكن لا يقتل لا يدخل في نهي النبي ﷺ ". وقال أبو عبد الله: "إنما الجهر بالقراءة في الجماعة أرأيت إن صلى وحده عليه أن يجهر إنما الجهر في الجماعة إذا صلى". وسألوه عن الجرح يكون بالإنسان يخاف عليه كيف يمسح عليه؟ قال: "ينزع الخرقة ثم يمسح على الجرح نفسه". قلت: هذا النص خلاف المشهور عند الأصحاب فإنهم يقولون إذا كان مكشوفا لم يمسح عليه حتى يستره فإن لم يكن مستورا تيمم

стр. 842

له ونص أحمد صريح في أنه يكشف الخرقة ثم يباشر الجرح بالمسح وهذا يدل على أن مسح الجرح البارز أولى من مسح الجبيرة وأنه خير من التيمم. وهذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه وهو المحفوظ عن السلف من الصحابة والتابعين ولا ريب أنه بمقتضى القياس فإن مباشرة العضو بالمسح الذي هو بعض الغسل المأمور به أولى من مباشرة غير ذلك العضو بالتراب ولم أزل أستبعد هذا حتى رأيت نص أحمد هذا بخلافه. ومعلوم أن المسح على الحائل إنما جاء لضرورة المشقة بكشفة فكيف يكون أولى من المسح على الجرح نفسه بغير حائل فالقياس والآثار تشهد بصحة هذا النص والله أعلم. وقد ذكرت في الكتاب الكبير الجامع بين السنن والآثار من قال بذلك من السلف وذكرت الآثار عنهم بذلك وكان شيخنا أبو العباس بن تيمية رحمة الله يذهب إلى هذا ويضعف القول بالتيمم بدل المسح. رجعنا إلى المسائل: وقال: "إذا كان الإمام من أئمة الأحياء يسكر هذا لا تقبل صلاته أربعين يوما كيف أصلي خلف هذا لي أن أختار ليس هو والي المسلمين والصلاة خلف الولاة لا بد والصلاة خلف أئمة الأحياء لنا أن نختار". قال أبو عبد الله: "لم ترث بنات عم من مواليه شيئا". ومن مسائل الفضل بن زياد القطان: سمعت أحمد وسئل عن الرجل يختن نفسه؟ فقال: "إذا قوي على ذلك". قلت: من أقرأهم؟ قال: "أحفظهم". سألت أحمد عن المتطوع جالسا هل يتربع؟ قال: "إن كان يطيل القراءة تربع وإن كان يكثر الركوع والسجود لم يتربع". وسألت أحمد ﵁ عن الرجل يصلي تطوعا فيصير بعض ذلك عن والديه؟ فقال: "أما الطواف فقد سمعنا وأما الصلاة فما أدري أحتاج أن انظر فيه". وسمعته يسأل عن القنوت قبل الركوع أو بعد؟ فقال:

стр. 843

"كل حسن إلا أني أختار بعد الركوع". وسألته إذا قنت الرجل في الوتر يكبر ثم يقنت؟ فقال: "إذا قنت قبل الركوع ففرغ من القراءة كبر ثم قنت وإن قنت بعد الركوع فرفع رأسه من الركوع قال: اللهم إنا نستعينك ونستهديك ولم يكبر". وسألته عن قدر القيام في القنوت؟ فقال: "كقنوت عمر". وسمعته وسئل عن الإمام يقنت ويؤمّن من خلفه؟ قال: "ما أحسنه إلا أنا نحن ندعوا جميعا". سألت أحمد قلت: أختم القرآن أجعله في الوتر أو في التراويح؟ قال: "إجعله في التراويح قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة وأطل القيام". وسألت أحمد عن إمام قوم إذا آخر ليلة من الشهر أقبل على الناس ووعظ وذكر وحمد الله وأثنى عليه ودعا قال: "حسن قد كان عامة البصريين يفعلون هذا". أخبرنا أحمد ثنا عبد الرزاق انبأ عقيل عن معقل بن وهب بن منبه عن جابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ عن النشرة؟ فقال: "هي من الشيطان". كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث ابن عباس "إياكم والغلو" ما معنى الغلو؟ فأتاني الجواب: "يغلوا في كل شيء في الحب والبغض". صافحت أبا عبد الله كثيرا فصافحني وابتدأني بالمصافحة غير مرة ورأيته يصافح الناس كثيرا. أخبرنا أبو طالب عن أبي عبد الله قال: قلت: هؤلاء إذا قلنا لهم يهديكم الله يصلح بالكم قالوا إنما يقال هذا لليهود أليس بقرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قلت: أليس دعاء النبي ﷺ "اهدني فيمن هديت" قال: "بلى الفضل". قال أبو طالب: سألته عن اليهود والنصارى من أمة محمد ﷺ قال: لا النبي ﷺ يقول: "أمتي أمتي " يقع على اليهودي والنصارى. وسألت أبا عبد الله عن الرجل يشتري الأضحية ثم يبدوا له أن يشترى خيرا منها؟ قال: "إذا سماها فلا يبيعها إلا لمن يريد أن يضحى بها". وسألت عن الإزار تحت السرة أعجب إليك أم فوق السرة؟ فقال: "تحت السرة". وسمعت يسأل عن معنى "لا تراءى نارهما"؟ فقال: "لا ينزل من المشركين في موضع إذا أوقدت رأوا فيه نارك وإذا أوقدوا رأيت فيه نارهم ولكن تباعد عنهم". وسألته عن طواف الزيارة

стр. 844

كم هو؟ قال: "واحد وعشرون طوافا ثلاثة أسابيع لذلك أعجب إلينا". قلت: يريد أحمد أن أكمل الطواف ثلاثة أسابيع سبعة للقدوم وسبعة للإفاضة وسبعة للوداع فأجاب السائل عن سؤاله وغيره وقد صرح بهذا في مواضع أخرى. وسمعته يقول لقوم قدموا من مكة "يبارك الله لكم في مقدمكم وتقبل منكم". وسمعته وقد سئل عن المرأة تلبس الحلي وهي محرمة؟ فقال: "لا بأس به". وسمعته وقد سئل عن محرم أحرم من خرسان فلما صار ببغداد مات أوصى أن يحج عنه يحرم عنه من بغداد أو من المواقيت؟ قال: "من المواقيت". وسألته عن المحرم يستظل؟ قال: "لا يستظل". قلت: عليه دم؟ فقال: "الدم عندي كثير". وكتبت إليه أسأله عن رجل له قرابات محاويج لا يعرفون شرائع الإسلام ولا يتعلمونه أيضع زكاته فيهم أو في من يعرف شرائع من غير القرابات؟ فأتى الجواب: "ينبغي له أن يعلمهم ويضعها فيهم ويعطيهم من غير الزكاة". وكتبت أسأله عن الحديث "من أقر بالخراج وهو قادر على أن لا يقر به فعليه لعنة الله"؟ فأتى الجواب: "ما سمعت بهذا هو حديث منكر وقد روى عن ابن عمر "أنه كان يكره الدخول في الخراج" وإنما كان الخراج على عهد عمر. وسألته عن الرجل يكتب عن الرجل ولا يراه؟ فقال: "كتبت عن علي بن هشام ولم أره". نافع عن ابن عمر قال: "كان يبعث بها قبل الفطر باليومين والثلاثة إلى المجمع وكان عطاء يعطي عن أبوية صدقة الفطر حتى مات قيل لأبى عبد الله يعجبك هذا؟ قال: "هذا تبرع ما أحسن هذا"؟ سمعت أبا عبد الله يقول: "أكذب الناس القصاص والسؤال" وسمعت يرد على السائل إذا وقف ببابه "أعاننا الله وإياك" كتبت إليه أسأله عن رجل يعمل الخوص قوته ليس يصيب منه أكثر من ذلك هل يقدم على التزويخ فأتاني الجواب "يقدم على التزويج فإن الله يأتي برزقه ويتزوج ويستقرض" وسألته عن رجل تزوج امرأة على ألف درهم فبعث إليها بقيمته متاعا وثيابا ولم يخبرهم أنه من الصداق فلما دخل بها سألته الصداق؟ فقال أبو عبد الله: "لها ذلك" قلت: فإنه قال لها إني قد بعثت إليك بهذا المتاع واحتسبته

стр. 845

من الصداق فقالت المرأة: إنما صداقي دراهم فقال ابن عبد الله: "صدقت" قلت: كيف يصنع بهذا؟ قال: "ترد عليه الثياب والمتاع وترجع المرأة عليه بصداقها" وسئل عن رجل قال لامرأته: أنت طالق ثلاثا إن لبست من غزلك وعليه من غزلها يلقى ما عليه من غزلها ساعة وقعت اليمين قيل له فإن هو نسي وذكر بعد؟ قال: "يلقيه عنه ساعة ذكر" قيل له: فإن مشى خطوات وهو ذاكر له يقول الساعة ألقيه أخشى أن يكون قد حنث قلت: هذا منصوص أحمد ههنا وفي مسألة الحمل إذا قال إن حملت فأنت طالق فبانت حاملا طلقت وقال صاحب المحرر: "وعندي أنها لا تطلق إلا بحمل متجدد وقد أوافق أبو البركات على مسألة اللبس فقال: إذا حلف لا يلبس ثوبا هو لابسه أو لا يسكن دارا هو ساكنها أو لا يساكن فلانا وهو مساكنه فاستدام ذلك حنث وكذلك إذا حلف أن لا يتسرى فوطىء أمة له قال يحنث" ثم قال: "وإن حلف لا يتطيب وهو متطيب أولا يتطهر وهو متطهر أو لا يتزوج وهو متزوج فاستدام ذلك لم يحنث" ثم قال: "وإن حلف لا يدخل دارا هو فيها فهل يحنث بالاستدامة إذا لم تكن له نية فعلى وجهين. وهذه المسألة تحتاج إلى فرق صحيح ويعسر أو يتعذر إبداؤه فأما إن اعتبرنا النية فالجميع سواء وإن تعذر اعتبار النية لم يظهر فرق البتة بين أن يحلف أن لا يتسرى أو أن يحلف أن لا يتزوج فيحنث بوطء أمته بخلاف التزوج فإن وطء الزوجة لا يقال له تزوج وهذا الفرق ليس بشيء فإن التزوج أيضا مأخوذ من ضم الزوج إلى زوجة ولكن عند الإطلاق لا يفهم من التسري والتزوج إلا تجديد فراش أمته أو زوجه فإن كان استدامة فراش الأمة يعد تسريا فاستدامه فراش الزوجة يعد زواجا وبالجملة فلا يظهر لي في هذه المسائل فرق يعتمد عليه. عدنا وسئل عن امرأة اختلعت من زوجها في مرضه فمات وهي في العدة لا ترثه ليس هي مثل الطلاق ابتداء والخلع هو من قبلها حديثا أبو طالب عن أبي عبد الله أنه سأله عن الأمة إذا فقدت

стр. 846

زوجها تتربص سنتين على النصف من الحرة سمعت أحمد يقول في حديث أبي هريرة "من حمل جنازة فليتوضأ " فقال: "كأنه يقول لا يحملها حتى يتوضأ" أو كما قال وسألته عن قوم مات فيهم ميت وليس عندهم ماء؟ فقال: "يتيمم" قلت: فإنهم يمحوه وصلوا عليه وأصابوا الماء قال: "لا أدري ما هذا لم أسمع في هذا بشيء" وكتبت إليه أسأله عن زائر القبر يقف قائما أو يجلس؟ فأتى الجواب "أرجوا أن لا يكون به بأس" ومن مسائل أحمد بن أحرم بن خزيمة بن عباد بن عبد الله ابن حسان بن عبد الله بن المغفل المزني الصحابي: سمعته وقال له رجل: (جمعنا الله تعالى وإياك في مستقر رحمته) فقال: "لا تقل هكذا". قلت: اختلف السلف في هذه الدعوة وذكرها البخاري في كتاب الأدب المفرد له وحكى عن بعض السلف أنه كرهها وقال: "مستقر رحمته ذاته" هذا معنى كلامه وحجة من أجازها ولم يكرهها الرحمة هنا المراد الرحمة المخلوقة ومستقرها الجنة وكان شيخنا يميل إلى هذا القول انتهى. وسئل عن رجل استأجر أجيرا على أن يحتطب له على حمارين كل يوم ينقل عليهما وكان الأجير ينقل على الحمارين وعلى حمار رجل آخر في نوبة هذا أو يأخذ منه الأجر فقال: "إن كان يدخل عليه فيه ضررا رجع عليه بالقيمة" أو قال كلاما هذا معناه. قلت: وشبيه بهذه المسألة إذ أخذ من رجل مالا مضاربة ثم ضارب لغيره وعلى الأول ضرر في ذلك فإنه يرد حصته من الربح في شركة الأول ووجه هذا أن منافعه صارت مستحقة للمستأجر والمضارب فإذا بذلها لغيره بعوض كان العوض لمستحقها. وسأله رجل أن والدي توفي وترك عليه دينا أفأقضيه من زكاة مالي؟ قال: "لا".

стр. 847

وسئل عن رجل أسلم في طعامه إلى أجل مسمى فإذا حل الأجل يشترى منه عقارا أو دارا؟ فقال: "نعم يشترى منه مالا يكال ولا يوزن" وسمعته سئل عن رجل حلف أن لا يلبس من غزل امرأته فخاط الخياط من غزلها فلم يجب فيه شيء وسئل عن امرأة رميت فأقرت على نفسها ثم ولدت فبلغ زوجها فطلقها؟ قال: "الولد للفراش حتى يلاعن" وسئل عن رجل أسلم من أهل حرب في دار الحرب ثم دخل دار الإسلام وليس له ولى في دار الإسلام فقتله رجل من المسلمين خطأ أيلزم المسلم الدية مع الرقبة؟ قال: "الذي أذهب إليه أنه ليس عليه دية وعليه رقبة". وسئل عمن طاف وراء المقام وقيل له روى عن عطاء أنه قال: "من لم يمكنه الطواف إلا خلف المقام جلس" كأن عطاء كره الطواف خلف المقام فقال: "من روى هذا ليس هذا بشيء الذي يكره من هذا أكثر لتعبه وأعظم لأجره" قيل له: طاف من وراء السقاية؟ قال: "نعم هو أكثر لتعبه" قيل له: تذهب إلى حديث عبد الله بن حكيم أن النبي ﷺ قال: "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب " قال: "نعم" قيل له: وقد رواه خالد الحذاء عمن سمع عبد الله بن عكيم قال: "قد رواه شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم أصح من هذا وقد رواه عباد ورواه شعبة عن الحكم كأنه صححه من غير حديث خالد. ومن مسائل الفضل بن زياد القطان: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن حديث النعمان بن بشير "من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه" ما الشبهات؟ فأتاني الجواب "هي منزلة بين الحلال والحرام إذا استبرأ لدينه لم يقع فيها". أحمد ﵁ حدثنا عبد الأعلى عن هشام عن محمد يعنى ابن واسع أنه كان يكره أن يشترى بالدنانير إلا العتق وبالدراهم التي فيها

стр. 848

كتاب الله أن يشترى بها أو يبيع. وقال أحمد: "سمعت من معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: "كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البحر منهم طلحة بن عبد الله وسعيد بن زيد". سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن بيع الجزاف؟ فقال: "إذا استوى علمهما فلا بأس" يعنى إذا جهلا به فإذا علم أحدهما وجهل الآخر فلا وسألته قلت: القطن يبيعه فيرفع ظرفه العدل خمسة أمنان؟ قلت نعم وربما زاد فيحسبه المشترى فرخص فيه ولم ينكره على طريق الصلح قلت: فإنا نبيع بيعا آخر نبيع القطن في الكساء فقال: "هذا أحب إلى من ذلك لأنه يكون بمنزلة التمر في جلالته وقواصره ما زال هذا يباع في الإسلام" قلت: فإنهم يحملونا على أن نكشفه؟ فقال: "هذا ضرورة ليس عليكم هذا" قال القاضي: "إنما لم يشترط كشفه على الرواية التي أجاز بيع الجرب قبل حلها وقوله نبيعه بظرفه أحب إلى من أن يحتسب بوزن الظرف لأنهم ربما اختلفوا في وزنه" انتهى. قلت: قول أحمد نبيع القطن في الكساء أحب إلي وقوله لأنه ربما يكون بمنزلة التمر في جلاله وقواصره ما زال هذا يباع في الإسلام يؤخذ منه بيع المغيبات في الأرض كالجزر والقلقاس والسلجم ونحوها بل أولى وما زال هذا يباع في الإسلام ويتعذر عليهم بيع المزارع إلا هكذا وعلمهم بما في الأرض أتم من علم المشترى بما في الجرب والإعدال لأنهم يعرفونه بورقه ولا يكاد تخلو معرفتهم به بل ربما كان اختلاف ما في الجرب والإعدال أكثر من اختلاف المغيب في الأرض والعسر فيه أكثر لأنه بحسب دواعي البسر وما في الأرض لا صنع لهم فيه فالغالب تساويه وبالجملة فلم يزل ذلك يباع في الإسلام. وهذه قاعدة من قواعد الشرع عظيمة النفع أن كل ما يعلم أنه لا غنى بالأمة عنه ولم يزل يقع في الإسلام ولم يعلم من النبي ﷺ تغييره ولا إنكاره ولا من الصحابة فهو من الدين وهذا كإجارة الاقطاع وبيع المعاطاة وقرض الخبز والخمير ورد أكثر منه وأصغر وأكل الصيد من غير تفريز محل أنياب الكلب ولا غسله وصلاة المسلمين

стр. 849

في جراحاتهم كما قال البخاري: "لم يزل المسلمون يصلون في جراحاتهم ومسحهم سيوفهم من غير غسل وصلاتهم وهم حاملوها" ولو غسلت السيوف لفسدت ولا يعرف في الإسلام غسل السيوف ولا إلقاؤها وقت الصلاة وكذلك صلاة النساء في ثياب الرضاعة أمر مستمر في ألإسلام مع أن الصبيان لا يزال لعابهم يسيل على الأمهات وهم يتقيئون ولا تغسل أفواههم وكذلك البيع والشراء بالسعر لم يزل واقعا في الإسلام حتى أن من أنكره لا يجد منه بدا فإنه يأخذ من اللحام والخباز وغيرهما كل يوم ما يحتاج إليه من غير أن يساومه على كل حاجة ثم يحاسبه في الشهر أو العام ويعطيه ثمن ذلك فما يأخذه كل يوم إنما يأخذه بالسعر الواقع من غير مساومة وكذلك الإجارة بالسعر في مثل دخول الحمام وغسل الغسال وطبخ الطباخ والخباز وغيرهم لم يزل الناس يفعلون ذلك من غير تقدير إجارة اكتفاء منهم بإجارة المثل وقد نص الله على جواز النكاح من غير تسمية وحكم النبي ﷺ المثل فإذا كان هذا في النكاح ففي سائر العقود من البيوع والإجارات أولى وأحرى وقول القائل: الصداق في النكاح دخيل غير مقصود ولا ركن كلام لا تحقيق وراءه بل هو عوض مقصود تنكح عليه المرأة وترد بالعيب وتطالب به وتمنع نفسها من التسليم قبل قبضه حيث يكون لها ذلك وهو أحق أن يوفى به من ثمن المبيع وعوض الإجارة فهو في هذا العقد أدخل من ثمن المبيع وعوض الإجارة فيهما ولأن منافع الإجارة والأعيان المباعة قد تستباح بغير عوض بل تباح بالبدل بخلاف منفعة البضع والمرأة لم تبذل بضعها إلا في مقابلة المهر وبضعها أعز عليها من مالها فكيف يقال إن الصداق عارية في النكاح غير دخيل في العقد أنهم رأوا النكاح يصح بدون تسمية فدلت على أنه ليس ركنا في العقد فهذا هو الذي دعاهم إلى هذا القول. وجواب هذا أن النكاح لم ينعقد بدونه البتة وإنما انعقد عند الإطلاق بصداق المثل فوجب صداق المثل بنفس العقد حتى صار كالمسمى

стр. 850

وجعل الشارع سكوتهم عنه بمنزلة الرضي به وتسميتة فلم ينعقد النكاح بغير صداق وإنما بغير تسمية صداق وفرق بين الأمرين. والمقصود أن الشارع جوز أن يكون أعراض المبيعات والمنافع في الإجارات ومنفعة البضع منصرفة عند الإطلاق إلى عوض المثل وإن لم يسم عند العقد وليس هذا موضع تقرير هذه المسائل وإنما أشرنا إليها إشارة. قال: وسألته عن الرجل يشتري الثوب بدينار ودرهم؟ فقال: "لا بأس به" قلت: فإنه اشتراه بدينار غير درهم؟ قال: "لا يجوز هذا" وسمعت أنه سئل عن المكحلة؟ قال: "لا يشترى بها شيئا ولكن إذا كان لك على رجل دراهم فأعطاك مكحلة فخذ منه كأنك أخذت دون حقك" ورأيته يشدد في الشريعة جدا وسئل عن رجل كان ساكنا فقال له صاحب الدار: تحول فقال الساكن: قد دفنت في دارك شيئا فقال صاحب الدار: ليس ذلك لك؟ فقال أبو عبد الله: "ينبش كل واحد منهما ما دفن فكل من أصاب الوصف كان ذلك له" أو نحو هذا قلت: هذا له ثلاثة أصول أحدها: وصف اللقطة فإنه يوجب أو يسوغ على القول الآخر دفعها إلى الواصف الثاني: الدعوى المؤيدة بالظاهر والعادة الثالث: إن العلم المستفاد من وصف أحدهما له بصدقة أقوى من العلم المستفاد بالشاهد الواحد واليمين أو نكول الخصم وهذا ما لا سبيل للنفس إلى دفعه ومحال أن يحكم بالأضعف ويلغى حكم ما هو أقوى منه والذي منع منه الشرع أن المدعى لا يعطي بدعوى مجردة لا دليل معها شيئا فإذا تميزت بدليل لم يحكم له بدعوى مجردة ولهذا يحكم له بالشاهدين تارة وبالمرأة تارة وبالنكول تارة وبالقرائن الظاهرة وبالصفة وبالشبه وهذا كله أمر زائد على مجرد الدعوى فلم يحكم له بدعوى مجردة وأين يقع معاقد القمط ووجوه الآجر والجص من الصفة ههنا وفي اللقطة والله الموفق. قال أحمد: "إذا دعى أحدهما الدار أجمع وقال الآخر لي نصفها فهي بينهما نصفان وقد يقول بعض الناس هي بينهما ثلاثة أرباع لمدعى

стр. 851

الجميع وللآخر الربع". قلت وجه هذا أن مدعى النصف قد اعترف أن النصف الآخر لا حق له فيه فلا منازع لخصمه فيه فينفرد به وخصمه ينازعه في هذا النصف المدعى وكلاهما يدعيه فهما فيه سواء. ووجه المنصوص وهو القياس أن أيديهما على الدار سواء فلكل واحد نصفها ومدعى الكل يدعي النصف الذي للآخر وهو ينكره فلو أعطى منه شيئا لأعطي بمجرد دعواه وهو باطل فإن خصمه إنما يقر له بالنصف فلأي شيء يعطي نصف ما بيد خصمه بمجرد الدعوى فهذا القول ضعيف جدا وقولهم إنه يقر لخصمه بالنصف فينفرد به وهما متداعيان للنصف الآخر فيقسم بينهما فجوابه أن استحقاق خصمه للنصف لم يكن مستندا إلى إقراره له به بل النصف له سواء أقر له به خصمه أو نازعه فإقراره إنما زاد تأكيدا ويد كل منهما مثبتة لنصف المدعى واحدة ما يقول لصاحبه ليست يدك يد عدوان والآخر يقول لمدعى النصف يدك يد عدوان فلو قضينا له بشيء بيد خصمه لقضينا له بمجرد قوله ودعواه وهذا لا نص ولا قياس والله أعلم. وقال له رجل: أكرى نفسي لرجل ألزم له الغرماء؟ قال: "غير هذا أعجب إلى" وسمعته يقول: "ما أقل بركة بيع العقار إذا بيع وقيل له ما تقول في رجل اكترى من رجل دارا فوجد فيها كناسة فقال صاحب الدار لم يكن هذا في دارى وقال الساكن بل قد كان في دارك فقال: "هو على صاحب الدار". سألت أبا عبد الله عن الصائغ يغسل الفضة بدردي الخمر؟ قال: "هذا غش يغسل الفضة تكون سوداء فتبيض" أملى على أبو عبد الله إنما على الناس اتباع الآثار عن رسول الله ﷺ صحيحها من سقيمها ثم بعد ذلك قول أصحاب رسول الله ﷺ لم يكن قول بعضهم لبعض مخالفا فإن اختلف نظر في الكتاب فأي قولهم كان أشبه بالكتاب أخذ به أو بقول رسول الله ﷺ به فإذا لم يأتي عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحاب النبي ﷺ نظر في قول التابعين فأي قولهم كان أشبه بالكتاب والسنة أخذ به وترك ما أحدث الناس بعدهم. سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن الرجل يسأل عن الشيء

стр. 852

من المسائل فيرشد صاحب المسألة إلى الرجل يسأله قال له: "إذا كان رجلا متبعا أرشده إليه فلا بأس". وقال ابن أبي ذئب: "ما رأينا بعد أصلح في تدينه وأورع وأقوم بالحق من مالك عن السلاطين" فدخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يهمله أن قال له بالحق وكان يشبه ابن أبي ذئب بسعيد بن المسيب في زمانه. قلت رجل يقرىء رجلا مائتي آية ويقرىء آخر مائة آية؟ قال: "ينبغي له أن ينصف بين الناس". قلت: إنه يأخذ على هذا مائتي آية لأنه يرجو أن يكون عاملا به ويأخذ على هذا أقل لأنه لم يكن يبلغ مبلغ هذا في العمل؟ قال: "ما أحسن هذا الإنصاف في كل شيء". وسمعت أبا عبد الله وذكر عنده أبو الوليد فقال: "هو شيخ الإسلام". أبو عبد الله عن عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن أبي خالد قال وذكر له أن موسى لما أخذ الألواح قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم الأولون والآخرون السابقون قال قتادة: "هم الأولون في العرض يوم القيامة وهم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة اجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد قال: إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها قال قتادة: "وكان من قبلكم إنما يقرأون كتبهم نظرا فإذا رفعوها لم يعوها ولم يحفظوها وأن الله أعطى هذه الأمة من الحفظ ما لم يعط الأمم قبلها" وذكره إلى آخره وسألت أبا عبد الله عن الطعام في أرض العدو إلى متى يأكلون؟ فقال: "إذا بلغوا الدرب ألقوا ما معهم" قال ابن هانىء سألت أبا عبدا لله عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: "يأخذ من اللحية بما فضل عن القبضة" قلت له: فحديث النبي ﷺ "احفوا الشوارب واعفوا عن اللحى" قال: "يأخذ من طولها ومن تحت حلقه". ورأيت أبا عبد الله يأخذ من عارضيه من تحت حلقه قال: ورأيت أبا عبد الله يأخذ حاجبه بالمقراض. قال: وسألته عن خاتم الحديد؟ فقال: "لا تلبسه". وسئل عن جلود الثعالب؟ قال: "إلبسه ولا تصل فيه". وسئل عن السراويل أحب إليك أم المئرز؟ فقال: "السراويل محدث ولكنه أستر". قال ابن هانىء خرج أبو عبد الله على قوم في المسجد فقاموا له فقال: "لا تقوموا لأحد فإنه مكروه" قال: وكنت مع أبي عبد الله

стр. 853

في مسجد الجامع فصلينا ثم رجعنا فقعدنا واستراح وأنا معه فجاء رجل كأنه محموم فقال يا أبا عبد الله إني كنت شارب مسكر فتكلمت فيك بشيء فاجعلني في حل؟ فقال: "أنت في حل إن لم تعد". قلت: يا أبا عبد الله لم قلت له لعله يعود؟ قال: "ألم تر إلى ما قلت له إن لم يعد فقد اشترطت عليه" ثم قال: "ما أحسن الشرط إذا أراد أن يعود فلا يعود إن كان له دين". قلت: وهذا صريح في جواز تعليق الإبراء على الشرط وهو الصواب. وقال إسحاق بن هانىء قال رجل لأبي عبد الله أوصني فقال: "أعز أمر الله حيث كنت يعزك الله". وقال لي: "يا إسحاق ما هو أهون الدنيا على الله ". قال الحسن: "أهينوا الدنيا فوالله إني لأهنأ ما يكون حين تهان" وقيل له ما معنى الحديث "لا يقم أحد لأحد" فقال: "إذا كان على جهة الدنيا مثل ما روى معاوية فلا يعجبني قيل له يكون الرجل حاجا فيأتيه الناس وفيهم المشايخ أيقوم لهم قال قد قام النبي ﷺ لجعفر في المعانقة احتج بحديث أبي ذر أن النبي ﷺ عانقه. وسألته عن الرجل يلقى الرجل أيعانقه؟ قال: "نعم قد فعله أبو الدرداء". ومحوت قدامه لوحا بثوبي فقال: "لا تملأ ثيابك سوادا امح اللوح برجلك". وجئته بكتاب من خراسان فإذا عنوانه لأبي عبد الله أبقاه الله فأنكره وقال إيش هذا. قال ابن هانىء: دفع إلى أبو عبد الله يوما في المسجد الجامع ثلاث قطع فيها قريب من دانقين أعطيها وأشار إلى رجل فجاء معي حتى وقف عليه فدفعها إليه وهو ينظر إلى فلما أن دخل المسجد وصلينا الفريضة إذا نحن بالسائل يقول والله ما دفع إلى اليوم شيء ولا وقع بيدي اليوم شر من حرماني الطريق قال لي أبو عبد الله ألم تر ذلك السائل ويمينه بالله يروي عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ إن صح: " لو صدق السائل ما أفلح من رده". وقال لي أبو عبد الله: "يكذبون خير لنا لو صدقوا ما وسعنا حتى نواسيهم بما معنا". وما رأيته تصدق في مسجد الجامع غير تلك المرة. ففي هذا جواز الصدقة على سؤال المساجد فيها ووجوب المواساة عند الحاجة وجواز رواية الحديث الضعيف فقلنا باشتراط الصحة.

стр. 854

فصل: إذا سبح أحد في مسألة فإن كان السائل عن تحريمها أو كراهتها فهو تقرير لما سأله عنه لقول ابن منصور له يكره التحريش بين البهائم؟ قال: "سبحان الله أي لعمري" وإن سبح جوابا للسائل فإن كان قرينة ظاهرة في التحريم حمل عليه وإلا احتمل وجهي التحريم والكراهة وإن قال لا ينبغي فهو للتحريم وإن قال ينبغي ذلك فهل هو للوجوب أو الاستحباب على وجهين والصواب النظر إلى القرينة. قال إسحاق بن منصور قلت لأحمد ﵁: المتمتع كم يسعى بين الصفا والمروة؟ قال: "إن طاف طوافين فهو أجود وإن طاف طوافا واحدا فلا بأس" قلت: كيف هذا؟ قال: "أصحاب النبي ﷺ لما رجعوا من منى لم يطوفوا بين الصفا والمروة" وكذلك قال لي في رواية ابن عبد الله إلا أنه لم يزل يذكر الدليل وكذلك نقل عنه ابن مشيش. وقال ابن منصور قلت لأحمد: إذا علم من الرجل الفجور أيخبر به الناس؟ قال: "ربك يستر عليه إلا أن يكون داعية" وزاد ابن منصور "يخبر به عند الحاجة في تعديل أو تجريح أو تزويج" قلت: يكره الخضاب بالسواد؟ قال: "أي والله مكروه". قال ابن منصور كما قال شديدا إلا أن يريد به قريبا لأهله ولا يغر به امرأة. قلت: يكره أن يقول الرجل للرجل فداك أبي وأمي؟ قال: "يكره أن تقول جعلني الله فداك ولا بأس أن يقول فداك أبي وأمي". قال ابن منصور كما قال. قال حرب: باب من تزوج امرأة ولم يدخل بها فجاءت بولد قال أحمد في رجل تزوج امرأة فلم يدخل بها وإنها ولدت ولدا أنه لا يلزمه. قال ابن منصور قلت لأحمد: في كم تعطي الدية؟ قال: "لا أعرف فيه حديثا إلا إذا كانت العاقلة تقدر أن تحملها في سنة فلا أرى به بأسا ويعجبني ذلك" قال ابن منصور: "في ثلاث سنين كل سنة ثلث لأنه وإن لم يكن الإسناد متصلا عن عمر فهو أقوى من غيره".

стр. 855

ومن مسائل ابن بدينا محمد بن الحسين: سمعت أبا عبد الله سئل نحضر الجمعة والجنازة ونخاف الفوت فبأيهما نبدأ؟ قال: "نبدأ بالجنازة" كذا فيه وهو غلط من الكاتب وإنما الصواب "نبدأ بالجمعة". حدثني أبو بكر الأشرم قال قلت لأبي عبد الله روى شعبة عن قتادة عن أنس أنه كره إذا أعتق الأمة أن يتزوجها قال: "نعم إذا أعتقها لوجه الله كره له أن يرجع في شيء منها فأما إن أعتقها ليس لوجه الله إنما اعتقها ليكون عتقها صداقها فجائز". وروى بإسناده عن صهيب قال قال رسول الله ﷺ : "من تزوج امرأة ونوى أن يذهب بصداقها لقي الله وهو زان". ومن مسائل أبي علي الحسن بن ثوبان: قال قلت: الرجل يقال له اشهد أن هذه فلانة؟ قال: "إذا كانت ممن قد عرف اسمها ودعيت فذهبت وجاءت فليشهد وإن كان لا يعلم ما اسمها فلا يشهد". قلت ولا يجوز أن يقول الرجل للرجل اشهد إذا كان عنده ثقة أن هذه فلانة فيشهد على شهادة ذلك الرجل؟ قال: "إذا عرفت فاشهد". قلت رجلا زنى بامرأة أبيه تحرم عليه امرأته؟ قال: "نعم" ومعنى هذا القول أن يكون رجل تزوج امرأة وابنة بنتها ثم وطىء الابن أم زوجته. قلت رجل حفر بئرا قال: "إن كان ما أخذه به السلطان فلا

стр. 856

يضمن وإن كان مما أراد بها النفع لداره أو ليحدث فيها الشيء ضمن وضمن الحفار معه إذا جاء به إلى الطريق وهو يعلم مثله لا يكون ملكا له محفر له شاركه في الضمان" قلت: فإن كان حفر نصفها في حده ونصفها في فنائه فوقع فيها رجل؟ قال: "يضمن ولا يضمن الحفار" قلت: فإن أخذ الحفار؟ قال: "إن علم أن هذا الذي حفر لم يكن له ضمن وإن قال جئت إلى شيء أظن أنه ملك لهذا فليس عليه شيء". قيل له: فما ترى في رجل حفر بئرا قامة فجاء آخر فحفرها حتى وصل الماء فوقع فيها رجل لمن يلزم الضمان؟ قال: "بينهما". قلت: ما ترى في المرأة تحج أو تسافر في غير محرم؟ قال: "أعوذ بالله" قلت: ترى إن حجت من غير محرم يبطل؟ قال: "أعوذ بالله تعالى إن حجها جائز لها ولكنها أتت غير ما أمرها النبى ﷺ ". قلت: ما تقول في رجل مملوك له أب حر وأولاد أحرار من امرأة حرة مات العبد ولاء ولده لمن؟ قال: "لموالي أمه" قلت: إن بعضهم يزعم أن الجد يجر ولاءهم؟ قال: "ليس هذا ذاك الذي يجر الجد ولاءهم إنما ذلك في رجل مملوك وله أب مملوك وأولاد أحرار مات الرجل المملوك والجد مملوك ثم إن الرجل عتق فهو يجر ولاءهم لأنه عتق بعد موت ابنه". قيل له: ما ترى في رجل حفر في داره بئرا فجاء آخر فحفر في داره بئرا إلى الحائط الذي بينه وبينه فجرت هذه البئر بماء تلك البئر؟ قال: "لا تسد هذه من أجل تلك هذه في ملك صاحبها". ومن مسائل أبي بكر بن محمد بن صدقة: قال سمعت أبا عبد الله وقد سئل عن رجل قال بسم الله التحيات؟ فقال: "لا تقل بسم التحيات ولكن لتقل التحيات لله". وسئل عن الرجل يشهد وهو رديء اللفظ؟ قال: "يكتبه هو عنده" فقال: فإن ودعت الشهادة أصلا أتم ثم قال: "إن كان يضر بأهل القرية ومثله يحتاج إليه فلا يفعل". وسئل عن مسجد إلى جنب رجل ومسجد آخر

стр. 857

كان أبوه يؤذن فيه أترى أن أصلى في المسجد الذي إلى جنبي؟ قال: "إن كان عهد جميعا فكلما بعد فهو خير". وسئل عن حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا إغرار في الصلاة ولا تسليم" قال: "الإغرار عندنا أن يسلم منها ولا يكملها وأما التسليم فلا أدري". قيل له حديث ابن عمر "أنه كان يحتجم ولا يتوضأ" قال: "لا يصح لأن عمر كان يتوضأ من الرعاف" وسئل عن الرجل يعطي أخاه أو أخته من الزكاة؟ فقال: "نعم إذا كان لا يخاف مذمتهم وإن كان قد عودتهم فأعطهم" وسئل عن رجل توضأ بأقل من مد واغتسل بأقل من صاع؟ فقال: "ما سمعنا بأقل من مد النبي ﷺ بالصاع وتوضأ بالمد". وسئل عن رجل يموت يقول: وارثي فلان؟ فقال له: "كيف هذا وارثك فلان وفلان أقرب إليك منه ببطن" قال: ليس ذاك مرادي فلان جده كان داعيا وينكر ذلك أهل القرية والجيران وفي السامع المستفاض أن هذا الذي زعم أنه جده دعي وارث وأقرب إليه يقبل قوله قال: "لا يقبل قوله الولد للفراش". وسئل عن المجوسيه تكون تحت أخيها أو أبيها فيطلقها قال أو يموت عنها فيرفعان إلى المسلمين ألها مهر قال أحمد: "لم يسلما قال لا فليس لها مهر". وسئل عن الدرهم إذا رأيته مطروحا هل آخذه قال: "لا تأخذه فإن أخذه يعرفه سنة للخبر" وسئل عن أحاديث وهب بن منبه عن جابر كيف هي قال: "أرجو ولم يكن إسماعيل يحدث بها ونحن ثمة وكتبت أنا عن إبراهيم بن عقيل بن معقل شيخا كبيرا حديثين منها ولم يكن إسماعيل يحدث وأرجوا وعقيل بن معقل أحب إلي من عبد الصمد" وسئل عن رجل حلف بصدقة ما يملك فقال: "هذه يمين فقيل له ثلاثين حجة قال لا أفتي فيه بشيء" وسئل عن الرجل يعزي الرجل يصافحه قال: "ما أذكره ما سمعت" وسئل عن حديث النبي ﷺ "لا تأتوا النساء طروقا " قال: "نعم يؤذيهن قال بكتاب قال نعم". والله لما بلغ المقابر خلع نعليه ورأيته لما حثى التراب على الميت انصرف ولم يجلس. قال أحمد في رواية المروزي: "من اشترى ما يكاله وكاله البائع فوجده المشترى زائدا فقد يتغابن الناس بالقليل فإن كان كثيرا رده إليه" قيل له: في القفيز؟ قال: "هذا فاحش يرده قيل فكيلحة

стр. 858

ونحوه قال: هذا قد يتغابن الناس بمثله" قال في رواية أحمد بن الحسين الترمذي: "العينة عندنا أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبعه إلا بنسيئة فإن باع بنقد ونسيئة فلا بأس". وقال في رواية صالح بن القاسم: "أكره للرجل أن لا يكون له عادة غير العينة لا يبيع بنقد". وقال في رواية صالح في الذي يبيع الشيء على حد الضرورة كأنه يوكل به السلطان لأخذ خراج فيبيع فيودي "لا يعجبني أن يشترى منه". قال في رواية حنبل: "يكره بيع المضطر الذي يظلمه السلطان وكل بيع يكون على هذا المعنى فأحب أن يتوفاه لأنه يبيع ما يسوى كذا بكذا من الثمن الدون". وقال في رواية الميموني: "ولا بأس بالعربون" وفي رواية الأشرم وقد قيل له نهى النبي ﷺ عن العربان فقال: "ليس بشيء". واحتج أحمد بما روى نافع عن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دارا بشجرة فإن رضي عمر وإلا له كذا وكذا قال الأشرم فقلت لأحمد: فقد يقال هذا قال أي شيء أقول هذا عمر ﵁. وقال حرب قيل لأحمد: ما تقول في رجل اشترى ثوبا وقال لآخر انقد عني وأنت شريكي قال: "إن لم يرد منفعة ولم يكن قرض جر نفعا فلا بأس". قال حرب وسئل أحمد عن دار بين ثلاثة اشترى أحدهم ثلثها بمائة والآخر الثلث الآخر بمائتين والآخر بثلاث مائة ثم باعوها بغير تعيين مساومة قال: "الثمن بينهم بالسوية لأن أصل الدار بينهم أثلاثا". وسئل أحمد مرة أخرى عن ثوب بين رجلين قوم نصفه على أحدهما بعشرين ونصفه على أحدهما بثلاثين فباعاه مساومة فقال قال ابن سيرين: "الثمن بينهما نصفين". قال حرب: "وهو مذهب أحمد" قيل: لم قال إن لكل واحد منهما نصفه؟ قلت: وإن كان عبدا قال وإن كان عبدا وكل شيء بهذه المنزلة" انتهى. قلت: فإن باعوه مرابحة فالثمن بينهم على قدر رؤوس أموالهم لأن الربح تابع لرأس المال فإن كان الربح عشرة في مائة فقد قابل عشرة درهما فيقسم الثمن بينهم كما يقسم الربح وقال صاحب المغني نص أحمد على أنهما إذا باعاه مرابحة فالثمن بينهما نصفان وعنه رواية أخرى حكاها أبو بكر أنها على قدر رؤوس أموالهم قال حرب: وسمعت أحمد يقول: "يأخذ

стр. 859

الرجل من مال ولده ما شاء" قلت: وإن كان الأب غنيا قال: "نعم". قيل: فإن كان للابن فرج شبه الأمة قال: "أما الفرج فلا وذهب إلى حديث النبي ﷺ "أنت ومالك لأبيك " وحديث عائشة "إن أولادكم من كسبكم" والله أعلم. فصل: قال أحمد في رواية أبي طالب فيمن عنده رهون لا يعرف صاحبها "يبيعها ويتصدق بها ولا يأخذ ما على الرهن إذا باعه فإن جاء صاحبها غرمها". قال ابن عقيل: "ولا أعرف لقوله ولا يأخذ ما على الرهن وجها مع تجويز بيعها فإن كان المنع لأجل جهالة صاحبها فيجب أن يمنع البيع والصدقة بالثمن كما منع من اقتضاء الدين وإن لم يمنع من الصدقة والبيع فلا وجه لمنع اقتضاء الدين ونقل أبو الحارث في ذلك ويتصدق يبيعه بالفضل فإذا جاء صاحبها كان بالخيار بين الأخذ أو الثمن". قلت: فقد اختلفت الرواية عنه في جواز أخذه حقه من تحت يده قال ابن عقيل: "وأصل هاتين الروايتين جواز شراء الوكيل من نفسه" وفيه روايتان كذلك أخذه من تحت يده يخرج عليهما وقد تضمن نصاه جواز البيع وإن لم يستأذن الحاكم وتأولهما القاضي على ما إذا تعذر إذن الحاكم قال: "وأما إذا أمكن فلا يجوز له ذلك لأنه لا ولاية له على مال الغائب لا بولاية عامة ولا خاصة ومجرد كون مال الغير في يده لا يوجب الولاية" قال: "قد نص أحمد في رواية أبي طالب إذا كان عنده رهن وصاحبه غائب وخاف فساده كالصوف ونحوه يأتي إلي السلطان ليأمره ببيعه ولا بيعه بغير إذن السلطان فهذا النص منه يقضي على ذلك الإطلاق" قلت: والصواب تقرير النصين والفرق بين المسألتين ظاهر فإن في الثانية صاحب الرهن موجود ولكنه غائب فليس له أن يتصرف في مال الغائب بغير وكالة أو ولاية ولا يأمن شكايته

стр. 860

ومطالبته إذا قدم وهذا بخلاف ما إذا جهل صاحب المال أو ليس من معرفته فإن المعنى الذي في حق الغائب الموجود مفقود في حق هذا والله أعلم. ومن مسائل أحمد بن خالد البرائي: قال سألت أبا عبد الله فقلت: إذا فاتتني أول صلاة الإمام فأدركت معه من آخر صلاته فما أعتد به أول صلاتي فقال: "تقرأ فيما مضي يعني الحمد وسورة وفي العقود تقعد على ابتداء صلاتك" ومن خط القاضي أيضا نقل مهنا عن أحمد في أسير في أيدي الروم مكث ثلاث سنين يصوم شعبان وهو يرى أنه رمضان يعيد قيل له كيف؟ قال: "شهرا على أثر شهر كما يعيد الصلوات". ونقل عبد الله عنه في الرجل يكبر تكبيرة الافتتاح قبل الإمام هذا ليس مع الإمام يعيد الصلاة إنما أمره بالإعادة ولم يجعله منفردا بالصلاة لأنه يرى الائتمام بمن ليس بإمام لأنه إذا كبر قبله فليس بإمام له ولم تصح صلاة الانفراد لأن النية قد بطلت فإن صلى نفسان ينوي كل واحد منهما أنه يأتم بصاحبه لم تصح صلاتهما لأنه ائتم بغير إمام فإن صلى نفسان كل واحد منهما أنه نوى أته إمام صاحبه لم تصح صلاتهما أيضا لأنه نوي الإمامة بمن لا يأتم به فهو كما لو نوى الائتمام بغير إمام. نقل الحسن ب علي بن الحسن سالت أبا عبد الله عن الرجل يكبر خلف الإمام يخافت أو يعلن به قال: "لا نعرف فيه شيئا إنما الحديث إذا كبر فكبروا" قال القاضي: "ظاهر كلامه التوقف عن جهر المأموم بذلك ويجب أن يكون السنة في ذلك الإخفات في حقه كسائر الأذكار في حقه ولأن الإمام إنما يجهر ليعلم المأموم بدخوله في الصلاة وركوعه وإلا فالسنة الإخفات لسائر الأذكار غير القراءة" انتهى.

стр. 861

من خط القاضي أبي يعلى مما انتقاه من شرح مسائل الكوسج لأبى حفص البرمكي قال أبو حفص: "إذا ترك التشهد أن صلاته تجزئه ولا فرق عنده بين التشهد الأول والثاني إن تركهما عامدا أعاد الصلاة وإن تركهما ناسيا فصلاته جائزة وعليه سجود السهو". قال: "ومن الأبدال عندنا ما يكون غير واجب وإن كان مبدله واجبا مثل النكاح واجب وجعل النبي ﷺ منه الصيام وهو غير واجب: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ فبدأ بالسجود قيل ذلك في غير شريعتنا لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولأن الركوع يسمى سجودا والسجود ركوعا وبدليل حديث عائشة "صلى النبي ﷺ الكسوف ركعتين في كل ركعة سجدتين يريد ركوعين" وفي حديث أبي هريرة م"ن أدرك من العصر سجدة يريد ركعة" وقال تعالى: ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ يريد ساجدا. قال أحمد: "وإن انغمس في المياه لا يجزئه حتى يتوضأ" قال أبو حفص: "إن كان اغتساله لغيره الجنابة لا يجزئه من وضئه وإن نوى الوضوء ليس عليه الترتيب وإذا خرج من الماء أخرجه رأسه قبل وجهه ولأن الغسل لا يقوم مقام المسح والمغمس في الماء غير ماسح بل غاسل فلا يجزئه وإن ربت الأعضاء في جوف الماء فإن مسح برأسه وغسل رجليه بعد أن خرج رأسه من الماء ويكون قد تمضمض واستنشق أولا الوضوء لنفسه لأن أبا داود روي عنه إذا علم رجلا الوضوء ونوى أجزأه لأن عثمان وعليا ﵄ جلسا يعلمان الناس وضوء رسول الله ﷺ وكان لهما طهورا. عن أحمد ثلاث روايات في الجنب هل يحتاج إلى وضوء؟ إحداهن يجزئه الغسل بلا وضوء الثانية يجزئه الغسل عن الوضوء إذا نواه الثالثة لا يجزئه حتى يتوضأ. قلت: قد استشكل بعض الأصحاب الرواية الأولى وهي الصحيحة دليلا لأن حكم الحدث الأصغر قد اندرج في الأكبر وصار جزءا منه فلم ينفرد بحكم لا سيما وكل ما يجب غسله من الحدث الأصغر يجب غسله في الأكبر وزيادة فهذه الرواية هي الصحيحة وبهذه الطريق كان

стр. 862

الصحيح أن العمرة ليست بفريضة لدخولها في الحج والنبي ﷺ الطهر بإفاضة الماء على جميع الجسد ولم يشترط وضوءا وفعله النبي ﷺ أكمل الغسل. قال أبو حفص: "إن قيل إن النبي ﷺ أفرد المضمضة والاستنشاق بالذكر عن الوجه فقال: "إن العبد إذا تمضمض واستنشق خرجت ذنوبه من فيه ومنخريه فإذا غسل وجهه" الحديث قيل لا يمنع ذلك أن يكونا من الوجه كما قال: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ فلم يمنع تمييزه بين الحميم وبين جهنم أن يكون من جهنم ولأنه أفردهما لأنه خص الوجه بمعنى آخر هو خطايا النظر ولأنه يمكن فعلهما في الحال فجمع بينهما في الذكر ولا يمكن جمعهما مع الوجه في الاستعمال فأفردا بالذكر وإنما لم يجب غسل باطن العينين لأنه يورث العمى فسقط للمشقة وفيهما في الغسل روايتان: إحداهما لا يجب للمشقة والأخرى يجب لعدم التكرار. واختلف أصحابنا في المبالغة في الاستنشاق؟ فقال ابن أبي علي: "هي غير واجبة لأنها تسقط في صوم التطوع" وقال أبو إسحاق: "هي واجبة ولا يدل سقوطها في الصوم على سقوط فرضها في غيره لأن سفر التطوع يسقط الجمعة ولا تسقط في غير السفر" وأجاب أبو حفص بأن الجمعة فيها بدل وليس من المبالغة بدل وأجاب أبو إسحاق بأنه قد يسقط الفرض بالتطوع ولا بدل كالسفر يسقط بعض الصلاة. قال إن قيل يلزم أن يجعل ما خلف الأذن من البياض من الرأس قيل يقول: إنه منه قيل يلزم أن يجوز الاقتصار من التقصير من شعر الأذن قيل عندنا يلزم استيعاب الرأس بالأخذ من جميع شعره والمرأة تقصر من طرف شعرها أنملة لأن شعرها منسبل فهو يأتي على شعرها قيل يلزم أن يجوز الاقتصار بالمسح عليهما في الوضوء قيل في المسح روايتان إحداهما استيعاب الجميع والأخرى البعض ولا يجوز الاقتصار على الأذنين إجماعا وقال: صفة مسح المرأة أن تمسح من وسط رأسها إلى مقدمة ثم من وسط رأسها إلى مؤخره على استواء الشعر وكذا الرجل إذا كان له شعر وقد روى عن النبي ﷺ "أنه مسح من مقدمه إلى مؤخره". يجزىء في المذي النضح لأنه ليس بنجس لقوله ﷺ : "ماء الفحل ولكل

стр. 863

فحل ماء" فلما كان ماء الفحل طاهرا وهو المني وكان هذا مثله لأنهما ينشآن من الشهوة. قال قوله: "إذا قام أحدكم من منامه إشارة إلى نوم الليل لأن المنام المطلق إشارة إلى الليل ولأنه قال باتت يده والبيتوتة لا تكون إلا بالليل كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أهل الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أهل الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ فخص البيات بالليل ثم ذكر النهار". قال أحمد: "بئس الدرهم الأبيض على غيرا وضوء وأرجو يحتمل أن يكون سهلا لحاجة الناس إلى المعاملة به وتقليبه". قال أحمد في الرجل يجامع أهله في السفر وليس معه ماء؟ "لا أكره له ذلك قد فعله بن عباس". روي أنه تيمم وصلى بمتوخئين ثم التفت إليهم فقال: "إني أصبت من جارية رومية ثم تيممت وصليت بكم" واحتج للتيمم لا يجوز بغير تراب بقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ قال فإن قيل النبي ﷺ سمى المدينة طيبة وطابة وكانت سبخة قيل سماها طيبة لأنها طابت له وبه لا أن هذا الاسم استحقته الأرض. قال في الدم أكثر الروايات أن الفاحش ما يستفحشه الإنسان في نفسه وقد قال ههنا بالذراع والشبر ولا يدل ذلك على أن ما دونه ليس بفاحش لأنه قال في مسائل المروزي خمس بصاقات من دم وإنما لم يوقت في ذلك لأن التوقيت لم يأت عمن تقدم. روى عن ابن عمر "أنه تيمم والماء منه على غلوة أو غلوتين ثم دخل المصر وعليه وقت أي غسل" روى وهب بن الأجدع عن علي أن النبي ﷺ قال: "لا صلاة بعد العصر إلا أن تكون الشمس بيضاء نقية " قيل يحتمل أنه يعنى وقت العصر لأنه روي أنه نهي عن الصلاة بعد العصر أي فعل الصلاة قوله: " اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر ".فيه ضعف ويريد بذلك الإسفار في نفس الصلاة فيكون قد ابتدأها بعدها طلع الفجر وأسفر بها بتطويل القراءة. أبو بكر قرأ بهم البقرة في الفجر وقال: "لو طلعت ما وجدتنا غافلين". قلت للناس في هذا الحديث أربع طرق: إحداها: تضعيفه وهي طريقة أبي حفص وغيره. الثانية: حمله على الإسفار بها ليالي الغيم والليالي المقمرة خشية الصلاة قبل الوقت. الثالثة: أن الإسفار المأمور به هوا لإسفار

стр. 864

بها استدامة وتطويلا لا ابتداء وهذه أصح الطرق ولا يجوز حمل الحديث على غيرها إذ من المحال أن يكون تأخيرها إلى وقت إسفار أفضل وأعظم للأجر والنبي ﷺ يواظب على خلافة هو وخلفاؤه الراشدون من بعده وتفسير هذا الحديث يؤخذ من فعله وفعل خلفائه وأصحابه فإنهم كانوا يسفرون باستدامتها لابابتدائها وهو حقيقة اللفظ فإن قوله: أسفروا بها الباء للمصاحبة أي أطيلوها إلى وقت الإسفار وفهم هذا المعنى من اللفظ أقوى من فهم معنى آخر احتمالا مساويا لم يجز حمله على معنى المخالف لعمله وعمل خلفائه الراشدين والله أعلم. الطريقة الرابعة: أن تأخيرها أفضل وحملوا الإسفار بها على تأخرها إلى وقت الإسفار. قال: دليل الجمع للمطير روى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع قال: "كان أهل المدينة إذ جمعوا بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة صلى معهم ابن عمر وروى عن ابن الزبير مثله قال: وروى عن أحمد الشفق الحمرة حضرا وسفرا وعنه البياض سفرا وحضرا. قال: احتج من قال بطهارة الكلب بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ وإطلاق الماء يقتضي الطهرة. وقيل لا يمنع أن يقلب الله عينها إلى النجاسة كالعصير يتخمر والماء ينقل بولا. سئل أحمد عن جيران المسجد قال: "كل من سمع النداء". سئل يؤم الرجل أباه قال: "أي والله يؤم القوم أقرؤهم" واحتج أبو حفص أن النبي ﷺ قال: "ورأيتني في جماعة من الأنبياء" إلى أن ذكر إبراهيم قال: "فصليت بهم ". عن أحمد في النفخ قال: "أكرهه شديدا إلا أني لا أقول بقطع الصلاة وليس هو بكلام وعنه أن النفخ يقطع الصلاة وعلى الروايتن هو مكروه". صلاة الضحى قيل عثمان وما أحد يسبحها قيل وليس في ترك الصحابة ما يمنع من فعلها فقد فعلها وتركها وقتا وهذا اختيار أحمد أن لا يداوم عليها. قال: إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة وجب أن يقوم الإمام ولا يسبقوه ثم يقوموا وإذا لم يكن في المسجد أيضا قاموا فانتظروه قياما وقد روى

стр. 865

أبو هريرة قال: "أقيمت الصلاة وصف الناس صفوفهم فخرج علينا رسول الله ﷺ إلى قوله: "ثم ذكر أنه لم يغتسل فقال بيده للناس مكانكم " وأما قوله: "لا تقوموا حتى تروني " فنقول "إذا لم يكن في المسجد جاز أن يقوموا إذا قال: قد قامت الصلاة ينتظرونه قياما لحديث أبي هريرة "وإذا كان في المسجد قاموا ولم يتقدموه" لأنه قال: "حتى تروني" أي قائما. اختار أحمد حديث عمر في الاستفتاح وقد روى أبو سعيد عن النبي ﷺ وليس بصحيح لأن رواية علي بن علي الرقاعي عن أبي المتوكل الباجي عن أبي سعيد وقد قال أحمد: "علي بن علي لا يعبأ به شيئا" حديث البراء "أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم لا يعود" قال أحمد: "لم يعد من كلام وكيع" قال: "لا يختلف المذهب في اللحن الذي هو مخالفة الإعراب لا يبطل الصلاة". واختلف قوله إذا ختم آية رحمة بآية عذاب؟ على روايتين إحداهما عليه الإعادة الثانية لا، ووجهها ما روى قابوس بن أبي ظبيان أبي ظبيان عن ابن عباس قال: ":صلى رسول الله ﷺ فخطرت منه كلمة فسمعها المنافقون قال: فأكثروا فقال: إن له قلبين ألا تسمعون إلى قوله والآية في الصلاة". قال ابن عباس: "لا يؤم الغلام حتى يحتلم". وإن قيل يلزم عليك إمامته إذا كان ابن عشر لأنه خوطب بالصلاة عندك قيل الخبر ألزم ذلك في النظر إن قيل أم عمرو بن سلمة وهو غلام قيل سمى غلاما وهو بالغ ورواية أنه كان له سبع سنين فيه رجل مجهول فهو غير صحيح. الكوسج قلت: يؤم القوم وفيهم من يكره ذلك؟ قال: "إذا كان رجلا أو رجلين فلا حتى يكونوا جماعة ثلاثة فما فوقه". قال أبو حفص: "جعل الحكم للكثير في الكراهة لأن الحكم للأغلب". روى أنس "صليت خلف النبي ﷺ أنا ويتيم لنا وأم سليم خلفنا" يحتمل أن يكون كان بالغا ويحتمل أن يكونا صبيين أما إذا كان أحدهما بالغا فعلى حديث عبد الله بن مسعود "أنه صلى بعلقمة والأسود واحدة ما غير بالغ فأقام غير بالغ فأقام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ورفع إلى النبي ﷺ ". الكوسج قلت: إذا دخل والإمام راكع يركع قبل أن يصل إلى الصف قال: "إذا كان وحده وظن أنه يدرك فعل".

стр. 866

واحتج أبو حفص بحديث أبي بكرة. فإن قيل فقد نهاه قيل نهاه عن شدة السعي. قلت: الإشارة في الصلاة؟ قال: قد أشار النبي ﷺ اجلسوا إذا كان يفهمهم شيئا أمر صلاتهم. الصلاة لغير القبلة وهو لا يعلم ثم علم؟ قال: "يستدير" قلت: يعيد ما صلى؟ قال: "لا". أبو حفص دليلة أهل قبا قوله ﷺ : " فليصل إلي سترة وليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته" إن قيل فقد روي أنه خنق شيطانا وهو يصلي، قيل: يحتمل أن خنقه يمنه أو يسرة قال أحمد: "لا يعجبني أن ينقص وتره" وعنه الجواز لحديث عثمان وابن عباس وأسامة رخصا فيه. قلت: إن رجلا قال يا رسول الله إني أعمل العمل أسره فيطلع عليه فيعجبني؟ قال لما أسر العمل فأظهر الله له الثناء الحسن فأعجبه فلم يعب ذلك أن الرجل يعجبه أن يقال فيه الخير لا بأس أن يعجب الإنسان ما قيل عنه من الخير إذا كان مقصده في عمله الله لأن النبي ﷺ قال: "المؤمن تسره حسنة ". وقوله: "إذا نسي أحدكم صلاة فليصلها إذا ذكرها لوقتها من الغد ". محمول على النسخ بحديث عمران بن حصين "سرنا مع رسول الله ﷺ " فذكره إلى قوله: " فصلى بنا رسول الله فقلنا: يا رسول الله نقضيها لميقاتها من الغد؟ قال: لا ينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم ". قال ابن مسعود: "لا يقصر إلا حاج أو غاز" يحمل على ما شاهده من الرسول لأن أسفاره لم تكن إلا في حج أو غزو واختلفت الرواية في صلاة النائم فروي عنه على جنب وعنه مستلقيا ورجلاه إلى القبلة. تجب الصلاة على الصبي عند تكامل العشر لا كما يقول مخالفنا عند تكامل الخمس عشرة. قلت: رجل وضع يديه على فخديه في الركوع أو وضع إحدى يديه على ركبتيه ولم يضع الأخرى قال أحمد: "أرجو أن يجزئه". قال أبو حفص: "معنى هذه المسألة إذا كان ذلك من علة أما من غير علة فلا لما روى عن سعد كنا نطبق ثم أمرنا أن نضع الأيدي على الركب وابن مسعود لم يبلغه ذا وكان يطبق ولو أن رجلا لم يبلغه فعمل بالمنسوخ كابن مسعود لم تبطل صلاته ولزمه ذلك منذ وقت علم. إذا سها في صلاته عشرين مرة يكفيه سجدتان لحديث عمران بن حصين فإنه

стр. 867

حصل منه سهو كثير واكتفى بسجدتين من ذلك أنه جلس في الثالثة ساهيا وسلم ساهيا وسؤالهم له ساهيا ودخوله الحجرة ساهيا. إذا أدرك إحدى سجدتي السهو يقضي السجدة ثم يقوم فيقضي ما فاته إنما لم يجز تأخيرها إلى آخر صلاته بل يقضيها معه لقوله: "وما فاتكم فاقضوا " وقد فاتته سجدة فيجب أن يسجدها لا زيادة عليها. رجلان نسى أحدهما الظهر أمس والآخر أول أمس قال أحمد: "يجمعان جميعا من يوم واحد وأيام متفرقة" وعنه في رواية صالح أنهما لا يجمعان من أيام متفرقة وجه رواية الكوسج أن صلاتهما يجمعهما اسم ظهر وليس بينهما اختلاف هذا قول أبي حفص وجه رواية صالح ما ذكره الشريف أبو جعفر من أن ظهر يوم واحد في حكم الجنس الواحد ومن يومين في حكم الجنسين بدليل أنه قد سقط ظهر أحدهما بما لا يسقط به ظهر الآخر وهو ظهر يوم الجمعة وبقية الأيام تسقط بظهر مثلها وهذا معدوم في اليوم الواحد وهذا فرق صحيح وقد ذكرناه بعينه إذا كان عليه كفارتان من جنسين أنه يفتقر إلى التعيين. قال في رجلين صليا جميعا ائتم كل واحد منهما بصاحبه يعيدان جميعا والدليل عليه أنه لم يصل واحد منهما معتقدا للإمامة قال: "ولو أن رجلا ائتم برجل ولم ينو ذلك الرجل أن يكون إمامه يجزى للإمام ويعيد هو دليله أن الإمامة لا تصح إلا بنية فإن قيل عبد الله بن عباس ائتم النبي ﷺ في صلاة الليل وكان قد ابتدأها لنفسه قيل النبي ﷺ ليس كغيره وهو إمام كيف تصرفت أحواله إلا أن ينقل نفسه فيصير مأموما. قال إسحاق الكوسج: قلت يكره لهؤلاء الخياطين الذين في المساجد قال: لعمري شديد دليله عمر بن الخطاب ﵁ رأى رجلين يتبايعان في المسجد فقال: "هذا سوق الآخرة فاخرجا إلى سوق الدنيا". قضاء الركعتين بعد العصر خصوصا له النبي ﷺ بدليل حديث أم سلمة يا رسول الله ﷺ أنقضيها إذا فاتتنا؟ قال: "لا". الفرق بين الإسلام يصح في الأرض المغصوبة دون الصلاة لأن الإسلام لا يفتقر إلى مكان بخلاف الصلاة. المسلم إذا أعتق عبده النصراني فهل عليه جزية على روايتين وجه سقوطها أن ذمته ذمة سيده. كراهته للمعتكف أن يعتكف في خيمة إلا أن يكون بردا لأن الخيمة تضيق المسجد والنبي ﷺ اعتكف في زمان بارد في قبة وخيمة يدل عليه قوله: "إني رأيتني

стр. 868

أسجد في صبيحتها في ماء وطين " فعلم أن الزمان بارد لوجود المطر. في إتيان المستحاضة قال: "لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها" وليس أنه أباح ذلك إذا طال ومنع ذلك إذا قصر ولكنه أراد أنه إذا طال علمت أيام حيضها من أيام استحاضتها يقينا وهذا لا تعلمه إذا قصر بذلك. وقوله في المرأة تشرب دواء يقطع الدم عنها؟ قال: "إذا كان دواء يعرف فلا بأس". قال أبو حفص: "معناه عندي إذا ابتليت بالاستحاضة الشديدة فهو مرض لا بأس بشرب الدواء أما الحيض فلا لأن الحيض كتبه الله على بنات آدم وإنما تلد إذا كان حيضها موجودا ولا جائز أن يتعرض لما يقطع الولد". في إتيان الحائض قال أحمد: "لو صح الحديث كنا نرى عليه الكفارة" وقال أبو حفص: "إن لم يصح عن النبي ﷺ فقد صح عن ابن عباس ومذهب أحمد الحكم بقول الصحابي إذا لم يخالف" قال: "واختياري ما قال الكوسج أنه مخير في الدينار أو النصف دينار". قوله: في أكثر الحيض أكثر ما سمعنا سبعة عشر يوما يحتمل أن يكون ذكره لأنه قوله ويمكن أن يكون على طريق الحكاية والأشبه عندي أن يكون قوله لا يختلف أنه خمسة عشر يوما وإنما أخبر عن السبع عشرة أنه سمعه لا أنه يقلده قوله في الطهر أنه على قدر ما يكون فليس عنده أن لأقله حدا كما ليس لأكثره حد وكل شيء لأكثره حد ليس لأقله حد فإن قيل ينبغي إن كان ليس لأقله حد لو ادعت انقضاء عدتها في أربعة أيام تباح للأزواج قيل العدة ليس من هذا لأن قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يريد الإقراء الكاملة وأقل الكاملة أن تكون في شهر لحديث علي مع شريح. وقوله في الصبي لا يزوج لا يكون وليا حتى يحتلم وعنه ابن عشر يزوج ويتزوج. آخر المنتقى من خط القاضي مما انتقاه من شرح مسائل الكوسج لأبي حفص قال: "ومبلغه ستة أجزاء".

стр. 869

فصل: قال أحمد في رواية الحسن بن ثوبان: "إذا كان الرهن غلاما فاستعمله المرتهن أو ثوبا فلبسه وضع عنه قدر ذلك" قال أصحابنا: "يعني أنه يضع من دين الرهن بقدر ما أنتفع من الرهن" ونقله عنه أيضا إذا كان الرهن دارا فقال المرتهن أنا أسكنها بكرائها وهي وثيقة بحقي تنتقل فتصير دينا وتتحول عن الرهن وهذا نص منهم على أن الراهن إذا أجر العين المرهونة للمرتهن خرجت عن الرهن وبقي دينه بلا رهن هذا معنى قوله تنتقل فتصير دينا أي يبقى حقه في الذمة فقط ولا يتعلق برقبة الدار وتخرج الدار عن كونها رهنا. ونقل عنه بكر بن محمد "إذا رهن جارية فسقت ولد المرتهن وضع عنه بقدر ذلك يعنى وضع عن الراهن من الدين بقدر أجرة لرضاع ولد المرتهن. فصل: إذا قال الراهن للمرتهن إن جئت بحقك إلى كذا وإلا فالرهن لك بالدين الذي أخذته منك فقد فعله الإمام أحمد في حجته ومنع منه أصحابه وقالوا نص في رواية حرب على خلافه فقال: "باب الرهن يكتب شراء". قيل لأحمد المتبايعان بينهما رهن فيكتبان شراء فكرهه كراهة شديدة وقال: "أول شيء أنه يكذب هو رهن يكتب شراء فكرهه جدا" قال ابن عقيل: "ومعنى هذا أن المرتهن يكتب شراء لموافقة بينه وبين الراهن وإن لم يأته بالحق إلى وقت كذا يكون الرهن مبيعا فهو باطل من حيث تعليق البيع على الشرط وحرام من حيث أنه كذب واكل مال بالباطل". قلت: وهذا لا يناقض فعله وهذا شيء وما فعله شيء فإن الراهن والمرتهن قد اتفقا على أنه رهن ثم كتبا أنه عقد تبايع في الحال وتواطئا

стр. 870

على أنه رهن فهو شراء في الكتابة رهن في الباطن فأين هذا من قولهما ظاهرا وباطنا إن جئتك بحقك في محله وإلا فهو لك بحقك ألا ترى أن أحمد قال: "هذا كذب" ومعلوم أن العقد إذا وقع على جهة الشرط فليس بكذب وليس في الأدلة الشرعية ولا القواعد الفقهية ما يمنع تعليق البيع بالشرط والحق جوازه فإن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا وهذا لم يتضمن واحدا من الأمرين فالصواب جواز هذا العقد وهو اختيار شيخنا على عادته حمل ذلك وفعل إمامنا. قال أحمد في رواية أبي طالب: "إذا ضاع الرهن عند المرتهن لزمه". قال ابن عقيل: "وهذه الرواية بظاهرها تعطي أن الرهن مضمون إلا أن شيخنا علي عادته حمل ذلك على التعدي لأجل نصوص أحمد على أن الرهن أمانة وعادته تأويل الرواية الشاذة لأجل الروايات الظاهرة وهذا عندي لا يجوز إلا بدلالة فأما صرف الكلام عن ظاهره بغير دلالة تدل فلا يجوز كما لا يجوز في كلام صاحب الشرع" انتهى كلامه. فصل: إذا قدر الرجل على التزوج أو التسري حرم عليه الاستمناء بيده قال ابن عقيل: "وأصحابنا وشيخنا لم يذكروا سوى الكراهة لم يطلقوا التحريم" قال: "وإن لم يقدر على زوجة ولا سرية ولا شهوة له تحمله على الزنا حرم عليه الاستمناء لأنه استمتاع بنفسه والآية تمنع منه وإن كان متردد الحال بين الفتور والشهوة ولا زوجه له وله أمة ولا يتزوج به كره ولم يحرم وإن كان مغلوبا على شهوته يخاف العنت كالأسير والمسافر والفقير جاز له ذلك نص عليه أحمد ﵁ وروي أن الصحابة كانوا يفعلونه في غزواتهم وأسفارهم وإن كانت امرأة لا زوج لها واشتدت غلمتها فقال بعض أصحابنا: يجوز لها اتخاذ الاكرنبج وهو شيء

стр. 871

يعمل من جلود على صورة الذكر فتستدخله المرأة أو ما أشبه ذلك من قثاء وقرع صغار. والصحيح عندي أنه لا يباح لأن النبي ﷺ إنما أرشد صاحب الشهوة إذا عجز عن الزواج إلى الصوم ولو كان هناك معنى غيره لذكره وإذا كان غائبا عنها لأن الفعل جائز ولا يحرم من توهمه وتخيل وإن كان غلاما أو أجنبية كره له ذلك لأنه إغراء لنفسه بالحرام وحث لها عليه وإن قور بطيخة أو عجينا أو أديما أو نجشا في صنم إليه فأولج فيه فعلى ما قدمنا من التفصيل قلت: وهو أسهل من استمنائه بيده وقد قال أحمد فيمن به شهوة الجماع غالبا لا يملك نفسه ويخاف أن تنشق أنثياه أطعم وهذا لفظ منا حكاه عنه في المغني ثم قال: "أباح له الفطر لأنه يخاف على نفسه فهو كالمريض يخاف على نفسه من الهلاك لعطش ونحوه وأوجب الإطعام بدلا من الصيام وهذا محمول على من لا يرجو إمكان القضاء فإن رجا ذلك فلا فدية عليه والواجب انتظار القضاء وفعله إذا قدر عليه لقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً﴾ الآية وإنما يصار إلى الفدية عند اليأس من القضاء فإن أطعم مع يأسه ثم قدر على الصيام احتمل أن لا يلزمه لأن ذمته قد برئت بأداء الفدية التي كانت هي الواجب فلم تعد إلى الشغل بما برئت منه واحتمل أن يلزمه القضاء لأن الإطعام بدل إياس وقد تبينا ذهابه فأشبه المعتدة بالشهور لليأس إذا حاضت في أثنائها. في الفصول روى عن أحمد في رجل خاف أن تنشق مثانته من الشبق أو تنشق انثياه لحبس الماء في زمن رمضان يستخرج الماء ولم يذكر بأي شيء يستخرجه قال: "وعندي أنه يستخرجه بما لا يفسد صوم غيره كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة فإن كان له أمة طفلة أو صغيرة استمنى بيدها وكذلك الكافرة ويجوز وطؤها فيما دون الفرج فإن أراد الوطء في الفرج مع إمكان إخراج الماء بغيره فعندي أنه لا يجوز لأن الضرورة إذا رفعت حرام ما وراءها

стр. 872

كالشبع مع الميتة بل ههنا آكد لأن باب الفروج آكد في الحظر من الأكل". قلت: وظاهر كلام أحمد جواز الوطء لأنه أباح له الفطر والإطعام فلو اتفق مثل هذا في حال الحيض لم يجز له الوطء قولا واحدا فلو اتفق ذلك لمحرم أخرج ماءه ولم يجز له الوطء. فصل: فإن كان شبق الصائم مستداما جميع الزمان سقط القضاء وعدل إلى الفدية كالشيخ والشيخة وإن كان يعتريه في زمن الصيف أو الشتاء قضي في الزمن الآخر ولا فدية هنا لأنه عذر غير مستدام فهو كالمريض ذكر ذلك في الفصول. فائدة: وقوله في المقنع: "وإن جاءت وهو جالس لم يقم لها يعنى الجنازة لم أر هذا في كلام أحمد ﵁ وقد قال: "وإن قام لم أعبه وإن قعد فلا بأس" وقال الميموني في مسائله سمعته يقول: "إذا تبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع كذا قال أبو هريرة وأبو سعيد وإذا رآها قام" قال: "كان هذا أكثر في الخبر من عشرة من أصحاب رسول الله يروونه" ثم قال الميموني: "تسمية من يروي عن النبي ﷺ أنه كان إذا رأى جنازة قام لها عثمان بن عفان سعيد بن زيد عامر بن ربيعة قيس بن سعد سهل بن حنيف زيد بن ثابت أخو زيد بن ثابت أبو سعيد الخدري أبو هريرة أبو موسى الأشعري ابن عباس حسن وحسين فهؤلاء اثنا عشر من الصحابة ﵃ ثم ساق الميموني أحاديثهم كلها بإسناده. وقال حرب في مسائله: قلت

стр. 873

لأحمد يري الجنازة أيقوم لها؟ فقال: "قد روى عن علي "أن النبي ﷺ قام ثم قعد" وكان ابن عمر يقوم وسهل أبو عبد الله فيه. وقال أبو داود في مسائله سمعت أحمد بن حنبل سئل عن القيام إذا رأى الجنازة قال: "إن لم يقم أرجو وإن قام أرجو" قيل القيام أفضل عندك قال: "لا" وقال في رواية إسحاق بن هانىء: "إذا رأى الجنازة فقام فلا بأس وإن لم يقم فلا بأس". قال إسحاق بن هانىء وسئل يعنى أحمد بن حنبل ﵁ عن الرجل يموت فيوصي أن يدفن في داره قال: "يدفن في مقابر المسلمين وإن دفن في داره أضر بالورثة والمقابر مع المسلمين أعجب إليّ" وقال في روايته: "أكره أن يجعل على القبر ترابا من غيره تغسيل الميت". قال: وسئل عن الحائض تغسل المرأة الميتة؟ قال: "لا يعجبني أن تغسل الحائض شيئا من الميت والجنابة أيسر من الحيض". قال: وسئل عمن غسل الميت أعليه غسل أم وضوء؟ قال: "يتوضأ وقد أجزأه". قال: وسألته هل على من غسل الميت غسل قال: "عليه الوضوء فقط" واتبع أحمد في ذلك آثار الصحابة فإنه صح عن ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة الأمر بالوضوء منه ولا يحفظ عن صحابي خلافهم وهو قول حذيفة وعلى أيضا. وقال الجوزجاني حدثنا يزيد بن هارون أنا مبارك بن فضالة عن بكر عن عبد الله المزنى عن علقمة بن عبد الله المزني قال: "غسل أباك" يعنى أبا بكر بن عبد الله أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ ممن بايع نبي الله تحت الشجرة فما زادوا على أن شمروا أكمتهم وجعلوا قمصهم تحت حجرهم وتوضأوا ولم يغتسلوا". وفي الموطأ مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر غسلت أبا بكر الصديق حين توفي ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين والأنصار فقالت: إني صائمة وإن هذا اليوم شديد البرد فهل علي من غسل قالوا: لا. قال إسماعيل بن سعيد قلت لأحمد بن حنبل أرأيت إن كان الميت كافرا قال: "عليه الغسل لحديث علي" يعنى على غاسله الغسل وهو قول أبي أيوب. قال الجوزجاني: "وأقول أن هذا وهم منهما وذلك أنه ليس في حديث على أنه غسل أبا طالب".

стр. 874

فصل: قال أحمد في الرجل يعمل الخير ويجعل النصف لأبيه أو لأمه؟ "أرجو" وقال: "الميت يصل إليه كل شيء من الخير لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: " إن من البر بعد البر أن تصلى لهما مع صلاتك وأن تصوم مع صومك وأن تتصدق لهما مع صدقتك" انتهى. ولا يشترط تسمية المهدي إليه باسمه بل يكفي النية نص عليه في رواية ابنه عبد الله لا بأس أن يحج عن الرجل ولا يسميه. فصل: قال إسحاق الكوسج قلت لأحمد ﵁ قال الحسن في الرجل يقول لامرأته أنت طالق إن شاء الله تعالى كان يلزمه فقال أحمد: "أما أنا فلا أقول فيه شيئا" قلت: لم قال: "الطلاق ليس هو يمين" قلت: وكذلك العتق؟ قال: "نعم". فصول: في أحكام الوطء في الدبر: فمنها أنه من الكبائر ومنها أنه يوجب القتل إذا كان من غلام نص عليه أحمد في إحدى الروايتين والثانية حده حد الزاني كقول مالك والشافعي فإن كان من زوجه أو امة أوجب التعزير وفي الكفارة وجهان أحدهما عليه كفارة من وطىء حائضا اختاره ابن عقيل والثاني لا كفارة فيه وهو قول أكثر الأصحاب ومنها أن للزوجة أن تفسخ النكاح به وذكره غير واحد من أصحابنا وإن كان من امرأة أجنبية فاختلف أصحابنا في حده فالذي

стр. 875

قاله أبو البركات وأبو محمد وغيرهما حده حد الزاني وقال ابن عقيل في فصوله: "فإن كان الوطء في الدبر في حق أجنبية وجب الحد الذي أوجبناه في اللواط وعلى هذا فحده القتل بكل حال وإن كان في مملوكه فذهب بعض أصحابنا أنه يعتق عليه وأجراه مجرى المثلة الظاهرة وهو قول بعض السلف. قال النسائي في سننه الكبير: "الإباحة للحاكم أن يقول للمدعى عليه احلف قبل أن يسأله المدعى أنبأ هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : " من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " فقال الأشعت فيّ والله كان ذلك كان بيني وبين رجل من اليهود دار فجحدني فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "ألك بينه فقلت: لا فقال: لليهودي احلف فقلت: والله إذا يحلف فيذهب حقي فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الآية قال النسائي: "لا نعلم أحدا تابع أبا معاوية على قوله: "فقال لليهودي احلف" انتهى. ويسوغ للحاكم أن يقول له احلف إذا قصد به الزجر والتخويف أو كان يعلم أن المدعى قاصدا لتحليفه أو كان يعلم أن المدعى عليه بريء من الدعوى فإنه في قصده الصور الثلاث قد أعان على البر والتقوى وظهور الحق وأكثر أوضاع الحكام ورسومهم لا أصل لها في الشريعة والله المستعان. فصل: مسائل فقهية في مذهب أحمد إذا كانت داية ترضع ولد غيرها هل يجوز لها الإفطار كما لو كان ولدها قال ابن عقيل في فصوله: "جارية جاءت إلى الشيخ أبي نصر بن الصباغ وأنا حاضر فتحصل من الجواب أنها تستبيح الإفطار لأن أكثر ما فيه أنه نوع ضرر لأجل المشاق كإفطار المسافر في المضاربة يستبيح كالمسافر بمال نفسه وفارق العمل في الصنائع الشاقة لأنها إذا بلغ فيها الجهد إلى حد يبيح في حق نفسه إباحة في عمل

стр. 876

غيره وإن لم تبلغ المشقة إلى حد إباحة الإفطار لم يبح في حقه ولا حق غيره". قال أحمد في رواية ابن ماهان: "لا بأس للعبد أن يتسرى إذا أذن له سيده فإن رجع السيد فليس له أن يرجع إذا أذن له مرة وتسرى" فتأوله القاضي قال: "يحتمل أنه أراد بالتسري ههنا التزويج وسماه تسريا مجازا ويكون للسيد الرجوع فيما ملكه عبده وهذا نظير تأويل الشيخ أبي محمد النكاح بالتسري في مسألة تزويج عبده بأمته". وقد قال أحمد في رواية جعفر بن محمد وحرب ليس للسيد أن يأخذ سرية العبد إذا أذن له في التسري فإن تسري بغير إذنه أخذها منه وإذا باع العبد وله سرية فهي لسيده ولا يفرق بينهما لانها بمنزلة المرأة" انتهى كلامه. وهذا يرد قول الأصحاب إن التسري مبني على الملك وأنه إذا لم يملك لم يتسر ويرد قولهم إن للسيد انتزاع سريته منه ويرد قولهم إنه إذا باعه رجعت السرية إلى سيده ولا يطأها العبد. قال أحمد في رواية ابن هانىء وحرب ويعقوب بن لحيان: "إذا زوج عبده من أمته ثم أعتقها لا يجوز أن يجتمعا حتى يجدد النكاح" فاستشكل معنى هذه الرواية فقال وعن أحمد: "إن عتقا معا انفسخ النكاح" ومعناه والله أعلم أنه إذا وهب لعبده سرية أو اشترى له سرية وأذن له في التسري بها ثم أعتقها جميعا صارا حرين وخرجت من ملك العبد فلم يكن له إصابتها إلا بنكاح جديد هكذا روى جماعة من أصحابه فيمن وهب لعبده السرية أو اشترى له سرية ثم أعتقها لا يقربها إلا بنكاح جديد واحتج على ذلك بما روى نافع عن ابن عمر أن عبدا له كان له سريتان فأعتقهما فنهاه أن يقربهما إلا بنكاح جديد. قلت: وهذا تأويل بعيد جدا من لفظ أحمد فإن هؤلاء الثلاثة إنما رووا المسألة عنه بلفظ واحد وهو أنه زوج عبده أمته ثم قوله حتى يجدد النكاح مع قوله زوج صريح في أنه نكاح لا تسر وعنه في هذه المسألة ثلاث روايات هذه إحداهن والثانية لهما الخيار نص عليه في رواية الأثرم والثالثة أنهما على نكاحهما نص عليه في رواية محمد بن حبيب وحكاه أبو بكر في زاد المسافر ثلاث روايات منصوصات

стр. 877

في مسألة التزويج وللبطلان وجه دقيق وهو أنه إنما زوجها بحكم ملكه لهما وقد زال ملكه بخلاف تزويجها بعبد غيره وبين المسألتين فرق ولهذا في وجوب المهر في هذه المسألة نزاع فقيل لا يجب بحال وقيل يجب ويسقط والمنصوص إنه يجب ويتبع به بعد العتق بخلاف تزويجها بعبد الغير والله أعلم. قوله في المقنع: "وإن باعه السلعة برقمها أو بألف دينار ذهبا وفضة أو بما ينقطع به السعر أو بما باع به فلان أو بدينار مطلق وفي البلد نقود لم يصح أما الرقم فقد نص علي صحة البيع به فقال حرب سألت أحمد عن بيع الرقم فلم ير به بأسا وأما البيع بالسعر فقد اختلفت الرواية عنه فيه فقال في رواية ابن منصور في الرجل يأخذ من الرجل السلعة يقول أخذتها منك على سعر ما تبيع لم يجز ذلك. وحكى شيخنا عنه الجواز نصا وأما البيع بدينار مطلق وفي البلد نقود فقال في رواية الأثرم في رجل باع ثوبا بكذا وكذا درهما أو أكثرى دابة بكذا وكذا واختلفا في النقد فقال له نقد الناس بينهم قيل له نقد الناس بينهم مختلف قال له قال ابن عقيل: "فظاهر هذا جواز البيع بثمن مطلق مع كون النقود مختلفة وإنما يكون لهم أدناها" وقال الأثرم: "باب الرجل يأخذ من الرجل المتاع ولا يقاطعه على سعره سئل أبو عبد الله عن الرجل يأخذ من البقال الأوقية من كذا والرطل من كذا ثم يحاسبه أيجوز له أن يقول اكتب ثمنه علي ولا يعطيه على المكان قال: "أرجو أن يجوز لأنه ساعة أخذه إنما أخذه على معنى الشراء ليس على معنى السلف إنما يكره إذا كان على معنى السلف فإذا قاطعه بقيمته يوم أخذه" قيل له فإن لم يدرك قيمته يوم أخذه؟ قال: "يتحرى ذلك" وسألته مرة أخرى فقلت: رجل أخذ رطلا من كذا ومن كذا ولم يقاطعه على سعره ولم يعطه ثمنا أيجوز هذا؟ قال: "ليس على معنى البيع أخذه؟ قلت: بلى قال: فلا بأس ولكنه إذا حاسبه أعطاه على السعر يوم أخذه لا يوم حاسبه". قال إسحاق بن هانىء: سألت أبا عبد الله عن رجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: "لا يتزوجها حتى يعلم أنها قد تابت لأنه لا يدري لعلها تعلق عليه ولدا

стр. 878

من غيره قلت: وما علمه أنها قد تابت؟ قال: يريدها على ما كان أرادها عليه فإن امتنعت فهي تائبة". قلت: وهذا التفاوت من أحمد إلى القرائن ودلائل الحال وجواز إيهام غير الحق قولا وفعلا ليعلم به الحق وهذه اقتداء بنبي الله سليمان بن داود حيث قال في الحكومة بين المرأتين في الصبي: "ائتوني بالسكين أشقه بينكما" ومن تراجم النسائي على حديثه هذا التوسعة للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعل ليستبين به الحق وهذا الذي قاله أحمد اتبع فيه ابن عمر فإنه قال يريدها على نفسها فإن طاوعته لم تتب وإن أبت فقد تابت وأنكر الشيخ في المغنى هذا جدا وقال: "لا ينبغي لمسلم أن يدعوا امرأة إلى الزنا ويطلبه منها ولأن طلبه ذلك إنما يكون في خلوة ولا تحل الخلوة بأجنبية ولو كان في تعليمها القرآن فكيف يحل في مراودتها على الزنا ثم لا يأمن إن أجابته إلى ذلك أن يعود إلى المعصية فلا يحل التعرض بمثل هذا ولأن التوبة من سائر الذنوب بالنسبة إلى سائر الأحكام وفي حق سائر الناس على غير هذا الوجه فكذا هذا قول ابن عمر لأحمد أفقه فإن التوبة لما كانت شرطا في صحة النكاح لم يكن بد من تحقيقها ولا سبيل له إلى العلم بها إلا بذلك أو بأن يأمر غيره بمراودتها ولا ريب أن المفاسد المذكورة أقرب إلى الغير إذا لا غرض له في نكاحها بخلاف الخاطب فإن أرادته لنكاحها وعزمه عليه يمنعه من معاودة ما يعود على مقصوده بالإبطال. فائدة: الذي وقع في صحيح البخاري وأكثر كتب الحديث "وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته" ووقع في صحيح ابن خزيمة والنسائي بإسناد الصحيحين من

стр. 879

رواية جابر "وابعثه المقام المحمود" ورواه ابن خزيمة عن موسى بن سهل الرملي وصدقه أبو حاتم الرازي وباقي الإسناد شرطهما ورواه النسائي عن عمر بن منصور عن علي بن عباس والصحيح ما في البخاري لوجوده: أحدها اتفاق أكثر الرواة عليه. الثاني: موافقته للفظ القرآن. الثالث: إن لفظ التنكير فيه مقصود به التعظيم لقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ وقوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ وقوله وهذا كتاب مصدق ونظائره. الرابع: أن دخول اللام يعينه ويخصه بمقام معين وحذفها يقتضي إطلاقا وتعددا كما في قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ومقاماته المحمودة في الموقف متعددة كما دلت عليه الأحاديث فكان في التنكير من الإطلاق والإشاعة ما ليس في التعريف. الخامس: أن النبي ﷺ كان يحافظ على ألفاظ القرآن تقديما وتأخيرا وتعريفا وتنكيرا كما يحافظ على معانيه وعنه ومنه قوله وقد بدأ بالصفا "أبدأ بما بدأ الله به" تقدم تخريجه ومنه بداءته في الوضوء بالوجه ثم اليدين باتباعا للفظ القرآن ومنه قوله في حديث البراء ابن عازب: "آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت " موافقة لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ وعلى هذا فالذي وعدته إما بدل وإما خبر مبتدأ محذوف وإما مفعول فعل محذوف وإما صفة لكون مقاما محمودا قريبا من المعرفة لفظا ومعنى فتأمله. قال أحمد في رواية بن هانىء: "لا تجوز شهادة من أيسر ولم يحج وليس به زمانة ولا أمر يحبسه عنه" وقال: "لا يجوز شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده إذا كانوا يجرون الشيء لأنفسهم" وقال: "تجوز شهادة الغلام إذا كان ابن اثني عشر سنة أو عشر سنين وأقام شهادته جازت شهادته" وقال ابن هانىء: سمعت أبا عبد الله يقول: "لا يعجبني أن يعدل القاضي لأن الناس يتغيرون ولا يدري ما يحدث" وسئل عن الرجل يعدل الرجل فقال: "ما يقضي يعدله لأنه لا يدري ما يحدث والناس يتغيرون". وسئل متى يعدل الرجل فقال قال إبراهيم: "إذا لم تظهر منه ريبة يعدل". ولأصحابه فيما إذا سئل

стр. 880

عن مسألة فأجاب فيها بحكاية قول من بعد الصحابة وجهان أحدهما أن يكون مذهبا له والثاني لا. فائدة: الفرق بين الشك والريب من وجوه: أحدها: أنه يقال شك مريب لا يقال ريب مشكك. الثاني: أن يقال رابني أمر كذا ولا يقال شككني. الثالث: أنه يقال رابه يريبه إذا أزعجه وأقلقه ومنه قول النبي ﷺ وقد مر بظني خافت في أصل شجرة "لا يريبه أحد" ولا يحسن هنا لا يشككه أحد. الرابع: أنه لا يقال للشاك في طلوع الشمس أو في غروبها أو دخول الشهر أو وقت الصلاة هو مرتاب في ذلك وأن كان شاكا فيه. الخامس: إن الريب ضد الطمأنينة واليقين فهو قلق واضطراب وانزعاج كما أن اليقين والطمأنينة ثبات واستقرار. السادس: يقال رابني مجيئه وذهابه وفعله ولا يقال شككني فالشك سبب الريب فإنه يشك أولا فيوقعه شكه في الريب فالشك مبتد االريب كما أن العلم مبتدأ اليقين الاستنجاء. ومما أنتقاه القاضي من شرح أبي حفص لمبسوط أبي بكر الخلال أحمد في رواية أحمد بن الحسين يغسل يده ثلاثا ثم يستنجي ثم يغسل يده ثم يتوضأ قال أبو حفص قد بينا عن أبي عبد الله غسل اليد في الطهارة في ثلاثة مواضع أحدها قبل الاستنجاء والثاني غسل اليد اليسرى بعد الاستنجاء والثالث عند ابتداء الوضوء الاستجمار. وقال في الرجل يستجمر ويعرق في سراويله "إذا استجمر ثلاثة فلا بأس" يحتمل أن يحمل على ظاهرها فيكون الموضع قد طهر بالاستجمار ولا يضر العرق ويحتمل أن يأول على أنه عرق غير موضع الحدث أو عرق فلم يصب ذلك الموضع
следующие страницы →