Полный текст (992 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
تلقيتموها عنهم وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم وأنا رأيتها وليس هذا فيها فقال لي: صدقت إنما هو في توراتنا خاصة قلت: له فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها وهم الذين تلقوها عن الكليم وهم متفرقون في أقطار الأرض قد كتموا هذا النص وأزالوه وبدلوا القبلة التي أمروا بها وحفظتموها أنتم وحفظتم النص بها فلم يرجع إلى الجواب.
قلت وهذا كله مما يقوى أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ راجعا إلى كل أي هو موليها وجهه ليس المراد أن الله موليه إياها لوجوه هذا أحدها.
الثاني: أنه لم يتقدم لاسمه تعالى ذكر يعود الضمير عليه في الآية وإن كان مذكورا فيما قبلها ففي إعادة الضمير إليه تعالى دون كل رد الضمير إلى غير من هو أولى به ومنعه من القريب منه اللاحق به.
الثالث: أنه لو عاد الضمير عليه تعالى لقال هو موليه إياها هذا وجه الكلام كما قال تعالى: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ فوجه الكلام أن يقال ولاه القبلة لا يقال ولى القبلة إياه فتأمله.
وقول أبي القاسم أنه تعالى كرر ذكر الأمر باستقبالها ثلاثا ردا على الطوائف الثلاث ليس بالبين ولا في اللفظ إشعار بذلك والذي يظهر فيه إنه أمر به في كل سياق لمعنى يقتضيه فذكره أول مرة ابتداء للحكم ونسخا للاستقبال الأول فقال ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ثم ذكر أن أهل الكتاب يعلمون أن هذا هو الحق من ربهم حيث يجدونه في كتبهم كذلك ثم أخبر عن عبادتهم وكفرهم وأنه لو أتاهم بكل آية ما تبعوا قبلته ولا هو أيضا بتابع قبلتهم ولا بعضهم بتابع قبلة بعض ثم حذره من اتباع أهوائهم ثم كرر معرفة أهل الكتاب به كمعرفتهم بأبنائهم وأنهم ليكتمون الحق عن علم ثم أخبر أن هذا هو الحق من ربه فلا يلحقه فيه امتراء ثم أخبر أن لكل من الأمم وجهة هو مستقبلها وموليها وجهة فاستبقوا أنتم أيها المؤمنون الخيرات ثم أعاد الأمر باستقبالها من حيث خرج في ضمن هذا السياق الزائد على مجرد النسخ ثم أعاد الأمر به غير
стр. 947
مكرر له تكررا محضا بل في ضمنه أمرهم باستقبالها حيثما كانوا كما أمرهم باستقبالها أولا حيثما كانوا عند النسخ وابتداء شرع لحكم فأمرهم باستقبالها حيثما كانوا عند شرع الحكم وابتدائه وبعد المحاجة والمخاصمة والحكم لهم وبيان عنادهم ومخالفتهم مع علمهم فذكر الأمر بذلك في كل موطن لاقتضاء السياق له فتامله والله أعلم.
وقوله: (إن الاستثناء في قوله ﴿إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ منهم منقطع) قد قاله أكثر الناس ووجهة أن الظالم لا حجة له فاستثناؤه مما ذكر قبله منقطع وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "ليس الاستثناء بمنقطع بل هو متصل على بابه وإنما أوجب لهم أن حكموا بانقطاعه حيث ظنوا أن الحجة ههنا المراد بها الحجة الصحيحة الحق والحجة في كتاب الله يراد بها نوعان:
أحدهما: الحجة الحق الصحيحة كقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ .
ويراد بها مطلق الاحتجاج بحق أو بباطل كقوله: ﴿فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وإذا كانت الحجة إسما لما يحتج به من الحق أو باطل صح استثناء حجة الظالمين من قوله: ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ وهذا في غاية التحقيق والمعنى أن الظالمين يحتجون عليك بالحجة الباطلة الداحضة فلا تخشوهم واخشوني. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ فهذه مناظرة حكاها الله بين المسلمين والكفار فإن الكفار لجأوا إلى تقليد الآباء وظنوا أنه منجيهم لإحسانهم ظنهم بهم فحكم الله بينهم بقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ وفي موضع آخر ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ وفي موضع آخر ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ فأخبر عن بطلان هذه الحجة وأنها لا تنجني من عذاب الله تعالى لأنها تقليد من ليس عنده علم ولا
стр. 948
هدى من الله والمعنى ولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير يقلدونهم ولو كانوا لا علم عندهم ولا هدى يقلدونهم أيضا وهذا شأن من لا غرض له في الهدى ولا في اتباع الحق إن غرضه بالتقليد إلا دفع الحق والحجة إذا لزمته لأنه لو كان مقصوده الحق لاتبعه إذا ظهر له وقد جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم فلو كنتم ممن يتبع الحق لأتبعتم ما جئتكم به فأنتم لم تقلدوا الآباء لكونهم على حق فقد جئتكم أهدى مما وجدتموهم عليه وإنما جعلتم تقليدهم جنة لكم تدفعون بها الحق الذي جئتكم به.
فائدة:
ليس من شرط الدليل اندراجه تحت قضية كلية تكن بها جزءا من قياس شمولي ولا استلزامه نظيرا يكون به قياس تمثيل بل يجوز كونه معينا مستلزما لثبوت معين وإنما شرطه اللزوم فيما كان بينهما تلازم شرعا أو عقلا أو عادة استدل فيه بثبوت الملزوم على ثبوت لازمه وبنفي اللازم على نفي ملزومه فكل ملزوم دليل على لازمه والعلم بدلالته متوقف على العلم به وعلى العلم بلزومه ولهذا كانت أدلة التوحيد والمعاد والنبوات التي في القرآن آيات ودلالات معينات مستلزمة لمدلولها بنفسها من غير احتياج إلى اندراجها تحت قضية كلية فالمخلوقات جميعها وما تضمنته من التخصيصات والحكم والغايات مستلزمة لخالق سبحانه عينا بخلاف ما يزعم كثير من النظار أنه دليل لقولهم كل ممكن مفتقر إلى واجب وكل محدث مفتقر إلى محدث فإن هذه القضية الكلية بعد تعبهم في تقريرها ودفع ما يعأرضها لا يدل على مطلوب معين وخالق معين إنما يدل على واجب ومحدث ما وأما آياته سبحانه وأدلة توحيده وما أخبر به من المعاد وما نصته من الأدلة لصدق رسله فلا يفتقر
стр. 949
في كونها آيات إلى قياس شمولي ولا تمثيلي وهي مستلزمة لمدلولها عينا والعلم بها مستلزم للعلم بالمدلول لا يختلف عنه فانتقال الذهن منها إلى المدلول انتقال بين في غاية البيان وهو كانتقال الذهن من رؤية الدخان إلى أن تحته نارا ومن رؤية الجسم المتحرك قسرا إلى ان له محركا ومن رؤية شعاع الشمس إلى العلم بطلوعها ونظائر ذلك فالعلم بمفردات هذه القضايا الكلية أسبق إلى الذهن والحركة من القضية الكلية بل لا تتوقف دلالتها على القضية الكلية البته وعلم العقل بمدلول الآية المعينة الحسية كعلم الحس بتلك الآية لا فرق في العلم بينهما إلا أن الآية تدرك بالحس ومدلولها بالعقل فعلم العقل بثبوت التوحيد والمعاد والنبوات وجزمه بها كجزم الحس بما يشاهده من آياتها المشهودة.
فائدة:
الفعل بالنسبة إلى التكليف نوعان:
أحدهما: اتفق الناس على جوازه ووقوعه واختلفوا في نسبة إطلاق القول عليه بأنه لا يطاق.
والثاني: اتفق الناس على أنه لا يطاق وتنازعوا في جواز الأمر به ولم يتنازعوا في عدم وقوعه ولم يثبت بحمد الله تعالى أمر اتفق المسلمون على أنه لا يطاق وقالوا إنه يكلف به العبد ولا اتفق المسلمون على فعل كلف به العبد وأطلقوا القول عليه بأنه لا يطاق.
وللمسألة ثلاثة مآخذ:
أحدها: أن الاستطاعة مع الفعل أو قبله والصواب أنها نوعان نوع قبله وهي المصححة للتكليف التي هي شرط فيه ونوع مقارن له فليست شرطا في التكليف.
المأخذ الثاني: إن تعلق علم الله سبحانه بعدم وقوع الفعل هل يخرجه عن كونه مقدورا للعبد فمن أخرجه عن كونه مقدورا قال الأمر به أمر بما لا يطاق ومن لم يخرجه عن كونه مقدورا لم يطلق عليه ذلك والصواب أنه لا يخرجه عن كونه مقدروا
стр. 950
القدرة المصححة التي هي مناط التكليف وشرط فيه وإن أخرجه عن كونه مقدورا القدرة الموجبة للفعل المقارنة له.
المأخذ الثالث: أن ما تعلق علم الله بأنه لا يكون من أفعال المكلفين نوعان:
أحدهما: أن يتعلق بأنه لا يكون لعدم القدرة عليه فهذا لا يكون ممكنا مقدورا ولا مكلفا به.
والثاني: ما تعلق بأنه لا يكون لعدم إرادة العبد له فهذا لا يخرج بهذا العلم عن الإمكان ولا عن جواز الأمر به ووقوعه.
المأخذ الرابع: وهو من أدقها وأغمضها وهو أن علم الله أنه لا يكون لعدم مشيئته له ولو شاء للعبد لفعله هل يخرجه عدم مشيئة الرب تعالى له عن كونه مقدورا ويجعل الأمر به أمرا بما لا يطاق.
والصواب أن عدم مشيئة الرب له لا يخرجه عن كونه ممكنا في نفسه كما أن عدم مشيئته لما هو قادر عليه من أفعاله لا يخرجه عن كونه مقدورا له وإنما يخرج الفعل عن الإمكان إذا كان بحيث لو أراده الفاعل لم يمكنه فعله وأما امتناعه لعدم مشيئته فلا يخرجه عن كونه مقدورا ويجعله محالا. فإن قيل هو موقوف على مشيئة الله وهي غير مقدورة للعبد والموقوف على غير المقدور غير مقدور قيل إنما يكون غير مقدور إذا كان بحيث لو أراده العبد لم يقدر عليه فيكون عدم وقوعه لعدم قدرة العبد عليه فأما إذا كان عدم وقوعه لعدم مشيئته له فهذا لا يخرجه عن كونه مقدورا له وإن كانت مشيئته موقوفة على مشيئة الرب تعالى كما أن عدم وقوع الفعل من الله لعدم مشيئته له لا يخرجه عن كونه مقدورا له وإن كانت مشيئته تعالى موقوفة على غيرها من صفاته كعلمه وحكمته فالنزاع في هذا الأصل يتنوع إلى النظر إلى المأمور به وإلى النظر إلى جواز الأمر به ووقوعه. ومن جعل القسمين واحدا وادعى جواز الأمر به مطلقا لوقوع بعض الأقسام التي يظنها مما لا يطاق وقاس عليها النوع الذي اتفق الناس على أنه لا يطاق وأن وقوع ذلك النوع يستلزم لوقوع القسم المتفق على أنه لا يطاق أو على جوازه فقد أخطأ خطأ بينا فإن من قاس الصحيح المتمكن من الفعل القادر عليه الذي لو أراده لفعله على العاجز عن الفعل إما لاستحالته في نفسه أو لعجزه عنه لجامع ما يشتركان فيه من كون الاستطاعة مع الفعل ومن تعلق علم الرب تعالى بعدم وقوع الفعل منهما فقد جمع بين ما علم
стр. 951
الفرق بينهما عقلا وشرعا وحسا وهذا منافسد القياس وأبطله والعبد مأمور من جهة الرب تعالى ومنهي. وعند هؤلاء أن أوامره تكليف لما يطاق فهي غير مقدورة للعبد وهو مجبور على ما فعله من نواهيه فتركها غير مقدور له فلا هو قادر على فعل ما أمر به ولا على ترك ما ارتكبه مما نهي عنه بل هو مجبر في باب النواهي مكلف بما لا يطيقه في باب الأوامر وبإزاء هؤلاء القدرية الذين يقولون إن فعل العبد لا يتوقف على مشيئة الله ولا هو مقدور له سبحانه وأنه يفعله بدون مشيئة الله لفعله وتركه بدون مشيئة الله لتركه فهو الذي جعل نفسه مؤمنا وكافرا وبرا وفاجرا ومطيعا وعاصيا والله لم يجعله كذلك ولا شاء منه أفعاله ولا خلقها ولا يوصف بالقدرة عليها.
وقول هؤلاء شر من قول أولئك من وجه وقول أولئك شر من قول هؤلاء من وجه وكلاهما ناكب عن الحق حائد عن الصراط المستقيم.
فائدة:
قوله تعالى: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ هي جمع مدينة وفيها قولان:
أحدهما: أنها فعيله واشتقاقها من مدن وعلى هذا فتهمز لأنها فعائل كعقائل وظرائف وابه.
الثاني: أنها مفعلة واشتقاقها من دان يدين وأصلها مديونة مفعولة من دان أي مملوكة مذللة لملكها منقادة له وفعل بها ما فعل بمبيوع حتى صار مبيعا فعند الخليل أنك ألقيت ضمه الياء على الباء فسكنت الياء التي هي عين الفعل وبعدها واو مفعول وهي ساكنة فاجتمع ساكنان فحذفت واو مفعول لأنها زائدة فهي أولى بالحذف من العين.
قال أبو الحسن الأخفش: "المحذوف عين الفعل والباقية هي واو
стр. 952
مفعول وإنما صارت ياء لأنهم لما ألقوا ضمة الياء على الباء انضمت الباء وبعدها ياء ساكنة فأبدلت الضمة كسرة للياء التي بعدها ثم حذفت الياء لالتقائها ساكنه مع الواو واو مفعول بعد أن ألزمت الفاء الكسرة التي حدثت لأجل الياء فصادفت واو مفعول ساكنة فقلبتها ياء ورجح قول الخليل بأنهم قالوا ماء مشيب وارض مميت عليها إي ممات عليها وغار منيل وهو الذي ينال ما فيه من النوال.
وأصل هذه الكلمات مشيوب ومميوت ومنيول فحذفوا واو مفعول وبقوا عين الفعل ولا يجوز أن تكون المحذوفة اللام وواو مفعول هي الباقية المنقلبة ياء لأن واو مفعول إنما تقلب ياء إذا اعتلت لام الفعل كمرمى ومقضي مقضي عليه وإلا فإذا كانت لام الفعل صحيحة بقيت واو مفعول على حالها كمضروب ومقتول ورجح قول الأخفش بأن واو مفعول جاءت لمعنى فحذفها مخل بما جاءت لإجله ألا ترى أنهم يقولون مررت بقاض يحذفون الياء الأصلية ويبقون التنوين لأنه جاء لمعنى.
ورجح أيضا بأن العين قد أعلت في قال وباع وقيل وبيع ومبيع ومقول فلما اعتلت بالإسكان والقلب اعتلت بالحذف وواو مفعول لم ينقلب من شيء ولم يعتل في الفعل فكان إبقاؤها وحذف المعتل أوجب وايضا فإن العين في مقول ومبيع حذفت في قولهم قل وبع فلما حذفت ههنا كانت أولى بالحذف في مقول ومبيع ولمن نصر قول الخليل أن يقول الساكنان إذا التقيا في كلمة واحدة حرك الثاني منهما فكذلك إذا حذف أحد الساكنين من كلمة يحذف الآخر منهما. ولمن نصر قول الأخفش أن يقول هذا الدليل نقلبه عليكم فنقول: "إذا التقى الساكنان في كلمة واحدة حذف أولهما كخف وقل وبع وقياس الحذف على الحذف أقرب من قياس الحذف على الحركة وأيضا فكما اعتلت العين بالقلب مع ألف فاعل كقائم وقائل اعتلت بالحذف مع واو مفعول".
قالت الخليلية: "الميم في أول مفعول دالة على أنه اسم مفعول فتبقى الواو زائدة محضة فتكون أولى بالحذف من الحرف الأصلي".
قالت الأخفشية: "الميم لا تستقل بالدلالة على المفعولية فإن مبيعا يشبه مسيرا أو مقيلا من
стр. 953
المصادر ولا يتميزان إلا بواو مفعول فلا سبيل إلى حذفها فصار في المدينة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها فعلية من مدن.
والثاني: مفعولة وعينها محذوفة.
والثالث: مفعلة وواو المفعول محذوفة فإن كانت المدائن فعائل تعين همزها كصحائف لأن المدة وقعت بعد ألف الجمع وإن كانت فهي مفعلة كمعيشة فلا تهمز لأنها ليست بمدة.
فإن قلت فما تقول في قراءة من قرأ معائش بالهمز وهي جمع معيشة وياؤها ليست زائدة بل أصلها الحركة إما مفعلة وإما مفعلة وكذلك ما تقول في همزهم مصائب وهي جمع مصيبة.
قلت: أما معائش فكدرت عيش أهل التصريف حتى قال فيها أبو عثمان في تصريفه: "وأما قراءة أهل المدينة معائش بالهمز فهي خطأ فلا يلتفت إليها فإنما أخذت عن نافع بن أبي نعيم ولم يكن يدري ما العربية وله أحرف يقرؤها لحنا نحوا من هذا وأما مصائب فلقد أصيبوا منها بمصائب".
قال المازني: "وقد قالت العرب مصائب فهمزوا وهو من الغلط قالوا حلاب السويق وكأنهم توهموا أن مصيبة فعيلة فهمزوها حتى جمعوها كما همزوا شقائق وإنما مصيبة مفعلة من أصاب يصيب فأصلها مصوبة فألقوا حركة الواو علىالصاد فانكسرت الصاد وبعدها واو ساكنة فأبدلت ياء وأكثر العرب يقول: مصاوب فيجيء بها على القياس وما ينبغي فيقال: ومن المصائب تخطئه العرب وأهل المدينة ونحن إنما نجهد أنفسنا في استخراج المقاييس لنوافقهم فيما تكلموا به فإذا كان ما ثبت عنهم خطأ ولحنا وخالفناهم فيه لم نكن تابعين لهم ولا قاصدين لنهج كلامهم ولا ريب أن المهموز في هذا الجمع هو ما كانت حروف العلة في واحدة مدة زائدة كصحيفة ورسالة وعجوز فإذا همزوا ما كان حرف العلة فيه اصليا في بعض المواضع تشبيها له بما هو فيه بمدة زائدة فأي خطأ يلزمهم وأي غلط يسجل به عليهم وطالما يخرجون الشيء من كلامهم عن أصله لغرض ما من تشبيه أو تخفيف أو تنبيه على أنه كان ينبغي أن يكون كذا ولأغراض عديدة أفتراهم لما صححوا استحوذ فصححوا ما حقه الإعلال كانوا مخطئين.
وكذلك لما صححوا استنوق
стр. 954
فهلا قلتم إن القوم لما القوا الهمزة بعد ألف مفاعل فيها حرف العلة مدة في واحدة لم يستنكروها في معايش ومصايب لأن الموضع موضع همز فليست الهمزة بشديدة الغربة في هذا الموضع ويا للعجب كم في اللغة من قلب وأبدال وحذف غير مقيس بل هو مسموع سماعا مجردا ولو تكلم بغيره لكان غلطا وخطأوإن كان مقتضى القياس. وقد ذكر ابن جني من الأمثلة التي زعم أنها وقعت غلطا في كلامهم ثم قال وإنما يجوز مثل هذا لغلط عليهم لما يستهويهم من الشبه لأنهم ليست لهم قياسات يعتصمون بها وإنما يخلدون إلى بدائعهم وأين هذا من كلام الإمام المقدم سيبويه حيث يقول وليس شيء مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجها وهذا من النحاة شبيه من رد الجهمية نصوص الصفات لمخالفتها أقيستهم ومن رد أحاديث الأحكام عند مخالفتها الرأي والمقصود بالأقيسة والاستنباطات فهم المنقول لا تخطئته والله الموفق.
فائدة:
استطاع استفعل من طاع يطوع ولم ينطق به وإنما نطقوا بالرباعي منه فيقال أطاعة وقالوا طوع له أي حسنة وزينة وكأنه جعل نفسه مطيعة لداعية فالهمزة من أطاعه همزة التعدية والنقل من اللزوم إلىالتعدي والتضعيف في طوع لكونه في معنى حسن وزين وأما السين والتاء في استطاع فإما أن تكون للوجود أي وجدته طوعا لي كاستجدته أي وجدته جيدا واستصوبت كلامه أي وجدته صوابا واستعظمته أي وجدته عظيما وأما أن تكون للطلب أي طلبت أن يطيعني إذا امرته ولا يستعصي علي بل يكون طوع قدرتي وقد يأتي هذا البناء بمعنى فعل كقر واستقر ومر واستمر وقد يأتي بمعنى الصيرورة كاستنوق البعير واستحجر
стр. 955
الطين وبابهما الفعل اللازم وقد يأتي موافق تفعل كتعظم واستعظم وأما استعتبت فهو للطلب أي طلب الاعتاب فهو لطلب مصدر الرباعي الذي هو أعتب أي ازال عتبه لا لطلب الثلاثي الذي هو العتب فقوله تعالى وإن يستعبوا فما هم من المعتبين أي إن يطلبوا إعتابنا وإزالة عتبنا عليهم ويقال عتب عليه إذا أعرض عنه وغضب عليه ثم يقال استعتب السيد عبده أي طلب منه أن يزيل عتب نفسه عنه بعوده إلى رضاه فأعتبته عبده اي أزال عتبه بطاعته ويقال استعتب العبد سيده أي طلب منه أن يزيل غضبه وعتبه عنه فأتبعه سيده أي فأزال عتب نفسه عنه وعلى هذا فقوله تعالى وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين أي وإن يطلبوا إعتابنا وهو إزالة عتبنا عنهم فما هم من المزال عتبهم لأن الآخرة لا تقال فيها عثراتهم ولا يقبل فيها توبتهم. وقوله: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي لا يطلب منهم إعتابنا وإعتبابه تعالى إزالة عتبة بالتوبة والعمل الصالح فلا يطلب منهم يوم القيامة أن يعتبوا ربهم فيزيلوا عتبه بطاعته واتباع رسله وكذلك قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وقول النبي ﷺ في دعاء الطائف: "لك العتبى" هو اسم من الإعتاب لا من العتب أي أنت المطلوب إعتابه ولك علي أن أعتبك وأرضيك بطاعتك فافعل ما ترضى به عني وما يزول به عتبك علي فالعتب منه على عبده والعتبي والإعتاب له من عبده فههنا أربعة أمور:
الأول: العتب وهو من الله تعالى فإن العبد لا يعتب على ربه فإنه المحسن العادل فلا يتصور أن يعتب عليه عبده إلا والعبد ظالم ومن ظن من المفسرين خلاف ذلك غلط أقبح غلط.
الثاني: الإعتاب وهو من الله ومن العبد باعتبارين فإعتاب الله عبده إزالة عتب نفسه عن عبده وإعتاب العبد ربه إزالة عتب الله عليه والعبد لا قدرة له على ذلك إلا بتعاطي الأسباب التي يزول بها عتب الله تعالى عليه.
الثالث: استعتاب وهو من الله أيضا ومن العبد بالاعتبارين فالله تعالى يستعتب عباده أي يطلب منهم أن يعتبوه ويزيلوا عتبة عليهم ومنه قول ابن مسعود وقد وقعت الزلزلة بالكوفة إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه والعبد يستعتب ربه أي يطلب
стр. 956
منه إزالة عتبه.
الرابع: العتبي وهي اسم الإعتاب فاشدد يديك بهذا الفضل الذي يعصمك من تخبيط كثير من المفسدين لهذه المواضع ومنه قول النبي ﷺ : "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل له" فأما محسن فلعله أن يزداد وإما مسيء فلعله أن يستعتب أي يطلب من ربه إعتابه إياه بتوفيقه للتوبة وقبولها منه فيزول عتبة عليه، والاستعتاب نظير الاسترضاء وهو طلب الرضى وفي الأثر "إن العبد ليسترضي ربه فيرضى عنه" وإن الله ليسترضي فيرضى لكن الاسترضاء فوق الاستعتاب فإنه طلب رضوان الله تعالى والاستعتاب طلب إزالة غضبه وعتبه وهما متلازمان.
رجعنا إلى (استطاع) وفيها خمس لغات هذه إحداها.
الثانية: اسطاع بحذف تاء استفعال تخفيفا ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ .
الثالثة: اصطاع بالصاد وفيه أمران أحدهما حذف التاء والثاني إبدل السين صادا لأجل مجاورتها الطاء.
الرابعة: اسطاع بإدغام التاء في الطاء وهو إدغام على خلاف القياس لأن فيه التقاء الساكنين على غير حدهما.
الخامسة: اسطاع بقتح الهمزة وقطعها وهي أشكلها فقال سيبويه: "السين عوض عن ذهاب حركة العين لأن أصله أطوع فنقلت فتحه الواو إلى الطاء ثم أعل بقلب واوه ألفا لتحركها أصلا وانتفاح ماقبلها لفظا فزيدت السين عوضا من ذهاب حركة السين".
وتعقب المبرد هذا على سيبويه وقال: "إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب فأما إذا كان موجودا في اللفظ فلا وحركة العين منقولة إلى الفاء فلم تعدم".
وأجيب عن هذا بأن العين لما سكنت وهنت وتهيأت للحذف عند سكون اللام نحو لم يطع وأطعت فلو بقيت حركتها فيها لما تطرق إليها الحذف بل كنت تقول لم يطوع وأطوعت فزيدت السين ليكون عوضا من هذا الإعلال المتضمن لثلاثة أمور نقل حركة المتحرك ووهنه بالسكون وتعريضه للحذف عند سكون ما بعده فجبروا هذا الإعلال هذا بزيادة السين في أوله سواء قولهم اهراق فإن أصله أراق فقلبت عينه ألفا بعد تسكينها فصارت عرضة للحذف كقولك لم يرق وارقت فأعل بالنقل والقلب والحذف فعرضت الهاء في أوله جبرا لإعلاله
стр. 957
وأما أراق فعلى الأصل وأما هراق فعلى أبدال الهمزة هاء لمجاورتها في المخرج ونظيره أيضا قولهم اهراح في أراح يريح هذا قول البصريين" وقال الفراء: "أصله استطاع ثم حذفوا التاء فعرضوا منها فتح الهمزة وقطعها وهذا الذي قاله اقل عملا وأبعد من التكلف".
ورد عليه بأنهم قالوا (اسطاع) بكسر الهمزة ووصلها مع حذف التاء فلو كان حذف التاء يوجب الفتح والقطع لما عدلوا عنه وهذا ظلم للفراء فإنه لم يدع لزوم ذلك وإنما ذكر ان هذا الحذف مسوغ للفتح والقطع ويقال ولو كان ما ذكرتم من الإعلال مسوغ لزيادة السين والهاء طراد في أقام وأنام وأجاد وأقال وما لا يحصى وليس نقضكم عليه بأقل من نقوضه فعلم أن هذه مسوغات لا موجبات".
فائدة:
يقال مجنون ومغبون ومهروع مخفوع ومعتوه وممتوه وممته وممسوس وبه لمص ومصاب في عقله فهذه عشرة ألفاظ وأما مخروع فصحفها العامة من مهروع.
فائدة:
دلالة الاقتران تظهر قوتها في موطن وضعفها في موطن وتساوى الأمرين في موطن فإذا جمع المقترنين لفظ اشتركا في إطلاقه وافتراقا في تفصيله قويت الدلالة كقوله: "الفطرة خمس " وفي مسلم: "عشر من الفطرة" ثم فصلها فإذا جعلت الفطرة بمعنى السنة والسنة هي المقابلة للواجب ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان. لكن تلك
стр. 958
المقدمتان ممنوعتان فليست الفطرة بمرادفة للسنة ولا السنة في لفظ النبي ﷺ هي المقابلة للواجب بل ذلك إصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع ومن ذلك قوله: "على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويستاك ويمس من طيب بيته" فقد اشترك الثلاثة في اطلاق لفظ الحق عليه إذا كان حقا مستحبا في اثنين منها كان في الثالث مستحبا وأبين من هذا قوله: " وبالغ في الاستنشاق " فإن اللفظ تضمن الاستنشاق والمبالغة فإذا كان أحدها مستحبا فالآخر كذلك.
ولقائل أن يقول اشتراك المستحب والمفروض في لفظ عام لا يقتضي تساويها لا لغة ولا عرفا فإنهما إذا اشتركا في شيء لم يمتنع افتراقهما في شيء فإن المختلفات تشترك في لازم واحد فيشتركان في أمر عام ويفترقان بخواصهما فالاقتران كما لا يثبت لأحدهما خاصية لا ينفيها عنه فتأمله وإنما يثبت لهما الاشتراك في أمر عام فقط وأما الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران فيه فعند تعدد الجمل واستقلال كل واحدة منهما بنفسها كقوله: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من جنابة " وقوله: "لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده" فالتعرض لدلالة الاقتران ههنا في غاية الضغف والفساد فإن كل جملة مفيدة لمعناها وحكمها وسببها وغايتها منفردة به عن الجملة الأخرى واشتراكهما في مجرد العطف لا يوجب اشتراكهما فيما وراءه وإنما يشترك حرف العطف في المعنى إذا عطف مفردا على مفرد فإنه يشترك بينهما في العامل كقام زيد وعمرو وأما نحو اقتل زيدا وأكرم بكرا فلا اشتراك في معنى وأبعد من ذلك ظن من ظن أن تقييد الجملة السابقة بظرف أو حال أو مجرور يستلزم تقييد الثانية وهذا دعوى مجردة بل فاسدة قطعا.
ومن تأمل تراكيب الكلام العربي جزم ببطلانها وأما موطن التساوى فحيث كان العطف ظاهرا في التسوية وقصد المتكلم ظاهرا في الفرق فيتعارض ظاهر اللفظ وظاهر القصد فإن غلب ظهور أحدهما اعتبر وإلا طلب الترجيح والله أعلم.
стр. 959
فائدة:
رضي لامه واو من الرضوان وانقلبت واوه ياء لانكسار ما قبلها وقالوا في الماضي المسند إلى اثنين رضيا بالياء وجاءوا إلى المضارع فقالوا يرضيان بالياء والقياس يرضوان إذ لا موجب لقلب الواو ياء ولكن حملوا يرضيان على رضيا كما حملوا أعطيا على يعطيان ولم يقولوا اعطوا وذلك ليجري الباب على سنن واحد ولا يختلف عليهم.
فائدة:
إنما امتنعوا من النطق بأفعال ويله وويحه وويسه وويبه لأنه لفيف مقرون فلو وضعوا له فعلا لوقعت الواو بعد حرف المضارعة وذلك يوجب إعلالها بالحذف ك يعد ويزن ويثق ووقعت العين وهي حرفة علة أيضا ثالثة وذلك يوجب نقل حركتها إلى الساكن قبلها وإعلالها بالإسكان كيبيع ويحيد فيتوالي عليهم إعلالات في كلمة واحدة وهم لا يسمحون بذلك فرفضوا الفعل رأسا.
فائدة:
قوله تعالى لإبليس: ﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُوراً﴾
стр. 960
أعاد الضمير بلفظ الخطاب وإن كان من تبعك يقتضي الغيبة لأنه اجتمع مخاطب وغائب فغلب المخاطب وجعل الغائب تبعا له كما كان تبعا له في المعصية والعقوبة فحسن أن يجعل تبعا له في اللفظ وهذا من حسن ارتباط اللفظ بالمعنى واتصاله به وانتصب جزاء موفورا عند ابن مالك على المصدر وعامله عنده المصدر الأول قال والمصدر يعمل في المصدر تقول عجبت من قيامك قياما ويعمل فيه الفعل نحو قيام قياما واسم الفاعل كقوله:
فأصبحت لا أقرب الغانيا ... ت مزدجرا عن هواها ازدجارا
واسم المفعول هو مطلوب طلبا وبعد ففي نصب جزاء قولان آخران:
أحدهما: أنه منصوب بما في معنى فإن جهنم جزاؤكم من الفعل فإنه متضمن لتجازون وهو الناصب جزاء.
الثاني: أنه حال وساغ وقوع المصدر حالا ههنا لأنه موصوف.
ذكر الزمخشري هذين القولين وهذا كما تقول خذ عطاءك عطاء موفورا.
والذي يظهر في الآية أن جزاء ليس بمصدر وإنما هو اسم للحظ والنصيب فليس مصدر جزيته جزاء بل هو كالعطاء والنصيب ولهذا وصفه بأنه موفورا اي تام لا نقص فيه وعلى هذا فنصبه على الاختصاص وهو يشبه نصب الصفات المقطوعة وهذا كما قال الزمخشري وغيره في قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ قال: نصبه على الاختصاص أي أعني نصيبا مفروضا ويجوز أن ينتصب انتصاب المصادر المؤكدة كقوله تعالى: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ .
فائدة:
المسك مذكر بدليل قولهم أذفر وقد ظن بعضهم تأنيثه محتجا بقوله:
مرت بنا ما بين أترابها ... والمسك من أردانها ناقحة
стр. 961
ولا يثبت التأنيث بمثل ذلك لأنه خبر عن مضاف محذوف أي رائحة المسك وهذا يجوز عند أمن اللبس.
فائدة:
من كليات النحو كل صفة نكرة قدمت عليها انقلبت حالا لا ستحالة كونها صفة تابعة مع تقدمها فجعلت حالا ففارقها لفظ الصفة لا معناها فإن الحال صفة في المعنى. وكل صفة علم قدمت عليه انقلب الموصوف عطف بيان نحو مررت بالكريم زيد وكذلك غير العلم كقولك مررت بالكريم أخيك لأن الثاني تابع له مبين له وكل تابع صلح للبدلية وعطف البيان نظرت فيه فإن تضمن زيادة بيان فجعله عطفا أولى من جعله بدلا وإن لم يتضمن ذلك فجعله بدلا أولى مثال الأول قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ وقوله ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ وقوله ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً﴾ .
فائدة:
الأفعال ثلاثة ماض ومضارع وأمر؛ فالأمر لا يكون إلا للاستقبال ولذلك فلا يقترن به ما يجعله لغيره وأما وروده لمن هو ملتبس بالفعل فلا يكون المطلوب منه إلا أمرا متجددا وهو إما الاستدامة وإما تكميل المأمور به نحو ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وأما الماضي فيصرف إلى الاستقبال بعد أدوات الشرط وفي الوعد والإنشاء ونحوه لا في الخبر كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وكقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وكقوله النبي ﷺ لعائشة: "إن كنت
стр. 962
ألمت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه" ونظائره كثيرة جدا.
ولا يخفى فساد تأويل ذلك بأن المعنى إن ثبت في المستقبل وقوع ذلك في الماضي أفترى المسيح يقول لربه إن ثبت في المستقبل أني قلته في الماضي فقد علمته وهل هذا إلا فاسد في الكلام ممتنع من العاقل إطلاقه وكذلك قول النبي ﷺ لعائشة إنما أراد إن كان وجد فيما مضى ذنب فتداركيه بالتوبة التغيير في لفظ الفعل وصرفه إلى معنى آخر وأما ما يصير به الماضي مستقبلا فكقولك: إن قمت أكرمتك وإن زرتني أحسنت إليك فهذا ماضي اللفظ مستقبل المعنى وللنحاة ههنا مسلكان:
أحدهما: أن التغيير وقع في لفظ الفعل وكان الموضع للمستقبل فغير إلى لفظ الماضي والأداة هي التي تصرفت في تغييره وهذا اختيار أبي العباس المبرد.
والثاني: أن التغيير إنما هو في المعنى والأداة وردت على فعل ماض فغيرت معناه إلى الاستقبال وهذا هو الصواب لأن الأدوات المغيرة للكلم إنما تغيره معانيها دون ألفاظها كالاستفهام المغير لمعنى ما بعده من الخبر إلى الطلب وكالتمنى والترجي والطلب والنفي ونظائره ويتصرف إلى الحال بقرينة الإنشاء كتزوجت وبعتك وطلقتك على أحد القولين في هذه الصيغ ومن جعلها أخبارا عما قام بالنفس فهي ماضية على بابها.
والتحقيق أنها إنشاء للخارج إخبار عما في النفس فجهة الخبر فيها لا ينافي جهة الإنشاء وينصرف إلى الاستقبال بقرينة الطلب والدعاء كقولك: غفر الله لك وأدخلك الجنة وأعاذك من النار ونحو عزمت عليك إلا فعلت ويتصرف إليه أيضا بالوعد عند بعضهم مستشهدا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ﴿وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ و ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ ونحوه وفيه نظر ظاهر للمتأمل وينصرف أيضا إلى الاستقبال بعطفه على ما علم استقباله كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إِلاّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ وينصرف إلى الاستقبال أيضا بالنفي بـ (لا) وإن بعد القسم كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وكقول الشاعر:
ردوا فوالله لا زدناكم أبدا ... ما دام في مائنا ورد لنزال
стр. 963
ويحتمل المضي والاستقبال بعد همزة التسوية نحو سواء على أقمت أم قعدت والصواب أن المراد هنا المصدر المدلول بالفعل وهو أعم من الحال والاستقبال فلم يجيء الاحتمال من جهة الهمزة بل من جهة القصد إلى المصدر.
فإن قلت: فلو اقترن الفعل الواقع بعد أم بلم فهل يصلح الماضي للحال والاستقبال أم يتعين الماضي. قلت: ذهب صاحب التسهيل إلى تعيين المضي واحتج بقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ والصواب أنه لا يتعين المضي فإن المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه فلا فرق بين ذلك وبين أن يقال سواء عليهم أأنذرت أم تركت الإنذار.
وكذلك لو كان بعد أم جملة إسمية لم يتعين المضي في الفعل كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ وإذا وقع الماضي بعد حرف التحضيض صلح أيضا للماضي والمستقبل كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ والصواب أن الماضي ههنا باق على وضعه لم يتغير عنه كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ ويقول: هلا اتقيت الله تعالى فيما أتيت والآية إنما نزلت في غزوة تبوك في سياق ذم المتخلفين عن رسول الله فأخبر تعالى أن المؤمنين لم يكونوا لينفروا كافة ثم وبخهم توبيخا متضمنا للحض على أن ينفر بعضهم ويقعد بعضهم.
وأصح القولين أنه ينفر منهم طائفة في السرايا والبعوث وتقعد طائفة تتفقه في الدين فتنذر القاعدة الطائفة النافرة إذا رجعت إليهم وتخبرهم بما نزل بعدهم من الحلال والحرام والأحكام لوجوه:
أحدها: أن الآية هي في سياق النفير في الجهاد وتوبيخ القاعدين عنه.
الثاني: أن النفير إنما يكون في الغزو ولا يقال لمن سافر في طلب العلم أنه نفر ولا استنفر ولا يقال للسفر فيه نفير.
الثالث: أن الآية تكون قد اشتملت على بيان حكم النافرين والقاعدين وعلى بيان اشتراكهم في الجهاد والعلم فالنافرون أهل الجهاد والقاعدون أهل التفقه والدين إنما يتم بالجهاد والعلم فإذا اشتغلت طائفة بالجهاد وطائفة بالتفقه في الدين ثم يعلم أهل الفقه للمجاهدين إذا رجعوا إليهم حصلت المصلحة بالعلم
стр. 964
والجهاد وهذا الأليق بالآية والأكمل لمعناها وأما إذا جعل النفير فيها نفيرا لطلب العلم لم يكن فيها تعرض للجهاد مع إخراج النفير عن موضعه.
والذي أوجب لهم دعوى أن النفير في طلب العلم أنهم رأوا الضمير إنما يعود على المذكور القريب فالمنذرون هم النافرون وهم المتفقهون وجواب هذا الضمير إنما يرجع إلىالأقرب عند سلامته من معارض يقتضي الأبعد وقد بينا أن السياق يقتضي أن القاعد هو المتفقة المنذر للنافر الراجع.
والمقصود أن نفر في الآية ماض وإنما يفهم منه الاستقبال لأن التحضيض يؤذن به والتحقيق في هذا الموضع أن لفظه لولا وهلا إن تجرد للتوبيخ لم يتغير الماضي عن وضعه وإن تجرد للتحضيض تغير إلى الاستقبال وإن كان توبيخا مشربا معنى التحضيض صلح للأمرين وإن وقع بعد كلما جاز أن يراد به المضي كقوله تعالى: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ وإن يراد به الاستقبال كقوله كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها وقد ظن صاحب التسهيل أنه إذا وقع صلة للموصول جاز أن يراد به الاستقبال محتجا بقوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم وهذا وهم منه رحمة الله والفعل ماضي لفظا ومعنى والمراد إلا الذين تقدمت توبتهم القدرة عليهم فخلوا سبيلهم والاستقبال الذي لحظه ﵀ إنما هو لما تضمنه الكلام من معنى الشرط ففيه معنى من تاب قبل أن تقدروا عليه فخلوا سبيله فلم يجيء هذا من قبل الصلة ولو تجردت الصلة عن معنى الشرط لم يكن الفعل إلا ماضيا وضعا ومعنى كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ وأما قوله ﷺ : "نضر الله امرءا سمع مقالتي " فقال صاحب التسهيل: "إن الاستقبال في (سمع) جاء من كونه وقع صفة لنكرة عامة وهذا وهم أيضا فإن ذلك لا يوجب استقبالا بحال تقول: كم من مال أنفقته وكم رجل لقيته وكم نعمة كفرها أبو جهل وكم مشهد شهده علي مع رسول الله جاء الاستقبال من جهة ما تضمنه الكلام من الشرط فهو في قوة من سمع مقالتي فوعاها نضره الله فتأمله وكذلك إذا
стр. 965
وقع مضافا إليه حيث صلح للاستقبال إذا تضمنت معنى الشرط كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فلم يأت الاستقبال ههنا من قبل حيث كما ظنه وإنما جاء من قبل ما تضمنه الكلام من الشرط ولهذا لو تجرد من الشرط لم يكن إلا للمضي كقولك: اذهب حيث ذهب فلان وأما قول الشاعر:
وإني لآتيكم بذكر ما مضى ... من الأمر واستحباب ما كان في غد
فلم تكن كان ههنا مستقبلة المعنى لكونها في صلة الموصول بدليل وقوعها للمضي في قوله ما مضى من الأمر وإنما جاء الاستقبال من جهة الظرف الذي جعل وقتا للفعل.
فصل:
وإذا نفي المضارع بـ (لا) فهل يختص في الاستقبال أو يصلح له وللحال مذهبان للنحاة: مذهب الأخفش صلاحيته لهما ووافقه بن مالك وزعم أنه لازم لسيبويه محتجا بإجماعهم على صحة قام القوم لا يكون زيد فهو بمعنى إلا زيدا. ومن ذلك قولهم أتحبه أم لا تحبه وأتظن ذلك أم لا تظنه لا ريب أنه بمعنى الحال وقولهم: ما لك لا تقبل وأراك لا تبالي قال تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ و ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ و ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وزعم الزمخشري أنه يتخلص بها للاستقبال اخذا من قول سيبويه وإذا قال هو يفعل ولم يكن الفعل واقعا فإن نفيه لا يفعل وهذا ليس صريحا في اختصاصه بالمستقبل فإن لا تنفى الحال والاستقبال وهو لم يقل لا تنفى الحال وإنما أراد سيبويه أن يفرق بين نفي الفعل بـ (ما) ونفيه بـ (لا) في أكثر الأمر فقال: وإذا قال هو يفعل أي هو في حال فعل كان نفيه ما يفعل وإذا قال هو يفعل ولم يكن الفعل واقعا فإن نفيه لا يفعل ومعلوم أن ما لا يخلص الفعل المنفي بها للحال وسيبويه قد
стр. 966
جعلها في فعل الحال كـ (لا) في فعل الاستقبال فعلم أنه إنما اراد الأكثر من استعمال الحرفين.
وتأمل كيف جاء نفي المضارع وهو مرفوع بما ولا وهما لا يزيلان رفعه لتشاكل المنفي بالمثبت ويقابل مرفوع بمرفوع والمشاكلة مهمة في كلامهم حتى يغيروا بها بعض الألفاظ كقولهم: أخذه ما قدم وما حدث والغدايا والعشايا ونظائره وترجع الحال بدخول لام الابتداء عليه نحو إني لأحبك وأما قوله تعالى حكاية عن يعقوب: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ ذهابهم مستقبل وهو فاعل الحزن ويمتنع أن يكون الفاعل مستقبلا والفعل حالا فزعم صاحب التسهيل أن هذا دليل على أن اللام لا تخلص للحالية واحتج أيضا بقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ .
ولقائل أن يقول: التخلص إنما يكون باللام المجردة وأما إذا اقترن بالفعل قرينة تخلصه للاستقبال لم تكن اللام للحال وهذا كسوف كما في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فلولا هذه القرائن لتخلص للحال وهذا كان مع لم كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا﴾ فإن منعت اقتضاء لم للمضي واما الآن وآنفا والساعة فمخلصة للحال خلافا لبعضهم واحتج بقوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ والأمر إنما يكون للمستقبل وقد عمل في الآن.
وأجيب عن ذلك بأن (الآن) هنا هو الزمن المتصل أوله بالحال مستمرا في الاستقبال فعبر عنه بالآن اعتبارا بأوله كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ والصواب أن الآن في الآية ظرف للأمر والإباحة لا لفعل المأمور به والمعنى فالآن أبحث لكم مباشرتهن لا أن المعنى فالآن مدة وقوع المباشرة منكم وترجع الحالية بنفيه بـ (ما) وليس وإن كقوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ وكقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ .
مثال نفيه بـ (ليس) قول الشاعر:
ولست وبيت الله أرضي بمثلها ... ولكن من يمشي سيرضى بما ركب
وأما قوله:
فما مثله فيهم ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام بدل
فإنما جاء للاستقبال من تقسيم النفي إلى ماض وحال ومستقبل وقال ابن مالك:
стр. 967
"لا يخلصه النفي بذلك للاستقبال" واحتج بهذا البيت وبقوله:
والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل
وبقول أبي ذؤيب:
أودى بني وأودعوني حسرة ... عند الرقاد وعبرة ما تقلع
وبقول النابغة الذبياني يمدح النبي ﷺ :
له نافلات ما يغب نوالها ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا
وبقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيّ﴾ والتحقيق في ذلك ان هذه الأدوات تنفي الفعل المبتدىء من الحال مستمر النفي في الاستقبال فلا تنفيه في الحال نفيا منقطعا عن التعرض للمستقبل ولا تنفيه في المستقبل مع جواز التلبس به في الحال فتأمله.
وتتخلص للاستقبال بعشرة أشياء: حرف تسويف أو مصأحبة ناصب أو أداة ترج أو إشفاق كلعل أو مجازاة أو نوني التوكيد أو لو المصدرية كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ومثال الإشفاق قول الشاعر:
فأما كيس فنجا ولكن ... عسى يغتر بي حمق لئيم
فائدة:
قوله في الحديث الصحيح: "إنما كنت خليلا من وراء وراء " يجوز فيه وجهان:
الأول: فتحهما معا وهو الأشهر والأفصح وهما مبنيان على الفتح للتركيب المتضمن للحرف كقولهم: هو جاري بيت بيت والمعنى بيته إلى بيتي ومنه قولهم همزة بين بين وفلان يأتيك صباح مساء ويوم يوم وتركوا البلاد حيث بيث وحاث بات ووقعوا في حيص بيض بيض وأصل هذا كله خمسة عشر وبابه فإن أصله قبل التركيب العطف فركب وبني لتضمنه معنى حرف العطف ولا كذلك بعلبك وبابه لأن
стр. 968
الاسمين في خمسة عشر مقصود دلالتهما قبل التركيب بخلاف بعلبك.
الوجه الثاني: بناء وراء وراء على الضم كالظروف المقطوعه عن الإضافه ورجح هذا بعض المتأخرين محتجا بما أنشده الجوهري في صحاحه بالضم:
إذا أنا لمن اومن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلا من وراء وراء
هكذا أنشده بالضم وعلى هذا فوراء الأولى بنيت كبناء قبل وبعد إذا قطعنا وفي الثانية أربعة أوجه:
الأول: أن يكون بناؤها كذلك أيضا على تقدير من فيها أي من وراء من وراء حذفت من اكتفاء بالأولى.
الثاني: أن تكون تأكيدا لفظيا للأولى وتبعتها في حركة البناء لقوتها ولأن لها أصلا في الإعراب وبناؤها عارض فهي كحركة المنادي المفرد كقولك يا زيد زيد.
الثالث: أن يكون بدلا منها.
الرابع: أن يكون عطف بيان كقوله:
إني واسطار سطرا ... لقائل يا نصر نصر نصرا
وهذان الوجهان عند التحقيق لا شيء لأن الشيء لا يبدل بنفسه إلا باختلاف ما في تعريف وتنكير أو إظهار أو إضمار ومع الاتحاد من كل وجه لا يبدل أحدهما من الآخر لخلو هذا الأبدال عن الفائدة وكذلك عطف البيان فإن الشيء لا يتبين بنفسه ولا يفهم حقيقة عطف البيان بين لفظين متساويين من جميع الوجوه وعلىالوجه الأول وهو فتحهما ففيهما وجهان: أحدهما البناء كما تقدم تقريره، والثاني: الإعراب وتكون فتحة وراء فتحة إعراب ولكنه غير منصرف وتقريره أن وراء لما لم يقصد بها قصد مضاف بعينه صارت كأنها اسم مستقل بنفسه وهو علم جنسي لمطلق الخلفية والكلمة مؤنثة فاجتمع فيها التأنيث والعلمية فمنعت الصرف وعلى هذا ففي وراء الثانية الأوجه الأربعة التي تقدمت في المضمومة ويدل على صحة ما ذكرنا ما وقع في بعض روايات الحديث من وراء من وراء بتكرار من في الموضعين وفتح وراء وهذا ينفي التركيب فيتعين به الإعراب ومنع الصرف والدليل على تأنيث الكلمة أن الجوهري نص في كتابه على تأنيثها فقال: "وهي
стр. 969
مؤنثة لأنهم قالوا في تصغيرها وريئة".
قلت: ولكن ليس تأنيثها بالهمزة الممدودة بل تأنيثها معنوي لا علامة له لكن ما تأنيثه بالهمزة إذا صغر لم تقع الهمزة في حشوة كحمراء فلما قالوا وريئة علم أن همزتها ليست للتأنيث بل تأنيثها كتأنيث قوس وإذن ونحوهما وقد حكيت في هاتين الكلمتين أربعة أوجه أخرى:
أحدها: من وراء وراء بكسر الهمزة فيهما وهي كسرة بناء.
الثانية: من وراء وراء بفتح الأولى وضم الثانية ووجه إضافه الأولى إلى الثانية فأعربت الأولى وبنيت الثانية على الضم قالوا فتكون الأولى ظرفا منصوبا والثانية غاية مقطوعة.
قلت: وتصحيح هذا يستلزم أن يكون وراء صفة لمحذوف ليصح تقدير الظرفية فيه فيكون تقديره من مكان وراء وإلا فمع مباشرة من لا ينتصب ظرفا.
الثالثة: من وراء وراء بالنصب فيهما علىالظرفية ووجهة ما أشرنا إليه من تقدير موصوف محذوف أي من مكان وراء وراء.
الرابعة: من وراء وراء بكسر الأولى وفتح الثانية فتجر الأولى بإضافتها وتعرب الثانية إعراب غير المنصرف كقولك: من أحجر عثمان وموضوع هذه الكلمة كخلف وضد أمام.
وذهب بعض المفسرين واللغوين إلى أنها قد تأتي بمعني أمام فتكون مشتركة بينهما واحتج بأمرين: الأول قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ وجهنم إنما هي أمام الكافر وكذلك قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ وإنما العذاب الغليظ أمامه وفيما يستقبله الثاني قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أي أمامهم بدليل قراءة عبد الله بن عباس وكان إمامهم ملك وهذا المذهب ضعيف ووراء لا يكون أماما كما لا يكون أمام وراء إلا بالنسبة إلى شيئين فيكون أمام الشيء وراء لغيره ووراء الشي أماما لغيره فهذا الذي يعقل فيها وأما أن يكون وراء زيد بمعنى أمامه فكلا.
وأما ما استدلوا به فلا حجة فيه فأما قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ فالمعنى أنه ملاق جهنم بعد موته فهي من بعده أي بعد مفارقته الدنيا فهي لما كانتبعد حياته كانت وراءه لأن وراء كبعد فكما
стр. 970
لا يكون بعد قبل فلا يكون وراء أمام وأنت لو قلت جهنم بعد موت الكافر لم يكن فيها معنى قبل بوجه فوراء ههنا زمان لا مكان فتأمله رحمك الله تعالى فهي خلف زمان حياته وبعده وهي أمامه ومستقبلته فكونها خلفا وأماما باعتبارين وإنما وقع الاشتباه لأن بعدية الزمان إنما يكون فيما يستقبل أمامك كقولك: بعد غد وورائية المكان فيما تخلف وراء ظهرك فمن ورائه جهنم ورائية زمان لا مكان وهي إنما تكون في المستقبل الذي هو أمامك فلما كان معنى الأمام لازم لها ظن من ظن أنها مشتركة ولا اشتراك فيها وكذلك قوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ وكذلك: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وأما قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ فإن صحت قراءة وكان أمامهم ملك فلها معنى لا يناقض القراءة العامة وهو أن الملك كان خلف ظهورهم وكان مرجعهم عليه فهو وراءهم في ذهابهم وأمامهم في مرجعهم فالقراءتان بالاعتبارين والله أعلم.
فائدة:
قولهم: البدل في نية تكرار العامل إن أريد به أن العامل فيه غير العامل في متبوعه فلا بد من إعادته إما ظاهرا وأما مقدرا كما هو مذهب ابن خروف وغيره فضعيف جدا وهو مخالف لمذهب سيبويه فإن الذي دل عليه كلامه أن العامل فيهما هو الأول ويتعين هذا لأن من المبدلات ما يبدل من مجرور ومجزوم ولا يعاد عامله فلو كان العامل مقدرا لزم اطراد إضمار الجار في الجازم في الأبدال من المجرور والمجزوم وهو ممتنع والذي أوجب لهم ما ادعوه أمران:
أحدهما: أنهم رأوا البدل كثيرا ما يعاد معه العامل كقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ ولم يروه معادا مع غيره من التوابع إلا نادرا.
الثاني: أن البدل
стр. 971
هو المقصود بالذكر والأول في نية الإطراح فلما كان هو المقصود كانت مباشرته بالعامل أولى بخلاف بقية التوابع فإن المقصود في النعت وعطف البيان والتأكيد هو الأول والثاني توضيح وتبيين وأما عطف النسق وإن قصد فيه التابع والمتبوع فالمعطوف فيه ثان تابع لمقصود فاكتفى فيه بالعامل الأول ولا حجة في شيء من ذلك أما الأول فمجيء البدل خاليا من تكرار العامل أكثر من اقترانه بإعادة العامل وإنما أعيدت اللامم في الآية لمزيد البيان والاختصاص وأن القول من المستكبرين إنما كان للمؤمنين المستضعفين خاصة ونظير إعادة اللام ههنا إعادتها في قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ وإذا كانوا يزيدون اللام في قولهم لا أبا لك مع شدة ارتباط المضاف بالمضاف إليه لقصد الاختصاص والتببين فالإتيان بها في مثل هذه الآية أولى واقوى ولهذا لم يعد في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وفي قوله: ﴿لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ . وفي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِين﴾ ولا في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي﴾ الآية ولا في قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ ولا في وقوله: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً﴾ فنظائره أكثر من أن تذكر.
وأما استدلالهم بأن المبدل منه في نية الطرح والمقصود مباشرة العامل للمبدل فغير صحيح فإن الأول مقصود أيضا ولكن ذكر توطئة للمبدل منه ولم يقصد طرحه ويدل عليه قول الشاعر:
إن السيوف عدوها وروحها ... تركت هوازن مثل قرن الأعصب
فجعل الخبر للسيوف وألغى البدل وجعله كالمطروح إذ لو لم يلغه لقال تركا وإنما يكون الأول في نية الطرح في نوعين من البدل وهما بدل الغلط والأكثر فيهما أن يقعا بعد بل والله أعلم.
стр. 972
فائدة:
البدل والمبدل إما أن يتحدا في المفهوم أولا فإن اتحدا فهو المسمى بدل الكل من الكل وأحسن من هذه التسمية أن يقال بدل العين من العين وبعضهم يقول بدل الموافق من الموافق لأن هذا البدل يجرى فيما لا يقبل التبعيض والكل كقوله تعالى: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ ونحوه وإن لم يتحدا في المفهوم فإما ان يكون الثاني جزءا من الأول أولا، فإن كان جزءا منه فهو بدل البعض من الكل وإن لم يكن جزءه فإما أن يصح الاستغناء بالأول عن الثاني أولا فإن صح فهو بدل الاشتمال بملابس إما وصف أو فعل أو طرف أو مجاور أو مقصود من العين أو يكون مظروفا للأول فالأول كقولك أعجبني زيد حسنه والثاني كقولك أعجبني زيد صلاته والثالث أعجبني زيد داره والرابع أعجبني زيد ثيابه والخامس دعي زيد للطعام أكله والسادس: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيه﴾ وهل الأول مشتمل على الثاني أو الثاني على الأول أو العامل مشتمل عليهما ثلاثة أقوال لا طائل تحتها وكلها صحيحة لأن الملابسة حاصلة بين الأول والثاني وهي المرادة من الاشتمال وأما اشتمال العامل عليهما وإن عم سائر أقسام البدل فسمى هذا النوع به لأن كل واحد من الأنواع اختص باسمه فأعطى الاسم العام لهذا النوع من البدل وإن لم يصح الاستغناء بالأول فإما أن يكون المتكلم قد قصده ثم أراد إطراحه أو لم يقصده فإن كان قصده فهو بدل البدا وإن لم يقصده فهو بدل الغلط. فمثال الأول أن تقول: أعط السائل رغيفا ثم ترق عليه فتقول دينارا ومثال الثاني أن تقول أكلت لحما ثم تذكر فتقول خبزا.
стр. 973
فائدة:
قد تبدل الجملة من الجملة كبدل الفعل من الفعل والجملة من المفرد كقولك عرفت زيدا أبو من هو. قال ابن جني ومنه قول الشاعر:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يتلقيان
قال فكيف يلتقيان بدل من حاجة كأنه قال إلى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقاؤهما ويبدل المفرد من المفرد. وأما بدل المفرد من الجملة فلا يتصور إلا أن تكون الجملة في تأويل المفرد فيصح أبدال المفرد من معناها لا من لفظها كقولك أزورك يوم يعافيك الله تعالى يوم السرور.
فائدة:
لا يشترط في بدل النكرة من المعرفة اتحاد اللفظين وشرطه الكوفيون محتجين لقوله تعالى: ﴿بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ﴾ واحتج البصريون بقول الشاعر:
فلا وأبيك خير منك إني ... ليؤذيني التحمحم والصهيل
стр. 974
فائدة:
يشترك المصدر واسم الفاعل في عملهما عمل الفعل ويفترقان في عشرة أحكام:
الأول: أن اسم الفاعل يتحمل ضميرا مستترا نحو هذا ضارب زيد والمصدر لا يتحمله فإذا قلت يعجبني أكل الخبز لم يكن في أكل ضمير فقيل لأنه ليس بمشتق والضمير إنمايحمله المشتقات.
الثاني: أن المصدر يعمل بمعنى المضي والحال والاستقبال لأنه أصل الفعل واسم الفاعل يختص عمله بما إذا كان في معنى الحال والاستقبال لأنه يتحمله لشبهه بالفعل المضارع الذي لا يكون إلا لأحدهما.
الثالث: أن المصدر يضاف إلى الفاعل والمفعول كما يسلط الفعل عليهما واسم الفاعل لا يضاف إلى الفاعل لاستحالة إضافته إلى نفسه.
الرابع: أن اسم الفاعل يعمل فيما قبله والمصدر لا يعمل فيما قبله وسر الفرق أن المصدر في تقدير أن والفعل فمعموله من صلته فلا يتقدم عليه بخلاف اسم الفاعل.
الخامس: أن أضافه اسم الفاعل لا يفيد التعريف إلا إذا كان بمعنى المضي وأضافه المصدر تفيد التعريف مطلقا.
السادس: أن الألف واللام إذا دخلت على اسم الفاعل كانت موصولة وإذا دخلت على المصدر لم تكن موصولة ومن الفرق عود الضمير عليها من اسم الفاعل دون المصدر.
السابع: أن المصدر ينعقد منه ومن معموله كلام تام لا يفتقر إلي شيء قبله نحو ضربا زيدا واسم الفاعل لا ينعقد منه ومن معمولة كلام تام حتى يعتمد على شيء قبله نحو هذا ضارب زيدا وجاءني مكرم عمرا.
الثامن: أن جهة عمل المصدر كونه أصلا للفعل وجهة عمل أسم الفاعل كونه فرعا على الفعل.
التاسع: أن أضافه المصدر لا يمنع من نصبه مفعوله وأضافه أسم الفاعل تمنع من نصبه مفعوله إلا أن يتعدي فعله إلى أكثر من واحد فينتصب حينئذ ما عدا
стр. 975
المفعول الأول.
العاشر: أن الألف واللام إذا دخلت على المصدر أذهبت عمله فلم أنكل عن الضرب مسمعا شاذ نادر وإذا دخلت على اسم الفاعل قوت عمله ولهذا لا يعمل بمعنى المضي فإن اقترنت به الألف واللام عمل تقول هذا الضارب زيدا أمس وسر الفرق أن الألف واللام فيه موصولة تقوى جانب الفعلية فيه بخلافها في المصدر.
فائدة:
(إما) لا تكون من حروف العطف لأربعة أوجه:
أحدها: أنك تقول ضربت إما زيدا وإما عمرا فتذكره قبل معمول الفعل فلو كانت إما من حروف العطف لكنت قد عطفت معمول الفعل عليه وهو ممتنع فلما وقعت إما بين الفعل ومعموله علم أنها ليست بعاطفة.
الثاني: أنك تقول جاءني إما زيد وإما عمروا فتقع إما بين الفعل والفاعل ومعلوم أن الفاعل كالجزء من الفعل فلا يصح الفصل بينهما بالعاطف.
الثالث: أن تقول وإما عمرو فتدخل الواو عليه ولو كانت حرف عطف لم يدخل عليها حرف عطف آخر كما لا تقول ضربت زيدا أو عمرا.
الرابع: أن العطف لا بد أن يكون عطف جملة على جملة أو مفرد على مفرد وإذا قلت ضربت إما زيدا وإما عمرا فإما الأولى لم تعطف زيدا علىمفرد ولا يصح عطفه على الجملة بوجه فالصواب أن حروف العطف تسعة لا عشرة.
стр. 976
فائدة:
إذا قلت: جاءني زيد بل عمرو فله معنيان:
أحدهما: أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وعلى هذا فيكون إضراب نفي.
والثاني: أنك أثبت لعمرو المجيء كما أثبته لزيد وأتيت بـ (بل) لنفي الاقتصار على الأول لا لنفي الإسناد إليه بل لنفي الاقتصار على الإسناد إليه ويسمى إضراب اقتصار وهذا أكثر استعمالا في القرآن وغيره كقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ وكقوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ ونظائره ويسمى هذا إضرابا وخروجا من قصة إلى قصة.
وإذا قلت: ما جاءني زيد بل عمرو فله معنيان:
أحدهما: أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وهذا قول الأكثرين.
والثاني: أنك نفيت المجيء عنهما معا فنسبت إلى الثاني حكم الأول وأنت حكمت على الأول بالنفي ثم نسبت هذا الحكم إلى الثاني.
والتحقيق في أمر هذا الحرف أنه يذكر لتقرير ما بعده نفيا كان أو إثباتا فالنظر فيه في أمرين فيما قبله فيما بعده ولما لم يفصل كثير من النحاة بين هذين النظرين وقع في كلامهم تخليط كثير في معناه فنقول أما حكم ما بعده فالتقرير والتحقيق وهو شبيه بمصحوب قد وتجريد العناية بالكلام إلي ما بعده أهم عندهم من الاغتناء بما قبله فقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ المقصود تقرير هذه الجملة لا الإضراب عن قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ وكذلك قوله: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ المقصود تقرير هذا النفي وتحقيقه لا الإضراب عن قوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ وكذلك إذا وقعت بين جملتين متضادتين أفادت تقرير كل واحدة منهما كقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فالمقصود تقرير الطلب والخبر وكذلك
стр. 977
قولك لا تضرب زيدا بل اضرب عمرا وكذلك ما قام زيد بل قام عمرو فهي في ذلك كله لتقرير جملتين وكذلك قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُون﴾ المعنى أنكم إذا نزل بكم هذا الأمر العظيم لا تدعون غير الله بل تدعونه وحده فهو تقرير لترك دعائهم الهتهم ولدعائهم الإله الحق وحده فيدخل في مثل ذلك على مقرر بعد مقرر والأول تارة يكون تقريره توطئة للثاني كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلّ﴾ وتارة لا يكون توطئة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعاً﴾ وتارة يدخل على كلام مقرر بعد كلام مردود كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وفي مثل هذا يظهر معنى الإضراب وليس المراد بهم إضراب عن الذكر بل الإضراب عن المذكور ونفيه وإبطاله وتارة يأتي لتقرير كلام بعد كلام قد رجع عنه المتكلم إما لغلط أو لظهور رأى أو لعروض نسيان وذلك كله إما في الإخبار وإما في المخبر به فمثال الأول أن تقول: أنت عبدي بل سيدي ومثال الثاني لاح برق بل ضوء نار ومثال الثالث خذ هذا بل هذا ومثال الرابع شربت عسلا بل لبنا وتأتي مع التكرار لقصد ما بعدها بالإولوية والذكر دون نفي ما قبلها كقوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِر﴾ فهم لم يقصدوا إبطال ما قبل كل واحدة بل قصدوا أولوية المتأخر بالقصد إليه والاعتماد عليه مع ثبوت ما قبله وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ فليس القصد نفي إدراك علمهم في الآخرة ولا نفي شكهم فيها فتأمله ومن مواردها مجيئها بعد قسم لم يذكر جوابه فيتضمن تحقيق ما بعدها وتقريره ويتضمن ذلك مع القسم تحقيق ما قصده بالقسم وتقريره.
стр. 978
فائدة:
احتمال اللفظ للمعنى شيء ودلالته عليه شيء فالمطلق بالنسبة إلى المقيدات محتمل غير دال والعام بالنسبة إلى الأفراد دال.
فائدة:
حمل اللفظ على المعنى يراد به صلاحيته له تارة ووضعه له تارة فإن أريد بالحمل الإخبار بالوضع طولب مدعيه بالنقل وأن أريد صلاحيته لم يكف ذلك في حمله عليه لأنه لا يلزم من الصلاحية له أن يكون مرادا به ذلك المعنى هذا إن أريد بالحمل الإخبار عن مراد المتكلم وإن أريد به إنشاء معنى يدعيه صاحب الحمل ثم يحمل عليه الكلام فإن ذلك يكون وضعا جديدا فليتأمل هذا من قولهم يحمل اللفظ على كذا وكذا فكثير من النظار أطلق ذلك ولا يحصل معناها.
فائدة:
تجرد اللفظ عن جميع القرائن الدالة على مراد المتكلم ممتنع في الخارج وإنما يقدره الذهن ويفرضه وإلا فلا يمكن استعماله إلا مقيدا بالمسند والمسند إليه ومتعلقاتهما وأخواتهما الدالة على مراد المتكلم فإن كان كل مقيد مجازا استحال أن يكون في الخارج لفظ
стр. 979
حقيقة وإن كان بعض المقيدات مجازا وبعضها حقيقة فلا بد من ضابط للقيود التي تجعل اللفظ مجازا والقيود التي لا تخرجه عن حقيقته ولن يجد مدعو المجاز إلى ضابط مستقيم سبيلا البتة فمن كان لديه شيء فليذكره.
فائدة:
منع الدلالة شيء ومنع عليه شيء فالثاني مستلزم للأول من غير عكس فمن منع الدلالة مع تسليم للمدلول عليه فانتقل عنه منازعة إلى دليل آخر كان انقطاعا وإن منع المدلول فانتقل عنه المنازع إلى دليل آخر لم يكن انقطاعا كما إذا طعن الخصم في شهود المدعي فأقام بينة أخرى غير مطعون فيها فله ذلك فينبغي التفطن في المناظرة لذلك.
فائدة:
من ادعى صرف لفظ عن ظاهره إلى مجازه لم يتم له ذلك إلا بعد أربع مقامات:
أحدها: بيان امتناع إرادة الحقيقة.
الثاني: بيان صلاحية اللفظ لذلك المعنى الذي عينه وإلا كان مفتريا على اللغة.
الثالث: بيان تعيين ذلك المجمل إن كان له عدة مجازات.
الرابع: الجواز عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة.
فما لم يقم بهذه الأمور الأربعة كانت دعواه صرف اللفظ عن ظاهره ولم يعين له مجملا لزمه أمران:
أحدهما: بيان الدليل الدال على امتناع إرادة الظاهر.
والثاني: جوابه عن المعارض.
стр. 980
فائدة: صرف اللفظ عن حقيقتة إلى مجازه
مدعى صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه يتضمن دعواه الإخبار عن مراد المتكلم ومراد الواضع.
أما المتكلم فكونه أراد ذلك المعنى الذي عينه الصارف وأما الواضع فكونه وضع اللفظ المذكور دالا على هذا المعنى فإن لم تكن دعواه مطابقة كان كاذبا على المتكلم بخلاف مدعي الحقيقة فإنه إذا تضمنت دعواه إرادة المتكلم للحقيقة وإرادة الواضع كان صادقا أما صدقة على الواضع فظاهر وأما صدقة على المتكلم معرفة مراد المتكلم إنما يحصل بإعادته من كلامه وأنه إنما يخاطب غيره للتفهيم والبيان فمتى عرف ذلك من عادته وخاطبنا لما هو المفهوم من ذلك الخطاب علمنا أنه مراده منه وهذا بحمد بين لاخفاء فيه.
فائدة:
دلالة اللفظ على مدعى المستدل شيء ودلالته على بطلان قول منازعه شيء آخر وهما ملازمان إن كان القولان متقابلين تقابل التناقض فللمستدل حينئذ تصحيح قوله بأي الطريقين شاء وإن تقابلا تقابل النضاد لم يلزم من إقامته الدليل على بطلان مذهب منازعه صحة مذهبه هو بجواز بطلان المذهبين وكون الحق في ثالث وإن أقام دليلا على صحة قوله لزم منه بطلان قول منازعه لاستحالة جمع الضدين.
стр. 981
فائدة:
الاستدلال شيء والدلالة شيء آخر فلا يلزم من الغلط في أحدهما الغلط في الآخر فقد يغلط في الاستدلال والدلالة صحيحة كما يستدل بنص منسوخ أو مخصوص على حكم فهو دال عليه تناولا والغلط في الاستدلال لا في الدلالة وعكسه كما إذا استدللنا بالحيضة الظاهرة على براءة الرحم فحكمنا بحلها للزوج ثم بانت حاملا فالغلط هنا وقع في الدلالة نفسها لا في الاستدلال فتأمل هذه الفروق.
فائدة:
تسليم موجب الدليل لا يستلزم تسليم المدعى إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون موجبه هو المدعى بعينه أو ملزوم المدعى.
الثاني: أن لا يقوم دليل راجح أو مساو على نقيض المدعى ومع وجود هذا المعارض لا يكون تسليم موجب الدليل الذي قد عورض تسليما للمدعى إذ غايته أن يعترف له منازعه بدلالة دليله على المدعى وليس في ذلك تعرض للجواب عن المعارض ولا يتم مدعاه إلا بأمرين جميعا.
стр. 982
فائدة:
ما يذكره المجتهد العالم بالله من موضوع اللفظ لغة شيء وما يعين له مجملا خاصا في بعض موارده من جملة محامله شيء؛ فالأول حكم قوله فيه حكم قول أئمة اللغة فيقيد بشرطه، والثاني حكم قوله فيه حكم ما يفتى به فيطلب له الدليل مثاله: قوله الباء في ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ للتبعيض فهذا حمل منه للباء على التبعيض في هذا المورد وليس هو كقوله ابن السبيل هوالمسافر الذي انقطع عن أهله ووطنه. ونظائره ذلك فهذا نقل محض اللغه والأول استنباط وحمل ومن لم يفرق بين الأمرين غلط في نظره وغالط في مناظرته والله أعلم.
فائدة:
قوله تعالى: ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وليس له مثل والجواب من أوجه:
الأول: أن المراد به التبكيت والمعنى حصلوا دينا آخر مثله وهو لا يمكن.
الثاني: أن المثل صلة.
الثالث: أنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف ولا تحريف فإن آمنوا بالتوراة من غير تصحيف ولا تحريف فقد اهتدوا.
الرابع: أن المراد أن آمنوا بمثل ما صرتم به مؤمنين روى ابن جرير أن ابن عباس قال: "قولوا ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِه﴾ قال عبد الجبار: "ولا يجوز ترك القراءة المتواترة".
стр. 983
فائدة:
قوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ أنث عدد الأمثال لتأويلها بحسنات ومثله قراءة أبي العالية: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا﴾ بالتاء والفعل مسند إلى الإيمان لكنه طاعة وإثابة في المعنى.
فائدة:
الجهل قسمان:
- بسيط: وهو عبارة عن عدم المعرفة مع عدم تلبس بضد.
- ومركب وهو جهل أرباب الاعتقادات الباطلة والقسم الأول هو الذي يطلب صاحبه العلم أما صاحب الجهل المركب فلا يطلبه.
فائدة:
الأجداث القبور وفيها لغتان بالثاء والفاء أهل العالية تقوله بالثاء وأهل السافلة بالفاء.
فائدة:
في النوم فائدتان:
إحداهما: انعكاس الحرارة إلى البطن فينهضم الطعام.
الثانية: استراحة الأعضاء التي قد كلت بالأعمال.
فائدة:
في صحيح البخاري ما انفرد به من رواية عمران بن حصين أنه سأل النبي ﷺ عن صلاة الرجل قاعدا قال: "إن صلى قائما فهو أفضل ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد".
قلت: اختلف العلماء هل قوله: "من صلى قاعدا" في الفرض أو النفل؟
فقالت
стр. 984
طائفة: هذا في الفرض وهو قول كثير من المحدثين واختيار شيخنا فورد على هذا أن من صلى الفرض قاعدا مع قدرته على القيام فصلاته باطلة وإن كان مع عجزه فأجر القاعد مساو لأجر القائم لقوله ﷺ : "إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما" فقال لي شيخنا: "وضع صلاة القاعد على النصف مطلقا وإنما كمل الأجر بالنية للعجز".
قلت: ويرد على كون هذا في الفرض قوله: "إن صلى قائما فهو أفضل" وهذا لا يكون في الفرض مع القدرة لأن صلاته قائما لا مساواة بينها وبين صلاته قاعدا لأن صلاته قاعدا والحالة هذه باطلة فهذه قرينة تدل على أن ذلك في النفل كما قاله طائفة أخرى لكن يرد عليه أيضا قوله: "ومن صلى نائما" فإنه يدل على جواز التطوع للمضطجع وهو خلاف قول الأئمة الأربعة مع كونه وجها في مذهب أحمد والشافعي.
وقال الخطابي: "تأولت الحديث في شرح البخاري على النافلة إلا أن قوله: "من صلى نائما" يبطل هذا التأويل لعدم جواز التطوع نائما".
وقال في شرح أبي داود: أنا الآن أتأوله على الفرض وأحمله على من كان القيام مشقا عليه فإذا صلى قاعدا مع إمكان القيام ومشقته فله نصف أجر القائم".
وقال ابن عبد البر: "أجمعوا على أنه لا يجوز التنفل مضطجعا".
قلت: في الترمذي جوازه عن الحسن البصري وروى الترمذي بإسناده عن الحسن قال: "إن شاء صلى صلاة التطوع وجالسا قائما ومضطجعا" والله أعلم.
فائدة:
قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ولم يقل فيها لأن عند الفناء ليس الحال حال القرار والتمكين.
стр. 985
فائدة:
إن قيل لم كان عاشوراء يكفر سنة ويوم عرفة يكفر سنتين؟ قيل فيه وجهان:
أحدهما: أن يوم عرفة في شهر حرام وقبله شهر حرام وبعده شهر حرام بخلاف عاشوراء.
الثاني: أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا بخلاف عاشوراء فضوعف ببركات المصطفى ﷺ والله أعلم. منتخب من الفوائد المنتقية من الرقوم الشرقية.
فائدة:
من كتاب المجمل لابن فارس "السبت من الأيام والجمع أسبت وسبوت. والسبت الدهر والسبت الراحة والسبت السير السهل والسبت حلق الرأس والسبت الحيرة والمسبت المتحير والسبت ضرب العنق والسبت الغلام العارم".
قال: "يصبح سهلان ويمسى مسبتا والسبت جلود مدبوغة بقرظ".
فائدة:
روي أنا لما حضرت الحطيئة الوفاة قال: "لكل جديد لذة غير أنني وجدت جديد الموت غير لذيذ".
следующие страницы →