← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المجلد الأول مقدمة ... تصدير: الطبعة الأولى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحمدك اللهم على ما أوليتني من نعمك السابغة، وآلائك الضافية، وأصلي وأسلم على رسولك المجتبى، سيدنا محمد ﷺ وعلى آله وسلم. وبعد: فلا مراء أن خطب العرب في عصور ازدهار اللغة مرآة يتجلى فيها ما حباهم الله من ذلاقة اللسان، وعذوبة البيان، ومعرض يتمثل فيه نتاج قرائحهم، وثمرات ألبابهم، في كثير من مناحي القول، وإنها لتعد -بعد القرآن الكريم والحديث الشريف- مثالًا ساميًا للبلاغة العربية، ونموذجًا قويمًا يجتذيه المتأدب في تقويم قلمه المعوج، وشحذ لسانه الكليل، وهي فوق ذلك معين فياض يستقي منه مؤرخ الأدب العربي ما يعن له من آراء، ومادة عزيرة يستنبط منها ما يقفه عليه البحث من فكر. وقد نظرت فوجدت تلك الخطب مبعثرة منثورة في كتب الأدب والتاريخ، لا يؤلف بينها نظام، ولا يضم أشتاتها كتاب، فإذا ما شئت أن تتعرف صورة الخطابة في عصر

стр. 2

من العصور، أو تترجم لخطيب من خطباء العربية، ألقيت الطريق أمامك وعرة شائكة، وأنفقت مديدًا في التنقيب عن خطبه في بطون الأسفار؛ بله ما يعترضك من مشاق في تحرير ألفاظها، وتحقيق عباراتها، لما نالها من عبث النساخ والطباع، من التصحيف والتحريف الذي ينبهم معه معناها، ويستغلق به تفهمها. كل أولئك حدا بي أن أعبد السبيل لشداة الأدب العربي إلى ذلك التراث النفيس، الذي يتوقون إلى الارتواء من مناهله العذبة؛ فلا يكادون يسيغونها، ويصبون إلى اجتناء ثماره الشهية؛ فتحول دونها الأشواك، وفيهم من درس اللغات الإفرنجية، وتزود من أفكار الغربيين وآرائهم بقسط وفير؛ ولكنه تعوزه جزالة اللفظ، ورصانة الأسلوب. استخرت الله؛ فجمعت كل ما أثر عن العرب في عصور العربية الزاهرة، من خطب ووصايا من مظانها -على قدر ما هداني إليه اطلاعي- وضمت إليها ما دار في مجالس الملوك والخلفاء والرؤساء، من حوار ومجاوبة، أو جدال ومناظرة، مما يدخل في باب الخطب، وينتظم في سلكها، وأودعتها ذلك السفر كي يكون لها ديوانًا جامعًا، ومرجعًا عامًّا، يسهل مراجعتها فيه، وسميته: جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة. وبوبته أربعة أبواب في ثلاث أجزاء: الجزء الأول: ويحوي الباب الأول في خطب الجاهلية، والباب الثاني في خطب صدر الإسلام. الجزء الثاني: ويحوي الباب الثالث: في خطب العصر الأموي. الجزء الثالث: ويحوي الباب الرابع: في خطب العصر العباسي الأول، وذيل الجمهرة، في خطب متفرقة.

стр. 3

وإذا كان الشريف الرضي ﵀ قد أفرد خطب الإمام علي كرم الله وجهه بمؤلف خاص، وهو: "نهج البلاغة" والإمام أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور، قد جمع في مؤلفه: "بلاغات النساء" طائفة قيمة من كلام بليغات النساء، وطرائف أقوالهن. رأيت أن نقلي ما ورد في هذين السفرين الجليلين بحذافيره، ليس على الحقيقة إلا ضمهما إلى كتابي، وتضخيمة بهما؛ ولذلك اجتزأت بإيراد جمله صالحة مماجاء فيهما؛ مما استدعاه المقام. ولم أقتصر على إيراد الخطبة بإحدى الروايات الواردة فيها؛ بل عنيت بالتوفيق بين الروايات المختلفة، وإتمام بعضها من بعض، لما في ذلك من زيادة الفائدة للقارئ؛ فإذا ما رأيت الخطبة مروية بصورتين يتبين فيهما الاختلاف، أوردت الصورتين جميعًا. وقد ضبطت ألفاظها ضبطًا وافيًا، وعقبت كل خطبة بذكر مصادرها التي نقلتها عنها، كما ذيلتها بشرح يفسر غريب ألفاظها، ويحل مستغلق كلماتها، وأوردت فيه كل ما تمس إليه الحاجة في فهمها، من نبذ تاريخية توضح المقامات التي ألقيت فيها، إلى ما هناك. ولست أستطيع أن أصور للقارئ مقدار ما عانيت من المتاعب في رد كثير من الألفاظ إلى أصولها الصحيحة، بعد تقليبها على كل وجه ممكن، حتى تخلص من شوائب التشويه الشائن. الفاشي في كتب الأدب والتاريخ. وإني أقدم كتابي هذا إلى أبناء العربية الشريفة، وفاء بما لها في عنقي من حق واجب، وصنيعة مشكورة، والله أسال أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به النفع المرجو منه، وأن يمدني بروح منه، ويظلني بظلال الصحة

стр. 4

والعافية، حتى أصدر ما اعتزمت إصداره بعد تمام هذا الكتاب إن شاء الله، وهو كتاب: "جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة". كي تكمل حلقة النثر العربي في تلك العصور، إنه المستعان، عليه توكلت وإليه أنيب، أحمد زكي صفوت حرر بالقاهرة في ربيع الآخر سنة ١٣٥٢هـ. يوليو سنة ١٩٣٣م.

стр. 5

فهرس: مآخذ الخطب في هذا الجزء: الأمالي لأبي علي القالي: الجزء الأول - الثاني - ذيل الأمالي الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني: "الرابع - السابع - الثامن - الحادي عشر - الرابع عشر - الخامس عشر صبح الأعشى لأبي العباس القلقشندي: الجزء الأول - الثاني نهاية الأرب لشهاب الدين النويري: "الثالث - الخامس - السابع عيون الأخبار لابن قتيبة الدينوري: المجلد الثاني الكامل لأبي العباس المبرد: الجزء الأول - الثاني العقد الفريد لابن عبد ربه: الجزء الأول - الثاني - الثالث زهر الآداب لأبي إسحق الحصري: الجزء الأول البيان والتبيين للجاحظ: الجزء الأول - الثاني - الثالث نهج البلاغة للشريف الرضي: الجزء الأول شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: المجلد الأول - الثاني - الثالث - الرابع أمالي السيد المرتضى: الجزء الأول - الثاني مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني: الحزء الأول - الثاني جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري: الحزء الأول - الثاني خزانة الأدب لعبد القادر البغدادي: الجزء الأول

стр. 6

تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر بن جرير الطبري: الجزء الثاني - الثالث - الرابع - الخامس - السادس تاريخ الكامل لابن الأثير: الجزي الأول - الثاني - الثالث مروج الذهب للمسعودي: الجزء الأول - الثاني الإمامة والسياسة لابن قتيبة: الجزي الأول المختصر في أخبار البشر لأبي الفداء: الجزء الأول معجم البلدان لياقوت الحموى: الجزء الثامن سيرة النبي ﷺ لابن هشام: الأول - الثاني السيرة الحلبية لابن برهان الدين الحلبي: الجزء الأول إعجاز القرآن لأبي بكر الباقلاني: بلاغات النساء لان أبي طاهر طيفور: سرح العيون، شرح رسالة ابن زيدون: لابن نباتة المصري: أنباء نجباه الأبناء لابن ظفر المكلي: المحاسن والأضداد للجاحظ: الشعر والشعراء لابن قتيبة: شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون: بلوغ الأرب للسيد محمود شكري: الجزء الأول - الثالث الألوسي: مفتاح الأفكار للشيخ أحمد مفتاح:

стр. 7

الباب الأول: الخطب والوصايا في العصر الجاهلي إصلاح مرثد الخير بين سبيع بن الحارث، وبين ميثم بن مثوب مدخل ... الباب الأول: الخطب والوصايا في العصر الجاهلي. الخطب: إصلاح مرثد الخير: بين سبيع بن الحارث، وبين ميثم بن مثوب. كان مرثد الخير بن ينكف قيلًا، وكان حدبًا على عشيرته؛ محبًا لصلاحهم، وكان سبيع بن الحرث١. وميثم بن مثوب بن ذي رعين تنازعا الشرف، حتى تشاحنا، وخيف أن يقع بين حييهما شر، فيتفانى جذماهما٢؛ فبعث إليها مرثد؛ فأحضرهما ليصلح بينهما، فقال لهما:

стр. 8

١- مقال مرثد الخير: إن التخبط١ وامتطاء الهجاج٢، واستحقاب٣ اللجاج، سيقفكما على شفا هوة، في توردها٤ بوار الأصيلة٥، وانقطاع الوسيلة؛ فتلافيا أمركما قبل انتكاث٦ العهد، وانحلال العقد، وتشتت الألفة، وتباين السهمة٧، وأنتما في فسحة رافهة٨، وقدم واطدة٩، والمودة مثرية١٠، والبقيا معرضة١١؛ فقد عرفتم أنباء من كان قبلكم من العرب: ممن عصى النصيح، وخالف الرشيد، وأصغى إلى التقاطع، ورأيتم ما آلت إليه عواقب سوء سعيهم، وكيف كان صيور١٢ أمورهم؛ فتلافوا القرحة١٣ قبل تفاقم الثاي١٤ واستفحال١٥ الداء، وإعواز الدواء؛ فإنه إذا سفكت الدماء، استحكمت الشحناء، وإذا استحكمت الشحناء، تقضبت١٦ عرى الإبقاء، وشمل١٧ البلاء.

стр. 9

مقال سبيع بن الحارث ... ١- مقال سبيع بن الحرث. فقال سبيع: أيها الملك! إن عداوة بني العلات١ لا تبريها الأساة٢، ولا تشفيها الرقاة، ولا تستقل٣ بها الكفاء، والحسد الكامن، هو الداء الباطن، وقد علم بنو أبينا هؤلاء، أنا لهم ردء٤ إذا رهبوا، وغيث إذا أجدبوا، وعضد إذا حاربوا، ومفزع إذا نكبوا، وأنا وإياهم كما قال الأول: إذا ما علوا قالوا أبونا وأمنا ... وليس لهم عالين أم ولا أب

стр. 10

٣- مقال ميثم بن مثوب: فقال ميثم: أيها الملك! إن من نفس على ابن أبيه الزعامة، وجد به١ في المقامة٢، واستكثر له قليل الكرامة، كان قرفًا٣ بالملامة، ومؤنبًا على ترك الاستقامة، وإنا والله نعتد لهم بيدٍ إلا وقد نالهم منا كفاؤها، ولا نذكر لهم حسنة إلا وقد تطلع منا إليهم جزاؤها، ولا يتفيأ لهم علينا ظل نعمةٍ؛ إلا وقد قوبلوا بشرواها٤، ونحن بنو فحلٍ مقرم٥، لم يقعد بنا الأمهات ولا بهم، ولم تنزعنا أعراق السوء ولا إياهم؛ فعلام مط٦ الخدود، وخزر العيون٧

стр. 11

والجخيف١ والتصعر، والبأو والتكبر؟ ألكثرة عدد، أم لفضل جلدٍ، أم لطول معتقد٢؟ وإنا وإيهاهم لكما قال الأول: لاه ابن عمك، لا أفضلت في حسب ... عني، ولا أنت دياني فتخزوني٣ ومقاطع الأمور ثلاثة: حرب مبيرة٤، أو سلم قريرة، أو مداجاة وغفيرة٥".

стр. 12

٤- مقال مرثد الخير: فقال الملك: لا تنشطوا١ عقل الشوارد، ولا تلقحوا العون القواعد٢، ولا تؤرثوا٣ نيران الأحقاد؛ ففيها المتلفة المستأصلة، والجائحة٤ والأليلة٥، وعفوا بالحلم، أبلاد٦ الكم، وأنيبوا إلى السبيل الأرشد، والمنهج الأقصد؛ فإن الحرب تقبل بزبرج٧ الغرور، وتدبر بالويل والثبور، ثم قال الملك: ألا هل أتى الأقوام بذلي نصيحة ... حبوت بها منى سبيعًا وميثمًا وقلت اعلما أن التدابير غادرت ... عواقبه للذل والقل جرهما فلا تقدحا زند العقوق وأبقيا ... على العزة القعساء٨ أن تتهدما ولا تجنيا حربًا تجر عليكما ... عواقبها يومًا من الشر أشأما

стр. 13

فإن جناة الحرب للحين عرضة ... تفوقهم منها الذعاف المقشما١ حذار؛ فلا تستنبثوها؛ فإنها ... تغادر الأنف الأشم مكشما٢ فقالا: لا، أيها الملك. بل نقبل نصحك، ونطيع أمرك، ونطفئ النائرة٣، ونحل الضغائن، ونثوب إلى السلم.

стр. 14

١- طريف بن العاصي والحارث بن ذبيان يتفاخران عند بعض مقاول حمير: اجتمع طريف بن العاصى الدوسى، والحارث بن ذبيان -وهو أحد المعمرين- عند بعض مقاول١ حمير، فتفاخرا. فقال الملك للحارث: يا حارث! ألا تخبرني بالسبب الذي أخرجكم عن قومكم حتى لحقتم بالنمر بن عثمان؟ فقال: أخبرك أيها الملك. خرج هجينان٢ منا يرعيان غنمًا لهما؛ فتشاولا٣ بسيفيهما؛ فأصاب صاحبهم عقب صاحبنا، فعاث٤ فيه السيف، فنزف٥، فمات، فسألونا أخذ دية صاحبنا دية الهجين، وهي نصف دية الصريح٦، فأبى قومي، وكان لنا رباء٧ عليهم؛ فأبينا إلا دية الصريح، وأبوا إلا دية الهجين؛ فكان اسم هجيننا ذهين بن زبراء، واسم صاحبهم عنقش بن مهيرة، وهي سوداء أيضًا٨، فتفاقم الأمر بين الحيين، فقال رجل منا:

стр. 15

حلومكم يا قوم لا تعزبنها١ ... ولا تقطعوا أرحامكم بالتدابر وأدوا إلى الأقوام عقل ابن عمهم ... ولا ترهقوهم سبئة في العشائر٢ فإن ابن زيراء الذي فاد لم يكن ... بدون خليف أو أسيد بن جابر٣ فإن لم تعاطوا الحق؛ فالسيف بيننا ... وبينكم، والسيف أجور جائر فتظافروا٤ علينا حسدًا، فأجمع ذوو الحجى منا أن نلحق بأمنع بطن من الأزد؛ فلحقنا بالنمر بن عثمان، فوالله مافت٥ في أعضادنا، فأبنا عنهم، ولقد أثارنا٦ صاحبنا وهم راغمون. فوئب طريف بن العاصى من مجلسه، فجلس بإزاء الحرث، ثم قال: تالله ما سمعت كاليوم قولًا أبعد من صواب، ولا أقرب من خطل٧، ولا أجلب لقدع٨ من قول هذا، والله أيها الملك ما قتلوا بهجينهم بذجًا٩، ولا رقوا به درجًا، ولا أنطوا١٠ به عقلًا، ولا أجتفئوا١١ به خشلًا١٢، ولقد أخرجهم الخوف عن أصلهم، وأجلاهم عن محلهم، حتى استلانوا خشونة الإزعاج، ولجئوا إلى أضيق الولاج١٣: قلا وذلا. فقال الحارث: أتسمع يا طريف، إني والله ما إخالك كافًا غرب١٤ لسانك، ولا منهنهًا١٥ شرة نزوانك، حتى أسطو بك سطوة تكف طماحك، وترد

стр. 16

جماحك، وتكبت تترعك١، وتقمع تسرعك. فقال طريف: مهلًا يا حارث، لا تعرض لطحمة٢ استناني، وذرب٣ سناني، وغرب شبابي، وميسم٤ سبابي، فتكون كالأظل٥ الموطوء، والعجب الموجوء٦. فقال الحارث: إياي تخاطب مثل هذا القول؟ فو الله وطئتك لأسختك٧، ولو وهصتك٨ لأوهطتك٩، ولو نفحتك١٠ لأفدتك. فقال طريف متمثلًا: وإن كلام المرء في غير كهه ... لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها أما والأصنام المحجوبة، والأنصاب١١ المنصوبة، لئن لم تربع على ظلمك١٢، وتقف عند قدرك، لأدعن حزنك سهلًا، وغمرك ضحلًا١٣، وصفاك١٤ وحلًا. فقال الحارث: أما والله لو رمت ذلك لمرغت بالحضيض١٥، وأغصصت بالجريض١٦، وضاقت عليك الرحاب، وتقطعت بك الأسباب، ولألفيت لقى١٧

стр. 17

تهاداه الرواس١. بالسهب الطامس٢. فقال طريف: دون ما ناجتك به نفسك مقارعة أبطال، وحياض أهوال، وحفزة٣ إعجال، يمنع معه تطامن الإمهال. فقال الملك: إيهًا٤ عنكما! فما رأيت كاليوم مقال رجلين لم يقصبا٥، ولم يثلبا٦،ولم يلصوا٧، ولم يقفوا٨. "الأمالي ١: ٧٣".

стр. 18

وفود العرب يعزون سلامة ذا فائش بابن له مات مدخل ... وفود العرب: يعزون سلامة ذا فائش بابن له مات: نشأ لسلامة ذي فائش ابن كأكمل أبناء المقاول، وكان مسرورًا به يرشحه لموضعه؛ فركب ذات يوم فرسًا صعبًا؛ فكبا به فوقصه١؛ فجزع عليه أبوه جزعًا شديدًا، وامتنع من الطعام واحتجب عن الناس، واجتمعت وفود العرب ببابه ليعزوه؛ فلامه نصحاؤه في إفراط جزعه؛ فخرج إلى الناس فقام خطباؤهم يؤسونه٢، وكان في القوم الملبب ابن عوف، وجعادة بن أفلح فقام الملبب فقال:

стр. 19

١- خطبة الملبب بن عوف . أيها الملك، إن الدنيا تجود التسلب، وتعطى لتأخذن وتجمع لتشتت، وتحلى لتمر، وتزرع الأحزان في القلوب، بما تفجأ به من استرداد الموهوب، وكل مصيبة تخطأتك جلل١، ما لم تدن الأجل، وتقطع الأمل، وإن حادث ألم بك؛ فاستبد٢ بأقلك، وصفح عن أكثرك، لمن أجل النعم عليك، وقد تناهت إليك أنباء من رزئ فصبر، وأصيب فاغتفر؛ إذ كان شوًى٣ فيما يرتقب ويحذر؛ فاستشعر اليأس مما فات، إذ كان ارتجاعه ممتنعًا، ومرامه مستصعبًا؛ فلشيء ما ضربت الأسى، وفزع أولو الألباب إلى حسن العزاء.

стр. 20

٧- خطبة جعادة بن أفلح: وقام جعادة فقال: "أيها الملك، لا تشعر قلبك الجزع على ما فات؛ فيغفل دهنك عن الاستعداد لما يأتي، وناضل عوارض الحزن بالأنفة عن مضاهاة١ أفعال أهل وهي٢ العقول؛ فإن العزاء لحزماء الرجال، والجزع لربات الحجال٣، ولو كان الجزع يرد فائتًا، أو يحيي تالفًا، لكان فعلًا دنيئًا، فكيف وهو مجانب لأخلاق ذوي الألباب، فارغب بنفسك أيها الملك عما يتهافت٤ فيه الأرذلون، وصن قدرك عما يركبه المخسوسون، وكن على ثقة أن طمعك فيما استبدت به الأيام، صلة كأحلام النيام". "الأمالي ٢: ١٠١".

стр. 21

٨- تساؤل عامر بن الظرب وحممة بن رافع: عند أحد ملوك حمير: اجتمع عامر بن الظرب العدواني، وحممة بن رافع الدوسي عند ملك من ملوك حمير؛ فقال: تساءلًا حتى أسمع ما تقولان. قال عامر لحممة: أين تحب أن تكون أياديك؟ قال: عند ذي الرثية١ العديم، وذي الخلة٢ الكريم، والمعسر الغريم، والمستضعف الهضيم. قال: من أحق الناس بالمقت؟ قال: الفقير المختال، والضعيف الصوال، والعيي القوال. قال: فمن أحق الناس بالمنع؟ قال: الحريص الكاند٣، والمستميد٤ الحاسد، والملحف الواجد. قال: فمن أجدر الناس بالصنيعة؟ قال: من إذا أعطى شكر، وإذا

стр. 22

منع عذر، وإذا موطل صبر، وإذا قدم العهد ذكر. قال: من أكرم الناس عشرة؟ قال: من إن قرب منح، وإن بعد مدح، وإن ظلم صفح، وإن ضويق سمح، قال: من ألأم الناس؟ قال: من إذا سأل خضع، وإذا سئل منع، وإذا ملك كنع١، ظاهره جشع٢، وباطنه طبع٣. قال: فمن أحلم الناس؟ قال: من عفا إذا قدر، وأجمل إذا انتصر، ولم تطغه عزة الظفر. قال: فمن أحزم الناس؟ قال: من أخذ رقاب الأمور بيديه، وجعل العواقب نصب عينيه، ونبذ التهيب دبر أذنيه٤، قال: فمن أخرق الناس؟ قال: من ركب الخطار٥، واعتسف٦ العثار، وأسرع في البدار، قبل الاقتدار. قال: فمن أجود الناس؟ قال: من بذل المجهود، ولم يأس على المعهود. قال: فمن أبلغ الناس؟ قال: فمن جلى المعنى المزيز٧، باللفظ الوجيز، وطبق٨ المفصل. قبل التحزيز. قال: فمن أنعم الناس عيشًا؟ قال: من تحلى بالعفاف، ورضي بالكفاف، وتجاوز ما يخاف إلى ما لا يخاف. قال: فمن أشقى الناس؟. قال: من حسد على النعم، وتسخط على القسم، واستشعر الندم، على فوت مالم يحتم. قال: من أغنى الناس؟ قال: من استشعر اليأس، وأبدى التجمل للناس، واستكثر قليل النعم، ولم يسخط على القسم. قال: فمن أحكم الناس؟ قال: من صمت فادكر، ونظر فاعتبر، ووعظ فازدجر. قال: من أجهل الناس؟ قال: من رأى الخرق مغمًا، والتجاوز مغرمًا" "الأمالي ٢:٢٨٠".

стр. 23

٩- خطبة عامر بن الظرب العدواني وقد خطبت ابنته . خطب صعصة بن معاوية إلى عامر بن الظرب العداوني ابنته عمرة فقال:

стр. 24

"يا صعصعة إنك جئت تشتري مني كبدي، وأرحم ولدي عندي، منعتك، أو بعتك، النكاح خير من الأيمة١، والحسيب كفء الحسيب والزوج الصالح أب بعد أب، وقد أنكحتك خشية ألا أجد مثلك، أفر من السر إلى العلانية، أنصح ابنا، وأودع ضعيفًا قويًّا، ثم أقبل على قومه فقال: "يا معشر عدوان: أخرجت من بين أظهركم كريمتكم، على غير رغبة عنكم، ولكن من خط له شيء جاءه، رب زارع لنفسه حاصد سواء، ولولا قسم الحظوظ على قدر الجدود، ما أدرك الآخر من الأول شيئًا يعيش به؛ ولكن الذي أرسل الحيا٢، أنبت المرعى، ثم قسمه أكلًا٣ لكل فم بقلة، ومن الماء جرعة، إنكم ترون ولا تعلمون، لن يرى ما أصف لكم إلا كل ذي قلب واع٤، ولك شيء راعٍ، ولك رزق ساع، إما أكيس وإما أحمق، وما رأيت شيئًا إلا سمعت حسه، ووجدت مسه، وما رأيت موضعًا إلا مصنوعًا، وما رأيت جائيًا إلى داعيًا، ولا غانمًا إلا خائبًا، ولا نعمة إلا ومعها بؤس، ولو كان يميت الناس الداء؛ لأحياهم الدواء؛ فهل لكم في العلم العليم؟ قيل ما هو؟ قد قلت فأصبت، وأخبرت فصدقت، فقال: أمورًا شتى، وشيئًا شيًّا، حتى يرجع الميت حيًا، ويعود لا شيء شيًا؛ ولذلك خلقت الأرض والسموات، فتولوا عنه راجعين، فقال: ويلمها٥ نصيحة لو كان من يقبلها". "مجمع الأمثال ١: ٢١١، البيان والتبيين ٢: ٣٧، والعقد الفريد ٣: ٢٢٣".

стр. 25

١٠- حديث بعض مقاول حمير مع ابنيه: وما دار بينه وبينهما من المساءلة حين كبرت سنه: كان لرجل من مقاول حمير ابنان، يقال لأحدهما عمرو، وللآخر ربيعة، وكانا قد

стр. 26

برعا في الأدب والعلم؛ فلما بلغ الشيخ أقصى عمره، وأشقى١ على الفناء، دعاهما ليبلو٢ عقولهما، ويعرف مبلغ علمهما؛ فلما حضرا: قال لعمرو -وكان الأكبر- أخبرني عن أحب الرجال إليك، وأكرمهم عليك. قال: "السيد الجواد، والقليل الأنداد، والماجد الأجداد، الراسي الأوتاد، الرفيع العماد، العظيم الرماد، الكثير الحساد، الباسل الذواد٣، الصادر الوراد" قال: ما تقول ياربيعة؟ قال: ما أحسن ما وصف! وغيره أحب إلي منه، قال: ومن يكون بعد ذا؟ قال: "السيد الكريم، المانع للحريم، المفضال الحليم، القمقام٤ الزعيم، الذي إن هم فعل، وإن سئل بذل". قال: أخبرني يا عمرو بأبغض الرجال إليك؟ قال: البرم٥ اللئيم، المستخذي٦ للخصيم، المبطان٧ النهيم، العي البكيم، الذي إن سئل منع، وإن هدد خضع، وإن طلب جشع٨. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أبغض إلي منه. قال: ومن هو؟ قال: النئوم الكذوب، الفاحش الغضوب، والرغيب عند الطعام، الجبان عند الصدام. قال: أخبرني يا عمرو: أي النساء أحب إليك؟ قال: الهركولة٩ اللفاء١٠، الممكورة١١ الجيداء، التي يشفي السقيم كلامها، ويبري الوصب١٢ إلمامها، التي إن أحسنت إليها شكرت، وإن أسأت إليها صبرت، وإن استعتبتها١٣ أعتبت، الفاترة الطرف، الطفلة١٤ الكف، العميمة الردف. قال: ما تقول ياربيعة؟ قال: نعت فأحسن! وغيرها أحب إلي منها. قال: ومن هي؟ قال: "الفتانة العينين،

стр. 27

الأسيلة١ الخدين، الكاعب٢ الثديين، الرداح٣ الوركين، الشاكرة للقليل، المساعدة للحليل٤، الرخيمة٥ الكلام، الجماء٦ العظام، الكريمة الأخوال والأعمام، العذبة اللثام٧. قال: فأي النساء إليك أبغض يا عمرو؟ قال: القتاته٨ الكذوب، الظاهرة العيوب، الطوافة الهبوب٩، العابسة القطوب، السبابة الوثوب، التي إن ائتمنها زوجها خانته، وإن لان لها أهانته، وإن أرضاها أغضبته، وإن أطاعها عصته، قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: بئس والله المرأة ذكر! وغيرها أبغض إلي منها. قال: وأيتهن التي هي أبغض إليك من هذه؟ قال: السليطة١٠ اللسان، والمؤذية للجيران، والناطقة بالبهتان، التي وجهها عابس، وزوجها من خيرها آيس، التي إن عاتبها زوجها وترته١١، وإن ناطقها انتهرته. قال ربيعة: وغيرها أبغض إلي منها. قال: ومن هي؟ قال: التي شقي صاحبها، وخزي خاطبها، وافتضح أقاربها. قال: ومن صاحبها؟ قال: مثلها في خصالها كلها، لا تصلح إلا له، ولا يصلح إلا لها. قال: فصفه لي. قال: الكفور غير الشكور، اللئيم الفجور، العبوس الكالح١٢، الحرون الجامح، الراضي بالهوان، المختال المنان، الضعيف الجنان، الجعد١٣ البنان، الفثول غير الملول غير الوصول، الذي لا يرع١٤ عن المحارم، ولا يرتدع عن المظالم. قال: أخبرني يا عمرو: أي الخيل أحب إليك عند الشدائد، إذا التقى الأقران للتجالد؟ قال: الجواد الأنيق، الحصان العتيق، الكفيت١٥ العريق، الشديد الوثيق، الذي يفوت إذا هرب، ويلحق إذا طلب. قال: نعم الفرس والله نعت! قال: فما تقول

стр. 28

يا ربيعة؟ قال: غيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الحصان الجواد، السلس القياد، الشهم الفؤاد، الصبور إذا سرى، السابق إذا جرى. قال: فأي الخيل أبغض إليك يا عمرو؟ قال: الجموح الطموح، النكول١ الأنوح٢، الصئول٣، الضعيف، الملول العنيف، الذي إن جاريته سبقته، وإن طلبته أدركته. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: غيره أبغض إلي منه. قال: وما هو؟ قال: البطيء الثقيل، الحرون الكليل، الذي إن ضربته قمص، وإن دنوت منه شمس٤، يدركه الطالب، ويفوته الهارب، ويقطع بالصاحب. قال ربيعة: وغيره أبغض إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الجموح الخبوط٥، الركوض الخروط٦، الشموس الضروط٧، القطوف٨ في الصعود والهبوط، الذي لا يسلم الصاحب، ولا ينجو من الطالب. قال: أخبرني يا عمرو أي العيش ألذ؟ قال: عيش في كرامة، ونعيم وسلامة، واغتباق٩ مدامة. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: نعم العيش والله وصف! وغيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال: عيش في أمن ونعيم، وعز وغنى عميم، في ظل نجاح، وسلامة مساء وصباح، وغيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال: غنى دائم وعيش سالم وظل ناعم. قال: فما أحب السيوف إليك يا عمرو؟ قال: الصقيل الحسام، الباتر المجذام١٠، الماضي السطام١١ المرهف١٢ الصمصام١٣، الذي إن هززته لم يكب١٤، وإذا ضربت به لم ينب١٥. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: نعم السيف نعت! وغيره أحب

стр. 29

إلي. قال: وما هو؟ قال: الحسام القاطع، ذو الرونق اللامع، الظمآن الجائع، الذي إن هززته هتك١، وإذا ضربت به بتك٢. قال: فما أبغض السيوف إليك يا عمرو؟ قال: الفطار٣ الكهام٤، الذي إن ضرب به لم يقطع، وإن ذبح به لم ينخع٥. قال: فما تقول ياربيعة؟ قال: بئس السيف والله ذكر! وغيره أبغض إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الطبع٦ الددان٧، والمعضد٨ المهان. قال: فأخبرني يا عمرو: أي الرماح أحب إليك عند المراس، إذا اعتكر الباس، واشتجر الدعاس٩؟ قال: أحبها إلي المارن١٠ المثقف، المقوم المخطف١١، الذي إذا هززته لم ينعطف وإذا طعنت به لم ينقصف. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: "نعم الرمح نعت! وغيره أحب إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الذابل١٢ العسال، المقوم النسال، الماضى إذا هززته، النافذ إذا همزته. قال: فأخبرني يا عمرو عن أبغض الرماح إليك. قال: الأعصل١٣ عند الطعان، المثلم السنان، الذي إذا هززته انعطف، وإذا طعنت به انقصف. قال: ما تقول يا ربيعة؟ قال: بئس الرمح ذكر! وغيره أبغض إلي منه. قال: وما هو؟ قال: الضعيف المهز١٤؛ اليابس الكز١٥ الذي إذا أكرهته انحطم، وإذا طعنت به انقصم قال: انصرفا، الآن طاب لي الموت". "الأمالي ٢: ١٥٢".

стр. 30

١١- إحدى ملكات اليمن وخاطبوها . وذكروا أن ملكة كانت بسبأ١؛ فأتاها قوم يخطبونها؛ فقالت: ليصف كل رجل منكم نفسه، وليصدق وليوجز، لأتقدم إن تقدم، أو أدع إن تركت، على علم؛ فتلكم رجل منهم يقال له مدرك؛ فقال: "إن أبي كان في العز الباذخ٢، والحسب الشامخ، وأنا شرس الخليفة، وغير رعديد٣ عند الحقيقة" قالت: لاعتاب على الجندل فأرسلتها مثلًا٤، ثم تكلم آخر منهم ويقال له ضبيس بن شرس؛ فقال: "أنا في مال أثيث٥، وخلق غير خبيث، وحسب غير عثيث٦، أخذو النعل بالنعل، وأجزى القرض٧ بالقرض" فقالت: لا يسرك غائبًا من لا يسرك شاهدًا، فأرسلتها مثلًا. ثم تكلم آخر منهم، يقال له شماس بن عباس فقال: "أنا شماس بن عباس، معروف بالندى والباس، حسن الخلق في سجية، والعدل في قضية، مالي غير محظور على القل والكثر، وبابي غير محجوب على العسر اليسر، قالت: الخير متبع والشر محذور؛ فأرسلتها مثلًا. ثم قالت: اسمع يا مدرك، وأنت يا ضبيس، لن يستقيم معكما معاشرة لعشير حتى يكون فيكما لين عريكة٨، وأما أنت يا شماس؛ فقد حللت مني محل الأهزع٩ من الكنانة، والواسطة١٠من القلادة، لدماثة١١ خلقك، وكرم طباعك، ثم اسع بجد أودع، فأرسلتها مثلًا، وتزوجت شماسًا. "مجمع الأمثال ٢: ١١٨".

стр. 31

١٢- رواد مذحج يصفون ما ارتادوا من المراعي: عن أشياخ بني الحارث بن كعب قالوا: "أجدبت بلاد مذحج فأرسلوا روادًا١، من كل بطن رجلًا؛ فبعثت بنو زبيد رائدًا، وبعثت النخع رائدًا، وبعثت جعفي رائدًا؛ فلما رجع الرواد قيل لرائد بني زبيد: ما وراءك؟ قال: رأيت أرضًا موشمة٢ البقاع، ناتحة النقاع٣، مستحلسة الغيطان٤ ضاحكة القريان٥ واعد٦ وأحر بوقائها، راضية أرضها عن سمائها". وقيل لرائد جعفي: ما وراءك؟ قال: رأيت أرضًا جمعت السماء٧ أقطارها، فأمرعت أصبارها٨، وديثت أوعارها٩، فبطنانها غمقة١٠ وظهرانها غدقة١١، ورياضها مستوسفة١٢، ورقاقها رائخ١٣، وواطئها سائخ١٤، وماشيها١٥ مسرور، ومصرمها١٦ محسور". وقيل للنخعي مارواءك؟ فقال: "مداحي١٧ سيل، وزهاء١٨ ليل،

стр. 32

وغيل١ يواصى غيلًا، قد ارتوت أجرازها٢، ودمث عزازها٣، والتبد أقوازها٤، فرائدها أنق٥ وراعيها سنق٦ فال قضض ولا رمض٧، عازبها٨ لا يفزع، وواردها لا ينكع٩، فاختاروا مراد١٠ النخعي". "الأمال ١: ١٨٣".

стр. 33

١٣- ما دار من الحديث بين المنذر بن النعمان الأكبر وبين عامر بن جوين الطائي . وفد عامر بن جوين الطائي على المنذر بن النعمان الأكبر، جد النعمان بن المنذر؛ وذلك بعد انقضاء ملك كندة، ورجوع الملك إلى لخم، وكان عامر قد أجار امرأ القيس ابن حجر، أيام كان مقيمًا بالجبلين١، وقال كلمته التي يقول فيها: هنالك لا أعطي مليكًا ظلامةً ... ولا سوقة حتى يثوب ابن مندله٢

стр. 34

وكان المنذر ضغنًا عليه؛ فلما دخل عليه قال له: يا عام، لساء مثوًى أثويته ربك وثويك١؛ حين حاولت إصباء طلته٢ ومخالفته إلى عشيره، أما والله لو كنت كريمًا لأثويته مكرمًا موفرًا، ولجانبته مسلمًا؛ فقال له: أبيت اللعن٣ لقد علمت

стр. 35

أبناء أدد١ إني لأعزها جارًا، وأكرمها جوارًا وأمنعها دارًا، ولقد أقام وافرًا، وزال شاكرًا؛ فقال له المنذر: "يا عام، وإنك لتخال هضيبات أجأ ذات الوبار٢، وأفنيات سلمى ذات الأغفار٣، وما نعاتك من المجر٤ الجرار، ذي العدد الكثار٥ والحصن والمهار٦ والرماح الحرار٧، وكل ما مضى الغرار٨، بيد كل مسعر كريم النجار٩؟ قال عامر: أبيت اللعن، إن بين تلك الهضيبات والرعان١٠ والشعاب والمصدان١١ لفتيانًا أبطالًا، وكهولًا أزوالًا١٢، يضربون القوانس١٣ ويستنزلون الفوارس، بالرماح المداعس١٤ لم يتبعوا الرعاء١٥، ولم ترشحهم١٦ الإماء؛ فقال الملك: يا عام لو قد تجاوبت الخيل في تلك الشعاب صهيلًا؛ كانت الأصوات قعقعة١٧ وصليلًا، وفغر الموت١٨، وأعجز الفوت، فتقارشت الرماح١٩ وحمي السلاح، لتساقى قومك كأسًا لا صحو بعدها؛ فقال مهلًا أبيت اللعن، إن شرابنا وبيل،

стр. 36

وحدّنا أليل١، ومعجمنا صليب٢، ولقاءنا صهيب؛ فقال له: يا عام إنه لقليل بقاء الصخرة الصراء٣ على وقع الملاطيس٤؛ فقال: أبيت اللعن، إن صفاتنا عبر المراديس٥؛ فقال: لأوقظن قومك من سنة الغفلة. ثم لأعقبنهم بعدها رفدة لا يهب راقدها، ولا يستيقظ هاجدها٦؛ فقال له عامر: إن البغي أباد عمرا٧، وصرع حجرًا٨، وكانا أعز منك سلطانًا، وأعظم شأنًا، وإن لقيتنا لم تلق أنكاسًا

стр. 37

ولا أغساسًا١، فهبش وضائعك وصنائعك٢، وهلم إذا بدا لك؛ فنحن الألى قسطوا٣ على الأملاك قبلك، ثم أتى راحلته فركبها، وأنشأ يقول: تعلم "أبيت اللعن" أن قناتنا ... تزيد على غمز الثقاف تصعبا٤ أتوعدنا بالحرب؟ أمك هابل ... رويدًا برقًا، لا أبا لك، خلبا٥ إذا خطرت دوني جديلة بالقنا ... وجامت رجال الغوث دوني تحدبا٦ أبيت التي تهوى، وأعطيتك التي ... تسوق إليك الموت أخرج أكهبا٧ فإن شئت أن تزدار فأت تعترف ... رجالا يذيلون الحديد المعقربا٨ وإنك لو أبصرتهم في مجالهم ... رأيت لهم جمعًا كثيفًأ وكوكبا٩ وذكرك العيش الخري جلادهم ... وملهى بأكتاف الدير ومشربا١٠ فأغض على غيظ ولا ترم التي ... تحكم فيلك الزاعبي المحربا١١ "ذيل الأمالي ص ١٧٩".

стр. 38

١٤- قيس بن رفاعة والحارث بن أبي شمر الغساني . كان قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي بالعراق، وسنة إلى الحارث ابن أبي شمر الغساني بالشام١؛ فقال له يومًا وهو عنده: يابن رفاعة، بلغني أنك تفضل النعمان٢ علي؟ قال: "كيف أفضله عليك أبيت اللعن؟ فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنقع من نداه، ولقليك أكثر من كثيره، ولثمادك٣ أغزر من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهوره، ولشهرك أمد من حوله، ولحولك خير من حقبه٤، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك لمن غسان أرباب الملوك، وإنه لمن لخم الكثير النوك٥. فكيف أفضله عليك٦؟ ". "الأمالي ١: ٢٦١ ومروج الذهب ١: ٢٩٨".

стр. 39

١٥- قيس بن خفاف البرجمي وحاتم طيئ: أتى أبو جبيل قيس بن خفاف البرجمي حاتم طيئ، في دماء حملها عن قومه، فأسلموه١ فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني، وكان شريفًا شاعرًا؛ فلما قدم عليه قال: "إنه وقعت بين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأملي،

стр. 40

فقدمت مالي، وكنت أملي، فإن تحملها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك. ثم أنشأ يقول: حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمتني البراجم١ وقالوا "سفاهًا" لم حملت دماءنا ... فقلت لهم يكفي الحمالة حاتم٢ متى آته فيها يقل لي مرحبًا ... وأهلًا وسهلًا أخطأتك الأشائم٣ فيحملها عني، وإن شئت زادني ... زياد من حنت إليه المكارم يعيش الندى ما عاش حاتم طيئ ... فإن مات قامت للسخاء مآتم ينادين مات الجود معك فلا نرى ... مجيبًا له ما حام في الجو حائم وقال رجال أنهب العام ماله ... فقلت لهم إني بذلك عالم٤ ولكنه يعطي من أموال طيئ ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم٥ فيعطي التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك العطية جارم٦ بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم٧ فقال له حاتم: إن كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك، هذا مرباعي٨ من الغارة على بني تميم؛ فخذوه وافرًا، فإن وفى بالحمالة، وإلا أكملتها لك، وهو مائتا بعير سوى بنيها وفصالها، مع أني لا أحب أن تويس قومك بأموالهم، فضحك أبو جبيل وقال: لكم ما أخذتم منا، ولنا ما أخذنا منكم، وأي بعير دفعته إلي، ليس ذنبه في يد صاحبه، فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير، فأخذها وانصرف راجعًا إلى قومه؛ فقال حاتم في ذلك:
следующие страницы →