وحدّنا أليل١، ومعجمنا صليب٢، ولقاءنا صهيب؛ فقال له: يا عام إنه لقليل بقاء الصخرة الصراء٣ على وقع الملاطيس٤؛ فقال: أبيت اللعن، إن صفاتنا عبر المراديس٥؛ فقال: لأوقظن قومك من سنة الغفلة. ثم لأعقبنهم بعدها رفدة لا يهب راقدها، ولا يستيقظ هاجدها٦؛ فقال له عامر: إن البغي أباد عمرا٧، وصرع حجرًا٨، وكانا أعز منك سلطانًا، وأعظم شأنًا، وإن لقيتنا لم تلق أنكاسًا
стр. 37
ولا أغساسًا١، فهبش وضائعك وصنائعك٢، وهلم إذا بدا لك؛ فنحن الألى قسطوا٣ على الأملاك قبلك، ثم أتى راحلته فركبها، وأنشأ يقول:
تعلم "أبيت اللعن" أن قناتنا ... تزيد على غمز الثقاف تصعبا٤
أتوعدنا بالحرب؟ أمك هابل ... رويدًا برقًا، لا أبا لك، خلبا٥
إذا خطرت دوني جديلة بالقنا ... وجامت رجال الغوث دوني تحدبا٦
أبيت التي تهوى، وأعطيتك التي ... تسوق إليك الموت أخرج أكهبا٧
فإن شئت أن تزدار فأت تعترف ... رجالا يذيلون الحديد المعقربا٨
وإنك لو أبصرتهم في مجالهم ... رأيت لهم جمعًا كثيفًأ وكوكبا٩
وذكرك العيش الخري جلادهم ... وملهى بأكتاف الدير ومشربا١٠
فأغض على غيظ ولا ترم التي ... تحكم فيلك الزاعبي المحربا١١
"ذيل الأمالي ص ١٧٩".
стр. 38
١٤- قيس بن رفاعة والحارث بن أبي شمر الغساني .
كان قيس بن رفاعة يفد سنة إلى النعمان اللخمي بالعراق، وسنة إلى الحارث ابن أبي شمر الغساني بالشام١؛ فقال له يومًا وهو عنده: يابن رفاعة، بلغني أنك تفضل النعمان٢ علي؟ قال:
"كيف أفضله عليك أبيت اللعن؟ فوالله لقفاك أحسن من وجهه، ولأمك أشرف من أبيه، ولأبوك أشرف من جميع قومه، ولشمالك أجود من يمينه، ولحرمانك أنقع من نداه، ولقليك أكثر من كثيره، ولثمادك٣ أغزر من غديره، ولكرسيك أرفع من سريره، ولجدولك أغمر من بحوره، وليومك أفضل من شهوره، ولشهرك أمد من حوله، ولحولك خير من حقبه٤، ولزندك أورى من زنده، ولجندك أعز من جنده، وإنك لمن غسان أرباب الملوك، وإنه لمن لخم الكثير النوك٥. فكيف أفضله عليك٦؟ ".
"الأمالي ١: ٢٦١ ومروج الذهب ١: ٢٩٨".
стр. 39
١٥- قيس بن خفاف البرجمي وحاتم طيئ:
أتى أبو جبيل قيس بن خفاف البرجمي حاتم طيئ، في دماء حملها عن قومه، فأسلموه١ فيها، وعجز عنها، فقال: والله لآتين من يحملها عني، وكان شريفًا شاعرًا؛ فلما قدم عليه قال: "إنه وقعت بين قومي دماء فتواكلوها، وإني حملتها في مالي وأملي،
стр. 40
فقدمت مالي، وكنت أملي، فإن تحملها فرب حق قد قضيته، وهم قد كفيته، وإن حال دون ذلك حائل لم أذمم يومك، ولم أيأس من غدك. ثم أنشأ يقول:
حملت دماء للبراجم جمة ... فجئتك لما أسلمتني البراجم١
وقالوا "سفاهًا" لم حملت دماءنا ... فقلت لهم يكفي الحمالة حاتم٢
متى آته فيها يقل لي مرحبًا ... وأهلًا وسهلًا أخطأتك الأشائم٣
فيحملها عني، وإن شئت زادني ... زياد من حنت إليه المكارم
يعيش الندى ما عاش حاتم طيئ ... فإن مات قامت للسخاء مآتم
ينادين مات الجود معك فلا نرى ... مجيبًا له ما حام في الجو حائم
وقال رجال أنهب العام ماله ... فقلت لهم إني بذلك عالم٤
ولكنه يعطي من أموال طيئ ... إذا جلف المال الحقوق اللوازم٥
فيعطي التي فيها الغنى وكأنه ... لتصغيره تلك العطية جارم٦
بذلك أوصاه عدي وحشرج ... وسعد وعبد الله تلك القماقم٧
فقال له حاتم: إن كنت لأحب أن يأتيني مثلك من قومك، هذا مرباعي٨ من الغارة على بني تميم؛ فخذوه وافرًا، فإن وفى بالحمالة، وإلا أكملتها لك، وهو مائتا بعير سوى بنيها وفصالها، مع أني لا أحب أن تويس قومك بأموالهم، فضحك أبو جبيل وقال: لكم ما أخذتم منا، ولنا ما أخذنا منكم، وأي بعير دفعته إلي، ليس ذنبه في يد صاحبه، فأنت منه بريء، فدفعها إليه وزاده مائة بعير، فأخذها وانصرف راجعًا إلى قومه؛ فقال حاتم في ذلك:
стр. 41
أتاني البرجمي أبو جبيل ... لهم في حمالته طويل
فقلت له خذ المرباع رهوًا ... فإني لست أرضى بالقليل١
على حال، ولا عودت نفسي ... على علاتها عال البخيل
فخذها إنها مائتا بعير ... سوى الناب الرذية والفصيل٢
فلا من عليك بها؛ فإني ... رأيت المن يزري بالجزيل
فآب البرجمي وما عليه ... من اعباء الحمالة من فتيل
يجر الذيل ينفض مذرويه ... خفيف الظهر من حمل ثقيل٣
"ذيل الأمالى ٢٢، والأغاني ٧: ١٤٥".
стр. 42
١٦- مقال قبيصة بن نعيم لامرئ القيس بن حجر:
قدم علي امرئ القيس بن حجر الكندي بعد مقتل أبيه رجال من قبائل بني أسد وفيهم قبيصة بن نقيم يسألونه العقو عن دم أبيه١؛ فخرج عليهم في قباء وخفة وعمامة سوداء -وكان العرب لا تعتم بالسواد في الترات- فلما نظرو إليه قاموا له، وبدر إليه قبيصة فقال:
"إنك في المحل والقدر، والمعرفة بتصرف الدهر، وما تحدثه أيامه، وتنتقل به أحواله؛ بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرب، ولك من سودد منصبك، وشرف أعراقك٢، وكرم أصلك في العرب، محتد٣ يحتمل ما حمل عليه
стр. 43
من إقالة العثرة، ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك؛ فوجدت عندك من فضيلة الرأي، وبصيرة الفهم، وكرم الصفح، ما يطول رغباتها، ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل، الذي عمت رزيته نزارًا واليمن، ولم تخصص بذلك كندة دوننا، للشرف البارع كان لحجر، التاج والعمة فوق الجبين الكريم، وإخاء الحمد وطيب الشيم، ولو كان يفدى هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله؛ ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه.
فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: إما أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا؛ فقدناه إليك بنسعة١، تذهب مع شفرات حسامك بباق قصرته٢، فنقول: رجل امتحن بهالك عزيز؛ فلم يستل سخيمته٣ إلا تمكينه من الانتقام. أو فداء بما يروح٤ على بني أسد من نعمها، فهي ألوف تجاوز الحسبة؛ فكان ذلك فداء رجعت به القضب٥ إلى أجفانها، لم يرددها تسليط الإحن٦ على البرآء. وإما أن وادعتنا إلى أن تضع الحوامل؛ فتسدل الأزر، وتعقد الخمر فوق الرايات".
فبكى امرؤ القيس ساعة، ثم رفع رأسه فقال:
стр. 44
١٧- رد امرئ القيس عليه:
"لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وأنى لن أعتاض به جملًا ولا ناقة فأكتسب به سبة الأبد، وفت العضد١، وأما النظرة٢؛ فقد أوجبتها الأجنة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا، وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك، تحمل في القلوب حنقًا، وفوق الأسنة علقًا٣":
إذا جالت الحرب في مأزق ... تصافح فيه المنايا النفوسا
أتقيمون أم تنصروفون؟ "
قالوا: "بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، بمكروه وأذية، وحرب وبلية" ثم نهضوا عنه وقبيصة يتمثل:
لعلك أن تستوخم الورد إن غدت ... كتائبنا في مأزق الحرب تمطر٤
فقال امرؤ القيس: "لا والله، ولكن أستعذبه، فرويدًا، ينفرج لك دجاها عن فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكر غير هذا بي أولى؛ إذ كنت نازلًا بربعي٥ ولكنك قلت فأوجبت" فقال قبيصة: "ما توقع فوق قدر المعاتبة والإعتاب٦" فقال امرؤ القيس: "هو ذاك".
"صبح الأعشى ٢: ٢١٦ والأغاني ٨: ٧٢ والمثل السائر ١٠١".
стр. 45
١٨- خطبة هانئ بن قبيصة الشيباني:
قال هانئ بن قبيصة الشيباني يحرض قومه يوم ذي قارٍ١.
"يا معشر بكر، هالك معذور؛ خير من ناج فرور، إن الحذر لا ينجي من القدر، وإن الصبر من أسباب الظفر، المنية ولا الدنية، استقبال الموت خير من استدباره، الطعن في ثغر٢ النحور، أكرم منه في الأعجاز والظهور، يا آل بكر، قاتلوا فما للمنايا بد". "الأمالي ١: ٩٢".
стр. 46
١٩- خطبة عمرو بن كلثوم .
"أما بعد: فإنه لا يخبر عن فضل المرء أصدق من تركه تزكية نفسه، ولايعبر عنه في تزكية أصحابه أصدق من اعتماده إياهم على حرمته". "البيان والتبين ٢: ٦٩".
стр. 47
٢٠- أكثم بن صيفي يعزّي عمرو بن هند عن أخيه:
وعزى أكتم بن صيفي عمرو بن هند ملك العرب عن أخيه فقال له:
"إن أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقد الرحال إلا في غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وراتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن عنك ويدعك، واعلم أن الدنيا ثلاثة أيام، فأمس عظة وشاهد عدل، فجعك بنفسه،
стр. 48
وأبقى لك وعليك حكمته، واليوم غيمة، وصديق أتاك ولم تأته، طالت عليك غيبته، وستسرع عنك رحلته، وغد لا ندري من أهله، وسيأتيك إن وجدك؛ فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للقادر، وقد مضت لنا أصول نحن فروعها؛ فما بقاء الفروع بعد أصولها، واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، وخير من الخير معطيه، وشر من الشر فاعله". "العقد الفريد ٢: ٣٥، نهاية الأرب ٥: ١٦٤".
стр. 49
٢١- خطبة قس بن ساعدة الإيادي:
خطب قس بن ساعدة الإيادي بسوق عكاظ؛ فقال:
"أيها الناس: اسمعوا وعوا: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، ليل داج١، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر٢، وبخار تزخر٣، وجبال مرساة، وأرض مدحاة٤، وأنهار مجراة. إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم تركوا فناموا؟ يقسم قس بالله قسمًا لا إثم فيه: إن لله دينًا هو أرضى له، وأفضل من دينكم الذي أنتم عليه، إنكم لتأتون من الأمر منكرًا. ويروى أن قسا أنشأ بعد ذلك يقول:
في الذاهبين الأوليـ ... ـن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر
стр. 50
ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكاير والأصاغر
لا يرجع الماضي إلي ... ولا من الباقين غابر١
أيقنت أني لا محا ... له حيث صار القوم صائر
"صبح الأعشى ١: ٢١٢، وإعجاز القرآن ١٢٤، البيان والتبيين ١: ١٦٨، الأغاني ١٤: ٤٠ العقد الفريد ٢: ١٥٦، ومجمع الأمثال للميداني ١: ٧٤".
стр. 51
٢٢- قس بن ساعدة عند قيصر:
وكان قس بن ساعدة يفد على قيصر ويزوره؛ فقال له قيصر يومًا: ما أفضل العقل؟ قال: معرفة المرء بنفسه، قال: فما أفضل العلم؟ قال: وقوف المرء عند علمه، قال: فما أفضل المروءة؟ قال: استبقاء الرجل ماء وجهه، قال: فما أفضل المال؟ قال: ما قضي به الحقوق. "الأمالي ٢: ٩٣".
стр. 52
٢٣- خطبة المأمون الحارثي:
قعد المأمون الحارثي في نادي قومه؛ فنظر إلى السماء والنجوم، ثم أفكر طويلًا، ثم قال: "أرعوني أسماعكم، وأصغوا إلي قلوبكم؛ يبلغ الوعظ منكم حيث أريد، طمح١ بالأهواء الأشر، وران٢ على القلوب الكدر، وطخطخ٣ الجهل النظر، إن فيما ترى لمعتبرًا لمن اعتبر، أرض موضوعة، وسماء مرفوعة، وشمس تطلع وتغرب ونجوم تسري فتعزب، وقمر تطلعه النحور، وتمحقه أدبار الشهور، وعاجز مثر، وحول مكد٤، وشاب مختضر، ويفن٥ قد غبر، وراحلون لا يئوبون، وموقوفون
стр. 53
لا يفرطون١ ومطر يرسل بقدر؛ فيحيي البشر، ويورق الشجر، ويطلع الثمر، وينبت الزهر، وماء يتفجر، من الصخر الأير٢؛ فيصجع المدر، عن أفنان الخضر، فيحيي الأنام، ويشبع السوام، وينمي الأنعام، إن في ذلك لأوضح الدلائل على المدير المقدر، الباري المصور. يأيها العقول النافرة، والقلوب النائرة٣، أنى تؤفكون، وعن أي سبيل تعمهون، وفي أي حيرة تهيمون، وإلى أي غاية توفضون٤، لو كشفت الأغطية عن القلوب، وتجلت الغشاوة عن العيون، لصرح الشك عن اليقين، وأفاق من نشوة الجهالة من استولت عليه الضلاضة".
"الأمالى ١: ٢٧٦".
стр. 54
٢٤- بين مهلهل بن ربيعة ومرة بن ذهل بن شيبان:
لما قتل جساس١ بن مرة بن ذهل الشيباني كليب٢ بن ربيعة التغلبي، تشمر أخوه مهلهل٣ واستعد لحرب بكر، وجمع إليه قومه؛ فأرسل رجالًا منهم
стр. 55
إلى بني شيبان، فأتوا مرة بن ذهل بن شبيان "أبا جساس" وهو في نادي قومه" فقالوا له:
"إنكم أتيتم عظيمًا بقتلكم كليبًا بناب١ من الإبل؛ فقطعتم الرحم، وانتهكتم الحرمة، وإنا كرهنا العجلة عليكم دون الإعذار إليكم، ونحن نعرض عليكم خلالًا أربعًا، لكم فيها مخرج، ولنا فيها مقنع؛ فقال مرة: وما هي؟ قالوا: تحيي لنا كليبًا، أو تدفع إلينا جساسًأ قاتله فنقتله به، أو همامًا٢ فإنه كفء له، أو تمكننا من نفسك؛ فإن فيك وفاء من دمه، فقال:" أما إحيائي كليبًا؛ فهذا ما لا يكون، وأما جساس؛ فإنه غلام طعن طعنة على عجل، ثم ركب فرسه؛ فلا أدري أي البلاد احتوى عليه، وأما همام فإنه أبو عشر، وأخو عشرة، وعم عشرة، كلهم فرسان قومهم؛ فلن يسلموه لي، فأدفعه إليكم يقتل بجريرة٣ غيره. وأما أنا فهل هو إلا أن تجول الخيل جولة غدًا؛ فأكون أول قتيل بينهما؟ فما أتعجل الموت؛ ولكن لكم عندي خصلتان: أما إحداهما فهؤلاء بني الباقون، فعلقوا في عنق أيهم شئتم نسعة؛ فانطلقوا به إلى رحالكم، فاذبحوه ذبح الجزور، وإلا فألف ناقة سود الحدق، حمر الوبر، أقيم لكم بها كفيلًا من بني وائل؛ فغضب القوم وقالوا: لقد أسأت، تبذل لنا ولدك، وتسومنا اللبن من دم كليب؟ " ونشبت الحرب بينهم.
"العقد الفريد٣: ٧٨، والكامل لابن الأثير١: ١٩٠، والأغاني٤: ١٤١".
стр. 56
٢٥- منافرة علقمة بن علاثة وعامر بن الطفيل العامريين:
لما أسن أبو براء: عامر بن مالك بن جعفر بن ملاعب الأسنة، تنازع في الرياسة عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر، وعلقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر.
стр. 57
فقال علقمة: كانت لجدي الأحوص؛ وإنما صارت لعمك بسببه، وقد قعد عمك عنها، وأنا استرجعتها؛ فأنا أولى بها منك، فشرى١ الشر بينهما، وسار إلى المنافرة. فقال علقمة: إن شئت نافرتك؛ فقال عامر قد شئت. والله إني لأكرم منك حسبًا٢، وأثبت منك نسبًا، وأطول منك قصبًا٣.
فقال علقمة: والله لأنا خير منك ليلًا ونهارًا؛ فقال عامر: والله لأنا أحب إلى نسائك أن أصبح فيهم منك، أنا أنحر منك للقاح٤، وخير منك في الصباح، وأطعم منك في السنة الشياح٥.
فقال علقمة: أنا خير منك أثرًا، وأحد منك بصرًا، وأعز منك نفرًا، وأشرف منك ذكرًا؛ فقال عامر: ليس لبني الأحوص فضل على بني مالك في العدد، وبصري ناقص، وبصرك صحيح؛ ولكني أنافرك، إني أسمى منك سمة٦، وأطول منك قمة، وأحسن منك لمة٧، وأجعد منك جمة٨، وأسرع منك رحمة، وأبعد منك همة؛ فقال: علقمة: أنت رجل جسيم؛ فقال عامر. آباؤك أعمامي، ولم أكن لأنافرك بهم لكني أنافرك، أنا خير منك عقبًا، وأطعم منك جدبًا. فقال علقمة: قد علمت أن لك عقبًا، وقد أطعمت طيبًا، ولكن أنافرك، إني خير منك، وأولى بالخيرات منك.
فخرجت أم عامر -وكانت تسمع كلامهما- فقالت: يا عامر نافره، أيكما أولى الخيرات. قال عامر: إني والله لأركب منك في الحماة، وأقتل منك للكماة.١٠،
стр. 58
وخير منك لمولى والمولاة: فقال له علقمة: والله إني لبر، وإنك لفاجر، وإني لولود، وإنك لعاقر١، وإني لعف، وإنك لعاهر، وإني لوفي، وإنك لغادر؛ ففيم تفاخرني يا عامر؟ فقال عامر: والله إني لأنزل منك للقفرة٢، وأنحر منك للبكرة٣ وأطعم منك للهبرة٤، وأطعن منك للثغرة؛ فقال علقمة: والله إنك لكليل البصر، نكد النظر، وثاب على جاراتك بالسحر.
فقال بنو خالد بن جعفر -وكانوا يدًا مع بني الأحوص على بني مالك بن جعفر- لن تطيق عامرًا؛ ولكن قل له أنافرك وأقر بنا إلى الخيرات؛ فقال له علقمة هذا القول، فقال عامر: عير٥ وتيس، وتيس وعنز. فذهبت مثلًا. نعم، على مائة من الإبل إلى مائة من الإبل يعطاها الحكم، أينا نفر عليه صاحبه أخرجها؛ ففعلوا ذلك، ووضعوا بها رهنًا من أبنائهم على يدي رجل يقال له خزيمة بن عمرو بن الوحيد؛ فسمي "الضمين".
وخرج علقمة ومن معه من بني خالد، وخرج عامر فيمن معه من بني مالك، وجعلا منافرتهما إلى أبي سفيان بن حرب بن أمية؛ فلم يقل بينهما شيئًا، وكره ذلك لحالهما وحال عشيرتهما، وقال: أنتما كركبتي البعير الأدرم٦، قالا: فأينا اليمين؟ قال كلا كما يمين، وأبى أن يقضي بينهما؛ فانطلقا إلى أبي جهل بن هشام فأبى أن يحكم بينهما -وقد كانت العرب تحاكم إلى قريش- فأتيا عيينة بن حصن بن حذيفة،
стр. 59
فأبى أن يقول بينهما شيئًا؛ فأتيا غيلان بن سلمة الثقفي؛ فردهما إلى حرملة بن الأشعر المري، فردهما إلى هرم بن قطبة بن سنان الفزاري؛ فانطلقا حتى نزلا به، وقد ساقا الإبل معهما حتى أشتت وأربعت، لا يأتيان أحدًا إلا هاب أن يقضي بينهما؛ فقال هرم: لعمري لأحكمن بينكما ثم لأفضلن؛ فأعطياني موثقًا أطمئن إليه أن ترضيا بما أقول، وتسلما لما قضيت بينكما، وأمرهما بالإنصراف، ووعدهما ذلك اليوم من قابل، فانصرفا، حتى إذا بلغ الأجل خرجا إليه، وأقام القوم عنده أيامًا.
فأرسل هرم إلى عامر فأتاه سرًا لا يعلم به علقمة؛ فقال يا عامر: قد كنت أرى لك رأيًا، وأن فيك خيرًا. وما حبستك هذه الأيام إلا لتنصرف عن صاحبك، أتنافر رجلًا لا تفخر أنت وقومك إلا بآبائه! فما الذي أنت به خير منه؟ فقال عامر: نشدتك الله والرحم أن لا تفضل علي علقمة، فوالله لئن فعلت لا أفلح بعدها أبدًا. هذه ناصيتي فاجزرها واحتكم في مالي؛ فإن كنت لابد فاعلًا، فسو بيني وبينه، قال: انصرف فسوف أرى رأيي. فخرج عامر وهو لا يشك أنه ينفره١ عليه، ثم أرسل إلى علقمة سرًا لا يعلم به عامر، فأتاه، وقال له مثل ما قال لعامر، فرد عليه علقمة بما رد به عامر، وانصرف وهو لايشك أنه سيفضل عليه عامرًا. ثم إن هرمًا أرسل إلى بنيه وبني أبيه: إني قائل غدًا بين هذين الرجلين مقالة؛ فإذا فعلت فليطرد بعضكم عشر جزائر، فينحرها عن علقمة، ويطرد بعضكم عشر جزائر، ينحرها عن عامر، وفرقوا بين الناس لا تكون لهم جماعة، وأصبح هرم فجلس مجلسه، وأقبل الناس، وأقبل علقمة وعامر حتى جلسا، فقام هرم فقال: يا بني جعفر، قد تحاكمتما عندي، وأنتما كركبتي
стр. 60
أشراف العرب بين يدي كسرى
مدخل
...
أشراف العرب بين يدي كسرى:
قال كسرى١ للنعمان بن المنذر يومًا، هل في العرب قبيلة تشرف على قبيلة؟ قال نعم، قال فبأي شيء؟ قال من كانت له ثلاثة آباء متوالية رؤساء، ثم اتصل بذلك بكمال الرابع؛ فالبيت من قبيلته فيه، وينسب إليه، قال فاطلب ذلك، فطلبه فلم يصبه إلا في آل حذيفة بن بدر، وآل حاجب بن زرارة، وآل ذي الجدين، وآل الأشعث بن قيس بن كندة؛ فجمع هؤلاء الرهط ومن تبعهم من عشائرهم، وأقعد لهم الحكام والعدول، وقال: ليتكلم كل منكم بما آثر قومه وليصدق؛ فكان حذيفة بن بدر الفزاري أول متكلم، وكان ألسن القوم؛ فقال:
стр. 61
مقالة حذيفة بن بدر الفزاري
...
٢٦- مقالة حذيفة بن بدر الفرزاري:
"قد علمت العرب أن فينا الشرف الأقدم، والأعز الأعظم، ومأثرة١ للصنيع الأكرم؛ فقال من حوله: ولم ذاك أخا فزازة؟ فقال: ألسنا الدعائم التي لا ترام، والعز الذي لا يضام، قيل صدقت، ثم قام شاعرهم فقال:
فزارة بيت العز، والعز فيهم ... فزارة قيس، حسب قيس نضالها
لها العزة القعساء والحسب الذي ... بناه لقيس في القديم رجالها
стр. 62
فهيهات قد أعيا القرون التي مضت ... مآثر قيس مجدها وفعالها
وهل أحد إن هز يومًا بكفه ... إلى الشمس في مجرى النجوم ينالها
فإن يصلحوا يصلح لذاك جميعها ... وإن يفسدوا يفسد من الناس حالها
стр. 63
مقال الأشعث الكندري
...
٢٧- مقال الأشعث الكندي:
ثم قام الأشعث الكندي -وإنما أذن له أن يقوم قبل ربيعة وتميم لقرابته من النعمان بن المنذر- فقال: قد علمت العرب أنا نقاتل عديدها الأكثر، وزحفها الأكبر، وإنا لغياث الكربات، ومعدن المكرمات، قالوا: ولم يا أخا كندة؟ قال: لأنا ورثنا ملك كندة، فاستظللنا بأفيائه١ وتقلدنا منكبه الأعظم، وتوسطنا بحبوحه الأكرم، ثم قام شاعرهم فقال:
إذا قست أبيات الرجال ببيتنا ... وجدت لنا فضلًا على من يفاخر
فمن قال كلا أو أتانا بخطة ... ينافرنا فيها فنحن نخاطر
تعالوا قفوا كي يعلم الناس أينا ... له الفضل فيما أورثته الأكابر
стр. 64
٢٨- مقال بسطام الشيباني:
ثم قام بسطام الشيباني؛ فقال قد علمت العرب أنا بناة بيتها الذي لا يزول، ومغرس عزها الذي لايحول، قالوا يا أخا شيبان؟ قال: لأنا أدركهم للثار، وأضربهم للملك الجبار، وأقومهم للحكم، وألدهم للخصم، ثم قام شاعرهم، فقال:
стр. 65
لعمري بسطام أحق بفضلها ... وأول بيت العز عز القبائل
فسائل -أبيت اللعن- عن عز قومها ... إذا جد يوم الفخر كل مناقل١
ألسنا أعز الناس قومًا ونصرة ... وأضربهم للكبش بين القبائل٢
وقائع غر كلها ربعية ... تذل لها عزًا رقاب المحافل
إذا ذكرت لم ينكر الناس فضلها ... وعاذ بها من شرها كل وائل٣
وإنا ملوك الناس في كل بلدة ... إذا نزلت بالناس إحدى الزلازل
стр. 66
٢٩- مقال حاجب بن زرارة:
ثم قام حاجب بن زرارة التميمي؛ فقال: قد علمت معد أنا فرع١ دعامتها، وقادة زحفها، قالوا: ولم ذاك يا أخا بني تميم؟ قال: لأنا أكثر الناس عديدًا، وأنجهم طرًا وليدًا، وأنا أعطاهم للجزيل، وأحملهم للثقيل، ثم قام شاعرهم، فقال:
لقد علمت أبناء خندف أننا ... لنا العز قدمًا في الخطوب الأوائل٢
وأنا كرام أهل مجد وثروة ... وعز قديم ليس بالمتضائل
فكم فيهم من سيد وابن سيد ... أغر تجيب ذي فعال ونائل٣
فسائل "أبيت اللعن" عنا فإننا ... دعائم هذا الناس عند الجلائل٤
стр. 67
٣٠- مقال قيس بن عاصم السعدي:
ثم قام قيس بن عاصم السعدي؛ فقال: لقد علم هؤلاء أنا أرفعهم في المكرمات دعائم، وأثبتهم في النائبات مقادم، قالوا: ولم ذاك يا أخا بني سعد؟ قال: لأنا أدركهم للنار، وأمنعهم للجار. وأنا لا ننكل١ إذا حملنا، ولا نرام إذا حللنا، ثم قام شاعرهم فقال:
لقد علمت قيس وحندف أننا ... وجل تميم والجميع الذي ترى٢
بأنا عماد في الأمور وأننا ... لنا الشرف الضخم المركب في الندى
وأنا ليوث الناس في كل مأزق ... إذا جز بالبيض الجماجم والطلا٣
فمن ذا ليوم الفخر يعدل عاصمًا ... وقيسًا إذا مرت ألوف إلى العلا
فهيهات قد أعيا الجميع فعالهم ... وقاموا بيوم الفخر مسعاة من سعى
فقال كسرى حينئذ: ليس منهم إلا سيد يصلح لموضعه، وأسنى حباءهم، وأعظم صلاتهم، وكرم مآبهم.
"صبح الأعشى ١: ٣٧٧ والأغاني ١٧: ١٠٥".
стр. 68
وفود العرب على كسرى
مدخل
...
وفود العرب على كسرى:
قدم النعمان بن المنذر على كسرى وعنده وفود الروم والهند والصين؛ فذكروا من ملوكهم وبلادهم، فافتخر النعمان بالعرب، وفضلهم على جميع الأمم، لا يستثنى فارس ولا غيرها، فقال كسرى -وأخذته عزة الملك- يا نعمان، لقد فكرت في أمر العرب وغيرهم من الأمم، ونظرت في حالة من يقدم علي من وفود الأمم؛ فوجدت للروم حظًا في اجتماع ألفتها، وعظم سلطانها، وكثرة مدائنها، ووثيق بنيانها، وأن لها دينًا يبين حلالها وحرامها، ويرد سفيهها، يقيم جاهلها، ورأيت الهند نحوًا من ذلك في حكمتها وطبها، مع كثرة أنهار بلادها وثمارها، وعجيب صناعتها، وطيب أشجارها، ودقيق حسابها، وكثرة عددها، وكذلك الصين في اجتماعها، وكثرة صناعات أيديها، وفروسيتها وهمتها في آلة الحرب، وصناعة الحديد، وأن لها ملكًا يجمعها، والترك والخزر على ما بهم من سوء الحال في المعاش، وقلة الريف١ والثمار والحصون، وما هو رأس عمارة الدنيا من المساكن والملابس، لهم ملوك تضم قواصيهم، وتدبر أمرهم، ولم أر للعرب شيئًا من خصال الخير في أمر دين ولا دنيا، ولا حزم ولا قوة، ومع أن مما يدل على مهانتها وذلها، وصغر همتها محلتهم٢ التي هم بها مع الوحوش النافرة، والطير الحائرة، يقتلون أولادهم من الفاقة، ويأكل بعضهم بعضًا من الحاجة، قد خرجوا من مطاعم الدنيا وملابسها ومشاربها ولهوها ولذاتها؛ فأفضل طعام ظفر به ناعمهم لحوم الإبل، التي يعافها كثيرة من السباع، لثقلها، وسوء طعمها، وخوف دائها، وإن قرى أحدهم ضيفًا عدها مكرمة،
стр. 69
وإن أطعم أكلة عدها غنيمة، تنطق بذلك أشعارهم، وتفتخر بذلك رجالهم، ما خلا هذه التنوخية التي أسس جدى اجتماعها، وشد مملكتها، ومنعها من عدوها؛ فجرى لها ذلك إلى يومنا هذا، وإن لها مع ذلك آثارًا ولبوسًا١، وقرى وحصونًا، وأمورًا تشبه بعض أمور الناس -يعني اليمن- ثم لا أراكم تستكينون على ما بكم من الذلة والقلة والفاقة والبؤس حتى تفتخروا وتريدوا أن تنزلوا فوق مراتب الناس، قال النعمان: أصلح الله الملك. حق٢ لأمة الملك منها أن يسمو فضلها، ويعظم خطبها، وتعلو درجتها؛ إلا أن عندي جوابًا في كل ما نطق به الملك، في غير رد عليه، ولا تكذيب له؛ فإن أمنني من غضبه نطقت به، قال كسرى: قل فأنت آمن.
стр. 70
٣١- خطبة النعمان بن المنذر:
قال النعمان: أما أمتك أيها الملك؛ فليست تنازع في الفضل، لموضعها الذي هي به: من عقولها وأحلامها، وبسطه محلها، وبحبوحة عزها، وما أكرمها الله به من ولاية آبائك وولايتك. وأما الأمم التي ذكرت، فأي أمة تقرنها بالعرب إلا فضلتها. قال كسرى بماذا؟ قال النعمان: بعزها، ومنعتها، وحسن وجوهها، وبأسها، وسخائها، وحكمة ألسنتها، وشدة عقولها، وأنفتها، ووفائها.
فأما عزها ومنعتها؛ فإنها لم تزل مجاورة لآبائك الذين دوخوا البلاد، ووطدوا الملك وقادوا الجند، لم يطمع فيهم طامع، ولم ينلهم نائل، حصونهم ظهور خيلهم، ومهادهم الأرض، وسقوفهم السماء، وجنتهم السيوف، وعدتهم الصبر، إذ غيرها من الأمم إنما عزها من الحجارة والطين وجزائر البحور.
وأما حسن وجوها وألوانها، فقد يعرف فضلهم في ذلك على غيرهم: من الهند المنحرفة، والصين المنحفة، والترك المشوهة، والروم المقشرة.
стр. 71
وأما أنسابها وأحسابها؛ فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرًا من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل وراء أبيه دنيا١؛ فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبًا فأبًا، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه.
وأما سخاؤها؛ فإن أدناهم رجلًا، الذي تكون عنده البكرة والناب٢، عليها بالغه٣ في حموله٤ وشبعه وريه، فيطرقه الطارق، الذي يكتفي بالفلذة٥، ويحتري بالشبة؛ فيعقرها له، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر.
وأما حكمة ألسنتهم؛ فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم، وحسنه ووزنه وقوافيه، ومع معرفتهم الأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبالهم الجزع٦. ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، ولا يقطع بمثلها بلد فقر.
وأما دينها وشريعتها؛ فإنهم متمسكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرًا حرمًا، وبلدًا محرمًا، وبيتًا محجوجًا، ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره، وإدراك رغمه٧ منه؛ فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى.
стр. 72
وأما وفاؤها، فإن أحدهم يلحظ اللحظة، ويومئ الإيماءة، فهي ولث١ وعقدة، لا يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عودًا من الأرض فيكون رهنًا بدينه، فلا يغلق٢ رهنه، ولا تخفر٣ ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره. فيصاب، فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته، أو تفنى قبيلته، لما أخفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث، من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله.
وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار، وغيرة من الأزواج.
وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل _على ما وصفت منها_ فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا لها، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم، مع أنها أكثر البهائم شحومًا، وأطيبها لحومًا، وأرقها ألبانًا، وأقلها غائلة٤، وأحلاها مضغة، وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه.
وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضًا، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفًا، وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد، يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمتهم، وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكًا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث٥ بالعسف.
стр. 73
وأما اليمن التي وصفها الملك؛ فإنما أتى جد الملك إليها الذي١ أتاه، عند غلبة الحبش له، على ملك متسق، وأمر مجتمع؛ فأتاه مسلوبًا طريدًا مستصرخًا، ولولا ما وتر به من يليه من العرب؛ لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان، ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار".
فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك، ثم كساه من كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحيرة.
فلما قدم النعمان الحيرة، وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين٢ أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة التميميين، وإلى الحارث بن عباد، وقيس بن مسعود البكريين، وإلى خالد بن جعفر، وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المرى؛ فلما قدموا عليه في الخورنق، قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم، وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات، تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولًا، كبعض طماطمته٣، في تأديتهم الخراج إليه٤، كما يفعل بملوك الأمم الذي حوله؛ فاقتص عليهم مقالات كسرى، وما رد عليه؛ فقالوا: أيها الملك، وفقك الله! ما أحسن ما رردت! وأبلغ ما حججته به! فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت. قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم، وما تخوف من ناحيتكم، وليس شيء أحب إلي مما سدد الله به أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزكم، والرأى أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط، وتنطلقوا إلى كسرى؛ فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم
стр. 74
بما حضره؛ ليعلم أن العرب على غير ما ظن، أو حدثته نفسه، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه؛ فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان، متزن، معجب بنفسه، ولا تتخزلوا١ له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك، تظهر به وثاقة حلومكم، وفضل منزلتكم، وعظيم أخطاركم، وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها؛ فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم، علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه، فلا يكونن ذلك منكم، فيجد في آدابكم مطعنًا؛ فإنه ملك مترف، وقادر مسلط. ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك، كل رجل منهم حلة وعممه عمامة، وختمه بياقوتة، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية٢ وفرس نجيبة، وكتب معهم كتابًا:
"أما بعد: فإن الملك ألقى إلي أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم، مما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوتها، تبلغها وشيء من الأمور، التي تعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت إليها الملك رهطًا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم؛ فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمني بإكرامهم، وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم".
فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن؛ فدفعوا إليه كتاب النعمان فقرأه، وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسًا منهم؛ فلما أن كان بعد ذلك بأيام، أمر مرازبته٣ ووجوه أهل مملكته، فحضروا وجلسوا على كراسي، عن يمينه
стр. 75
وشماله، ثم دعا على الولاء١ والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه، وأقام الترجمان٢ ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام.