خطب عتبة بن أبي سفيان
خطبة له في تهدد أهل مصر
...
خطب عتبة بن أبي سفيان ١ "توفي سنة ٤٤هـ":
٢٠٤- خطبة له في تهديد أهل مصر:
بلغ عتبة بن أبي سفيان عن أهل مصر شيء فأغضبه، فقام فيهم، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
"يأهل مصر، إياكم أن تكونوا للسيف حصيدًا٢، فإن لله فيكم ذبيحا لعثمان، أرجو أن يوليني نُسْكه، إن الله جمعكم بأمير المؤمنين بعد الفرقة، فأعطى كل ذي حق حقه، وكان والله أذكركم إذا ذكر بخطة، وأصفحكم بعد المقدرة عن حقه، نعمة من الله فيكم، ونعمة٣ منه عليكم، وقد بلغنا عنكم نجم٤ قول، أظهره تقدم عفو منا، فلا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد أنس الحق، بإحياء الفتنة وإماتة السنن، فأطأكم لله وطأة، لا رمق٥ معها، حتى تنكروا مني ما كنتم تعرفون، وتستخشنوا ما كنتم تستلينون، وأنا أشهد عليكم الذي يعلم خائنة الأعين٦، وما تخفي الصدور".
"العقد الفريد ٢: ١٥٨"
стр. 1157
خطبة له في تقريعهم وتهددهم
...
٢٠٥- خطبة له في تقريعهم وتهديدهم:
وخطب أيضًا وقد بلغه عن أهل مصر أمور فقال:
"يا حاملي ألأمِ أنوفٍ رُكِّبَتْ بين أعين، إنما قلمت أظفاري عنكم، ليلين مسي إياكم، وسألتكم صلاحكم لكم، إذ كان فسادُكم راجعًا عليكم، فأما إذا أبيتم إلا الطعن على الأمراء، والعتب على السلف والخلفاء، فوالله لأقطِّعنَّ بطون السياط على ظهوركم، فإن حسمت مستشري١ دائكم، وإلا فالسيف من ورائكم، فكم من عظة لنا قد صُمَّتْ عنها آذانُكم، وزجرةٍ منا قد مجتها قلوبكم، ولست أبخل عليكم بالعقوبة إذا جدتم علينا بالمعصية، ولا مؤيسا لكم من المراجعة إلى الحسنى، إن صرتم إلى التي هي أبرُّ وأتقى".
"صبح الأعشى ١: ٢١٦؛ والعقد الفريد ٢: ١٥٩، والأمالي ١: ٢٤٥".
стр. 1158
٢٠٦- خطبة له فيهم وقد أرجفوا بموت معاوية:
واحتبست كتب معاوية حتى أرجفَ أهلُ مصر بموته، ثم ورد كتابه بسلامته، فصعد عتبة المنبر، والكتاب في يده فقال:
"يأهل مصر، قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح وظبات السيوف، حتى صرنا شجًى في لهواتكم، ما تسيغنا١ حلوقكم، وأقذاء في أعينكم، ما تطرف٢ عليها جفونكم، أفحين اشتدت عرى الحق عليكم عَقْدًا، واسترخت عقد الباطل منكم حلا، أرجفتم بالخليفة، وأردتم توهين٣ السلطان، وخضتم الحق إلى الباطل، وأقدم عهدكم به
стр. 1159
حديث؟ فاربحوا أنفسكم إذ خسرتم دينكم، فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه، والعهد القريب منه، واعلمُوا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم، فأصلحوا لنا ما ظهر، نكلكم إلى الله فيما بطن، وأظهروا خيرًا، وإن أسررتم شرًّا، فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون، وعلى الله نتوكل وبه نستعين".
"عيون الأخبار م٢: ص٢٣٩، والعقد الفريد ٢: ١٥٩".
стр. 1160
٢٠٧- خطبته فيهم وقد منعوا الخراج:
وخطبهم وكانوا قد منعوا الخراج فقال:
"يا أهل مصر، قد كنتم تعتذرون لبعض المنع منكم، ببعض الجور عليكم، فقد وليكم من يقول ويفعل، ويفعل ويقول، فإن رددتم ترادَّكم١ بيده، وإن استصعبتم ترادكم بسيفه، ثم رجا في الآخرة ما أمل في الأولى، إن البيعة متتابعة، فلنا عليكم السمع والطاعة، ولكم علينا العدل، فأينا غدر فلا ذمة له عند صاحبه، والله ما انطلقت بها ألسنتنا حتى عقدت عليها قلوبنا، ولا طلبناها منكم حتى بذلناها لكم ناجزًا بناجز٢، ومن حذَّر كمن بشَّر، فنادوه سمعًا وطاعة، فناداهم عدلا عدلا.
"العقد الفريد ٢: ١٥٩".
стр. 1161
٢٠٨- خطبته فيهم إذ طعنوا على الولاة:
وقدم كتاب معاوية إلى عتبة بمصر أن قبلك قومًا يطعنون على الولاة ويعيبون السلف، فخطبهم فقال:
"يأهل مصر: خفَّ على ألسنتكم مدح الحق ولا تفعلونه، وذم الباطل وأنتم
стр. 1162
تأتونه، كالحمار يحمل أسفارًا، أثقله حملها، ولم ينفعه علمها، وايم الله لا أداوي أدواءكم بالسيف ما صلحتم على السوط، ولا أبلغ السوط ما كفتني الدرة، ولا أبطئ عن الأولى ما لم تسرعوا إلى الأخرى، فالزموا ما أمركم الله به تستوجبوا ما فرض الله لكم علينا، وإياكم وقال ويقول، قبل أن يقال فعل ويفعل، وكونوا خير قوس سهمًا بهذا اليوم الذي ما قبله عقاب، ولا بعده عتاب.
"العقد الفريد ٢: ١٦٠، وعيون الأخبار م٢: ص٢٣٩، وأسد الغابة في معرفة الصحابة ٣: ٣٦١".
стр. 1163
٢٠٩- خطبته بمكة:
وحج عتبة سنة إحدى وأربعين، والناس قريب عهدهم بالفتنة، فصلى بمكة الجمعة، ثم قال:
"أيها الناس، إنا قد ولينا هذا المقام الذي يضاعف فيه للمحسن الأجر، وعلى المسيء فيه الوزر، ونحن على طريق ما قصدنا له، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تنقطع من دوننا، ورب متمنٍّ حتفُهُ في أمنيته، فاقبلونا ما قبلنا العافية فيكم، وقبلناها منكم، وإياكم و"لو"، فإن "لو" قد أتعبت من كان قبلكم، ولن تريح من بعدكم، وأنا أسأل الله أن يعين كلا على كلّ".
فصاح به أعرابي: أيها الخليفة، فقال: لست به ولم تبعد، فقال: يا أخاه، فقال: سمعت فقل، فقال: "تالله لأن تحسنوا وقد أسأنا خير من أن تسيئوا وقد أحسنا، فإن كان الإحسان لكم دوننا، فما أحقكم باستتمامه، وإن كان منا فما أولاكم بمكافأتنا، رجل من بني عامر بن صعصعة يلقاكم بالعمومة، ويقرب إليكم بالخئولة، وقد كثر عياله١، ووطئه زمانه، وبه فقر، وفيه أجر، وعنده شكر" فقال عتبة: "أستغفر الله
стр. 1164
منكم، وأستعينه عليكم، وقد أمرنا لك بغناك، فليت إسراعنا إليك يقوم بإبطائنا عنك".
"الأمالي ١: ٢٤٠، والعقد الفريد ٢: ١٥٩-٨١، والبيان والتبيين ٣: ٢٣٠".
стр. 1165
٢١٠- خطبته في علته التي مات فيها:
ولما اشتكى شكاته التي مات فيها تحامل إلى المنبر، فقال:
"يأهل مصر لا غنى عن الرب، ولا مهرب من ذنب، إنه قد تقدمت مني إليكم عقوبات كنت أرجو يومئذ الأجر فيها، وأنا أخاف اليوم الوزر منها، فليتني لا أكون اخترت دنياي على معادي، فأصلحتكم بفسادي، وأنا أستغفر الله منكم، وأتوب إليه فيكم، فقد خفت ما كنت أرجو نفعًا عليه، ورجوت ما كنت أخاف اغتيالا به، وقد شقي من هلك بين رحمة الله وعفوه، والسلام عليكم، سلام من لا ترونه عائدًا إليكم"، فلم يعد.
"العقد الفريد ٢: ١٥٩".
стр. 1166
٢١١ وصيته لمؤدب ولده:
وقال لعبد الصمد مؤدب ولده:
"ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه، فيملوه، ولا تتركهم منه، فيهجروه، ثم روهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجهم من علم إلى غيره حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وتَهَدَّدْهُمْ بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء قبل معرفة الداء، وجنبهم محادثة النساء، وروهم سير الحكماء، واستزدني
стр. 1167
بزيادتك إياهم أزدك، وإياك أن تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك، وزد في تأديبهم أزدك في برِّي إن شاء الله تعالى".
"البيان والتبيين ٢: ٣٥، والنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ١: ١٣٩".
стр. 1168
٢١٢- وصية سعيد بن العاص ١ لبنيه:
لما ولد لسعيد بن العاص ابنه عمرو وترعرع٢، تفرس فيه النجابة، وكان يفضله على ولده، فجمع بنيه، وكانوا يومئذ أكثر من خمسة عشر رجلا، ولم يدع عمرا معهم، وقال:
"يا بني، قد عرفتم خبرة الوالد بولده، وإن أخاكم عمرًا، لذو همة واعدة٣، يسمو جده، ويبعد صيته٤، وتشتد شكيمته٥، وإني آمركم إن نزل بي من الموت ما لا محيص عنه، أن تظاهروه وتؤازروه وتعزروه، فإنكم إن فعلتم ذلك يتألف بكم الكرام، ويخسأ٦ عنكم اللئام، ويلبسكم عزًّا لا تنهجه٧ الأيام".
فقالوا جميعا: "إنك تؤثره علينا، وتحابيه دوننا" فقال: "سأوريكم ما ستره
стр. 1169
البغي عنكم" وصرفهم، ثم أمهلهم حتى ظن أن قد ذهلوا عما كان، وراهق١ عمرو البلوغ، واستدعاهم دون عمرو، فلما حضروا قال: "يا بني، ألم تروا إلى أخيكم عمرو؟ فإنه لا يزال يلحف٢ في مسألتي مالي، فأحش عيله٣ لصغره، وَأُحَسِّبُهُ٤ بالشيء دون الشيء من مالي إلى أن استثبت أن أمه باغيته٥ على ذلك، فزجرتها فلم تكفف، وهذا مخرجه الآن من عندي، جاء يسألني الصمصامة٦، كأن لا ولد لي غيره، وقد عزمت على أن أقسم مالي فيكم دونه، لتعلم أمه من يكيد"، فقالوا كلهم: يا أبانا هذا عملك بإيثارك له علينا، واختصاصك إياه دوننا، فقال: "يا بني، والله ما آثرته دونكم بشيء من مالي قط، ولا كان ما قلته لكم إلا اختلافا تساهلت فيه لما أملته من صلاح أمركم"، ثم قال لهم: ادخلوا المخدع٧، فدخلوا المخدع، ثم أرسل إلى عمرو فأحضره، فلما حضر قال:
стр. 1170
"يا بني: إني عليك حدب١ مشفق، لصغر سنك، ونفاسة٢ إخوتك على مكانك مني، وإني لا آمن بغتة الأجل، ولى كنز ادخرته لك دون إخوتك، وها أنا مطلعك عليه، فاكتم أمره".
فقال: "يا أبت، طال عمرك، وعلا أمرك، إني لأرجو أن يحسن الله عنك الدفاع، ويطيل بك الامتاع، فأما ما ذكرته من شأن الكنز، فما يعجبني أن أقطع دون إخوتي أمرًا، وأزرع في صدورهم غمرًا٣".
فقال: "انصرف يا بني، فداك أبوك، فوالله ما لي من كنز، ولكني أردت أن أبلو رأيك في إخوتك وبني أبيك" فانطلق عمرو، وخرج إخوته من المخدع، فاعتذروا إلى أبيهم، وأعطوه موثقهم على اتباع مشورته.
"أنباء نجباء الأبناء ص١٠٠.
стр. 1171
خطب عمرو بن سعيد الأشدق
خطبة له بالمدينة
...
خطب عمرو بن سعيد الأشدق ١ "قتل سنة ٦٩هـ"٢١٣:
خطبة له بالمدينة:
قدم عمرو بن سعيد بن العاص الأشدق المدينة أميرًا، فخرج إلى منبر رسول الله ﷺ ، فقعد عليه وغمض عينيه وعليه جبة خزّ قرمز٢، ومطرف٣ خزّ قرمز، وعمامة خزّ قرمز، فجعل أهل المدينة ينظرون إلى ثيابه إعجابًا بها، ففتح عينيه، فإذا الناس ينظرون إليه، فقال:
"ما بالكم يأهل المدينة ترفعون إلي أبصاركم، كأنكم تريدون أن تضربونا بسيوفكم؟ أغركم أنكم فعلتم ما فعلتم، فعفونا عنكم، أما إنه لو أثبتم٤ بالأولى ما كانت الثانية، أغركم أنكم قتلتم عثمان، فوافقتم ثائرنا٥ منا رفيقا، قد فني غضبه، وبقي حلمه، اغتنموا أنفسكم، فقد والله ملكناكم بالشباب المقتبل البعيد الأمل، الطويل
стр. 1172
الأجل، حين فرغ من الصغر ودخل في الكبر، حليم حديد١، لين شديد، رقيق كثيف، رفيق عنيف، حين اشتد عظمه، واعتدل جسمه، ورمى الدهر ببصره واستقبله بأشره، فهو إن عض نهس٢، وإن سطا فرس٣، لا يقلقل له الحصى، ولا تقرع له العصا٤، ولا يمشي السمَّهى٥" فما بقي بعد ذلك إلا ثلاث سنين وثمانية أشهر حتى قصمه الله.
"العقد الفريد ٢: ١٥٧".
стр. 1173
٢١٤- خطبة له بمكة:
واستعمل سعيد بن العاص -وهو والٍ على المدينة- ابنه عمرو بن سعيد واليًا على مكة، فلما قدم لم يلقه قرشي ولا أموي إلا أن يكون الحارث بن نوفل، فلما لقيه قال له: يا حار، ما الذي منع قومك أن يلقوني كما لقيتني؟ قال: ما منعهم من ذلك إلا ما استقبلتني به، والله ما كنيتني، ولا أتممت اسمي، وإنما أنهاك عن التشذر١ على أكفائك، فإن ذلك لا يرفعك عليهم، ولا يضعهم لك، قال: والله ما أسأت الموعظة، ولا أتهمك على النصيحة، وإن الذي رأيت مني لخلق٢، فلما دخل مكة قام على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد، معشر أهل مكة فإنا سكنَّاها غبطة، وخرجنا عنها رغبة، ولذلك كنا إذا رفعت لنا اللهوة٣ بعد اللهوة أخذنا أسناها، ونزلنا أعلاها، ثم شرج٤ أمر
стр. 1174
بين أمرين، فَقَتَلْنا وقُتِلْنا، فوالله ما نَزَعْنا ولا نُزِعَ عنا، حتى شرب الدمُ دمًا، وأكل اللحم لحمًا، وقرع العظمُ عظمًا، فولي رسول الله ﷺ برسالة الله إياه، واختياره له، ثم ولي أبو بكر لسابقته وفضله، ثم ولي عمر، ثم أُجِيلَت قداحٌ نُزِعن من شعابٍ١ جولَةَ سعةٍ، ففاز بحظيِّها٢ أصلها وأعتقها، فكنا بعض قداحها، ثم شرج أمر بين أمرين فَقَتَلْنا وقُتِلْنا، فوالله ما نَزَعْنا ولا نُزِعَ عنا، حتى شرب الدمُ دمًا، وأكل اللحمُ لحمًا، وقرع العظمُ عظمًا، وعاد الحرامُ حلالا، وأسكت كل ذي حس عن ضرب مهند عركًا عركًا، وعسفًا عسفًا، وخزًا ونهسًا، حتى طابوا عن حقنا نفسًا، والله ما أعطَوه عن هوادة، ولا رضُوا فيه بالقضاء، أصبحوا يقولون: حقنا غلبنا عليه، فجزيناه هذا بهذا، وهذا في هذا. يأهل مكة: أنفسكم أنفسكم، وسفهاءكم سفهاءكم، فإن معي سوطًا نكالا، وسيفًا وبالا٣، وكل منصوب على أهله"، ثم نزل.
"العقد الفريد ٢: ١٥٧.
стр. 1175
٢١٥- ملاحاة الوليد بن عقبة معه في مجلس معاوية:
تلاحى١ الوليد بن عقبة، وعمرو بن سعيد بن العاص في مجلس معاوية، فتكلم الوليد، فقال له عمرو: كَذَبْتَ أو كُذِبْتَ٢، فقال له الوليد: اسكت يا طليق اللسان، نزوع الحياة، ويا ألأم أهل بيته، فلعمري لقد بلغ بك البخل الغاية الشائنة المذلة لأهلها، فساءت خلائقك لبخلك، فمنعت الحقوق، ولزمت العقوق، فأنت غير مشيد البنيان، ولا رفيع المكان، فقال له عمرو: والله إن قريشًا لتعلم أني غير حلو المذاقة، ولا لذيذ
стр. 1176
الملاكة١، وإني لكالشجا٢ في الحلق، ولقد علمت أني ساكن الليل، داهية النهار، لا أتبع الأفياء، ولا أنتمي إلى غير أبي، ولا يجهل حسبي، حام لحقائق الذمار٣، غير هيوب عند الوعيد، ولا خائف رعديد٤، فلم تعير بالبخل وقد جبلت عليه، فلعمري لقد أورثتك الضرورة لؤمًا، والبخل فحشًا، فقطعت رحمك، وجرت في قضيتك، وأضعت حق من وليت أمره، فلست ترجى للعظائم، ولا تعرف بالمكارم، ولا تستعف عن المحارم، لم تقدر على التوقير، ولم يحكم منك التدبير، فأفحم الوليد؛ فقال معاوية -وساءه ذلك: كفا لا أبا لكما، لا يرتفع بكما القول إلى ما لا نريد، ثم أنشأ عمرو يقول:
وليد إذا ما كنت في القوم جالسًا ... فكن ساكنا منك الوقار على بال
ولا يبدرن الدهر من فيك منطق ... بلا نظر قد كان منك وإغفال٥
"الأمالي ٢: ٤٠".
стр. 1177
٢١٦- خطبته حين غلب على دمشق:
ولما غلب على دمشق، صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أيها الناس: إنه لم يقم أحد من قريش قبلي على هذا المنبر، إلا زعم أن له جنة ونارًا، يدخل الجنة من أطاعه، والنار من عصاه، وإني أخبركم أن الجنة والنار بيد الله؛ وأنه ليس إلي من ذلك شيء، غير أن لكم علي حسن المؤاساة والعطية".
"تاريخ الطبري ٧: ١٧٦".
стр. 1178
٢١٧- خالد بن يزيد وعبد الملك بن مروان:
روى أن عبد الله بن يزيد بن معاوية جاء إلى أخيه خالد بن يزيد في أيام عبد الملك فقال: لقد هممت اليوم يا أخي أن أفتك بالوليد بن عبد الملك، فقال له خالد: بئس والله ما هممت به في ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، فما ذاك؟ قال: إن خيلي مرت به، فعبث بها، وأصغرني، فقال له خالد: أنا أكفيك، فدخل على عبد الملك، والوليد عنده، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الوليد ابن أمير المؤمنين، وولي عهد المسلمين، مرت به خيل ابن عمه عبد الله بن يزيد فعبث بها وأصغره، وكان عبد الملك مطرقًا، فرفع رأسه، وقال:
﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فقال خالد: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ . فقال عبد الملك: أفي عبد الله تكلمني؟ والله لقد دخل أمس علي، فما أقام لسانه لحنا، فقال خالد: أفعلى الوليد تعول يا أمير المؤمنين؟ قال عبد الملك: إن كان الوليد يلحن، فإن أخاه سليمان، فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن، فإن أخاه خالد، فالتفت الوليد إلى خالد، وقال له: اسكت ويحك يا خالد! فوالله ما تعد في العير ولا في النفير، فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين: ثم التفت إلى الوليد فقال له: ويحك: فمن صاحب العير والنفير غير جدي أبي سفيان صاحب العير، وجدي عتبة صاحب النفير١؟ ولكن لو قلت: غنيمات وحبيلات والطائف، ورحم الله عثمان لقلنا: صدقت٢".
"شرح ابن أبي الحديد م١: ص١١، وتهذيب الكامل ١: ٣٠٢ ومجمع الأمثال ٢: ١١٥".
стр. 1179
٢١٨- خالد بن عبد الله بن أسيد ١ وعبد الملك بن مروان:
جلس يومًا عبد الملك بن مروان، وعند رأسه خالد بن عبد الله بن أسيد، وعند رجليه أمية بن عبد الله بن أسيد، وأدخلت عليه الأموال التي جاءت من قبل الحجاج حتى وضعت بين يديه فقال:
"هذا والله التوفير، وهذه الأمانة، لا ما فعل هذا، "وأشار إلى خالد" استعملته على العراق، فاستعمل كل مُلِطٍّ٢ فاسق، فأدوا إليه العشرة واحدًا، وأدى إلي من العشرة واحدًا، واستعملت هذا على خراسان "وأشار إلى أمية٣" فأهدى إلي بِرْذَوْنَيْنِ حَطِمَيْنِ٤، فإن استعملتكم ضيعتم، وإن عزلتكم قلتم: استخف بنا، وقطع أرحامنا".
فقال خالد بن عبد الله: "استعملتني على العراق، وأهله رجلان: سامع مطيع مناصح، وعدو مبغض مكاشح٥، فأما السامع المطيع المناصح فإنا جزيناه، ليزداد ودا إلى وده؛ وأما المبغض المكاشح، فإنا داريناه ضغنه، وسللنا حقده، وكثرنا لك المودة في صدور رعيتك، وإن هذا جبى الأموال، وزرع لك البغضاء في قلوب الرجال، فيوشك أن تنبت البغضاء فلا أموال ولا رجال".
فلما خرج ابن الأشعث قال عبد الملك: "هذا والله ما قال خالد".
"العقد الفريد ٢: ١١٧".
стр. 1180
٢١٩- نصيحة لعمرو بن عتبة بن أبي سفيان:
ورأى عمرو بن عتبة بن أبي سفيان رجلا يشتم رجلا، وآخر يسمع منه، فقال للمستمع:
"نزه سمعك عن استماع الخنا، كما تنزه لسانك عن الكلام به، فإن السامع شريك القائل، وإنما نظر إلى شر ما في وعائه، فأفرغه في وعائك، ولو رُدَّتْ كلمة جاهل في فيه، لسعد رَادُّها، كما شقي قائلها".
"البيان والتبيين ٢: ١٦٠".
стр. 1181
٢٢٠- تأديب معاوية لجلسائه:
أذن معاوية للأحنف بن قيس -وقد وافى معاوية محمد بن الأشعث- فقدمه عليه، فوجد١ من ذلك محمد بن الأشعث، وأذن له، فدخل، فجعل بين معاوية والأحنف، فقال معاوية:
"إنا والله ما أذنا له قبلك، إلا ليجلس إلينا دونك، وما رأيت أحدًا يرفع نفسه فوق قدرها، إلا من ذلة يجدها، وقد فعلت فعل من أحسَّ من نفسه ذلا وضعة، وإنا كما نملك أموركم، نملك تأديبكم، فأريدوا منا ما نريده منكم، فإنه أبقى لكم، وإلا قصرناكم كرها، فكان أشد عليكم وأعنف بكم".
"البيان والتبيين ٣: ٢٢٠"
стр. 1182
٢٢١- كلام معاوية وقد سقطت ثنيتاه:
ولما سقطت ثنيتا معاوية لف وجهه بعمامة، ثم خرج إلى الناس، فقال:
"لئن ابتليت لقد ابتلى الصالحون قبلي، وإني لأرجو أن أكون منهم، ولئن
стр. 1183
عوقبت لقد عوقب الخاطئون قبلي، وما آمن أن أكون منهم، ولئن سقط عضوان مني، لما بقي أكثر، ولو أتى على نفسي لما كان لي عليه خيار ﵎، فرحم الله عبدا دعا بالعافية، فوالله لئن كان عتب عليَّ بعض خاصتكم، لقد كنت حدبًا١ على عامتكم".
"البيان والتبيين ٣: ٢٢١".
стр. 1184
٢٢٢- تقريع عبد الملك بن مروان لأحد عماله:
وروى الجاحظ قال:
"قال أبو الحسن: كان عبد الملك بن مروان شديد اليقظة، كثير التعاهد لولاته، فبلغه أن عاملا من عماله قبل هدية، فأمر بإشخاصه إليه، فلما دخل عليه قال: "أقبلت هدية منذ وليتك؟ " قال: "يا أمير المؤمنين، بلادك عامرة، وخراجك موفور، ورعيتك على أفضل حال" قال: "أجب فيما سألتك عنه، أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال: نعم، قال: لئن كنت قبلت ولم تعوض، إنك للئيم، ولئن أنلت مهديك لا من مالك، أو استكفيته ما لم يكن يستكفاه، إنك لجائر خان، ولئن كان مذهبك أن تعوض المهدي إليك من مالك، وقبلت ما اتهمك به عند من استكفاك، وبسط لسان عائبك، وأطمع فيك أهل عملك إنك لجاهل، وما فيمن أتى أمرًا لم يخل فيه من دناءة، أو خيانة، أو جهل مصطنع، نَحِّياه عن عمله".
"البيان والتبيين ٣: ٢٣٠".
стр. 1185
طلب معاوية البيعة ليزيد
مدخل
...
طلب معاوية البيعة ليزيد:
لما كانت سنة ثلاث وخمسين، أظهر معاوية عهدًا مفتعلا، فقرأه على الناس فيه عقد الولاية ليزيد بعده، فلم يزل يروض الناس لبيعته سبع سنين، ويشاور، ويعطي الأقارب، ويداني الأباعد، حتى استوثق له من أكثر الناس.
فقال لعبد الله بن الزبير: "ما ترى في بيعة يزيد؟ " قال: "يا أمير المؤمنين، إني أناديك ولا أناجيك١، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تتقدم، وتفكر قبل أن تندم، فإن النظر قبل التقدم، والتفكر قبل التندم" فضحك معاوية وقال: "ثعلب رواغ! تعلمت السِّجَاعة٢ عند الكبر، في دون ما سجعت به على ابن أخيك ما يكفيك".
ثم التفت إلى الأحنف بن قيس، فقال: "ما ترى في بيعة يزيد؟ ". قال: "نخافكم إن صدقناكم، ونخاف الله إن كذبنا".
فلما كانت سنة خمس وخمسين كتب معاوية إلى سائر الأمصار أن يفدوا عليه، فوفد عليه من كل مصر قوم٣، وكان فيمن وفد عليه من المدينة محمد بن عمرو بن حزم، فخلا به معاوية، وقال له: "ما ترى في بيعة يزيد؟ "، فقال: يا أمير المؤمنين ما أصبح اليوم على الأرض أحد هو أحب إلي رشدًا من نفسك سوى نفسي، وإن يزيد أصبح غنيا في المال، وسطا في الحسب، وإن الله سائل كل راعٍ عن رعيته، فاتق الله،
стр. 1186
وانظر من تُولِّي أمر أمة محمد" فأخذ معاوية بهر١ حتى تنفس الصعداء٢، وذلك في يومٍ شاتٍ، ثم قال: "يا محمد: إنك امرؤ ناصح، قلت برأيك، ولم يكن عليك إلا ذاك. قال معاوية: إنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، فابني أحب إلي من أبنائهم، اخرج عني".
ثم دعا الضحاك بن قيس الفهري، فقال له: إذا جلست على المنبر، وفرغت من بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذا أذنت لك، فاحمد الله تعالى، واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي فإني قد رأيت وأجمعت على توليته من بعدي. فأسأل الله في ذلك وفي غيره الخيرة٣ وحسن القضاء، ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وثور بن معن السلمي، وعبد الله بن عصام الأشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك، وأن يصدقوا قوله، ويدعوه إلى يزيد.
وجلس معاوية في أصحابه، وأذن للوفود، فدخلوا عليه، فخطبهم، فلما فرغ من بعض موعظته، وهؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام قام الضحاك بن قيس، فاستأذن، فأذن له.
стр. 1187
٢٢٣- خطبة الضحاك بن قيس الفهري:
فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين وأمتع به، إنا قد بلونا١ الجماعة والألفة، فوجدناها أحقنَ للدماء، وآمنَ للسبل، وخيرًا في العاقبة والآجلة، ولا خير لنا أن نترك سدى،
стр. 1188
والأيام عوج١ رواجع، والأنفس يغدى عليها ويراح، والله يقول: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ . ولسنا ندري ما يختلف به العصران٢، وأنت يا أمير المؤمنين ميت، كما مات من كان قبلك من أنبياء الله وخلفائه؛ نسأل الله تعالى بك المتاع، وقد رأينا من دعة يزيد ابن أمير المؤمنين، وحسن مذهبه، وقصد٣ سيرته، ويمن نقيبته٤، مع ما قسم الله له من المحبة في المسلمين، والشبه بأمير المؤمنين، في عقله وسياسته وشيمته المرضية، ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا، والقنوع به في الولاية علينا، فليوله أمير المؤمنين -أكرمه الله- عهده، وليجعله لنا ملجأ ومفزعًا بعده، نأوي إليه إن كان كَوْن٥، فإنه ليس أحد أحق بها منه، فاعزم على ذلك، عزم الله لك في رشدك، ووفقك في أمورنا".
стр. 1189
٢٢٤- خطبة عبد الرحمن بن عثمان الثقفي:
ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه، قد احدودبت علينا سيساؤه١، واقطوطبت٢ علينا أدواؤه، وأناخت علينا أنباؤه، ونحن نشير
стр. 1190
عليك بالرشاد، وندعوك إلى السداد، وأنت يا أمير المؤمنين أحسننا نظرًا، وأثبتنا١ بصرًا، ويزيد ابن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته، وبلونا علانيته، ورضينا ولايته، وزادنا بذلك انبساطًا، وبه اغتباطًا٢، مع ما منحه الله من الشبه بأمير المؤمنين، والمحبة في المسلمين، فاعزم على ذلك، ولا تضق به ذرعًا٣، فالله تعالى يقيم به الأود٤، ويردع به الألد٥، ويؤمن به السبل، ويجمع به الشمل، ويعظم به الأجر، ويحسن به الذخر". ثم جلس.
стр. 1191
٢٢٥- خطبة ثور بن معن السلمي:
فقام ثور بن معن السلمي، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان، صاحبه مشاغب١، وظله ذاهب٢، مكتوب علينا فيه الشقاء والسعادة، وأنت يا أمير المؤمين ميت، نسأل الله بك المتاع، ويزيد ابن أمير المؤمنين أقدمنا شرفًا، وأبذلنا عُرفًا٣، وقد دعانا إلى الرضا به، والقنوع بولايته، والحرص عليه، والاختيار له، ما قد عرفنا من صدق لسانه ووفائه، وحسن بلائه. فاجعله لنا بعدك خلفًا، فإنه أوسعنا كنفًا٤، وأقدمنا سلفًا، وهو رتق لما فتق، وزمام لما شعث٥، ونكال لمن فارق ونافق، وسلم لمن واظب، وحافظ للحق، أسأل الله لأمير المؤمنين أفضل البقاء والسعادة، والخيرة فيما أراد، والتوطن في البلاد، وصلاح أمر جميع العباد.
ثم جلس.
стр. 1192
٢٢٦- خطبة عبد الله بن عصام الأشعري:
فقام عبد الله بن عصام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية، وأهواء منجذمة١، نخاف حدها، وننتظر جدها، شديد منحدرها، كثير وعرها، شامخة مراقبها٢، ثابتة مراتبها، صعبة مراكبها، فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد، لا يخلد في الدنيا أحد، ولا يبقى لنا أمد٣، وأنت يا أمير المؤمنين مسئول عن رعيتك، ومأخوذ بولايتك، وأنت أنظر الجماعة، وأعلى عينًا بحسن الرأي لأهل الطاعة، وقد هُدِيتَ ليزيد في أكمل الأمور، وأفضلها رأيًا، وأجمعها رضًا، فاقطع بيزيد قالة٤ الكلام، ونخوة٥ المبطل، وشعث المنافق، واكبت٦ به الباذخ٧ المعادي، فإن ذلك ألم للشعث، وأسهل للوعث٨، فاعزم على ذلك، ولا تترامى بكل الظنون"
стр. 1193
٢٢٧- خطبة عبد الله بن مسعدة الفزاري:
ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به، إن الله قد آثرك بخلافته، واختصك بكرامته، وجعلك عصمة لأوليائه، وذا نكاية لأعدائه، فأصبحت بأنعمه جذلا،
стр. 1194
ولما حَمَّلك محتملا، يكشف الله تعالى بك العمى١، ويهدي بك العدا، ويزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة وأحقهم بالخلافة بعدك، قد ساس الأمور وأحكمته الدهور، ليس بالصغير الفهيه٢، ولا بالكبير السفيه، قد احتجن٣ المكارم وارتجي لحمل العظائم، وأشد الناس في العدو نكاية، وأحسنهم صنعا في الولاية، وأنت أغنى بأمرك، وأحفظ لوصيتك، وأحرز لنفسك، أسأل الله لأمير المؤمنين العافية في غير جهد٤، والنعمة في غير تغيير".
стр. 1195
٢٢٨- خطبة عمرو بن سعيد الأشدق:
فقال معاوية لعمرو بن سعيد الأشدق: قم يا أبا أمية، فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أما بعد: فإن يزيد بن معاوية أمل تأملونه، وأجل تأمنونه، طويل الباع، رحب الذراع، إن استضعفتم إلى حلمه وسعكم، وإن احتجتم إلى رأيه أرشدكم، وإن افتقرتم إلى ذات يده أغناكم، جَذَعٌ١ قارِحٌ٢،سوبق فسبق، وموجد فمجد، وقورع ففاز سهمه، فهو خلف أمير المؤمنين، ولا خلف منه". فقال له معاوية: "اجلس أبا أمية. فلقد أوسعت وأحسنت".
قال معاوية: "أوكلكم قد أجمع على هذا رأيه؟ " فقالوا: "كلنا قد أجمع رأيه على ما ذكرنا". قال: "فأين الأحنف؟ " فأجابه، قال: "ألا تتكلم؟ " فقام الأحنف.