← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الله عليه وسلم، ثم فاطمة في دينها وسابقتها؟ فأمك لعمر الله خير من أمه١، وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله، فقضى لأبيه على أبيك". فقال الحسين: "حسبك جهلك، آثرت العاجل على الآجل". فقال معاوية: "وأما ما ذكرت من أنك خيرٌ من يزيدَ نفسًا، فيزيدُ والله خيرٌ لأمةِ محمدٍ منك". فقال الحسينُ: "هذا هو الإفك والزور! يزيدُ شاربُ الخمرِ، ومشتري اللهو خيرٌ مني! " فقال معاوية: "مهلا عن شتمِ ابنِ عمك؛ فإنك لو ذُكِرْتَ عنده بسوء لم يشتمك"، ثم التفتَ معاويةُ إلى الناس. وقال: "أيها الناس: قد علمتم أن رسولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ ولم يستخلفْ أحدًا، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، وكانت بيعتُهُ بيعةَ هدًى، فَعَمِلَ بكتاب الله وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن يستخلفَ عمرَ، فعمل عمرُ بكتاب الله وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفرٍ اختارَهم من المسلمين، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله ﷺ ، وصنع عمرُ ما لم يصنعه أبو بكر، كل ذلك يصنعونه نظرًا للمسلمين، فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد، لما وقع الناس فيه من الاختلاف. ونظرًا لهم بعين الإنصاف". وروي من طريق آخر: أن معاويةَ لما خرج إلى المدينة ودنا منها، استقبله أهلها، فيهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ فأقبل على عبد الرحمن بن أبي بكر، فَسَبَّهُ وقال: "لا مرحبًا بك ولا أهلا"؛ فلما دخل الحسينُ عليه قال: "لا مرحبًا بك ولا أهلا، بَدَنةٌ٢ يترقرق دمُها والله مُهَرِيقُه"؛ فلما دخل ابن الزبير قال: "لا مرحبًا بك ولا أهلا، ضبُّ تلعة٣، مدخلُ رأسِه تحت ذنَبِهِ"؛ فلما دخل عبد الله بن عمر قال: "لا مرحبًا بك ولا أهلا، وسَبَّهُ"، فقال:

стр. 1227

"إني لست بأهل لهذه المقالة" قال: "بلى، ولما هو شرٌّ منها" فدخل معاوية المدينة وأقام بها، وخرج هؤلاء الرهط معتمرين، فلما كان وقت الحج خرج معاوية حاجًّا، فأقبل بعضهم على بعض، فقالوا: لعله قد ندم، فأقبلوا يستقبلونه، فلما دخل ابن عمر، قال: "مرحبًا بصاحب رسول الله ﷺ وابن الفاروق، هاتوا لأبي عبد الرحمن دابة"، وقال لابن أبي بكر: "مرحبًا بشيخ قريش وسيدها وابن الصديق، هاتوا له دابة"، وقال لابن الزبير: "مرحبًا بابن حواريّ رسول الله صلى الله عله وسلم وابن عمته، هاتوا له دابة"، وقال للحسين: "مرحبًا بابن رسول الله ﷺ ، وسيد شباب المسلمين، قربوا لأبي عبد الله دابة، وجعلت ألطافُهُ١ تدخل عليهم ظاهرة يراها الناس، ويحسن إذنهم وشفاعتهم وحملهم على الدواب، وخرج حتى أتى مكة، فقضى حجة، ولما أراد الشخوص أمر بأثقاله فقدمت، وأمر بالمنبر فقرب من الكعبة، ثم أرسل إليهم، فاجتمعوا، وقال بعضهم لبعض: من يكلمه؟ فأقبلوا على الحسين فأبى، فقالوا لابن الزبير: هات، فأنت صاحبنا، قال: على أن تعطوني عهد الله أن لا أقول شيئًا إلا تابعتموني عليه، قالوا: لك ذلك، فأخذ عهودهم رجلا رجلا، فدخلوا عليه، فرحب بهم، وقال: قد علمتم نظري لكم، وتعطفي عليكم، وصلتي أرحامكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم، وإنما أردت أن أقدمه باسم الخلافة، وتكونوا أنتم تأمرون وتنهون، فسكتوا، فقال: أجيبوني، فسكتوا، فقال: أجيبوني، فسكتوا، فقال: لابن الزبير: هات؛ فأنت صاحبهم، قال:

стр. 1228

٢٥٠- خطبة عبد الله بن الزبير: "نخيرك بين إحدى ثلاث، أيها أخذت فهي لك رغبة، وفيها خيار؛ إن شئت فاصنع فينا ما صنعه رسول الله ﷺ ، قبضه الله ولم يستخلفْ أحدًا، فرأى

стр. 1229

المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، فدع هذا الأمر حتى يختار الناس لأنفسهم، وإن شئت فما صنع أبو بكر، عهد إلى رجل من قاصية قريش وترك من ولده ومن رهطه الأدنين من كان لها أهلا، وإن شئت، فما صنع عمر، جعلها شورى في ستة نفر من قريش يختارون رجلا منهم، وترك ولده وأهل بيته، وفيهم من لو وليها لكان لها أهلا". فقال معاوية: هل غير هذا؟ قال: لا، ثم قال للآخرين: ما عندكم؟ قالوا: نحن على ما قال ابن الزبير، فقال معاوية: "إني أتقدم إليكم، وقد أعذرَ من أنذرَ، إني قائمٌ قائلٌ مقالة، فإياكم أن تعترضوا علي حتى أتمها، فإن صدقتُ فعليَّ صدقي، وإن كذبتُ فعليَّ كذبي، وأقسم بالله لئن ردَّ عليَّ رجلٌ منكم كلمة في مقامي هذا، لا ترجع إليه كلمتُهُ، حتى يُضرَب رأسُه، فلا ينظر امرؤ منكم إلا إلى نفسه، ولا يبقي إلا عليها، وأمر أن يقوم على رأسِ كلِّ رجلٍ منهم رجلان بسيفيهما، فإن تكلم بكلمة يردُّ بها عليه قولَه قتلاه، وخرجَ وأخرجهم معه، حتى رقِيَ المنبرَ، وحفَّ به أهلُ الشام، واجتمع الناسُ، فقام خطيبًا فقال:

стр. 1230

٢٥١- خطبة معاوية: قال بعد حمد الله، والثناء عليه: إنا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار١، قالوا: إن حسينًا، وابن أبي بكر، وابن عمر، وابن الزبير لم يبايعوا ليزيد، وهؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا نبرم أمرًا دونهم، ولا نقضي أمرًا إلا عن مشورتهم، وإني دعوتهم، فوجدتهم سامعين مطيعين، فبايعوا، وسلموا، وأطاعوا". قال أهل الشام: وما يعظم من أمر هؤلاء؟ ائذن لنا، فنضرب أعناقهم، لا نرضى حتى يبايعوا علانية، فقال معاوية: سبحان الله! ما أسرع الناسُ إلى قريشٍ بالشرِّ،

стр. 1231

وأحلى دماءهم عندهم، أنصتوا فلا أسمع هذه المقالة من أحد، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوا ثم قربت رواحله، فركب ومضى، فقال الناس للحسين وأصحابه: قلتم: لا نبايع، فلما دعيتم وأرضيتم بايعتم. قالوا: لم نفعل. قالوا: بلى قد فعلتم وبايعتم، أفلا أنكرتم؟ قالوا: خفنا القتل وكادكم بنا وكادنا بكم. "العقد الفريد ٢: ٢٤٧-١٥٧، الإمامة والسياسة ١: ١٢١، ومروج الذهب ٢: ٦٩، والأمالي ٢: ٧٣، وذيل الأمالي ص١٧٧، وعيون الأخبار م٢ ص٢١٠، ١: ٩٥ والبيان والتبيين ١: ١٦٣-١٦٤".

стр. 1232

تهنئة وتعزية: ٢٥٢- خطبة عبد الله بن همام السلولي: لما توفي معاوية واستخلف يزيد ابنه "سنة ٦٠" اجتمع الناس على بابه، ولم يقدروا على الجمع بين تهنئة وتعزية، حتى أتى عبد الله بن همام السلولي، فدخل عليه، فقال: "يا أمير المؤمنين، آجرك الله على الرزية، وبارك لك في العطية، وأعانك على الرعية، فلقد رزئت عظيمًا، وأعطيت جسيمًا، فاشكر الله على ما أعطيت، واصبر له على ما رزيت، فقد فقدت خليفة الله، ومنحت خلافة الله، ففارقت جليلا، ووهبت جزيلا، إذ قضى معاوية نحبه، فغفر الله ذنبه، ووليت الرياسة، فأعطيت السياسة، فأوردك الله موارد السرور، ووفقك لصالح الأمور، وأنشد: فاصبر يزيدُ فقد فارقت ذا ثقة ... واشكر حباء الذي بالملك أصفاكا١ لا رزء أصبح في الأقوام نعلمه ... كما رزئت ولا عقبى كعقباكا أصبحت والِيَ أمر الناس كلهم ... فأنت ترعاهم والله يرعاكا وفي معاوية الباقي لنا خلف ... إذا نُعيتَ ولا نسمعْ بمنعاكا٢ "وعبد الله بن همام هو أول من فتح الباب في الجمع بين تهنئة وتعزية، فولجه الناس، كما روي من غير وجه". "زهر الآداب ١: ٦١، ونهاية الأرب ٥: ٢١٥، وتهذيب الكامل ١: ١٦، والعقد الفريد ٢: ٣٥-١٤١-٢٥٠، ومروج الذهب ٢: ٩٣، والبيان والتبيين ٢: ٦٦".

стр. 1233

٢٥٣- خطبة عطاء بن أبي صيفي الثقفي: وروى المسعودي أن يزيد بعد موت أبيه أذن للناس، فدخلوا عليه لا يدرون أيهنئونه أم يعزونه، فقام عطاء بن أبي صيفي، فقال: "السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، أصبحت وقد رزئت خليفة الله وأعطيت خلافة الله، ومنحت هبة الله، وقد قضى معاوية نحبه، فغفر الله له ذنبه، وأعطيت بعده الرياسة، ووليت السياسة، فاحتسب١ عند الله أعظم الرزية، واحمده علي أفضل العطية". "مروج الذهب ٢: ٩٣، والبيان والتبيين ٢: ١٠٢،تهذيب الكامل ١: ١٦، وصبح الأعشى ٩: ٢٧٨، "والعقد الفريد ٢: ٣٥".

стр. 1234

٢٥٤- خطبة عبد الله بن مازن: ثم قام عبد الله بن مازن، فقال: "السلام عليك يا أمير المؤمنين، رزئت خير الآباء وسميت خير الأسماء، ومنحت أفضل الأشياء، فهناك الله بالعطية، وأعانك على الرعية، فقد أصبحت قريش مفجوعة ببعد ساستها، مسرورة بما أحسن الله إليها من الخلافة بك، والعقب من بعده، ثم أنشأ يقول: الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها عنك فيأبى الله إلا سوقها ... إليك، حتى قلدوك طوقها ثم قام عبد الله بن همام فخطب خطبته السالفة. "مروج الذهب ٢: ٩٣"

стр. 1235

٢٥٥- خطبة غيلان بن مسلمة الثقفي: وروى الجاحظ: أنه لما توفي عبد الملك، وجلس ابنه الوليد دخل عليه الناس وهم لا يدرون أيهنئونه أم يعزونه، فأقبل غيلان بن مسلمة الثقفي، فسلم عليه، ثم قال: "يا أمير المؤمنين، أصبحت قد رزئت خير الآباء، وسميت خير الأسماء، وأعطيت أفضل الأشياء، فعظم الله لك على الرزية الصبر، وأعطاك في ذلك نوافل١ الأجر، وأعانك على حسن الولاية والشكر، ثم قضى عبد الملك٢ بخير القضية، وأنزله بأشرف المنازل المرضية، وأعانك من بعده على الرعية". "البيان والتبيين ٢: ١٠٣".

стр. 1236

خطب ولاة الأمويين وقوادهم خطبته بفارس وقد كتب إليه معاويه يتهدده ... خطب ولاة الأمويين وقوادهم خطب زياد بن أبيه المتوفى سنة ٥٣: ٢٥٦- خطبته بفارس وقد كتب إليه معاوية يتهدده: كان الإمام علي ﵇ ولى زيادًا فارس -أو بعض أعمال فارس- فضبطها ضبطًا صالحًا، وجبى خراجها وحماها، فلما قُتِل الإمام بقي زيادٌ في عمله، وخاف معاوية جانبه، وعلم صعوبة ناحيته، وأشفق من ممالأته الحسن بن علي، ﵇، فكتب إليه يتهدده١، فغضب زياد غضبًا شديدًا، وجمع الناس، وصعد المنبر، فحمد الله، ثم قال: "العجب من ابن آكلة الأكباد٢، وقاتلة أسد الله، ومظهر الخلاف، ومسرِّ النفاق، ورئيس الأحزاب، ومن أنفق ماله في إطفاء نور الله، كتب إلي يرعد ويبرق٣

стр. 1237

عن سحابة جفل١ لا ماء فيها، وعما قليل تصيرها الرياح قزعًا٢، والذي يدلني على ضعفه تهدده قبل القدرة، أفمن إشفاق علي تنذر وتعذر؟ كلا، ولكن ذهب إلى غير مذهب، وقعقع٣ لمن رَوِيَ بين صواعق تهامة٤، كيف أرهبه وبيني وبينه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، وابن ابن عمه في مائة ألف من المهاجرين والأنصار؟ والله لو أذن فيه أو ندبني إليه، لأرينه الكواكب نهارًا، ولأسعطنه٥ ماء الخردل دونه، الكلام اليوم، والجمع غدًا، والمشورة بعد ذلك إن شاء الله" ثم نزل. "شرح ابن أبي الحديد م٤ ص٦٨، وتاريخ الطبري ٦: ٩٧".

стр. 1238

٢٥٧- خطبته وقد بعث معاوية إليه المغيرة بن شعبة يستقدمه: وكتب إلى معاوية يرد عليه ردًّا شديد اللهجة١، فغم ذلك معاوية وأحزنه، وأوفد إليه المغيرة بن شعبة بكتاب يتلطف به فيه ويستدنيه منه، ويستلحقه بنسب أبيه

стр. 1239

أبي سفيان١، وجعل المغيرة يترفق به، وينصح له أن يصل حبله بحبله، ولا يقطع رحمه، فتريث زياد يومين أو ثلاثة يروي في أمره، ثم جمع الناس، فصعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس: ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم، ارغبوا إلى الله في دوام العافية لكم، فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان، وفكرت فيهم، فوجدتهم كالأضاحي. في كل عيد يذبحون، ولقد أفنى هذان اليومان: يوم الجمل وصفين ما ينيف على مائة ألف، كلهم يزعم أنه طالب حق، وتابع إمام، وعلى بصيرة من أمره، فإن كان الأمر هكذا، فالقاتل والمقتول في الجنة، كلا: ليس كذلك ولكن أشكل الأمر، والتبس على القوم، وإني لخائف أن يرجع الأمر كما بدأ، فكيف لامرئ بسلامة دينه، وقد نظرت في أمر الناس، فوجدت أحمد العاقبتين العافية، وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته ومغبته، فقد حمدت طاعتكم إن شاء الله" ثم نزل. وكتب إلى معاوية يستوثق منه٢، فأعطاه معاوية جميع ما سأله، وكتب إليه بخط يده ما وثق به، فدخل إليه الشام، فقربه وأدناه، وأقره على ولايته، ثم استعمله على العراق. "شرح ابن أبي الحديد م٤: ٦٩"

стр. 1240

٢٥٨- خطبته وقد استلحقه معاوية: ولما أراد معاوية استلحاق زياد، وقد قدم عليه الشام، جمع الناس وصعد المنبر، وأصعد زيادًا معه؛ فأجلسه بين يديه على المرقاة١ التي تحت مرقاته، وحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس: إني قد عرفت نسبنا أهل البيت في زياد، فمن كان عنده شهادة فليقم بها"، فقام ناس، فشهدوا أنه ابن أبي سفيان، وأنهم سمعوا ما أقر به قبل موته٢؛ فلما انقضى كلام معاوية ومناشدته، قام زياد وأنصت الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:

стр. 1241

"أيها الناس: هذا أمر لم أشهد أوله، ولا علم لي بآخره، وقد قال أمير المؤمنين ما بلغكم، وشهدت الشهود بما سمعتم؛ فالحمد لله الذي رفع منا ما وضع الناس، وحفظ منا ما ضيعوا، فأما عبيد فإنما هو والد مبرور، أو ربيب١ مشكور" ثم نزل. "شرح ابن أبي الحديد ٤: ص٧٠، والعقد الفريد ٢: ١٥١، ٣: ٣، ومروج الذهب ٢: ٥٦، وذيل الأمالي ص١٨٩"

стр. 1242

خطبته حين ولى البصرة ... ٢٥٩- خطته حين ولي البصرة "وهي البتراء" وقدم زياد البصرة "غرة جمادى الأولى سنة ٤٥هـ" واليًا لمعاوية بن أبي سفيان، وضم إليه خراسان وسجستان، والفسق بالبصرة كثير فاش ظاهر؛ فخطب خطبة بتراء لم يحمد الله فيها، وقيل بل قال: "الحمد لله على إفضاله وإحسانه، ونسأله المزيد من نعمه وإكرامه. اللهم كما زدتنا نعمًا فألهمنا شكرًا" أما بعد: فإن الجهالة الجهلاء١، والضلالة العمياء، والغي الموفى بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم٢، من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى عنها الكبير، كأنكم لم تقرءوا كتاب الله، ولم تسمعوا

стр. 1243

ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته، في الزمن السرمدي١ الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت٢ عينَه الدنيا، وسدت مسامعُه الشهواتُ، واختار الفانيةَ على الباقيةِ، ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدثَ الذي لم تسبقوا إليه، من ترككم للضعيف يُقهر ويؤخذ مالُه، هذه المواخير٣ المنصوبة، والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر، والعددُ غيرُ قليل، ألم يكن منكم نُهاةٌ، تمنعُ الغُوَاةَ٤ عن دَلَج٥ الليل، وغارةِ النهار؟ قربتم القرابة، وباعدتم الدين! تعتذرون بغير العذر، وتغضون على المختلس، كل امرئ منكم يذب٦ عن سفيه، صنيعَ من لا يخاف عاقبة ولا يرجو معادًا، ما أنتم بالحلماء، ولقد اتبعتم السفهاء؛ فلم يزل بكم ما ترون من قيامكم دونهم، حتى انتهكوا حرم٧ الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم، كُنُوسًا في مكانسِ الرِّيب٨ حرامٌ عليَّ الطعام والشراب، حتى أسويها بالأرض هدمًا وإحراقًا. إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف،

стр. 1244

وشدة في غير عنف، وإني أقسم بالله لآخذن الولي١ بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه، فيقول: "انج سعد فقد هلك سعيد٢" أو تستقيم لي قناتكم، إن كذب المنبر بلقاء٣ مشهورة، فإذا تعلقتم علَيّ بكذبة فقد حلت لكم معصيتي٤، فإذا سمعتموها مني فاغتمزوها٥ في، واعلموا أن عندي أمثالها، من نقب منكم عليه فأنا ضامن لما ذهب منه٦ فإياي ودلج الليل، فإني لا أوتى بمدلج إلا سفكت دمه، وقد أجلتكم في ذلك بمقدار ما يأتي الخبرُ الكوفة ويرجعُ إليكم٧، وإياي ودعوى الجاهلية٨، فإني لا أجد أحدًا دعا بها إلا قطعتُ لسانه، وقد أحدثتم أحداثًا لم تكن، وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة، فمن غَرَّقَ قومًا غرقناه، ومن أحرق قومًا أحرقناه، ومن نقب

стр. 1245

بيتًا نقبنا عن قلبه، ومن نبش قبرًا دفناه حيًّا فيه، فكفوا عني أيدكم وألسنتكم، أكفف عنكم يدي ولساني، ولا تظهر من أحد منكم ريبة بخلاف١ ما عليه عامتكم إلا ضربت عنقه، وقد كانت بيني وبين أقوام إحن٢؛ فجعلت ذلك دَبْرَ أذني٣ وتحت قدمي، فمن كان منكم محسنًا فليزدد إحسانًا، ومن كان منكم مسيئًا فلينزع عن إساءته، إني لو علمت أن أحدكم قد قتله السلُّ من بغضي لم أكشف له قناعًا، ولم أهتك له سترًا، حتى يبدي لي صفحته٤، فإذا فعل ذلك لم أناظره، فاستأنفوا أموركم، وأعينوا على أنفسكم، فرب مبتئس بقدومنا سيُسرُّ، ومسرورٌ بقدومنا سيبتئس. أيها الناس: إنا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا٥؛ فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت عنه، فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبًا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا عطاء ولا رزقًا عن إبانة٦، ولا مجمرًا٧ لكم بعثًا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم؛ فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا له حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرًّا لكم. أسأل الله أن يعين كلا على كل، وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر، فأنفذوه على

стр. 1246

أذلاله١، وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة؛ فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي". فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: "أشهد أيها الأمير لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب"، فقال له: "كذبت ذاك نبي الله داود صلوات الله عليه؛ فقام الأحنف بن قيس، فقال: "إنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وإنا لن نثني حتى نبتلى" فقال له زياد: صدقت، فقام أبو بلال مرداس٢ بن أدية وهو يهمس ويقول: أنبأنا الله بغير ما قلت. قال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ وأنت تزعم أنك تأخذ البريء بالسقيم، والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر، فسمعها زياد، فقال: "إنا لا نبلغ ما نريد فيك وفي أصحابك حتى نخوض إليكم الباطل خوضًا". "البيان والتبيين ٢: ٢٩، والعقد الفريد ٢: ١٥٠، وصبح الأعشى ١: ٢١٦، وتاريخ الطبري ٦: ١٢٤، والكامل لابن الأثير ٣: ٢٢٦، وشرح ابن أبي الحديد م٤: ص٥٧، وعيون الأخبار م٢: ص٢٤١، وذيل الأمالي ١٨٨".

стр. 1247

٢٦٠- خطبته بالكوفة وقد ضمت إليه: ولما مات المغيرة بن شعبة أمير الكوفة سنة ٥٠هـ، ضم معاوية الكوفة إلى زياد؛ فكان أول من جمع له الكوفة والبصرة١، فاستخلف على البصرة، وشخص إلى الكوفة فأتاها، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن هذا الأمر أتاني وأنا بالبصرة، فأردت أن أشخص إليكم في ألفين من شرطة

стр. 1248

البصرة، ثم ذكرت أنكم أهل حق، وأن حقكم طالما دفع الباطل، فأتيتكم في أهل بيتي؛ فالحمد لله الذي رفع مني ما وضع الناس، وحفظ مني ما ضيعوا، حتى فرغ من الخطبة١". "تاريخ الطبري ٦: ١٣١"

стр. 1249

٢٦١- خطبة أخرى له بالكوفة وروى الطبري أيضًا قال: "فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان، فأقبل حتى دخل القصر بالكوفة ثم صعد المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإنا قد جُرِّبنا وجَرَّبنا، وسُسْنا وساسنا السائسون، فوجدنا هذا الأمر لا يصلح آخره إلا بما صلح أوله، بالطاعة اللينة المشبه سرُّها بعلانيتها، وغيبُ أهلها بشاهدِهم، وقلوبهم بألسنتهم، ووجدنا الناس لا يصلحهم إلا لينٌ في غير ضعف، وشدةٌ في غير عنف، وإني والله لا أقوم فيكم بأمر إلا أمضيته على أذلاله، وليس من كذبةٍ الشاهد عليها من الله والناس أكبر من كذبةِ إمامٍ على المنبر، ثم ذكر عثمان وأصحابه فقرَّظهم، وذكر قَتَلَته ولعنهم". "تاريخ الطبري ٦: ١٤٢"

стр. 1250

٢٦٢- خطبته بالكوفة يتهدد الشيعة وكان زياد قد ولَّى الكوفة عمرو بن الحريث، ورجع إلى البصرة؛ فبلغه أن حجر بن عدي يجتمع إليه شيعةُ علي، ويظهرون لعن معاوية والبراءة منه، وأنهم

стр. 1251

حصبوا عمر بن الحريث؛ فشخص إلى الكوفة، حتى دخلها، فأتى القصر، ثم خرج فصمد المنبر، وعليه قباء سندس، ومطرف خزّ أخضر قد فرق شعره، وحجرٌ جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد: فإن غِبَّ البغيّ والغيّ وخيمٌ، إن هؤلاء جموا١ فأشروا، وأَمِنُونِي فاجترءوا عليّ، وايم الله لئن لم تستقيموا لأدواينكم بدوائكم، وقال: ما أنا بشيء إن لم أمنع باحة٢ الكوفة من حجر، وأدعه نكالًا لمن بعده، ويل أمك يا حجر، سقط العَشَاء بك على سرحان٣". "تاريخ الطبري ٦: ١٤٣"

стр. 1252

٢٦٣- خطبة أخرى له: وخطب زياد فقال: "استوصوا بثلاثة منكم خيرًا: الشريف والعالم والشيخ؛ فوالله لا يأتيني شيخ بشاب قد استخف به إلا أوجعته، ولا يأتيني عالمٌ بجاهل استخف به إلا نكلت به، ولا يأتيني شريفٌ بوضيع استخف به إلا انتقمت له منه". "البيان والتيين ٢: ٧٣، والعقد الفريد ٢: ١٥١: شرح ابن أبي الحديد م٤ ص٧٤"

стр. 1253

خطبة ثالثة له ... ٢٦٤- خطبة أخرى: وخطب على المنبر فقال: "أيها الناس: لا يمنعكم سوء ما تعلمون منا أن تنتفعوا بأحسن ما تسمعون منا، فإن الشاعر يقول: اعمل بقولي وإن قصرت في عملي ... ينفعك قولي ولا يضررك تقصيري

стр. 1254

٢٦٥- وصية لزياد: وروى الجاحظ عن عمرو بن عبيد أنه قال: كتب عبد الملك بن مروان وصية زياد، وأمر الناس بحفظها وتدبر معانيها وهي: "إن الله جعل لعباده عقولًا عاقبهم بها على معصيته، وأثابهم بها على طاعته؛ فالناس بين محسن بنعمة الله عليه، ومسيء بخذلان الله إياه، ولله النعمة على المحسن، والحجة على المسيء، فما أولى من نمَّت عليه النعمة في نفسه ورأى العبرة في غيره بأن يضع الدنيا بحيث وضعها الله، فيعطي ما عليه منها، ولا يتكثر بما ليس له منها، فإن الدنيا دارُ فناء، ولا سبيل إلى بقائها، ولا بد من لقاء الله، فأحذركم الله الذي حذركم نفسه، وأوصيكم بتعجيل ما أخرته العَجَزَةُ، قبل أن تصيروا إلى الدار التي صاروا إليها، فلا تقدرون على توبة، وليس لكم منها أَوبة، وأنا أستخلف الله عليكم، وأستخلفه منكم". قال الجاحظ: وقد روي هذا الكلام عن الحجاج، وزياد أحق به منه. "البيان والتبيين ١: ٢٠٦"

стр. 1255

٢٦٦- ما كان يقوله لمن ولاه عملًا: وكان زيادًا إذا ولى رجلًا عملًا قال له: "خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروفٌ رأس سَنَتِك، وأنك تصير إلى أربع خلال؛ فاختر لنفسك، إنا إن وجدناك أمينًا ضعيفًا، استبدلنا بك لضعفك، وسلَّمَتْك من معرتِنا أمانتُك، وإن وجدناك قويًّا خائنًا استهنا وتك، وأوجعنا ظهرك ثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين؛ جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك أمينًا قويًّا؛ زدنا في عملك، ورفعنا ذكرك، وكثرنا مالك، وأوطأنا عقبك".

стр. 1256

٢٦٧- خطبة الضحاك بن قيس الفهري بالكوفة "قتل سنة ٦٤هـ": ١ وخطب الضحاكُ بن قيس الفهري على منبر الكوفة – وقد كان بَلَغَه أن قومًا من أهلها يشتمون عثمان ويبرءون منه، فقال: "بلغني أن رجالًا منكم ضُلالًا يشتمون أئمة الهدى، ويعيبون أسلافنا الصالحين، أما والذي ليس له نِدٌّ ولا شريكٌ، لئن لم تنتهوا عما يبلغني عنكم؛ لأضعن فيكم سيف زياد، ثم لا تجدونني ضعيف السورة٢، ولا كليل الشفرة٣، أما إني لصاحبكم الذي أغرت على بلادكم٤؛ فكنت أول من غزاها في الإسلام، وشرب من ماء الثعلبية

стр. 1257

ومن شاطئ الفرات، أعاقب من شئتُ، وأعفو عمن شئتُ، لقد ذَعَرتُ المخدرات في خدورهن، وإن كانت المرأة ليبكي ابنها فلا ترهبه ولا تسكته إلا بذكر اسمي؛ فاتقوا الله يا أهل العراق، أنا الضحاك بن قيس، أنا أبو أنيس، أنا قاتل عمرو بن عميس". فقام إليه عبد الرحمن بن عبيد، فقال: "صدق الأمير، وأحسن القول! ما أعرفنا والله بما ذكرتَ! ولقد لقيناك بغربيّ تدمر فوجدناك شجاعًا مجرِّبًا صبورًا١! ". ثم جلس، وقال: أيفخر علينا بما صنع ببلادنا أول ما قدم؟ وايم الله لأذكرنه أبغض مواطنه إليه؛ فسكت الضحاك قليلا، وكأنه خَزِيَ واستحيا، ثم قال: نعم، كان ذلك اليوم بأَخَرَة٢ -بكلام ثقيل- ثم نزل. "شرح ابن أبي الحديد ١: ١٥٥"

стр. 1258

٢٦٨- خطبته عند موت معاوية: ولما مات معاوية "سنة ٦٠هـ" خرج الضحاك بن قيس الفهري -وكان صاحب شرطته- حتى صعد المنبر، وأكفان معاوية على يديه تلوح؛ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن معاوية كان عمود العرب، وحد العرب، قطع الله به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات، فهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين عمله، ثم هو في البرزخ١ إلى يوم القيامة؛ فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحصرْ عند الأولى٢". "تاريخ الطبري ٦: ١٨٢، والعقد الفريد ٢: ٢٥٠"

стр. 1259

٢٦٩- خطبة النعمان بن بشير بالكوفة "قتل سنة ٦٤هـ": ١ خطب النعمان بن بشير على منبر الكوفة، فقال: "يا أهل الكوفة: إني والله ما وجدت مثلي ومثلكم إلا الضبع والثعلب، أتيا الضب في جحره؛ فقالا: أبا الحسل٢. قال: أجبتكما. قالا: جئناك نختصم. قال: في بيته يؤتى الحكم. قالت الضبع: فتحت عيني. قال: فعل النساء فعلت. قالت: فلقطت تمرة. قال: حلوًا اجتنيت قالت: فاختطفها ثمالة٣. قال: لنفسه بغى الخير. قالت: فلطمته لطمة قال: حقًّا قضيت. قالت؛ فلطمني أخرى. قال: كان حرًّا فانتصر. قالت: فاقضِ الآن بيننا. قال: حَدِّثْ حديثين امرأة، فإن لم تفهم فأربعة٤". "العقد الفريد ١: ٢٦٩-٢: ١٥٨، ومجمع الأمثال للميداني ٢: ١٣"

стр. 1260

٢٧٠- خطبة عبيد الله بن زياد بن أبيه بين يدي معاوية "قتل سنة ٦٧هـ": قدم عبيد الله بن زياد على معاوية بعد هلالك زياد، جعل يتصدى منه بخلوة، ليسبر من رأيه ما كره أن يُشْرَكَ في علمه؛ فاستأذن عليه بعد انصداع الطلاب، واشتغال الخاصة، وافتراق العامة، وهو يوم معاوية الذي كان يخلو فيه بنفسه، ففطن معاوية لما أراد، فبعث إلى ابنه يزيد وإلى مروان بن الحكم وإلى سعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحكم، وعمرو بن العاص، فلما أخذوا مجالسهم أذن له، فسلم ووقف واجمًا يتصفح وجوه القوم. ثم قال: "صريح العقوق مكاتمة الأدنَيْنَ، لا خير في اختصاص وإن وَفَر، أحمد الله إليكم على الآلاء١، وأستعينه على اللأواء٢، وأستهديه من عمى مجهد، وأستعينه على عدو مرصد٣، وأشهد أن لا إله إلا الله المنقذ بالأمين الصادق من شفا جرف هار٤، ومن بَدٍّ غارٍ٥، وصلوات الله على الزكي نبي الرحمة، ونذير الأمة، وقائد الهدى، أما بعد يا أمير المؤمنين: فقد عسف بنا ظنٌ فرَّع٦، وفذعٌ٧ صدَّع، حتى طمع السحيقُ٨، وبئس الرفيقُ، ودبَّ الوشاةُ بموت زياد، فكلهم مستحقِر٩

стр. 1261

للعداوة، وقد قلص الآزرة١، وشمر عن عطافه٢ ليقول: مضى زياد بما استلحق به، ودل على الأناة٣ من مستلحقه؛ فليت أمير المؤمنين سلم في دعته٤، وأسلم٥ زيادًا في ضيعته؛ فكان ترب٦ عامته، وأحد رعيته، فلا تشخص٧ إليه عين ناظرة، ولا إصبع مشير، ولا تندلق٨ عليه ألسنٌ كلمته حيًّا، ونَبَشَته ميتًا؛ فإن تكن يا أمير المؤمنين حابيت زيادًا بأول رفات، ودعوة أموات، فقد حاباك زياد بحد هصور، وعزم جسور، حتى لانت شكائم الشرِس، وذلت صعبة الأشوس٩، وبذل لك يا أمير المؤمنين يمينه ويساره، تأخذ بهما المنيع، وتقهر بهما البديع، حتى مضى والله يغفر له، فإن يكن أخذ بحق أنزله منازل الأقربين، فإن لنا بعده ما كان له، بدالة الرحم، وقرابة الحميم؛ فما لنا يا أمير المؤمنين نمشي الضراء١٠، ونشتف النضار١١؟ ولك من خيرنا أكمله، وعليك من حوبنا١٢ أثقله، وقد شهد القوم، وما ساءني قربهم ليقروا حقًّا، ويردوا باطلًا؛ فإن للحق منارًا واضحًا. وسبيلًا قصدًا١٣. فقل يا أمير المؤمنين بأي أمريك شئت، فما نأرِزُ١٤ على غير جُحْرِنا، ولا نستكثر بغير حقنا، وأستغفر الله لي ولكم".

стр. 1262

٢٧١- رد معاوية على ابن زياد: فنظر معاوية في وجوه القوم كالمتعجب، فتصفحهم بلحظه رجلًا رجلًا وهو مبتسم، ثم اتجه تلقاءه، وعقد حبوته١، وحسر عن يده، وجعل يومي بها، ثم قال معاوية: "الحمد لله على ما نحن فيه، فكل خير منه. وأشهد أن لا إله إلا الله؛ فكل شيء خاضع له، وأن محمدًا عبده ورسوله، دلَّ على نفسه بما بان عن عجز الخلق أن يأتوا بمثله؛ فهو خاتم النبيين، ومصدق المرسلين، وحجة رب العالمين، صلوات الله عليه وبركاته؛ أما بعد: فرب خير مستور، وشرٍّ مذكور، وما هو إلا السهم الأخيب لمن طار به، والحظ المُرْغِب لمن فاز به، فيهما التفاضل وفيهما التغابن، وقد صفقت٢ يداي في أبيك صفقة ذي الخلة من رواضع الفُصْلان، عَامَلَ اصطناعي٣ له بالكفر لما أوليته؛ فما رميتُ به إلا انتصلَ٤، ولا انتضيتُهُ٥ إلا غلق جفنه، ولزَّت٦ لسعتُهُ، ولا قلت إلا عانَدَ، ولا قمت إلا قعد، حتى اخترمه٧ الموت، وقد أوقع بختره٨، ودل على حقده، وقد كنت رأيت في أبيك رأيا حضره الخطل، والتبس به الزلل؛ فأخذ مني بحظ الغفلة، وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء،

стр. 1263

فما برحت هنات١ أبيك تحطب في حبل القطيعة؛ حتى انتكث٢ المُبرَم، وانحل عقد الوداد، فيا لها توبةً تُؤتَنَف٣ من حوبة أورثت ندمًا، أسمع بها الهاتف، وشاعت للشامت؛ فليهنأ٤ الواشم ما به احتقر، وأراك تحمد من أبيك جِدًّا وجسورًا٥ هما أوفيا به على شرف التقحم٦، وغبط النعمة، فدعهما فقد أذكرتنا منه ما زهدنا فيك من بعده، وبها مشيت الضراء، واشتففت النضار، فاذهب، إليكَ، فأنت نجلُ الدَّغَل٧، ونثر النَّغَل٨، والأجر شرٌّ".

стр. 1264

٢٧٢- مقال يزيد بن معاوية: فقال يزيد: "يا أمير المؤمنين إن للشاهد غيرَ حكم الغائب، وقد حضرك زيادٌ، وله مواطنُ معدودة بخير، لا يفسدها التظني١، ولا تغيرها التهم، وأهلوه أهلوك التحقوا بك، وتوسطوا شأنك؛ فسافرت به الركبان، وسمعت به أهل البلدان، حتى اعتقده الجاهل، وشك فيه العالم، فلا تتحجر٢ يا أمير المؤمنين ما قد اتسع، وكثرت فيه الشهادات، وأعانك عليه قوم آخرون". فانحرف معاوية إلى من معه، فقال: هذا وقذ٣ نفسه ببيعته، وطعن في إمرته، يعلم ذلك كما أعلمه، يا للرجال من آل أبي سفيان! لقد حكموا وبذهم٤ يزيد وحده،

стр. 1265

ثم نظر إلى عبيد الله، فقال: يابن أخي، إني لأعرف بك من أبيك، وكأني بك في غمرة لا يخطوها١ السابح؛ فالزم ابن عمك، فإن لما قال حقًّا، فخرجوا ولزم عبيد الله يزيد يرد مجلسه، ويطأ عقبه أيامًا، حتى رمى به معاوية إلى البصرة واليًا عليها٢.
следующие страницы →