← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

للعداوة، وقد قلص الآزرة١، وشمر عن عطافه٢ ليقول: مضى زياد بما استلحق به، ودل على الأناة٣ من مستلحقه؛ فليت أمير المؤمنين سلم في دعته٤، وأسلم٥ زيادًا في ضيعته؛ فكان ترب٦ عامته، وأحد رعيته، فلا تشخص٧ إليه عين ناظرة، ولا إصبع مشير، ولا تندلق٨ عليه ألسنٌ كلمته حيًّا، ونَبَشَته ميتًا؛ فإن تكن يا أمير المؤمنين حابيت زيادًا بأول رفات، ودعوة أموات، فقد حاباك زياد بحد هصور، وعزم جسور، حتى لانت شكائم الشرِس، وذلت صعبة الأشوس٩، وبذل لك يا أمير المؤمنين يمينه ويساره، تأخذ بهما المنيع، وتقهر بهما البديع، حتى مضى والله يغفر له، فإن يكن أخذ بحق أنزله منازل الأقربين، فإن لنا بعده ما كان له، بدالة الرحم، وقرابة الحميم؛ فما لنا يا أمير المؤمنين نمشي الضراء١٠، ونشتف النضار١١؟ ولك من خيرنا أكمله، وعليك من حوبنا١٢ أثقله، وقد شهد القوم، وما ساءني قربهم ليقروا حقًّا، ويردوا باطلًا؛ فإن للحق منارًا واضحًا. وسبيلًا قصدًا١٣. فقل يا أمير المؤمنين بأي أمريك شئت، فما نأرِزُ١٤ على غير جُحْرِنا، ولا نستكثر بغير حقنا، وأستغفر الله لي ولكم".

стр. 1262

٢٧١- رد معاوية على ابن زياد: فنظر معاوية في وجوه القوم كالمتعجب، فتصفحهم بلحظه رجلًا رجلًا وهو مبتسم، ثم اتجه تلقاءه، وعقد حبوته١، وحسر عن يده، وجعل يومي بها، ثم قال معاوية: "الحمد لله على ما نحن فيه، فكل خير منه. وأشهد أن لا إله إلا الله؛ فكل شيء خاضع له، وأن محمدًا عبده ورسوله، دلَّ على نفسه بما بان عن عجز الخلق أن يأتوا بمثله؛ فهو خاتم النبيين، ومصدق المرسلين، وحجة رب العالمين، صلوات الله عليه وبركاته؛ أما بعد: فرب خير مستور، وشرٍّ مذكور، وما هو إلا السهم الأخيب لمن طار به، والحظ المُرْغِب لمن فاز به، فيهما التفاضل وفيهما التغابن، وقد صفقت٢ يداي في أبيك صفقة ذي الخلة من رواضع الفُصْلان، عَامَلَ اصطناعي٣ له بالكفر لما أوليته؛ فما رميتُ به إلا انتصلَ٤، ولا انتضيتُهُ٥ إلا غلق جفنه، ولزَّت٦ لسعتُهُ، ولا قلت إلا عانَدَ، ولا قمت إلا قعد، حتى اخترمه٧ الموت، وقد أوقع بختره٨، ودل على حقده، وقد كنت رأيت في أبيك رأيا حضره الخطل، والتبس به الزلل؛ فأخذ مني بحظ الغفلة، وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء،

стр. 1263

فما برحت هنات١ أبيك تحطب في حبل القطيعة؛ حتى انتكث٢ المُبرَم، وانحل عقد الوداد، فيا لها توبةً تُؤتَنَف٣ من حوبة أورثت ندمًا، أسمع بها الهاتف، وشاعت للشامت؛ فليهنأ٤ الواشم ما به احتقر، وأراك تحمد من أبيك جِدًّا وجسورًا٥ هما أوفيا به على شرف التقحم٦، وغبط النعمة، فدعهما فقد أذكرتنا منه ما زهدنا فيك من بعده، وبها مشيت الضراء، واشتففت النضار، فاذهب، إليكَ، فأنت نجلُ الدَّغَل٧، ونثر النَّغَل٨، والأجر شرٌّ".

стр. 1264

٢٧٢- مقال يزيد بن معاوية: فقال يزيد: "يا أمير المؤمنين إن للشاهد غيرَ حكم الغائب، وقد حضرك زيادٌ، وله مواطنُ معدودة بخير، لا يفسدها التظني١، ولا تغيرها التهم، وأهلوه أهلوك التحقوا بك، وتوسطوا شأنك؛ فسافرت به الركبان، وسمعت به أهل البلدان، حتى اعتقده الجاهل، وشك فيه العالم، فلا تتحجر٢ يا أمير المؤمنين ما قد اتسع، وكثرت فيه الشهادات، وأعانك عليه قوم آخرون". فانحرف معاوية إلى من معه، فقال: هذا وقذ٣ نفسه ببيعته، وطعن في إمرته، يعلم ذلك كما أعلمه، يا للرجال من آل أبي سفيان! لقد حكموا وبذهم٤ يزيد وحده،

стр. 1265

ثم نظر إلى عبيد الله، فقال: يابن أخي، إني لأعرف بك من أبيك، وكأني بك في غمرة لا يخطوها١ السابح؛ فالزم ابن عمك، فإن لما قال حقًّا، فخرجوا ولزم عبيد الله يزيد يرد مجلسه، ويطأ عقبه أيامًا، حتى رمى به معاوية إلى البصرة واليًا عليها٢.

стр. 1266

٢٧٣- وصية المهلب بن أبي صفرة لأبنائه عند موته: ١ روى الطبري قال: لما كان المهلب بن أبي صفرة بزاغول من مرو الروذ "من خراسان" أصابتها الشوصة٢ "وقوم يقولون الشوكة٣" فدعا حبيبًا ومن حضره من ولده، ودعا بسهام فحزمت، وقال: أترونكم كاسريها مجتمعة؟ قالوا: لا. قال: أفترونكم كاسريها متفرقة؟ قالوا: نعم. قال فهكذا الجماعة، فأوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإن صلة الرحم تُنْسِئُ٤ في الأجل، وتثري المال، وتكثر العدد، وأنهاكم عن القطيعة فإن القطيعة تعقب النار، وتورث الذلة والقلة، تباذلوا وتواصلوا تحابوا، واجمعوا أمركم ولا تختلفوا، وتباروا تجتمع أموركم، إن بني الأم يختلفون؛ فكيف ببني العلات٥؟ وعليكم بالطاعة والجماعة، ولتكن فعالكم أفضل من قولكم، فإني أحب للرجل أن يكون لعمله فضل على لسانه، واتقوا الجواب، وزلة اللسان، فإن الرجل تزل قدمه فينتعش من زلته، ويزل لسانه فيهلك، اعرفوا لمن يغشاكم حقَّه، فكفى بِغُدُوِّ

стр. 1267

الرجل ورواحه إليكم تذكرة له، وآثروا الجود على البخل، وأحبوا العرب، واصطنعوا العرب؛ فإن الرجل من العرب تَعِدُه العِدَةَ فيموت دونك، فكيف الصنيعة عنده؟ وعليكم في الحرب بالأناة والمكيدة، فإنها أنفع في الحرب من الشجاعة، وإذا كان اللقاء نزل القضاء، فإن أخذ رجل بالحزم فظهر على عدوه، قيل: أتى الأمر من وجهه، ثم ظفر فحمد، وإن لم يظفر بعد الأناة، قيل: ما فرط ولا ضيع، ولكن القضاء غالب، وعليكم بقراءة القرآن، وتعليم السنن وأدب الصالحين. وإياكم والخِفَّةَ وكثرة الكلام في مجالسكم، وقد استخلفت عليكم يزيد، وجعلت حبيبًا على الجند، حتى يقدم بهم على يزيد؛ فلا تخالفوا يزيد" فقال له المفضل: لو لم تقدمه لقدمناه. "تاريخ الطبري ٨: ١٩، ونهاية الأرب ٧: ٢٤٩، والبيان والتبيين ٢: ٩٨". وعهد إلى ولده يزيد؛ فكان من جملة ما قال له: "يا بُنَيَّ، استعقِلْ الحاجبَ، واستظرف الكاتبَ، فإن حاجبَ الرجلِ وجهُهُ، وكاتبه لسانه"، وكان يقول لبنيه: "يا بَنِيّ أحسْنُ ثيابِكُم ما كان على غيرِكُم". ومن كلماته المأثورة قوله: "الحياة خيرٌ من الموت، والثناءُ الحسنُ خيرٌ من الحياة، ولو أعطيت ما لم يعطه أحدٌ لأحببتُ أن تكون لي أذنٌ أسمع بها ما يقال في غدٍّ إذا مِتُّ"، وقوله: "عجبت لمن يشتري العبيد بماله ولا يشتري الأحرار بإفضاله". "وفيات الأعيان ٢: ١٤٦، وسرح العيون ١٣٧".

стр. 1268

خطب الحجاج بن يوسف الثقفي خطبته بمكة بعد مقتل ابن الزبير ... خطب الحجاج بن يوسف الثقفي "المتوفى سنة ٩٥هـ": ٢٧٤- خطبته بمكة بعد مقتل ابن الزبير "سنة ٧٣هـ": لما قتل الحجاجُ عبدَ الله بن الزبير، ارتجتْ مكةُ بالبكاء، فصعد المنبر، فقال: "ألا إن ابن الزبير كان من أحبارِ١ هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها، وخلع طاعة الله، واستكنَّ بحرم الله، ولو كان شيء مانعًا للعصاة، لمنع آدم حرمة الجنة؛ لأن الله تعالى خلقَه بيده، وأسجدَ له ملائكتَه، وأباحَه جنتَه؛ فلما عصاه أخرجه منها بخطيئته، وآدم على الله أكرم من ابن الزبير، والجنة أعظم حرمة من الكعبة". "سرح العيون ص١٢٢ وتاريخ ابن عساكر ٤: ٥٠"

стр. 1269

٢٧٥- خطبته بعد قتل ابن الزبير: وصعد الحجاج بعد قتله ابن الزبير متثلمًا؛ فحط اللثام عنه ثم قال: "موجُ ليلٍ التطم، وانجلى بضوء صبحُه، يا أهل الحجاز، كيف رأيتموني؟ ألم أكشف ظلمة الجور، وطُخْيَة١الباطل بنور الحق؟ والله لقد وطئكم الحجاج وطأة مشفق، وعطفة رحم، ووصلَ قرابة؛ فإياكم أن تزلوا عن سَنَنٍ أقمناكم عليه،

стр. 1270

فأقطع عنكم ما وصلته لكم، بالصارم البتار، وأقيم من أَوَدِكُم ما يُقِيم المثقف من أود١ القناة بالنار" ثم نزل وهو يقول: أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها ... وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا "مواسم الأدب ٢: ١٢٣"

стр. 1271

٢٧٦- خطبته حين ولي العراق "سنة ٧٥هـ": ١ حَدَّثَ عبدُ الملك بن عمير الليثي قال: بينا نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة، يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مَوَاليه؛ إذ أتى آتٍ، فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرًا على العراق؛ فإذا به قد دخل المسجدَ معتمًا بعمامة قد غطى بها أكثر وجهه متقلدًا سيفًا، متنكبًا٢ قوسًا، يؤم المنبر، فقام الناس نحوه حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلم، فقال الناس بعضهم لبعض: قَبَّحَ اللهُ بني أمية؛ حيث تستعمل مثل هذا على العراق! حتى قال عمير بن ضابئ البرجمي: ألا أحصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى ننظر٣؛ فلما رأى عيون الناس إليه، حسر اللثام عن فيه، ونهض فقال: "أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفونني٤

стр. 1272

ثم قال: يا أهل الكوفة، أما والله إني لأحمل الشرَّ بحمله، وأحذوه بنعلِهِ، وأجزِيه بمثلِه، وإني لأرى أبصارًا طامحة، وأعناقًا متطاولة، ورءوسًا قد أينعت وحان قطافُها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بن العمائم واللحى تترقرق، ثم قال: هذا أوان الشد فاشتدي زِيَم ... قد لفها الليلُ بسواق حُطَم ليس براعي إبلٍ ولا غنم ... ولا بجزارٍ على ظهرِ وَضَم١ ثم قال: قد لفها الليلُ بعصلبي ... أروع خراج من الدَّوِّيّ مهاجرٍ ليس بأعرابيّ٢ ثم قال: قد شمرت عن ساقها فشُدُّوا ... وجدتِ الحربُ بكم فجِدُّوا والقوس فيها وترٌ عُرُدُّ ... مثل ذراع البَكْرَ أو أشَدُّ لابد مما ليس منه بُدُّ٣

стр. 1273

إني والله يا أهل العراق، ومعدن الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، ما يقعقع لي بالشنان١، ولا يغمز جانبيّ كتغماز التين، ولقد فُرِرْتُ٢ عن ذكاء، وفُتِّشْتُ عن تجربة، وجريت إلى الغاية القصوى، وإن أمير المؤمنين -أطال الله بقاءه- نثر كنانته٣، بين يديه، فعجم٤ عيدانها، فوجدني أمرَّها عودًا، وأصلبها مكسرًا٥ فرماكم بي؛ لأنكم طالما أوضعتم٦ في الفتن، واضطجعتم في مراقد الضلال، وسننتم سنن الغِيّ، أما والله لألحونكم٧ لحو العصا، ولأقرعنك قرع المروة٨، ولأعصبنكم عصب السلمة٩، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل١٠؛ فإنكم لكأهل قرية ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وإني والله لا أعدُ إلا وفيتُ، ولا أهم إلا أمضيتُ، ولا أخلَقُ إلا فَرَيْتُ١١؛ فإياي وهذه الشفعاء، والزرافات١٢ والجماعات، وقالًا وقيلًا١٣، وما تقول؟ وفيم أنتم وذاك؟

стр. 1274

أما والله لتستقيمُن على طريق الحق، أو لأدعن لكل رجل منكم شغلًا في جسده، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم أعطياتكم١، وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلب بن أبي صفرة٢، وإني أقسم بالله لا أجد رجلًا تخلف بعد أخذ عطائه بثلاثة أيام إلا سفكت دمه، وأنهبت٣ ماله، وهدمت منزله". "الكامل للمبرد ١: ١٨١، والبيان والتبيين ٢: ١٦٤، والعقد الفريد ٢: ١٥٣- ٣: ٧، وتاريخ الطبري ٧: ٢١٠، وصبح الأعشى ١: ٢١٨، وعيون الأخبار م٢: ص٢٤٤، ومروج الذهب ٢: ١٣٢، ومعاهد التنصيص ١: ١١٥، والكامل لابن الأثير ٤: ١٥٦، وسرح العيون ١١٦، وتاريخ ابن عساكر ٤: ٥٣".

стр. 1275

٢٧٧- خطبته وقد سمع تكبيرًا في السوق: فلما كان اليوم الثالث خرج من القصر؛ فسمع تكبيرًا في السوق، فراعه ذلك، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى عليه نبيه، ثم قال: "يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوئ الأخلاق، وبني اللكيعة١، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، والفَقْع بالقَرْقَر٢، إني سمعت تكبيرًا لا يراد الله به، وإنما يراد به الشيطان٣، ألا إنها عجاجة تحتها قصف٤، وإنما مثلي ومثلكم ما قال عمرو بن براق الهمداني: وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم ... فهل أنا في ذا يا ال همدان ظالم!

стр. 1276

متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفًا حميًا تجتنبك المظالم أما والله لا تقرع عصًا عصًا إلا جعلتها كأمس الدابر١". "البيان والتيين ٢: ٦٩-١: ٢٠٩، والعقد الفريد ٢: ١٥٢، وإعجاز القرآن ١٢٤، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١١٤، وتاريخ الطبري ٧: ٢١٢، وتهذيب الكامل ١: ١٩"

стр. 1277

٢٧٨- خطبته وقد قدم البصرة: وخطب لما قدم البصرة يتهدد أهل العراق ويتوعدهم فقال: "أيها الناس: من أعياه داؤه؛ فعندي دواؤه، ومن استطال أجله؛ فعلي أن أعجله، ومن ثقل عليه رأسه، وضعت عنه ثقله، ومن استطال ماضي عمره، قصرت عليه باقيه، إن للشيطان طيفًا، وللسلطان سيفًا؛ فمن سقمت سريرتُهُ، صحت عقوبتُه، ومن وضعَه ذنبُه، رفعَه صلبُه، ومن لم تسعْهُ العافية، لم تضقْ عنه الهلكةُ، ومن سبقته بادرة فمه، سبق بدنه بسفك دمه، إني أنذر ثم لا أنظر١، وأحذر ثم لا أعذر، وأتوعد ثم لا أعفو؛ إنما أفسدكم ترنيق٢ ولاتكم، ومن استرخى لببه٣، ساء أدبه، إن الحزم والعزم سلباني سوطي٤، وأبدلاني به سيفي، فقائمه في يدي، ونجاده٥ في عنقي، وذبابه٦ قلادة لمن عصاني، والله لا آمر أحدكم أن يخرج من باب من أبواب المسجد، فيخرج من الباب الذي يليه، إلا ضربت عنقه". "نهاية الأرب ٧: ٢٤٤ صبح الأعشى ١: ٢٢٠ وسرح العيون ١٢٢".

стр. 1278

٢٧٩- خطبته بعد وقعة دير الجماجم: ١ وخطب أهل العراق بعد وقعة دير الجماجم فقال: "يا أهل العراق، إن الشيطان قد استبطنكم، فخالط اللحم والدم والعصب، والمسامع والأطراف، والأعضاء٢ والشغاف٣، ثم أفضى إلى المخاخ٤ والأصماخ، ثم ارتفع فعشش، ثم باض وفرخ، فحاشكم نفاقًا وشقاقًا، وأشعركم خلافًا، اتخذتموه دليلًا تتبعونه، وقائدًا تطيعونه، ومؤامرًا٥ تستشيرونه؛ فكيف تنفعكم تجربة، أو تعظكم وقعة، أو يحجزكم إسلام، أو ينفعكم بيان؟ ألستم أصحابي بالأهواز٦؟.

стр. 1279

حيث رمتم المكر، وسعيتم بالغدر، واستجمعتم للكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا أرميكم بطرفي، وأنتم تتسللون لواذًا١، وتنهزمون سراعًا؟ ثم يوم الزاوية، وما يوم الزاوية! بها كان فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم، وبراءة الله منكم، ونكوص وليكم عنكم؛ إذ وليتم كالإبل الشوارد إلى أوطانها، النوازع إلى أعطانها٢، لا يسأل المرء عن أخيه، ولا يلوي٣ الشيخ على بنيه، حتى عضكم٤ السلاح، وقصمتكم الرماح، ثم يوم دير الجماجم، وما يوم دير الجماجم! بها كانت المعارك والملاحم٥، بضرب يزيل الهام٦، عن مقيله٧، ويذهل الخليل عن خليله، يا أهل العراق، والكفرات بعد الفجرات، والغدرات بعد الخترات٨، والنزوات٩ بعد النزوات، إن بعثتكم إلى ثغوركم غللتم١٠ وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون حسنة، ولا تشكرون نعمة، هل استخفكم ناكث، أو استغواكم غاو، أو استنصركم ظالم، أو استعضدكم١١ خالع، إلا تبعتموه وآويتموه، ونصرتموه وزكيتموه؟ يا أهل العراق، هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق: ألم تنهكم المواعظ، ألم تزجركم الوقائع؟ ". ثم التفت إلى أهل الشام وهم حول المنبر، فقال: "يا أهل الشام؛ إنما أنا لكم كالظليم١٢ الرامح عن فراخه، ينفي عنها المدر١٣، ويباعد عنها الحجر، ويكنها

стр. 1280

من المطر، ويحميها من الضباب١، ويحرسها من الذئاب، يا أهل الشام؛ أنتم الجنة والرداء، وأنتم العدة والحذاء". "البيان والتبيين ٢: ٧١، ونهاية الأرب ٧: ٢٤٥، والعقد الفريد ٢: ١٥٢، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١١٤، ومروج الذهب ٢: ١٣٥ – وتاريخ ابن عساكر ٤: ٥٥".

стр. 1281

٢٨٠- خطبة أخرى له في أهل الكوفة وأهل الشام: وخطب فقال: "يا أهل الكوفة، إن الفتنة تلقح بالنجوى١، وتنتج بالشكوى، وتحصد بالسيف؛ أما والله إن أبغضتموني لا تضروني، وإن أحببتموني لا تنفعوني، ما أنا بالمستوحش لعداوتكم، ولا المستريح إلى مودتكم، زعمتم أني ساحر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾ . وقد أفلحت، وزعمتم أني أعلم الاسم الأكبر؛ فلم تقاتلون من يعلم ما تعلمون؟ ". ثم التفت إلى أهل الشام فقال: "لأزواجكم أطيب من المسك، ولأبناؤكم آنس بالقلب من الولد، وما أنتم إلا كما قال أخو بني ذبيان: إذا حاولت في أسد فجورًا ... فإني لست منك ولست مني هم درعي التي استلأمت فيها ... إلى يوم النسار وهم مجني٢ ثم قال: "بل أنتم يا أهل الشام كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ثم نزل. "شرح ابن أبي الحديد م١: ص١١٥"

стр. 1282

٢٨١- خطبة له بالبصرة: وخطب بالبصرة، فقال: قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ؛ فهذه لله، وفيها مثوبة١، وقال:

стр. 1283

﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾ ، وهذه لعبد الله، وخليفة الله، وحبيب الله، عبد الملك بن مروان؛ أما والله لو أمرت الناس أن يأخذوا في باب واحد، فأخذوا في باب غيره١؛ لكانت دماؤهم لي حلالًا من الله، ولو قتل ربيعة ومضر لكان لي حلالًا. "عذيري٢ من أهل هذه الحميراء، يرمي أحدهم بالحجر إلى السماء ويقول: يكون إلى أن يقع هذا خير٣، والله لأجعلنهم كالرسم٤ الدائر وكالمس الغابر، عذيري من عبد هذيل يقرأ القرآن كأنه رَجَز الأعراب، أما والله لو أدركته لضربت عنقه -يعني عبد الله بن مسعود٥-، عذيري من سليمان بن داود، يقول لربه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ كان والله -فيما علمت- عبدًا حسودًا بخيلًا". "مروج الذهب ٢: ١٤٣ والعقد الفريد ٢: ١٥٢".

стр. 1284

٢٨٢- خطبة أخرى له بالبصرة: حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إن الله كفانا مئونة الدنيا، وأمرنا بطلب الآخرة؛ فليته كفانا مئونة الآخرة وأمرنا بطلب الدنيا، ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يعلمون، وشراركم لا يتوبون؟ ما لي أراكم تحرصون على ما كفيتم، وتضيعون ما به أمرتم؟ إن العلم يوشك أن يرفع، ورفعه ذهاب العلماء؛ ألا وإني أعلم بشراركم من البيطار بالفرس، الذين لا يقرءون القرآن إلا هجرًا١، ولا يأتون الصلاة إلا دبرًا٢؛ ألا وإن الدنيا عَرَضٌ حاضر، يأكل منها البر والفاجر؛ ألا وإن الآخرة أجل مستأخر، يحكم فيها ملك قادر

стр. 1285

ألا فاعلموا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم ملاقوه ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذي أحسنوا بالحسنى، ألا وإن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشرَّ كله بحذافيره في النار، ألا وإن ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ، وأستغفر الله لي ولكم١. "العقد الفريد ٢: ١٥٣".

стр. 1286

٢٨٣- خطبته في أهل العراق يصارحهم بالكراهية: وخطب أهل العراق، فقال: "يا أهل العراق: إني لم أجد دواء أدوى لدائكم، من هذه المغازي والبعوث، لولا طيب ليلة الإياب، وفرحة القفل١؛ فإنها تعقب راحة، وإني لا أريد أن أرى الفرح عندكم، ولا الراحة بكم، وما أراكم إلا كارهين لمقالتي، وأنا والله لرؤيتكم أكره، ولولا ما أرد من تنفيذ طاعة أمير المؤمنين فيكم، ما حملت نفسي مقاساتكم، والصبر على النظر إليكم، والله أسأل حسن العون عليكم"، ثم نزل. "العقد الفريد ٢: ١٥٣"

стр. 1287

٢٨٤- خطبة أخرى: وخطب أهل العراق، فقال: "يا أهل العراق، بلغني أنكم تروون عن نبيكم أنه قال: من ملك على عشر رقاب من المسلمين، جيء به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه، حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور. وايم الله إني لأحب إلي أن أحشر مع أبي بكر وعمر مغلولًا، من أن أحشر معكم مطلقًا". "العقد الفريد: ٣: ١٧".

стр. 1288

٢٨٥- خطبته لما مات عبد الملك بن مروان: ولما مات عبد الملك بن مروان، قام فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "أيها الناس، إن الله ﵎ نعى نبيكم ﷺ إلى نفسه فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ ؛ فمات رسول الله ﷺ ، ومات الخلفاء الراشدون المهتدون المهديون، منهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان الشهيد المظلوم، ثم تبعهم معاوية، ثم وليكم البازل١ الذكر، الذي جربته الأمور، وأحكمته التجارب، مع الفقه وقراءة القرآن، والمروءة الظاهرة، واللين لأهل الحق، والوطء لأهل الزيغ؛ فكان رابعًا من الولاة المهديين الراشدين، اختار الله له ما عنده، وألحقه بهم، وعهد إلى شبهه في العقل والمروءة والحزم والجلد والقيام بأمر الله وخلافته، فاسمعوا له وأطيعوه. أيها الناس، إياكم والزيغ، فإن الزيغ لا يحيق إلا بأهله، ورأيتم سيرتي فيكم، وعرفت خلافكم وطيبكم، على معرفتي بكم، ولو علمت أن أحدًا أقوى عليكم مني، أو أعرف بكم ما وليتكم؛ فإياي وإياكم، من تكلم قتلناه، ومن سكت مات بدائه غمًا" ثم نزل. "العقد الفريد ٢: ١٥٤"

стр. 1289

٢٨٦- خطبته حين أراد الحج: وأراد الحجاج أن يحج؛ فاستخلف محمدًا ولده على أهل العراق، ثم خطب فقال: "يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، إني أريد الحج، وقد استخلفت عليكم ابني محمدًا، هذا وما كنتم له بأهل، وأوصيته فيكم بخلاف ما أوصى به رسول الله.

стр. 1290

صلى الله وسلم في الأنصار، إن رسول الله ﷺ أوصى أن يقبل من محسنهم، وأن يتجاوز عن مسيئهم، وإني أمرته ألا يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم؛ ألا وإنكم ستقولون بعدي مقالة ما يمنعكم من إظهارها إلا مخافتي: ألا وإنكم ستقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحابة، ألا وإني معجل لكم الإجابة: لا أحسن الله الخلافة عليكم" ثم نزل. "عيون الأخبار م٢: ص٢٤٥، والعقد الفريد ٢: ١٥٣-٣: ١٨، والبيان والتبيين ١: ٢٠٦، ومروج الذهب ٢: ١٤٤، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١١٤".

стр. 1291

٢٨٧- خطبته لما أصيب بولده محمد وأخيه محمد في يوم واحد: قال صاحب العقد: فلما كان غداة الجمعة مات محمد بن الحجاج؛ فلما كان بالعشي أتاه بريد من اليمن بوفاة محمدٍ أخيه، ففرح أهل العراق، وقالوا: انقطع ظهر الحجاج وهيض١ جناحه، فخرج فصعد المنبر، ثم خطب الناس، فقال: "أيها الناس: محمدانِ في يوم واحد! أما والله ما كنت أحب أنهما معي في الحياة الدنيا، لما أرجو من ثواب الله لهما في الآخرة، وايم الله ليوشكن الباقي مني ومنكم أن يفنى، والجديد أن يبلى، والحيّ مني ومنكم أن يموت، وأن تدال٢ الأرضُ منا كما أدلنا منها؛ فتأكل من لحومنا، وتشرب من دمائنا، كما مشينا على ظهرها، وأكلنا من ثمارها، وشربنا من مائها، ثم نكون كما قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ٣ ثم تمثل بهذين البيتين:

стр. 1292

عزائي نبيُّ الله من كل ميت ... وحسبي ثواب الله من كل هالك إذا ما لقيت الله عني راضيًا ... فإن سرور النفس فيما هنالك "العقد الفريد ٢: ١٥٤-٣: ١٨، وسرح العيون ص١٢٢"

стр. 1293

٢٨٨- خطبته وقد أرجف أهل العراق بموته: ومرض الحجاج ففرح أهل العراق، وأرجفوا بموته؛ فلما بلغه تحامل حتى صعد المنبر فقال: "إن طائفة من أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق، نزغ١ الشيطان بينهم فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج فمه؟ وهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ والله ما يسرني ألا أموتَ، وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رَضِيَ بالتخليد إلا لأهون خلقِهِ عليه إبليس، قال: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون، قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ ، ولقد دعا الله العبد الصالح، فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فأعطاه ذلك إلا البقاء، فما عسى أن يكون أيها الرجل؟ وكلكم ذلك الرجل، كأني والله بكل حيٍّ منكم ميتًا، وبكل رطب يابسًا، ونقل في ثياب أكفانه إلى ثلاثة أذرع طولًا، في ذراعٍ عرضًا، وأكلت الأرض لحمَه، ومصتْ صديدَه، وانصرفَ الحبيبُ من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون يعلمون ما أقول"، ثم نزل. "عيون الأخبار م٢: ص٢٤٤، والعقد الفريد ٢: ١٥٤، ٣: ١٧، وسرح العيون ١٢٢، ومروج الذهب ٢: ١٤٢، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١١٥".

стр. 1294

٢٨٩- خطبه الوعظية: وخطب الحجاج يومًا فقال: "أيها الناس، قد أصبحتم في أجل منقوص، وعمل محفوظ، رُبَّ دائبٍ مضيع، وساعٍ لغيره، والموتُ في أعناقكم، والنارُ بين أيديكم، والجنةُ أمامكم، خذوا من أنفسكم لأنفسكم، ومن غناكم لفقركم، ومما في أيديكم لما بين أيديكم؛ فكأن ما قد مضى من الدنيا لم يكن، وكأن الأموات لم يكونوا أحياء، وكل ما ترونه فإنه ذاهب، هذه شمس عاد وثمود وقرون كثيرة بين ذلك، هذه الشمس التي طلعت على التبابعة والأكاسرة، وخزائنهم السائرة بين أيديهم، وقصورهم المشيدة، ثم طلعت على قبورهم، أين الملوك الأولون، أين الجبابرة المتكبرون؟ المحاسب الله، والصراط منصوب، وجهنم تزفر١ وتتوقد، وأهل الجنة ينعمون، في روضة يحبرون٢، جعلنا الله وإياكم من الذين ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ . فكان الحسن البصري ﵀ يقول: "ألا تعجبون من هذا الفاجر؟ يرقى عتبات المنبر، فيتكلم بكلام الأنبياء، وينزل فيفتك فتك الجبارين، يوافق الله في قوله ويخالفه في فعله". "شرح ابن أبي الحديد م١ ص١٥٠".

стр. 1295

٢٩٠- خطبة ثانية: وقال مالك بن دينار: غدوت إلى الجمعة؛ فجلست قريبًا من المنبر، فصعد الحجاج، ثم قال: "امرؤ حاسب نفسه، امرؤ راقب ربه، امرؤ زوَّر١ عمله، امرؤ فكر فيما يقرؤه غدًا في صحيفته، ويراه في ميزانه، امرؤ كان عند همِّه آمرًا، وعند هواه زاجرًا، امرؤ أخذ بعنان قلبه، كما يأخذ الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى حقٍّ تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كفَّه، إننا والله ما خلقنا للفناء، وإنما خلقنا للبقاء، وإنما ننتقل من دار إلى دار". "عيون الأخبار م٢: ص٥٢١، العقد الفريد ٢: ١٥٢، والبيان والتبيين ٢: ٨٨، شرح ابن أبي الحديد م١: ص١٥٠". ٢٩١- خطبة ثالثة: وخطب يومًا، فقال: أيها الناس، اقدَعُوا٢ هذه الأنفس؛ فإنها أسْألُ٣ شيء إذا أعطيت، وأعصى٤ شيء إذا سئلت، فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطامًا وزمامًا فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله؛ فإني رأيت الصبر عن محارم الله، أيسر من الصبر على عذاب الله٥". "شرح ابن أبي الحديد م: ص١٥٠، وسرح العيون ١٢١، وعيون الأخبار م٢: ص٢٤٧، والبيان والتبيين ١: ٢٠٦، وتهذيب الكامل ١: ١٩".

стр. 1296

٢٩٢- خطبة رابعة: وخطب فقال: "اللهم أرني الغيَّ غيًّا فأجتنبه، وأرني الهدى هدًى فأتبعه، ولا تكلني إلى نفسي فأضل ضلالًا بعيدًا، والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا لي بعمامتي هذه، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء". "العقد الفريد ٢: ١٥٢، والبيان والتبيين ٢: ٦٩، ١: ٢٠٦، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص١٥٠، وسرح العيون ص١٢٢". ٢٩٣- خطبة خامسة: ومن كلامه: "إنَّ امرأ أتت عليه ساعة من عمره، لم يذكر فيها ربه، ويستغفر ربه من ذنبه، ويفكر في معاده، لجدير أن يطول حزنُه، ويتضاعف أسفُه، إنّ الله كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء؛ فلا بقاء لما كُتب عليه الفناء، ولا فناء لما كُتب عليه البقاء، فلا يغرنكم شاهد١ الدنيا، عن غائب الآخرة، واقهرُوا طول الأمل، بقصر الأجل٢". "شرح ابن الحديد م١: ص١٥٠، ومروج الذهب ٢: ١٤٨، والبيان والتبيين: ٢: ٩٩، سرح العيون ١٢١، وتهذيب الكامل ١: ١٩".

стр. 1297

خطب قتيبة بن مسلم الباهلى خطبته يحث على الجهاد وقد تهيأ لغزو ... خطب قتيبة بن مسلم الباهلي "قتل سنة ٩٦هـ": ٢٩٤- خطبته يحث على الجهاد وقد تهيأ لغزو "طُخارستان": قدم قتيبة بن مسلم الباهلي خراسان واليًا عليها من قبل الحجاج١ سنة ٨٦؛ فلما تهيأ لغزو أخرون وشومان -وهما من بلاد طخارستان٢- خطب الناس وحثهم على الجهاد فقال: "إن الله أحلكم هذا المحل ليعز دينه، ويذب بكم عن الحرمات، ويزيد بكم المال استفاضة، والعدو وقمًا٣ ووعد نبيه ﷺ النصر بحديث صادق، وكتاب ناطق، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ، ووعد المجاهدين في سبيله أحسن الثواب، وأعظم الذخر عنده، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ ٤ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، ثم أخبر عمن قتل في سبيله أنه حيٌّ مرزوق، فقال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ

стр. 1298

قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فتنجَّزوا موعود ربكم، ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر، وأمضى ألم، وإياكم والهوينى".

стр. 1299

٢٩٥- خطبته وقد تهيأ لغزو بلاد السُّغْد: ولما صالح قتيبة أهل خوارزم، وسار إلى السغد١ سنة ٩٣هـ خطب الناس؛ فقال: "إن الله قد فتح لكم هذه البلدة في وقتٍ الغزُو فيه ممكنٌ، وهذه السغد شاغرة٢ برجلها، قد نقضوا العهد الذي كان بيننا، ومنعونا ما كنا صالحنا عليه طَرْخُون، وصنعوا به ما بلغكم، وقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ، فسيروا على بركة الله، فإني أرجو أن يكون خوارزم والسغد كالنضير٣ وقريظة٤، وقال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ . "تاريخ الطبري ٨: ٨٥"

стр. 1300

٢٩٦- خطبته وقد سارت إليه جيوش الشاش وفرغانة: وأتى قتيبة السغد فحصرها شهرًا، وخاف أهلها طول الحصار؛ فكتبوا إلى ملك الشاش وفرغانة١ "إنا نحن دونكم فيما بينكم وبين العرب، فإن وُصِلَ إلينا كنتم أضعفَ وأذلَّ، فمهما كان عندكم من قوة فابذلوها. فجمعوا جموعهم، وولوا عليهم ابنًا لخاقان٢، وساروا وقد أجمعوا أن يُبيِّتوا عسكر قتيبة، ونمى ذلك إليه، فانتخب أهل النجدة والبأس ووجوه الناس، وخطبهم فقال: "إن عدوكم قد رأوا بلاء٣ الله عندكم، وتأييده إياكم في مزاحفتكم ومكاثرتكم٤، كل ذلك يفلجكم٥ الله عليهم، فأجمَعُوا على أن يحتالوا غِرّتكم وبَيَاتَكم، واختاروا دهاقينهم٦ وملوكهم، وأنتم دهاقينُ العرب وفرسانُهم، وقد
следующие страницы →