٤٦٠- خطبة أخرى:
وكان إذا قرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ١﴾ قال:
عم ألهاكم؟ عن دار الخلود، وجنة لا تبيد٢، هذا والله فضح القوم، وهتك الستر، وأبدى العوار٣، تنفق مثل دينك في شهواتك سرفًا، وتمنع في حق الله درهمًا! ستعلم يا لكع٤، الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق؛ فأما المؤمن: فقد ألجمه الخوف وقومه ذكر العرض؛ وأما الكافر: فقد قمعه السيف، وشرده الخوف، فأذعن بالجزية، وسمح بالصربية؛ وأما المنافق: ففي الحجرات والطرقات، يسرون غير ما يعلنون، ويضمرون غير ما يظهرون، فاعتبروا إنكارهم ربهم، بأعمالهم الخبيثة، ويلك؟ قتلت وليه، ثم تتمنى عليه جنته؟ ".
"البيان والتبيين ٣-٦٩"
стр. 1577
٤٦١- خطبة أخرى:
وكان يقول: "رحم الله رجلا خلا بكتاب الله، فعرض عليه نفسه، فإن وافقه حمد ربه، وسأله الزيادة من فضله، وإن خالفه أعتب وأناب، وراجع من قريب، رحم الله رجلا وعظ أخاه وأهله فقال: "يا أهلي: صلاتكم صلاتكم، زكاتكم زكاتكم، جيرانكم جيرانكم، إخوانكم إخوانكم، مساكينكم مساكينكم، لعل الله يرحمكم، فإن الله ﵎ أثنى على عبد من عباده، فقال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ . يابن آدم: كيف تكون مسلما ولم يسلم منك جارك، وكيف تكون مؤمنا ولم يأمنك الناس؟ ".
"البيان والتبيين ٣: ٦٩".
стр. 1578
٤٦٢- خطبة أخرى:
وكان يقول: "لا يستحق أحد حقيقة الإيمان، حتى لا يعيب الناس بعيب هو فيه ولا يأمر بإصلاح عيوبهم، حتى يبدأ بإصلاح ذلك من نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه، فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره، وإنك ناظر إلى عملك بوزن خيره وشره، فلا تحقرن شيئا من الخير وإن صغر؛ فإنك إذا رأيته سرك مكانه، ولا تحقرن شيئًا من الشر وإن صغر؛ فإنك إذا رأيته ساءك مكانه".
"البيان والتبيين ٣: ٧٠".
стр. 1579
٤٦٣- خطبة أخرى:
وكان يقول: "رحم الله عبدا كسب طيبا، وأنفق قصدا، وقدم فضلا، وجهوا هذه الفضول١ حيث وجهها الله، وضعوها حيث أمر الله، إن من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم، ويؤثرون بالفضل، ألا إن هذا الموت قد أضر بالدنيا ففضحها، فلا والله ما وجد ذو لب فيها فرحا، فإياكم وهذه السبل المتفرقة، التي جماعها الضلالة، وميعادها النار، أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم، يفترشون خدودهم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون مولاهم في فكاك رقابهم، إذا عملوا الحسنة سرتهم، وسألوا الله أن يتقبلها منهم، وإذا عملوا سيئة ساءتهم، وسألوا الله أن يغفرها لهم، يابن آدم: إن كان لا يغنيك ما يكفيك، يابن آدم: لا تعمل شيئًا من الحق رياء، ولا تتركه حياء".
"البيان والتبيين ٣: ٧٠".
стр. 1580
٤٦٤- خطبة أخرى:
وكان يقول: "إن العلماء كانوا قد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، وكانوا يقضون بعلمهم على أهل الدنيا، ما لا يقضي أهل الدنيا بدنياهم فيها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم، فأصبح اليوم أهل العلم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في دنياهم، فرغب أهل الدنيا بدنياهم عنهم، وزهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم"، وكان يقول: لا أذهب إلى من يواري.
стр. 1581
غنًى غناه، ويبدي لي فقره، ويغلق دوني بابه، ويمنعني ما عنده، وأدع من يفتح لي بابه، ويبدي لي غناه، ويدعوني إلى ما عنده".
"البيان والتبيين ٣: ٧١".
стр. 1582
٤٦٥- خطبة أخرى:
وكان يقول: "يابن آدم، لا غنى بك عن نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أفقر، مؤمن مهتم، وعلج اغتم، وأعرابي لا فقه له، ومنافق مكذب، ودنياوي١ مترف، نعق بهم ناعق فاتبعوه، فراش نار٢، وذبان طمع، والذي نفس الحسن بيده، ما أصبح في هذه القرية مؤمن إلا أصبح مهموما حزينا، وليس لمؤمن راحة دون لقاء الله، الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل بلاء صاروا إلى حقائقهم، فصار المؤمن إلى إيمانه، والمنافق إلى نفاقه، أي قوم: إن نعمة الله عليكم أفضل من أعمالكم، فسارعوا إلى ربكم، فإنه ليس لمؤمن راحة دون الجنة، ولا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همه".
"البيان والتبيين ٣: ٧٠".
стр. 1583
٤٦٦- خطبة أخرى:
وقال في يوم فطر -وقد رأى الناس وهيئاتهم-: إن الله ﵎ جعل رمضان مضمارا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاعب، في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، أما والله أن لو كشف الغطاء، لشغل محسن بإحسانه، ومسيء بإساءته، عن ترجيل١ شعر، أو تجديد ثوب".
"البيان والتبيين ٣: ٧١، وتهذيب الكامل ١: ٢٩، وزهر الآداب ٢: ٢٠٣".
стр. 1584
٤٦٧- مقام الحسن البصري عند عمر بن هبيرة:
لما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق -وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك- استدعى الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والشعبي، سنة ثلاث ومائة، فقال لهم: إن يزيد خليفة الله، استخلفه على عباده، وأخذ عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب إلي بالأمر من أمره، أعرف في تنفيذه الهلكة، فأخاف إن أطعته غضب الله، وإن عصيته لم آمن سطوته، فما ترون:؟ فقال ابن سيرين والشعبي قولا فيه تقية، وكان ابن هبيرة لا يستشِفي دون أن يسمع قول الحسن، فقال: قل ما عندك يا أبا سعيد، فقال: "يابن هبيرة: خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله؛ إن الله يمنعك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك ملكا، فيزيلك عن سريرك، ويخرجك من سعة قصرك، إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك، يابن هبيرة: إن تعص الله، فإنما جعل الله هذا السلطان ناصرًا لدين الله وعباده، فلا تركبن دين الله وعباده بسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".
وفي رواية أخرى قال: "أقول والله إنه يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله فظ غليظ، لا يعصي الله ما أمره، فيخرجك من سعة قصرك، إلى ضيق قبرك، فلا يغني عنك ابن عبد الملك شيئا، وإني لأرجو أن الله سيعصمك من يزيد، وإن يزيد لا يمنعك من الله، فاتق الله أيها الأمير، فإنك لا تأمن أن ينظر الله إليك، وأنت على أقبح ما تكون عليه من طاعة يزيد، نظرة يمقتك بها، فيغلق عنك باب الرحمة، واعلم أني أخوفك ما خوفك الله سبحانه حين يقول: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ، وإذا كنت مع الله في طاعته كفاك بوائق١ يزيد، وإن كنت مع يزيد على معصية الله وكلك الله إلى يزيد حين لا يغني عنك شيئًا".
стр. 1585
فبكى عمر بن هبيرة بكاء شديدا، ثم أجازهم، وأضعف جائزة الحسن، فقال الشعبي لابن سيرين: سفسفنا١ له، فسفسف لنا.
"وفيات الأعيان ١: ١٢٨، الحسن البصري لابن الجوزي ص٥٢، مروج الذهب ٢: ١٧٨، عيون الأخبار م٢: ص٣٤٣، شرح ابن أبي الحديد م٤: ص٥٩، أمالي السيد المرتضى ١: ١١٠".
стр. 1586
٤٦٨- مقام الحسن عند النضر بن عمرو:
وأحضر النضر بن عمرو -وكان واليا على البصرة- الحسن البصري يوما، فقال: يا أبا سعيد إن الله خلق الدنيا وما فيها من رياشها١، وبهجتها، وزينتها لعباده، وقال : ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ، وقال عز من قائل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فقال الحسن:
"أيها الرجل: اتق الله في نفسك، وإياك والأماني التي ترجحت٢ فيها فتهلك، إن أحدا لم يعط خيرًا من خير الدنيا، ولا من خير الآخرة بأمنيته، وإنما هي داران، من عمل في هذه أدرك تلك، ونال في هذه ما قدر له منها، ومن أهمل نفسه خسرهما جميعا، إن الله سبحانه اختار محمدا ﷺ لنفسه، وبعثه برسالته ورحمته، وجعله رسولا إلى كافة خلقه، وأنزل عليه كتابا مهيمنا، وحد له في الدنيا حدودا، وجعل له فيها أجلا، ثم قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وأمرنا أن نأخذ بأمره، ونهتدي بهديه، وأن نسلك طريقته، ونعمل بسنته، فما بلغنا إليه فبفضله ورحمته، وما قصرنا عنه فعلينا أن نستعين ونستغفر، فذلك باب مخرجنا، فأما الأماني فلا خير فيها، ولا في أحد من أهلها":
стр. 1587
فقال النضر: والله يا أبا سعيد إنا على ما فينا لنحب ربنا، فقال الحسن:
"لقد قال ذلك قوم على عهد رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى عليه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل سبحانه اتباعه ﷺ علما للمحبة، وأكذب من خالف ذلك، فاتق الله أيها الرجل في نفسك، وايم الله لقد رأيت أقواما كانوا قبلك في مكانك، يعلون المنابر، وتهتز لهم المراكب ويجرون الذيول بطرا ورياء الناس، يبنون المدر١، ويؤثرون الأثر٢، ويتنافسون في الثياب، أخرجوا من سلطانهم، وسلبوا ما جمعوا من دنياهم، وقدموا على ربهم، ونزلوا على أعمالهم، فالويل لهم يوم التغابن٣، ويا ويحهم ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ .
"الحسن البصري لابن الجوزي ص٥٠".
стр. 1588
٤٦٩- مقام آخر له عند النضر:
ودخل عليه يوما آخر فقال:
"أيها الأمير أيدك الله، إن أخاك من نصحك في دينك، وبصرك عيوبك، وهداك إلى مراشدك، وإن عدوك من غرك ومنَّاك، أيها الأمير اتق الله؛ فإنك أصبحت مخالفا للقوم في الهدى والسيرة، والعلانية والسريرة، وأنت مع ذلك تتمنى الأماني، وترجح في طلب العذر، والناس أصلحك الله طالبان، فطالب دنيا، وطالب آخرة، وايم الله لقد أدرك طالب الآخرة واستراح، وتعب الآخر واخترم١،
стр. 1589
فاحذر أيها الأمير أن تشقى بطلب الفاني، وترك الباقي، فتكون من النادمين، واعلم أن حكيمًا قال:
أين الملوك التي عن حظها غفلت ... حتى سقاها بكأس الموت ساقيها
نعوذ بالله من الحور بعد الكور١، ومن الضلالة بعد الهدى، لقد حُدِّثت أيها الأمير عن بعض الصالحين أنه كان يقول: "كفى بالمرء خيانة أن يكون للخونة أمينًا، وعلى أعمالهم معينًا".
"الحسن البصري لابن الجوزي ص٥١".
стр. 1590
٤٧٠- مقال الحسن حين رأى دار الحجاج التي بناها بواسط:
وروي أن الحجاج بنى دارًا بواسط١، وأحضر الحسن ليراها، فلما دخلها قال: "الحمد لله: إن الملوك ليرون لأنفسهم عزا، وإنا لنرى فيهم كل يوم عبرا، يعمد أحدهم إلى قصر فيشيده، وإلى فرش فينجده٢، وإلى ملابس ومراكب فيحسنها، ثم يحف به ذباب طمع، وفراش نار، وأصحاب سوء، فيقول: انظروا ما صنعت! فقد رأينا أيها المغرور، فكان ماذا يا أفسق الفاسقين؟ أما أهل السموات فقد مقتوك، وأما أهل الأرض فقد لعنوك، بنيت دار الفناء، وخربت دار البقاء، وغُرِرْتَ في دار الغرور، لتذل في دار الحبور، ثم خرج وهو يقول: إن الله سبحانه أخذ عهده على العلماء، لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه".
وبلغ الحجاج ما قال، فاشتد غضبه، وجمع أهل الشام، فقال: يا أهل الشام أيشتمني عبد من عبيد أهل البصرة وأنتم حضور فلا تنكرون! ثم أمر بإحضاره فجاء وهو يحرك شفتيه بما لم يسمع، حتى دخل على الحجاج، فقال: يا أبا سعيد، أما كان لإمارتي عليك حق، حين قلت ما قلت؟ فقال: يرحمك الله أيها الأمير، إن من خوفك حتى
стр. 1591
تبلغ أمنك أرفق بك وأحب فيك ممن أمنك حتى تبلغ الخوف، وما أردت الذي سبق إلى وهمك، والأمران بيدك: العفو والعقوبة، فافعل الأولى بك، وعلى الله فتوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، فاستحيا الحجاج منه، واعتذر إليه وأكرمه وحباه.
وفي رواية أخرى: "فلما دخل، قال له الحجاج: ههنا، فأجلسه قريبا منه، وقال: ما تقول في علي وعثمان؟ قال: أقول قول من هو خير مني عند من هو شر منك، قال فرعون لموسى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى، قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ علم علي وعثمان عند الله قال: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ودعا بغالية١ وعلف بها لحيته، فلما خرج تبعه الحاجب فقال له: ما الذي كنت قلت حين دخلت عليه؟ قال: قلت: "يا عُدَّتِي عند كُربتي، ويا صاحبي عند شِدَّتِي، ويا ولي نعمتي، ويا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب، ارزقني مودته، واصرف عني أذاه" ففعل ربي .
"الحسن البصري لابن الجوزي ص٥٣، والمنية والأمل لابن يحيى المرتضى ص١٤، وأمالي السيد المرتضى ١: ١٢".
стр. 1592
٤٧١- صفة الإمام العادل: ١
لما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى الحسن أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل، فكتب إليه الحسن ﵀:
"اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد٢ كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة٣ كل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، الرفيق الذي يرتاد
стр. 1593
لها أطيب المرعى، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقر١، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارا، ويعلمهم كبارا، يكتسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد مماته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة، البرة الرفيقة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، وربته طفلا، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، ترضعه تارة، وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشاكيته، والإمام العدل يا أمير المؤمنين وصي اليتامى، وخازن المساكين، يربي صغيرهم، ويمون كبيرهم، والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح، تصلح الجوانح بصلاحه، وتفسد بفساده، والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده، واستحفظه ماله وعياله، فبدد المال، وشرد العيال، فأفقر أهله، وفرق ماله، واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش، فكيف إذا أتاها من يليها؟ وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم؟ واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده، وقلة أشياعك عنده، وأنصارك عليه، فتزود له، ولما بعده من الفزع الأكبر. واعلم يا أمير المؤمنين أن لك منزلا غير منزلك الذي أنت فيه، يطول فيه ثواؤك، ويفارقك أحباؤك، يسلمونك في قعره فريدا وحيدا، فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، واذكر يا أمير المؤمنين إذا بعثر ما في القبور، وحصل ما في الصدور، فالأسرار ظاهرة، والكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مَهَل، قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل، لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد
стр. 1594
الله بحكم الجاهلين، ولا تسلك بهم سبيل الظالمين، ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلًّا١ ولا ذمة، فتبوء بأوزارك، وأوزار مع أوزارك، وتحمل أثقالك، وأثقالا مع أثقالك، ولا يغرنك الذين يتنعمون بما فيه بؤسك، ويأكلون الطيبات في دنياهم بإذهاب طيباتك في آخرتك، لا تنظر إلى قدرتك اليوم، ولكن انظر إلى قدرتك غدا، وأنت مأسور في حبائل الموت، وموقوف بين يدي الله في مجمع من الملائكة والنبيين والمرسلين، وقد عنت٢ الوجوده للحي القيوم، إني يا أمير المؤمنين وإن لم أبلغ بعظتي ما بلغه أولو النهى من قبلي، فلم آلُكَ٣ شفقةً ونصحًا، فأنزل كتابي إليك كمداوي حبيبه، يسقيه الأدوية الكريهة، لما يرجو له في ذلك من العافية والصحة، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته".
"العقد الفريد ١: ١٢، الحسن البصري لابن الجوزي ص٥٦".
стр. 1595
٤٧٢- موعظته لعمر بن عبد العزيز:
وكتب إليه عمر بن عبد العزيز رحمهما الله: اكتب إلي يا أبا سعيد بموعظة، فأوجز، فكتب إليه:
"أما بعد يا أمير المؤمنين: فكأن الذي كان لم يكن، وكأن الذي هو كائن قد نزل، واعلم يا أمير المؤمنين أن الصبر، وإن أذاقك تعجيل مرارته، فلنعم ما أعقبك من طيب حلاوته، وحسن عاقبته، وأن الهوى، وإن أذاقك طعم حلاوته، فلبئس ما أعقبك من مرارته، وسوء عاقبته، واعلم يا أمير المؤمنين أن الفائز من حرص على السلامة في دار الإقامة، وفاز بالرحمة فأدخل الجنة".
"الحسن البصري لابن الجوزي ص٥٤".
стр. 1596
٤٧٣- موعظته لعمر بن عبد العزيز أيضا:
وكتب إليه عمر بن عبد العزيز: اكتب إلي يا أبا سعيد بذم الدنيا، فكتب إليه:
"أما بعد يا أمير المؤمنين: فإن الدنيا دار ظعن١ وانتقال، وليست بدار إقامة على حال، وإنما أنزل إليها آدم عقوبة، فاحذرها؛ فإن الراغب فيها تارك، والغني فيها فقير، والسعيد من أهلها من لم يتعرض لها، إنها إذا اختبرها اللبيب الحاذق، وجدها تذل من أعزها، وتفرق من جمعها، فهي كالسم يأكله من لا يعرفه، ويرغب فيه من يجهله، وفيه والله حتفه؛ فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جراحه، يحتمي قليلا، مخافة ما يكره طويلا، الصبر على لأوائها٢، أيسر من احتمال بلائها، واللبيب من حذرها ولم يغتر بزينتها، فإنها غدارة ختالة٣ خداعة، قد تعرضت بآمالها، وتزينت لخطابها، فهي كالعروس؛ العيون إليها ناظرة والقلوب عليها والهة٤، وهي -والذي بعث محمدا بالحق- لأزواجها قاتلة، فاتق يا أمير المؤمنين صرعتها، واحذر عثرتها، فالرخاء فيها موصول بالشدة والبلاء، والبقاء مؤد إلى الهلكة والفناء.
واعلم يا أمير المؤمنين، أن أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، وتاركها موفق، والمتمسك بها هالك غرق، والفطن اللبيب من خاف ما خوفه الله وحذر ما حذره، وقدر من دار الفناء إلى دار البقاء، فعند الموت يأتيه اليقين؛ الدنيا والله يا أمير المؤمنين دار عقوبة، لها يجمع من لا عقل له، وبها يغتر من لا علم عنده، والحازم اللبيب من كان فيها كالمداوي جراحه، يصبر على مرارة الدواء، لما يرجو من
стр. 1597
العافية، ويخاف من سوء عاقبة الدار، والدنيا وايم الله يا أمير المؤمنين حلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، والعباد في أضغاث أحلام، وإني قائل لك يا أمير المؤمنين ما قال الحكيم:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا"
ولما وصل كتابه إلى عمر، بكى وانتحب حتى رحمه من كان عنده، وقال:
يرحم الله الحسن؛ فإنه لا يزال يوقظنا من الرقدة، وينبهنا من الغفلة، ولله هو من مشفق ما أنصحه! وواعظ ما أصدقه وأفصحه!.
"الحسن البصري لابن الجوزي ص٥٤، وسيرة ابن عبد العزيز لابن الجوزي ص١٢١".
стр. 1598
٤٧٤- كلمات حكيمة للحسن البصري:
وقال: احذر من نقل إليك حديث غيرك، فإنه سينقل إلى غيرك حديثك.
أيها الناس: إنكم لا تنالون ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون، الصبر صبران: صبر عند المصيبة، وصبر عن المعصية، فمن قدر على ذلك فقد نال أفضل الصبرين. أفضل الجهاد جهاد الهوى لا تكن ممن يجمع علم العلماء وحِكَم الحكماء ويجري في الحق مجرى السفهاء، من خاف الله أخاف الله سبحانه منه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء، لولا ثلاثة ما طأطأ ابن آدم رأسه: الموت، والمرض، والفقر، وإنه بعد ذلك لوثاب. احذروا العابد الجاهل، والعالم الفاسق، فإن فيهما فتنة لكل مفتون. ترك الخطيئة أهون من معالجة التوبة. لا تكن شاة الراعي أعقل منك، تزجرها الصيحة، وتطردها الإشارة. المؤمن تلقاه الزمانَ بعد الزمان، بأمر واحد، ووجه واحد، ونصيحة واحدة، وإنما يتبدل المنافق ليستأكل كل قوم. المؤمن صدق قوله فعله، وسره علانيته، ومشهده مغيبه. لا يزال العبد بخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت الفكرة من عمله
стр. 1599
والذكر من شأنه، والمحاسبة من همته، ولا يزال بشر ما استعمل التسويف، واتبع الهوى، وأكثر الغفلة، ورجح في الأماني، الحق مر لا يصبر عليه إلا من عرف حسن العاقبة، ومن رجا الثواب خاف العقاب، حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور١، واقدعوا٢ هذه النفوس، فإنها طلعة٣، وإنكم إلا تزعوها٤ تنزع بكم إلى شر غاية، يابن آدم: نهارك ضيفك، فأحسن إليه؛ فإنك إن أحسنت إليه ارتحل يحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل يذمك، وكذلك ليلك، إنما أنت أيها الإنسان عدد، فإذا مضى لك يوم فقد مضى بعضك، وقيل له: يا أبا سعيد من أشد الناس صراخًا يوم القيامة؟ فقال: رجل رزق نعمة، فاستعان بها على معصية الله، وكان يقول: لو قمت الليل حتى ينحني ظهرك، وصمت النهار حتى يسقم جسمك، لم ينفعك ذلك إلا بورع صادق.
وسمع رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك فقد قيل: ما شيء أحق بسجن من لسان. وكان يقول: لو لم يكن من شؤم الشراب إلا أنه جاء إلى أحب خلق الله إلى الله فأفسده، لكان ينبغي للعاقل أن يتركه "يعني العقل" ويقول: ما أطال أحد الأمل إلا أساء العمل، وما أساء العمل إلا ذلَّ.
وقال: "يا عجبا لقوم قد أمروا بالزاد، وأوذنوا بالرحيل، وأقام أولهم على آخرهم، فليت شعري! ما الذي ينتظرون؟ وقال: اجعل الدنيا كالقنطرة: تجوز عليها، ولا تعمرها، وقال: ليس العجب ممن عطب كيف عطب، إنما العجب ممن نجا كيف نجا"، وقال: "من أخلاق المؤمن قوة في دين، وحرص على العلم، وقناعة في فقر، ورحمة للمجهود، وإعطاء في حق، وبر في استقامة، وفقه في يقين، وكسب في حلال".
"الحسن البصري لابن الجوزي في مواضع متفرقة، والبيان والتبيين ٣: ٧٦-٨٣، أمالي السيد المرتضى ١: ١١٠-١١. وتهذيب الكامل ١: ٢٩. وزهر الآداب ١: ١٧٨، ٢: ٢٠٥".
стр. 1600
٤٧٥- خطبة واصل بن عطاء ١ المنزوعة الراء:
الحمد لله القديم بلا غاية، والباقي بلا نهاية، الذي علا في دنوه، ودنا في علوه، فلا يحويه زمان، ولا يحيط به مكان، ولا يئوده٢ حفظ ما خلق، ولم يخلقه على مثال سبق، بل أنشأه ابتداعا، وعدله اصطناعا، فأحسن كل شيء خلقه، وتمم مشيئته، وأوضح حكمته، فدل على ألوهيته، فسبحانه لا معقب٣ لحكمه، ولا دافع لقضائه، تواضع كل شيء لعظمته، وذلَّ كل شيء لسلطانه، ووسع كل شيء فضله، لا يعزب عنه مثقال حبة، وهو السميع العليم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، إلها تقدست أسماؤه، وعظمت آلاؤه، وعلا عن صفات كل مخلوق، وتنزه عن شبيه كل مصنوع، فلا تبلغه الأوهام، ولا تحيط به العقول ولا الأفهام، يُعصَى فيحلم، ويدعى فيسمع، ويقبل التوبة من عباده، ويعفو عن السيئات، ويعلم ما تفعلون، وأشهد شهادة حق، وقول صدق، بإخلاص نية، وصحة طوية، أن محمد بن عبد الله عبده ونبيه، وخالصته٤ وصفيه، ابتثعه إلى خلقه بالبينة والهدى ودين الحق، فبلغ مألكته٥، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا يصده عنه زعم زاعم، ماضيا على سنته، موفيا على قصده، حتى أتاه اليقين، فصلى الله على محمد، وعلى آل محمد
стр. 1601
أفضل وأزكى، وأتم وأنمى، وأجل وأعلى صلاة صلاها على صفوة أنبيائه، وخالصة ملائكته، وأضعاف ذلك، إنه حميد مجيد.
أوصيكم عباد الله مع نفسي بتقوى الله، والعمل بطاعته، والمجانبة لمعصيته، وأحضكم على ما يدنيكم منه، ويزلفكم لديه، فإن تقوى الله أفضل زاد، وأحسن عاقبة في معاد، ولا تلهينكم الحياة الدنيا بزينتها وخدعها، وفواتن لذاتها، وشهوات آمالها، فإنها متاع قليل، ومدة إلى حين، وكل شيء منها يزول، فكم عاينتم من أعاجيبها، وكم نصبت لكم من حبائلها، وأهلكت من جنح إليها، واعتمد عليها! أذاقتهم حلوًا، ومزجت لهم سُمًّا، أين الملوك الذين بنوا المدائن، وشيدوا المصانع، وأوثقوا الأبواب، وكاثفوا الحجاب، وأعدوا الجياد، وملكوا البلاد، واستخدموا التلاد، قبضتهم بمحملها١، وطحنتهم بكلكلها٢، وعضتهم بأنيابها، وعاضتهم من السعة ضيقا، ومن العزة ذلا، ومن الحياة فناء، فسكنوا اللحود، وأكلهم الدود، وأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم، ولا تجد إلا معالمهم، ولا تحس منهم من أحد، ولا تسمع لهم نبسا، فتزودوا عافاكم الله، فإن أفضل الزاد التقوى، واتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون، جعلنا الله وإياكم ممن ينتفع بمواعظه، ويعمل لحظه وسعادته، وممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولوا الألباب إن أحسن قصص المؤمنين، وأبلغ مواعظ المتقين، كتاب الله، الزكية آياته، الواضحة بيناته، فإذا تلي عليكم فأنصتوا له، واسمعوا لعلكم تفلحون، أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي، إن الله هو السميع العليم، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ، ثم قال:
стр. 1602
نفعنا الله وإياكم بالكتاب الحكيم، والوحي المبين، وأعاذنا وإياكم من العذاب الأليم، وأدخلنا وإياكم جنات النعيم.
"مفتاح الأفكار ص٢٧٠".
стр. 1603
٤٧٦- وصية عبد الملك بن مروان لبني أمية:
وقال عبد الملك بن مروان: "يا بني أمية: ابذلوا نداكم، وكفوا أذاكم، واعفوا إذا قدرتم، ولا تبخلوا إذا سئلتم، فإن خير المال ما أفاد حمدًا، أو نفى ذمًّا، ولا يقولن أحدكم: ابدأ بمن تعول، فإنما الناس عيال الله، قد تكفل الله بأرزاقهم، فمن وسع أخلف الله عليه، ومن ضيق ضيق الله عليه".
"الأمالي ٢: ٣٢".
стр. 1604
٤٧٧- وصية عبد الله بن شداد لابنه: ١
لما حضرت عبد الله بن شداد الوفاة، دعا ابنا له يقال له محمد، فقال:
"يا بني، إني أرى داعي الموت لا يقلع، وأرى من مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع٢، وإني موصيك بوصية فاحفظها، عليك بتقوى الله العظيم، وليكن أولى الأمور بك شكر الله، وحسن النية في السر والعلانية، فإن الشكور يزداد، والتقوى خير زاد، وكن كما قال الحطيئة:
ولست أرى السعادة جمع مال ... ولكن التقي هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخرًا ... وعند الله للأتقى مزيد
وما لا بد أن يأتي قريب ... ولكن الذي يمضي بعيد
стр. 1605
ثم قال: أي بني، لا تزهدن في معروف، فإن الدهر ذو صروف، والأيام ذات نوائب، على الشاهد والغائب، فكم من راغب أصبح مطلوبا ما لديه، واعلم أن الزمان ذو ألوان، ومن يصحب الزمان ير الهوان، وكن أي بني كما قال أبو الأسود الدؤلي:
وعد من الرحمن فضلا ونعمة ... عليك، إذا ما جاء للعرف طالب١
وإن امرأ لا يرتجى الخير عنده ... يكن هينا ثقلا على من يصاحب
فلا تمنعن ذا حاجة جاء طالبا ... فإنك لا تدري متى أنت راغب
رأيت التِوا هذا الزمان بأهله ... وبينهم فيه تكون النوائب٢
ثم قال: أي بني، كن جوادا بالمال في موضع الحق، بخيلا بالأسرار عن جميع الخلق، فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر، وإن أحمد بخل الحرّ الضنّ٣ بمكتوم السر، وكن كما قال قيس بن الخطيم الأنصاري:
أجود بمكنون التلاد وإنني ... بسرك عمن سالني لضنين٤
إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... بنث، وتكثير الحديث قمين٥
وعندي له يوما إذا ما ائتمنتني ... مكان بسوداء الفؤاد مكين٦
ثم قال: أي بني، وإن غلبت يوما على المال، فلا تدع الحيلة على حال، فإن الكريم يحتال، والدني عيال٧، وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا، أقل
стр. 1606
ما تكون في الباطن مالا، فإن الكريم من كرمت طبيعته، وظهرت عند الإنفاد١ نعمته، وكن كما قال ابن خذاق العبدي٢:
وجدت أبي قد اورثه أبوه ... خلالا قد تعد من المعالي٣
فأكرم ما تكون علي نفسي ... إذا ما قل في الأزمات مالي
فتحسن سيرتي وأصون عرضي ... ويجمل عند أهل الرأي حالي
وإن نلت الغنى لم أغلُ فيه ... ولم أخصص بجفوتي الموالي٤
ثم قال: أي بني، وإن سمعت كلمة من حاسد، فكن كأنك لست بالشاهد، فإنك إن أمضيتها حيالها٥، رجع العيب على من قالها، وكان يقال: الأريب العاقل، هو الفطن المتغافل، وكن كما قال حاتم الطائي:
وما من شيمتي شتم ابن عمي ... وما أنا مخلف من يرتجيني
وكلمة حاسد في غير جرم ... سمعت فقلت مري فانفذيني٦
فعابوها علي ولم تسؤني ... ولم يعرق لها يوما جبيني
وذو اللونين يلقاني طليقا ... وليس إذا تغيب يأتليني٧
سمعت بعيبه فصفحت عنه ... محافظة على حسبي وديني
ثم قال: أي بني، لا تؤاخ امرأ حتى تعاشره، وتتفقد موارده ومصادره، فإذا استطعت العشرة، ورضيت الخبرة٨، فواخه على إقالة العثرة؛ والمواساة في العسرة، وكن كما قال المقنع الكندي:
ابل الرجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسمن فعالهم وتفقد
стр. 1607
فإذا ظفرت بذي اللبابة والتقى ... فبه اليدين "قرير عين" فاشدد١
وإذا رأيت "ولا محالة" زلة ... فعلى أخيك بفضل حلمك فاردد
ثم قال: أي بني، إذا أحببت فلا تفرط، وإذا أبغضت فلا تشطط٢، فإنه قد كان يقال: أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما، وكن كما قال هدبة بن الخشرم العذري:
وكن مغفلا للحلم واصفح عن الخنا ... فإنك راءٍ ما حييت وسامع٣
وأحبب إذا أحببت حبا مقاربا ... فإنك لا تدري متى أنت نازع٤
وأبغض إذا أبغضت بغضا مقاربا ... فإنك لا تدري متى أنت راجع
وعليك بصحبة الأخيار، وصدق الحديث، وإياك وصحبة الأشرار، فإنه عار، وكن كما قال الشاعر:
اصحب الأخيار وارغب فيهم ... رب من صاحبته مثل الجرب
ودع الناس فلا تشتمهم ... وإذا شاتمت فاشتم ذا حسب
إن من شاتم وغدا كالذي ... يشتري الصفر بأعيان الذهب٥
واصدق الناس إذا حدثتهم ... ودع الناس فمن شاء كذب
"الأمالي ٢: ٢٠٤، والبيان والتبيين ٢: ٥٧، ١٣٨"
стр. 1608
٤٧٨- وصية أسماء بن خارجة لابنته: ١
زوج أسماء بن خارجة الفزاري بنته هندا من الحجاج بن يوسف، فلما كانت ليلة أراد البناء بها، قال لها أسماء: "يا بنية، إن الأمهات يؤدبن البنات، وإن أمك هلكت وأنت صغيرة، فعليك بأطيب الطيب؛ الماء، وأحسن الحسن؛ الكحل، وإياك وكثرة المعاتبة، فإنها قطيعة للود، وإياك والغيرة، فإنها مفتاح الطلاق، وكوني لزوجك أَمَة، يكن لك عبدا، واعلمي أني القائل لأمك:
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب٢
ولا تنقريني نقرة الدف مرة ... فإنك لا تدرين كيف المغيب
فإني وجدت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
"الأغاني ١٨: ١٢٨، والبيان والتبيين ٢: ٤٥".
стр. 1609
٤٧٩- رجل ينصح لهشام بن عبد الملك:
وخرج الزهري يوما من عند هشام بن عبد الملك، فقال: ما رأيت كاليوم، ولا سمعت كأربع كلمات، تكلم بهن رجل عند هشام، دخل عليه فقال:
"يا أمير المؤمنين، احفظ عني أربع كلمات، فيهن صلاح ملكك، واستقامة رعيتك". قال: وما هن؟ قال: "لا تعد عدة لا تثق من نفسك إنجازها، ولا يغرنك المرتقى وإن كان سهلا إذا كان المنحدر وعرًا، واعلم أن للأعمال جزاء، فاتق العواقب، وأن للأمور بغتات، فكن على حذر".
قال عيسى بن دأب: فحدثت بهذا الحديث المهدي، وفي يده لقمة قد رفعها إلى فيه، فأمسكها، وقال: ويحك! أعد علي، فقلت: يا أمير المؤمنين أسغ١، لقمتك، فقال: حديثك أعجب إلي.
"زهر الآداب ٣: ١٨٠".
стр. 1610
٤٨٠- وصية عبد الحميد بن يحيى الكاتب للكتاب:
كتب عبد الحميد بن يحيى الكاتب١ رسالة إلى الكتاب يوصيهم فيها، قال "أما بعد حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم، فإن الله جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم أجمعين، ومن بعد الملوك المكرمين أصنافًا، وإن كانوا في الحقيقة سواء، وصرفهم في صنوف الصناعات، وضروب المحاولات، إلى أسباب معايشهم، وأبواب أرزاقهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات، أهل الأدب والمروءة والعلم والرواية، بكم تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم، وتعمر بلادهم، لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون، فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم، ولا نزع عنكم ما أضفاه٢ من النعمة عليكم.
وليس أحد أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم أيها الكتاب، إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم، فإن الكاتب يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره، أن يكون حليمًا في موضع الحلم، فهيمًا في موضع الحكم، مقدامًا في موضع الإقدام، محجامًا في موضع الإحجام، مؤثرًا للعفاف، والعدل والإنصاف، كتومًا للأسرار، وفيا عند
стр. 1611
الشدائد، عالمًا بما يأتي من النوازل، يضع الأمور مواضعها، والطوارق أماكنها، قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمته، فإن لم يحكمه، أخذ منه بمقدار يكتفي به، يعرف بغريزة عقله، وحسن أدبه، وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره، فيعد لكل أمر عدته وعتاده١، ويهيئ لكل وجه هيئته وعادته، فتنافسوا، يا معشر الكتاب، في صنوف الآداب، وتفقهوا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله والفرائض، ثم العربي؛ فإنها ثقاف٢ ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط، فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم، ولا تضيعوا النظر في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها٣، ودنيها، وسفساف٤ الأمور ومحاقرها؛ فإنها مدلة للرقاب، مفسدة للكتاب، ونزهوا صناعتكم عن الدناءات، واربئوا٥ بأنفسكم عن السعاية والنميمة، وما فيه أهل الجهالات، وإياكم والكبر والصلف والعظمة، فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة، وتحابوا في الله في صناعتكم، وتواصوا عليها بالذي هو أليق بأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم.
وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه، حتى يرجع إليه حاله، ويثوب٦ إليه أمره، وإن أقعد أحدكم الكِبَرُ عن مكبه ولقاء إخوانه، فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروا٧ بفضل تجربته وقدم معرفته، وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه، أحفظ منه على ولده وأخيه، فإن عرضت في الشغل محمدة، فلا يضيفها إلا إلى صاحبه، وإن عرضت مذمة، فليحملها.
стр. 1612
هو من دونه، وليحذر السقطة والزلة، والملل عند تغير الحال، فإن العيب إليكم معشر الكتاب، أسرع منه إلى القراء، وهو لكم أفسد منه لها.
فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه الرجل، يبذل له من نفسه ما يجب له عليه من حقه؛ فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه، وشكره، واحتماله، وصبره، ونصيحته، وكتمان سره، وتدبير أمره، ما هو جزاء لحقه، ويصدق ذلك بفعاله عند الحاجة إليه، والاضطرار إلى ما لديه.
فاستشعروا ذلكم -وفقكم الله من أنفسكم- في حالة الرخاء والشدة والحرمان والمواساة والإحسان، والسراء والضراء؛ فنعمت الشيمة هذه لمن وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة، فإذا ولي الرجل منكم، أو صير إليه من أمر خلق الله وعياله أمر؛ فليراقب الله ، وليؤثر طاعته، وليكن على الضعيف رفيقا، وللمظلوم منصفا، فإن الخلق عيال الله، وأحبهم إليه أرفقهم بعياله، ثم ليكن بالعدل حاكمًا، وللأشراف مكرمًا، وللفيء موفرا، وللبلاد عامرًا، وللرعية متألفا، وعن إيذائهم متخلفًا، وليكن في مجلسه متواضعًا حليمًا، وفي سجلات خراجه واستقضاء حقوقه رفيقًا، وإذا صحب أحدكم رجلًا فليختبر خلائقه، فإذا عرف حسنها وقبيحها؛ أعانه على ما يوافقه من الحسن، واحتال لصرفه عما يهواه من القبيح، بألطف حيلة، وأجمل وسيلة، وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرًا بسياستها، التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحًا١ لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبًا٢ اتقاها من قبل يديها، وإن خاف منها شرودًا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونًا قمع برفق هواها في طريقها، فإن استمرت غطفها يسيرًا؛ فيسلس له قيادها، وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم، وخدمهم وداخلهم.
والكاتب بفضل أدبه، وشريف صنعته، ولطيف حيلته، ومعاملته لمن يحاوره
стр. 1613
من الناس ويناظره، ويفهم عنه أو يخاف سطوته، أولى بالرفق بصاحبه ومداراته وتقويم أوده، من سائس البهيمة التي لا تحير١ جوابًا، ولا تعرف صوابًا، ولا تفهم خطابًا، إلا بقدر ما يصيرها إليه صاحبها الراكب عليها؛ ألا فأمعنوا رحمكم الله في النظر، وأعملوا فيه ما أمكنكم من الروية والفكر، تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النبوة، والاستثقال والجفوة، ويصير٢ منكم إلى الموافقة، وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة، إن شاء الله تعالى.
ولا يجاوزن الرجل منكم -في هيئة مجلسه، وملبسه، ومركبه، ومطعمه، ومشربه، وبنائه٣ وخدمه وغير ذلك من فنون أمره– قدر حقه؛ فإنكم -مع ما فضلكم الله به من شرف صنعتكم- خدمة لا تحملون في خدمتكم على التقصير، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير، واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم، وقصصته عليكم، واحذروا متالف السرف، وسوء عاقبة الترف؛ فإنهما يعقبان الفقر، ويذلان الرقاب، ويفضحان أهلهما، ولا سيما الكتاب، وأرباب الآداب، وللأمور أشباه، وبعضها دليل على بعض؛ فاستدلوا على مؤتنف٤ أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجة، وأصدقها حجة وأحمدها عاقبة.
واعلموا أن للتدبير آفة متلفة، وهي الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ عمله ورؤيته؛ فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه، وليوجز في ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه؛ فإن ذلك مصلحة لفعله، ومدفعة للتشاغل عن إكثاره،
стр. 1614
وليضرع إلى الله في صلة توفيقه، وإمداده بتسديده مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه؛ فإنه إن ظن منكم ظان، أو قال قائل: إن الذي برز من جميل صنعته، وقوة حركته؛ إنما هو بفضل حيلته، وحسن تدبيره، فقد تعرض بظنه أو مقالته إلى أن يكله الله إلى نفسه، فيصير منها إلى غير كاف، وذلك على من تأمله غير خاف.
ولا يقل أحد منكم إنه أبصر بالأمور، وأحمل لعبء التدبير من مرافقه في صناعته ومصاحبه في خدمته؛ فإن أعقل الرجلين عند ذوي الألباب من رمى بالعُجْب وراء ظهره ورأى أن صاحبه أعقل منه، وأحمد في طريقته، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه، من غير اغترار برأيه، ولا تزكية لنفسه، ولا تكاثر على أخيه أو نظيره، وصاحبه وعشيره، وحمد الله واجب على الجميع، وذلك بالتواضع لعظمته والتذلل لعزته، والتحدث بنعمته.
وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل: "من يلزم النصيحة١ يلزمه العمل" وهو جوهر هذا الكتاب وغرة كلامه، بعد الذي فيه من ذكر الله ؛ فلذلك جعلته آخره، وتممته به، تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة، بما يتولى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده؛ فإن ذلك إليه وبيده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
"صبح الأعشى ١: ٨٥"
стр. 1615
الصراع بين الأموية والعباسية:
٤٨١- خطبة قحطبة بن شبيب الطائي: ١
لما دخل أبو مسلم الخراساني زعيم الدعوة العباسية مدينة مرو سنة ١٣٠هـ هرب منها نصر بن سيار -أمير خراسان من قبل مروان بن محمد الأموي- ثم سار إلى نباته ابن حنظلة: عامل جرجان٢؛ فوجه أبو مسلم قحطبة بن شبيب في جيش لقتاله٣، وقدم قحطبة؛ فنزل بإزاء نباتة، وأهل الشام في عدة لم ير الناس مثلها، فلما رآهم أهل خراسان هابوهم، حتى تكلموا بذلك وأظهروه، وبلغ قحطبة، فقام فيهم خطيبًا، فقال:
"يأهل خراسان: هذه البلاد كانت لآبائكم الأولين، وكانوا ينصرون على عدوهم لعدلهم وحسن سيرتهم؛ حتى بدلوا وظلموا، فسخط الله عليهم، فانتزع سلطانهم وسلط عليهم أذل أمة، كانت في الأرض عندهم؛ فغلبوهم على بلادهم، واستنكحوا نساءهم، واسترقوا أولادهم، فكانوا بذلك يحكمون بالعدل، ويوفون بالعهد، وينصرون