٤٤١- خطبة الحجاج بن يوسف:
ولما هزم شبيب الجيش الذي كان الحجاج وجهه إليه مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، أقبل نحو المدائن، وبلغ ذلك الحجاج؛ فقام في الناس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1542
"أيها الناس: والله لتقاتلن عن بلادكم وعن فيئكم، أو لأبعثن إلى قوم هم أطوع وأسمع، وأصبر على اللأواء والغيظ منكم، فيقاتلون عدوكم، ويأكلون فيئكم -يعني جند الشأم-".
فقام إليه الناس من كل جانب؛ فقالوا: نحن نقاتلهم، ونعتب الأمير، فليندُ بنا الأمير إليهم، فإنا حيث سره.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٤٣، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤١٨"
стр. 1543
٤٢٢- خطبة أخرى للحجاج:
وبعث الحجاج إلى عتاب بن ورقاء ليأتيه -وكان مع المهلب- ووجهه في جيش لقتال شبيب، وخطب الناس حين وجهه فقال:
"يا أهل الكوفة اخرجوا مع عتاب بن ورقاء بأجمعكم، لا أرخص لأحد من الناس في الإقامة إلا رجلًا قد وليناه من أعمالنا؛ ألا إن للصابر المجاهد الكرامة والأثرة، ألا وإن للناكل الهارب الهوان والجفوة، والذي لا إله غيره لئن فعلتم في هذا الموطن، كفعلكم في المواطن التي كانت، لأولينكم كنفًا خشنًا، ولأعركنكم بكلكل ثقيل"، ثم نزل.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٤٥"
стр. 1544
٤٤٣- خطبة شبيب بن يزيد الشيباني:
وعرض شبيب أصحابه بالمدائن؛ فكانوا ألف رجل، فخطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"يا معشر المسلمين: إن الله قد كان ينصركم عليهم وأنتم مائة ومائتان، وأكثر من ذلك قليلًا، وأنقص منه قليلًا، وأنتم اليوم مئون ومئون، ألا إني مصلي الظهر، ثم سائر بكم إن شاء الله".
"تاريخ الطبري ٧: ٢٤٦، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤١٩"
стр. 1545
٤٤٤- خطبة عتاب بن ورقاء:
ولما تواقف الفريقان للقتال، جعل عتاب يسير فيما بين الميمنة إلى الميسرة، يمر بأهل راية راية؛ فيحثهم على تقوى الله ويأمرهم بالصبر، ويقص عليهم قصصًا كثيرًا منه قوله: "يا أهل الإسلام: إن أعظم الناس نصيبًا في الجنة الشهداء، وليس الله لأحد من خلقه بأحمد منه للصابرين؛ ألا ترون أنه يقول: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ؛ فمن حمد الله فعله فما أعظم درجته، وليس الله لأحد أمقت منه لأهل البغي، ألا ترون أن عدوكم هذا يستعرض المسلمين بسيفه؟ لا يرون إلا أن ذلك لهم قربة عند الله؛ فهم شرار أهل الأرض، وكلاب أهل النار".
فلم يجبه أحد، فقال: أين القصاص يقصون على الناس ويحرضونهم؟ فلم يتكلم أحد، فقال: أين من يروي شعر عنترة فيحرك الناس؟ فلم يجبه أحد، ولا رد عليه كلمة، فقال: إنا لله! والله لكأني بكم وقد فررتم عن عتاب بن ورقاء، وتركتموه تسفِي في استه الريح، وحمل عليه شبيب فتفرق عنه كثير من أصحابه وخذلوه، وثبت في عصابة قليلة صبرت معه، وقاتل حتى قتل.
"تاريخ الطبري ٧: ٢٤٦، وشرح ابن أبي الحديد م١ ص٤٢٠"
стр. 1546
٤٤٥- خطبة الحجاج:
ولما رأى الحجاج عجز أهل الكوفة عن قتال شبيب في مواطن كثيرة، في كلها يقتل أمراءهم، ويفل جنودهم، كتب إلى عبد الملك يستمده، فبعث إليه سفيان بن الأبرد الكلبي، في أربعة آلاف، وحبيب بن عبد الرحمن الحكمي من مذحج في ألفين، ودخلا فيمن معهما من أهل الشأم الكوفة، فشدوا للحجاج ظهره، فاستغنى بهما عن أهل الكوفة، فقام على منبرها، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
стр. 1547
"أما بعد: يا أهل الكوفة، فلا أعز الله من أراد بكم العز، ولا نصر من أراد بكم النصر، اخرجوا عنا، ولا تشهدوا معنا قتال عدونا، الحقوا بالحيرة، فانزلوا مع اليهود والنصارى، ولا تقاتلوا معنا إلا من كان لنا عاملًا، ومن لم يكن شهد قتال عتاب بن ورقاء١".
"تاريخ الطبري ٧: ٢٤٨، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٢٠"
стр. 1548
٤٤٦- خطبة عبد الله بن يحيى الإباضي: ٢
لما استولى عبد الله بن يحيى الكندي على بلاد اليمن سنة ١٢٩، خطب الناس، فحمد الله جل وعز، وأثنى عليه، وصلى على نبيه ﷺ ، ووعظ وذكر وحذر، ثم قال:
"إنا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى، وسنة نبيه، وإجابة من دعا إليها، الإسلام ديننا، ومحمد نبينا، والكعبة قبلتنا، والقرآن إمامنا، رضينا بالحلال حلال، لا نبغي به بديلًا، ولا نشتري به ثمنًا قليلًا، وحرمنا الحرام ونبذناه وراء ظهورنا، ولا حول
стр. 1549
ولا قوة إلا بالله، وإلى الله المشتكى، وعليه المعول، من زنى فهو كافر، ومن سرق فهو كافر، ومن شرب الخمر فهو كافر، ومن شك في أنه كافر فهو كافر، ندعوكم إلى فرائض بينات، وآيات محكمات، وآثار مقتدى بها، ونشهد أن الله صادق فيما وعد، عدل فيما حكم، وندعو إلى توحيد الرب، واليقين بالوعيد والوعد، وأداء الفرائض، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والولاية لأهل ولاية الله، والعداوة لأعداء الله.
أيها الناس: إن من رحمة الله أن جعل في كل فترة بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل عن الهدى، ويصبرون على الألم في جنب الله تعالى، يقتلون على الحق في سالف الدهور شهداء، فما نسيهم ربهم، وما كان ربك نسيًا. أوصيكم بتقوى الله، وحسن القيام على ما وكلكم الله بالقيام به؛ فأبلوا لله بلاء حسنًا في أمره وذكره، أقول قولي هذا، وأسغفر الله لي ولكم".
"الأغاني ٢٠: ٩٨، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٥٥"
стр. 1550
خطب أبي حمزة الشاري:
٤٤٧- خطبته حين دخل المدينة:
ولما دخل أبو حمزة المدينة١ سنة ١٣٠، رقي المنبر؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وقال "يا أهل المدينة: سألناكم عن ولاتكم هؤلاء، فأسأتم -لعمر الله- فيهم القول، قلتم والله ما فيهم الذي يعلم، أخذوا المال من غير حله، فوضعوه في غير حقه، وجاروا في الحكم، فحكموا بغير ما أنزل الله، واستأثروا بفيئنا؛ فجعلوه دولة بين الأغنياء
стр. 1551
منهم، وجعلوا مقاسمنا وحقوقنا في مهور النساء؛ وفروج الإماء١، فقلنا لكم: تعالوا نحن وأنتم إلى هؤلاء الذين ظلمونا وظلموكم، وجاروا في الحكم، فحكموا بغير ما أنزل الله نناشدهم الله أن يتنحوا عنا وعنكم، ليختار المسلمون لأنفسهم، فقلتم: لا يفعلون، فقلنا لكم، تعالوا نحن وأنتم نقاتلهم، فإن نظهر نحن وأنتم نأت بمن يقيم فينا وفيكم كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، فقلتم: لا نقوى على ذلك، فقلنا لكم: فخلوا بيننا وبينهم، فإن نظفر نعدل في أحكامكم، ونحملكم على سنة نبيكم ﷺ ، ونقسم فيئكم بينكم؛ فأبيتم وقاتلتمونا دونهم، فقاتلناكم وقتلناكم، فأبعدكم الله وأسحقكم".
"تاريخ الطبري ٩: ١٠٧، والأغاني ٢٠: ١٠٣، وشرح ابن أبي الحديد ١: ص٤٥٨؛ والعقد الفريد ٢: ١٦٢"
стр. 1552
٤٤٨- خطبة أخرى له:
وروي أنه لما دخل المدينة قام فخطب، فقال في خطبته:
"يا أهل المدينة مررت بكم في زمن الأحول هشام بن عبد الملك، وقد أصابتكم عاهة بثماركم، وكتبتم إليه تسألونه أن يضع خراجكم عنكم؛ فكتب إليكم بوضعه عن قوم من ذوي اليسار منكم، فزاد الغني غنى، وزاد الفقير فقرا، فقلتم: جزاك الله خيرا، فلا جزاكم الله خيرًا، ولا جزاه خيرًا.
"تاريخ الطبري ٩: ١٠٨، والغاني ٢٠: ١٠٣، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٥٨"
стр. 1553
خطبته وقد بلغه أن أهل المدينة يعيبون صحابه
...
٤٤٩- خطبته وقد بلغه أن أهل المدينة يعيبون أصحابه: ١
وبلغ أبا حمزة أن أهل المدينة يعيبون أصحابه، لحداثة أسنانهم، وخفة أحلامهم، فصعد المنبر، وعليه كساء غليظ، وهو متنكب قوسًا عربية، فحمد الله، وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ وآله، ثم قال:
"يا أهل المدينة، قد بلغتني مقالتكم لأصحابي، ولولا معرفتي بضعف رأيكم وقلة عقولكم، لأحسنت أدبكم، ويحكم! إن رسول الله ﷺ أنزل عليه الكتاب، وبين له فيه السنن، وشرع له فيه الشرائع، وبين له فيه ما يأتي وما يذر، فلم يكن يتقدم إلا بأمر الله، ولا يحجم إلا عن أمر الله، حتى قبضه الله إليه ﷺ ، وقد أدى الذي عليه، وعلم المسلمين معالم دينهم، ولم يدعهم من أمرهم في شبهة، وولى أبا بكر صلاتهم؛ فولاه المسلمون أمر دنياهم، حين ولاه رسول الله ﷺ أمر دينهم؛ فعمل بالكتاب والسنة، وقاتل أهل الردة، وشمر في أمر الله، حتى قبضه الله إليه، والأمة عنه راضون رحمة الله عليه ومغفرته، ثم ولي بعده عمر بن الخطاب فسار بسيرة صاحبه، وعمل بالكتاب والسنة، وجند الأجناد، ومصر الأمصار، وجبى الفيء، وفرض الأعطية، وشمر عن ساقه، وحسر عن ذراعه، وجلد في الخمر ثمانين، وجمع الناس في شهر رمضان٢، وغزا العدو في بلادهم، وفتح المدائن والحصون، حتى قبضه الله إليه، والأمة عنه راضوان، رحمة الله عليه ورضوانه ومغفرته، ثم ولي من بعده عثمان بن عفان؛ فسار ست سنين بسيرة صاحبيه -وكان دونهما- ثم سار في الست الأواخر بما أحبط به الأوائل، واضطرب حبل الدين بعدها؛ فطلبها٣ كل امرئ
стр. 1554
لنفسه، وأسر كل رجل منهم سريرة أبداها الله عنه، حق مضوا على ذلك، ثم ولي علي بن أبي طالب؛ فلم يبلغ من الحق قصدا، ولم يرفع له منارًا، ثم مضى لسبيله:
ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول الله ﷺ وابن لعينه١، وجلف من الأعراب، وبقية من الأحزاب، مؤلف طليق؛ فسفك الدم الحرام، واتخذ عباد الله خولًا٢، ومال الله دولًا٣، وبغى دينه عوجًا ودغلًا٤، وأحل الفرج الحرام، وعمل بما يشتهيه، حتى مضى لسبيله؛ فالعنوه لعنه الله، ثم ولي بعده ابنه يزيد، يزيد الخمور، ويزيد الصقور، ويزيد الفهود، ويزيد الصيود، ويزيد القرود٥،
стр. 1555
الفاسق في بطنه، المأبون١ في فرجه؛ فخالف القرآن، واتبع الكهان، ونادم القرد، وعمل بما يشتهيه، حتى مضى على ذلك لعنه الله، وفعل به وفعل، ثم ولى مروان بن الحكم، طريد لعين رسول الله ﷺ وآله وابن لعينه، فاسق في بطنه وفرجه، فالعنوه والعنوا آباءه.
ثم تداولها بنو مروان بعده، أهل بيت اللعنة، طرداء رسول الله ﷺ وآله، وقوم من الطلقاء، ليسوا من المهاجرين والأنصار، ولا التابعين بإحسان؛ فأكلوا مال الله أكلًا، ولعبوا بدين الله لعبًا، واتخذوا عباد الله عبيدًا، يورث ذلك الأكبر منهم الأصغر، فيا لها أمة! ما أضيعها وأضعفها! والحمد لله رب العالمين، ثم مضوا على ذلك من سيء أعمالهم، واستخفافهم بكتاب الله تعالى، قد نبذوه وراء ظهورهم لعنهم الله، فالعنوهم كما يستحقون، وقد ولي منهم عمر بن عبد العزيز؛ فبلغ ولم يكد وعجز عن الذي أظهره حتى مضى لسبيله -ولم يذكره بخبر ولا شر-.
ثم ولي يزيد بن عبد الملك، غلام ضعيف سفيه، غير مأمون على شيء من أمور المسلمين، لم يبلغ أشده٢، ولم يؤنس رشده، وقد قال الله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ
стр. 1556
مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ١﴾ فأمر أمة محمد في أحكامها وفروجها ودمائها أعظم عند الله من مال اليتيم، وإن كان عند الله عظيمًا، غلام مأبون في بطنه وفرجه، يشرب الحرام، ويأكل الحرام، ويلبس الحرام، يلبس بردتين قد حبكتا له، وقومنا على أهلهما بألف دينار، وأكثر وأقل، قد أخذت٢ من غير حلها، وصرفت في غير وجهها، بعد أن ضربت فيها الأبشار٣، وحلقت فيها الأشعار، وهتكت فيها الأستار، واستحل ما لم يحل الله لعبد صالح، ولا لنبي مرسل، ثم يجلس حبابة عن يمينه، وسلامة عن شماله، تغنيانه بمزامير الشيطان، ويشرب الخمر الصراح المحرمة نصا بعينها؛ حتى إذا أخذت منه مأخذها، خالطت روحه ولحمه ودمه، وغلبت سورتها على عقله، مزق حلتيه، ثم التفت إليهما فقال: أتأذنان لي أن أطير٤؟ نعم، فطر إلى لعنة الله، وحريق ناره، وأليم عذابه، طر إلى حيث لا يردك الله.
стр. 1557
ثم ذكر بني أمية وأعمالهم وسيرهم فقال: "أصابوا إمرة ضائعة، وقومًا طغامًا جهالًا، لا يقومون لله بحق، ولا يفرقون بين الضلالة والهدى، ويرون أن بني أمية أرباب لهم؛ فملكوا الأمر، وتسلطوا فيه تسلط ربوبية، بطشهم بطش الجبابرة، يحكمون بالهوى، ويقتلون على الغضب، ويأخذون بالظنة، ويعطلون الحدود بالشفاعات، ويأمنون الخونة، ويقصون ذوي الأمانة، ويأخذون الفريضة من غير موضعها، ويضعونها في غير أهلها، وقد بين الله أهلها؛ فجعلهم ثمانية أصناف، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ
стр. 1558
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ١﴾ فأقبل صنف تاسع ليس منها، فأخذ كلها: تلكم الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله، فالعنوهم لعنهم الله.
وأما إخواننا من هذه الشيعة -وليسوا بإخواننا في الدين؛ لكني سمعت الله قال في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ فإنها فرقة تظاهر بكتاب الله، وأعلنت الفرية على الله، لا يرجعون إلى نظر نافذ في القرآن، ولا عقل بالغ في الفقه، ولا تفتيش عن حقيقة الصواب، قد قلدوا أمورهم أهواءهم، وجعلوا دينهم العصبية لحزب لزموه، وأطاعوه في جميع ما يقوله لهم، غيًا كان أو رشدًا، ضلالة أو هدى، ينتظرون الدول في رجعة الموتى٢، ويؤمنون بالبعث قبل الساعة، ويدعون علم الغيب لمخلوق، لا يعلم أحدهم ما في بيته؛ بل لا يعلم ما ينطوي عليه ثوبه، أو يحويه جسمه، ينقمون المعاصي على أهلها ويعملون إذا ولوا بها، يصرون على الفتنة ولا يعرفون المخرج منها؛ جفاة في دينهم،
стр. 1559
قليلة عقولهم١، قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم، وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة، وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة، قاتلهم الله أنى يؤفكون٢.
فأي هؤلاء الفرق يا أهل المدينة تتبعون، أم بأي مذاهبهم تقتدون؟ وقد بلغني أنكم تنتقصون أصحابي! قلتم شباب أحداث، وأعراب جفاة، ويحكم يا أهل المدينة! وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ وآله المذكورون في الخير إلا شبابًا أحداثًا؟ أما والله إني لعالم تتابعكم فيما يضركم في معادكم، ولولا اشتغالي بغيركم عنكم ما تركت الأخذ فوق أيديكم شباب والله مكتهلون٣ في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء٤ عبادة، وأطلاح سهر٥، باعوا أنفسًا تموت غدًا، بأنفس لا تموت أبدًا، قد نظر الله إليهم في جوف الليل، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقًا إليها، وإذا مر بآية من ذكر النار شهق شهقة، كأن زفير جهنم بين أذنيه، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم، ووصلوا كلال٦ الليل بكلال النهار، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم، من طول القيام، وكثرة الصيام، مستقلون لذلك في جنب الله، موفون بعهد الله، منجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو وقد فوقت٧، ورماحهم وقد أشرعت٨، وسيوفهم وقد انتضبت٩، وبرقت الكتيبة ورعدت بصواعق الموت، استخفوا بوعيد الكتيبة لوعيد الله، ولم يستخفوا بوعيد الله لوعيد
стр. 1560
الكتيبة، ولقوا شبًا١ الأسنة، وشائك السهام، وظبات السيوف بنحورهم، ووجوهم وصدورهم، فمضى الشاب منهم قدما، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، واختضبت محاسن وجهه بالدماء، وعفر٢ جبينه بالثرى، وانحطت عليه طير السماء، وتمرقته سباع الأرض؛ فطوبى لهم وحسن مآب؛ فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها في جوف الليل من خوف الله، وكم من يد قد أبينت عن ساعدها، طالما اعتمد عليها صاحبها راكعًا وساجدًا، وكم من وجه رقيق، وجبين عتيق٣، قد فلق بعمد الحديد، ثم بكى، وقال: آه، آه على فراق الإخوان، رحمة الله على تلك الأبدان، وأدخل أرواحهم الجنان".
"الأغاني ٢٠: ١٠٥، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٥٩، والبيان والتبيين ٢: ٦١، والعقد الفريد ٢: ١٦١"
стр. 1561
٤٥٠- خطبة أخرى:
ورقي المنبر؛ فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:
"أوصيكم بتقوى الله وطاعته، والعمل بكتابه، وسنة نبيه ﷺ ، وصلة الرحم، وتعظيم ما صغرت الجبابرة من حق الله، وتصغير ما عظمت من الباطل، وإماتة ما أحيوا من الجور، وإحياء ما أماتوا من الحقوق، وأن يطاع الله، ويعصى العباد في طاعته؛ فالطاعة لله ولأهل طاعة الله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ندعو إلى كتاب الله وسنة نبيه، والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، ووضع الأخماس في مواضعها التي أمر الله١بها، تعلمون يا أهل المدينة أنا لم نخرج من ديارنا وأموالنا أشرا
стр. 1562
ولا بطرًا، ولا عبثًا، ولا لهوًا، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه، ولا لثأر قديم نيل منا؛ ولكنا لما رأينا مصابيح الحق قد أطفئت، ومعالم العدل قد عطلت، وكثر الادعاء في الدين وعمل بالهوى، وعنف القائل بالحق، وقتل القائم بالقسط، ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وسمعنا داعيا١ يدعو إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن؛ فأجبنا داعي الله ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز٢ في الأرض؛ فأقبلنا من قبائل شتى، النفر٣ منا على بعير واحد، عليه زادهم وأنفسهم، يتعاورون لحافًا واحدًا، قليلون مستضعفون في الأرض، فآوانا الله وأيدنا بنصره، وأصبحنا والله جميعًا بنعمته إخوانًا، وعلى الدين أعوانًا، ثم لقيَنَا رجالُكم بقُدَيْد فدعوناهم إلى طاعة الرحمن، وحكم القرآن، ودعونا إلى طاعة الشيطان، وحكم مروان وآل مروان؛ فشتان لعمر الله ما بين الغي والرشد! ثم أقبلوا يهرعون ويزفون٤، قد ضرب الشيطان بجرانه٥، وغلت بدمائهم مراجله، وصدق عليهم إبليس ظنه، وأقبل أنصار الله عصائب وكتائب، بكل مهند ذي رونق، فدارت رحالنا واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون.
وأنتم يا أهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم٦ الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، ويشف صدور قوم مؤمنين، يا أهل المدينة إن أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، يا أهل المدينة: الناس منا ونحن منهم؛ إلا مشركًا عابد وثن، أو كافرًا من أهل الكتاب، أو إمامًا جائرًا أو شادًا على عضده، يا أهل المدينة: من زعم أن الله تعالى كلف نفسًا فوق طاقها، أو سألها ما لم يؤتها، فهو لله عدو ولنا حرب٧".
"تاريخ الطبري ٩: ١٠٨"، الأغاني ٢٠: ١٠٤،وشرح ابن أبي الحديد م١ ص٤٥٨، والعقد الفريد ٢: ١٦١"
стр. 1563
٤٥١- خطبة له في سب أهل المدينة وتقريعهم:
وخطب المدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
"يا أهل المدينة: مالي رأيت رسم الدبن فيكم قيًا، وآثاره دراسة، لا تقبلون عظته ولا تفقهون من أهله حجة، قد بليت فيكم حدته، وانطمست عنكم سنته، ترون معروفه منكرًا، والمنكر من غيره معروفًا، إذا انكشفت لكم العبر، وأوضحت لكم النذر١، عميت عنها أبصاركم، وصمت عنها أسماعكم، ساهين في غمرة، لا هي في غفلة، تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبص عن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم، مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفوقًا، تحملون قلوبًا في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة، أو لم تلن لكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، يا أهل المدينة، ما تغني عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم، إن الله قد جعل لكل شيء سببًا غالبًا ينقاد له، ويطيع أمره، وجعل القلوب غالبة على الأبدان؛ فإذا مالت القلوب ميلًا، كانت الأبدان لها تبعًا، وإن القلوب لا تلين أهلها إلا بصحتها، ولا يصححها إلا المعرفة بالله، وقوة النية، ونفاذ البصيرة، ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم، لاستعملت في طاعة الله أبدانكم، يا أهل المدينة: داركم دار الهجرة، ومثوى رسول الله ﷺ لما نبت به داره، وضاق به قراره، وآذاه الأعداء وتجهمت٢ له، فنقله الله إليكم، بل إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم، متوازرين مع الحق على الباطل، مختارين الآجل على العاجل، يصبرون للضراء رجاء ثوابها، فنصروا الله، وجاهدوا في سبيله، وآووا رسول الله ﷺ ونصروه، واتبعوا النور
стр. 1564
الذي أنزل معه، وآثروا الله على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة١. قال الله تعالى لأمثالهم ولمن اهتدى بهداهم: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، وأنتم أبناؤهم ومن بقي من خلفهم، تتركون أن تقتدوا بهم، أو تأخذوا بسنتهم، عمي القلوب، صم الآذان، اتبعتم الهوى؛ فأرداكم عن الهدى وأسهاكم؛ فلا مواعظ القرآن تزجركم فتزدجرون، ولا تعظكم فتعتبرون، ولا توقظكم فتستيقظون، لبئس الخلف أنتم من قوم مضوا قبلكم، ما سرتم بسيرتهم، ولا حفظتم وصيتهم، ولا احتذيتم مثالهم، لو شقت عنهم قبورهم، فعرضت عليهم أعمالكم، لعجبوا كيف صرف العذاب عنكم! ".
"الأغاني ٢٠: ١٠٥، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٥٨"
وجاء في رواية العقد الفريد:
"يا أهل المدينة: أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، إنكم أطعتم قراءكم وفقهاءكم فاختانوكم٢ عن كتاب غير ذي عوج، بتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين؛ فأصبحتم عن الحق ناكبين٣، أمواتًا غير أحياء وما تشعرون، يا أهل المدينة: يا أبناء المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، ما أصح أصلكم، وأسقم فرعكم! كان آباؤكم أهل اليقين، وأهل المعرفة بالدين، والبصائر النافذة، والقلوب الواعية، وأنتم أهل الضلالة والجهلة، استعبدتكم الدنيا فأدلتكم، والأماني فأضلتكم فتح الله لكم باب الدين فسددتموه، وأغلق عنكم باب الدنيا ففتحتموه، سراع إلى الفتنة، بطاء عن السنة، عمي عن البرهان، صم عن العرفان، عبيد الطمع، حلفاء الجزع، نعم ما ورَّثكم آباؤكم لو حفظتموه، وبئس ما تورثون أبناءكم إن تمسكوا به، نصر الله آباءكم على الحق، وخذلكم على الباطل، كان عدد آبائكم قليلًا طيبًا، وعددكم كثير
стр. 1565
خبيث، اتبعتم الهوى؛ فأرداكم، واللهو فأسهاكم، ومواعظ القرآن تزجركم فلا تزدجرون، وتعبركم١ فلا تعتبرون".
"العقد الفريد ٢: ١٦١"
стр. 1566
خطبة ثالثة
...
٤٥٢- خطبة أخرى:
وخطب فقال: "أما بعد؛ فإنك في ناشئ فتنة١ وقائد ضلالة، قد طال جثومها، واشتد عليك غمومها، وتلونت٢ مصايد عدو الله فيها، وما نصب من الشرك لأهل الغفلة عما في عواقبها٣، فلن يهد عمودها، ولن ينزع أوتادها، إلا الذي بيده ملك الأشياء، وهو الله الرحمن الرحيم، ألا وإن لله بقايا من عباده لم يتحيروا في ظلمها، ولم يشايعوا أهلها على شبَهها، مصابيح النور في أفواههم تزهو، وألسنتهم بحجج الكتاب تنطق، بكروا منهج السبيل، وقاموا على العلم٤ الأعظم، هم خصماء الشيطان الرجيم، بهم يصلح الله البلاد، ويدفع عن العباد؛ فطوبى لهم وللمستصبحين٥ بنورهم، وأسأل الله أن يجعلنا منهم٦".
"العقد الفريد ٢: ١٦٢"
стр. 1567
٤٥٣- خطبته حين خرج من المدينة:
وخطب حين خرج من المدينة، لقتال جيش مروان١ فقال:
"يا أهل المدينة: إنا خارجون لحرب مروان، فإن نظهر نعدل في أحكامكم، ونحملكم على سنة نبيكم، ونقسم بينكم فيئكم، وإن يكن ما تمنون لنا: فسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ".
"تاريخ الطبري ٩: ١١٠، والأغاني ٢٠: ١١٠ وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٦١"
стр. 1568
٤٥٤- عمران بن حطان والحجاج:
ولما ظفر الحجاج بعمران١ بن حطان الشاري. قال: اضربوا عنق ابن الفاجرة، فقال عمران: لبئس ما أدبك أهلك يا حجاج! كيف أمنت أن أجيبك بمثل ما لقيتني به؟ أبعد الموت منزلة أصانعك عليها؟ فأطرق الحجاج استحياء وقال: خلوا عنه؛ فخرج إلى أصحابه، فقالوا: والله ما أطلقك إلا الله، فارجع إلى حربه معنا، فقال: هيهات! غل يدًا مطلقها، وأسر رقبة معتقها.
"زهر الآداب ٣: ١٧٨"
стр. 1569
الخطب الوعظية والوصايا:
٤٥٥- خطبة سحبان بن زفر الوائلي ١ "توفي سنة ٥٤هـ":
خطب فقال:
"إن الدنيا دار بلاغ، والآخرة دار قرار، أيها الناس: فخذوا من دار ممركم لدار مقركم، ولا تهتكوا أسراركم عند من لا تخفى عليه أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم، قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها حييتم ولغيرها خلقتم، إن الرجل إذا هلك، قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة ما قدم لله؟ قدموا بعضا يكون لكم، ولا تخلفوا كلا يكون عليكم".
"سرح العيون ص٩٥"
стр. 1570
٤٥٦- خطبة معاوية:
وخطب معاوية بدمشق، فقال:
أيها الناس: سافروا بأبصاركم في كر الجديدين١، ثم ارجعوها كليلة عن بلوغ الأمل، فإن الماضي عظة للباقي، ولا تجعلوا الغرور سبيل العجز عن الجد، فتنقطع حجتكم في موقفٍ اللهُ سائلُكم فيه، ومحاسبُكم فيما أسلفتم، أيها الناس: أمس شاهد فاحذروه، واليوم مؤدب فاعرفوه، وغدًا رسول فأكرموه".
"مواسم الأدب ٢: ١١٦"
стр. 1571
٤٥٧- خطبة عبد الملك بن مروان:
وخطب عبد الملك بن مروان، فقال:
"أيها الناس: اعملوا لله رغبة ورهبة، فإنكم نبات نعمته، وحصيد نقمته، ولا تغرس لكم الآمال، إلا ما تجتنيه الآجال، وأقلوا الرغبة فيما يورث العطب، فكل ما تزرعه العاجلة، تقلعه الآجلة، واحذروا الجديدين، فهما يكران عليكم، إن عقبى من بقي لحوق بمن مضى، وعلى أثر من سلف، يمضي من خلف، ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ .
"مواسم الأدب ٢: ١١٨".
стр. 1572
خطبة لعمر بن عبد العزيز
...
٤٥٨- خطبة لعمرو بن عبد العزيز: ١
قال أبو العباس المبرد: حُدِّثت في بعض الأسانيد أن عمر بن عبد العزيز قال في خطبة له:
"أيها الناس: إنما الدنيا أمل مخترم، وأجل منتقص، وبلاغ إلى دار غيرها، وسير إلى الموت ليس فيه تعريج، فرحم الله امرأ فكر في أمره، ونصح لنفسه، وراقب ربه، واستقال ذنبه، ونَوَّر قلبه، أيها الناس: إن أباكم قد أخرج من الجنة بذنب واحد، وإن ربكم وعد على التوبة، فليكن أحدكم من ذنبه على وجل، ومن ربه على أمل".
"تهذيب الكامل ١: ٢٧".
стр. 1573
كلام الحسن البصرى
خطبه له
...
كلام الحسن البصري "المتوفى سنة ١١٠هـ":
٤٥٩- خطبة له:
قال الحسن البصري رحمه الله١:
"يابن آدم: بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعًا. يابن آدم: إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم عليه، الثواء٢ ههنا قليل، والبقاء هناك طويل، أمتكم آخر الأمم، وأنتم آخر أمتكم، وقد أُسرِعَ بخياركم، فماذا تنتظرون؟ المعاينة؟ فكأن قد، هيهات هيهات! ذهبت الدنيا بحاليها٣، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم.
فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة! أما إنه والله لا أمة بعد أمتكم، ولا نبي بعد نبيكم، ولا كتاب بعد كتابكم، أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وإنما ينتظر بأولكم أن يلحقه آخركم، من رأى محمدًا ﷺ فقد رآه غاديًا ورائحًا، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، رفع له علم، فشمر إليه٤، فالوحاء الوحاء٥
стр. 1574
والنجاء النجاء، علام تعرجون؟ أُتِيتُم ورب الكعبة! قد أُسرِعَ بخياركم: وأنتم كل يوم ترذلون١، فماذا تنتظرون؟ إن الله ﵎ بعث محمدا ﵊ على علم منه، اختاره لنفسه، وبعثه برسالته، وأنزل عليه كتابه، وكان صفوته من خلقه، ورسوله إلى عباده ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض٢، وآتاه منها قوتا وبلغة، ثم قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
فرغب أقوام عن عيشه، وسخطوا ما رضي له ربه، فأبعدهم الله وأسحقهم٣.
يابن آدم: طإ الأرض بقدمك، فإنها عن قليل قبرك، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك، رحم الله رجلا نظر فتفكر، وتفكر فاعتبر، وأبصر فصبر، فقد أبصر أقوام ولم يصبروا، فذهب الجزع بقلوبهم، ولم يدركوا ما طلبوا، ولم يرجعوا إلى ما فارقوا.
يابن آدم: اذكر قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ .
عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك، خذوا صفا الدنيا، وذروا كدرها، فليس الصفو ما عاد كدرا، ولا الكدر ما عاد صفوا، دعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم، ظهر الجفاء وقلت العلماء، وعفت٥ السنة، وشاعت البدعة، لقد صحبت أقواما ما كانت صحبتهم إلا قرة العين، وجلاء الصدور، ولقد رأيت أقواما كانوا -من حسناتهم أن ترد عليهم- أشفق٦ منكم -من سيئاتكم أن تعذبوا عليها، وكانوا فيما أحل الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرم الله عليكم منها، ما لي أسمع حسيسًا، ولا أرى
стр. 1575
أنيسًا، ذهب الناس وبقي النسناس١، لو تكاشفتم ما تدافنتم، تهاديتم الأطباق، ولم تتهادوا النصائح، قال ابن الخطاب: "رحم الله امرأ أهدى إلينا مساوينا" أعدوا الجواب، فإنكم مسئولون، المؤمن من لم يأخذ دينه عن رأيه، ولكنه أخذه من قبل ربه، إن هذا الحق قد جهد أهله، وحال بينهم وبين شهواتهم، وما يصبر عليه إلا من عرف فضله، ورجا عاقبته، فمن حمد الدنيا ذم الآخرة، وليس يكره لقاء الله إلا مقيم على سخطه.
يابن آدم: الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلوب، وصدقه العمل.
"البيان والتبيين ٣: ٦٨ وعيون الأخبار م٢ ص٣٤٤، وشرح ابن أبي الحديد م١: ص٤٦٩".
стр. 1576
٤٦٠- خطبة أخرى:
وكان إذا قرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ١﴾ قال:
عم ألهاكم؟ عن دار الخلود، وجنة لا تبيد٢، هذا والله فضح القوم، وهتك الستر، وأبدى العوار٣، تنفق مثل دينك في شهواتك سرفًا، وتمنع في حق الله درهمًا! ستعلم يا لكع٤، الناس ثلاثة: مؤمن، وكافر، ومنافق؛ فأما المؤمن: فقد ألجمه الخوف وقومه ذكر العرض؛ وأما الكافر: فقد قمعه السيف، وشرده الخوف، فأذعن بالجزية، وسمح بالصربية؛ وأما المنافق: ففي الحجرات والطرقات، يسرون غير ما يعلنون، ويضمرون غير ما يظهرون، فاعتبروا إنكارهم ربهم، بأعمالهم الخبيثة، ويلك؟ قتلت وليه، ثم تتمنى عليه جنته؟ ".
"البيان والتبيين ٣-٦٩"
стр. 1577
٤٦١- خطبة أخرى:
وكان يقول: "رحم الله رجلا خلا بكتاب الله، فعرض عليه نفسه، فإن وافقه حمد ربه، وسأله الزيادة من فضله، وإن خالفه أعتب وأناب، وراجع من قريب، رحم الله رجلا وعظ أخاه وأهله فقال: "يا أهلي: صلاتكم صلاتكم، زكاتكم زكاتكم، جيرانكم جيرانكم، إخوانكم إخوانكم، مساكينكم مساكينكم، لعل الله يرحمكم، فإن الله ﵎ أثنى على عبد من عباده، فقال: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ . يابن آدم: كيف تكون مسلما ولم يسلم منك جارك، وكيف تكون مؤمنا ولم يأمنك الناس؟ ".
"البيان والتبيين ٣: ٦٩".
стр. 1578
٤٦٢- خطبة أخرى:
وكان يقول: "لا يستحق أحد حقيقة الإيمان، حتى لا يعيب الناس بعيب هو فيه ولا يأمر بإصلاح عيوبهم، حتى يبدأ بإصلاح ذلك من نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عيبا إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي له أن يصلحه، فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره، وإنك ناظر إلى عملك بوزن خيره وشره، فلا تحقرن شيئا من الخير وإن صغر؛ فإنك إذا رأيته سرك مكانه، ولا تحقرن شيئًا من الشر وإن صغر؛ فإنك إذا رأيته ساءك مكانه".
"البيان والتبيين ٣: ٧٠".
стр. 1579
٤٦٣- خطبة أخرى:
وكان يقول: "رحم الله عبدا كسب طيبا، وأنفق قصدا، وقدم فضلا، وجهوا هذه الفضول١ حيث وجهها الله، وضعوها حيث أمر الله، إن من كان قبلكم كانوا يأخذون من الدنيا بلاغهم، ويؤثرون بالفضل، ألا إن هذا الموت قد أضر بالدنيا ففضحها، فلا والله ما وجد ذو لب فيها فرحا، فإياكم وهذه السبل المتفرقة، التي جماعها الضلالة، وميعادها النار، أدركت من صدر هذه الأمة قوما كانوا إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم، يفترشون خدودهم، تجري دموعهم على خدودهم، يناجون مولاهم في فكاك رقابهم، إذا عملوا الحسنة سرتهم، وسألوا الله أن يتقبلها منهم، وإذا عملوا سيئة ساءتهم، وسألوا الله أن يغفرها لهم، يابن آدم: إن كان لا يغنيك ما يكفيك، يابن آدم: لا تعمل شيئًا من الحق رياء، ولا تتركه حياء".
"البيان والتبيين ٣: ٧٠".
стр. 1580
٤٦٤- خطبة أخرى:
وكان يقول: "إن العلماء كانوا قد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، وكانوا يقضون بعلمهم على أهل الدنيا، ما لا يقضي أهل الدنيا بدنياهم فيها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم، فأصبح اليوم أهل العلم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في دنياهم، فرغب أهل الدنيا بدنياهم عنهم، وزهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم"، وكان يقول: لا أذهب إلى من يواري.