← Адаб

Адаб · id 12005

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

أحمد زكي صفوت

Полный текст (2 227 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأما أنسابها وأحسابها؛ فليست أمة من الأمم إلا وقد جهلت آباءها وأصولها وكثيرًا من أولها، حتى إن أحدهم ليسأل وراء أبيه دنيا١؛ فلا ينسبه ولا يعرفه، وليس أحد من العرب إلا يسمي آباءه أبًا فأبًا، حاطوا بذلك أحسابهم، وحفظوا به أنسابهم، فلا يدخل رجل في غير قومه، ولا ينتسب إلى غير نسبه، ولا يدعى إلى غير أبيه. وأما سخاؤها؛ فإن أدناهم رجلًا، الذي تكون عنده البكرة والناب٢، عليها بالغه٣ في حموله٤ وشبعه وريه، فيطرقه الطارق، الذي يكتفي بالفلذة٥، ويحتري بالشبة؛ فيعقرها له، ويرضى أن يخرج عن دنياه كلها فيما يكسبه حسن الأحدوثة وطيب الذكر. وأما حكمة ألسنتهم؛ فإن الله تعالى أعطاهم في أشعارهم ورونق كلامهم، وحسنه ووزنه وقوافيه، ومع معرفتهم الأشياء، وضربهم للأمثال، وإبلاغهم في الصفات، ما ليس لشيء من ألسنة الأجناس ثم خيلهم أفضل الخيل، ونساؤهم أعف النساء، ولباسهم أفضل اللباس، ومعادنهم الذهب والفضة، وحجارة جبالهم الجزع٦. ومطاياهم التي لا يبلغ على مثلها سفر، ولا يقطع بمثلها بلد فقر. وأما دينها وشريعتها؛ فإنهم متمسكون به، حتى يبلغ أحدهم من نسكه بدينه أن لهم أشهرًا حرمًا، وبلدًا محرمًا، وبيتًا محجوجًا، ينسكون فيه مناسكهم، ويذبحون فيه ذبائحهم، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه، وهو قادر على أخذ ثأره، وإدراك رغمه٧ منه؛ فيحجزه كرمه، ويمنعه دينه عن تناوله بأذى.

стр. 72

وأما وفاؤها، فإن أحدهم يلحظ اللحظة، ويومئ الإيماءة، فهي ولث١ وعقدة، لا يحلها إلا خروج نفسه، وإن أحدهم يرفع عودًا من الأرض فيكون رهنًا بدينه، فلا يغلق٢ رهنه، ولا تخفر٣ ذمته، وإن أحدهم ليبلغه أن رجلًا استجار به وعسى أن يكون نائيا عن داره. فيصاب، فلا يرضى حتى يفنى تلك القبيلة التي أصابته، أو تفنى قبيلته، لما أخفر من جواره، وإنه ليلجأ إليهم المجرم المحدث، من غير معرفة ولا قرابة، فتكون أنفسهم دون نفسه، وأموالهم دون ماله. وأما قولك أيها الملك يئدون أولادهم، فإنما يفعله من يفعله منهم بالإناث أنفة من العار، وغيرة من الأزواج. وأما قولك إن أفضل طعامهم لحوم الإبل _على ما وصفت منها_ فما تركوا ما دونها إلا احتقارًا لها، فعمدوا إلى أجلها وأفضلها، فكانت مراكبهم وطعامهم، مع أنها أكثر البهائم شحومًا، وأطيبها لحومًا، وأرقها ألبانًا، وأقلها غائلة٤، وأحلاها مضغة، وإنه لا شيء من اللحمان يعالج ما يعالج به لحمها إلا استبان فضلها عليه. وأما تحاربهم وأكل بعضهم بعضًا، وتركهم الانقياد لرجل يسوسهم ويجمعهم، فإنما يفعل ذلك من يفعله من الأمم إذا أنست من نفسها ضعفًا، وتخوفت نهوض عدوها إليها بالزحف، وإنه إنما يكون في المملكة العظيمة أهل بيت واحد، يعرف فضلهم على سائر غيرهم، فيلقون إليهم أمورهم، وينقادون لهم بأزمتهم، وأما العرب فإن ذلك كثير فيهم، حتى لقد حاولوا أن يكونوا ملوكًا أجمعين، مع أنفتهم من أداء الخراج والوطث٥ بالعسف.

стр. 73

وأما اليمن التي وصفها الملك؛ فإنما أتى جد الملك إليها الذي١ أتاه، عند غلبة الحبش له، على ملك متسق، وأمر مجتمع؛ فأتاه مسلوبًا طريدًا مستصرخًا، ولولا ما وتر به من يليه من العرب؛ لمال إلى مجال، ولوجد من يجيد الطعان، ويغضب للأحرار من غلبة العبيد الأشرار". فعجب كسرى لما أجابه النعمان به، وقال: إنك لأهل لموضعك من الرياسة في أهل إقليمك، ثم كساه من كسوته، وسرحه إلى موضعه من الحيرة. فلما قدم النعمان الحيرة، وفي نفسه ما فيها مما سمع من كسرى من تنقص العرب وتهجين٢ أمرهم، بعث إلى أكثم بن صيفي، وحاجب بن زرارة التميميين، وإلى الحارث بن عباد، وقيس بن مسعود البكريين، وإلى خالد بن جعفر، وعلقمة بن علاثة، وعامر بن الطفيل العامريين، وإلى عمرو بن الشريد السلمي، وعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والحارث بن ظالم المرى؛ فلما قدموا عليه في الخورنق، قال لهم: قد عرفتم هذه الأعاجم، وقرب جوار العرب منها، وقد سمعت من كسرى مقالات، تخوفت أن يكون لها غور، أو يكون إنما أظهرها لأمر أراد أن يتخذ به العرب خولًا، كبعض طماطمته٣، في تأديتهم الخراج إليه٤، كما يفعل بملوك الأمم الذي حوله؛ فاقتص عليهم مقالات كسرى، وما رد عليه؛ فقالوا: أيها الملك، وفقك الله! ما أحسن ما رردت! وأبلغ ما حججته به! فمرنا بأمرك، وادعنا إلى ما شئت. قال: إنما أنا رجل منكم، وإنما ملكت وعززت بمكانكم، وما تخوف من ناحيتكم، وليس شيء أحب إلي مما سدد الله به أمركم، وأصلح به شأنكم، وأدام به عزكم، والرأى أن تسيروا بجماعتكم أيها الرهط، وتنطلقوا إلى كسرى؛ فإذا دخلتم نطق كل رجل منكم

стр. 74

بما حضره؛ ليعلم أن العرب على غير ما ظن، أو حدثته نفسه، ولا ينطق رجل منكم بما يغضبه؛ فإنه ملك عظيم السلطان، كثير الأعوان، متزن، معجب بنفسه، ولا تتخزلوا١ له انخزال الخاضع الذليل، وليكن أمر بين ذلك، تظهر به وثاقة حلومكم، وفضل منزلتكم، وعظيم أخطاركم، وليكن أول من يبدأ منكم بالكلام أكثم بن صيفي، ثم تتابعوا على الأمر من منازلكم التي وضعتكم بها؛ فإنما دعاني إلى التقدمة إليكم، علمي بميل كل رجل منكم إلى التقدم قبل صاحبه، فلا يكونن ذلك منكم، فيجد في آدابكم مطعنًا؛ فإنه ملك مترف، وقادر مسلط. ثم دعا لهم بما في خزائنه من طرائف حلل الملوك، كل رجل منهم حلة وعممه عمامة، وختمه بياقوتة، وأمر لكل رجل منهم بنجيبة مهرية٢ وفرس نجيبة، وكتب معهم كتابًا: "أما بعد: فإن الملك ألقى إلي أمر العرب ما قد علم، وأجبته بما قد فهم، مما أحببت أن يكون منه على علم، ولا يتلجلج في نفسه أن أمة من الأمم التي احتجزت دونه بمملكتها، وحمت ما يليها بفضل قوتها، تبلغها وشيء من الأمور، التي تعزز بها ذوو الحزم والقوة والتدبير والمكيدة، وقد أوفدت إليها الملك رهطًا من العرب لهم فضل في أحسابهم وأنسابهم وعقولهم وآدابهم؛ فليسمع الملك، وليغمض عن جفاء إن ظهر من منطقهم، وليكرمني بإكرامهم، وتعجيل سراحهم، وقد نسبتهم في أسفل كتابي هذا إلى عشائرهم". فخرج القوم في أهبتهم حتى وقفوا بباب كسرى بالمدائن؛ فدفعوا إليه كتاب النعمان فقرأه، وأمر بإنزالهم إلى أن يجلس لهم مجلسًا منهم؛ فلما أن كان بعد ذلك بأيام، أمر مرازبته٣ ووجوه أهل مملكته، فحضروا وجلسوا على كراسي، عن يمينه

стр. 75

وشماله، ثم دعا على الولاء١ والمراتب التي وصفهم النعمان بها في كتابه، وأقام الترجمان٢ ليؤدي إليه كلامهم، ثم أذن لهم في الكلام.

стр. 76

٢٢- خطبة أكثم بن صيفي: فقام أكثم بن صيفي فقال: "إن أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها، وأفضل الملوك أعمها نفعًا، وخير الأزمنة أخصبها، وأفضل الخطباء أصدقها، الصدق منجاة، والكذب مهواة، والشر لجاجة١، والحزم مركب صعب، والعجز مركب وطي، آفة الرأي الهوى، والعجز مفتاح الفقر، وخير الأمور الصبر، حسن الظن ورطة، وسوء الظن عصمة، إصلاح فساد الرعية خير من إصلاح فساد الراعي، من فسدت بطانته كان كالغاص بالماء، شر البلاد بلاد لا أمير بها، شر الملوك من خافه البريء، المرء يعجز٢ لا محالة٣، أفضل الأولاد البررة، خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة، أحق الجنود بالنصر من حسنت سريرته، يكفيك من الزاد ما بلغك المحل، حسبك من شر سماعه، الصمت حكم٤ وقليل فاعله، البلاغة الإيجاز، من شدد نفر، ومن تراخى تألف". فتعجب كسرى من أكثم، ثم قال: ويحك٥ يا أكثم ما أحكمك وأوثق كلامك! لولا وضعك كلامك في غير موضعه. قال أكثم: الصدق ينبئ عنك لا الوعيد. قال كسرى: لو لم يكن للعرب غيرك لكفى. قال أكثم: رب قول أنفذ من صول.

стр. 77

٣٣- خطبة حاجب بن زرارة: ثم قام حاجب بن زرارة التميمي فقال: " ورى١ زندك، وعلت يدك، وهيب سلطانك، إن العرب أمة قد غلظت أكبادها، واستحصدت٢ مرتها، ومنعت درتها٣، وهي لك وامقة ما تألفتها، مسترسلة ما لا ينتها، سامعة ما سامحتها، وهي العلقم مرارة، والصاب٤ غضاضة٥، والعسل حلاوة، والماء الزلال٦ سلاسة٧، نحت وفودها إليك، وألسنتها لديك، ذمتنا محفوظة، وأحسابنها ممنوعة، وعشائرنا فينا سامعة مطيعة، إن نوب لك حامدين خيرًا؛ فلك بذلك عموم محمدتنا، وإن نذم لم نخص بالذم دونها". قال كسرى: يا حاجب، ما أشبه حجر التلال بألوان صخرها، قال حاجب: بل زئير الأسد بصولتها، قال كسرى: وذلك.

стр. 78

٣٤- خطبة الحارث بن عباد: ثم قام الحارث بن عباد البكري؛ فقال: دامت لك المملكة باستكمال جزيل حظها، وعلو سنائها، من طال رشاؤه١، كثر متحه٢، ومن ذهب ماله، قل منحه. تناقل الأقاويل يعرف اللب، وهذا

стр. 79

مقام سيوجف١ بما ينطق به الركب، وتعرف به كنه حالنا العجم والعرب، ونحن جيرانك الأدنون، وأعوانك المعينون، خيولنا جمة، وجيوشنا فخمة، إن استنجدتنا فغير ربض٢، وإن استطرقتنا٣ فغير جهض٤، وإن طلبتنا فغير غمض٥، لا ننثني لذعر، ولا نتنكر لدهر، رماحنا طوال، وأعمارنا قصار". قال كسرى: أنفس عزيزة وأمة ضعيفة، قال الحارث: أيها الملك وأنى يكون لضعيف عزة أو لصغير مرة! قال كسرى: لو قصر عمرك، لم تستول على لسانك نفسك. قال الحارث: أيها الملك إن الفارس إذا حمل نفسه على الكتيبة مغررًا بنفسه على الموت؛ فهي منية استقبلها، وجنان استدبرها، والعرب تعلم أني أبعث الحرب قدمًا٦، وأحبسها وهي تصرف بها، حتى إذا جاشت نارها، وسعرت لظاها، وكشفت عن ساقها، جعلت مقادها رمحي، وبرقها سيفي، ورعدها زئيري، ولم أقصر عن خوص خضخاضها٧، حتى أنغمس في غمرات لججها، وأكون فلكًا لفرساني إلى بحبوحة كبشها٨، فأستمطرها دمًا، وأترك حماتها جزر٩ السباع وكل نسر

стр. 80

قشعم١. ثم قال كسرى لمن حضره من العرب: أكذلك هو؟ قالوا: فعاله أنطق من لسانه. قال كسرى: ما رأيت كاليوم وفدًا أحشد، ولا شهودًا أوفد.

стр. 81

٣٥- خطبة عمرو بن الشريد: ثم قام عمرو بن الشريد السلمي؛ فقال: "أيها الملك، نعم بالك، ودام في السرور حالك، إن عاقبة الكلام متدبرة، وأشكال الأمور معتبرة، وفي كثير ثقلة، وفي قليل بلغه، وفي الملوك سورة١ العز، وهذا منطق له ما بعده، شرف فيه من شرف، وحمل فيه من حمل، لم نأت لضيمك، ولم نفد لسخط، ولم تتعرض لرفدك٢ إن في أموالنا منتقدًا٣، وعلى عزنا معتمدًا، إن أورينا٤ نارًا أثقبنا، وإن أود٥ دهر بنا اعتدلنا؛ إلا أنا مع هذا لجوارك حافظون، ولمن رامك كافحون، حتى يحمد الصدر٦ ويستطاب الخبر". قال كسرى: ما يقوم قصد منطقك بإفراطك، ولا مدحك بذمك، قال عمرو: كفى بقليل قصدي هاديًا، وبأيسر إفراطي مخبرًا، ولم يلم من غربت نفسه عما يعلم، ورضي من القصد بما بلغ. قال كسرى: ما كل ما يعرف المرء ينطق به. اجلس.

стр. 82

٣٦- خطبة خالد بن جعفر الكلابي: ثم قام خالد بن جعفر الكلابي فقال: "أحضر الله الملك إسعادًا، وأرشده إرشادًا، إن لكل منطق فرصة، ولكل حاجة غصة، وعي المنطق أشد من عي السكوت، وعثار القول أنكأ١ من عبار الوعث٢. وما فرصة المنطق عندنا إلا بما تهوى، وغصة المنطق بما لا تهوى غير مستساغة٣، وتركي ما أعلم من نفسي، ويعلم من سمعي أنني مطيق، أحب إلي من تكلفي ما أتخوف وبتخوف مني، وقد أوفدنا إليك ملكنا النعمان، وهو لك من خير الأعوان، ونعم حامل المعروف والإحسان، أنفسنا بالطاعة لك باخعة٤، ورقابنا بالنصيحة خاضعة، وأيدينا لك بالوفاء رهينة". قال له كسرى: نطقت بعقل، وسموت بفضل، وعلوت بنبل.

стр. 83

٣٧- خطبة علقمة بن علاثة العامري: ثم قام علقمة بن علاثة العامري فقال: "نهجت١ لك سبل الرشاد، وخضعت لك رقاب العباد، إن للأقاويل مناهج، وللآراء موالج٢ وللعويص مخارج، وخير القول أصدقه، وأفضل الطلب أنجحه، إنا وإن كانت المحبة أحضرتنا، والوفادة قربتنا؛ فليس من حضرك منا بأفضل ممن عزب عنك، بل لو قست كل رجل منهم، وعلمت منهم ما علمنا، لوجدت له في آبائه

стр. 84

دنيا، أندادًا وأكفاء، كلهم إلى الفضل منسوب، وبالشرف والسؤدد١ موصوف، وبالرأي الفاضل والأدب النافذ٢ معروف، يحمي حماه، ويروي نداماه٣، ويذود أعداه، لا تخمد٤ ناره، ولا يحترز منه جاره أيها الملك: من يبل العرب يعرف فضلهم؛ فاصطنع٥ العرب؛ فإنها الجبال الرواسي عزًّا، والبحور الزواخر طميًّا٦، والنجوم الزواهر شرفًا، والحصى عددًا، فإن تعرف لهم فضلهم بعزوك، وإن تستصرخهم٧ لا يخذلوك". قال كسرى: وخشي أن يأتي منه كلام يحمله على السخط عليه -حسبك أبلغت وأحسنت.

стр. 85

٣٨- خطبة قيس بن مسعود الشيباني: ثم قام قيس بن مسعود الشيباني؛ فقال: "أطاب الله بك المراشد! وجنبك المصائب! ووفاك مكروه الشصائب١! ما أحقنا -إذ أتيناك- بإسماعك ما لا يحنق صدرك، ولا يزرع لنا حقدًا في قلبك! لم نقدم أيها الملك لمساماة، ولم ننتسب لمعاداة، ولكن لتعمل أنت ورعيتك ومن حضرك من وفود الأمم، أنا في المنطق غير محجمين، وفي الناس غير مقصرين إن جورينا فغير مسبوقين، وإن سومينا فغير مغلوبين".

стр. 86

قال: كسرى: غير أنكم إذا عاهدتم غير وافين "وهو يعرض به في تركه الوفاء بضمانه السواد١" قال قيس: أيها الملك ما كنت في ذلك إلا كواف غدر به، أو كخافر أخفر بذمته. قال كسرى: ما يكون لضعيف ضمان، ولا لذليل خفارة، قال قيس: أيها الملك، ما أنا فيما أخفر من ذمتي أحق بإلزامي العار منك فيما قتل من رعيتك، وانتهك من حرمتك، قال كسرى: ذلك؛ لأن من ائتمن الخانة٢، واستنجد الأثمة، ناله من الخطأ ما نالني، وليس كل الناس سواء، كيف رأيت حاجب بن زرارة، لم يحكم قواه، فيبرم، ويعهد فيوفي، ويعد فينجز، قال وما أحقه بذلك، وما رأيته إلا لي، قال كسرى: القوم بزل٣ فأفضلها أشدها.

стр. 87

٣٩- خطبة عامر بن الطفيل العامري: ثم قام عامر بن الطفيل العامري فقال: "كثر فنون المنطق، ولبس القول أعمى من حندس١ الظلماء؛ وإنما الفخر في الفعال، والعجز في النجدة، والسودد مطاوعة القدرة٢، وما أعلمك بقدرنا، وأبصرك بفضلنا، وبالحرى٣ إن أدالت٤ الأيام، وثابت الأحلام أن تحدث لنا أمورًا لها أعلام٥. قال كسرى: وما تلك الأعلام، قال مجتمع٦ الأحياء من ربيعة ومضر، على أمر يذكر قال كسرى: وما الأمر الذي يذكر؟ قال: ما لي علم بأكثر مما خبرني به مخبر، قال كسرى: متى تكاهنت يابن الطفيل؟ قال: لست بكاهن، ولكني بالرمح

стр. 88

طاعن، قال كسرى: فإن أتاك آت من جهة عينك العوراء ما أنت صانع؟ قال: ما هيبتي في قفاي بدون هيبتي في وجهي، وما أذهب عيني عيث١، ولكن مطاوعة العبث.

стр. 89

خطبة عمرو بن معد يكرب الزبيدي ... ٤٠- خطبة عمرو بن معد يكرب الزيبدى: ثم قام عمرو بن معد يكرب الزبيدي، فقال: "إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه؛ فبلاغ المنطق الصواب، وملاك النجعة١ الارتياد، وعفو الرأي خير من استكراه الفكرة، وتوقيف الخبرة خير من اعتساف الحيرة، فاجتبذ٢ طاعتنا بلفظك، واكتظم بادرتنا بحلمك، وألن لنا كنفك يسلس لك قيادنا، وإنا أناس يوقس٣ صفاتنا قراع مناقير٤ من أراد لنا قضمًا٥، ولكن منعنا حمانا من كل رام لنا هضمًا".

стр. 90

٤١- خطبة الحارث بن ظالم المري: ثم قام الحرث بن ظالم المري؛ فقال: "إن من آفة المنطق الكذب، ومن لؤم الأخلاق الملق، ومن خطل الرأي خفة الملك المسلط؛ فإن أعلمناك أن مواجعتنا لك عن الائتلاف، وانقيادنا لك عن تصف، فما أنت لقبول ذلك منا بخليق، ولا للاعتماد عليه بحقيق؛ ولكن الوفاء بالعهود، وإحكام ولث العقود، والأمر بيننا وبينك معتدل، ما لم يأتِ من قبلك ميل أو زلل".

стр. 91

قال كسرى: من أنت؟ قال: الحارث بن ظالم، قال إن في أسماء آبائك لدليلًا على قلة وفائك، وأن تكون أولى بالقدر، وأقرب من الوزر. قال الحارث: إن في الحق مغضبة. والسرو التغافل١، ولن يستوجب أحد الحلم إلا مع القدرة؛ فلتشبه أفعالك مجلسك، قال كسرى: هذا فتى القوم ثم قال كسرى: قد فهمت ما نطقت به خطباؤكم، وتفتن فيه متكلموكم، ولولا أني أعلم أن الأدب لم يثقف أودكم، ولم يحكم أمركم، وأنه ليس لكم ملك يجمعكم؛ فتنطلقون عنده منطق الرعية الخاضعة الباخعة؛ فنطقتم بما استولى على ألسنتكم، وغلب على طباعكم، لم أجز لكم كبيرًا مما تكلمتم به، وإني لأكره أن أجبه وفودي، أو أحنق صدورهم، والذي أحب من إصلاح مدبركم، وتألف شواذكم، والإعذار إلى الله فيما بيني وبينكم، وقد قبلت ما كان في منطقكم من صواب، وصفحت عما كان فيه من خلل؛ فانصرفوا إلى ملككم، فأحسنوا موازرته، والتزموا طاعته، واردعوا سفهاءكم وأقيموا أودهم، وأحسنوا أدبهم؛ فإن في ذلك صلاح العامة. "العقد الفريد ١: ١٠١".

стр. 92

٤٢- مخالس بن مزاحم وقاصر بن سلمة عند النعمان بن المنذر: كان مخالس بن مزاحم الكلبي، وقاصر بن سلمة الجذامي بباب النعمان بن المنذر، وكان بينهما عداوة؛ فأتى قاصرًا إلى ابن فرتنى وهو عمرو بن هند أخو النعمان بن المنذر، وقال: إن مخالسًا هحاك، وأنشده في ذلك أبياتًا؛ فلما سمع عمرو ذلك آتى النعمان؛ فشكا مخالسًا وأنشده الأبيات؛ فأرسل النعمان إلى مخالس؛ فلما دخل عليه قال: "لا أم لك! أتهجوا امرأ هو ميتًا خير منك حيًّا، وهو سقيمًا خير منك صحيحًا. وهو غائبًا خير منك شاهدًا؟ فبحرمة ماء المزن١، وحق أبي قابوس٢، لئن لاح لي أن ذلك كان منك؛ لأنزعن غلصمتك من قفاك، ولا طعمنك لحمك". قال مخالس: "أبيت اللعن! كلا، والذي رفع ذروتك بأعمادها، وأمات حسادك بأكمادها، ما بلغت غير أقاويل الوشاة، ونمائم العصاة، وما هجوت أحدًا، ولا أهجو امرأً ذكرت أبدًا، إني أعوذ بجدك الكريم، وعز بيتك القديم، أن ينالني منك عقاب، أو يفاجئني منك عذاب، قبل الفحص والبيان، عن أساطير أهل البهتان". فدعا النعمان قاصرًا فسأله، فقال قاصر: "أبيت اللعن! وحقك لقد هجاه وما أروانيها سواء" فقال مخالس: "لا يأخذن أيها الملك منك قول امرئ آفك٣، ولا توردني سبيل المهالك. واستدلل على كذبه بقوله: إني أرويته مع ما تعرف من عداوته"؛ فعرف النعمان صدقه فأخرجهما. فلما خرجا، قال مخالسًا لقاصر: "شقي جدك، وسفل خدك، وبطل كيدك، ولا حل للقوم جرمك، وطاش عني سهمك، ولأنت أضيق حجرًا من نفاز٤، وأقل قوى من الحامل على الكراز٥" فأرسلها مثلًا. "مجمع الأمثال ١: ١٤٠".

стр. 93

٤٣- ضمرة بن ضمرة عند النعمان بن المنذر: قيل إن رجلًا من بني تميم يقال له ضمرة بن ضمرة، كان يغير على مسالح١ النعمان بن المنذر، حتى إذا عيل صبر النعمان، كتب إليه أن ادخل في طاعتي، ولك مائة من الإبل؛ فقبلها وأتاه؛ فلما نظر إليه ازدراه -وكان ضمرة دميمًا- فقال: تسمع بالمعيدي لا أن تراه٢. فقال ضمرة: مهلًا أيها الملك. إن الرجال لا يكالون بالصيعان٣. وإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه. إن قاتل بجنان. وإن نطق نطق ببيان. قال: صدقت لله درك هل لك علم بالأمور والولوج فيها؟ قال: والله إني لأبرم منها المسحول٤. وأنقض منها المفتول. وأحيلها حتى تحول، ثم أنظر إلى مايئول. وليس للأمور بصاحب. من لا ينظر في العواقب. قال: صدقت، لله درك! فأخبرني: ما العجز الظاهر، والفقر الحاضر، والداء العياء٥، والسوءة السوءاء؟ قال ضمرة: "أما العجز الظاهر؛ فالشاب القليل الحيلة. اللزوم للحليلة. الذي يحوم حولها. ويسمع قولها؛ فإن غضبت ترضاها. وإن رضيت تفداها. وأما الفقر الحاضر؛ فالمرء لا تشبع نفسه. وإن كان من ذهب خلسه٦. وأما الداء العياء: فجار السوء، إن كان فوقك قهرك، وإن كان دونك همزك٧. وإن أعطيته كفرك، وإن منعته شتمك؛ فإن كان ذلك جارك، فأخل له دارك، وعجل منه فرارك، وإلا فأقم بذل

стр. 94

وصغار، وكن ككلب هرار١، وأما السوءة السوءاء: فالحليلة الصخابة٢، الخفيفة الوثابة، السليطة٣ السبابة، التي تعجب من غير عجب، وتغضب من غير غضب، الظاهر عيبها، والمخوف غيبها؛ فزوجها لا يصلح له حال، ولا ينعم له بال، وإن كان غنيًّا لا ينفعه غناه، وإن كان فقيرًا أبدت له قلاه٤، فأراح الله منها بعلها، ولا متع الله بها أهلها". فأعجب النعمان حسن كلامه، وحضور جوابه؛ فأحسن جائزته. واحتبسه قبله. "جمهرة الأمثال ١: ١٨٦".

стр. 95

٤٤- لبيد بن ربيعة يصف بقلة: وفد على النعمان بن المنذر عامر بن مالك مُلَاعب الأسِنّة في رهط من بني جعفر بن كلاب، فيهم لبيد بن ربيعة، فطعن فيهم الربيع بن زياد العبسي، وذكر معايبهم -وكان نديمًا للنعمان، وكانت بنو جعفر لهم أعداء- فلم يزل بالنعمان حتى صده عنهم؛ فدخلوا عليه يومًا، فرأوا منه جفاء -وقد كان يكرمهم ويقربهم- فخرجوا غضابًا، ولبيد متخلف في رحالهم، يحفظ متاعهم، ويغدو بإبلهم كل صباح يرعاها -وكان أحدثهم سنًّا- فأتاهم ذات ليلة وهم يتذاكرون أمر الربيع؛ فسألهم عنه فكتموه، فقال: والله لا حفظت لكم متاعًا، ولا سرحت لكم بعيرًا، أو تخبروني فيم أنتم؟ وكانت أم لبيد يتيمة في حجر الربيع، فقالوا: خالك قد غلبنا على الملك، وصد عنا وجهه، فقال لبيد: هل تقدرون على أن تجمعوا بيني وبينه، فأزجره عنكم بقول ممض مؤلم، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدًا؟ قالوا: وهل عندك شيء؟ قال: نعم. قالوا: فإنا نبلوك.

стр. 96

قال: وما ذاك؟ قالوا: تشم هذه البقلة -وقدامهم بقلة دقيقة القضبان، قليلة الأوراق، لاصقة بالأرض، تدعى التربة- فقال: "هذه التربة التي لا تذكي١ نارًا، ولا تؤهل٢ دارًا، ولا تسر جارًا، عودها ضئيل، وفرعها كليل٣، وخيرها قليل، أقبح البقول مرعى، وأقصرها فرعًا، وأشدها قلعًا، فتعسًا لها وجدعًا٤، وبلدها شاسع٥، ونبتها خاشع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع٦؛ فالقوا بي أخا بني عبس، أرده عنكم بتعس٧ ونكس، وأتركه من أمره في لبس". فلما أصبحوا غدوا به معهم إلى النعمان؛ فذكروا حاجتهم، فاعترض الربيع، فرجز به ليبد رجزًا ما لبث معه النعمان أن تقزز منه، وأمره بالانصراف إلى أهله "مجمع الأمثال ٢: ٣٣ وجمهرة الأمثال ٢: ١١٦، والأغاني ١٤: ٩١، أبناء نجباء الأبناء ص ١٧١، وأمالي السيد المرتضى ١: ١٣٥".

стр. 97

٤٥- كلمات هند بنت الخس الإيادية: أتى رجل هند بنت الخس الإيادية يستشيرها في امرأة يتزوجها؛ فقالت: "انظر رمكاء١ جسيمة، أو بيضاء وسيمة، في بيت جد، أو بيت حد، أو بيت عز" قال: ما تركت من النساء شيئًا، قالت: "بلى، شر النساء تركت: السويداء الممراض٢، والحميراء المحياض٣ الكثيرة المظاظ٤". وقيل لها: أي النساء أسوأ؟ قالت: "التي تعقد بالفناء، وتملأ الإناء، وتمذق٥

стр. 98

ما في السقا" قيل: فأي النساء أفضل؟ قالت: "التي إذا مشت أغيرت١، وإذا نطقت صرصرت٢، متوركة جارية٣، في بطنها جارية، يتبعها جارية٤". قيل: فأي الغلمان أفضل؟ قالت: "الأسوق الأعنق٥، الذي إن شب كأنه أحمق" قيل: فأي الغلمان أفسل٦؟ قالت: "الأويقص٧ القصير العضد، العظيم الحاوية٨، الأغيبر الغشاء، الذي يطيع أمه، ويعصي عمه". "الأمالي ٢: ٢٦٠". وقيل لها: أي الرجال أحب إليك؟ قالت: السهل النجيب، السمح الحسيب، الندب٩ الأريب، السيد المهيب، قيل لها: فهل بقي أحد من الرجال أفضل من هذا؟ قالت: نعم الأهيف الهفهاف١٠، الأنف العياف، المفيد المتلاف، الذي يخيف ولا يخاف، قيل لها: فأي الرجال أبغض إليك؟ قالت: الأوره١١ النئوم، الوكل السئوم، الضعيف الحيزوم، اللئيم الملوم، قيل لها: فهل بقي أحد شر من هذا؟ قالت: نعم، الأحمق النزاع، الضائع المضلع، الذي لايهاب ولا يطاع، قالوا: فأي النساء أحب إليك؟ قالت: البيضاء العطرة، كأنها ليلة قمرة١٢ قيل: فأي النساء

стр. 99

أبغض إليك؟ قالت: العنقص١ القصيرة، التي إن استنطقتها سكتت، وإن سكت عنها نطقت". "ذيل الأمالي ص ١٢٠". وقال لها أبوها يومًا: أي المال خير؟ قالت: "النخل، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل٢" قال: وأي شيء؟ قالت: "الضأن: قرية لا وباء بها. تنتجها رخالًا٣، وتحلبها علالًا٤، وتجز لها جفالًا٥، ولا أرى مثلها مالًا" قال: فالإبل مالك توخرينها؟ قالت: "هي أذكار الرجال، وإرقاء الدماء، ومهور النساء" قال: فأي الرجال خير؟ قالت: خير الرجال المرهقون كما خير تلاع البلاد أوطؤها٦ قال: أيهم؟ قالت: "الذي يسأل ولا يسأل، ويضيف ولا يضاف، ويصلح ولا يصلح". قال: فأي الرجال شر؟ قالت:"الثصيط النطيط٧ الذي معه سويط٨، الذي يقول أدركوني من عبد بني فلان، فإني قاتله أو هو قاتلي". قالت: فأي النساء خير؟ قالت: "التي في بطنها غلام، تحمل على وركها غلامًا، يمشي وراءها غلام" قال: فأي الجمال خير؟ قالت: "السبحل الربحل٩، الراحلة الفحل". قال:

стр. 100

أرأيتك الجذع١، قالت: لا يضرب، ولايدع، قال: أرأيتك الثني٢ قالت: يضرب، وضرابه وفي٣، قال: أرأيتك السدس٤، قالت: ذاك العرس٥. "ذيل الأمالي ص ١٠٨". وقيل لها: أي الخيل أحب إليك؟ قالت: "ذو الميعة الصنيع٦، السليط التليع٧، الأيد الضليع٨ الملهب٩ السريع" فقيل لها: أي الغيوث أحب إليك؟ قالت: "ذو الهيدب المنبعق١٠، الأضخم المؤتلق١١ الصخب المنبثق١٢" وقيل لها: ما مائة من المعز؟ قالت: موبل يشف الفقر من ورائه، مال الضعيف، وحرفة العاجز" قيل: فما مائة من الضأن؟ قالت "قرية لاحمى بها" قيل: فما مائة الإبل؟ قالت: "بخ ١٣، جمال ومال، ومنى الرجال". قيل: فما مائة من الخيل؟ قالت:

стр. 101

"طغى من كانت له ولا يوجد" قيل: فما مائة من الحمر؟ قالت: عازبة١ الليل، وخزي المجلس، لا لبن فيحلب، ولا صوف فيجز، إن ربط عيرها٢ أدلى، وإن ترك ولى، وقيل لها: من أعظم الناس في عينك؟ قالت: "من كانت لي إليه حاجة". "سرح العيون ص١٨٤". وقالت: "أخبث الذئاب ذئب الغضا٣، وأخبث الأفاعي أفعى الجدب، وأسرع ظباء الحلب٤، وأشد الرجال الأعجف٥، وأجمل النساء الفخمة الأسيلة٦، وأقبح النساء الجهمة القفرة٧، وآكل الدواب الرغوث٨، وأطيب اللحم عوذه٩، وأغلظ المواطئ الحصى على الصفا، وشر المال مالًا يزكى١٠ ولا يذكي١١، وخير المال سكة مأبورة١٢، أو مهرة مأمورة١٣". "مجمع الأمثال ١: ١٧٤".

стр. 102

٤٦- خطبة كعب بن لؤي: وخطب كعب بن لؤي "وهو الجد السابع للنبي ﷺ " فقال: "اسمعوا وعوا، وتعلموا تعلموا، وتفهموا تفهموا، ليل ساج١، ونهار صاج٢، والأرض مهاد، والجبال أوتاد، والأولون كالآخرين، كل ذلك إلى بلاء، فصلوا أرحامكم، وأصلحوا أحوالكم؛ فهل رأيتم من هلك رجع، أو ميتًا نشر، الدار أمامكم، والظن خلاف ما تقولون، زينوا حرمكم وعظموا، وتمسكوا به ولا تفارقوه، فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم، ثم قال: نهار وليل واختلاف حوادث ... سواء علينا حلوها ومريرها يئوبان بالأحداث حتى تأوبا ... وبالنعم الضافي علينا ستورها٣ صروف وأنباء تقلب أهلها ... لها عقد ما يستحيل مريرها على غفلة يأتي النبي محمد ... فيخبر أخبارًا صدوقًا خبيرها ثم قال: يا ليتني شاهد فحواء دعوته ... حين العشيرة تبغي الحق خذلانا٤ "صبح الأعشى ١: ١١٢".

стр. 103

٤٧- خطبة هاشم بن عبد مناف: يحث قريشًا على إكرام زوار بيت الله الحرام. كأن هاشم بن عبد مناف يقوم أول نهار اليوم الأول من ذي الححة فيسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها، فيخطب قريشًا، فيقول: "يا معشر قريش، أنتم سادة العرب، أحسنها وجوهًا، وأعظمها أحلامًا، وأوسطها١ أنسابًا، وأقربها أرحامًا. يا معشر قريش، أنتم جيران بيت الله، أكرمكم بولايته، وخضكم بجواره، دون بني إسماعيل، وحفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جاره؛ فأكرموا ضيفه، وزوار بيته؛ فإنهم يأتونكم شعثًا٢ غبرًا من كل بلد، فورب هذه البنية٣، لو كان لي مال يحمل ذلك لكفيتكموه، ألا وإني مخرج من طيب مالي وحلاله، ما لم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم، ولم يدخل فيه حرام، فواضعه؛ فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك، وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل منكم من ماله، لكرامة زوار بيت الله ومعونتهم إلا طيبًا، لم يؤخذ ظلمًا، ولم يقطع فيه رحم، ولم يغتصب". "شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣. ٤٥٨".

стр. 104

٤٨- خطبة هاشم بن عبد مناف في قريش وخزاعة: تنافرت قريش وخزاعة١ إلى هاشم بن عبد مناف، فخطبهم بما أذعن له الفريقان بالطاعة؛ فقال في خطبته: "أيها الناس، نحن آل إبراهيم، وذرية إسماعيل، وبنو النضر بن كنانة٢ وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة، وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب، ومعدن المجد، ولكل في كل حلف٣ يجب عليه نصرته، وإجابة دعوته، إلا ما دعا إلى عقوق عشيرته، وقطع رحم، يا بني قصي: أنتم كغصني شجرة أيهما كسر أوحش صاحبه، والسيف لا يصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه، ومن أحكمه٤ اللجاج أخرجه إلى البغي. أيها الناس: الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر غير٥، والمرء منسوب إلى فعله، ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول تجانبكم السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم

стр. 105

بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنية فإنها تضع الشرف، وتهدم المجد، وإن نهنهة١ الجاهل أهون من جريرته٢، ورأس العشيرة يحمل أثقالها، ومقام الحليم عظة لمن انتفع به". فقالت قريش: "رضينا بك أبا نضلة" وهي كنيته. "بلوغ الأرب ١: ٣٢٢".

стр. 106

٤٩- خطبة عبد المطلب بن هاشم: يهنئ سيف بن ذي يزن باسترداد ملكه من الحبشة. لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة، أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنئه وتمدحه، ومنهم وفد قريش، وفيهم عبد المطلب بن هاشم؛ فاستأذنه في الكلام فأذن له، فقال: "إن الله تعالى -أيها الملك- أحلك محلًّا رفيعًا، صعبًا منيعًا، باذخًا١ شامخًا، وأنبتك منبتًا طابت أرومته٢، وعزت جرثومته٣، وثبت أصله، وبسق٤ فرعه، في أكرم معدن، وأطيب موطن، فأنت -أبيت اللعن- رأس العرب وربيعها الذي به تخصب، وملكها الذي به تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها٥ الذي إليه يلجأ العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا بعدهم خير خلف، ولن يهلك من أنت

стр. 107

خلفه، ولن يخمل من أنت سلفه، نحن أيها الملك أهل حرم الله وذمته، وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجك بكشف الكرب الذي فجحنا١، فنحن وفد التهنئة، لا وفد المرزئة٢". "العقد الفريد ١:١٠٧، وأبناء نجباء الأبناء ص ١١".

стр. 108

٥٠- خطبة أبي طالب: في زواج الرسول ﷺ بالسيدة خديجة خطب أبو طالب حين زواج النبي ﷺ بالسيدة خديجة فقال: "الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم، وذرية إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا، وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحاكم على الناس، ثم إن محمد بن عبد الله ابن أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه: برًا وفضلًا، وكرمًا وعقلًا، ومجدًا ونبلًا١، وإن كان في المال قل٢؛ فإنما المال ظل زائل، وعارية٣ مسترجمة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي". "صبح الأعشى١" ٢١٣، وإعجاز القرآن ١٢٦، وتهذيب الكامل ١: ٤، والسيرة الحلبية ١: ١٣٣".

стр. 109

خطبة الكهان الكاهن الخزاعي ينفر هاشم بن عبد مناف ... خطب الكهان: ٥١- الكاهن الخزاعي ينفر هاشم بن عبد مناف على أمية بن عبد شمس: ولي هاشم بعد أبيه عبد مناف، ما كان إليه من السقاية والرفادة١، فحسده أمية بن عبد شمس بن عبد مناف على رياسته وإطعامه، وكان ذا مال؛ فتكلف أن يصنع صنيع هاشم؛ فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش؛ فغضب ونال من هاشم، ودعاه إلى المنافرة، فكره هاشم ذلك لسنه وقدره؛ فلم تدعه قريش حتى نافره على خمسين ناقة سود الحدق ينحرها ببطن مكة، والجلاء عن مكة عشر سنين؛ فرضي بذلك أمية، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي -وهو جد عمرو بن الحمق، ومنزله بعسفان٢، وكان مع أمية همهمة بن عبد العزى الفهري، وكانت ابنته عند أمية؛ فقال الكاهن: "والقمر الباهر، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر، وما اهتدى بعلم٣ مسافر، من منجد وغائر٤، لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، أو منه وآخر، وأبو همهمة بذلك خابر".

стр. 110

فقضى لهاشم بالغلبة، وأخذ هاشم الإبل؛ فنحرها وأطعمها، وغاب أمية عن مكة بالشام عشر سنين؛ فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية. "تاريخ الكامل لابن الأثير ٢: ٦، والسيرة الحلبية ١: ٤، وتاريخ الطبري ٢: ١٨٠".
следующие страницы →