← История

История · id 12007

دراسات في تاريخ العرب القديم

محمد بيومى مهران

Полный текст (645 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ولا عجب أن تؤدي العناية المضاعفة بها إلى توليد أعظم السلالات في بلاد العرب، دون موطنها الأصلي، والاعتزاز بها إلى ظهور أنساب لها١، ولعل أعرق الخيل نسبًا ما كان في نجد، بل إن خيول نجد لتعد من أجود الخيول في العالم قاطبة٢. ولقد عرفت بلاد العرب كذلك -إلى جانب الإبل والخيل- البغال والحمير: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣، وهناك كذلك الشاة والماعز والبقر والقردة والنسانيس والحمير "وهو حامور في العبرية، وأنثاه أتون أي أتان في العربية"، ويظهر أنها أقدم عهدا في بلاد العرب من الجمل والخيل والبغال، إذ كانت وسيلة النقل والركوب في أوائل الألف الثانية ق. م٤. وهناك من الحيوانات البرية، الأسد والفهد والنمر والضبع والثعلب والذئب وابن آوى والوعل واليربوع والخنزير والأرانب والغزلان والظباء، ويبدو أن هذه الحيوانا قد قلت الآن، ربما بسبب كثرة السكان واستعمال آلات الصيد الحديثة وتغير المناه، فمثلا كانت الأسود في وادي بيش، ووادي عتود وعثر، بل إن هناك أماكن اشتهرت بكثرة أسودها حتى قيل لها "مآسد" "والواحدة مأسدة"، ومن الطيور هناك النعام والقطا والحجل والكروان والغراب والبجع والرخم والهدهد والنسر والعقاب والصقر والبوم والحدأة وغيرها٥. وهناك العقارب بأحجام وألوان مختلفة، والأفاعي والحيات، والتي كان بعضها كبير الحجم يقفرب على من يهاجمه بسرعة خاطفة، فأفزع الناس في البوادي والأودية، وحتى زعم البعض أن لبعضها أجنحة، وأنها ذات ألوان مختلفة، إلى غير ذلك من صفات تركت أثرها في كتابا "هيرودوت" و"سترابو"٦، وتحدثنا

стр. 142

النصوص الآشورية أن جيش "إسرحدون" "٦٨٠-٦٦٩ق. م" قد فزع من كثرة الثعابين والحيات في البادية، والتي زعمت النصوص أن من بينها ثعابين ذات رأسينن وأخرى لها أجنحة١، وقد فزع الإسرائيليون كذلك في أثناء التيه من "الثعابين الطائرة"٢، كما فزع السياح والمستشرقون المحدثون من كثرة الثعابين في الأماكن التي نزلوا بها، ومنها "وادي السرحان"٣.

стр. 143

طرق القوافل: تقع شبه جزيرة العرب في مكان وسط من حيث المناطق المناخية والنباتية في العالم القديم، فإلى شرقها يقع الإقليم الموسمي الغني بإنتاجه الزراعي، وإلى غربها وشمالها يقع إقليم البحر المتوسط وما وراءه، وله لون خاص من الإنا الزراعي يختلف عن الإنتاج في الغقليم الموسمي، وبعبارة أخرى، تقع الصحراء العربية على أقصر طريق بين أغنى أقاليم العالم القديم التي تتفاوت في إنتاجها تفاوتًا كبيرًا، مما يؤدي إلى التبادل التجاري، ومن ناحية أخرى يملك البدوي وسيلة المواصلات الوحيدة في الصحراء -الجمل وخاصة المهري- وأخيرًا فالتجارة وسيلة ممتازة للاستفادة، أفضل بكثير من رحلاته التي يقوم بها بطبعه إلى هوامش الصحراء، لمبادلة حاصلاته بحاصلات الزراع المستقرين، أضف إلى ذلك كله، أن البدو يمكنهم عبور الصحراء في قوافل ذات أعداد كبيرة، تضمن الحماية والسلامة من الغارات في أثناء الطريق١. وهكذا تكاملت الأطراف لإنشاء تجارة رابحة بين الإقليم الموسمي وبلاد الهلال الخصيب من ناحية، وبين جنوب غرب شبه الجزيرة العربية وجنوبها، ومصر ودول شرق البحر المتوسط من ناحية أخرى، أو بمعنى آخر، وجدت مناطق الإنتاج

стр. 144

وأسواق الاستهلاك، والعرب الرعاة وإبلهم فيما بينهما وسطاء للتجارة، وهكذا نشأت الطرق والدروب الصحراوية لتسلكها التجارة، وأصبح جنوب غرب الجزيرة وجنوبها مركز إشعاع تخرج منه القوافل التجارية إلى الشمال -عبر مكة ويثرب- حتى الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وحول خليج العقبة إلى مصر، وكانت موانئ الخليج العربي مركز الإشعاع الثاني للطرق والدروب الصحراوية، فمنه تخرج الطرق إلى غرب شبه الجزيرة وإلى جنوبها، وشمالها الغربي١. لقد كان هناك مركزان تخرج منهما الطرق: جرها على الخليج العربي، ومدن الساحل الجنوبي الغربي، وقد سارت هذه الطرق كالآتي: ١- الطريق الجنوبي الشمالي: من مأرب إلى البتراء، ويبدأ في الواقع من عدن وقنا في بلاد اليمن وحضرموت، ثم مأرب -على مبعدة ٨٠ ميلا إلى الشرق من صنعاء -ثم يتجه إلى نجران فالطائف، ثم مكة ويثرب وخيبر والعلاء ومدائن صالح، ثم ينفصل الطريق هنا ليتجه فرع منه إلى تيماء صوب العراق، ويستمر الفرع الآخر في نفس الاتجاه حتى البتراء فغزة ثم الشام ومصر. ٢- طريق مأرب -جرها: ويتجه من مأرب ثم نجران، حيث يتجه إلى الشمال الشرقي في وادي الدواسر، ويمر بقرية "الفاو" -على مبعدة ٥٠ كيلو مترًا إلى جنوب نقطة يتداخل ويتقاطع فيها وادي الدواسر مع جبال طويق عند فوهة مجرى قناة تدعى الفاو، وتشرف على الحافة الشمالية الغربية للربع الخالي- ومن هناك يتجه إلى الأفلاج فاليمامة، أو عن طريق واحة يبرين -على مبعدة ٣٠٠ كيلو متر جنوب غرب الهفوف- ثم واحة الهفوف، فجرها "الجرعاء"٢، على ساحل الخليج العرب.

стр. 145

٣- طريق جرها- البتراء: ويبدأ من جرها ثم الهفوف، ثم إلى شمال اليمامة، عند موقع مدينة الرياض الحالية تقريبًا، ثم يتجه إلى الشمال الغربي، موازيًا لجبل طويق، ثم يتجه غربًا إلى بريدة، ومنها حائل فتيماء، وأخيرًا البتراء. ٤- ويرفد هذا، الطريق الرابع: البحر العربي والمحيط الهندي والممالك العربية الجنوبية، وخاصة حضرموت ومنطقة عمان، ويبدأ من الخليج متجهًا شمالان بغرب مارًّا بمحاذاة الحدود الشرقية لنجد، فمنها بعدئذ، إما إلى الشمال في اتجاه العراق، وإما إلى بادية الشام. ٥- وأما الطريق الخامس: فقد كان عبر الطرف الشرقي من الربع الخالي، ويبدأ من منطقة حضرموت وعمان متجهًا إلى منطقة اليمامة، صاعدًا إلى بلاد الشام أو العراق، حيث يلتقي بالطريق الشرقي وبفرع الطريق الغربي١. وعلى أي حال، ففي القرن الأول الميلادي تحولت التجارة إلى البحر الأحمر، فاضمحلت أهمية هذه الطرق، وأصبح الطريق البحري هو المفضل، وأما أهم مواد تجار النقل في الصحراء، فكان كل ما خف حمله وغلا ثمنه، فمن الجنوب إلى

стр. 146

الشمال يتحرك تبر الذهب والصمغ والعاج وريش النعام والبخور من اللبان والمر، ومن الشمال إلى الجنوب تتحرك الأقمشة والآلات والأدوات والمعادن والملح، أي الخامات من الجنوب والمصنوعات من الشمال١.

стр. 147

الفصل الرابع: لفظة العرب مدلولها وتطورها التاريخي لعل من الأفضل هنا أن نحدد معنى كلمة "عربي" وأصولها، تلك الكلمة التي تضاربت فيها آراء المفسرين، ولم يتفقوا على رأي واحد بشأنها، حتى أدلى بعضهم برأي أو بآخر، لا يعدو أن يكون مجرد حدس أو تخمين، فما هي المادة التي اشتقت منها كلمة عربي إذن؟، وما هو أقدم ذكر لها؟ وهل سمي سكان بلاد العرب أنفسهم عربًا؟ ومتى كان ذلك؟ إن علماء العربية أنفسهم حيارى في تعيين أول من نطق بالعربية، فبينما ذهب فريق إلى أن "يعرب بن قحطان" كان أول من أعرب في لسانه، وتكلم بهذا اللسان العربي، وأول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية١، لأنه "أول من سجع في العربية الواسعة، ونطق بأفصحها وأبلغها وأوجزها، والعربية منسوبة إليه مشتقة من اسمه"٢، ولكنهم في نفس الوقت يجعلون العربية لسان أهل الجنة،

стр. 148

كما هي لسان آدم قبل أن ينحرف إلى السريانية١، أي أنهم يجعلون "يعرب بن قحطان" هذا، إنما يرجع إلى مبدأ الخليقة، ومن نافلة القول أن نقول: إن الأمر لم يكن كذلك. هذا فضلا عن أن هؤلاء الذين ينادون بقحطانية اللغة العربية، إنما يجهدون أنفسهم ليأتوا بالغث والسمين من الروايات لإثبات صحة ما يذهبون إليه، من أن القحطانيين هم أصل العرب، وأن لسانهم هو لسان العرب الأول، ومنهم تعلم العدنانيون العربية٢، حتى ذهب البعض منهم إلى أن يكون دليله القاطع على صحة ما ذهب إليه أبياتا من شعر "حسان بن ثابت"٣، وتجاهل أصحاب هذا الاتجاه أن شعر حسان هذا جدّ متأخر، بحيث لا يمكن أن يكون دليلنا على أول من نطق بالعربية، فضلا عن أن الصحابي الجليل قحطاني، ومن ثم فربما كان متعصبًا لقومه في شعره. هذا، ويبدو أن فريقًا من أصحاب هذا الاتجاه قد تنبهوا إلى ذلك، ومن ثم فقد نسبوا إلى "يعرب" نفسه شعرًا عربيًّا فصيحًا، يقول فيه: أنا ابن قحطان الهمام الأفضل ... وذو البيان واللسان الأسهل نفرت والأمة في تبلبل ... نحو يمين الشمس في تمهل وكنت منهم ذا الرعيل الأول٤

стр. 149

وبدهي أن هذا شعر منحول، ما في ذلك من ريب. أضف إلى ذلك، أنه -على ما يبدو- لم يكن يخطر ببال هؤلاء المنادين بقحطانية اللغة العربية، أن سكان اليمن قبل الإسلام إنما كانوا ينطقون بلجهات تختلف عن لهجة القرآن الكريم، وأن من يأتي بعدهم قد يكشف سر "المسند" -الخط الذي كان الناس يكتبون به في جنوب شبه الجزيرة العربية- ومن ثم يمكن قراءة نصوصه والتعرف على لغته١، وأن عربيته إنما هي عربية تختلف عن هذه العربية التي ندون بها، حتى ذهب الأمر بعلماء العربية في الإسلام إلى إخراج الحميرية واللهجات العربية الأخرى في جنوب شبه الجزيرة العربية من اللغة العربية، وقصر العربية على العربية التي نزل بها القرآن الكريم، وعلى ما تفرع منها من لهجات٢، ومن هنا يروي "الجمحي" أن أحد علماء العربية سئل عن لسان حمير، فقال: ما لسان حمير وأقاصي اليمن بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا٣، وإن كان دون شك أن هذا هو رأي العدنانيين في القحطانيين. هذا فضلا عن أن القائلين بأن "يعرب بن قحطان" هو جد العربية وموجدها عاجزون عن التوفيق بين رأيهم هذا، وبين رأيهم في أن العربية قديمة قدم العالم، وأنها لغة آدم في الجنة، ثم هم عاجزون أيضًا عن بيان كيف كان لسان أجداد "يعرب"؟ وكيف اهتدى إلى استنباطه لهذه اللغة العربية؟، وكيف تمكن وحده من إيجادها من غير مؤازر ولا معين؟ إلى غير ذلك من أسئلة لم يفطن إليها أهل الأخبار في ذلك الزمن٤. على أن هناك من حاول أن يقدم تفسيرًا أسطوريًّا ذهب فيه إلى أن عادًا قد انقرضت من اليمن بعد عهد هود عليه السلام٥، فأرسل النمرود ابن عمه قحطان أو ولده يعرب ليسكنها، وحين وصل الأخير إلى اليمن لم يجد فيها إلا قليلا ممن

стр. 150

آمن بهود، ولكنهم سرعان ما بادوا١، ومن ثم فقد خلصت الأرض لقحطان، وكان "يعرب" دون إخوته من امرأة من عاد، فتكلم بلسانها وهو العربية، على أن رواية أخرى تذهب إلى أن المرأة إنما كانت من العماليق، وأن أولادها جميعًا قد أخذوا العربية عنها٢، فضلا عن أن "النمرود" هذا -في رأيهم- هو صاحب إبراهيم ﵇. والذي يأتي بعد عصر "هود" بقرون، فيما يزعمون. وهناك فريق ثان إنما يزعم أن هودا، ﵇، إنما كان أول من تكلم بالعربية، بينما يزعم آخرون أن أباه هو أو من تكلم بها، على أن فريقًا ثالثًا يرى أن نوحًا ﵇ هو أول الناطقين بالعربية٣، ويتجه فريق رابع إلى أنه "عمليق"، وهو أبو العمالقة، وذلك حين ظعن القوم من بابل، ومن ثم فقد كان يقال للعماليق -وكذا لجدهم- "العرب العاربة"٤. وأخيرًا فلقد ذهب فريق خامس إلى أن إسماعيل بن إبراهيم، ﵉، كان أول من ألهم هذا اللسان العربي المبين، وهو ما يزال بعد في الرابعة عشرة من عمره٥، ولعل هذا الاتجاه الأخير إنما كان السبب في أن يذهب البعض إلى أن قحطانًا إنما هو من ولد إسماعيل، عليه السلام٦. ولعل هذه الآراء المتضاربة إنما كانت السبب في أن يحاول البعض التوفيق بين الرأيين الأساسيين -الأول والخامس- ومن ثم فقد ذهب هذا النفر إلى أن "يعرب" هو أول من نطق بمنطق العربية، وأن إسماعيل هو أول من نطق بالعربية الحجازية الخالصة، التي أنزل بها القرآن الكريم٧.

стр. 151

وعلى أي حال، فإن الألولسي يذهب إلى أن لفظ العرب، إنما يطلق أصلا لقوم جمعوا عدة صفات، منها أن لسانهم كان العربية، ومنها أنهم كانوا من أولاد العرب، ومنها أن مساكنهم كانت بأرض العرب حتى ظهور الإسلام، ثم تفرقوا بعد ذلك في البلاد التي دانت بعقيدة التوحيد وبرسالة محمد -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ١- ويذهب آخرون إلى أن كل من سكن جزيرة العرب ونطق بلسان أهلها، فهم العرب، سموا عربًا باسم بلدهم العربات٢. هذا وقد اختلفت الآراء كذلك في معنى كلمة "عرب" ومصدر اشتقاقها، فبينما ذهب البعض إلى أن أصل الكلمة ما يزال غامضًا٣، ذهب آخرون إلى أنها مشتقة من الفعل "يعرب"، بمعنى يفصح في الحديث، ومن ثم فقد أصبحت تدل على العرب لفصاحتهم٤، إلا أن هناك من يعارض هذا الاتجاه ويرى أن العكس هو الصحيح، وأن الفعل "يعرب" هو الذي اشتق من كلمة "عرب"، ذلك أن المرء عندما يعبر عن أفكاره باللسان، فإنه إنما يعبر عن رأيه٥. على أن هناك من يذهب إلى أن كلمة "عرب" إنما هي مشتقة من أصل سامي قديم بمعنى "الغرب"٦، وأن القاطنين في بلاد الرافدين هم الذين أطلقوا عليهم هذا الاسم، لأنهم يقيمون في البادية الواقعة إلى الغرب من العراق، والتي كان يطلق عليها "أرض عربي"٧، غير أن هناك من يرى أن العرب كانوا يستخدمون هذا الاسم إذا ما تحدثوا عن أنفسهم، ومن ثم فليس من المعقول أن يسمي قوم أنفسهم باسم يدل على موقعهم بالنسبة إلى غيرهم من الشعوب المجاورة٨. والرأي عندي أن ذلك ليس صحيحًا، فالأموريون، كما نعرف، كان قد أطلق

стр. 152

عليهم جيرانهم السومريون في الشرق اسم "مارتو"، كما أطلق عليهم الأكديون اسم "أمورو" ويعني "الغرب" وهو الاسم الذي عرفوا به في التاريخ، بل إن البابليين توسعوا في استعمال كلمة "أمورو" فأطلقوها على كل سورية القديمة، كما سموا البحر الأبيض المتوسط "بحر أمورو العظيم"، وأما عاصمتهم فقد كانت "ماري" وهي كلمة سومرية من جهة الاشتقاق، شبيهة باسم البلاد "مارتو" و"أمورو" أي بلاد الغرب١، ناهيك بما نستعمله الآن -سياسيًّا وعلميًّا- من اصطلاحات "الشرق الأدنى" و"الشرق الأوسط" و"الشرق الأقصى"، وكلها اصطلاحات أوربية، تدل على موقع تلك المناطق من أوربا. وهناك من يرى أن كلمة "عربي" ترتبط بكلمة "عبري" ارتباطًا لغويًّا متينًا لأنهما مشتقان من أصل واحد، ويدلان على معنى واحد، فهما مشتقان من الفعل الثلاثي "عبر" بمعنى قطع مرحلة من الطريق، أو عبر الوادي أو النهر من عِبْرِهِ إلى عِبْرِهِ، أو عبر السبيل شقها، ذلك لأن العرب والعبريين كانوا في الأصل من الأمم البدوية الصحراوية التي لا تستقر في مكان، بل ترحل من بقعة إلى أخرى بإبلها وماشيتها بحثًا عن الماء والكلأ، ومن هنا فإن كلمة عربي وعبري مثل كلمة بدوي، أي ساكن الصحراء أو البادية٢، وقريب من هذا ما يراه "نولدكه" من أن كلمة عربي معناها صحراء٣. وإذا ما تتبعنا تاريخ لفظة "العرب" ومدلولها في اللغات السامية القديمة، لوجدنا أنه على الرغم من وجود علاقات قديمة بين سكان "ميزوبوتاميا" والمناطق الشرقية في شبه الجزيرة العربية٤، فإن أقدم نص وجدت فيه هذه اللفظة- فيما نعلم- يرجع تاريخُهُ إلى عهد الملك الآشوري "شلمنصر الثالث" "٨٥٩-٨٢٤ق. م"،

стр. 153

أو بالتحديد إلى موقعة "قرقر" عام ٨٥٣ق. م، والتي اشترك فيها أمير عربي يدعى "جندب"، "جنديبو"، إلى جانب حلف من الأمراء السوريين ضد العاهل الآشوري١. وهناك من عهد "تجلات بلاسر" الثالث "٧٤٥-٧٢٧ق. م"، حوليات عثر عليها في "كالح" جاء في بعضها إشارات إلى جزية من "زبيبة" ملكة "بلاد العرب"، هذا فضلا عن نص آخر يقول فيه الملك الآشوري: "أما شمسي "سمسي" ملكة بلاد العرب، التي حنثت بيمين "شمس".... فقد أصبحت خائفة من قوة جيشي، وأرسلت لي جمالًا ونياقًا، ثم عينت موظفًا من لدني هناك"٢، وعلى أي حال، فيبدو أن "شمسي" قد نقضت عهد الولاء لآشور، ومن ثم رأينا "سرجون الثاني" "٧٢٢-٧٠٥ق. م" يحدثنا أنه قد تلقى الجزية" من بيرو صاحب موصري، ومن "شمسي" ملكة بلاد العرب، ومن "أتعمارا" "يثع أمر" أمير سبأ، تبرا وخيلا وجمالا"٣. هذا وتتحدث نقوش "سنحريب" "٧٠٥-٦٨١ق. م" وولده "إسرحدون" "٦٨٠-٦٦٩ق. م" عن سيطرة الأول على بادية حتى شمال بلاد العرب، حتى دعاه "هيرودوت" بملك العرب والآشوريين، فضلا عن إخضاعه لملكة العرب "تعلوخونو" صاحبة دومة الجندل، وأسر الملكة أو الأميرة العربية "تاوبو" "تبؤة"٤.

стр. 154

ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن لفظة "عرب" عند الآشوريين، إنما تعني "بداوة" أو "إمارة" على تخوم الحدود الآشورية، تتسع حدودها وتضيق، طبقًا للظروف التاريخية، وطبقًا لشخصية الأمير الحاكم الذي كان في أغلب الأحايين يحمل لقب "ملك"، هذا إلى جانب أن الكتابة الآشورية لم تكن تحرك المقاطع، وجدت عدة قراءات لكلمة "عرب" مثل "عريبي" "Arabi" و"عربي" "Arbi و"عربو" "Uribu"، إلى غير ذلك من أمثال "Arabi" و "Arub" و "١Arubu" "Aribu". وفي القرن السادس قبل الميلاد، تظهر كلمة "عرب" "عرابة Arabaya" في النصوص الفارسية، المكتوبة باللغة الإخمينية "أو الإكمينية"، وذلك في نقش انتصارات الملك "داوا الأول" "٥٢٢-٤٨٦"، المعروف باسم "نقش بهستون" في إحدى الممرات الجبلية في الطريق بين كرمنشاه وهمدان٢، تظهر كلمة عرب معنى "البادية التي تفصل بين آشور وبابل من ناحية، وبين مصر من ناحية أخرى، مما جعل بعض العلماء يدخلون شبه جزيرة سيناء في جملة هذه الأرضين، وقد عاشت قبائل عربية عديدة في منطقة سيناء قبل الميلاد٣. وأما في التوراة -أو العهد القديم- فقد وردت كلمة "عرب" بمعنى البدو والأعراب، وبمعنى القفر والجفاف، في مواضع كثيرة، فهم رعاة يسكنون

стр. 155

الخيام، "ولا يخيم هناك أعرابي ولا يربض هناك رعاة"١، ويكثر فيهم المتربصون على طرق القوافل، "في الطرقات جلست لهم كأعرابي في البرية"٢، ونفس المعنى يتردد في نصوص توراتية أخرى، كما في أشعياء٣، وأرمياء٤، لا يقصد بها قومية على جنس معين، وإنما المقصود دائمًا البادية، موطن العزلة والوحشة والخطر٥. وأما في التلمود، فقد قصد بكلمة "عرب" و"عربيم" و"عربئيم"، الأعراب كذلك -أي نفس المعنى الذي ورد في أسفار التوراة- كما أصبحت لفظة "عربي" مرادفة في بعض الأحايين لكلمة "إسماعيلي"٦، نسبة إلى سيدنا إسماعيل، جد العرب، والأخ الأكبر لإسحاق، والد يعقوب أو إسرائيل، جد اليهود. وفي أخريات القرن السادس قبل الميلاد، بدأ اليونان يتحدثون عن العرب في كتاباتهم، وكان "إسكليوس" "أخيلوس Aeschyus" ""٥٢٥-٤٥٦ق. م"، أول من ذكر العرب من اليونان، وذلك إبان الحديث عن الملك الفارسي "إكزركسيس الأول" "٤٨٦-٤٦٥ق. م" والذي هاجم اليونان في بلادهم بجيش فيه "ضابط عربي من الرؤساء مشهور"٧، ثم جاء هيرودوت "٤٨٤-٤٣٠ق. م" فتعرض في كتابه الثاني لذكر العرب، بطريقة تدل على أنه كان على شيء من العلم بهم، كما أطلق على بلاد العرب لفظ "Arabie" ويعني بها البادية وشبه جزيرة العرب والأرضين الواقعة إلى الشرق من نهر النيل، ومن ثم فقد أدخل "هيرودوت" سيناء وكل الأقسام الشرقية من مصر -والواقعة بين سواحل البحر الأحمر ونهر النيل،

стр. 156

في بلاد العرب١. وجاء "سترابو" "٦٦ق. م-٢٤م" و"بليني" "٣٢-٧٩م"، فأكدوا ما ذهب إليه "هيرودوت" وأضافا إلى ذلك أن عدد العرب في عهدهما قد تضاعف على الضفة الغربية من البحر الأحمر، حتى شغلوا كل المنطقة بينه وبين نهر النيل من أعلى الصعيد، وكان لهم جمال ينقلون عليها التجارة والناس بين البحر الأحمر والنيل٢، بل إن "سترابو" قد وصف مدينة "قفط" جنوبي قنا، بأنها مدينة واقعة تحت حكم العرب، وبأن نصف سكانها من أولئك العرب٣. وهكذا كانت بلاد العرب تقذف بالموجة تلو الأخرى إلى وادي النيل، عبر البحر الأحمر، وعن طريق سيناء والتي كانت منذ القدم قنطرة ثابتة مفتوحة للهجرات، التي كان من أهمها، "أولًا" قبائل كهلانية من عرب الجنوب، استقرت في الجزء الشمالي الشرقي من مصر في مطلع المسيحية، ومنها "ثانيًا" هجرة قبائل من "طيئ" -فرع كهلاني آخر من المجموعة الجنوبية- كان من أهمها قبيلتا لخم وجذام اللتان استقرتا في محافظة الشرقية، ومنها "ثالثًا" قبيلة "بلي" التي استقرت فيما بين قنا والقصير، وكان عليها الاعتماد في نقل التجارة الهندية، ومنها "رابعًا" هجرة بطون من "خزاعة" -وهم فرع من الأزد- خرجوا في الجاهلية إلى مصر والشام، بسبب قحط أصاب بلادهم، هذا فضلا عن الجماعات التي استقرت في شرق الدلتا قبل الإسلام٤. وعلى أي حال، فليس لدينا كتابات جاهلية من ذلك النوع الذي يسميه المستشرقون "كتابات عربية شمالية"، غير نص واحد، ذلك النص الذي يعود

стр. 157

إلى عهد "امرئ القيس" ملك الحيرة، والمعروف "بنقش النمارة"١ والذي سوف نناقشه في مكانه من هذه الدراسة- وقد جاء فيه "تي نفس مر القيس بر عمرو ملك العرب كله ذو إسر التج"٢، وترجمته إلى عربية مفهومة يمكن أن يكون كالتالي "هذا جسمان امرئ القيس بن عمرو ملك العرب جميعًا، الذي عقد التاج"٣. وأهمية هذا النص الذي يرجع إلى السابع من ديسمبر عام ٣٢٨م في ورود لفظة "العرب فيه، وإن كنا لا نستطيع القول أن امرأ القيس إنما أراد بكلمة العرب هنا، البدو والحضر سواء بسواء، أو بمعنى آخر أراد بها أن تكون علمًا على قوم وجنس، وإنما الواضح من النص أنه إنما يقصد بها "الأعراب"٤، لأن كلمة "ملك هنا لا تعني ما يراد منها حقيقة، وكلمة "عرب" إنما تعني "بدو"، وإن كان الرجل إنما كان يشغل حقًّا وظيفة "ملك الحيرة". وأما النصوص العربية الجنوبية، فلم يرد فيها اسم "عرب" إلا بمعنى "أعراب"، ولم يقصد بها قومية، أي علم لهذا الجنس المعروف، الذي يشمل كل سكان بلاد العرب من بدو وحضر، أما أهل المدن والمتحضرون فكانوا يعرفون بمدنهم وقبائلهم، أنها قبائل مستقرة متحضرة، تمتاز عن القبائل الأخرى المسماة "أعراب" في النصوص العربية الجنوبية، مما يدل على أن لفظة "عرب" و"العرب" لم تكن تؤدي معنى الجنس والقومية في الكتابات العربية المدونة، والتي ترجع إلى ما قبل الإسلام بقليل، أي من عامي ٤٤٩، ٥٤٢م، وأن العرب الجنوبيين لم يفهموا هذا المعنى من اللفظة، إلا بعد ظهور الإسلام، ودخولهم في دين الله أفواجًا، رغم ورود اللفظة في

стр. 158

النصوص علمًا لأشخاص١. ولعل من الجدير بالذكر هنا أن "أب كرب أسعد" كان أول ملك يمني يضيف إلى لقبه الرسمي كلمة "الأعراب"، ومن ثم فقد أصبح اللقب الملكي في عهده "ملك سبأ وذي زيدان وحضرموت ويمينات وأعرابها في الجبال والتهائم"٢. -وسوف نشير إلى ذلك بالتفصيل في مكانه من هذه الدراسة. وأما الشعر الجاهلي فلم يكن بأفضل من النصوص المكتوبة في هذا الصدد، ومن ثم فإننا لم نجد فيه صيغة من جذر "ع. ر. ب" للدلالة على معنى قومي يتعلق بالجنس، ولا على معنى يتعلق باللغة التي نتكلمها؛ ذلك لأن الجاهليين إنما كانوا غارقين في منازعاتهم القبلية، فلم يكن لديهم -فيما لدينا من التراث اللغوي- ما يدل على المدرك القومي الجامع٣، غير أن الأمور سرعان ما تتغير، فيقف العرب في أخريات العصر الجاهلي أمام الفرس، ومن ثم فقد بدءوا يستشعرون شيئًا من البغضة للفرس، ويشعر "عنترة بن شداد" بهذه البغضة، ومن ثم نراه يقول في معلقته عن ناقته: شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم وهكذا أحس "عنترة" بالدافع القومي الجامع، ولما لم يجد الكلمة التي يعبر عنها، اضطر إلى أن يدور حول المعنى ببيت كامل من الشعر٤.

стр. 159

وجاء الإسلام، ونزل القرآن الكريم منجمًا في ثلاث وعشرين سنة في مكة والمدينة، فلم يرد فيه من الجذر "ع. ر. ب" إلا ثلاث صيغ "عُرُبًا" "جمع عَرُوب بفتح العين" نعتًا للمرأة المتحببة إلى زوجها في قوله تعالى: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ ١، ثم جاءت الصيغة "أعراب" عشر مرات وفي سورة مدنية فقط، منها ست مرات في سورة التوبة وحدها٢، ولا حاجة بنا إلى الاستشهاد على أن كلمة "أعراب" تدل في القرآن الكريم- كما تدل في غيره- على البدو٣. وأخيرًا حسم القرآن الكريم الأمر نهائيًّا، فجاءت فيه كلمة "عربي" إحدى عشرة مرة -في سورة مدنية وأخرى مكية- جاءت عشر مرات نعتًا للغة التي نز ل بها القرآن الكريم٤، وجاءت مرة واحدة نعتًا لشخص الرسول الأعظم- صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- يقول : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ ٥، أي أقرآن أعجمي اللغة، ونبي عربي؟ وهكذا أصبحت كلمة "عرب" علمًا على العرب جميعًا، كما كان استعمال القرآن الكريم لها دليلا للشعراء على التعبير الذي لم يستطع "عنترة" أن يصل إليه، ومن هنا رأينا "كعب بن مالك" يقول في مولانا وجدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ-: بدا لنا فاتبعناه نصدقه ... وكذبوه فكنا أسعد العرب ثم رأينا "حسان بن ثابت" بعد ذلك يقرع "بني هذيل" لما اشترطوا على الحبيب

стр. 160

المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- أن يبيح لهم الزنا، في مقابل دخولهم في الإسلام سألت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بما قالت ولم تصب سألوا رسولهم ما ليس معطيهم ... حتى الممات وكانوا سبة العرب وهكذا بدأ في الشعر العربي مدرك لم يكن معروفًا من قبل، هو أن العرب جماعة واحدة ذات نطاق من الوحدة الجامعة، على أن مدرك العروبة يومذاك، أو المدرك القومي العام على الأصح، كان والإسلام شيئًا واحدًا١. وسرعان ما برزت كلمة "عربي" في مقابل كلمة "روم"، يروي "صاحب الأغاني" أن "قيس بن عاصم" و"عمر بن الأهتم" قدما إلى المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- بعد فتح مكة، فتسابا وتهاترا عنده، ثم قال "قيس" للرسول ﵊ عن "عمرو" وقومه: "والله يا رسول الله ما هم منا، وإنهم لمن أهل الحيرة"، فقال عمرو: "بل هم والله يا رسول الله من الروم، وليسوا منا"، ثم قال عمرو مخاطبًا قيس بن عاصم: إن تبغضونا فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب وقد نهى الرسول ﷺ قيسًا وعمرًا عن هذا التلاحي، وأفهمهما أن الإسلام قد أغرق العصبيات كلها٢. وهكذا بدأت كلمة "عرب" تستعمل للتعبير عن المعنى القومي للجنس العربي، ولا شك في أن الإسلام كان صاحب الفضل في بعث روح القومية عند العرب، وفي أثناء الفتوحات الإسلامية، وعلى أيام الفاروق عمر بن الخطاب- رضوان الله عليه- بدأ العرب يتباهون بجنسهم العربي، ويتمثل هذا في البيت التالي ليربوع بن مالك٣. إذا العرب العرباء جاشت بحورها ... فخرنا على كل البحور الزواخر إلا أن الإسلام لم يكن -ولن يكون أبدًا- دين عنصرية، وإنما هو دين يقوم

стр. 161

على مبدأ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة﴾ ١، وعلى مبدأ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم﴾ ٢، وإنه: "لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى" ٣، ومن هنا، فرغم أنه هو الذي جعل لكلمة "عرب" هذا المقام في شعور الجماعة، فإنه إنما نهى عن أن يكون هذا الشعور عاملا مفرقًا بين صفوف الأمة التي وحدها الإسلام، ثم إن الإسلام -بخلاف الديانات السماوية الأخرى- إنما هو شريعة الله الخالدة إلى البشرية كافة٤، وهكذا حارب الإسلام العصبية الجاهلية، وآخى الرسول، ﷺ ، بين المهاجرين والأنصار، وحالف بين قريش ويثرب، ونهى عن أحلاف الجاهلية، وروي عنه ﷺ أنه قال: "لا حلف في الإسلام" ٥. وهكذا يبدو بوضوح -لا لبس فيه ولا غموض- أن العربية، في نظر الإسلام، كانت مفهومًا دينيًّا وثقافيًّا، أكثر منه جنسيًّا، وقد روى أن "قيس بن مطاطية" -وكان من المنافقين- جاء إلى حلقة كان فيها" سلمان الفارسي" و"بلال الحبشي" و"صهيب الرومي"، فقال: لقد قام الأوس والخزرج بنصرة هذا الرجل -يعني سيدنا محمدًا رسول الله، ﷺ فما بال هذا؟ يقصد ما الذي يدعو الفارسي أو الحبشي أو الرومي بنصره، فقام إليه، "معاذ بن جبل" وأخذ بتلابيبه ثم أتى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وأخبره بمقالته، فقام ﵊ مغضبًا يجرُّ رداءه حتى أتى المسجد، ثم نودي: الصلاة جامعة، وقال ﷺ : "يا أيها الناس، إن الربَّ واحدٌ، والأب واحد، وإن

стр. 162

الدين واحد: وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم العربية فهو عربي" فقام "معاذ بن جبل"، وقال: فما تأمرني بهذا المنافق يارسول الله؟ قال: "دعه فإنه إلى النار" ١.

стр. 163

الفصل الخامس: العرب البائدة مدخل ... الفصل الخامس: العرب البائدة لعل من الأفضل هنا، قبل الحديث عن العرب البائدة، أن نشير -بادئ ذي بدء- إلى ما جرى الأخباريون عليه من تقسيم العرب إلى طبقات، أو ما عرف في الكتب التاريخية بطبقات العرب.

стр. 164

طبقات العرب: اتفق الرواة وأهل الأخبار -أو كادوا يتفقون- على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات: عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، أو عرب عاربة، وعرب متعربة، وعرب مستعربة١، أو عرب عاربة ومستعربة وتابعة ومستعجمة٢. على أن هناك من يجعلهم طبقتين: بائدة وباقية، فأما البائدة فهم الذين كانوا عربًا صرحاء خلصاء ذوي نسب عربي خالص -نظريًّا على الأقل- ويتكونون من قبائل عاد وثمود وطسم وجديس وأميم وعبيل وجرهم والعماليق وحضورا ومدين وغيرهم، وأما العرب الباقية- ويسمون أيضًا المتعربة والمستعربة- فهم الذين ليسوا عربًا خلصًا، ويتكونون من بني يعرب بن قحطان، وبني معد بن عدنان٣. وكان يعرب بن قحطان في قول الرواة -كما أشرنا من قبل- أول من انعدل لسانه عن السريانية إلى العربية، أو أول من تكلم العربية، ولسنا الآن في حاجة إلى دحض هذه الروايات، فذلك أمر سبق لنا القيام به.

стр. 165

وهناك تقسيم ثالث يعتمد في الدرجة الأولى على النسب، فهم قحطانية في اليمن، وعدنانية في الحجاز١، على أن "ابن خلدون" إنما ينحو نحوًا آخر، يقسم به العرب -طبقًا للتسلسل التاريخي- إلى طبقات أربعة، فهم عرب عاربة قد بادت، ثم مستعربة، وهم القحطانيون، ثم العرب التابعة لهم من عدنان والأوس والخزرج، ثم الغساسنة والمناذرة، وأخيرًا العرب المستعجمة وهم الذين دخلوا في نفوذ الدولة الإسلامية٢. هذه هي التقسيمات التي رأى الأخباريون تقسيم العرب إليها -من ناحية القدم والتقدم في العربية- وهي تقسيمات يلاحظ عليها "أولًا" أنها لا ترجع إلى أيام العرب القدامى أنفسهم، وإنما إلى العصور الإسلامية، فليس هناك نص واحد يذكر هذه التقسيمات ويرجع في تأريخه إلى ما قبل الإسلام، حتى يمكن القول أنها من وضع العرب القدامى أنفسهم، ثم هي "ثانيًا" عربية صرفة؛ وذلك لأن المصادر اليهودية، وكذا المصادر اليونانية واللاتينية والسريانية، لم تتعرض لمثل هذه التقسيمات٣. والرأي عندي أن هذه التقسيمات غير مقبولة، ومتعسفة كذلك، وذلك لأسباب منها "أولًا" أن القرآن الكريم لم يفرق بين العرب القحطانية والعدنانية، وإنما رفع العرب جميعًا إلى أب واحد، هو إبراهيم الخليل، ﵇، يقول : ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ٤، ومنها "ثانيًا" ما روي عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ

стр. 166

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: "كل العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم، ﵉"١. ومنها "ثالثًا" أن هناك من يعتبر "قحطان" نفسه من ولد إسماعيل ﵇، اعتمادًا على أن رسول الله ﷺ مر بناس من "أسلم خزاعة" -وهم من قحطان- وكانوا يتناضلون، فقال: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا" ٢، ومن ثم فإن "ابن خلدون" يذهب إلى أن جميع العرب إنما هم من ولد إسماعيل ﵇؛ لأن عدنان وقحطان يستوعبان العرب العدنانية والقحطانية٣. ومنها "رابعًا" أن ابن عباس، روى أن النبي ﷺ "انتسب فلما بلغ عدنان وقف، فقال كذب النسابون، كما روى ابن إسحاق- عن يزيد بن رومان -أن النبي ﷺ قال: "استقامت نسبة الناس إلى عدنان"، فإذا صح هذان الحديثان الشريفان، فيمكننا القول أن عدنان هو القرم الأول للقبائل العربية، عدا من سماهم الكتاب العرب بالقبائل البائدة٤. ومنها "خامسًا" أن الأخباريين عندما حاولوا كتابة أنساب العرب، إنما اعتمدوا إلى حد كبير على سلسلة الأنساب في التوراة، ومن ثم فقد رفعوا من نسل قحطان، فهم العرب العاربة، ونزلوا بنسب بني إسماعيل، فهم العرب المستعربة، أحدث نسبًا من غيرهم من القبائل البائدة والعاربة في نظر كتاب الجنوب، وبالتالي فهم أقل شأنًا من قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية٥، وهكذا كان الكتاب المسلمون مروجين لنظرية التوراة في الأنساب، وجهلوا -أو تجاهلوا- أن التوراة إنما كتبت ذلك لترفع من شأن بني إسحاق على بني إسماعيل، ولتجعل منهم دون غيرهم الأمة المختارة، وسلسلة النسب المصطفاة، على بني إسماعيل بالذات، وجهلوا -أو تجاهلوا -أن الخليل، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، إنما كان عربيًّا خالصًا، والأمر كذلك بالنسبة إلى ذريته من بني إسماعيل٦.

стр. 167

ومنها "سادسًا" أن الشعر الجاهلي لم يرد فيه ذكر لتقسيم العرب إلى قحطانية وعدنانية، وإن وردت فيه أبيات يتفاخر أصحابها بعدنان أو قحطان، ترجع في أغلب الظن إلى الحقبة القريبة من الإسلام، كما أن هذا التفاخر -أو حتى الهجاء- لا يصح أن يكون أساسًا لوضع نظرية في اختلاف أجناس القبائل العربية١. ومنها "سابعًا" أن ما يراه الإخباريون من أن العداء كان مستحكمًا بين العدنانيين والقحطانيين من قديم٢، حتى رووا أن كل فريق منهم، إنما اتخذ لنفسه شعارًا في الحرب يخالف الآخر، فاتخذ المضريون العمائم والرايات الحمر، واتخذ أهل اليمن العمائم الصفر، فإنما أصل هذا العداء ما كان بين الحضارة والبداوة من نزاع طبيعي، وكان توالي الوقائع والحوادث يزيد في العداء، ويقوي روح الشر بينهم، ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما كان من العداء الشديد بين أهل المدينة -من أوس وخزرج، وهم على ما يذكر النسابون قحطانيون، وأهل مكة-وهم عدنانيون- وقد استمر هذا التنافس بينهم بعد الإسلام، وكان بين القومين حزازات ومفاخرات، وكل يدعي أنه أشرف نسبًا، وأعز نفرًا٣. ومنها "ثامنًا" أن علماء الأنثروبولوجيا لم يلاحظوا فروقًا واضحة بين العدنايين والقحطانيين، وإن كان من العجيب أن الدراسات الأنثروبولوجية التي أجريت على أفراد من القبائل العربية الجنوبية، قد أثبتت فروقًا بين أفراد هذه القبائل٤، هذا إلى أن الجماجم التي عثر عليها من عهود ما قبل الإسلام تشير إلى وجود أعراق متعددة بينها٥، فإذا كان ذلك صحيحًا، فربما كان السبب في هذا هو الاختلاط الجنسي عند القبائل العربية الجنوبية، والذي كان نتيجة هجرات من وإلى جنوب شبه الجزيرة العربية، ومن هنا كان التشابه بين أهل عمان وبين سكان السواحل الهندية المقابلة لها، ثم بين أهل عدن وبقية العربية الجنوبية وتهامة، وبين سكان أفريقيا الشرقية، وإن كان أكثر احتمالا في الحالة الأخيرة أن تلك القبائل في

стр. 168

إفريقيا الشرقية، ربما كانت نتيجة هجرات عربية عن طريق باب المندب إلى إفريقيا١. ومنها "تاسعًا" أنه لم يظهر أي انقسام بين العرب على أيام الرسول -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- وكذا على أيام خليفتيه الصديق والفاروق ﵄ كما أن الروايات الخاصة بتنظيم الفاروق عمر بن الخطاب لديوان المظالم لم يرد فيها ما يشير إلى أي انقسام أو تمييز بين القحطانية والعدنانية كجنس، وإنما كانت القربى من رسول الله، ﷺ ، هي الأساس، ثم يتفاضل الناس بعد ذلك على مقدار سبقهم في الإسلام، وعلى أي حال، فلقد كان بنو هاشم -بيت النبوة- قطب الترتيب، وأن هذا التسجيل قد تم سنة خمس عشرة للهجرة على رأي، وسنة عشرين على رأي آخر٢. ومنها "عاشرًا" أن الحروب التي قامت بين الإمام عليٍّ -كرم الله وجهه ورَضِيَ اللَّهُ عَنْه- وبين خصومه، لم تكن حروبًا بين قحطانيين وعدنايين، وإنما كانت بين العدنايين أنفسهم، والأمر كذلك بالنسبة إلى حروب اشتعل أوارها بين القحطانيين أنفسهم. ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن الحروب التي دارت رحاها بين العدنانيين والقحطانيين، أو بين فريق وفريق من هذه القبيلة أو تلك، لا تكاد تسمع فيه انتساب كل العرب إلى عدنان أو قحطان، وإنما تسمع فخرًا بأسماء القبائل أو الأحلاف التي انضمت إلى هذا أو ذاك، تسمع أسماء معد أو نزار أو مضر، ولعل هذا كله، يجيز لنا أن نقول -مع الدكتور جواد علي- كيف يجوز لنا أن نتصور انقسام العرب إلى قحطانيين وعدنانيين انقسامًا حقيقيًّا، وقد كانت القبائل تتحالف فيما بينها، وتحارب بعضها مع بعض بأحلاف قد تكون مزيجًا بين عدنانيين وقحطانيين، فإذا كان الأمر كذلك، وإذا كان العرب قحطانيين

стр. 169

وعدنانيين بالأصل، فكيف تحالفت "جديلة" -وهي من طيء- مع "بني شيبان- وهم من بني عدنان- لمحاربة "عبس" العدنانية، وكيف نفسر تحالف قبائل يمنية مع قبائل عدنانية، لمحاربة قبائل يمنية، أو لعقد محالفات دفاعية هجومية معها١. وهكذا يمكننا أن نفسر نظرية الطبقات هذه، بأن الظروف السياسية لعبت دورها في تكوينها، وإن شاء أصحابها الرجعة بها إلى الماضي البعيد، ووضع تأريخ قديم لها، ذلك أن بني أمية، حين وضعت الأقدار أمور المسلمين بأيديهم، إنما عملوا على إحياء العصبية الأولى بين القبائل وضرب الواحدة منها بالأخرى رغبة منهم في السيطرة على القبائل جميعًا، وشغلها عما يقترفه الواحد منهم أو الآخر من أخطاء، وقد تسبب هذا الوضع -في أغلب الأحايين- في الإساءة إلى القبائل الجنوبية إلى حد كبير، وسرعان ما انتهزت هذه القبائل فرصة قيام دولة بني العباس -التي اعتمدت عليهم إلى حد كبير- فعملت على استعادة ما فقدته على أيام الأمويين، وبدأ الإخباريون -ومعظمهم من قبائل الجنوب- يكتبون عن الأنساب، وعن التاريخ العربي القديم، وكان موضع الخطر في هذا، أنهم بدءوا يكتبون وهم في البصرة والكوفة، ومن ثم فلم يجدوا من المصادر التي يعتمودون عليها، إلا ما كان قريبًا منهم، وكانت التوراة -وما يدور في فلكها من تصانيف- قد امتلأت بها مكتبات العراق، ومن ثم فقد نقلوا عنها ما كتبته عن قحطان وإسماعيل وهاجر وسبأ وبعض قبائل الجنوب، زاد الطين بلة، أن العصبية لدى اليمنيين قد لعبت دورًا خطيرًا في الأنساب، ومن ثم فقد نسبوا معظم القبائل البائدة إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، كما أنهم لم يكتفوا بنسب أنفسهم، وإنما كانوا ينسبون غيرهم إليهم كذلك٢، بل إن الأمر قد وصل إلى أن تتخذ لفظة "الأنصار"- والتي أطلقت

стр. 170

على أهل المدينة من أوس وخزرج، بسبب نصرتهم لرسول الله ﷺ وكأنها قد أصبحت نسبًا، مما ضايق بعض رجالات قريش، وبدأ شعراء المدينة يفخرون بأصلهم اليمني، وبأنهم من أقرباء الغساسنة وذوي رحمهم، كما استعملوا لفظة الأنصار في مقابل قريش ومعد ونزار١. ومن عجب أن بعض النزارية في هذا الجو المحموم بالعصبية افتخروا بالفرس على اليمنية، وعدوهم من ولد إسحاق بن إبراهيم، ومن ثم فقد أصبح إبراهيم جد الفرس والعرب، ولم تكتف النزارية بذلك، بل زعمت أن هذا النسب قديم، معتمدين في ذلك على شعر نسبوه إلى شاعر جاهلي، وجاراهم الفرس في هذا الزعم، تقربًا إلى الحكومة وهي عدنانية، فضلا عن أسباب سياسية أخرى، لا شك أن منها إثارة العصبية البغيضة بين العرب أنفسهم، ويبدو أن العدنانيين لم يكتفوا بربط نسبهم بالفرس والإسرائيليين، وإنما ربطوه كذلك بالأكراد، حين نسبوهم إلى "ربيعة بن نزار بن بكر بن وائل.."، فكان رد القحطانيين أن جعلوا اليونان من ذوي قرباهم، بل إن الترك كذلك أصبحوا من حمير٢. وعلى أن "ألويس موسل" إنما يرى أن أسطورة الأنساب هذه، إنما بدأت فيما قبيل الإسلام، ولما كان لليمن في الجاهلية مقام عظيم، فقد انتسب الكثيرون إلى اليمن، ثم جاء علماء الأنساب -متأثرين بالعوامل الآنفة الذكر- فسجلوها على أنها حقيقة واقعة٣.

стр. 171

العرب البائدة مدخل ... العرب البائدة: لعل من الأفضل هنا أن نشير -بادئ ذي بدء- إلى أننا لا نعني بالعرب البائدة والعرب الباقية، أن أقوامًا قد انقرضوا فلم يبق منهم أحد، وأن أقوامًا لم يكونوا ثم نشئوا من جديد، وإنما ما نعنيه أن قومًا قد يقل عددهم بالكوارث أو بالذوبان في آخرين، لسبب أو لآخر، ومن ثم يتوقف تاريخهم وتبطل حضارتهم، مع أن بقاياهم لا تزال موجودة، ولكنها بدون قيمة حضارية، والتاريخ في حقيقته إنما هو تطور الحضارة١، وعلى أية حال، فتلك تسمية ابتدعها الكتاب العرب، ذلك لأنه من المعروف أن شيئًا لن يبيد ما دام قد ترك من الآثار ما يدل عليه، وهي دون شك مصدرنا الأساسي للتعرف على الحضارات السابقة٢، وربما كان المقصود بلفظة "بائد" عدم وجود أحد من العرب ينتسب إلى هذه القبيلة أو تلك عند كتابة المؤرخين الإسلاميين لتاريخ ما بعد ظهور الإسلام. ومن ثم فليس صحيحًا ما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن ما يسمى بالعرب البائدة، ليس من التاريخ الحقيقي في شيء، وإنما هو جزء من الميثولوجيا العربية أو التاريخ الأسطوري، الذي يسبق عادة التاريخ الحقيقي لكل أمة، ومن ثم فإنهم إذا ما عالجوا تاريخ بعض القبائل العربية التي تسمى "بالبائدة" فإنما يعالجونه على هذا الأساس٣، وإن كانت غالبية المؤرخين الأوربيين الآن قد عدلت عن هذا الاتجاه، بعد أن ثبت لهم أن بعضًا من هذه القبائل البائدة، قد تحدث عنها المؤرخون القدامى من الأغارقة والرومان، وبعد أن أثبتت الأحافير إلى حد ما صحة بعض ما ورد عن هذه القبائل البائدة في المصادر العربية. أما العرب الباقية، فلعنا نعني بهم تلك الجماعات التي كانت -ولا تزال- تعيش في هذه المنطقة، وسوف تظل تعيش إن شاء الله، إلى أن يغير الله الأرض غير الأرض، وأن حضارتها مستمرة يتوارثها جيل بعد جيل، وأن كل جيل يضيف إليها، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ومن ثم فإن مهمتنا أن نقوم بدراسة تلك الحضارات متتبعين دورها في كل طور من أطوار التاريخ، وأما أهم القبائل البائدة التي سنتناولها هنا بالدراسة الموجزة فهي عاد وثمود ومدين وطسم وجديس وأميم وعبيل وجرهم والعماليق وحضورا.

стр. 172

١- عاد: ينظر الأخباريون إلى قوم عاد١، على أنهم أقدم الأقوام العربية البائدة٢، حتى أصبحت كلمة "عادي" و"عادية" إنما تستعملان صفتين للأشياء البالغة القدم٣، وحتى أصبح القوم إذا ما شاهدوا آثارًا قديمة لا يعرفون تاريخها أطلقوا عليها صفة "عادية"٤، وربما كان السبب في ذلك قدم قوم عاد، أو أن عادًا -ومن بعدها ثمود- قد ورد اسميهما في القرآن الكريم، ومن ثم فقد قدما على بقية الأقوام البائدة، رغم أننا لو جارينا الإخباريين في قوائم أنسابهم، لكان علينا أن نقدم طسم وعمليق وأميم وغيرهم على عاد وثمود، ذلك لأن الأولين من وجهة نظرهم إنما هم من أولاد "لاو بن سام" شقيق "إرم" وأن الآخرين من حفدة "إرم"، ولكن الأخباريين أنفسهم إنما يقدمون عادًا على بقية الشعوب٥. ولقد انفرد القرآن الكريم بذكر عاد، ونبيهم هود ﵇، فجاء ذكرهم في كثير من سور القرآن الكريم٦، بل إن هناك سورة كاملة تسمى سورة "هود" كما أن هناك في القرآن الكريم ما يشير إلى أن هناك عادًا الأولى٧، وعادًا

стр. 173

الثانية١، وأن عادًا الأولى إنما هم عاد إرم الذين كانوا يسكنون الأعمدة التي تحمل الخيام٢، وأن عادًا الثانية إنما هم سكان اليمن من قحطان وسبأ وتلك الفروع، وربما كانوا هم ثمود٣.

стр. 174

٢- ثمود: تكاد تجمع الكتب العربية على أن ثمودًا١ إنما كان مقامها بالحجر إلى وادي القرى بين الحجاز والشام٢، على أن ارتباطها بعاد يقتضي تقاربهما في المكان، ولذا ذهب الأخباريون إلى أن ثمودًا إنما كانت باليمن قديمًا، فلما ملكت حميرًا أخرجوها إلى الحجاز٣، ولسنا في حاجة إلى التدليل الآن على خطأ هذا الاتجاه، فذلك أمر سبق لنا مناقشته في كتابنا "دراسات في التاريخ القرآن". وعلى أي حال، فإن الدراسات الحديثة تثبت أن الثموديين قد عاشوا في شمال الجزيرة العربية منذ أعماق التاريخ، وتركوا لنا آثارًا ونقوشًا في كل مكان من هذه الأرضين، التي تمتد من الجوف شمالا إلى الطائف جنوبًا، ومن الأحساء شرقًا إلى يثرب فأرض مدين غربًا، ومن المسالك المؤدية إلى العقبة والأردن وسورية، وحتى في أرض حضرموت من جنوب الجزيرة، وإن ذلك لدليل على أن الثموديين كانوا في يوم ما السكان الأصليين لشمال شبه الجزيرة العربية٤. وليس من شك في أن قصة ثمود أوضح بكثير من قصة عاد، فمنذ القرن الثامن

стр. 175

قبل الميلاد والنقوش الآشورية تتحدث عنهم، من بين مَن تحدثت عنهم من قبائل، وقد دعتهم "تامودي"١، كما تحدث عنهم الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان من أمثال "أجاثار خيدس" و"ديودور" و"بليني" و"كلوديوس بتولمايس"، وصاحب كتاب "الطواف حول البحر الأرتيري" وغيرهم٢. وأما القرآن الكريم، فقد ذكرهم في كثير من سوره٣، هذا إلى جانب أن كثيرًا من الآيات الكريمة قد قرنت قوم عاد بثمود، كما في سورة التوبة وإبراهيم والفرقان وص والنجم والفجر، وقد استدل البعض من كلمات "رجفة" و"صيحة" التي جاءت في القرآن الكريم على أن ثمودًا إنما أصيبوا بكارثة عظيمة، من ثوران البراكين أو من الهزات الأرضية٤، وربما كان الأمر كذلك، فمنطقة إقامتهم إنما هي واحدة من مناطق الحرارة في شبه الجزيرة العربية.

стр. 176

٣- طسم وجديس: ينسب الأخباريون "طسم وجديس" إلى "لاوذ بن إرم بن سام بن نوح"، مع قليل أو كثير من التعديل في هذا النسب كالعادة١، وأنهما كانا قريبًا عهد بعاد

стр. 177

الأولى١، أما موطنها فكان في منطقة اليمامة، والتي كانت تسمى "جو" من قبل٢، ولكن يبدو أن هذا لم يكن هو الوطن الأول، ومن ثم فعلينا أن نبحث عنه في مكان آخر. لقد حدثتنا التوراة عن كثير من القبائل العربية، ومن بينها قبيلة "طسم" التي دعتها "لتوشيم" وأنها إحدى بطون قبيلة "ديدان" الموجودة في العلا، وهذا يعني أن بداية استقرار "طسم" إنما كان في منطقة العلا، ثم انتقلت بعد ذلك إلى منطقة اليمامة، وهذا القول لا يبدو غريبًا ويمكن تصوره، فنحن نعرف أن أحد الطرق التجارية يبدأ من جنوب بلاد العرب، من "عدن" أو"قنا"، فمدن الحجاز "مكة، المدينة، خيبر" إلى أن يصل إلى العلا، ثم يتجه إلى الشمال، وهناك طريق ثان يبدأ من الجنوب أيضًا، مارًّا بالحافة الغربية للربع الخالي، متجهًا إلى اليمامة، ثم ينحدر باتجاه الشمال الغربي إلى منطقة العلا ومدائن صالح، فبلاد الشام، أو إلى مصر، إذن فمن المحتمل أن يكون نزوح "طسم" إلى اليمامة، إنما كان بسبب العامل الاقتصادي في المكان الأول، على أساس أن جزءًا، من قبيلة ديدان- وهي التي كانت تشارك في الحركة الاقتصادية بين جنوب الجزيرة وشمالها -قد نزح إلى منطقة اليمامة، ليحافظ على استقرار الأمن في الطريق التجاري من جنوب بلاد العرب إلى شمالها عبر اليمامة، ويبدو أن "جديس" قد نزحت كذلك مع "طسم"، وبهذا يمكن أن نجد صلة النسب قائمة بين القبيلتين٣. وفي الواقع أننا لا نملك مصادر يعتمد عليها في التأريخ لهما، فالقرآن الكريم لم يتحدث عنهما، والاكتشافات الأثرية لم تصل إليهما، وكتابات الأمم الأخرى لم تذكرهما، إذا استثنينا إشارة التوراة عن طسم، ومن هنا فالشك يحيط بتاريخهما من كل جانب، ومع ذلك فقد حاول البعض أن يلم بشتات ما كتب عنهما، ليخرج لنا صورة عنهما، أقرب إلى الحكايات منها إلى التاريخ الصحيح. ومع ذلك، فعلينا ألا نتعجل في الحكم عليهما، كما فعل نفر من المستشرقين،

стр. 178

فذهب إلى أنهما من الشعوب الخرافية، فقد تأتي لنا الأيام بمعلومات عنهما قد تغير الصورة الحالية إلى حد كبير، ويبدو أنها بدأت تفعل، فلقد عثر في "صلخد" على نص يوناني يرجع إلى عام ٣٢٢م، جاء فيه "أنعم طسم١"، كما أن التوراة قد أشارت إلى "طسم"، على أنه من نسل "دادان بن يقطان٢" أضف إلى ذلك أن بعضًا من المستشرقين يرى أن اسم "Jodisitae" أو "Joiisiae" الوارد في جغرافية بطليموس، هو اسم قبيلة من قبائل شرق بلاد العرب، وأنها "جديس" بعينها، وأنها كانت معروفة حوالي عام ١٢٥٣م، بل ومزدهرة كذلك. ويصفها المسعودي -هي وأرض طسم- بأنها من أفضل البلاد وأكثرها خيرًا، فيها صنوف الشجر والأعناب، وهي حدائق ملتفة وقصور مصطفة٤. هذا وينسب الإخباريون إلى القبليتين كثيرًا من المواضع، فإلى "طسم" ينسب حصن المشقر، بين نجران والبحرين، وإلى "جديس" ينسب قصر معنق والشموس في اليمامة، فضلا عن بعض القرى في اليمامة كذلك، منها "حجر" حاضرة طسم وجديس. وهناك "جعدة" والتي يصف "الهمداني" جُدرها، بأنها تسمح بأن يركض عليها أربع من الخيل جنبًا إلى جنب، وأن بها حصنًا قديمًا ظل باقيًا حتى أيامه، وأنه كان يحيط بالقرية، وأن أساسه من اللبن، وفي هذا دلالة على خصب التربة ووفرة الأرض الطيبة والماء، كما هو الحال في العراق ومصر منذا أقدم العصور، هذا إلى جانب "الخضرمة" "جو القديمة" التي كانت تسكنها جديس -في مقابل الخضراء لطسم- فضلا عن "الهدار" و"ريمان"٥.

стр. 179

وقصة القبيلتين العربيتين -كما يقدمها الأخباريون- تذهب إلى أن الغلبة إنما كانت من نصيب "طسم"، وأن أولي الأمر وأصحاب السطوة، إنما كانوا منها كذلك، ومرت الأيام وانتهى الملك في طسم إلى رجل ظلوم غشوم، استذل جديس وانتهك أعراضها، حتى جعل سنته السيئة، ألا تزف البكر من جديس إلى بعلها، قبل أن يقضي منها وطره، إلى أن كان يوم زفت فيه امرأة من جديس تدعى "الشموس" "عفيرة بنت غفار بن جديس" إلى رجل من قومها، وعندما حملت إلى ملك طسم ليفترعها أولًا، سمعت من عبيده ما مس كرامتها، وأهان شرفها، فخرجت من فراش ملك طسم ودمها يسيل، وقد شقت ثوبها من خلف ومن قدام، ثم أخذت تنشد شعرًا في قصيدة طويلة، تثير به نخوة قومها. وتستمر الأقصوصة، فتذهب إلى أن أخا الشموس "الأسود بن غفار بن جديس" سيد قومه وصاحب الرأي فيهم، قد تحركت نخوته، كما أحس المذلة قومه من جديس، فاتفق القوم على ملك طسم، ومن ثم فقد نصبوا له ولخاصة قومه الشباك، وكتب لهم في مهمتهم هذه نجحا بعيد المدى، واستطاع رجل من طسم أن يفر من المذبحة، وأن يستنجد بحسان بن تبع ملك حمير، الذي يعد جيشًا كثيفًا، بغية أن يقضي به على جديس، وبينما كان هذا الجيش العرمرم على مبعدة ثلاثة أيام من اليمامة، يخبر هذا المستجير -ويسمونه رباح بن مرة- ملك حمير، أن له أختًا في جديس ترى على مسيرة ثلاثة أيام، وأنه يخشى أن تراهم فتحذر القوم منهم، ومن ثم فإنه يقترح أن يحمل كل جندي فرعًا من شجرة كبيرة يستتر وراءها، حتى يستطيعوا أن يفجئوا جديسًا قبل أن يتحوطوا للقائهم. وتطلعت أخت الطسمي -وتدعى زرقاء اليمامة- إلى ناحية الجنوب الغربي، وصاحت في جديس تحذرهم من حمير، فهي ترى شجرًا يتحرك ومن ورائه جنودًا تحمل سلاحًا، ولكن القوم ظنوا بها الظنون فلم يصدقوها، حتى حلت الكارثة، فأبيد الرجال، وسبيت النساء، وقتلت الأطفال، وهدمت البيوت والحصون، وفقئت عيني الزرقاء، وتغير اسم مساكن طسم وجديس من "جو" إلى اليمامة، وهكذا كان فناء جديس على يد الحميريين، ومن ثم فقد لحق القومان "طسم وجديس" بعاد وثمود، وصاروا من العرب البائدة١.

стр. 180

هذه هي القصة التي تدور حول الحيين العربيين طسم وجديس -وهي فيما نظن- لا تعدو أن تكون واحدة من القصص الشعبي، ومن الغريب أن القصة تكاد أن تكرر نفسها بين العرب واليهود في المدينة١، فضلا عن شبه قريب بينها وبين قصص أخرى يرويها الأخباريون عن ملوك اليمن، وعن ولعهم بالنساء، وفعل المنكر فيهن، ومنها واحدة تتصل بملكة سبأ "بلقيس٢ صاحبة سليمان ﵇" وأخرى عن "عتودة" مولى أبرهة الحبشي٣. أضف إلى ذلك أن القصة تصور القوم وكأنهم لا يثورون على هذا الوضع الدنيء، إلا بعد أن ظهرت "عفيرة" ودمها يسيل، وقد شقت ثوبها من قدام ومن خلف، فيغضب أخوها -كما غضب أخو فضلاء في يثرب- ويقبل "عملوق" ملك طسم، هذا إلى جانب أن القصة تصور المرأة -وليس الرجل- هي التي تأنف من العار وتأبى الذل، وتحرض الرجال على الانتقام للعرض المستباح، ومن ثم فإننا نرى "عفيرة" تقول: لا أحد أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس يرضى بذا يا يقوم بعل حر ... أهدى وقد أعطى وثيق المهر ولو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقر بذا الفعل فموتوا كرامًا وأميتوا عدوكم ... ودبوا لنا الحرب بالحطب الجزل وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تعاب من الكحل ودونكم طيب النساء فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللنسل٤
следующие страницы →