٣- طسم وجديس:
ينسب الأخباريون "طسم وجديس" إلى "لاوذ بن إرم بن سام بن نوح"، مع قليل أو كثير من التعديل في هذا النسب كالعادة١، وأنهما كانا قريبًا عهد بعاد
стр. 177
الأولى١، أما موطنها فكان في منطقة اليمامة، والتي كانت تسمى "جو" من قبل٢، ولكن يبدو أن هذا لم يكن هو الوطن الأول، ومن ثم فعلينا أن نبحث عنه في مكان آخر.
لقد حدثتنا التوراة عن كثير من القبائل العربية، ومن بينها قبيلة "طسم" التي دعتها "لتوشيم" وأنها إحدى بطون قبيلة "ديدان" الموجودة في العلا، وهذا يعني أن بداية استقرار "طسم" إنما كان في منطقة العلا، ثم انتقلت بعد ذلك إلى منطقة اليمامة، وهذا القول لا يبدو غريبًا ويمكن تصوره، فنحن نعرف أن أحد الطرق التجارية يبدأ من جنوب بلاد العرب، من "عدن" أو"قنا"، فمدن الحجاز "مكة، المدينة، خيبر" إلى أن يصل إلى العلا، ثم يتجه إلى الشمال، وهناك طريق ثان يبدأ من الجنوب أيضًا، مارًّا بالحافة الغربية للربع الخالي، متجهًا إلى اليمامة، ثم ينحدر باتجاه الشمال الغربي إلى منطقة العلا ومدائن صالح، فبلاد الشام، أو إلى مصر، إذن فمن المحتمل أن يكون نزوح "طسم" إلى اليمامة، إنما كان بسبب العامل الاقتصادي في المكان الأول، على أساس أن جزءًا، من قبيلة ديدان- وهي التي كانت تشارك في الحركة الاقتصادية بين جنوب الجزيرة وشمالها -قد نزح إلى منطقة اليمامة، ليحافظ على استقرار الأمن في الطريق التجاري من جنوب بلاد العرب إلى شمالها عبر اليمامة، ويبدو أن "جديس" قد نزحت كذلك مع "طسم"، وبهذا يمكن أن نجد صلة النسب قائمة بين القبيلتين٣.
وفي الواقع أننا لا نملك مصادر يعتمد عليها في التأريخ لهما، فالقرآن الكريم لم يتحدث عنهما، والاكتشافات الأثرية لم تصل إليهما، وكتابات الأمم الأخرى لم تذكرهما، إذا استثنينا إشارة التوراة عن طسم، ومن هنا فالشك يحيط بتاريخهما من كل جانب، ومع ذلك فقد حاول البعض أن يلم بشتات ما كتب عنهما، ليخرج لنا صورة عنهما، أقرب إلى الحكايات منها إلى التاريخ الصحيح.
ومع ذلك، فعلينا ألا نتعجل في الحكم عليهما، كما فعل نفر من المستشرقين،
стр. 178
فذهب إلى أنهما من الشعوب الخرافية، فقد تأتي لنا الأيام بمعلومات عنهما قد تغير الصورة الحالية إلى حد كبير، ويبدو أنها بدأت تفعل، فلقد عثر في "صلخد" على نص يوناني يرجع إلى عام ٣٢٢م، جاء فيه "أنعم طسم١"، كما أن التوراة قد أشارت إلى "طسم"، على أنه من نسل "دادان بن يقطان٢" أضف إلى ذلك أن بعضًا من المستشرقين يرى أن اسم "Jodisitae" أو "Joiisiae" الوارد في جغرافية بطليموس، هو اسم قبيلة من قبائل شرق بلاد العرب، وأنها "جديس" بعينها، وأنها كانت معروفة حوالي عام ١٢٥٣م، بل ومزدهرة كذلك. ويصفها المسعودي -هي وأرض طسم- بأنها من أفضل البلاد وأكثرها خيرًا، فيها صنوف الشجر والأعناب، وهي حدائق ملتفة وقصور مصطفة٤.
هذا وينسب الإخباريون إلى القبليتين كثيرًا من المواضع، فإلى "طسم" ينسب حصن المشقر، بين نجران والبحرين، وإلى "جديس" ينسب قصر معنق والشموس في اليمامة، فضلا عن بعض القرى في اليمامة كذلك، منها "حجر" حاضرة طسم وجديس.
وهناك "جعدة" والتي يصف "الهمداني" جُدرها، بأنها تسمح بأن يركض عليها أربع من الخيل جنبًا إلى جنب، وأن بها حصنًا قديمًا ظل باقيًا حتى أيامه، وأنه كان يحيط بالقرية، وأن أساسه من اللبن، وفي هذا دلالة على خصب التربة ووفرة الأرض الطيبة والماء، كما هو الحال في العراق ومصر منذا أقدم العصور، هذا إلى جانب "الخضرمة" "جو القديمة" التي كانت تسكنها جديس -في مقابل الخضراء لطسم- فضلا عن "الهدار" و"ريمان"٥.
стр. 179
وقصة القبيلتين العربيتين -كما يقدمها الأخباريون- تذهب إلى أن الغلبة إنما كانت من نصيب "طسم"، وأن أولي الأمر وأصحاب السطوة، إنما كانوا منها كذلك، ومرت الأيام وانتهى الملك في طسم إلى رجل ظلوم غشوم، استذل جديس وانتهك أعراضها، حتى جعل سنته السيئة، ألا تزف البكر من جديس إلى بعلها، قبل أن يقضي منها وطره، إلى أن كان يوم زفت فيه امرأة من جديس تدعى "الشموس" "عفيرة بنت غفار بن جديس" إلى رجل من قومها، وعندما حملت إلى ملك طسم ليفترعها أولًا، سمعت من عبيده ما مس كرامتها، وأهان شرفها، فخرجت من فراش ملك طسم ودمها يسيل، وقد شقت ثوبها من خلف ومن قدام، ثم أخذت تنشد شعرًا في قصيدة طويلة، تثير به نخوة قومها.
وتستمر الأقصوصة، فتذهب إلى أن أخا الشموس "الأسود بن غفار بن جديس" سيد قومه وصاحب الرأي فيهم، قد تحركت نخوته، كما أحس المذلة قومه من جديس، فاتفق القوم على ملك طسم، ومن ثم فقد نصبوا له ولخاصة قومه الشباك، وكتب لهم في مهمتهم هذه نجحا بعيد المدى، واستطاع رجل من طسم أن يفر من المذبحة، وأن يستنجد بحسان بن تبع ملك حمير، الذي يعد جيشًا كثيفًا، بغية أن يقضي به على جديس، وبينما كان هذا الجيش العرمرم على مبعدة ثلاثة أيام من اليمامة، يخبر هذا المستجير -ويسمونه رباح بن مرة- ملك حمير، أن له أختًا في جديس ترى على مسيرة ثلاثة أيام، وأنه يخشى أن تراهم فتحذر القوم منهم، ومن ثم فإنه يقترح أن يحمل كل جندي فرعًا من شجرة كبيرة يستتر وراءها، حتى يستطيعوا أن يفجئوا جديسًا قبل أن يتحوطوا للقائهم.
وتطلعت أخت الطسمي -وتدعى زرقاء اليمامة- إلى ناحية الجنوب الغربي، وصاحت في جديس تحذرهم من حمير، فهي ترى شجرًا يتحرك ومن ورائه جنودًا تحمل سلاحًا، ولكن القوم ظنوا بها الظنون فلم يصدقوها، حتى حلت الكارثة، فأبيد الرجال، وسبيت النساء، وقتلت الأطفال، وهدمت البيوت والحصون، وفقئت عيني الزرقاء، وتغير اسم مساكن طسم وجديس من "جو" إلى اليمامة، وهكذا كان فناء جديس على يد الحميريين، ومن ثم فقد لحق القومان "طسم وجديس" بعاد وثمود، وصاروا من العرب البائدة١.
стр. 180
هذه هي القصة التي تدور حول الحيين العربيين طسم وجديس -وهي فيما نظن- لا تعدو أن تكون واحدة من القصص الشعبي، ومن الغريب أن القصة تكاد أن تكرر نفسها بين العرب واليهود في المدينة١، فضلا عن شبه قريب بينها وبين قصص أخرى يرويها الأخباريون عن ملوك اليمن، وعن ولعهم بالنساء، وفعل المنكر فيهن، ومنها واحدة تتصل بملكة سبأ "بلقيس٢ صاحبة سليمان ﵇" وأخرى عن "عتودة" مولى أبرهة الحبشي٣.
أضف إلى ذلك أن القصة تصور القوم وكأنهم لا يثورون على هذا الوضع الدنيء، إلا بعد أن ظهرت "عفيرة" ودمها يسيل، وقد شقت ثوبها من قدام ومن خلف، فيغضب أخوها -كما غضب أخو فضلاء في يثرب- ويقبل "عملوق" ملك طسم، هذا إلى جانب أن القصة تصور المرأة -وليس الرجل- هي التي تأنف من العار وتأبى الذل، وتحرض الرجال على الانتقام للعرض المستباح، ومن ثم فإننا نرى "عفيرة" تقول:
لا أحد أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بذا يا يقوم بعل حر ... أهدى وقد أعطى وثيق المهر
ولو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقر بذا الفعل
فموتوا كرامًا وأميتوا عدوكم ... ودبوا لنا الحرب بالحطب الجزل
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكم طيب النساء فإنما ... خلقتم لأثواب العروس وللنسل٤
стр. 181
ومن هنا، فإننا نرفض هذه القصة هنا وهناك، نرفضها لأنها لا تتفق مع الخلق العربي والكرامة العربية، نرفضها لأنها تتعارض تمامًا وأخلاق العرب الذين كانوا يشعلون نار الحرب لأقل كلمة يمكن أن تفسر على أنها إنما تسيء إلى الشرف والعرض الذي كان -وما زال وسوف يظل إن شاء الله- من أقدس ما يحافظ العربي عليه، ثم هل هذا الشعر العربي الفصيح يمكن أن يكون من قول "عفيرة" جديس، وأخيرًا فإن قصة زرقاء اليمامة هذه، إنما رويت في مكان آخر عند حديث الإخباريين عن تفرق ولد معد، وقريب منها ما جاء في قصة "الزباء" ملكة تدمر المشهورة١.
وأما الفترة التي عاشت فيها قبيلتا "طسم وجديس"، فهي -طبقًا للرواية الآنفة الذكر- إنما كانت في أوائل القرن الرابع الميلادي، أو أوائل القرن الخامس الميلادي٢، على أن "ده برسيفال" إنما يرى أن إغارة الحميريين على جديس إنما كان بعد عام ١٤٠م٣، وهذا يعني أن القبيلتين قد انتهى أمرهما في حوالي منتصف القرن الثاني الميلادي، ومن ثم فقد أخطأ المؤرخون المسلمون في الربط بينهما وبين عاد الأولى٤، والتي ربما عاشت في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، هذا إلى أن ذلك إنما يتعارض وما رآه البعض من أن بطليموس الجغرافي إنما كان يقصد باسم "Jodisitae" أو "Joiisitae" قوم جديس، وأنهم كانوا معروفين حوالي عام ١٢٥/ ٥.
أضف إلى ذلك أن الفترة التي حكم فيها التبابعة جنوب بلاد العرب، كانت فيها دولة "كندة" هي المسيطرة على منطقة اليمامة، ومن ثم يمكننا القول أن قبيلتي طسم وجديس كانتا معاصرتين لدولة ديدان، وربما انتهتا بنهايتها، أي أننا يمكننا أن نؤرخ لهما فيما بين القرن السادس والخامس قبل الميلاد، ولا نشك في أن الكشف
стр. 182
الأثري سوف يؤكد أو يعدل أو يأتي بتاريخ لا يبعد كثيرًا عن هذا التاريخ١، وإن كان هذا لا يمنع من وجود بعض جماعات من "جديس" بعد هذا التاريخ، دون أن يكون لها نفس الكيان الذي كان لها من قبل، ولعل هذه الجماعات هي التي عناها بطليموس، إن كان حقًّا أن اسم "Jodisitae" أو "Joiisitae" إنما يعني في نظره قوم جديس.
стр. 183
٤- أميم:
وهم في نظر الأخباريين في طبقة طسم وجديس، وينسبون إلى "لاوذ بن عمليق" أو "لاوذ بن سام بن نوح" أو وبار بن إرم بن سام بن نوح" أو ما شابه ذلك من شجرات نسب١، وأن من شعوبهم "وبار بن أميم"، برمل عالج بين اليمامة والشحر، وأن الرمال قد انهارت عليهم بسبب معصية أصابوها، وإن بقيت منهم بقية دعيت "النسناس"٢.
ولعل أغرب ما في الأمر دعوى الأخباريين بأن ديار بين أميم، إنما كانت بأرض فارس، ومن ثم فقد رأى الفرس أنهم من أميم من ولده "كيومرث"٣، ولست أدري كيف اعتبر المؤرخون المسلمون بني أميم هؤلاء من طبقة العرب العاربة، ثم هم في نفس الوقت من الفرس؟ ثم ما هي العلاقة بين "وبار" و"أميم"، وهل صحيح أن "وبار" هذا شقيق "كيومرث" جد الفرس٤؟ وإذا كان ذلك كذلك، فهل هذه القبيلة من العرب البائدة، أم هي قبيلة فارسية؟.
وهناك خلاف بين المؤرخين الأوربيين على ذلك الشعب العربي الذي دعاه بطيلموس "Jobaritae"، وهل هو شعب "وبار"٥ أم أنه "يوباب"، وأن هناك تحريفًا في النسخ فصارت "الباء" "B" "راء" R" ومن ثم فقد أصبح
стр. 184
"Jobabitae" وإن كنا لا نملك على هذا التحريف ما يدعمه من أدلة١، هذا فضلا عن أنه على موضع قريب من المكان الذي عناه بطليموس الجغرافي تقع أرض "وبار" بين اليمن ورمال يبرين٢.
ومع ذلك، فإن شعب وبار -في رأي كثير من المستشرقين- إنما هو من الشعوب الخرافية، وليس هذا بالأمر الغريب على قوم يرون في كل الكتابات العربية، أو معظمها، شيئًا أقرب إلى الخرافة منه إلى الحقيقة٣، غير أن بعضًا منهم، ممن قدر له زيارة الأماكن التي ذهب الأخباريون إلى أنها أرض "وبار" لا يرون هذا الرأي٤، كما أن ذكرى "وبار" لا تزال في ذاكرة العرب حتى اليوم، ففي الربع الخالي أماكن كثيرة يزعم الأعراب أنها كانت مواضع وبار٥، وإن أضافوا إليها أساطير لا يقرها منطق ولا يقبلها عقل٦.
стр. 185
٥- عبيل:
وعبيل هذه -فيما يرى الأخباريون- من ولد "عوص" أخي عاد١ وأنهم هم الذين اختطوا مدينة يثرب، إلا أن العماليق سرعان ما طردوهم منها، ومن ثم فقد نزلوا في مكان بين مكة والمدينة، حيث اجتحفهم سيل فذهب بهم، وسمي المكان "الجحفة"٢
стр. 186
وتقرأ في التوراة عن "عيبال" أو "عوبال"١، على أنه من ولد "يقطان" "قحطان في المصادر العربية"، ومن هنا رأى فريق من علماء التوراة أن "عبيل" من الممكن أن يكون "عيبال" أو "عوبال"٢، ويشير بطليموس إلى موضع يقال له "Avaiitae" على خليج يدعى بهذا الاسم "Avaiites Sinus" عليه مدينة تسمى "Avaiites Emporium" وسكانها يدعون "Avaites"، كما ورد الاسم عند "بليني" محرفًا إلى "Abaiitae" أو "Abaiites"، وربما كان هؤلاء هم "عوبال"، فيما يرى "فورستر"٣، وقد يكون أبناء عوبال هم عبيل٤.
هذا ويحاول البعض أن يوجد صلة بين "عبيل" وبين مكان في اليمن بهذا الاسم، هذا إلى جانب قرية تدعى "عبال" على مقربة من صنعاء٥، على أن الحكم في مثل هذه الأمور، اعتمادًا على تشابه الأسماء، فيه من الخطورة ما فيه٦.
стр. 187
٦- جرهم:
ينظر الأخباريون إلى جرهم على أنهم طبقتان، الواحدة من العرب البائدة، وقد كانت في مكة المكرمة على عهد عاد وثمود والعماليق١، ثم أبيدت بأيدي القحطانيين٢، والأخرى من جرهم بن قحطان بن هود، وقد كانوا أصهارًا للنبي الكريم سيدنا إسماعيل عليه السلام٣، وقد آلت إليهم ولاية البيت الحرام
стр. 188
حتى غلبتهم عليه خزاعة وكنانة -الأمر الذي سوف نناقشه بالتفصيل عند الحديث عن مكة المكرمة- وعلي أي حال، فلقد نزلوا بعد ذلك بين مكة ويثرب، ثم هلكوا بوباء تفشى فيهم١.
стр. 189
٧- العمالقة:
ينسب الأخباريون العماليق إلى "عمليق بن لوذ بن سام بن نوح"١، وهو شقيق طسم، هذا ويبالغ الأخباريون في أهمية العماليق وسعة انتشارهم بدرجة لا يمكن أن يقبلها منطق أو يقرها عقل، فيجعلونهم أممًا كثيرة تفرقت في البلاد، فكان منهم أهل عمان والحجاز والشام ومصر، فضلا عن أهل المدينة وبنو هف وبنو مطر وبنو الأزرق وسعد بن هزان، وأهل نجد، وبديل وراحل وغفار هذا، وأخيرًا فقد كان منهم الجبابرة بالشام -وهم الكنعانيون- والفراعين بمصر، والأرقم ملك الحجاز بتيماء٢.
ولا شك في أن الاضطراب إنما يبدو واضحًا في روايات الأخباريين هذه، فضلا عن أثر التوراة الواضح فيها، فهم يرون أن أهل مصر من العماليق٣ -والعماليق، في رأيهم، كجرهم من العرب العاربة-٤، ولكنهم في نفس الوقت يرون أن أهل مصر من أبناء "مصرايم بن حام بن نوح"٥، وتلك في الواقع إنما هي رواية
стр. 190
التوراة١، وهكذا فإن المصريين -في نظر المؤرخين المسلمين- ساميون وحاميون في نفس الوقت، والأمر كذلك بالنسبة إلى الكنعانيين، فهم من العماليق، وهم في نفس الوقت، أبناء "حام بن نوح"٢، وتلك -مرة أخرى- رواية التوراة٣ وإذا كان الحقد الدفين من يهود ضد المصريين والكنعانيين والبابليين، هو الذي دفع بكتبة التوراة إلى إخراج هذه الشعوب جميعًا من الساميين، وجعلها من أبناء حام، فإن النقل عن يهود -والغفلة كذلك- هي التي دفعت بالمؤرخين الإسلاميين إلى هذا الموقف الخاطئ.
وأما عن الانتشار غير المقبول للعماليق، فلعله في أحسن الأحوال، إنما كان لأن العماليق قبائل بدوية، انتشرت هنا وهناك في عديد من الأماكن بشبه الجزيرة العربية، ثم جاء الأحباريون وجعلوهم سكانا لمناطق لا تقتصر على بلاد العرب وحدها، وإنما شمتل غيرها من المناطق المجاورة.
وأما أصل الكلمة "عماليق" أو عمالقة، فمجهول، وإن غلب على الظن أنهم نحتوه من اسم قبيلة عربية كانت مواطنها بجهة العقبة أو شماليها، ويسميهم البابليون "ماليق" أو "مالوق"، فأضاف إليها اليهود لفظ "عم" أي الشعب أو الأمة، فقالوا "عم ماليق" و "عم مالوق"، ثم جاءت العرب فقالت: "عماليق" أو "عمالقة"، ثم سرعان ما أطلقت الكلمة على طائفة كبيرة من العرب القدامى٤.
ويكاد يتفق الإخباريون على أن العماليق عرب صرحاء، ومن أقدم العرب زمانا، ولسانهم هو اللسان المضري التي نطقت به كل العرب البائدة٥، بل ويذهب الطبري إلى أن عمليقا -وهو أبو العمالقة- كان أول من تكلم العربية حين ظعنوا من بابل، ومن ثم فقد كان يقال لهم -وكذا لجرهم- العرب العاربة٦، ومرة أخرى يظهر أثر التوراة في هذه الرواية، فهي لا تتعارض مع الرواية المشهورة التي
стр. 191
تجعل "يعرب بن قحطان" أول الناطقين بالعربية فحسب، وإنما تجعل السريانية أقدم من العربية، وذلك حين جعلتها لغة الناس جميعًا، غير أن القوم قد انحرفوا إلى عبادة الأوثان، خنوعًا "للنمرود بن كوش بن كنعان بن حام" ملك بابل، وصاحب إبراهيم ﵇، ومن ثم فقد أصبح القوم ذات يوم، وقد بلبل الله ألسنتهم، فلا يفهم الواحد منهم الآخر، إذ "أصبح لبني سام ثمانية عشر لسانًا، ولبني حام ثمانية عشر لسانًا، ولبني يافث سنة وثلاثون لسانًا، ففهم الله العربية عادًا وعبيل وثمود وجديس عمليق وطسم وأميم وبني يقطن بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح"١.
وهكذا فالرواية إذن لا تجعل شرف السبق في النطق بالعربية مقصورًا على "عمليق" وإنما شاركه فيه آخرون، ثم إنها تؤرخ للحادث بعهد "نمرود" صاحب إبراهيم ﵇ وإبراهيم -كما هو معروف- لا يعده الإخباريون من العرب العاربة، فضلا عن أن يكون من أقدم العرب زمانًا،٢، ومن ثم فكل من ذكرهم الإخباريون على أنهم أصحاب السبق في النطق بالعربية، تأتي هذه الرواية فتجعلهم لا ينطقون بها إلا على أيام النمرود، صاحب إبراهيم ﵇ "١٩٤٠-١٧٦٥ق. م".
وأخيرًا، فالرواية تحريف لرواية توراتية، أراد كاتبها أن يقدم لنا تفسيرًا لاختلاف اللغات والأجناس٣ -كما فعلت الرواية العربية- فقدم لنا تفسيرًا ساذجًا غير علمي، ذهب فيه إلى أن الله قد رأى أن سلالة الناجين من الطوفان يبنون برجًا بغية الوصول إليه في علياء سمائه، وكانوا يحسبون السماء أشبه بلوح زجاج يعلو بضع مئات من الأمتار، فخشي شرهم واحتاط لنفسه فهبط الأرض وبلبل ألسنتهم، فتقرقوا شذر مذر، ومن ثم فقد سميت المدينة "بابل"، لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض، ثم بددهم على وجه الأرض٤، أضف
стр. 192
إلى ذلك كله، أن الرواية العربية إنما هي متأثرة بروايات تذهب إلى أن الموطن الأصلي للساميين إنما كان في بابل، بل ربما كانت أساسًا لنظريات حديثة تنحو هذا النحو١.
وعلى أي حال، فالعماليق -في نظر التوراة- من أقدم الشعوب التي سكنت جنوب فلسطين، وقد عدهم "بلعام" أول الشعوب٢، ربما لأنهم كانوا أول من اصطدم بالإسرائيليين في أثناء التيه في صحراوات سيناء، ومن ثم فليس صحيحًا ما ذهب إليه البعض -طبقًا لرواية توراتية-٣ من أنهم من سلالة "اليعازر بن عيسو" جد الآدوميين٤، وحفيد إبراهيم، ذلك لأن هناك نصًّا تواراتيًّا آخر يجعلهم يقيمون في جنوب غرب البحر الميت على أيام الخليل إبراهيم٥، وأنهم كانوا على أيام موسى الكليم منتشرين في كل صحراء التيه حتى حدود مصر، وفي معظم سيناء، وجنوب فلسطين، كما كان هناك "جبل العمالقة" في أرض أفرايم٦.
وليس هناك من شك في أن الصدام الحقيقي بين اليهود والعماليق إنما بدأ في المرحلة الأولى من التيه٧، ونقرأ في التوراة أن العمالقة قد هاجموا بني إسرائيل المنهكين عند خروجهم من مصر وأسروا جميع مقاتليهم٨، كما نقرأ كذلك في التوراة٩ أن العماليق قد أتوا لمحاربة بني إسرائيل في "رفيديم"، حيث ضرب موسى الحجر بعصاه، فانبثقت منه اثنتا عشرة عينًا، ويذهب "يوسف بن متى" المؤرخ اليهودي، إلى أن الإسرائيليين حينما وصلوا إلى "رفيديم" كانوا في حالة يرثى لها من العطش، ومن ثم فقد كان هجوم العمالقة عليهم ناجحًا١٠.
وعلى أي حال، فإذا كانت "رفيديم" والتي أطلق الإسرائيليون عليها "مريبة" -وكذا قادش القريبة منها- تقعان حول البتراء، فهما إذن في جوار أرض العماليق
стр. 193
الذين كانوا يتمكنون في سهولة من أن يهاجموا بني إسرائيل، متنقلين من معسكر إلى آخر، ومن أن يأسروا مقاتليهم١، غير أن العمالقة قد أعانوا أعداء آخرين لبني إسرائيل، حتى بعد استقرارهم في فلسطين، ومن ثم فإننا نقرأ في التوراة٢ أن العمالقة قد اتحدوا مع "عجلون" ملك مؤاب، الذي انتزع منهم مدينة النخل "أريحا"، كما كانوا كذلك حلفاء لأهل مدين وبني المشرق "بني قدم" الذين كانوا يسكنون في سهل يزرعيل، وهكذا استمر العماليق يغزون بني إسرائيل في فلسطين٣، تقول التوراة: "إذا زرع إسرائيل كان يصعد المديانيون والعمالقة وبنو المشرق، ويتلفون غلة الارض إلى مجيئك إلى غزة، ولا يتركون لإسرائيل قوة الحياة، ولا غنمًا ولا بقرًا ولا حميرًا"٤.
وهكذا بدأ الإسرائيليون يفكرون في الانتقام من العماليق، وكان "شاول" "١٠٢٠-١٠٠ق. م"٥ هو أول ملك إسرائيلي يحارب العماليق، ونقرأ في التوراة أن الربَّ أمر شاؤل أن يحارب العماليق ويبيد كل ممتلكاتهم من ثيران وماشية وجمال وحمير٦، ومن هذا نفهم أن العمالقة إنما كانوا يمتلكون عددًا من القرى والديار، وأنهم قد عنوا بحرث الأرض وزراعاتها، فضلا عن تربية الماشية والأنعام٧.
وطبقًا لرواية التوراة٨، فإن شاؤل قد نجح في مهمته، وحقق للإسرائيليين -ولأول مرة- نصرًا على العماليق، كما يفهم من الرواية نفسها أن العمالقة إنما كانوا يسيطرون على طرق القوافل فيما بين جنوب فلسطين وشمال شبه الجزيرة العربية.
стр. 194
وكان هناك طريقان يقعان في أرض العماليق، الواحد عن طريق برزخ السويس، والآخر عن طريق خليج العقبة١، ولما كانت العلاقات التجارية بين مصر وغزة من ناحية، وبين جنوب بلاد العرب من ناحية أخرى، في غاية من الازدهار والنشاط، فقد كانت القوافل التجارية القادمة من غزة إلى العقبة تمر في أرض العماليق، فليس من شك في أنها إنما كانت تعترف بسلطتهم في هذا الجزء من الطريق القادم من غزة متجهًا إلى مصر، والأمر كذلك بالنسبة إلى جزئه الآخر المتجه نحو الجنوب الشرقي، أو أنها على الأقل كانت خاضعة لسلطة العمالقة في هذا الجزء المتاخم لساحل البحر من الطريق٢.
وفي أيام داود ﵇ "١٠٠٠-٩٦٠ق. م"٣ تدق الحرب طبولها من جديد بين بني إسرائيل والعماليق، وطبقًا لرواية التوراة٤ فإن العمالقة قد غزوا بني إسرائيل، "وضربوا صقلع وأحرقوها بالنار وسبوا نساءها"، إلا أن داود قد كتب له نجحًا بعيد المدى في رد الغزاة، وفي استعادة الغنائم منهم، بل وفي استعادة بعض السبايا -ومنهم امرأتيه أخينوعم وأبجايل- كما تمكن قائد "يؤاب" من أن يخرجهم من ديارهم الأولى، وإن ظلت بقية منهم تسكن الجزء الجنوبي من جبل سعير، حتى أتى المهاجرون من قبائل شمعون فاحتلوا ديارهم٥، ومن ثم أصبحنا لا نجد للعمالقة بعد ذلك ذكرًا في النصوص.
بقيت نقطة أخيرة تتصل بعدم ذكر العمالقة في جملة قبائل العرب، وهذا "أولًا" لا يدل على أن العمالقة لم يكونوا عربًا، و"ثانيًا" لأن العبرانيين لم يطلقوا لفظة "عرب" إلا على أعراب البادية، ولا سيما بادية الشام٦، و"ثالثًا" لأن العمالقة من أقدم الشعوب التي اصطدم بها بنو إسرائيل، ومن ثم فقد حملوا لهم حقدًا دفينًا، واليهود -كما معروف- قد تأثروا بعواطفهم نحو الشعوب التي يكتبون عنها، وأخيرًا "رابعًا" فإن العمالقة -في نظر اليهود- أقدم من القحطانيين والعدنايين، سواء بسواء٧.
стр. 195
٨- حضوراء:
يروي الأخباريون أن حضورا من نسل قحطان، وأنهم كانوا يقيمون بالرس، وهو إما موضع بحضرموت أو اليمامة، أو مكان كانت فيه ديار نفر من ثمود١، وإن كان "الهمداني" يرى أن الرس بناحية "صيهد"، وهي بلدة ما بين بيجان ومأرب والجوف، فنجران فالعقيق فالدهناء، فراجعًا إلى حضرموت، كما فسر الرس بمعنى "البئر القليلة الماء"٢، وذهب اليعقوبي إلى أنها بين العراق والشام إلى حد الحجاز٣.
وقد ربط القرآن الكريم بين أصحاب الرس وبين عاد وثمود مرة٤، وبينهم وبين قوم نوح وثمود مرة أخرى٥، واختلف المفسرون فيمن أرسل إليهم نبيًّا من رب العالمين، فذهب فريق إلى أنه "شعيب بن ذي مهرع" أو مهدم، ومسجده اليوم في رأس جبل حدة حضور بن عدي، ويعرف رأس الجبل ببيت خولان٦، وذهب فريق آخر إلى أنه "خالد بن سنان"، وكان رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- قد تحدث عنه، فقال: "ذاك نبي ضيعه قومه"٧، وذهب فريق ثالث إلى أنه "حنظلة بن صفوان"، وقد وجد عند قبره هذه الكتابة "أنا حنظلة بن صفوان، أنا رسول الله، بعثني الله إلى حمير وهمدان والعريب من أهل اليمن فكذبوني
стр. 196
وقتلوني"١
ويروي الأخباريون أن بختنصر- هو الإمبراطور البابلي نبوخذ نصر "٦٠٥-٥٦٢ق. م" قد غزا حضورا وأعمل السيف فيهم، فقتل الغالبية العظمى منهم، بينما هجر بقيتهم إلى أماكن أخرى من إمبراطوريته، وأما سبب ذلك فأن القوم قد كفروا بنبي لهم يدعى "شعيب بن مهدم بن ذي مهدم بن القدم بن حضور"، ومن ثم فقد أوحى إلى النبي اليهودي، "برخيا بن أخيبا" أن يترك نجران وأن يذهب إلى نبوخذ نصر، وأن يأمره "بغزو العرب الذين لا أغلاق لبيوتهم فيقتل مقاتليهم ويسبي ذراريهم ويستبيح أموالهم بسبب كفرهم"٢.
ويصدع "نبوخذ نصر" بأمر "برخيا" اليهودي، ويبدأ بمن في بلاده من تجار العرب، فيبني لهم "حيرا" في النجف يحبسهم فيه، ثم ينادي في الناس بالغزو، وتسمع العرب بما حدث فتأتي إلى "نبوخذ نصر"، تطلب الأمان وتعلن الولاء والخضوع، فلا يقبل الملك البابلي ذلك منهم إلا بعد استشارة "برخيا"، ثم ينزلهم "السواد" على ضفاف الفرات، حيث يبنون معسكرًا لهم يدعونه "الأنبار"، ثم سرعان ما يشمل العفو العرب الأولين من أهل الحيرة، الذين يستقرون هناك طيلة أيام نبوخذ نصر في هذه الدنيا، فإذا ما انتقل الرجل إلى العالم الآخر، انضم القوم إلى أهل الأنبار وعاشوا بينهم٣.
وتستمر الرواية -ولعلها هنا تعتمد على مصدر غير مصدرها الأول- فتذهب إلى أن الله قد أوحى إلى "إرمياء" و"برخيا" أن يذهبا إلى "معد بن عدنان" ويحملانه إلى "حران" ليحفظا عليه حياته هناك، لأن الله سوف يخرج من صلبه من يختم به الأنبياء -المصطفى صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- ولأن بني إسرائيل قد بدءوا منذ مولد "معد بن عدنان" يقتلون أنبياءهم، وكان آخر من قُتِلَ "يحيى بن زكريا" ﵉، كما فعل ذلك أهل الرس وأهل حضورا بأنبيائهم، وأن
стр. 197
النبيّيْن اليهودييْن -إرمياء وبرخيا- قد كتب لهما نجحا بعيد المدى في تحقيق مهمتهما، فقد حملا "معد" إلى حران في ساعة من زمان، وذلك لأن "برخيا" قد استعمل "البراق في مهمته، فحمل "معد" عليه، وأردف هو خلفه، ولأن الأرض كانت تُطْوَى لهما طيًّا.
وفي هذه الأثناء كان "نبوخذ نصر" قد جمع جيشًا كثيفًا لإفناء سكان بلاد العرب -بناء على رؤيا رآها في المنام، أو لأن برخيا بوحي من ربه قد أمره بذلك- وأيًّا ما كان السبب، فإن "عدنان" والد معد، قد جمع هو كذلك جيشًا كثيفًا من العرب لمقاومة هجوم الملك البابلي، وسرعان ما التقى الجيشان في "ذات عرق" ودار بينهما قتال شديد، كانت الغلبة فيه من نصيب البابليين، ومن ثم فقد تابع "نبوخذ نصر" مسيرته في بلاد العرب، مطاردًا جيش "عدنان" المهزوم، حتى إذا ما أتى "حضورا"، كان "عدنان" قد جمع العرب -من عربة إلى حضورا- مرة ثانية، وخندق كل واحد من الفريقين على نفسه وأصحابه، إلا أن "نبوخذ نصر" قد أعدَّ للعرب كمينًا، وسرعان ما نادى منادٍ من السماء "يا لثارات الأنبياء"، فأخذتِ العربَ السيوفُ من كلِّ جانب، وحقق العاهلي البابلي نصرًا كاملا على العرب، وعاد بجم غفير من الأسرى والسبايا، حيث أسكنهم "الأنبار"، ثم ما أن يمضي حين من الدهر، حتى ينتقل "عدنان" إلى الدار الآخرة، وتبقى بلاد العرب بعده -وطوال أيام نبوخذ نصر- خرابًا.
وأما "معد بن عدنان" فتذهب الرواية إلى أنه قد عاد من حران، ومعه أنبياء بني إسرائيل إلى مكة، ثم أتى "ريسوب" حتى تزوج هناك من "معانة" بنت "جرشم بن جلهمة" من ولد الحارث بن مضاض الجرهمي، والتي أنجبت له ولده "نزار"١.
والرواية -كما قدمناها نقلا عن المؤرخين المسلمين- جد هشة، وسهام الريب توجه إليها من كل جانب، وليس بالوسع القول بأنها ترقى إلى ما فوق مظان الشبهات، بل هي نفسها شبهة، وشبهة ساذجة كذلك، حتى وإن تمسح مختلقوها بمعد بن عدنان -الجد الأعلى لمولانا وجدنا رسول الله، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فإنما هو العسل يوضع فيه السم، حتى يسهل ابتلاعه، ولكن هيهات، فأثر
стр. 198
الإسرائيليات فيها أوضح من أن يشار إليه، والأثر العربي عندما أضيف إليها، فإنما أضيف بطريقة فجة للغاية.
ولعل أهم ما يلاحظ على هذه الرواية، إنما هي نقاط كثيرة، منها "أولًا" اعتبار "نبوخذ نصر" -وهو الوثني- هو الغيور على أنبياء الله، والمنتقم لقتلهم، وهذه نظرية يهودية صرفة، فالذي يقرأ التوراة يرى أنها تتخذ من الملوك الوثنيين أداة لربهم "يهوه" للانتقام من إسرائيل، شعبه المختار، حدث ذلك، عندما مسح "إليشع" النبي باسم "يهوه" ملك دمشق "حزائيل"١، رغم أنه ليس إسرائيليًّا، ولم يكن عابدًا ليهوه أبدًا، ذلك لأن رب إسرائيل -فيما يرى الحاخام الدكتور أبشتين- أراد أن يجعله سوط عذاب على إسرائيل، شعبه الآثم الشرير٢.
ومنها "ثانيًا" أن "برخيا" النبي اليهودي كان يقيم في نجران"، وأنه ذهب إلى "بابلط ليحرض -بأمر ربه- نبوخذ نصر ضد العرب، ولست أدري ما صلة "برخيا" هذا بنجران، والمعروف أن الرجل إنما كان يقيم في أورشليم، وبخاصة في الفترة التي كانت قوات "نبوخذ نصر" تدق أبوابها بعنف، وأن "باروخ" -وهذا هو اسمه الصحيح- وكذا سيده "إرميا" إنما كانا يعلنان في تلك الفترة الحرجة من تاريخ قومهما أن "نبوخذ نصر" هو خادم الرب يهوه، وأن قبضته حديدية ولن تكسر، ومن ثم فقد بدأ إرمياء نصائحه -كما جاءت في التوراة نفسها٣- بضرورة الخضوع للعاهل البابلي، حتى أنه اتهم من قبل حكام يهوذا بإضعاف الروح المعنوية بين الجيش والشعب على السواء، ولهذا فليس من العجيب أن نبي الويل هذا، قد ألقي به في غياهب السجون لمجاهرته بالخذلان، ولم يطلق سراحه إلا بأمر من نبوخذ نصر، وإلا بعد أن سقطت أورشليم تحت أقدام البابليين، وأخذ الجزء الأكبر من سكانها أسارى إلى ضفاف الفرات -وهو ما عرف في التاريخ بالسبي البابلي في عام ٥٨٦ق. م- وكان إرمياء نفسه من بين الأسرى، حيث منحه العاهل البابلي حريته، ربما مكافاة له على الدور الذي قام به في بث روح اليأس بين قومه، مما سهل للفاتح البابلي
стр. 199
مهمته، وأكسبه نصره المبين١، بل إنك تقرأ عجبًا عن حماس إرمياء للملك البابلي في التوراة٢، مما أثار الشكوك حول إرمياء وعلاقته ببابل، حتى ذهب البعض إلى أن النبي اليهودي إنما كان يعمل لحساب "نبوخذ نصر".
ومنها "ثالثًا" أن الملك البابلي لا يقبل خضوع عرب الشمال له، إلا بإذن من "برخيا" ولست أدري كيف قبل من كتبوا هذا القصص، أن يجعلوا أقوى رجل في عصره يخضع لواحد من يهود، واليهود -كما نعرف- لم يروا منذ أيام الفراعين العظام في عصر الإمبراطورية المصرية "١٥٧٥-١٠٨٧ق. م"، وحتى أيام "نبوخذ نصر" "٦٠٥-٥٦٢ق. م"، أعني منذ خروجهم من مصر في حوالي عام ١٢١٤ق. م، وحتى السبي البابلي في عام ٥٨٦ق. م- ما رأوه من إذلال على يد العاهل البابلي، ومن ثم فإني أتساءل مرة أخرى،: كيف يكون أثر الإسرائيليات أوضح من هذا في روايتنا هذه.
ومنها "رابعًا" أن الملك البابلي الذي جعله هؤلاء المؤرخون المسلمون -ويا للعجب -يقوم بإفناء العرب -حتى في مواطنهم الأصلية- عقابًا لهم على كفرهم بأنبيائهم، هو نفسه الذي جعله هؤلاء المؤرخون أنفسهم، واحدًا من ملوك أربعة، ملكوا الدنيا بأسرها، وأعني بذلك تلك الأسطورة التي كثيرًا ما تتردد في الكتب العربية، والتي تقول: "ملك الأرض كافران ومؤمنان؛ فأما الكافران فنمرود وبختنصر، وأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين"٣، فإذا كان ذلك كذلك "وإن كنا لا نوافق على ذلك أبدًا"، فكيف أصبح نبوخذ نصر -عندما يتصل الأمر بالعرب- هو حامي الدين، والآخذ بثأر الأنبياء، وهو نفسه كافر
стр. 200
بهذا الدين، وغير مؤمن بهؤلاء الأنبياء، إلا أن يكون مؤرخونا -يرحمهم الله- يرددون نظريات التوراة، التي سبق أن أشرنا إليها، والله وحده يعلم إن كانوا يعلمون ذلك أو لا يعلمون.
ومنها "خامسًا" أن القصة تذكر أن مولد "معد بن عدنان" جاء في وقت بدأ فيه بنو إسرائيل يقتلون أنبياءهم، وكان آخر من قتلوا منهم "يحيى بن زكريا" ﵉، ومن ثم فقد سلط الله نبوخذ نصر على العرب واليهود سواء بسواء.
وسؤال البداهة الآن: كيف اتفقت هذه الأحداث جميعًا في زمن واحد؟ والمعروف تاريخيًّا أن "نبوخذ نصر" إنما كان يحكم في الفترة من "٦٠٥-٥٦٢ق. م"، فهل كان "معد بن عدنان" يعيش في هذه الفترة؟، وهل استشهد سيدنا يحيى ﵇ فيها كذلك؟
إن الجواب على ذلك جد صعب، بالنسبة إلى "معد بن عدنان"، ومع ذلك فلو أخذنا برأي من يعتبرونهم الأئمة في نسب معد بن عدنان -كما يقول ابن كثير- لوجدنا أن بينه وبين جده إسماعيل بن إبراهيم، ﵉، سبعة أجيال، فهو "ابن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل"١، بل إن هناك من يرى أنها أربعة أو خمسة أجيال، إذ يرون أن معد هذا، إنما هو "ابن أدد بن زيد بن يرى بن أعراق الثرى" وأما "يرى" فهو "نبت" أو نبايوت، وأما أعراق الثرى فهو إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام٢.
وأننا لو أخذنا حتى بالاتجاه الأول، وافترضنا أن ما بين الجيل والجيل نصف قرن -وليس ربع قرن كما هو المعروف- لكانت الفترة بين عدنان وإسماعيل ثلاثة قرون ونصف -أو حتى أربعة قرون- وإذا ما تذكرنا أن إبراهيم الخليل كان يعيش في الفترة "حوالي ١٩٤٠-١٧٦٥ق. م" وإسماعيل في الفترة "حوالي ١٨٥٤-١٧١٧ق. م" فإن معد بن عدنان كان يعيش إذن في الفترة ما بين القرنين الخامس عشر والثالث عشر قبل الميلاد، وليس في القرن السادس قبل الميلاد، ثم ما هذا الخليط الغريب من الأسماء العربية واليهودية في نسب "معد" هذا؟.
стр. 201
ثم ما صلة "يحيى بن زكريا" ﵉ بهذه الأحداث، وهو الذي عاصر المسيح ﵇، أي في بداية القرن الأول الميلادي، وليس السادس قبل الميلاد، ثم كيف عرفوا -أو بالأحرى كيف عرف برخيا- أن يحيى هو آخر أنبياء اليهود وأنه سوف يموت شهيدًا على أيديهم، وهو "أولًا" ليس آخر أنبياء اليهود، فذلك هو السيد المسيح ﵇، حيث أرسل لهداية "خراف بيت إسرائيل الضالة"١، و"ثانيًا" فإن حادث استشهاد يحيى لم يرد في أي نص من نصوص التوراة، وإنما كان ذلك في أناجيل النصارى، حيث يدعونه "يوحنا المعمدان"٢ -الأمر الذي سوف نناقشه في مكانه من هذه الدراسة- وأخيرًا كيف غاب كل ذلك على مؤرخينا الكبار، أم أنه النقل عن يهود، حتى دون مناقشة، ثم هو ادعاء العلم من أحبار يهود، حتى لو كان ذلك العلم لم يرد في كتبهم المقدسة، توراة كانت أم تلمودا.
ومنها "سادسًا" أن قصة الغزو جميعها ليست إلا ترديدًا لنبوءات إرمياء في التوراة، والتي تنبأ فيها بكل المصائب لليهود، وللمصريين والفلسطينيين والمؤابيين والأدوميين والعمونيين والآراميين والكلدانيين، وكذا لدمشق وحماة وقيدار وحاصور وعيلام وبابل، وكل ما يعرفه من أمم ومدن٣.
ومنها "سابعًا" أن الأخباريين يروون رواية أخرى تذهب إلى أن أبناء "معد بن عدنان" قد أغاروا على معسكر بني إسرائيل بقيادة موسى نفسه، وأن الكليم ﵇ قد دعا عليهم ثلاث مرات ولم تجب دعوته؛ لأن من هؤلاء المصطفى، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤، وبصرف النظر عن صدق الرواية أو كذبها، فإنها تشير إلى أن معد بن عدنان، إنما كان قبل موسى ﵇، وهو الذي كان في حوالي القرن الثالث عشر قبل الميلاد، طبقًا لأكثر النظريات تأخرًا من الناحية الزمنية٥.
ومنها "ثامنًا" أن حاصور التي يتحدث عنها إرمياء في التوراة٦، إنما تقع في شمال بلاد العرب، وهي لا تعدو أن تكون عدة "إمارات" أو مشيخات" صغيرة،
стр. 202
كما يفهم من عباراته وعن ممالك حاصور" والتي كانت تتاخم "قيدار"، ولعلها كانت في البادية١، وأن سكانها كانوا على خلاف أهل الوبر، يسكنون في بيوت ثابتة، كما كانت تقع في جنوب فلسطين أو شرقيها٢، ومن هنا فلست أدري كيف جعل المؤرخون المسلمون "حاصور" هي "حضور" وأنها في اليمن -وليست في فلسطين- وأن "نبوخذ نصر" إنما غزاهم حماية للدين الحنيف، وانتقامًا لقتل الأنبياء، وهو نفسه كافر بهذا وذاك، ومن ثم فربما كان السبب في هذا الاضطراب -فيما يرى الدكتور جواد علي- أن حربًا قديمة ماحقة، أو كوارث طبيعية حدثت في حضور اليمن، وتركت أثرًا عميقًا في ذاكرة القوم، ثم جاء الأخباريون، وخاصة أولئك الذين لهم صلة بأهل الكتاب، فوجدوا شبهًا بين "حاصور" و"حضور"، وظنوا أن ما رواه "إرمياء" عن حاصور، إنما كان عن "حضور" اليمن، ثم أضافوا إليها ما شاء الله لهم أن يضيفوا على طريقتهم في هذا المجال٣.
ومنها "تاسعًا" أن قصة الغزو البابلي لبلاد العرب هذه، لم تكتف بترديد نبوءات إرمياء -كما جاءت في التوراة، وكما أشرنا إليها آنفًا- وإنما قد اختلطت فيها كذلك فتوحات "نبونيد" "٥٥٥-٥٣ق. م" في بلاد العرب، عندما أخضع أدومو وتيماء وديدان وخيبر ويثرب٤، بفتوحات "نبوخذ نصر"، وإن كان هذا لا يمنعنا من القول بأن "نبوخذ نصر" قد أرسل حملة في العام السادس من حكمه "٦٠٥-٥٩٢ق. م" إلى سكان البادية، دون تحديد لبادية معينة، أو قبيلة بذاتها، وأن الحملة قد نجحت في نهب مواشي القوم وأخذ أصنامهم٥.
стр. 203
ومنها أخيرًا "عاشرًا" أن "برخيا بن أخبيا" النبي اليهودي -كما يراه المؤرخون المسلمون- ليس في الواقع إلا "باروخ بن نيريا"، وأنه لم يكن أبدًا نبيًّا، وإنما كان كاتبًا وصديقًا للنبي اليهودي "إرمياء"، ومن ثم فهناك اتفاق بين علماء التوراة على أن "باروخ" هذا، هو الذي كتب سفر إرمياء- كما هو في التوراة المتداولة اليوم- في حوالي عام ٦٠٥ق. م، وإن كانت الإصحاحات من الأول إلى السادس، إنما ترجع إلى الفترة ما بين عامي ٦٢٧، ٦٢٢ق. م١.
стр. 204
٩- المديانيون:
تحدث القرآن الكريم عن أهل مدين، وعن نبيهم الكريم شعيب عليه السلام١، في مواطن متفرقة من سوره٢، ووفقا لما جاء في القرآن الكريم، فإن شعيبًا أتى مدين وأصحاب الأيكة، فنهاهم عن عبادة الأوثان، كما أمرهم أن يقيموا الوزن بالقسط ولا يخسروا الميزان٣؛ ذلك لأن آفة مدين إنما كانت آفة كل المدن على مدرجة الطريق، ومن ثم فقد كانت قصتهم في القرآن قصة التجارة المحتكرة، والعبث بالكيل والميزان وبخس الأسعار والتربص بكل منهج من مناهج الطرق، وهكذا كانت رسالة شعيب ﵇، رسالة خلاص من شرور الاحتكار والخداع في البيئة التي تعرضت لها بحكم موقعها من طرق التجارة والمرافق المتبادلة بين الأمم٤.
وقد كان أهل مدين قومًا عربًا يسكنون مدينتهم "مدين" التي هي قرية من أرض معان في أطراف الشام مما يلي الحجاز، قريبًا من بحيرة قوم لوط٥، هذا وقد
стр. 205
كانت مدين هذه إنما تمتد من خليج العقبة إلى مؤاب وطور سيناء١.
ويفهم من أسفار التوراة أن مواطن المديانيين إنما كانت تقع إلى الشرق من العبرانيين، ويبدو أنهم قد توغلوا في المناطق الجنوبية لفلسطين، متخذين منها مواطن جديدة، عاشوا فيها أمدًا طويلا، حيث يرد ذكرهم في الأخبار المتأخرة، وقد ذكر بطليموس الجغرافي موضعًا يقال له "مودينا" على ساحل البحر الأحمر، يرى العلماء أنه موضع مدين، وأنه يتفق وحدود مدين المعروفة في الكتب العربية٢:
وأما "يوسبيوس" فيذكر مدينة "مديم" ويقول أنها سميت باسم أحد أولاد إبراهيم من زوجه قطوره، وهي تقع وراء المقاطعة العربية في الجنوب في بادية العرب الرحل إلى الشرق من البحر الأحمر٣، وأما "ألويس موسل" فيذهب إلى أن أرض مدين يجب أن تكون إلى الشرق والجنوب الشرقي من مكان العقبة الحالية، فهناك كان يمر أهم طريق من طرق النقل التجاري٤، هذا ويظهر من التوراة أن المدينيين قد غيروا مواضعهم مرارًا بدليل ما يرد فيها من اختلاطهم ببني قدم والعمالقة والكوشيين والإسماعيليين، ويبدو أنهم استقروا في القرون الأخيرة قبل الميلاد في جنوب وادي العربة، وإلى الشرق والجنوب الشرقي من العقبة٥.
ويرجح بعض الباحثين أن عصر شعيب إنما كان قبل عصر موسى، معتمدين في ذلك على أن الله قد ذكر شعيبًا في القرآن الكريم -كما في سورة الأعراف ويونس وهود والحج والعنكبوت- بعد نوح وهود وصالح ولوط، وقبل موسى٦، وإذا ما عدنا إلى عصر الخليل ﵇ "١٩٤٠-١٧٦٥ق. م"،
стр. 206
وتذكرنا أن لوطًا وقومه إنما كانوا معاصرين لأبي الأنبياء، لأمكننا القول أن شعيبًا وقومه إنما كانوا يعيشون بعد القرن الثامن عشر قبل الميلاد، بخاصة وأن التوراة تذكر أن مدين إنما كان من ولد الخليل من زوجه قطوره الكنعانية١.
على أننا نستطيع من ناحية أخرى أن نقول -حدسًا عن غير يقين- أن القوم إنما كانوا يعيشون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، إذا ما كان صحيحًا ما ذهب إليه البعض من أن يثرون كاهن مدين وصهر موسى، إنما هو شعيب نبي مدين العربي، وذلك لأن رحلة الخروج من مصر، تحت قيادة موسى -وكذا لقائه مع صهره كاهن مدين -إنما كانت في هذا القرن الثالث ق. م٢.
стр. 207
الفصل السادس: بلاد العرب فيما قبل العصر التاريخي
ليس من شك في أن معلوماتنا عن بلاد العرب فيما قبل العصر التاريخي ضيئلة، لا تقدم لنا نفعًا كبيرًا لإقامة الهيكل التاريخي في تلك العصور الممعنة في القدم، ومن هنا فإننا سنحاول أن نقدم ما عثر عليه الأثريون في شبه الجزيرة العربية، وبخاصة في تلك الأماكن التي تقع عند الأودية، وعند الطرق والأماكن التي تتوافر فيها وسائل الحياة، والتي ترجع إلى فترات مختلفة من عصور ما قبل التاريخ، فضلا عن تلك الكهوف التي عاش فيها نفر من القوم في جنوب وغرب شبه الجزيرة العربية، في عصور ترجع إلى ما قبل الميلاد، بأمد لا ندري مداه على وجه التحديد، وقد تحدث الكتاب القدامى من الأغارقة والرومان عن تلك الكهوف، بل إن البعض ما يزال يتخذها سكنًا له في حضرموت، وفي غيرها من المواضع١.
وأما أهم الآثار التي عثر عليها في شبه الجزيرة العربية من تلك العصور العتيقة، فمنها تلك الأدوات الحجرية التي عثر عليها في مواضع مختلفة من حضرموت، والتي لم تكن على مستوى نظيراتها في سورية أو في أفريقية، وقد حاول بعض الباحثين أن يرجع ذلك إلى طبيعة أحجار المنطقة نفسها، بينما ذهب آخرون إلى أن السبب في ذلك إنما يرجع إلى مستوى الحضارة نفسها، بالنسبة إلى الحضارات الأخرى٢،
стр. 208
على أن فريقًا ثالثًا إنما يذهب إلى أن عزلة حضرموت عن الحضارة الشمالية، فضلا عن صلتها القوية بأفريقية، إنما كانا من وراء ذلك كله١.
وترى "مس كاتون طومسون" أن انفصال جنوب غربي بلاد العرب عن أفريقية الشرقية، قد حدث في حقبة "البليستوسين" -أي قبل مليون عام على أقل تقدير -وأن آلات الظران "حجر الصوان" التي عثر عليها في حضرموت تشبه كثيرًا تلك التي عثر عليها الباحثون في شرقي أفريقية٢.
أضف إلى ذلك أنه قد عثر في حضرموت كذلك على نماذج من الزجاج البركاني، الذي اتخذ أشكالا هندسية بفعل البراكين، يرى بعض الباحثين أنها ترجع في أصلها إلى سواحل أفريقية الشرقية٣، ولعل هذا هو السبب الذي دعا "مس طومسون" إلى القول بأنه كانت توجد في شرق أفريقية ثقافة مركزية تفرعت عنها ثقافات متعددة، ليس في أفريقية وحدها، وإنما في آسيا كذلك، وتدلل "مس طومسون" على نظريتها في انفصال أفريقية عن آسيا، بأنه لا يوجد بين أدوات الظران التي عثر عليها في جنوب بلاد العرب بعض الأدوات المعروفة من العصور الحجرية القديمة "باليوليتية"، والتي كانت منتشرة في تلك الأيام الخوالي على طول أفريقية الشرقية من الشمال إلى الجنوب٤.
على أن الدكتور سليمان حزين يرى أنه إذا كان ولا بد لنا من البحث عن أي الجهتين -شرقي أفريقية أو جنوبي بلاد العرب- أقدم ثقافة، فإن بلاد العرب هي الأقدم، وأن الثقافة قد انتقلت منها في العصور الحجرية القديمة إلى شرقي أفريقية٥، وذلك لأن اليمن وعدن كانتا في تلك العصور الحجرية القديمة مأهولتين بالسكان، وأن قسمًا من هؤلاء السكان قد هاجر إلى عمان ومناطق الخليج العربي، كما هاجر
стр. 209
قسم آخر -عن طريق مأرب ونجران- إلى شبه جزيرة سيناء، وإلى فلسطين والأردن بينما ذهب فريق ثالث -عن طريق باب المندب- إلى الصومال وكينيا وتنجانيقا١.
هذا وقد استمرت هذه الهجرات إلى السواحل الأفريقية، حتى في العصور التاريخية، وربما يرجع ذلك إلى العوامل المناخية والاقتصادية، فضلا عن المصالح التجارية الخارجية، وهكذا كانت حركة التجارة، فضلا عن ثروات أفريقية، دافعًا قويًّا إلى الفتح والاستيطان الدائم، ومن ثم رأينا العرب الجنوبيين يهاجرون إلى أفريقية، وبمرور الزمن أخذوا يستقرون هناك ثم سرعان ما يلعبون دورًا خطيرًا في إرساء قواعد حضارة وثقافة تنبثق من صميم الحضارة في جنوب شبه الجزيرة العربية، وهكذا بدا العرب الجنوبيون يتجهون نحو أفريقية منذ وقت مبكر، على دفعات متعددة، وفي أوقات مختلفة، وفي الألفي سنة الأخيرة قبل الميلاد هاجرت جماعات عربية جنوبية إلى الحبشة، وبلغت هذه الهجرات أقصاها فيما بين عامي ١٥٠٠، ٣٠٠ق. م٢.
ويرى "كارل بيترز" أن جالية عربية كانت تعيش في المنطقة الواقعة بين نهري الزمبيزي واللمبوبو، منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وأن المعبد الكبير في "زمببوية" بني عام ١١٠٠ق. م، وأن السبئيين كانوا أصحاب السيادة في ذلك الوقت٣، على أن الأمر، إنما يزداد وضوحًا منذ القرن السادس قيل الميلاد، حيث نزحت جالية سبئية إلى منطقة "تعزية" في أريتيريا -وكذا إلى هضبة الحبشة- مكونة حكومة محلية هناك٤، ولعل هجرة الأوسانيين إلى السواحل الأفريقية، إنما كانت في نفس الفترة، حيث اتخذوا من "عزانيا" مقرًّا لهم، أضف إلى ذلك كله تلك الهجرة السبئية التي حدثت في القرن الخامس قبل الميلاد٥.
стр. 210
وأيًّا ما كان الأمر، فهناك حقيقة ثابتة، تتلخص في وجود ثقافة من العصر الحجري القديم في بلاد العرب، وأن هذه الثقافة تشبه إلى حد كبير ما عثر عليه في أفريقية، كما تشبه كذلك -مع وجود اختلافات غير قليلة- ما عثر عليه الباحثون من رجال عصور ما قبل التاريخ في سورية والعراق١.
وربما كان نصيب شرق شبه الجزيرة العربية من آثار عصور ما قبل التاريخ أفضل من غيرها، ففي خلال النصف الأخير من هذا القرن استقطبت بلاد العرب -خصوصا الجزء الشرقي منها، بما في ذلك ساحل الخليج العربي- أنظار علماء الآثار عامة، نتيجة للأبحاث التي قامت بها بعثة علمية دنمركية في أجزاء مختلفة من عمان وأبو ظبي وقطر والبحرين والكويت، وأهم ما لفت أنظار المجتمع العلمي هو الكشف عن عاصمة البحرين القديمة، والتي كانت تعرف سابقا بمركز حضارة دلمون٢، والتي جاء ذكرها في النصوص السومرية، واشتهر ذكرها في مجال التجارة الدولية وقت ذاك بين مراكز الحضارة في سومر وبلاد نهر السند في باكستان الحالية، ومن ثم فعندما برزت نتائج التنقيبات عن "دلمون" في جزيرة البحرين، تأكدت
стр. 211
مجددا تلك الأهمية البارزة التي أولتها كتابات السومريين١ القدامى لهذه المنطقة٢.
وعلى أي حال، فلقد تتم العثور في الإحساء وفي قطر -وبخاصة في عوينات علي، وجنوب دخان- على فؤوس ونبال، فضلا عن كميات من حجر الصوان، ترجع إلى العصور "الباليوليثية" و"النيوليثية"٣.
هذا وقد عثرت البعثة الدنمركية في عامي ١٩٥٨/ ١٩٥٩م ي "تل سعد وسعيد" الواقع في الزاوية الجنوبية الغربية من جزيرة "فيلكا" وتقع على مبعدة ٣٠ كيلو مترا إلى الشرق من مدينة الكويت -على بعض الأختام، وعلى أنقاض من مدينة قديمة في طبقات بُني بعضها فوق بعض، ما عثرت على كسر من الفخار يرجع تاريخها إلى منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، فضلا عن ختم مستدير من حجر التلك، يختلف عن أحجار العراق الأسطوانية -وكذا عن أختام الهند المربعة- وقد نقش من الناحيتين، هذا وقد أرخت البعثة تل سعد -اعتمادًا على فحص طبقات التل، ودراسة الفخار المتنوع الأشكال -بالعصر النحاسي "أي حوالي عام ٣٥٠٠ق. م" أما تل سعد، فقد أرخته بالعصر اليوناني٤.
وهناك فريق من الباحثين يذهب إلى أن جزيرة البحرين "وهي Tyios عند
стр. 212
بليني، و Tyrus عند سترابو"، إنما كانت مأهولة بالسكان منذ العصور الجليدية المتأخرة في أوربا، وأن جو البحرين وقت ذاك إنما يشبه مثيله في بلاد اليونان في أيامنا هذه، وأن البحرين إنما كانت خضراء تغطيها الغابات١، وإذا صحت المعلومات التي وصلت إلى الفيلسوف اليوناني "ثيوفراستوس" "٣٧١-٢٨٧ق. م"، فقد كانت تزرع في البحرين مساحات كبيرة من القطن، وأنه كان يوجد في هذه الجزيرة مساحات كبيرة لإنباته، وقد أشار "بليني "٣٢-٧٩م" إلى استمرار زراعة القطن في "Tyios" أو "Aradus" حتى أيامه٢.
وأما سكان البحرين فقد كانوا قومًا من الصيادين، يعيشون على ما يقنصونه من حيوان، وما يصطادونه من أسماك، وقد عثر على أدوات من حجر الصوان كان القوم يستخدمونها في صيدهم وفي تقطيع لحوم الفرائس التي تقع في أيديهم، وأن هذه الأدوات المكتشفة إنما تنتمي إلى أواسط عصور "Paiothitic"، كما أنها تشبه مثيلاتها في شمال العراق وفلسطين وشمال غرب الهند٣.
هذا وقد عثر في البحرين كذلك على رؤوس حراب وسكاكين، صنعها أصحابها من صخور صوانية، وقدر لها بعض الباحثين عمرًا يتراوح ما بين عشرة آلاف واثني عشر ألف سنة، ومن ثم فربما ترجع إلى أخريات أيام الرعي، وبداية عهد الاستقرار، بدليل أن منها أحجارًا شذبت لتكون آلات حصد للمحاصيل، فضلا عن قطع الحشائش واجتثاثها من الأرض٤.
وأما في وسط شبه الجزيرة العربية، فقد عثر في مواضع مختلفة من المملكة العربية السعودية -تمتد من الاحساء شرقًا إلى إلى الحجاز غربًا، ومن مدائن صالح شمالا، وحتى نجران جنوبًا -على أدوات حجرية تنتمي إلى تلك العصور المبكرة، كما في "الدوادمي"- وتقع على الطريق بين مكة والرياض، وعلى مبعدة ٣٣٦ كيلو مترًا إلى الغرب من الرياض -حيث عثر على أدوات حجرية من بينها فأس تميل لونها إلى الخضرة٥، وكما في "تل الهبر" إذ كان الصيادون في عصور ما
стр. 213
قبل التاريخ يتنقلون باتجاه الأودية من مكان إلى آخر، وقد ترك الصيادون -ثم الرعاة من بعدهم- بعض الآثار في الأماكن التي حلوا بها حينًا من الدهر، وما برح السياح، وخبراء شركة "أرامكو" وغيرهم، يعثرون على بعض منها، بين الحين والحين١.
وأما في شمال شبه الجزيرة العربية، فقد عثر في "كلوة"، عند سفح جبل الطبيق، على آثار رأى بعض الباحثين أنها ترجع إلى الألف الستين قبل الميلاد، وأن تاريخ السكنى بها، إنما يرجع إلى الألف الثامنة قبل الميلاد٢.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن الباحثين لم يوفقوا بعد في العثور على هياكل كاملة للإنسان من عصور ما قبل التاريخ في شبه الجزيرة العربية، أو حتى سيناء، وإن كان بعض رجال شركة "أرامكو" قد عثروا على بقايا عظام وأسنان لبعض الحيوانات "الحلمية" "Mastodom"، وعلى جزء من جمجمة إنسان قديم، في موضع يبعد تسعين ميلا إلى الغرب من "الدمام"، إلا أن ذلك لا يمكن الباحثين من إعطاء رأي علمي فيما يتصل بالحياة في عصور ما قبل التاريخ، حتى وإن أمكن العثور على مثل هذه البقايا في أماكن أخرى من شبه الجزيرة العربية٣.
على أن البحرين قدمت للباحثين هيكلين كاملين، رأينا الميت فيهما يرقد على جنبه الأيمن، ويتجه بوجهه نحو المشرق، الأمر الذي كان يتبعه سكان العراق القديم في الألف الثالثة قبل الميلاد٤. كما وجدت في المقبرة بقايا عظام حيوانات، فضلا عن أدوات بيت الميت وحليه، ولعلهم في هذا يشبهون المصريين القدامى الذين كانوا يعتقدون في الحياة الآخرة، وأنها على غرار الحياة الدنيا، ومن ثم فقد كانوا يضعون في مقبرة الميت ما قد يحتاجه من متاع في هذه الحياة الأخرى.
وأما أبواب مقابر البحرين هذه، ففي الناحية الأخرى من اتجاه الميت -أي في
стр. 214
الناحية الغربية- وربما كان لذلك صلة بدين القوم، وربما كانوا -مرة أخرى- يشبهون المصريين الذين كانوا يطلقون على عالم الموت اسم "عالم الغرب"، كما كان الموتى يسمون "أهل الغرب"، بل إن مقابرهم إنما كانت في كثير من الأحايين، إنما تقع على الضفة الغربية من النيل.
وأيًّا ما كان الأمر، فإن هناك من يرى أن القوم إنما كانوا يسكنون على ساحل الخليج العربي، بينما يتخذون من جزيرة البحرين مقبرة لموتاهم، على أن فريقًا آخر إنما يذهب إلى أن تلك المقابر، إنما كانت مقابر الفينيقيين الذين كانوا يقطنون البحرين بعد هجرتهم إليها من الأفلاج والخرج، وأنها إنما ترجع إلى الفترة ما بين عامي ٣٠٠٠ و ١٥٠٠ قبل الميلاد١، على أن هناك من يعارض هذا الاتجاه أصلا، ويرفض أن يكون الفينيقيون من هناك٢.
هذا وقد عثرت البعثة الدنماركية في عام ١٩٥٩م٣ جنوب طريق البديع في البحرين، على أربع مقابر، ترجع إلى العصور الحجرية، كما عثر بعض السياح على تلال في مواضع متفرقة في كل من عمان وقطر، ترجع إلى ما قبل الميلاد، هذا وقد عثر رجال شركة "أرامكو" على مقابر كثيرة في جبلي المذري الشمالي والجنوبي٤، فضلا عما عثر عليه "جون فلبي" و"كورنول" من مقابر في جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، وفي "الرديف" -على مبعدة ١١٠ أميال شمالي غربي الدمام- وفي "الرويق"، وفي مرتفعات العلم الأبيض والعلم الأسود، وفي كثير من هذه المقابر تمكن الباحثون من الحصول على أدوات من الفخار، وعلى قطع من العاج، وعلى قشور من بيض النعام، وعلى أسلحة برونزية كما استدلوا من وجود
стр. 215
بعضها في مناطق صحراوية بعيدة عن العمران الآن، على أن هذه المناطق إنما كانت مأهولة بالسكان في تلك العصور العتيقة١.
ومن أسف أننا لا نملك دراسة علمية مقارنة عن هذه المقابر، ومن ثم فقد ذهب البعض إلى أنها إنما ترجع إلى عصر "Chaicoithic"، أو إلى العصر البرونزي، بينما ذهب آخرون إلى أنها إنما ترجع إلى العصر البرونزي المتأخر٢، هذا وقد ذهب فريق ثالث إلى أن مقابر "أم النار"، في أبو ظبي، إنما ترجع إلى الألف الثالثة "ق. م"٣، وأما عن أصحاب هذه المقابر، فإن الباحثين يتجهون إلى أن مقابر المرتفعات إنما كانت للصيادين أو الرعاة، بينما كانت مقابر السهول للمزارعين المستقرين٤.
ولعل مما تجدر ملاحظته أنه قد تبين من مخلفات المقابر في أم النار أنها إنما تضم العديد من الهياكل العظمية المتكدسة في المدفن المشترك، ويقل العدد في غرف الدفن والممرات، مما يدل على أن القبر قد استخدم مرات عديدة، هذا ويدل وجود الهياكل العظمية خارج الجدران الخارجية على وجود ظاهرة التضحية البشرية التي تواكب مراسم الدفن حيث توضع جثث الأشخاص الذين يضحى بهم مع بعض خارج المبنى الذي يضم جثة المتوفى٥.
وإنه لمن الأهمية بمكان الإشارة إلى وجود مراكز استيطان عديدة في شمال شرق الجزيرة العربية، تنتمي إلى حضارة "العبيد" في العراق القديم، من الناحية الزمنية، فضلا عن تشابه حضاري بينهما، وأما موقع هذه المراكز فقد كان بحذاء الساحل، وفي داخل المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى أن منطقة شرق الجزيرة العربية لم تخضع لتطورات عصور ما قبل التاريخ في منطقة الشرق الأدنى القديم، والتي انتقلت من مرحلة الصيد وجمع