مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وآله.
تقديم
لعل من الأمور الغريبة أن المؤرخين الإسلامين قد انصرفوا عن التاريخ العربي القديم، إلا أن يكون مقدمات لتواريخهم المفصلة الدقيقة للعصور الإسلامية، وحتى هذه المقدمات لم تكن مفصلة ولا دقيقة، وربما كان السبب في ذلك أنهم لم يعتمدوا فيما كتبوه على سند مدون، أو مأخوذ من نص مكتوب، وإنما كان عمادهم في ذلك أفواه الرجال، وهو أمر لا يمكن الاطمئنان إليه، ذلك أن رواة الأخبار، حتى وإن كانوا بعيدين عن الميول والأهواء، وحتى إن كانوا من أصحاب الملكات التي وهبت القدرة على التمييز بين الغث والسمين، فإن للذاكرة آمادًا ليست بقادرة على تجاوزها.
ومن ثم فإن المتصفح لما كتبه كبار المؤرخين الإسلامين -كالطبري والمسعودي والبلاذري والدينوري، وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم- ليعجب للدقة والتحري الصحيح الذي عالجوا به تاريخ الإسلام، في معظم الأحايين، بقدر ما يأسف على الإهمال والخلط، الذي صحب كتاباتهم عن عصور ما قبل الإسلام١.
وهكذا كانت المبالغات -إن لم نقل الخرافات- التي أدخلها أهل الأغراض، أو الطامعون ممن دخل الإسلام من يهود أو نصارى، وبخاصة أولئك الذين كانت لهم ثقافة يهودية واسعة، وفي نفس الوقت كانوا يتمتعون بمكانة مرموقة، ومركز ملحوظ بين المسلمين، لأنهم -كما يقول ابن إسحاق- "أهل العلم الأول"، ومن ثم فقد كان العرب يستفتونهم في بعض ما غمض عليهم، فيفتونهم بما تعودوه
стр. 2
في كتبهم من المبالغة في ضخامة الأجسام وطول الأعمار، وكانت التوراة -والتلمود من بعدها- تشتمل على كثير مما جاء في القرآن الكريم من وقائع وأحداث تتصل بالمصطفين الأخيار، من أنبياء الله الكرام، ولكن بإسهاب وتفصيل، قد يغري في كثير من الأحوال عواطف العامة، أكثر مما يرضي عقول العلماء١.
وهكذا بدأت الأساطير اليهودية تنتشر بين الناس، ويصدقها ضعاف المؤرخين، فالقرآن الكريم -على سبيل المثال- لما ذكر عادًا، فإنه قال ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ ٢، فأدخل المفسرون والمؤرخون في شرح هاتين الآيتين الكريمتين مبالغات، رواها كعب الأحبار ووهب بن منية، وغيرهما.
ومن ثم فقد وصل إلينا من أخبارها أن رجالها كانوا طوالا كالنخل، لم يكن للطبيعة تأثير على أبدانهم لغلظتها ومتانتها، وأن عادًا إنما تزوج من ألف امرأة، كما رأى كذلك البطن العاشر من أعقابه، وكان الملك من بعده في الأكبر من ولده -وهو شديد- الذي حكم ٨٥٠ سنة، ثم جاء من بعده أخوه "شداد"، حيث حكم ٩٥٠ سنة، سيطر فيها على كل ممالك العالم٣، وبنى مدينة ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ .
стр. 3
ثم زاد الأمر صعوبة بالنسبة للمؤرخين الإسلامين في تدوين تاريخهم، أن الخط العربي لم يكن في أول أمره منقوطًا، وأن أول من فعل ذلك، إنما كان "أبو الأسود الدؤلي"؛ بإرشاد من الإمام علي -كرم الله وجهه، ورَضِيَ اللَّهُ عَنْه وأرضاه- أو نصر بن عاصم بمشورة من الحجاج الثقفي١، والأمر كذلك بالنسبة إلى الكتابة النبطية التي يرجح أن الخط العربي مشتق منها، ومتطور عنها٢، إذ كانت هي الأخرى لا تعرف النقط والإعجام٣، وقد أدى ذلك كله إلى التباس غير قليل في قراءة الأسماء٤.
على أن التفسير التقليدي لإهمال التاريخ العربي القديم وعدم تدوينه، هو أن الإسلام قد اتجه إلى استئصال كل ما يمت إلى الوثنية في بلاد العرب بصلة، اعتمادًا على
стр. 4
الحديث الشريف: " الإسلام يهدم ما قبله "، ومن ثم فقد انصرف العلماء عن الدراسات المتصلة بالجاهلية، مما أدى آخر الأمر إلى ضياع الكثير من أخبارها، وبالتالي نسيانها، وإلى ابتداء التاريخ عند المسلمين بعام الفيل١.
وإني لأظن -وليس كل الظن إثمًا- أن أصحاب هذا الرأي قد جانبهم الصواب إلى حد كبير، فالحديث الشريف إنما كان ردًّا على أسئلة بعض الصحابة -رضوان الله عليهم- عما ارتكبوه في جاهليتهم، مما لا يتفق وشرائع الإسلام، أو بالأحرى كان ردًّا على "عمرو بن العاص"، حين اشترط قبل مبايعته سيدنا ومولانا رسول الله ﵌ أن يغفر له، فقال الحبيب المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله" ٢.
وهكذا يبدو بوضوح -لا لبس فيه ولا غموض- أنه ليست هناك صلة بين الحديث الشريف، الذي يدعو إلى أن "الإسلام يهدم ما كان قبله"، وبين إهمال التاريخ العربي القديم، بصورة لم يهمل بها أي تاريخ آخر، من تواريخ الأمم، التي كتب لها أن تعتنق الإسلام، وتؤمن بالقرآن، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
ثم إذا كان أصحاب هذا الرأي على صواب فيما يقولون، فمن أين إذن جاء "ابن الكلبي" بمادة كتابه "الأصنام" بل كيف يتفق ذلك، والقرآن الكريم قد تعرض لحياة العرب في جاهليتهم، من نواحيها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، فالقرآن الكريم يتعرض لذكر بعض المعبودات الوثنية، حيث يقول : ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٣، وحين يقول: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ
стр. 5
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ١، ويقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٢، هذا فضلا عن أن القرآن الكريم إنما يشير إلى أن ملكة سبأ وقومها، إنما كانوا ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ٣.
هذا إلى جانب ذكر القرآن لحياة العرب في الجاهلية ومثلهم، وما كانوا يقومون به -ولو شرًّا باطلا- فضلا عما في كتب التفسير والحديث والسير والأخبار، من أوصاف لبعض أصنام الجاهلية وهيآتها وشكل محجاتها وأوقات الحج إليها٤، ثم ألم يتعرض الإسلام إلى عرف العرب وتقاليدهم في الجاهلية، فأقرَّ بعضًا، وأنكر بعضًا، وعدل بعضًا٥.
ثم ألم يكن للصديق ﵁ وَأَرْضَاهُ- علمٌ بأنساب كل قبيلة، ومحامد السابقين منها ومسالبهم، ولا سيما قريش ومن جاورها، ولهذا كانوا يقولون كلما سمعوا أبياتًا من الشعراء المسلمين يردون بها الهجاء على المشركين "هذا تلقين ابن أبي قحافة"، لأنه كان في هذا العلم بين قريش عامة بغير نظير.
ثم ألم يكن الفاروق ﵁ وَأَرْضَاهُ- من العالمين بالشعر، والحافظين له، البصيرين به، ثم أليس عمرُ هو القائل "عليكم بديوانكم لا تضلوا، قالوا: وما ديواننا، قال: شعر الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم٦".
стр. 6
ثم ألم يحدثنا عكرمة عن ابن عباس ﵁ أنه ما فسر آية إلا نزع فيها بيتًا من الشعر، وأنه كان حريصًا على الشعر الجاهلي، وأنه كان يحث الناس على تعلمه وطلبه لتفسير القرآن الكريم، وأنه كان يقول: "إذا سألتم عن شيء من غريب القرآن، فالتمسوه في الشعر، فإن الشعر ديوان العرب"١.
وهكذا يمكننا القول أن الإسلام لو تعمد طمس الجاهلية، والقضاء على معالمها، لما أشار القرآن الكريم إليها، ولتحرج المسلمون من الإشارة إليها كذلك.
ثم إن الأمر -فيما يبدو لي- لو كان بسبب الإسلام، لما اقتصر على بلاد العرب، وإنما كان يجب أن يتعداه إلى البلاد الإسلامية جمعاء -إلى مصر وسورية والعراق وغيرها- ولرأينا في هذه الحالة طمسًا لتاريخ مصر على أيام الفراعين، ولتاريخ العراق على أيام السومريين والأكديين والآشوريين والبابليين، والأمر كذلك بالنسبة إلى تاريخ الأموريين والكنعانيين والفينيقيين والآراميين وغيرهم في سورية، ولكن الواقع غير ذلك تمامًا، فتاريخ مصر -على سبيل المثال- أوضح من تاريخ العرب بكثير.
إذن، لابد وأن تكون هناك أسباب أخرى، لطمس هذا التاريخ العربي القديم، والرأي عندي أن السبب إنما يكمن أولًا في الجاهليين أنفسهم، لقد كان القوم -في معظمهم- أميين، لا يكتبون على الأقل في العصور القريبة من الإسلام، حتى أننا لا نجد في مكة عشية ظهور الإسلام، إلا بضعة عشر نفرًا يقرءون ويكتبون، حددهم "البلاذري" بسبعة عشر، فضلا عن فئة قليلة من الأوس، إلى جانب قلة نادرة من النساء، منهن "الشفاء بنت عبد الله البدرية" -من رهط عمر بن الخطاب وهي التي علمت أم المؤمنين حفصة بنت عمر الكتابة٢.
وأخيرًا فإليك الحديث الشريف: "إنا أمة أمية لا تكتب ولا تحسب٣".
стр. 7
وهكذا كانت الأمية هي الصفة الغالبة على العرب عشية ظهور الإسلام، حتى وإن كان الحديث الشريف -كما أراد البعض أن يفسره- لا ينفي الكتابة والحساب نفيًا شاملا، لأنه جاء في حديث الصيام ورؤية الهلال، وهو في نصه الكامل: "إنا أمة لا تكتب ولا تحسب الشهر هكذا وهكذا"، وإنما ينفي الحديث الشريف أن تكون الكتابة وأن يكون الحساب نظامًا عامًا متبعًا في كل الشئون، كما كان ذلك عند بعض الأمم الأخرى ذات التقاويم الفلكية١.
وهناك سبب آخر، وأعني به تلك الآفة الخبيثة التي ابتليت بها أمة العرب في كل أمصارها ذات التاريخ المجيد -في مصر وسورية والعراق، وفي بلاد العرب نفسها- تلك الآفة هي هدم المباني القديمة، واستخدام أنقاضها في مبان جديدة، بل ليت الأمر اقتصر على ذلك، وإنما تعداه إلى تحطيم كثير من الآثار، والعبث بعدد وافر من المقابر، بحثًا عن كنوز قد يجدها هؤلاء العابثون هنا وهناك، أو سرقة لعدد من التحف الأثرية ثم بيعها لمن يطلبها بثمن بخس دراهم معدودة في أغلب الأحايين، ولكنها في كل الحالات ثروة تاريخية لا تقدر بثمن، أيا كان هذا الثمن.
وهناك سبب ثالث، ذلك أن الجاهليين -خاصة في وسط بلاد العرب، في الحجاز ونجد- لم يكونوا يدونون تاريخهم بل كانوا يتذاكرون أيامهم وأحداثهم وما يقع لهم، وليس من المنطق أن نطالب الذاكرة أن تعي كل التاريخ وكل الشعر، أجيالا بعد أجيال، دون تدوين أو تسجيل، ومن ثم فعندما أتى العصر الأموي "٤١-١٣٢هـ = ٦٦١-٧٥٠م"، وبدأ القوم في التسجيل، كان التاريخ العربي القديم قد اختلطت فيه القصص بالأساطير، وهذه بحقائق التاريخ، وبات من الصعب على القوم أن يفرقوا بين رواية صادقة، وأخرى كذوب، مما أدى آخر الأمر، إلى أن تخلوا كتاباتهم -إلى حد كبير- من الصفة التاريخية، وتبعد -كما يقول ابن خلدون- عن الحس والمنظور التاريخيين، اللذين يعتمدان على النقد والتحليل والنظر والتحقيق٢.
стр. 8
وكان رابع الأسباب يكمن في اليهودية -والنصرانية من بعدها- ذلك أن أصحاب هاتين الديانتين، قد عملوا على نشرهما في بلاد العرب، ومن ثم فقد بذلت يهود -بادئ ذي بدء- الجهد، كل الجهد، في نشر قصص التوراة، -وبخاصة ما يتصل منها بالملك سليمان- ثم جاء الإسلام، واعترف بسليمان ﵇ نبيًّا من رب العالمين، ثم سرعان ما ربطت يهود بين هذا، وبين ما جاء في القرآن الكريم بشأن قصة سليمان مع ملكة سبأ، وأخذت تذيع كل ما في التوراة -وما في غير التوراة- من قصص عن سليمان وملكه، وتأثر المؤرخون الإسلاميون بذلك وظهر ما عرف بالإسرائيليات، حيث أخذوا ينسبون إلى سليمان -وهو هنا سليمان النبي، أكثر منه سليمان الملك- كل مدينة لا يعرفون صاحبها، بل إنهم بالغوا في ذلك إلى درجة أنهم كانوا -كما يقول بعض الأخباريين- ينسبون كل مستظرف من البناء إلى سليمان، وأنهم كانوا إذا رأوا بناءً عجيبًا جهلوا بانيه، أضافوه إلى سليمان، وربما إلى الجن كذلك١.
ومضى حين من الدهر، وظهرت المسيحية في بلاد العرب، ومن ثم فقد بدأت تنافس اليهودية في نشر نفوذها الديني والثقافي في بلاد العرب، وتعاون أصحاب الديانتين -بقصد أو بغير قصد- على طمس معالم التاريخ العربي القديم، وبدأ القوم يعرضون عن ثقافتهم القديمة -وفي جملتها خط المسند- مما أدى آخر الأمر، إلى انقطاع القوم عن ثقافتهم العربية -والجنوبية بالذات٢-.
ومرت الأيام، وجاء جيل من المؤرخين الإسلاميين، لا يكاد الواحد منهم يقرأ كلمة بخط المسند، أو يفقه جملة بالثمودية أو المعينية، فضلا عن السبئية والحضرمية، وغيرها من الكتابات العربية، وبقي الأمر كذلك، حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، فاتجهت أنظار الباحثين الغربيين إلى ارتياد النقوش، بصفتها المصدر الحقيقي الذي يمكن الاعتماد عليه في التعرف على لغات العرب القدامى، من سبئيين ومعينيين، وديدانيين ولحيانيين وثموديين وصفويين وغيرهم.
وأخيرًا فإن سيادة النظام القبلي في بقية شبه الجزيرة العربية، إنما أدى بطبيعة الحال إلى عدم وجود تاريخ مكتوب، واقتصار القوم على رواة الأخبار، يتحدثون
стр. 9
عن قبيلتهم وعن علاقتها بالقبائل الأخرى، وعن حوادثها وأيامها، فضلا عن رواة الأنساب، لما للنسب من أهمية في المجتمع القبلي، تفوق أهميته في أي مجتمع آخر، وليس من شك في أن تاريخًا من هذا النوع لا يعيش إلا بقدر ما يعيش رواته، ثم هو غالب الأحايين أقربُ إلى القصص والأساطير، منه إلى التاريخ الحقيقي١.
وهكذا يبدو لنا بوضوح أن الإسلام الحنيف، لم يكن هو السبب في إهمال التاريخ العربي القديم، فضلا عن اضطرابه وغموضه، وإنما هناك أسباب أخرى، لا صلة للإسلام بها من قريب أو بعيد، وإن كان للمؤرخين الإسلاميين دون شك، دور فيها، ذلك لأنهم كانوا ينظرون إليه على أساس أنه عصر همجية وإفلاس حضاري، وتدهور أخلاقي، وانحطاط في مجال السياسة والدين، فشوه هؤلاء المؤرخون تاريخ عصر ما قبل الإسلام في قسوة ظاهرة، وربما كان السبب في ذلك هو الرغبة في تمجيد الإسلام ورفع شأنه، ولكنهم أخطئوا الطريق، وأتاحوا للمغرضين من المستشرقين الفرصة في الطعن في الإسلام، واتهامه بما هو براء منه، ناسين أن هذا الدين العظيم، إنما جاء ليحطم البداوة واتجاهاتها الفردية، وليقضي على العصبية المذمومة، وليحل محلها رابطة الدين والعقيدة٢.
وناسين كذلك أن العرب قبل الإسلام كانت لهم حضارة، ربا لا تقل -في بعض النواحي- عن حضارة معاصريهم من الروم والفرس، وأن نزول الوحي على النبي ﷺ باللسان العربي، لما له من قدرة على التعبير عن الرسالة، ثم ظهور الإسلام في مهد العرب، دليل على ما لأهل هذه الجزيرة العربية من قدرة على حمل الرسالة ومتابعة نشرها في الأرجاء٣.
وهنا لعل الذين يكيلون الذم جزافًا للعرب وتاريخهم فيما قبل الإسلام، يتذكرون أن الإسلام في حقيقته ليس دعوة سماوية جاءت للعرب خاصة، وإنما للناس عامة، وأن اختيار العرب لحمل هذه الدعوة العالمية للناس جميعًا لم يكن عبثًا، وإنما كان لأن القوم الذين يحملون الدعوة العالمية، لا بد وأن تتوافر فيهم صفات تناسب هذه المهمة الضخمة في الصبر والتحمل والمخاطرة والشجاعة، واحترام العهود
стр. 10
والنجدة والمروءة، وحب الحرية وتعشق الشرف والسؤدد، والتمرن على التنقل وتعود الهجرات وعدم التبرم بحياة التقشف ورقة العيش والتطلع إلى النهوض إذا يسرت سبله، إلى غير ذلك من المؤهلات الخلقية العظيمة١.
والعربي في هذه الناحية كان فارس الحلبة، لا يبارى في هذه الصفات التي تتطلبها الحياة المستقبلة، وتحدثنا الأخبار أن القرشين كانوا -حفاظًا على شرف نسبهم ورفعة حسبهم- يتجنبون ألوان الخساسة في طلب الرزق فكانوا إذا استعصى على أحدهم الارتزاق من طرق شريفة آثر الموت جوعًا على الحياة من طريق خسيسة، وفي هذا المعنى يروي "أبو الحسين أحمد بن فارس" أن أحدهم كان إذا جاع جرى هو وعياله إلى موضع معروف، فضرب عليه وعلى عياله خباء حتى يموتوا، وما زال أمرهم على ذلك، حتى كان "عمرو بن عبد مناف" سيد زمانه، وكان له ابن يقال له أسد، وكان لأسد هذا ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه، وذات يوم قال له: نحن غدًا نعتفد٢، قال أبو الحسين فدخل أسد على أمه يبكي، وذكر ما قاله تربه من بني مخزوم، فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم ودقيق عاشوا به أيامًا.
ثم إن ترب أسد أتاه مرة أخرى، فقال له مثل ما كان قد قال، وفعل أسد كما فعل، فاشتد ذلك على "عمرو بن عبد مناف"، فقام خطيبًا في قريش وكان فيهم سيدًا مطاعًا؛ فقال: إنكم أحدثتم حدسًا تقلون فيه وتكثر العرب، وأنتم أهلُ حرم الله جَلَّ وعَزَّ، وأنتم أشرف ولد آدم، والناس لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفاد أن يأتي عليكم"؛ فقالوا له: نحن لك تبع، فقال: ابتدئوا بهذا الرجل فأغنوه عن الاعتفاد -يعني أبا ترب أسد- ففعلوا، ثم إنه نحر البدن وذبح الكبائش والمعز، ثم هشم الثريد وأطعم الناس، ومن أجل ذلك، سمي "هاشمًا"٣ وهو جدُّ النبي ﷺ وفيه يقول الشاعر:
стр. 11
عمرو العلا هشم الثريد لقومه ... قوم بمكة مسنتين عجاف١
ومن ناحية أخرى، فلقد أثبت التاريخ ما كان عليه أعظم الدول -قبل بعثة المصطفى، ﷺ من أخلاق صبغها الترف بصبغته الرخوة الناعمة، وأنس أهلُها إلى الذل والعبودية، بعبادة ملوكها وتقديس عظمائها، وتسلطت عليهم الأفكار والميول التي خلفها متنبؤوهم وفلاسفتهم.
والمأثور من شعراء الجاهلية وأخبار الأولين يفيض بصفات النبل التي كان يفخر بها العربي ويحرص عليها، لأنه يراها عنوان الشرف والكمال، كما كان العربي يمتاز بصفات العقل وتوقد القريحة وقوة الحجة والفصاحة والبيان والاستنتاج والاستدلال، وهي أمور لابد منها لمن يقومون بنشر الدين العالمي الذي يتطلب شرحًا وتفسيرًا وجدلا ونقاشًا.
وعلى هذا الوجه يمكن أن نفهم قول النبي ﷺ : "إن الله اختار خلقه، فاختار منهم آدم، ثم اختار بني آدم، فاختار منهم العرب، ثم اختارني من العرب، فلم أزل خيارًا في خيار، ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم٢".
ثم أليس في بلاد العرب هذه "بيت الله العتيق" أول بيت وضع للناس، بناه جد العرب إبراهيم الخليل، والذي تنظر إليه الكتب المقدسة جميعًا، على أنه الأب الروحي لكل المؤمنين٣، ومن ثم فإن أمم الأرض جميعًا إنما تتبارك به٤، ويعتبر الإنجيل المسيح من سلالته٥، وينظر إليه القرآن الكريم، على أنه أبو الأنبياء، فقد أخرج الله من صلبه أنبياء بررة، حملوا الراية وتوارثوا المشعل٦، ومن ثم فهو الأسوة الحسنة للمؤمنين جميعًا
стр. 12
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ١، ومن هنا فإن الأديان السماوية الكبرى -اليهودية والمسيحية والإسلام- إنما تحيط الخليل بهالة من الاحترام والإجلال، وتشرف جميعًا بالانتساب إليه.
هذا إلى أن الجزيرة العربية قد عرفت في تاريخها الطويل أنواعًا من الرسالات، ولم تكن رسالة الإسلام وحدها هي التي بدأت فيها، فكان هود في الأحقاف، وكان صالح في ثمود، وكان شعيب في مدين، وكان موسى الذي نادى ربه بجانب الطور الأيمن، على حدود الجزيرة العربية، ومن قبل كان إبراهيم الذي بنى البيت، وإسماعيل الذي رعاه وورثه أولاده من بعده٢، فهذه الجزيرة بامتدادها إنما كانت مهبط الوحي منذ القدم، ولها عهد بالرسالات وقد تتابعت فيها على مر العصور٣.
ثم أليس في اختيار العرب لحمل الرسالة العالمية معنى كريمًا، يستحق منا دراسة تاريخ هؤلاء القوم الذين أكرمهم ربهم -دون غيرهم- بدعوتين، لأبيهم إبراهيم الخليل توجه بهما إلى ربه، إحداهما، ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ٤، والثانية ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥.
وقد استجاب الله لإبراهيم فجعل البيت مثابة للناس وأمنًا، ثم انبعث في ذريته محمد، ﷺ ، وكانت قريش هي القبيلة التي ولد فيها محمد ﷺ ، وانبعث منها محمد ﵊ وكان اختيار هذا النبي على سنة الله في اصطفائه رسله وأنبياءه، من أكرم البيوت وأشرف الظهور، وأطهر البطون، وأبعدها عن الدنايا، وألصقها بمكارم الأخلاق٦، على ما يقول
стр. 13
الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١، وعلى ما يقول جل شأنه: ﴿للَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٢.
وقد بين رسول الله ﷺ هذا المعنى بقوله الشريف: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار" ٣.
ولا أظن -بعد هذا كله- أن هناك من يكابر في ضرورة الاهتمام بدراسة تاريخ هؤلاء القوم الذين تضافرت عوامل شتى على إهمال تاريخهم، فضلا عن التقليل من شأنه، حتى أن معلوماتنا عن تاريخ العرب قبل الإسلام، ظلت -حتى حوالي قرن مضى- تعتمد فقط على ما جاء في التوراة، وعلى ما كتبه القدامى من مؤرخي الإغريق والرومان وجغرافيهم، وكان هذا كله لا يشفي غليل العلماء، حتى لو أضفنا إليه ما كتبه العرب عن تاريخهم قبل الإسلام، أو ما نستطيع أن نحصل عليه من معلومات إذا درسنا الشعر الجاهلي.
غير أنه من حسن الحظ أن بدأت الصورة تتغير، عندما أخذت النقوش اليمنية طريقها إلى أيدي العلماء، وقد أصبح عددها الآن أكثر من خمسة آلاف نقش، فيها الكثير من المعلومات عن ممالك جنوب اليمن، كما وصل إلى أيدي العلماء كذلك عشرات الآلاف من "المخربشات" القصيرة على واجهات الصخور في شمال بلاد العرب بين ثمودية ولحيانية وسبئية وغيرها٤، فضلا عن تلك التي وجدت
стр. 14
خارج شبه جزيرة العرب، وبخاصة النقوش الصفوية التي وجدت فوق جبال الصفا جنوب شرق دمشق، وهي قريبة جدًّا -من حيث الخط واللغة وأسماء الآلهة- من المخربشات الثمودية١.
وهكذا أصبح لدينا ما يساعد الآن في الحصول على صورة واضحة إلى حد ما، عما كان جاريًا في تلك البلاد، منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وحتى ظهور الإسلام -أي على مدى ألف وخمسمائة سنة- سواء أكان ذلك من الناحية السياسية أو الدينية أو الاقتصادية٢.
وليس هذا يعني -بحال من الأحوال- أن الآثار قدمت لنا كل ما عندها، فمما لا شك فيه أننا ما زلنا في هذا الصدد بالذات في مرحلة البداية، ومن ثم فهناك فترات في تاريخ العرب القديم، لا يزال الخلاف فيها على أشده، سواء أكان ذلك على ترتيب الملوك طبقًا للتسلسل التاريخي، أو في تحديد فترات حكمهم، بينما هناك فترات أخرى لا تزال مظلمة تمامًا، وليس هناك من حل إلا مزيدًا من الحفائر -ثم مزيدًا من الحفائر- حتى تخرج لنا الأرض الطيبة تاريخًا، لا أظن أنه يقل كثيرًا عن تاريخ العملاقين الكبيرين -مصر والعراق- في تلك العصور من تاريخ الشرق الأدنى القديم.
ومن أسف، أن تاريخ العرب القديم لم يلق -حتى في العصر الحديث- الاهتمام اللائق به، فرغم أن في العالم العربي عددًا كبيرًا من الجامعات، تُعنى أقسام التاريخ فيها، بدراسة التاريخ القديم بكل فروعه، ومع ذلك، فالقليل منها، هو الذي يهتم بدراسة التاريخ العربي القديم، ومن ثم فهي في ذلك تنقسم إلى أقسام ثلاث، قسم منها لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، هو الذي يدرس التاريخ العربي القديم، كمادة مستقلة قائمة بذاتها، وقسم ثان لا يدرسه إلا كمقدمة لدراسة التاريخ الإسلامي، وأما القسم الثالث، فلا نكاد نحس أن لهذا التاريخ المجيد ذكر بين برامج الدراسة فيه، ومن عجب أن هذا يحدث في الوقت الذي تهتم فيه الجامعات الأوربية بدراسة هذا التاريخ، وكأن أمر دراسة تاريخنا يهم الأوربيين، أكثر مما يهمنا نحن أسلاف أصحاب هذا التاريخ، بل وكأن دراسة تاريخ إسبرطة وأثينا القديم أهم عندنا من دراسة تاريخ اليمن ونجد والحجاز القديم.
стр. 15
ودراسة التاريخ العربي القديم -فيما أرى- ضرورة قومية ودينية، ضرورة قومية لأن هذا تاريخنا، بل إني لا أظن أنني أغالي كثيرًا، إن قلت إنه -في بعض الأحايين- واحد من الأسس الرئيسية لدراسة تاريخ الشرق الأدنى القديم، فالحقائق العلمية تقول إن بلاد العرب، إنما هي الموطن الأصلي للساميين، وأنهم خرجوا منها في فترات مختلفة، فيما بين الألف الرابعة والثانية قبل الميلاد، إلى مصر وسورية والعراق، وهي كذلك موطن العربية -اللغة السامية الأم١-
ثم هي لا تختلف عن غيرها من بلاد المنطقة العريقة في الحضارة، قامت بها دول، ونشأت فيها حضارات، وأسهمت بنصيبها فيما قدمه هذا الشرق الخالد للإنسانية من أياد بيضاء، ومن ثم فقد تأثرت بلاد العرب بحضارة تلك المنطقة، وأثرت فيها، وارتبطت بها بعلاقات، سادها الود أحيانًا، والنفور أحيانًا أخرى، ومن ثم فتاريخها جزء من تاريخ هذا الشرق الأدنى، تعرضت للضغط الخارجي، يوم تعرض هذا الشرق لهذا الضغط أو ذاك، ونعمت بخيراتها، يوم أن كان أمر هذا الشرق في أيدي أبنائه، ولاقت ما لاقى هذا الشرق، يوم أن كانت قوى أجنبية تتحكم في مصايره، وتجني خيراته، ومن ثم فليس عجبًا أن كان التاريخ العربي القديم متأثرًا بتاريخ الشرقي الأدنى القديم، ومؤثرًا فيه٢.
وضرورة دينية، لأننا نعرف -تاريخيًّا ودينيًّا- أن الله قد اصطفى من بلاد العرب، بعض أنبيائه ومرسَلِيه، ولأن مكانة الإسلام الفريدة في التاريخ الإنساني، لا يمكن معرفتها بصورة صحيحة، إلا إذا درس تاريخ ما قبل الإسلام، حتى نستطيع التعرف بصورة واضحة على أثره، لا في بلاد العرب فحسب، بل في تاريخ الإنسانية جمعاء، وكما يقولون، فإن الأشياء إنما تعرف بأضدادها.
ولعل الذين يتشدقون بالغيرة على الإسلام، من دراسة التاريخ العربي القديم، يتذكرون أنهم ليسوا أشد غيرة على ديننا الحنيف من الفاروق ﵁ وأرضاه- حيث يقول: "إنما تنقص عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"٣.
стр. 16
وإنه لمن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى "الجاهلية" و"العصر الجاهلي" وغير ذلك من كلمات ترددت كثيرًا بين صفحات هذه الدراسة.
يقول السيوطي إن لفظ الجاهلية اسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل البعثة النبوية الشريفة، والقرآن الكريم لم يستعمل كلمة "الجاهلية" هذه، إلا في العصر المدني، ومن ثم فإنك تجدها في السور المدنية -وليس المكية- كما في سورة آل عمران والمائدة والأحزاب والفتح، وإن استعمل كلمة "الجاهليين" في العصر المكي والمدني، كما في سورة البقرة والأعراف والفرقان١.
وقد ذهب البعض إلى أن المقصود من كلمة "الجاهلية" إنما هو الجهل والجهالة، نقيضي العلم والمعرفة، أو الجهل بالقراءة والكتابة، ومن ثم فقد ترجمت الكلمة في اللغة الإنجليزية "The Time Of Lgnoravce" وفي الألمانية "Zert Der Unwissenheit"، بينما ذهب فريق ثان إلى أنها إنما تعني الجهل بالله وبرسوله وبشرائع الدين، وباتباع الوثنية والتعبد لغير الله٢.
على أن فريقًا ثالثًا ذهب إلى أن الكلمة إنما تعني "السفه" الذي هو ضد الحلم، وفي الحديث الشريف: "إذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ولا يجهل" ٣، ومن هذا قول عمرو بن كلثوم.
стр. 17
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا١
ومن ثم فإن الكلمة إنما تعني الخفة والأنفة والحمية والمفاخرة، وهي أمور أوضح ما كانت في حياة العرب، قبل أن تتهذب نفوسهم بما دعا إليه الإسلام من مبادئ خلقية سامية، ومثل عليا وفضائل، ومن ثم فقد سمي العصر "بالجاهلية"، ويقابل هذه المعاني هدوء النفس والتواضع، والاعتداد بالعمل الصالح، لا بالنسب، وهي كلها نزعة سلام٢.
ومن هنا رأينا الإمام الطبري يفسر قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ٣ بأن عباد الله هم الذين يمشون على الأرض بالحلم، لا يجهلون على من جهل عليهم٤، ومن ثم فقد جاء في "حديث الإفك"٥، "ولكن اجتهلته الحمية"، أي حملته الأنفة والغضب على الجهل، وفي الحديث الشريف أن رسول الله، ﷺ ، قال لأبي ذر -وقد عير رجلا بأمه: "إنك امرؤ فيك جاهلية" أي فيك روح الجاهلية٦.
стр. 18
بقيت كلمة أخيرة تتصل بالفترة الزمنية التي تعالجها هذه الدراسة١، ذلك أننا نحن الباحثين في "تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم" قد اعتدنا أن نتوقف في دراستنا عند بداية عصر الإسكندر المقدوني "٣٥٦-٣٢٣ق. م" بسبب التغيرات الحضارية والسياسية التي حدثت في الشرق الأدنى القديم منذ تلك الفترة، غير أن الأمر جد مختلف هنا في بلاد العرب، فالإسكندر المقدوني -وكذا خلفاؤه من الأغارقة، فضلا عن الرومان من بعدهم- لم يكتب لهم نجحًا بعيد المدى أو قصيره في السيطرة على جزيرة العرب، ومن ثم فقد بقي هذا الجزء العزيز من العالم العربي القديم، بعيدًا عن قبضة اليونان والرومان، رغم المحاولات المتكررة التي بذلها هؤلاء وأولئك لانضواء الجزيرة العربية تحت لواء مقدونيا أو روما أو بيزنطية، كما أن الحضارة اليونانية -والرومانية من بعدها- وإن كتب لها بعض النجح في أطراف الجزيرة العربية، فقد فشلت تمامًا في أن تنتشر بين ربوعها، هذا فضلا عن أن العرب القدامى إنما قد احتفظوا بلغتهم العربية -اللغة السامية الأم- بعيدًا عن سيطرة اللغات الهندو-أوربية، حتى جاء الإسلام الحنيف، فكانت لغة القرآن، ورسول الحضارة الإسلامية إلى البشرية جمعاء.
ومن ثم فالرأي عندي أن التاريخ العربي القديم، إنما يبدأ منذ عصور ما قبل التاريخ، وينتهي في بداية القرن السابع الميلادي حيث يبدأ التاريخ الإسلامي، يوم أهدت مكة إلى الدنيا كلها أشرف الخلق جميعًا، مولانا وسيدنا رسول الله، ﷺ ، وما أن يمضي حين من الدهر، حتى يسبغ الله فضله على الدنيا بأسرها، فينزل الوحي بالقرآن الكريم.
وهناك، وفي مكة المكرمة، وفي بيت رسول الله ﷺ تبدأ الدعوة إلى الإسلام، دين التوحيد المطلق، ومن هناك -من هذه الأرض الطيبة، من الحجاز الشريف- تنتشر راية الإسلام إلى جميع أنحاء المعمورة، تدعوا إلى التوحيد والحب والعدل والإخاء والمساواة، وكل ما هو جميل ونبيل.
وقبل ذلك -وفي حياة الرسول الأعظم، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- تقوم في الجزيرة العربية -ولأول مرة في تاريخ هذه الدنيا- بفضل الله، وبهداية رسول
стр. 19
الله، تقوم قوة عظمى، قوة لم ينبغ لأحد مثلها من قبل في تلك الجزيرة، التي كان أمرها مفرقًا بين قوى متناحرة، وعشائر بعضها لبعض عدو، فإذا هي الآن -بهدي الإسلام وبنبوة محمد ﷺ دولة موحدة، لها زعيم واحد، وقائد سياسي واحد، وقائد عسكري واحد، لا ينازعه سلطانه أحد، لأن سلطانه فوق مستوى البشر، فهو لسان السماء، وهو نبي الله، وكل في دولته مأمور بطاعته، كما يطيع الله، يفتديه بحياته، بل وتهون عليه حياته في سبيل ما يأمر به، تطلعًا إلى الجنة التي وعد الله المتقين من عباده، وأعدها للشهداء من المجاهدين، وهكذا أصبحت الجزيرة العربية دولة واحدة، تدين بدين واحد، وتعبد ربًّا واحدًا، لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
وهنا، ينتهي التاريخ العربي القديم، ويبدأ التاريخ العربي الإسلامي، لا، بل هنا يبدأ التاريخ الإسلامي، فما كان الإسلام أبدًا، للعرب خاصة، وإنما كان -وسوف يظل أبدًا- للناس كافة، و ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، أرسله ربه رحمة للعالمين، وختامًا لرسالات الأنبياء أجمعين، وهداية للناس -كل الناس- إلى سواء السبيل.
وبعد: فإن كان علي أن أتقدم بالشكر لكل من أسهم في هذه الدراسة بنصيب، فلعل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية -ممثلة في شخص مديرها معالي الأستاذ الجليل الدكتور عبد الله التركي، وأمينها العام ورئيس لجنة البحوث والنشر السابق بها، الزميل الكريم الأستاذ الفاضل عبد الله الشبل، ورئيس لجنة البحوث والنشر الحالي، الزميل الفاضل الأستاذ الدكتور عبد العزيز الربيعة- أول من يستحق الشكر، كما أن كلية العلوم الاجتماعية بها -ممثلة في شخص عميدها فضيلة الأساذ الجليل محمد عبد الله عرفة- تستحق مني كل تقدير، فإن كانت الأولى قد أتاحت الفرصة لهذه الدراسة في أن ترى النور - فإن الثانية قد أتاحت لي فرصة العمل في هذه الدراسة كأستاذ لمادة تاريخ الجزيرة العربية القديم طوال سنوات جامعية أربع. وأملي في الله كبير في أن تنال هذه الدراسة بعض الرضى.
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
دكتور: محمد بيومي مهران
أستاذ التاريخ القديم: كلية الآداب - جامعة الإسكندرية
стр. 20
الفصل الأول: مصادر التاريخ العربي القديم .
أولًا: المصادر الأثرية .
منذ قرن واحد من الزمان، كانت معلوماتنا عن تاريخ بلاد العرب قبل الإسلام، تعتمد فقط على ما جاء في التوراة، وعلى ما كتبه القدامى من الأغارقة والرومان، وكان هذا كله شيئًا قليلا لا يشفي غليل العلماء، حتى لو أضفنا إليه بعض ما كتبه العرب عن تاريخهم قبل الإسلام، أو ما نستطيع أن نحصل عليه من معلومات إذا درسنا الشعر الجاهلي، إلا أن الأمر سرعان ما بدأ يتغير عندما أخذت النقوش اليمنية طريقها إلى أيدي العلماء، وقد أصبح عددها الآن أكثر من خمسة آلاف نقش، فيها الكثير من المعلومات عن ممالك شبه الجزيرة العربية، كما وصل إلى أيدي العلماء كذلك عشرات الآلاف من "المخربشات" القصيرة على واجهات الصخور في شمال بلاد العرب، بين ثمودية ولحيانية وسبئية وغيرها١، فضلا عن تلك التي وجدت خارج شبه الجزيرة العربية كالنقوش الصفوية التي وجدت فوق جبال الصفا جنوب شرق دمشق، وهي قريبة -من حيث الخط واللغة وأسماء الآلهة- من النقوش الثمودية٢.
أضف إلى ذلك، تلك النقوش والكتابات غير العربية التي تطرقت إلى ذكر العرب، كما في بعض النقوش الآشورية والبابلية، والتي قدمت لنا معلومات قيمة عن بلاد العرب الشمالية، وعن علاقاتها بالإمبراطوريتين الآشورية والبابلية، كما عرفنا من هذه النقوش -مثلا- أن المرأة العربية قد وصلت منذ القرن الثامن قبل الميلاد إلى منصب رئيس الدولة، كالملكة "زبيبة" والملكة "شمس" والملكة
стр. 21
"تعلخونو" وغيرهن١.
والأمر كذلك بالنسبة إلى النقوش المعينية أو السبئية في مصر أو في الحبشة، فضلا عن النقوش النبطية التي اكتشفت في بعض جزر اليونان، والتي تدل على المدى البعيد الذي بلغه أصحابها في النشاط التجاري والبحري، ومن هذا النوع ذلك النقش الذي اكتشف عام ١٩٣٦م في جزيرة "كوس" ببحر إيجه، فضلا عن نقشين نبطيين وجدا بالقرب من "نابولي"، إلى جانب نقش ثالث وجد في "روما"٢.
وهكذا أصبح لدينا الآن ما يساعدنا في تقديم صورة واضحة إلى حد ما، عما كان جاريًا في تلك البلاد منذ القرن التاسع قبل الميلاد، وحتى ظهور الإسلام، أي مدى ألف وخمسمائة سنة، سواء أكان ذلك من الناحية السياسية أو الدينية أو الاقتصادية٣.
وهكذا تظهر لنا أهمية الآثار في دراسة التاريخ والحضارة، بل لعلها من أهم -إن لم تكن أهم- ما يجب أن يعتمد عليه المؤرخ في دراسته، فهي الشاهد الناطق الوحيد الباقي لنا من تلك الأيام الخوالي، ومن هنا كانت أهميتها في تقديم صورة للحياة العامة في كل مناحيها المختلفة، فمثلا عن طريق الكتابات المعينية الشمالية التي وجدت في "العلا" استطعنا أن نعرف منها أن المعينيين الشماليين كانوا يستخدمون الكتابة والديانة المعينية التي عرفها المعينيون الجنوبيون، واستخدموها في وطنهم الأصلي١.
стр. 22
هذا وقد عرفنا عن طريق الوثائق الصفوية أن الصفويين هم وحدهم الذين نعرف عنهم شيئًا قبل أن يمتزجوا في الشعوب السامية الشمالية، إذ ظلوا محتفظين بالخط السامي الجنوبي واللغة السامية الجنوبية والعقائد السامية الجنوبية١ بل استطعنا أن نعرف عن طريق الجعارين المصرية، والأختام الساسانية، التي وجدت طريقها إلى بلاد العرب الجنوبية، أن نستنتج أن التبادل بين بلاد العرب الجنوبية وبين البلاد الأخرى، لم يكن مقصورًا على التجارة فحسب، بل تعداها إلى الفنون كذلك، وقد تركت هذه الفنون الأجنبية أثرها في الفن العربي الجنوبي٢.
على أنه يجب أن نلاحظ أن في هذه المصادر الأثرية نقاط ضعف كثيرة، منها "أولًا" أنها في معظمها تتشابه في مضمونها وفي إنشائها، لأنها تتعلق بأمور شخصية، كإنشاء بيت أو بناء معبد أو إقامة سور، ومن ثم فقد كانت أهميتها لغوية أكثر منها تاريخية، ولكنها في الوقت نفسه، قد أمدتنا بأسماء عدد من الملوك، لولاها لما عرفنا عنهم شيئًا، كما قدمت لنا بعض المعلومات عن العلاقة بين القبائل بعضها بالبعض الآخر، ومن هذا النوع نقش Cih.١٤٥٠"" والذي يتحدث عن حرب دارت رحاها بين قبائل حاشد وحمير في مدينة "ناعط"٣.
ومنها "ثانيًا" أن معظمها قد وجد في المعابد والقبور، ومن ثم فهي ذات صبغة دينية، ومنها "ثالثًا" أن النصوص اللحيانية عبارة عن "مخربشات" صغيرة، وبعضها -كما في النصوص المعينية الشمالية- ليست نقوشًا كاملة، وإنما هي أجزاء من نقوش، ذلك لأن معظم الأحجار التي دونت عليها النقوش إنما وجدت في غير أماكنها الأصلية، وقد استخدمها القوم أخيرًا كمواد للبناء، ومن ثم فقد وجدت في جدران المنازل وأسوار الحدائق في مدينة "العلاء"، وانطلاقًا من هذا، فإن الفائدة منها جد قليلة، كما أن قلة من العلماء هي التي كانت قادرة على ترجمتها، ومع ذلك فقد أفادتنا في معرفة أسماء بعض الآلهة٤.
ومنها "رابعًا" أن الكتابات المؤرخة منها قليلة، ومن ثم فلم تهدنا إلى تقويم
стр. 23
ثابت يمكن القول أن العرب القدامى إنما كانوا يستعملونه، وطبقًا لهذا اتجه الباحثون إلى أن العرب إنما كانوا -كغيرهم من الشعوب القديمة- يؤرخون الأحداث طبقًا لسني حكم الملوك، بل إن القوم قد تجاوزوا ذلك إلى التأريخ بأيام الرؤساء وشيوخ القبائل وأرباب الأسر، بل إن البعض منهم قد أهمل التاريخ تمامًا، وإن كان الحميريون قد اتخذوا من قيام دولتهم في عام ١١٥ قبل الميلاد "وربما عام ١١٨ق. م أو عام ١٠٩ق. م"، تقويمًا ثابتًا يؤرخون به الأحداث١.
هذا وقد أشار "المسعودي" إلى أن العرب قبل الإسلام إنما كانوا يؤرخون بتواريخ كثيرة، فأما "حمير" و"كهلان" أبناء سبأ، فقد كانوا يؤرخون بملوكهم، أو بما يقع لهم من أحداث جسيمة، فيما يظنون، كنار صوان التي كانت تظهر في بعض الحرار بأقاصي اليمن، وكالحروب التي كانت تنشب بين القبائل والأمم، فضلا عن التأريخ بأيامهم المشهورة, وكذا بوفاة إبراهيم وإسماعيل ﵉، كما كانت قريش تؤرخ عند مبعث المصطفى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- بوفاة هشام بن المغيرة وبعام الفيل٢، ويذهب الطبري إلى أن العرب لم تكن تؤرخ بشيء محدد قبل الإسلام، غير أن قريشًا إنما كانت تؤرخ بعام الفيل، بينما كان سائر العرب يؤرخون بأيامهم المشهورة، كيوم جبلة والكلاب الأول والثاني٣.
стр. 24
ثانيًا: المصادر غير العربية .
أولًا: الكتابات اليهودية .
١- التوراة:
أو "التورة" كلمة عبرية تعني الهداية والإرشاد، ويقصد بها الأسفار الخمسة الأولى "التكوين والخروج واللاويين والعدد والتثنية" والتي تنسب إلى موسى ﵇ وهي جزء من العهد القديم، والذي يطلق عليه تجاوزًا اسم "التوراة" من باب إطلاق الجزء على الكل، أو لأهمية التوراة ونسبتها إلى موسى، والتوراة، أو العهد القديم -تمييزًا له عن العهد الجديد كتاب المسيحيين المقدس- هو كتاب اليهود الذي يضم إلى جانب تاريخهم، عقائدهم وشرائعهم، ويقسمه أحبار اليهود إلى ثلاثة أقسام: الناموس والأنبياء والكتابات"١.
هذا وقد تحدثت التوراة في كثير من أسفارها عن العرب وعلاقتهم بالإسرائيليين، كما جاء في أسفار التكوين والخروج والعدد ويشوع والقضاة وصموئيل -الأول والثاني- والملوك -الأول والثاني- وأخبار الأيام -الأول والثاني- ونحميا والمزامير وأشعياء وإرمياء وحزقيال ودانيال والمكابيين-الأول والثاني-.
غير أن التوراة عندما تتحدث عن العرب، فإنما تهتم بالقبائل والأماكن العربية ذات العلاقة الاقتصادية باليهود في بعض الأحيان، وذات العلاقة السياسية في أحوال أُخَر، ولهذا نجدها عندما تتحدث عن القبائل في شبه الجزيرة العربية، فإنما تتحدث عنها على أساس أنها قبائل كانت لها علاقة بالعبرانيين، ثم هي قبائل متبدية في المكان الأول، إلا عندما يتصل الأمر بقصة سليمان وملكة سبأ، فالأمر جد مختلف، ويصبح لهذه القبائل شأن آخر٢.
وعلى أي حال، فعلينا حين نتعامل مع التوراة كمصدر تاريخي، أن نتخلص تمامًا من الهالة التي أسبغها عليها المؤمنون بها، وأن ننظر إليها كما ننظر إلى غيرها من المصارد التاريخية، ولا يهمنا هنا أن تكون التوراة كتابًا مقدسًا أو لا تكون، فذلك شأن من يريدون أن يروها في نصها الراهن على هذا النحو أو ذاك، ولكن
стр. 25
الذي يهمنا هنا ألا تكون كتاب تاريخ يحاول فرض مضمونه على الحاضر والمستقبل، كما حاول فرضه على الماضي، وإذا كان ما يعزى للتوراة من قيمة تاريخية لا يجد له سندًا، إلا فيما يزعم لها من قداسة، فالذي لا شك فيه أن هناك ثمة علاقة بين قيمة التوراة ككتاب تاريخ، وقيمتها ككتاب مقدس، ذلك أنه كلما تدعمت قيمتها ككتاب مقدس تضاءلت الريبة في صدق ما تضمنته من وقائع وسهل وصول هذه الوقائع إلى يقين الناس على أنها من حقائق التاريخ التي لا ينبغي الشك فيها، وقد أدركت الصهيونية العالمية هذه الحقيقية، فأحسنت استغلالها إعلاميًّا في الغرب المسيحي لدعم ما زعمت أنه حقها في إنشاء دولتها إسرائيل، ولكن أية قيمة تبقى لتاريخ لا يجد سندًا له، إلا فيما يزعم لكتاب واحد من قداسة، وهي بعد قداسة توجه إليها سهام الريب من أكثر من جانب، وليس بالوسع القول بأنها ترقى إلى ما فوق مظان الشبهات١.
ومن هنا فإننا سننظر إلى التوراة كمصدر تاريخي، دون أن نتقيد كثيرًا بتلك الهالة التي فرضتها على المؤمنين بها، إن من كتبوا التوراة المتداولة اليوم -كما يقول المؤرخ الإنجليزي سايس- كانوا بشرًا مثلنا، وهم كمؤرخين لا يختلفون كثيرًا عن نظائرهم من معاصريهم في الشرق، كما أنه ليس هناك تاريخ لا يحتمل المناقشة، بل لا يحتمل أن نخطئه، وما دامت التوراة كتاب تاريخ، فليس هناك ما يمنع المؤرخ من أن يناقشها مناقشة حرة دون تمييز، يتقبل ما تقوله بصدر رحب، إن كان يتفق مع الأحداث التاريخية، ويوافق المنطق والمعقول، ويرفضه حين نذهب بعيدًا عن ذلك٢.
стр. 26
٢- كتابات المؤرخ اليهودي يوسف بن متى:
ولد يوسف بن متى هذا "أو يوسفيوس فيلافيوس" في أورشليم عام ٣٧م وتوفي في روما عام ٩٨م "أو ١٠٠م"، وكان قد أرسل إلى روما في عام ٦٤م من قبل المحكمة العليا عند اليهود "السنهدرين" للدفاع عن الأحبار الذين سجنوا بأمر المفوض الروماني، ونجح في مهمته ثم عاد إلى القدس، واشترك في ثورة ضد الرومان انتهت بأسره، إلا القائد الروماني "فسباسيان" أنقذه، وسرعان ما نال
стр. 27
تقديره، ثم صحب ابنه "تيتوس" إلى القدس عام ٧٠م، ثم عاد معه إلى روما حيث حمل اسم "فيلافيوس" باعتبار عبدًا حرره سيده "فسباسيان"، ثم منح حقوق المواطن الروماني١.
وهناك في روما كتب يوسف اليهودي كتبه المعروفة، والتي من أهمها "آثار اليهود "Anyiqutities Of The Gews" و"الحروب اليهودية" "The Gewish War" في سبعة أجزاء بالأرامية، والذي ترجم إلى اليونانية، ثم كتب "تاريخ اليهود القديم" في عشرين جزءًا، منذ بدء الخليقة، وحتى عام ٦٦م.
وعلى الرغم من تحيز يوسف إلى قومه اليهود، فضلا عن الرغبة في إرضاء حُماته من أباطرة الرومان، وعلى اعتماده إلى حد كبير على كتاب العهد القديم في كتاباته، فإن لمؤلفاته قيمة تاريخية لا شك فيها، بخاصة عن الفترة التي عاصرها، والحروب التي شارك فيها، كما أن فيها معلومات ثمينة عن العرب والأنباط، لا نجدها في كتب أخرى قديمة، وكان الأنباط على أيامه يقطنون في منطقة واسعة تمتد من نهر الفرات وتتاخم بلاد الشام، ثم تنزل حتى البحر الأحمر، وقد عاصرهم يوسف هذا، وإن كان لا يهتم إلا فيما يختص بعلاقتهم باليهود، فضلا عن أن بلاد العرب عنده لا تعني سوى ممكة الأنباط٢.
стр. 28
ثانيًا: كتابات الرحالة اليونان والرومان
وتشتمل هذه الكتابات-على ما فيها من أخطاء- على معلومات تاريخية وجغرافية عن بلاد العرب قبل الإسلام، وعن أسماء لقبائل عربية كثيرة، لولاها لما عرفنا عنها شيئًا، ويبدو أن أصحاب هذه الكتابات قد استقوا معلوماتهم من الجنود اليونان والرومان الذين اشتركوا في الحملات التي وجهتها بلادهم إلى بلاد العرب، ومن السياح الذين اختلطوا بقبائل عربية وأقاموا بين ظهرانيها، وبخاصة في بلاد
стр. 29
الأنباط، ومن التجار والبحارة الذين كانوا يتوغلون في تلك البلاد، وتعد الإسكندرية من أهم المراكز التي كانت تُعنى عناية خاصة بجمع المعلومات عن بلاد العرب وعن عادات سكانها، وما ينتج فيها لتقديمها إلى من يرغب فيها من تجار البحر المتوسط، وقد استقى كثير من كتاب الإغريق والرومان معارفهم عن بلاد العرب من هذه المصادر التجارية العالمية١.
على أنه يجب علينا أن نلاحظ أن هؤلاء الكتاب الكلاسيكيين إنما كانوا يحكمون على ما يرونه ويسمعونه من وجهة نظرهم هم وحسب عقليتهم وإدراكهم وتأثرهم بعادات بلادهم وديانتها، فضلا عن أنهم لم يكونوا يعرفون لغة البلاد التي كانوا يصفونها أو يتحدثون عن تاريخها، ومن ثم فقد اعتمدوا -كما أشرنا من قبل- على أفواه محدثيهم، وجلهم من مستوى لا يزيد عنهم كثيرًا في معرفته لتلك اللغات، أضف إلى ذلك أن كثيرًا منهم قد أساءوا فهم ما رأوه، أو ذهب بهم خيالهم كل مذهب في تفسير أو تعليل ما سمعوه، أو وقعت عليه أبصارهم٢، بل إن بعضهم قد ذهب إلى وجود أصل مشترك بين بعض القبائل العربية واليونان، ولعل إن بعضهم قد ذهب إلى وجود أصل مشترك بين بعض القبائل العربية واليونان، ولعل في هذه الفكرة -رغم سذاجتها- ما فيها من إشارات إلى علاقة ممعنة في القدم بين سكان شبه الجزيرة العربية، وبين سكان البحر المتوسط الشماليين٣.
ولعل أقدم من تحدث عن العرب من اليونان هو "إسكليوس" "٥٢٥-٤٥٦ق. م"، ثم جاء من بعده المؤرخ اليوناني المشهور "هيرودوت" "حوالي ٤٨٤-٤٣٠ق. م" الذي ندين له بأول عرض رحيب عن مصر ظل سليمًا حتى اليوم، وأما كتابه الثاني "يوتربي" "Euterpe"، فإنه غير مطرد وقصصي كما أنه يميل إلى الانحراف الذي يتسلسل إلى رواية ملحمة الكفاح بين الفرس والهلينيين، وقد تعرض "هيرودوت" لذكر العرب عند الحديث عن الحروب التي قامت بين فارس ومصر على أيام الملك الفارسي "قمييز" "٥٣٠-٥٢٢ق. م"، ورغم ما لهيرودوت من سمعة طيبة في عالم التاريخ، حتى دعاه "سيشرون" بأبي التاريخ"،
стр. 30
فهو لم يكن بنجوة من الأفكار الساذجة التي سادت عصره، ومن ثم فقد كان هناك الكثير من القصص الساذج في تاريخه، ولهذا يجب أن نكون على حذر مما يوضع أمامنا بحسبانه تاريخًا، وهو من التراث الشعبي في معايير غير دقيقة الرواية، وتأكيدات بها نواة الحقيقة، وإن غلفت بالمبالغة والتحريف١.
وهناك "ثيوفراست" "حوالي ٣٧١-٢٨٧ق. م"، وقد تطرق في كتاباته وأثناء حديثه عن النباتات إلى ذكر بلاد العرب، وبخاصة الجنوبية منها، والتي كانت تصدر التمر واللبان والبخور، وهناك كذلك "إيراتوسثينيس" "٢٧٦-١٩٤ق. م" وقد أفاد كثيرًا من جاءوا بعده من الكتاب اليونان، كما يبدو ذلك بوضوح في جغرافية "سترابو"٢.
وهناك "ديودور الصقلي" من القرن الأول الميلادي، وقد كتب مؤلفه في "التاريخ العام" "Generai History" في أربعين جزءًا، لم يبق منها سوى خمسة عشر جزءًا، تعرض فيها لتاريخ الفترة ما بين عامي ٤٨٠، ٣٢٣ق. م٣.
وأما "سترابو" "٦٦-٢٤ق. م" فهو من مواطني "بونتس" ويتحدث اليونانية، وقد عاش في الإسكندرية لبضع سنوات، وقد صحب صديقه الوالي الروماني "إليوس جالليوس" في حملته على بلاد العرب عام ٢٤ق. م، وأما كتابه عن بلاد العرب، فيتضمنه الكتاب السادس عشر من مؤلفه "٤Geographica" وقد وصف فيه مدائن العرب وقبائلهم على أيامه، كما قدم لنا وصفًا شيقًا عن الأحوال الاجتماعية والتجارية وقت ذاك، والأمر كذلك بالنسبة إلى حملة "إليوس جالليوس" -الآنفة الذكر- حيث قدم لنا وصف شاهد عيان لها، فضلا عن معلومات جديدة
стр. 31
عن بلاد العرب التي مرت بها الحملة، وأخيرًا فعلينا أن نسجل أن "سترابو" كان كاتبًا مرحًا لا تعوزه المهارة١.
وأما "أجاثار خيدس السفودي" -الجغرافي المؤرخ من القرن الثاني قبل الميلاد- فهو لم يستطع أن يتجنب الاستعانة "بهيرودوت" على نطاق واسع، وإن انساق وراء جمهرة نقاده٢، وأما موسوعة "Historia Naturaiis" لـ "بليني الأكبر" "٣٢-٧٩"ق. م" فتجميع ضخم لقدامى المؤلفين، وقد نالت بلاد العرب والشرق نصيبًا من اهتمامه٣ وهناك مؤرخ يوناني مجهول، وضع كتابًا سماه "الطواف حول البحر الأرتيري" وصف فيه رحلته في البحر الأحمر وسواحل بلاد العرب الجنوبية، وقد اختلف الباحثون في التأريخ لهذا الكتاب، فهو قد كتب في الفترة "٥٠-٦٠"٤ على رأي، وفي حوالي عام ٧٥م على رأي آخر،٥ وفي عام ٨٠م على رأي ثالث٦، وفي حوالي عام ١٠٦م على رأي رابع، وفي النصف الأول من القرن الثالث الميلادي على رأي خامس٧.
وأخيرًا هناك "كلوديوس بتولمايوس" الذي أخرج كتابه في الجغرافية حوالي عام ١٥٠م، والمعروف باسم "جغرافية بطليموس" وقد جمع فيه بتولمايوس "١٣٨٠١٦٥م" معلومات كثيرة عن بلاد العرب، فقسم الأقاليم حسب درجات الطول والعرض، كما زينه بخرائط تصور وجهة نظر العلم إلى العالم في عصره، ويشير العلماء إلى أن معلوماته عن حضرموت تشير إلى أن مصدره -ولعله تاجرًا أو مبعوثًا رومانيًّا- ربما قد أقام فترة في "شبوة"، ذلك لأن وصف "بتولمايوس" للأودية وللأماكن هناك يشير إلى معرفة بها، والأمر جد مختلف بالنسبة إلى "سبأ" التي لم تكن معلوماته، عنها تتفق ومستوى معلوماته عن حضرموت٨.
стр. 32
ثالثًا: الكتابات المسيحية .
وترجع أهمية هذه الكتابات إلى أنها تؤرخ لانتشار المسيحية في بلاد العرب، وللقبائل العربية نفسها، فضلا عن علاقة العرب بالفرس واليونان، كما أنها تربط الأحداث بالمجامع الكنسية وبتاريخ القديسين، ومن ثم فقد حصلنا على تواريخ ثابتة، الأمر الذي افتقدناه إلى حد كبير في المصادر السابقة، على أنه يجب أن نلاحظ أن هذه الكتابات دينية، أكثر منها تاريخية، ومن هنا فقد غلبت عليها الصبغة النصرانية١.
ولعل من أشهر هذه الكتابات مؤلفات "يوسبيوس" "٢٦٤-٣٤٩م" والذي كان واحدًا من آباء الكنيسة البارزين في عصره، وأول مؤرخ كنسي يعتد به، حتى لقب "بأبي التاريخ الكنيسي" وبـ"هيرودوت النصارى"٢، وقد ولد في فلسطين، وربما في قيصرية التي كان أسقفا لها، وقد ساعدته صلاته بالإمبراطور قسطنطين "٣٠٦-٣٣٧م" وبرؤساء الكنيسة وكبار رجال الدولة إلى أن يعرف الكثير من الأسرار، وإلى أن يطلع على المخطوطات والوثائق الثمينة، ومن ثم فقد أفاد منها فائدة كبيرة في مؤلفاته التاريخية٣.
وهناك كذلك "بروكبيوس" "المتوفى عام ٥٦٣م"، والذي يعد المؤرخ الكنسي لعصر جستنيان "٥٢٧-٥٦٥م" المليء بالأحداث ومما يجعل مادته التاريخية موضع ثقة أن بعضها مستقى من المرويات الشفهية، وأغلبها نتيجة معلوماته الشخصية، فقد عين في عام ٢٦٧م سكرتيرًا خاصًا ومستشارًا قانونيًّا للقائد الروماني "بليساريوس" وصحبه في حملاته في آسيا وأفريقية وإيطاليا، كما عين عضوًا في مجلس الشيوخ الروماني وقد تحدث في كتابه "تاريخ الحروب" عن المعارك التي دارت بين
стр. 33
الغساسنة واللخميين، فضلا عن غزو الأحباش لليمن في الجاهلية١.
هناك كتاب نشره المستشرق "كارل موللر" لمؤلف مجهول، واسمه "Giaucys" يبحث في آثار بلاد العرب٢، هذا بالإضافة إلى ما جاء بشأن العرب في المخطوطات السريانية المحفوظة في المتحف البريطاني٣، فضلا عن كتابات المؤرخين النصارى -من روم وسريان- والذين عاشوا على أيام الأمويين والعباسيين، وقد كتبوا عن العرب في الجاهلية والإسلام فأمدونا بمعلومات لا نجدها في المصادر الإسلامية، وبخاصة عن انتشار المسيحية في بلاد العرب، وعن علاقة الروم بالعرب والفرس٤.
стр. 34
ثالثًا: المصادر العربية .
١- القرآن الكريم:
القرآن الكريم كتاب الله١، الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٢، نزل على مولانا وسيدنا رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- منجما في ثلاث وعشرين سنة٣، حسب الحوادث ومقتضى الحال٤، وكانت الآيات والسور تدون ساعة نزولها، إذ كان المصطفى ﷺ إذا ما نزلت عليه آية أو آيات قال: "ضعها في مكان كذا ... من سورة كذا"، فقد ورد أن جبريل ﵇ كان ينزل بالآية أو الآيات على النبي، فيقول له: يا محمد: إن الله يأمرك أن تضعها على رأس كذا من سورة كذا"، ولهذا اتفق العلماء على أن جمع القرآن "توقيفي" بمعنى أن ترتيبه بهذه
стр. 35
الطريقة التي نراه عليها اليوم في المصاحف، إنما هو بأمر ووحي من الله١".
وهكذا تمر الأيام بالرسول الكريم -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- وهو على هذا العهد، يأتيه الوحي نجمًا بعد نجم، كتاب الوحي يسجلونه آية بعد آية، حتى إذا ما كمل التنزيل، وانتقل الرسول الأعظم إلى الرفيق الأعلى، كان القرآن كله مسجلا في صحف، -وإن كانت مفرقة لم يكونوا قد جمعوها فيما بين الدفتين، ولم يلزموا القراء توالي سورها- وكذا في صدور الحفاظ من الصحابة، رضوان الله عليهم٢، هؤلاء الصفوة من أمة محمد النبي المختار، والذين كانوا يتسابقون إلى تلاوة القرآن ومدارسته، ويبذلون قصارى جهدهم لاستظهاره وحفظه، ويعلمونه أولادهم وزوجاتهم في البيوت.
ومن هنا كان حفاظ القرآن الكريم في حياة الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- لا يحصون، وتلك -وايم الله- عناية من الرحمن خاصة بهذا القرآن العظيم، حين يسره للحفظ، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر﴾ ٣، فكتب له الخلود وحماه من التحريف والتبديل، وصانه من أن يتطرق الضياع إلى شيء منه، عن طريق حفظه في السطور، وحفظه في الصدور٤، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ٥ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٦، وقوله
стр. 36
تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١.
وليس هناك من شك في أن القرآن الكريم، كمصدر تاريخي، أصدق المصادر وأصحها على الإطلاق، فهو موثوق السند -كما بينا آنفًا- ثم هو قبل ذلك وبعده كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن ثم فلا سبيل إلى الشك في صحة نصه٢ بحال من الأحوال، لأنه ذو وثاقة تاريخية لا تقبل الجدل، فقد دون في البداية بإملاء الرسول ﷺ وتلي فيما بعد أمامه وحمل تصديقه النهائي قبل وفاته٣، ولأن القصص القرآني إنما هو أنباء وأحداث تاريخية، لم تلتبس بشيء من الخيال، ولم يدخل عليها شيء غير الواقع٤، ثم إن الله -قد تعهد- كما أشرنا آنفًا- بحفظه دون تحريف أو تبديل، ومن ثم فلم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: "والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله"، أي بما طلب إليهم حفظه٥.
غير أني أود أن أنبه -بعد أن أستغفر الله العظيم كثيرًا- إلى أن القرآن الكريم لم ينزل كتابًا في التاريخ، يتحدث عن أخبار الأمم، كما يتحدث عنها المؤرخون، وإنما هو كتاب هداية وإرشاد للتي هي أقوم، أنزله الله ليكون دستورًا للمسلمين، ومنهاجًا يسيرون عليه في حياتهم، يدعوهم إلى التوحيد، وإلى تهذيب النفوس، وإلى وضع مبادئ للأخلاق، وميزان للعدالة في الحكم، واستنباط لبعض الأحكام، فإذا ما عرض لحادثة تاريخية، فإنما للعبرة والعظة٦.
إلا أن القرآن الكريم -مع ذلك- إنما يقدم لنا معلومات مهمة عن عصور ما قبل الإسلام، وأخبار دولها، أيدتها الكشوف الحديثة كل التأييد، كما أننا نجد في
стр. 37
كتاب الله الكريم سورة كاملة تحمل اسم مملكة في جنوب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام -وأعني بها سورة سبأ- هذا إلى أن القرآن الكريم قد انفرد -دون غيره من الكتب السماوية- بذكر أقوام عربية بادت، كقوم عاد١ وثمود٢، فضلا عن قصة أصحاب الكهف٣ وسيل العرم٤، وقصة أصحاب الأخدود٥، إلى جانب قصة أصحاب الفيل٦، وهجرة الخليل وولده إسماعيل، ﵉، إلى الأرض الطاهرة في الحجاز، ثم إقامة إسماعيل هناك٧.
على أنه يجب علينا أن نلاحظ أنه رغم أن هدف القرآن من قصصه، ليس التأريخ لهذا القصص، وإنما عبرًا تفرض الاستفادة بما حل بالسابقين، ومع ذلك فيجب أن لا يغيب عن بالنا -دائمًا وأبدًا- أن هذا القصص، إن هو إلا الحق الصراح، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ ٨، ويقول: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ٩ ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ١٠، ويقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ ١١، ويقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ١٢ ويقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ١٣.
стр. 38
٢- الحديث:
الحديث هو ما ورد عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير١، وللحديث مكانة كبرى في الدين تلي مرتبة القرآن الكريم مباشرة، وصدق رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- حيث يقول: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي" ٢، والحديث الشريف مفسر للقرآن الكريم، ذلك أن كثيرًا من آيات الذكر الحكيم مجملة أو مطلقة أو عامة، فجاء رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- فبينها أو قيدها أو خصصها٣، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٥، ومن هنا كان الحديث الشريف هو المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، ثم هو أصدق المصادر التاريخية- بعد القرآن الكريم- لمعرفة التاريخ العربي القديم في عصوره القريبة من الإسلام بالذات٦.
وليس من شك في أن كتب الحديث٧ وشروحها- رغم أنها مصدر فقهي أكثر منه تاريخي٨ -مورد غني من الموارد الأساسية لتدوين أخبار الجاهلية فيما قبيل الإسلام، على أن الغريب من الأمر أن مؤرخي تلك الفترة قد تجاهلوا هذا المنهل الغزير، وبخاصة فيما يتصل بتاريخ عرب الحجاز، إلى حد كبير، ومن ثم فقد خسروا واحدًا من أهم وأصدق مصادر التاريخ العربي القديم.
стр. 39
٣- التفسير:
نزل القرآن الكريم بلغة العرب، وعلى أساليب العرب وكلامهم١، يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عربيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٢، وهذا أمر طبيعي لأنه أتى يدعو العرب -بادئ ذي بدء- ثم الناس كافة، إلى الإسلام، ومن ثم فلا بد أن يكون بلغة يفهمونها٣: تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ٤.
ورغم أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي، وفي بيئة عربية كانت تفاخر من نواحي الحضارة بفن القول، فإنه لم يكن كله في متناول الصحابة جميعًا، يستطيعون أن يفهموه -إجمالا وتفصيلا- بمجرد أن يسمعوه، لأن العرب- كما يقول ابن قتيبة٥- لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل في ذلك على بعض.
إلا أن هذا لا يمنعنا من القول بأن الصحابة على العموم كانوا أقدر الناس على فهم القرآن، لأنه نزل بلغتهم، ولأنهم شاهدوا الظروف التي نزل فيها، ومع ذلك فقد اختلفوا في الفهم حسب اختلافهم في أدوات الفهم، وذلك لأسباب، منها "أولًا" أنهم كانوا يعرفون العربية على تفاوت فيما بينهم، وإن كانت العربية لغتهم، ومنها "ثانيًا" أن منهم من كان يلازم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ويقيم بجانبه، ويشاهد الأسباب التي دعت إلى نزول الآية، ومنهم من ليس كذلك، ومنها "ثالثًا" اختلافهم في معرفة عادات العرب في أقوالهم وأفعالهم، فمن عرف عادات العرب في الحج في الجاهلية، استطاع أن يعرف آيات الحج في القرآن الكريم، أكثر من غيره ممن لم يعرف٦.
стр. 40
وهكذا نشأ علم التفسير لفهم القرآن وتدبره، ولتبيان ما أوجز فيه، أو ما أشير إليه إشارات غامضة، أو لما غمض علينا من تشابيهه واستعاراته، وألفاظه أو لشرح أحكامه١، وقد نشأ علم التفسير هذا في عصر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فكان النبي أول المفسرين له، ثم تابعه أصحابه من بعده٢، على أساس أنهم الواقفون على أسراره، المهتدون بهدي النبي -عليه الصلاة والسلام٣- ولعل أشهر المفسرين من الصحابة الإمام علي- كرم الله وجهه ورَضِيَ اللَّهُ عَنْه- وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود٤.
وفي عصر التابعين تضخم التفسير بالإسرائيليات والنصرانيات، لسبب أو لآخر٥ مما دفع الإمام أحمد بن حنبل إلى أن يقول كلمته المشهورة: "ثلاثة ليس لها أصل، التفسير والملاحم والمغازي" أي ليس لها إسناد، لأن الغالب عليها المراسيل٦، وإلى أن يقول الإمام ابن تيمية: "والموضوعات في كتب التفسير كثيرة"٧.
ومع ذلك، ورغم هذه الشوائب، فالذي لا شك فيه أن كتب التفسير تحتوي على ثروة تاريخية قيمة، تفيد المؤرخ في تدوين التاريخ العربي القديم، وتشرح ما جاء مجملا في القرآن العظيم، وتبسط ما كان عالقًا بأذهان الناس عن الأيام التي سبقت عصر الإسلام، وتحكي ما سمعوه عن القبائل العربية البائدة، التي ذكرت على وجه الإجمال في القرآن الكريم، وما ورد عندهم من أحكام وآراء ومعتقدات٨.