تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١.
وليس هناك من شك في أن القرآن الكريم، كمصدر تاريخي، أصدق المصادر وأصحها على الإطلاق، فهو موثوق السند -كما بينا آنفًا- ثم هو قبل ذلك وبعده كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن ثم فلا سبيل إلى الشك في صحة نصه٢ بحال من الأحوال، لأنه ذو وثاقة تاريخية لا تقبل الجدل، فقد دون في البداية بإملاء الرسول ﷺ وتلي فيما بعد أمامه وحمل تصديقه النهائي قبل وفاته٣، ولأن القصص القرآني إنما هو أنباء وأحداث تاريخية، لم تلتبس بشيء من الخيال، ولم يدخل عليها شيء غير الواقع٤، ثم إن الله -قد تعهد- كما أشرنا آنفًا- بحفظه دون تحريف أو تبديل، ومن ثم فلم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس، فقال تعالى: "والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله"، أي بما طلب إليهم حفظه٥.
غير أني أود أن أنبه -بعد أن أستغفر الله العظيم كثيرًا- إلى أن القرآن الكريم لم ينزل كتابًا في التاريخ، يتحدث عن أخبار الأمم، كما يتحدث عنها المؤرخون، وإنما هو كتاب هداية وإرشاد للتي هي أقوم، أنزله الله ليكون دستورًا للمسلمين، ومنهاجًا يسيرون عليه في حياتهم، يدعوهم إلى التوحيد، وإلى تهذيب النفوس، وإلى وضع مبادئ للأخلاق، وميزان للعدالة في الحكم، واستنباط لبعض الأحكام، فإذا ما عرض لحادثة تاريخية، فإنما للعبرة والعظة٦.
إلا أن القرآن الكريم -مع ذلك- إنما يقدم لنا معلومات مهمة عن عصور ما قبل الإسلام، وأخبار دولها، أيدتها الكشوف الحديثة كل التأييد، كما أننا نجد في
стр. 37
كتاب الله الكريم سورة كاملة تحمل اسم مملكة في جنوب شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام -وأعني بها سورة سبأ- هذا إلى أن القرآن الكريم قد انفرد -دون غيره من الكتب السماوية- بذكر أقوام عربية بادت، كقوم عاد١ وثمود٢، فضلا عن قصة أصحاب الكهف٣ وسيل العرم٤، وقصة أصحاب الأخدود٥، إلى جانب قصة أصحاب الفيل٦، وهجرة الخليل وولده إسماعيل، ﵉، إلى الأرض الطاهرة في الحجاز، ثم إقامة إسماعيل هناك٧.
على أنه يجب علينا أن نلاحظ أنه رغم أن هدف القرآن من قصصه، ليس التأريخ لهذا القصص، وإنما عبرًا تفرض الاستفادة بما حل بالسابقين، ومع ذلك فيجب أن لا يغيب عن بالنا -دائمًا وأبدًا- أن هذا القصص، إن هو إلا الحق الصراح، وصدق الله العظيم حيث يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ ٨، ويقول: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ ٩ ويقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ ١٠، ويقول: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ ١١، ويقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ ١٢ ويقول: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ١٣.
стр. 38
٢- الحديث:
الحديث هو ما ورد عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير١، وللحديث مكانة كبرى في الدين تلي مرتبة القرآن الكريم مباشرة، وصدق رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- حيث يقول: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي" ٢، والحديث الشريف مفسر للقرآن الكريم، ذلك أن كثيرًا من آيات الذكر الحكيم مجملة أو مطلقة أو عامة، فجاء رسول الله -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- فبينها أو قيدها أو خصصها٣، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٥، ومن هنا كان الحديث الشريف هو المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، ثم هو أصدق المصادر التاريخية- بعد القرآن الكريم- لمعرفة التاريخ العربي القديم في عصوره القريبة من الإسلام بالذات٦.
وليس من شك في أن كتب الحديث٧ وشروحها- رغم أنها مصدر فقهي أكثر منه تاريخي٨ -مورد غني من الموارد الأساسية لتدوين أخبار الجاهلية فيما قبيل الإسلام، على أن الغريب من الأمر أن مؤرخي تلك الفترة قد تجاهلوا هذا المنهل الغزير، وبخاصة فيما يتصل بتاريخ عرب الحجاز، إلى حد كبير، ومن ثم فقد خسروا واحدًا من أهم وأصدق مصادر التاريخ العربي القديم.
стр. 39
٣- التفسير:
نزل القرآن الكريم بلغة العرب، وعلى أساليب العرب وكلامهم١، يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عربيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٢، وهذا أمر طبيعي لأنه أتى يدعو العرب -بادئ ذي بدء- ثم الناس كافة، إلى الإسلام، ومن ثم فلا بد أن يكون بلغة يفهمونها٣: تصديقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ٤.
ورغم أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي، وفي بيئة عربية كانت تفاخر من نواحي الحضارة بفن القول، فإنه لم يكن كله في متناول الصحابة جميعًا، يستطيعون أن يفهموه -إجمالا وتفصيلا- بمجرد أن يسمعوه، لأن العرب- كما يقول ابن قتيبة٥- لا تستوي في المعرفة بجميع ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل في ذلك على بعض.
إلا أن هذا لا يمنعنا من القول بأن الصحابة على العموم كانوا أقدر الناس على فهم القرآن، لأنه نزل بلغتهم، ولأنهم شاهدوا الظروف التي نزل فيها، ومع ذلك فقد اختلفوا في الفهم حسب اختلافهم في أدوات الفهم، وذلك لأسباب، منها "أولًا" أنهم كانوا يعرفون العربية على تفاوت فيما بينهم، وإن كانت العربية لغتهم، ومنها "ثانيًا" أن منهم من كان يلازم النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ويقيم بجانبه، ويشاهد الأسباب التي دعت إلى نزول الآية، ومنهم من ليس كذلك، ومنها "ثالثًا" اختلافهم في معرفة عادات العرب في أقوالهم وأفعالهم، فمن عرف عادات العرب في الحج في الجاهلية، استطاع أن يعرف آيات الحج في القرآن الكريم، أكثر من غيره ممن لم يعرف٦.
стр. 40
وهكذا نشأ علم التفسير لفهم القرآن وتدبره، ولتبيان ما أوجز فيه، أو ما أشير إليه إشارات غامضة، أو لما غمض علينا من تشابيهه واستعاراته، وألفاظه أو لشرح أحكامه١، وقد نشأ علم التفسير هذا في عصر الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- فكان النبي أول المفسرين له، ثم تابعه أصحابه من بعده٢، على أساس أنهم الواقفون على أسراره، المهتدون بهدي النبي -عليه الصلاة والسلام٣- ولعل أشهر المفسرين من الصحابة الإمام علي- كرم الله وجهه ورَضِيَ اللَّهُ عَنْه- وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود٤.
وفي عصر التابعين تضخم التفسير بالإسرائيليات والنصرانيات، لسبب أو لآخر٥ مما دفع الإمام أحمد بن حنبل إلى أن يقول كلمته المشهورة: "ثلاثة ليس لها أصل، التفسير والملاحم والمغازي" أي ليس لها إسناد، لأن الغالب عليها المراسيل٦، وإلى أن يقول الإمام ابن تيمية: "والموضوعات في كتب التفسير كثيرة"٧.
ومع ذلك، ورغم هذه الشوائب، فالذي لا شك فيه أن كتب التفسير تحتوي على ثروة تاريخية قيمة، تفيد المؤرخ في تدوين التاريخ العربي القديم، وتشرح ما جاء مجملا في القرآن العظيم، وتبسط ما كان عالقًا بأذهان الناس عن الأيام التي سبقت عصر الإسلام، وتحكي ما سمعوه عن القبائل العربية البائدة، التي ذكرت على وجه الإجمال في القرآن الكريم، وما ورد عندهم من أحكام وآراء ومعتقدات٨.
стр. 41
٤- كتب السير والمغازي:
وتعتبر هذه الكتب من المصادر المساعدة في التاريخ العربي القديم؛ ذلك لأن كُتاب السير والمغازي إنما كانوا يعرضون لذكر العرب الجاهليين والأنبياء السابقين، ويفصلون القول في نسب الرسول الكريم -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- وفي أخبار مكة وقريش، ومن يتصل بهما من أفراد وقبائل، كما كانت هذه الكتب تشتمل على الكثير من الشعر الجاهلي الذي كان يستخدمه كتاب السير والمغازي في الاستشهاد على ما يكتبون أو يتحدثون عنه١.
ولعل أشهر كتب سيرة مولانا وسيدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- هو كتاب ابن هشام، وهو أول كتاب عربي وصل إلينا يؤرخ لسيرة نبي الإسلام الأعظم- وكذا لتاريخ العرب قبل الإسلام- وقد اعتمد صاحبه "أبو محمد عبد الله بن هشام، المتوفى "٢١٣/ ٨٢٨ أو ٢١٨/ ٨٣٤"، على الرواية الشفوية، فضلا عن كتب ضاعت، لعل أهمها كتاب "ابن إسحاق" "م١٥٠/ ١٥١، ٧٦٧/ ٧٦٨"، الذي كان أول من ألف في سيرة النبي ﷺ بناء على طلب الخليفة العباسي المنصور "٧٥٤-٧٧٥م"، - واستحق بذلك تسمية ابن خلدون له "بالأستاذ"، إلا أن هناك من سبقه في التأليف في المغازي، من أمثال "عروة بن الزبير" "م١٢٤/ ٧٤٢" و"شرحبيل بن سعد"، وهناك كذلك الواقدي "١٣٠/ ٧٤٧ - ٢٠٦/ ٨٢١ أو ٢٠٧/ ٨٢٣" ومحمد بن سعد، صاحب "الطبقات الكبرى" "م٢٣٠/ ٨٤٥"، والذي أخذ كثيرًا عن الواقدي حتى حتى كان يسمى أحيانًا بكاتب الواقدي.
стр. 42
٥- الأدب الجاهلي:
ليس هناك من شك في أن أيام العرب في الجاهلية تعتبر مصدرًا خصبًا من مصادر التاريخ، وينبوعًا صافيًا من ينابيع الأدب ونوعًا طريفًا من أنواع القصص، بما اشتملت عليه من الوقائع والأحداث، وما روي في أثنائها من شعر ونثر وما اشتملت عليه من مأثور الحكم وبارع الحيل، ومصطفى القول، ورائع الكلام، فهي توضح شيئًا من الصلات التي كانت قائمة بين العرب وغيرهم من الأمم كالفرس والروم، وتروي كثيرًا مما كان يقع بين العرب أنفسهم من خلاف، بل إنها سبيل لفهم ما وقع بين العرب بعد الإسلام من حروب شجرت بين القبائل، ووقائع كانت بين البطون والأفخاذ والعشائر.
ثم هي في أسلوبها القصصي وبيانها الفني مرآة صادقة لأحوال العرب وعاداتهم وأسلوب حياتهم، وشأنهم في الحرب والسلم، والاجتماع والفرقة، والفداء والأسر، والنجعة والاستقرار، وهي أيضًا مرآة صافية تظهر فيها فضائلهم وشيمهم، كالدفاع عن الحريم والوفاء بالعهد، والانتصار للعشيرة وحماية الجار، والصبر في القتال والصدق عند اللقاء، وغير هذا مما نراه واضحًا في تلك الأيام١.
ولو نظرت إلى الشعر الجاهلي في جملته وتفصيله، وبخاصة ما كان في الفخر والحماسة، والرثاء والهجاء، فإنك تجده قد ارتبط بتلك الأيام، فبينما كان الفوارس يناضلون بسيوفهم ورماحهم، ويجودون بنفوسهم رخيصة في سبيل أقوامهم، كان الشعراء من ورائهم يدفعون عن الأحساب بقصيدهم، ويطلقون ألسنتهم في خصومهم وأعدائهم، ويندبون بقوافيهم صرعاهم، والقتلى من أشرافهم وزعمائهم.
ترى ذلك في شعر الأعشى وعنترة وابن حلزة وعامر بن الطفيل وقيس بن الأسلت وقيس بن الحطيم، وعبد يغوث ومهلهل بن ربيعة والخنساء وصخر ومعاوية ابني عمرو وحسان بن ثابت، وغيرهم ممن ظهر أثر الأيام في شعرهم من قريب أو بعيد٢.
стр. 43
والشعر الجاهلي دون شك مصدر من مصادر تاريخ العرب قبل الإسلام، وقديمًا قالوا: "إن الشعر ديوان العرب" يعنون بذلك أنه سجلٌ سُجِلَتْ فيه أخلاقهم وعاداتهم ودياناتهم وعقليتهم، وإن شئت فقل إنهم سجلوا فيه أنفسهم، كما نستطيع أن نستدل به على شبه جزيرة العرب، وما فيها من بلاد وجبال ووديان وسهول ونبات وحيوان، فضلا عن عقيدة القوم في الجن وفي الأصنام وفي الخرافات١.
وهكذا يروي ابن سيرين عن الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه- قوله: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه"٢ وقريب من هذا ما يروى عن "عكرمة" -تلميذ ابن عباس ومولاه- أنه ما سمع ابن عباس يفسر آية من كتاب الله ، إلا ونزع فيها بيتًا من الشعر، وأنه كان يقول: إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله فاطلبوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، به حفظت الأنساب، وعرفت المآثر، ومنه تعلمت اللغة، وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله، وغريب حديث رسول الله ﷺ وغريب حديث صحابته والتابعين٣.
ومن ثم فقد أصبحت كتب الأدب من المصادر المهمة في التاريخ العربي القديم، ففيها ثروة أدبية قيمة، قد لا نجد لها مثيلا في كتب التاريخ، وإن ما جاء بها عن ملوك الحيرة والغساسنة وكندة، أكثر مما جاء في كتب التاريخ، بل هو أحسن منه عرضًا وصفاءً، وأكثر منه دقة، ويدل عرضه بالأسلوب الأدبي المعروف على أنه مستمد من موارد عربية خالصة، لم يعكر صفوها شوائب من إسرائيليات ونصرانيات، فضلا عن أنه قد أخذ من أفواه شهود عيان، شهدوا ما تحدثوا عنه، بل نستطيع أن نذهب بعيدًا، فنقول أن كثيرًا من الأخبار ماتت لموت الشعر الذي قيل في مناسبتها، في أن حين أخبارًا خلقت خلقًا لأن ما قيل فيها من شعر كان سببًا في بقائها، ومن ثم فقد أصبح الشعر سببًا في تخليد الأخبار، لسهولة حفظه، ولاضطرار رواته إلى قص المناسبة التي قيل فيها٤.
стр. 44
على أن للأدب -كمصدر تاريخي- عيوبًا، منها "أولًا" أنه لا يرجع إلى أكثر من عصر الجاهلية، وهو جزء من عصر ما قبل الإسلام، يقدر له زمنًا يتراوح بين قرن ونصف، وقرنين ونصف قبل ظهور الإسلام مباشرة، بينما يقدر العلماء لعصور ما قبل الإسلام مدة ربما تتجاوز العشرين قرنًا، تمتد من حوالي ١٥٠٠ق. م، إلى عام ٦١٠م١.
ومنها "ثانيًا" أن أكثر ما روي لنا منه إنما قد عني فيه بالمختارات أكبر عناية، وهم في هذا ينظرون إليها نظرة الأديب، لا نظرة المؤرخ، فالقصيد التي لم يحكم نسجها، ولم تهذب ألفاظها، ولم يصح وزنها، قد يعجب بها المؤرخ، أكثر من إعجابه بالقصة الكاملة من جميع نواحيها، ويرى فيها دلالة على الحياة العقلية، أكثر من قصيدة راقية٢، ومنها "ثالثًا" أن الشعر الجاهلي لا يتحدث عن التاريخ السياسي، بقدر ما يتحدث عن التاريخ الديني والاجتماعي.
ومنها "رابعًا" أن الشعر الجاهلي قد تعرض للضياع بتركه يتناقل على ألسنة الرواة شفاها نحو قرنين من الزمان، إلى أن دون في تاريخ متأخر٣، حتى أن "أبا عمرو بن العلاء" يقول: "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير٤.
ومنها "خامسًا" أن معظم ما وصلنا من الشعر الجاهلي، إنما كان من عمل البدو، وليس من عمل الحضر، ومن ثم فهو يمثل البادية أكثر ما يمثل الحاضرة٥، ومنها "سادسًا" أن هناك مجالا للظن -على خلاف الشائع- أن العلماء قد خففوا -مدفوعين بالعامل الديني- من الطابع الوثني في بعض القصائد، كما أن الإفراط في الحرص على صحة اللغة وصفائها في أوساط البصرة قد أدى إلى إجراء بعض التصحيحات في الآثار المروية٦.
ومنها "سابعًا" أنه حتى هذا الشعر القليل الذي وصل إلينا توجه إليه سهام الريب من كل جانب، وليس بالوسع القول بأنه يرقى إلى ما فوق مظان الشبهات، ذلك
стр. 45
أن كثيرًا من الرواة قد تجرأ عليه بالنحل، إما بنقل شيء من قائل إلى قائل، وأما بوضع شيء منه على ألسنة الشعراء١.
ذلك أنه في عام ١٨٦٤م تناول "تيودور نولدكه" الموضوع لأول مرة، مشيرا إلى الشكوك التي يثيرها مظهر الشعر الجاهلي، وفي عام ١٨٧٢م عاد "إهلوارد" إلى الموضوع مرة أخرى، دون تجديد فيه، وإن عرضه بدقة لم يتوصل إليها سلفه، خرج منها إلى أن عددًا قليلا من القصائد هو الصحيح، وأما غالبيتها فالشك فيها محتوم لا مناص منه، ثم جاء بعد ذلك "موير" و"باسيه" و"ليال" و"بروكلمان" فوافقوا على آراء "نولدكه" و"إهلوارد"، وإن زاد الشك كثيرًا عن كليمان هوارت"٢.
وفي عام ١٩٢٥م، جاء "مرجليوث" وأصدر بحثًا له تحت عنوان "أصول الشعر العربي"، رجَّح فيه أن هذا الشعر الذي نقرأه على أنه شعر جاهلي، إنما هو من نتاج العصور الإسلامية، ثم نحله الوضاعون لشعراء جاهليين٣، وتابع "ليفي ديلا فيدا" مرجليوث في دعواه، وذهب إلى أن العرب حينما نسوا في القرن الثاني والثالث بعد الهجرة، ما كانوا يذكرونه عن التاريخ الجاهلي، حاول اللغويون والإخباريون أن يملئوا الفجوات، فزيفوا ما لم يجدوه في الوثائق الحقيقية٤، ومن ثم فقد رأى هذا الفريق من المستشرقين أن الأدب التاريخي العربي، ليس أوثق من القصص التاريخي، وأن أكثر الشعر موضوع، وبالتالي فليس من المستطاع اتخاذهما أساسًا نبني عليه فهمًا صحيحًا لما كان يحدث في بلاد العرب في العصر الجاهلي٥.
وأما الأدباء العرب، فلعل أسبقهم في هذا المجال إنما هو "الرافعي" في كتابه
стр. 46
"تاريخ آداب العرب" الذي صدر في عام ١٩١١م، ثم جاء الدكتور طه حسين، وذهب إلى أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدبًا جاهليًّا، ليست من الجاهلية في شيء وإنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين، وميولهم وأهواءهم، أكثر مما تمثل حياة الجاهليين١، وأن هذا الشعر الذي ينسب إلى "امرئ القيس" أو إلى "الأعشى" أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين لا يمكن أن يكون من الوجهة اللغوية والفنية لهؤلاء الشعراء، ولا أن يكون قد قيل أو أذيع قبل نزول القرآن الكريم٢.
وعلى أي حال، فإن قضية الشعر الجاهلي قضية معروفة في جميع كتب الأدب القديم، وأن القدامى قد سبقوا المحدثين إلى القول بأن كثيرًا من الشعر الجاهلي موضوع مختلق، يروي "ابن الجمحي" أن أول من جمع أشعار العرب، وساق أحاديثها، إنما هو "حماد الراوية" "م١٥٥/ ٧٧٢"، وكان غير موثوق به، كان ينحل شعر الرجل غيره، ويزيد في الأشعار٣، وأن تلميذه "خلف الأحمر" قد سار على منواله٤، وربما كان السبب فيما فعلاه- حماد٥ وخلف- حرص الأعاجم مثلهما، على إظهار مقدرتهم أمام العرب في نظم قصائد ومقطوعات تفوق في أصالتها تلك التي ارتجلها الجاهليون، وهكذا يبدو من صنيع الرجلين مبلغ الشك في عملية جمع النصوص الشعرية٦.
على أن الأستاذ العقاد، إنما ينكر التزييف تمامًا، ويرى أنه ما من قارئ للأدب يسيغ القول بوجود طائفة من الرواة يلفقون أشعار الجاهلية، كما وصلت إلينا، ويفلحون في ذلك التلفيق، إذ معنى ذلك "أولًا" أن هؤلاء الرواة قد بلغوا من الشاعرية ذروتها التي بلغها، امرؤ القيس والنابغة وطرفة وعنترة وزهير وغيرهم من فحول الشعر في الجاهلية، ومعنى ذلك "ثانيًا" أنهم مقتدرون على توزيع
стр. 47
الأساليب على حسب الأمزجة والأعمار والملكات الأدبية، فينظمون بمزاج الشاب طرفة، ومزاج الشيخ زهير، ومزاج العربيد الغزِل امرئ القيس، ومزاج الفارس المقدام عنترة بن شداد، ويتحرون لكل واحد مناسباته النفسية والتاريخية، ويجمعون له القصائد على نمط واحد في الديوان الذي ينسب إليه، ومعنى ذلك "ثالثًا" أن هذه القدرة توجد عند الرواة، ولا توجد عند أحد من الشعراء، ثم يفرط الرواة في سمعتها، وهم على هذا العلم بقيمة الشعر الأصيل، وما من ناقد يسيغ هذا الفرض ببرهان، فضلا عن إساغته بغير برهان، ولغير سبب، إلا أن يتوهم ويعزز التوهم بالتخمين، وأن تصديق النقائض الجاهلية جميعًا لأهون من تصديق هذه النقيضة التي يضيق بها الحس، ويضيق بها الخيال١.
هذا فضلا عن أن هناك إشارات إلى جمع قديم للشعر، فهناك رواية حماد التي تذهب إلى أن ملك الحيرة "النعمان بن المنذر" قد أمر فنسخت له أشعار العرب، وأن "المختار بن أبي عبيد الثقفي" قد اكتشفها في قصر النعمان٢، وأن "الفرزدق" كان يملك ديوان الشاعر، "زهير بن أبي سلمى"٣.
ومع ذلك، فإن هناك وجهًا آخر للنظر، وهو أن الشعر المزيف يصح أن يكون ممثلا للحياة العقلية الجاهلية، متى كان المزيف عالمًا بفنون الشعر، خبيرًا بأساليبه٤، ومن ثم فنحن نستطيع إذن أن نتقبل الشعر الجاهلي كله- الثابت والمشكوك فيه- على أنه من مصادر الحياة في الجاهلية، لأن الذين وضعوا ذلك القدر من الشعر الجاهلي قد حرصوا على أن يقلدوا خصائص الجاهليين اللغوية والمعنوية، واللفظية، وهكذا يظل هذا الشعر المنحول يدل على ما يدل عليه الشعر الثابت، من تصوير للحياة في بلاد العرب قبل الإسلام٥.
стр. 48
٦- كتب اللغة:
تعتبر كتب اللغة من مصادر الحياة في الجاهلية؛ ذلك لأن اللغة العربية التي نكتب بها وننظم إنما هي من نتاج العصر الجاهلي، فهي من أجل ذلك لا تزال تدل
стр. 49
بمفرادتها على أوجه الحياة والحضارة الجاهلية، هذا فضلا عن أن القاموس العربي ليس للمفردات اللغوية فحسب، بل هو في الحقيقة يجمع المفردات اللغوية والمعارف الجغرافية والتاريخية والعلمية والفنية، ومن ثم فقد كانت كتب اللغة -ومعاجمها بصفة خاصة- مصادر مهمة للحياة في الجاهلية١.
وربما كان من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أنه ربما لم تظفر لغة من اللغات بما ظفرت به اللغة العربية من ثراء في المعاجم وتنوع في مناهجها وطرق تبويبها، وأما قواميس العرب، فلعل أهمها، القاموس المحيط للفيروزآبادي، ولسان العرب لابن منظور، وتاج العروس للمرتضى الزبيدي، والصحاح للجوهري٢.
стр. 50
٧- كتب التاريخ والجغرافية:
لعل من الأمور الغريبة أن المؤرخين الإسلاميين قد انصرفوا عن تدوين التاريخ الجاهلي -ولا سيما القديم منه- وحين فعلوا لم تكن كتاباتهم إلا مقدمات لتواريخهم المفصلة والدقيقة للعصر الإسلامي، وحتى هذه المقدمات لم تكن مفصلة ولا دقيقة١، ذلك لأنهم لم يعتمدوا فيها على سند مدون، أو يأخذوها من نص مكتوب، وإنما كان عمادهم في ذلك أفواه الرجال، وهو أمر لا يمكن الاطمئنان إليه، ذلك أن رواة الأخبار، حتى إن كانوا بعيدين عن الميول والأهواء، وحتى إن كانوا من أصحاب الملكات التي تستطيع التمييز بين الغث والسمين، فإن للذاكرة آمادًا لا تستطيع تجاوزها.
لقد تحدث أهل الأخبار عن عاد وثمود وطسم وجديس وجرهم وغيرهم من الأمم البائدة، وتكلموا عن المباني القديمة وعن جن سليمان وأسلحته، ورووا شعرًا ونثرًا نسبوه إلى الأمم المذكورة، وإلى التبابعة، بل نسبوا شعرًا إلى آدم، وزعموا أنه قاله حين حزن على ولده وأسف على فقده، ونسبوا شعرًا إلى إبليس، قالوا أنه نظمه في الرد على شعر آدم المذكور، وأنه أسمعه آدم بصوته دون أن يراه، ورووا أشياء أخرى كثيرة من هذه القبيل يصعب تصديقها مما جعل تاريخهم
стр. 51
-للأسف- أقرب إلى القصص الشعبي منه إلى التاريخ الصحيح١.
كان مؤرخو العرب يعتمدون في تأريخهم للعصور السابقة على الإسلام على الأدب العربي وعلى بعض آثار اليمن، حيث كان هناك من يزعم -صدقًا أو كذبًا- أنه بمستطيع أن يقرأ خط المسند، هذا إلى جانب اعتمادهم كذلك على بعض كتابات النصارى التي وجدت في الأديرة والكنائس في العراق والشام، وعلى ما تلقفوه من أفواه اليهود في اليمن والحجاز وغيرها٢، ومن أهم هذه الكتابات، كتاب أخبار اليمن لعبيد بن شريه الجرهمي، والذي كتب في أخريات أيام معاوية بن أبي سفيان "٤١/ ٦٠هـ-٦٦١/ ٦٨٠م"، وكتاب التيجان في ملوك حمير لوهب بن منبه "م١١٠/ ٧٢٨" وكتاب الإكليل وصفة جزيرة العرب للهمداني "م٣٤٠/ ٩٥١" وكتاب الأصنان لابن الكلبي "م٢٠٤/ ٨١٩" وكتاب سني ملوك الأرض والأنبياء لحمزة الأصفهاني٣، وكتاب ملوك حمير وأقيال اليمن لنشوان بن سعيد الحميري "م٥٧٣هـ"٤.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن المتصفح لما كتبه ابن إسحاق "م١٥٠/ ٧٦٧ أو ١٥١/ ٧٦٨" وابن هشام "م٢١٣/ ٧٢٨ أو ٢١٨/ ٨٣٤" في سيرة النبي ﷺ ، وابن قتيبة "م٢٧٦/ ٨٨٩" في "المعارف وفي عيون الأخبار وفي الشعر والشعراء وفي الإمامة والسياسة٥"، والدينوري "م٢٨٢٨/ ٨٩٥" في "الأخبار الطوال" واليعقوبي "م٢٨٤/ ٨٩٧" في "التاريخ الكبير" والطبري "م٣١٠/ ٩٢٣" في "تاريخ الرسل والملوك"، وابن عبد ربه "م٣٢٧/ ٩٣٩" في "العقد الفريد"، والمسعودي "م٣٤٥/ ٩٥٦" في "مروج الذهب وفي التنبيه والإشراف وفي أخبار الزمان" و"ياقوت الحموي" "م ٦٢٦/ ١٢٢٩" في
стр. 52
"معجم البلدان" وابن الأثير "م٦٣٠/ ١٢٣٣" في "الكامل في التاريخ"، وابن خلدون "م٨١٨/ ١٤٠٦" في المقدمة وفي العبر وديوان المبتدأ والخبر".
إن المتصفح لما كتبه هؤلاء العمد الأفاضل، ليعجب للدقة والتحري الصحيح الذي عالجوا به تاريخ الإسلام في معظم الحالات، بقدر ما يأسف على الإهمال والخلط الذي صحب كتاباتهم عن عصور ما قبل الإسلام١.
ولعل عذرهم في ذلك أن عصر الاكتشافات الحديثة الذي نعيشه الآن لم يكن قد بدأ بعد، وأن الاعتماد في التأريخ لبلاد العرب قبل الإسلام إنما كان على ما جاء في التوراة، وعلى الأدب العربي القديم، كما أن الأخبار كانت -كما أشرنا من قبل- تتناقل على الألسنة بدون تدوين أو ضبط، وأن الخط العربي كان في أول الأمر غير منقوط، وكذا كانت الكتابة النبطية التي يرجح أن الخط العربي مشتق منها ومتطور عنها، لا تعرف النقط والإعجام٢.
وهكذا لم يكن عندهم ما يميز بين الباء والتاء والثاء، أو بين الجيم والحاء والخاء، أو بين السين والشين، فكانوا مثلا يكتبون "بلقيس" حروفا بلا نقط، فتقرأ "بلفيس أو بلقيس أو نلفيس أو بلفيش ... إلخ، وقس عليه ما تختلف به قراءتها بنقل النقط واختلاف مواضعها، فوقع بذلك التباس في قراءة الأسماء، وظهر أثره في اختلاف المؤرخين والنسابين في أسماء الأشخاص والقبائل والأماكن٣.
стр. 53
ولعل أهم ما في كتب الإخباريين من عيوب، إنما هي "أولًا" تلك المبالغات -إن لم نقل الخرافات- التي أدخلها أهل الأغراض أو الطامعون ممن دخل في الإسلام من اليهود أو المجوس أو النصارى؛ لأن العرب كانوا يستفتونهم فيما غمض عليهم، فيفتونهم بما تعودوه في كتبهم من المبالغة في ضخامة الأجسام وطول الأعمار، فكان العرب يصدقونهم في كثير مما يقولون لأنهم -كما يقول ابن إسحاق- أهل العلم الأول، ولأن التوراة- والتلمود من بعدها- كانت تشتمل على كثير من قصص الأنبياء الكرام، ولكن بإسهاب وتفصيل كثير١، وهكذا تسربت الخرافات إلى كثير من كتب الإخباريين، فمثلا لما ذكر الله قصة عاد في القرآن الكريم، فإنه يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ، إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ، الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ ٢. أدخل المفسرون في شرحها وتفسيرها مبالغات رواها أمثال كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما، فوصل إلينا من أخبارها أن رجالها كانوا طوالا كالنخل، لم يكن للطبيعة تأثير على أبدانهم لغلظتها ومتانتها، وأن عادًا تزوج ألف امرأة، وعاش ألف سنة ومائتي سنة، ثم مات بعد أن رأى من صلبه أربعة آلاف ولد، كما رأى كذلك البطن العاشر من أعقابه، وكان الملك من بعده في الأكبر من ولده،، وهو "شديد" الذي حكم ٥٨٠ سنة، ثم خلفه أخوه "شديد" حيث حكم ٩٠٠ سنة، سيطر فيها على ممالك العالم، وبنى مدينة "إرم ذات العماد"٣ "الأمر الذي أشرنا إليه في المقدمة".
وهنا "ثانيًا" ما تابع العرب فيه اليهود، وأعني رد كل أمة إلى أب من آباء التوراة، حتى المغول والترك والفرس، فمثلا ردوا نسب الفرس إلى "فارس بن ياسور بن سام" وقس على هذا تعليل أسماء البلاد، وردها إلى أسماء من
стр. 54
يظنون أنهم مؤسسوها، بما يشبه قول يهود، فمثلا "مصر" إنما بناها "مصرايم" وآشور بناها أشور، ومن هذا القبيل كذلك قولهم "يعرب" لمن تكلم بالعربية، وأن "سبأ" إنما سميت كذلك لتفرقها أو لكثرة السبي، وهكذا١.
وهناك "ثالثًا" اختلاف الإخباريين في الأنساب، حتى أنهم لم يتفقوا إلا في القليل من أسماء الملوك والأمراء، وإن كان الأمر جد مختلف بالنسبة إلى قريش، وهناك "رابعًا" أن العرب كانت تتصرف في الأسماء غير العربية، بتبديل حروفها وتغييرها، ومن ذلك اختلافهم في ذي القرنين بين أن يكون "الصعب بن مداثر" من ملوك اليمن، أو أن يكون الإسكندر المقدوني٢، وقريب من هذا ما فعلوه بملوك مصر على أيام الفراعين، فملك مصر على أيام يوسف، ﵇، إنما هو "الريان بن الوليد بن الهروان بن أراشه بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح" وأن فرعون موسى ﵇، إنما هو "قابوس بن مصعب بن معاوية" صاحب يوسف الثاني، وكانت إمرأته "آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد" فرعون يوسف الأول، وأنها من بني إسرائيل على ما يرى بعض الرواة٣.
ولست أدري -علم الله- من أين جاء المؤرخون الإسلاميون بهذه الأخبار، والتوراة -على فرض أنهم نقلوها عن يهود- لم تذكر هذه الأسماء أبدًا، والأمر كذلك بالنسبة إلى القرآن الكريم، فضلا عن أن الفراعين المصريين -كما نعرف
стр. 55
من أسمائهم -ليس من بينهم من يحمل هذه الأسماء، ولكنه الخلط وادعاء العلم، أضف إلى ذلك بأن الزعم بأن فرعون موسى، هو صاحب يوسف الثاني أمر غير مقبول، فمن المعروف تاريخيًّا أن الفترة ما بين دخول بني إسرائيل مصر على أيام الصديق، وخروجهم منها على أيام الكليم، ﵉، حوالي ٤٣٠ سنة١، فهل حكم هذا الملك المزعوم "قابوس بن مصعب" هذه القرون الأربعة، والتاريخ يحدثنا أن مصر لم تعرف الحكم الطويل لملوكها "إذا استثنينا ببي الثاني، وقد حكم ٩٤ سنة، ورعمسيس الثاني، وقد حكم ٦٧ سنة"، وفرق كبير بين حكم يقرب من القرن من الزمان، وحكم يقارب قرونًا أربعة، والأعجب من ذلك أن يجعل بعض المؤرخين الإسلاميين "آسية إمراة فرعون" حفيدة الريان مرة، ومن بني إسرائيل مرة أخرى.
وهكذا يبدو بوضوح، أن الخلط من ناحية، والإسرائيليات من ناحية أخرى، قد لعبا دورًا كبيرًا في مسخ بعض هذا التاريخ الذي كتبه المؤرخون الإسلاميون عن العصور التي سبقت الإسلام بآماد طويلة.
ورغم ذلك كله -والحق يقال- فإن المؤرخين الإسلاميين قدموا لنا الكثير من المعلومات التي يمكن الاعتماد عليها في التأريخ لعصور ما قبل الإسلام، وأن كثيرًا منهم قد انتقدوا تلك المبالغات التي جاءت فيما كتب البعض منهم، كما أنه كثيرًا منهم كذلك قد نبهوا إلى الإسرائيليات والنصرانيات التي تسللت إلى التاريخ العربي القديم.
стр. 56
الفصل الثاني: تاريخ البحث العلمى في العصر الحديث في تاريخ العرب القديم
مدخل
...
الفصل الثاني: تاريخ البحث العلمي في العصر الحديث في تاريخ العرب القديم
ظل التاريخ العربي القديم -كما أشرنا من قبل- حتى أخريات القرن الثامن عشر الميلادي، يعتمد في الدرجة الأولى على ما جاء عنه في كتب اليهود واليونان والرومان، فضلا عن المصادر العربية بأنواعها المختلفة، إلى أن بدأ الأوربيون يهتمون في العصر الحديث ببلاد العرب، لأسباب كثيرة، منها الرغبة في معرفة ما كان يجري في مكة والمدينة، إذ ألهب ذلك الموضوع خيال الأوربيين، بخاصة وأن المدينتين المقدستين محرمتان على غير المسلمين١، ومنها الرغبة في السيطرة على تلك المنطقة بعد أن امتد نفوذ الغرب إلى الشرقين -الأقصى والأوسط- مما جعل دراسة هذه المنطقة ضرورة سياسية بالنسبة إلى أوربا، ومنها أن الأوربيين في أسفارهم إلى الهند -عن طريق البحر الأحمر ومصر- سمعوا ما يتناقله سكان شواطئ اليمن وحضرموت عن آثار الأبنية المدفونة في رمال تلك البقاع، وما عليها من كتابات لم يستطع العرب- ولا اليهود قراءتها٢.
وهكذا بدأ نفر من المستشرقين في طليعة القرن التاسع عشر الميلادي يتطلعون إلى ضرورة الاعتماد على مصادر أثرية، من كتابات ونقوش، توضح ما خفي من هذا التاريخ، كما دفعتهم الكتابات القصصية التي سجلها مؤرخو اليونان والرومان والعرب، وما حفلت به الكتب المقدسة عن ملكة سبأ وسليمان، إلى التفكير في الكشف عن التراث القديم لبلاد اليمن٣.
стр. 57
وانطلاقًا من هذا كله بدأت رحلات الأوربيين إلى شبه الجزيرة العربية، ثم تلتها بعثات علمية منتظمة اتجهت إلى مختلف أنحاء بلاد العرب، لتكشف لنا عن الحضارات العربية المختلفة، وكانت نتيجة هذه البعوث أن حصلنا على كثير من المعلومات التي تلقي أشعة قوية على الماضي العربي المجيد١، ونستطيع أن نتتبع جهود الأوربيين -من مغامرين ورحالة وبعثات علمية- في هذا السبيل، على النحو التالي.
стр. 58
أولًا: في جنوب شبه الجزيرة العربية
تميزت الفترة ما بين عامي ١٥١٣، ١٧٥٦م، بالمغامرين من الرحالة الأوربيين إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، ففي عام ١٥١٣م يهاجم "ألفونسو دي البوكرك" ميناء "عدن" بعد أن استولى البرتغاليون على مجموعة حصون في جنوب بلاد العرب، وكان قد رسم خطة دنيئة، يستولي بها على الجثمان الشريف، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، ثم يطلب في مقابل ذلك كنيسة القدس، ولكن الله رد كيده في نحره، "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، فباءت قواته بفشل ذريع أمام أسوار عدن الحصينة، كما أدى ذلك إلى أن يقوم الأتراك المسلمون بالاستيلاء على اليمن، بعد حملتين بحريتين في عامي ١٥١٩، ١٥٣٨م١.
ثم تلت ذلك مغامرات فردية إلى "جِدّة" و"المخا" في عام ١٥١٧م، ثم مغامرة النصرانيّين "بائز ومونصرات" عام ١٥٨٩م، حيث كانا أول أوربيين يشاهدان "محرم بلقيس"، ثم رحلة المؤرخ اليسوعي "مانوئيل دي الميدا" في عام ١٦٣٣م، من عدن إلى خنفر ولحج٢.
إلا أن الفضل الأكبر في الاكتشافات العلمية ببلاد العرب إبان القرن الثامن عشر، إنما يرجع إلى الألمان، وربما كان العالم "ميخايلس" هو أول من وجه الأنظار إلى بلاد العرب، وإلى الصلات القوية التي تربط بينها وبين العلوم المتصلة بالكتاب
стр. 59
المقدس، ومن ثم فقد أقنع "فردريك الخامس" ملك الدانيمارك، بإرسال بعثة علمية إلى بلاد العرب١، تحركت من ميناء "كوبنهاجن" في ٤ يناير ١٧٦١م، ووصلت إلى ميناء القنفذة في ٢٩ أكتوبر ١٧٦٢، غير أن النكبات بدأت تحل بها يومًا بعد آخر، حتى لم يبق من أعضائها على قيد الحياة، غير الضابط الصغير "كارستن نيبؤور" الذي أخذ على عاتقه تنفيذ الخطة التي رسمت للبعثة، ومن ثم فقد قرر ألا يعود إلى وطنه، إلا بعد أن يحقق الهدف، وقد بر الرجل بوعده، ولم تطأ قدماه أرض "كوبنهاجن" إلا في عام ١٧٩٧م، بعد أن قطع رحلة طويلة مارًّا بالبصرة وبغداد والموصل وحلب والقدس وقبرص واستنبول.
وبالرغم من أن أربعة من الباحثين قد ماتوا، إلا أن النتائج التي توصلت إليها هذه البعثة كانت أفضل نتائج البعثات العلمية في ذلك الوقت، وما زالت المعلومات التي دونها "نيبؤور" مرجعًا أساسيًّا عن اليمن حتى الآن، فضلا عن أنه لفت أنظار العلماء إلى "المسند" والرُقُم العربية، إلى جانب ما قدمه من خرائط لأماكن مجهولة لم تكن قد وطأتها قدم أوربي قبل ذلك٢، هذا وقد وضع هذا الرحالة الممتاز كتابًا عن رحلته باللغة الألمانية، ظهرت له أكثر من ترجمة فرنسية وإنجليزية٣.
شجعت رحلة "نيبؤور" العلماء على مواصلة البحث عن النقوش العربية الجنوبية، ثم كانت حملة نابليون بونابرت" على مصر في عام ١٧٩٨م، وكشف حجر رشيد في العام التالي، ثم الجهود المضنية التي بذلها العلماء من أمثال "إكربلاد" عام ١٨٠٢م، و"توماس يونج" عام ١٨١٤م، وأخيرًا جاء "جان فرنسوا
стр. 60
شامبليون" "١٧٩٠-١٨٢٣م" الذي تمكن من حل رموز الهيروغليفية المصرية١، كل ذلك وغيره دفع الباحثين إلى القيام برحلات كثيرة إلى بلاد العرب.
وفي ٨ أبريل من عام ١٨١٠م، يصل إلى "الحديدة" الدكتور "أولريخ جاسبار سيتزن" الألماني، ويتمكن من الوصول إلى "ظفار" حيث ينجح في العثور على النقوش التي أشار إليها "نيبؤور"، وفي نسخ خمسة نقوش بالقرب من "ذمار" تعتبر أولى النقوش العربية الجنوبية، إلا أن الرجل سرعان ما اختفى في ديسمبر عام ١٨١١م، في ظروف غامضة في "تعز" أو "صنعاء" بيد الأعراب أو بيد الإمام نفسه٢.
وفي عام ١٨٣٤م، يدخل الإنجليز الميدان، ويتمكن الضابط "جيمس ولستد" من زيارة جنوب بلاد العرب، واكتشاف "حصن الغراب" ونسخ نقش كتابي وجده مسجلا عليه، يرجع تاريخه إلى عام ٥٢٥م، ثم يقوم "ولستد" في العام التالي برحلة إلى غرب "وادي ميفعة"، حيث يعثر هناك في "نقب الهجر" على بقايا مدينة أو حصن٣.
وفي عام ١٨٣٥م، تمكن "هوتن" من إضافة عدد جديد من النقوش، والأمر كذلك بالنسبة إلى "كروتندن" الذي جاء عام ١٨٣٨م بنقوش جديدة، وكذا الدكتور "مايكل" الذي زودنا بخمسة نقوش سبئية، مما ساعد على حل رمور "المسند"٤.
وفي عام ١٨٤٣م تمكن الرحالة الألماني فون فريدة" من ارتياد الصحراء المعروفة باسم "بحر الصافي" أو "الأحقاف" شمالي حضرموت، حيث اكتشف في سهل ميفعة الشرقي في "وادي أوبنة" بقايا حائط قديم، عليه نقش حضرمي عرف "بنقش أوبنة"٥.
стр. 61
وقد تميز هذا العام كذلك برحلة الصيدلي الفرنسي "جوزيف توما أرنو" الذي نجح في ١٢ يوليه ١٨٤٣م في السفر من صنعاء إلى مأرب، فزار خرائب "صرواح" وفحص بقايا أسوار في مأرب، وكذا معبد "المقه" إله القمر، الذي تقوم آثاره خارج مأرب، والذي يطلق العرب عليه اسم "محرم بلقيس"، هذا إلى جانب نقله لـ ٥٦ نقشًا سبئيًّا رآها هناك، وقد قام "فرزنل"، القنصل الفرنسي في جدة بنشر هذه النقوش عام ١٨٤٥م، أما "أرنو" نفسه، فقد أثرت عليه رحلته وفقد بصره حينًا من الدهر، بسبب ما تعرض له من أمطار عند عودته من صنعاء إلى الشاطئ في بلاد تهامة١.
وفي عام ١٨٦٠م نجح الضابط الإنجليزي "كوجلان" في شراء مجموعة كبيرة من النقوش، عثر عليها في أنقاض مدينة "عمران" عام ١٨٥٤م، من بينها تماثيل وأحجار مكتوبة وألواح من النحاس لا يقل عددها عن الأربعين٢.
وفي تلك الأثناء نجح العلماء في فك رموز هذه الكتابة العربية الجنوبية وأطلقوا عليها اسم "الحروف الحميرية"، ولكن سرعان ما تبين لهم أن هذه النقوش ليست كلها حميرية، وأن بعضها نصوص معينية، وبعضها الآخر سبئية، بل إن فيها نصوصًا تختلف عن الحميرية بعض الاختلاف، وهذه الكتابة هي المسماة "بخط المسند"، وبالقلم المسند، وبالمسند في الموارد العربية٣.
وبدأت فرنسا تهتم بالأمر، ومن ثم فقد رأت أكاديمية الفنون والآداب الجميلة في باريس عام ١٨٦٩م، إصدار موسوعة النقوش السامية:
Corpus Inscriptionum Semiticarum، واختير المستشرق الفرنسي اليهودي "جوزيف هاليفي" لرياسة بعثة إلى اليمن، لتزويد الموسوعة بنقوش جديدة، وكان اختيار "هاليفي" اختيارًا موفقًا، فهو كيهودي يستطيع أن يتجول بين أفراد القبائل العربية المستقلة بكل حرية، لأن اليهود كانوا يعاملون في اليمن معاملة المنبوذين، فلا يسمح لهم بحق من الحقوق إلا ما تجود به النفس العربية مدفوعة بعامل الرفق والعطف، ومن ثم فلا يسمح لليهودي مثلا بحمل السلاح، كما كان المسلم
стр. 62
ينظر إليه نظرة كلها احتقار، وفي نفس الوقت، فإن الشهامة العربية إنما كانت تقضي بعدم الاعتداء على اليهودي الأعزل؛ لأن ذلك الاعتداء إنما كان يشين الكرامة البدوية التي رأت أن قتل اليهودي لا يختلف عن قتل المرأة أو الطفل١.
وهكذا بدأ "هاليفي" رحلته في عام ١٨٧٠م، وحينما وصل إلى "عدن" تلقى معونة الجالية اليهودية فيها، فضلا عن خطابات التوصية لكل يهود اليمن، ثم تزي بزي يهودي فقير جاء من القدس، ثم زار بقايا "القليس" في صنعاء، ثم اصطحب معه يهوديًّا يدعى "حاييم حبشوش"، وزار كل جهات اليمن تقريبًا، بما في ذلك مأرب والجوف ونجران، الأمر الذي لم يتحقق لغيره من قبل، وأخيرًا عاد إلى فرنسا، ومعه ٦٧٦ نقشًا، لم يكن من بينها إلا أحد عشر نقشًا سبق أن نقلها "أرنو" ونشرها "فرزنل"، ومع ذلك فأهم نتائج الرحلة لم يكن في كمية النقوش، بقدر ما كان في المعلومات الجديدة التي جاءت بها هذه النقوش، فضلا عن بعض الآثار القديمة التي رآها، إلى جانب معلومات كثيرة عن حياة بعض القبائل التي زارها في داخل البلاد٢.
على أن أعظم اكتشافات هاليفي، إنما كان خرائب "قرناو" عاصمة دولة معين، والمعروفة اليوم "بمعين" وكانت تقع على مرتفع حصين تحيط به الأسوار والأبراج، فضلا عن النقوش التي تشير إلى أن "براقش" الحالية، إنما كانت تسمى في العصور القديمة، "يطيل"، هذا إلى جانب مدينة "السوداء" التي يعتقد "هاليفي" أنها كانت مدينة قديمة صناعية٣.
стр. 63
وفي عام ١٨٨٢م، قام المستشرق النمساوي، "سيجفريد لانجر" المتخصص في اللغة العربية برحلة إلى اليمن، حيث عثر على نقش حميري هام بالقرب من "ظران" كما حصل على نقوش أخرى على مقربة من "ضاف" التي بحث عنها "سيتزن" دون جدوى، كما تمكن من نسخ عدد من النقوش في صنعاء، فضلا عن الحصول على نقوش من عدن، لم يعرف موطنها الأصلي، من بينها نقش حضرمي له أهمية لغوية، على الرغم مما به من تلف١.
وجاء "إدوارد جلازر" تلميد "موللر"، والذي ترجم الجزء الثاني من "الإكليل" إلى اللغة الألمانية -فقام فيما بين عامي ١٨٨٢، ١٨٩٢م، بثلاث رحلات إلى اليمن، كانت ذات نفع كبير في تاريخ البحث العلمي، وقد أعد "جلازر" نفسه للمهمة إعدادًا طيبًا، فرغم أنه كان أستاذًا للغة العربية، فقد أقام -قبل رحلاته إلى اليمن- فترات في تونس والقاهرة، ليتمكن من اللغة العربية، وليتعرف على العادات العربية، وأخيرًا رغم أنه يهودي، فقد ادعى الإسلام، وارتدى زي علمائه وسمى نفسه "الحاج حسين".
وقد بدأ "جلازر" رحلته الأولى في أكتوبر ١٨٨٢م، في رفقة حملة تركية جردت لفتح مدينة "سودة" التي كانت تناصب الحكومة العداء، وفي هذه الرحلة زار المنطقة الوسطى، وعاد إلى فرنسا في مارس ١٨٨٤م، ومعه ٢٥٠ نقشًا، ثم كانت رحلته الثانية، فيما بين أبريل ١٨٨٥، وفبراير ١٨٨٦م، وقد اهتم فيها بالمنطقة الواقعة بين عدن وصنعاء، كما زار "ظفار" ونسخ عددًا كبيرًا من النقوش المعينية، وقد أضيفت فيما بعد إلى ممتلكات المتحف البريطاني٢.
وفيما بين عامي ١٨٨٧، ١٨٨٨م، قام برحلته الثالثة، التي زار فيها "مأرب" ورسم تخطيطات لآثار القنوات والسدود القديمة، كما رسم خريطة جغرافية للمناطق التي زارها، فضلا عما قدمه من وصف لآثارها، وفي رحلته الرابعة "١٨٩٢-
стр. 64
١٨٩٤م"، نراه يستعين بالأعراب في نسخ النقوش القديمة في مناطق الجوف، ومن ثم فقد تيسر له جمع مئات من النقوش المهمة، دون أن يذهب بنفسه إلى تلك المناطق الخطرة البعيدة، ومن هذه النقوش "نقش صرواح"، الذي يرجع إلى أقدم عصور الدولة السبئية، فضلا عن مجموعة من العملات العربية القديمة، ضمت إلى مقتنيات متحف الفنون بفيّنا، كما نشر الكثير منها، وإن لم يتم للآن نشر كل أعماله١.
وتأثرت أكاديمية الفنون بفينا بنتائج رحلات "جلازر"، فقررت عام ١٨٩٨م، إرسال بعثة إلى جنوب بلاد العرب، يشرف عليها "موللر" و"لندبرج"، غير أن الإنجليز لم يسمحوا لها بالتوغل داخل اليمن مستغلين نفوذهم هناك، فذهبت إلى حضرموت لزيارة الخرائب القريبة من "شبوه" فأقام العرب العقبات في طريقها، مما اضطرها إلى العودة بعد أن بلغت "عزان"، وإن تمكنت من طبع نقوش "نقب الهجر" و"أوبنة" و"حصن الغراب" وفي يناير ١٨٩٩م، توجهت إلى سوقطرة لدراسة لهجتها، كما درست فيما بعد اللغات الحديثة في الصومال ومهرة وسوقطرة وشخوري، ونشرت أبحاثًا فيها بعد ذلك٢.
وتقوم الحرب العالمية الأولى "١٩١٤-١٩١٨م"، ويتوقف هذا النشاط العلمي الممتاز، ولكن ما أن تضع الحرب أوزارها، وتنال اليمن استقلالها، حتى يغلق الإمام يحيى الأبواب أمام البعثات العلمية والمغامرين سواء بسواء، وذلك إبان الصراع الذي نشأ بينه وبين الإنجليز، بشأن قضايا عدن والمحميات، إلا أن الرجل كان -مع ذلك- جد حريص على الكشف عن آثار بلاده، ولكن بطريقته الخاصة. وهكذا -وعلى نفقة ولي العهد- بدأ البحث من جديد عن آثار اليمن، ففي عامي ١٩٣١، ١٩٣٢م، قام كل من "كار راتيز" و"فون فيسمان" برحلات متعددة إلى الحبشة وحضرموت واليمن، وقاما بأول حفائر في منطقة النخلة الحمراء وغيمان وحقه شمالي صنعاء، إلا أن العقبات سرعان ما أحاطت بهما، كما أن الحفائر لم تكن منظمة، وعلى نطاق ضيق، حتى أن الرجلين لم يتيسر لهما مطلقًا -رغم إقامتهما
стр. 65
مدة غير قصيرة في اليمن -أن يزور آثار مأرب أو الجوف، إذ لم تسمح لهما السلطات بالسفر مطلقًا إلى شرقي وشمالي صنعاء، وقد نشر نتيجة أبحاثهما الجغرافية والأثرية في مؤلف من خيرة الكتب عن اليمن، وهو كتاب في ثلاثة أجزاء، خصص الجزء الثاني منه للآثار١.
وفي عام ١٩٣١م، تمكن الرحالة الإنجليزي "برترام توماس"٢، والذي كان وزيرًا للمالية في حكومة سلطان مسقط، مما أتاح له الفرصة لمعرفة الكثير عن أحوال جنوب بلاد العرب، وزيارة الأماكن النائية، ودراسة أحوال تلك البلاد وما فيها٣، تمكن من اجتياز الربع الخالي، أو "مفازة صيهد" كما كان يعرف٤، في ٥٨ يومًا، فكان أول أوربي جرؤ على اجتياز هذه المنطقة٥، وقد كشف "توماس" هناك عن بحيرة ملحة، يتجه البعض إلى أنها كانت من متفرعات الخليج العربي، كما عثر على آثار جاهلية، لم يعرف عنها شيء حتى الآن٦.
وتابع "جون فلبي" توماس في اجتياز الربع الخالي، فسافر في ٧ يناير ١٩٣٢م، من الهفوف إلى واحة يبرين، ومنها اتجه جنوبًا إلى الربع الخالي في متوسط نقاطه عند "بئر نيفا" حتى وصل إلى بلدة سليل في منتهى وادي الدواسر٧، وفي هذه الرحلة زار عسير ونجران وشبوه وتريم، ثم واصل السير حتى بلغ الشحر، وقد نشر رحلته هذه في عام ١٩٣٩م٨.
стр. 66
وفي عام ١٩٣٦م سمحت الحكومة اليمنية للصحفي السوري "نزيه مؤيد العظم" بزيارة مأرب، ومن ثم فقد حصل على معلومات ذات قيمة، نشرها في عام ١٩٣٨م١، ثم قام "ريكمانز٢" بدراسة النقوش التي حصل عليها "نزيه العظم".
وفي نفس عام ١٩٣٦، أرسلت جامعة القاهرة بعثة علمية إلى جنوب بلاد العرب، تحت رياسة الدكتور سليمان حزين، كانت مهمتها دراسة المنطقة من نواحيها الجغرافية والزراعية والجيولوجية -وكذا دراسة النقوش السبئية- إلا أن نشاط البعثة الأثري اقتصر على المنطقة المحيطة ببلدة "ناعط"، وقد نشر الدكتور حزين والدكتور خليل نامي بعضًا من نتائج البعثة٣.
وفي عام ١٩٣٧م، قامت ثلاث رحالات أوربيات "ج. كاتون طمسون، أ. جاردنر، ف. شترك" برحلة إلى حضرموت نجحن خلالها في الكشف عن معبد الإله القمر في وادي عمد، مقابل حريضة، وعن وسيلة من وسائل الري التي كانت مستخدمة هناك قبل الإسلام في وادي بيش، كما عثرن على عدد من النقوش، وقد ظهرت نتائج الرحلة في كتاب أصدرته "ج. كاتون طمسون" في عام "١٩٤٤"٤. هذا وفي نفس العام "١٩٣٧" قام "فان درمويلن" و"فون فيسمان" بالتعاون مع "بتينا فون فيسمان" و"فون فاسيلفسكي" برحلة أخرى "غير رحلتهما الأولى التي قاما بها عام ١٩٣١"، أتت بفوائد كثيرة لعلم اللغات السامية٥.
وهناك غير هذه الرحلات العلمية، رحلات سياسية المظهر والمخبر، كتلك التي قام بها "هارولد" و"انجرامز"، وقد أفادتنا من الناحية الجغرافية، وزادت معلوماتنا عن إقليم حضرموت٦، ثم هناك رحلة "هاملتون" إلى شبوه في عام
стр. 67
١٩٣٨م، هذا إلى جانب رحلات "تزيجر" في عامي ١٩٤٥-١٩٤٦م، إلى بلاد العرب السعيدة١.
وفي عام ١٩٤٥م، تغزو أسراب الجراد اليمن، وتستغيث حكومة الإمام بمصر، طالبة منها العون في رد هذا الكرب، وتسرع جامعة القاهرة بإرسال الأستاذ محمد توفيق -عضو بعثة عام ١٩٣٦- لدراسة هجرة الجراد في بلاد العرب، والبحث عن وسيلة لإنقاذ اليمن منها، وينتهز الأستاذ محمد توفيق الفرصة، فيزور آثار الجوف، وينقل كثيرًا من النقوش ويأخذ لها صورًا "فوتوغرافية"، وقد نشرت هذه النقوش في القاهرة في عامي ١٩٥١-١٩٥٢م٢، كما قام الدكتور خليل يحيى نامي بنشر نقوش خربة براقش، على ضوء مجموعة الأستاذ محمد توفيق٣.
وفي عام ١٩٤٧م، يقوم أستاذنا الدكتور أحمد فخري -طيب الله ثراه- برحلة إلى اليمن، يزور فيها مناطق صرواح ومأرب وما حولهما، وكذلك جميع مراكز الحضارة المعينية في الجوف، وقد عثر أستاذنا في رحلته هذه على نحو ١٢٠ نقشًا جديدًا لم تكن معروفة من قبل، كما أخذ مجموعة من الصور "الفوتوغرافية" لكل ما رآه من آثار، وكانت مجموعته هذه أول صور "فوتوغرافية" وافية تنشر عن سد مأرب والمعابد المختلفة، وقد نشر نتائج رحلته هذه في بضع مقالات، وفي كتاب أصدره عام ١٩٥٢م، في ثلاثة أجزاء، اقتصر الجزء الثاني منها على النقوش التي فحصها وترجمها الأستاذ "ريكمانز"٤.
وكانت أمريكا حتى ذلك الوقت لم تدخل الميدان العلمي في اليمن، ومن ثم فقد نظمت "مؤسسة دراسة الإنسان الأمريكية "The American Foundation For The Study Of Man"، في الفترة ما بين عامي ١٩٥٠، ١٩٥٢م، بعثتين علميتين برياسة "وندل فليبس"، ضمت بين أعضائها الأثري المشهور "وليم أولبرايت"،
стр. 68
اتجهت الأولى إلى الحفر في "بيجان" بحضرموت، واتجهت الثانية إلى اليمن، إلا أن بعثة "فيلبس" كانت للأسف غير موفقة في صلتها بالحكومة اليمنية، ومن ثم فلم تتمكن من إتمام حفر المساحة الأمامية لمعبد محرم بلقيس على مقربة من مأرب، ولكن الأسابيع القليلة التي قضتها البعثة هناك كانت كفيلة بإظهار كثير من المباني والنقوش الجديدة، وإظهار مدى النجاح الذي ينتظر أية بعثة علمية تقوم بالحفر في هذه المناطق البكر١.
وهكذا تمكنت البعثة من الحصول على نتائج جديدة لم تكن معروفة عن تاريخ قتبان وسبأ، فضلا عن حفائرها في "تل هجر بن حميد" الذي كشفت فيه عن كثير من الفخار الذي يرجع إلى ما قبل الميلاد بألفي سنة، كما كشفت عن معابد وقصور في "تمنع" -العاصمة القتبانية القديمة- والتي يتجه البعض إلى أنها خربت لأول مرة في حوالي عام ٢٥ق. م٢، وأما في مأرب فقد كشفت البعثة عن معبد الإله القمر، وعن سد مأرب، وعن خرائب ترجع إلى القرن السابع ق. م، كما عثرت البعثة على كثير من الآثار البرونزية والرخامية وبعض النقوش السبئية٣، وأخيرًا فقد ظهرت في الصحف بعض المقالات عن حفائر البعثة، فضلا عن كتابين، الواحد منهما للقارئ العادي كتبه "وندل فيلبس"، والآخر تقرير علمي واف عن الحفائر٤.
وفي عام ١٩٥٢م، وبينما كانت البعثة العلمية قد توقفت عن عملها في مأرب، كانت هناك بعثة جامعة الدول العربية في صنعاء، تقوم بتصوير المخطوطات العربية النادرة في اليمن، وهنا طلبت حكومة اليمن من الدكتور خليل يحيى نامي -رئيس البعثة والأستاذ بجامعة القاهرة، والمتخصص في النقوش اليمنية- أن ينضم إلى لجنة
стр. 69
فحص ما تركه الأمريكيون، وتقديم تقرير عما قاموا به من حفائر، ومن ثم فقد تيسر له أن يزور المنطقة، وأن يأخذ لها كثيرًا من الصور "الفوتوغرافية"١.
وفي مايو ١٩٥٩م، قام أستاذنا الدكتور أحمد فخري -أستاذ تاريخ مصر الفرعونية والشرق الأدنى القديم بجامعة القاهرة -برحلته الثالثة إلى اليمن- وكانت رحلته الثانية في عام ١٩٤٨م- وفيها زار مأرب وآثارها للمرة الثانية، ونقل نقوشًا جديدة لم تكن معروفة من قبل، كما نجح في الوصول إلى موقع معبد في منطقة المساجد، وهو معبد كبير في حالة لا بأس بها، وقد شيده "يدع إيل ذريح"، والذي شيد كذلك معبد صرواح ومعبد مأرب، وبالرغم من أن اسم هذه المنطقة الأثرية كان معروفًا لنا من روايات البدو، فقد ظل أشبه بأسطورة، ولم يسبق للأثريين من قبل زيارته أو أخذ صور فوتوغرافية له٢.
وأخيرًا، وفي عام ١٩٦٠، عادت البعثة الأمريكية للحفر في "ظفار" بعمان، لإكمال ما بدأته في المرة الأولى، حيث كشفت عن بعض الجوانب في تاريخ هذه المنطقة التابعة لسلطنة عمان٣، هذا وقد تمت كذلك تنقيبات في "تاج" و"وادي الفاو" عام ١٩٦٨م، بإشراف بعثة متحف أرهوس الدنماركية، وفي نجران في عام ١٩٦٨م كذلك، بواسطة "معهد سيمشونيان بواشنطن"٤.
ولعل من الجدير بالذكر هنا أن الزميل الأستاذ شرف الدين قام بعدة جولات في مناطق الآثار في بلاد اليمن، زار فيها مأرب والجوف وظفار وبيجان، والحدأ وذمار ورداع وهمدان وأرحب، عاد منها وفي حوزته مئات من الصور الفوتوغرافية والنسخ الخطية والأبحاث والخرائط، أصدر أول كتاب له عن لغة المسند في عام ١٩٦٨م، متضمنًا تراجم عدد من النقوش وبعض الملاحظات عن قواعد لهجات "المسند" كالمعينية والسبئية والقتبانية٥، كما أصدر في عام ١٩٧٥م كتابًا آخر عن
стр. 70
"اللغة العربية في عصور ما قبل الإسلام" تحدث فيه عن قواعد هذه اللغة، فضلا عن نشر نماذج من نقوش حضرمية وسبئية ومعينية وديدانية ولحيانية وثمودية وصفوية، وإني على علم بأنه قد انتهى من دراسة تاريخية، حقق فيها نصوصًا جديدة تحت عنوان "مختارات من النقوش العربية القديمة"١ "Seiected Arabic Inscription"
هذا، وقد بدأت جامعة الرياض تدخل الميدان، فأرسلت بعثة برياسة الدكتور عبد الرحمن الأنصاري للتنقيب تدخل "الفاو"٢ في الفترة "من ٢٤/ ١١/ ٩٠ إلى ٥/ ١٢/ ١٣٩٠هـ"ثم تلتها مواسم أخرى فيما بين عامي ١٣٩٢، ١٣٩٦هـ، وقد نجحت البعثة في تصوير ونقل حوالي ٢٥٠ نقشًا منتشرة على سفوح خشم قرية، من شماله حتى جنوبه، فضلا عن مجموعة كبيرة من شواهد القبور والأواني الحجرية والفخارية والخزفية، إلى جانب قطع حجرية تحتوي على نصوص وكتابات هامة بالخط المسند، وكذا مجموعة من قطع النسيج، بالإضافة إلى أشياء دقيقة كالخرز والأساور الزجاجية وأدوات الحياكة وبعض العملات الفضية والنحاسية، وقد أرخت البعثة لهذه القطع الأثرية -وكذا للمواقع الأثرية الهامة كتل القصر الكبير- بالفترة ما بين القرن الثاني قبل الميلاد، والقرن الثاني الميلادي٣.
ولعل من الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى أن إدارة الآثار بوزارة المعارف بالمملكة العربية السعودية -والتي أنشئت في ٢٣/ ٦/ ١٣٩٢هـ- تقوم الآن بعمل مسح أثري لكل المناطق الأثرية بالمملكة، تمهيدًا للقيام بحفائر أثرية على نطاق واسع، وبطريقة علمية.
والواقع أن هناك اهتمامًا جديًّا بدراسة الآثار في الجامعات السعودية، فقد
стр. 71
أنشأت جامعة الرياض تخصصًا في الآثار بقسم التاريخ منذ العام الجامعي ٩٤/ ١٣٩٥هـ، كما قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في العام الجامعي ٩٥/ ١٣٩٦هـ "٧٥/ ١٩٧٦م" بإدخال مادة الآثار ضمن برامج الدراسة في قسم التاريخ بها، والأمل كبير في أن تثمر هذه الدراسات الأثرية قريبًا، فتخرج أجيالا من علماء الآثار، تعقد البلاد عليهم آمالا كبارًا في الكشف عن تاريخ هذه الأمة العريقة.
стр. 72
ثانيًا: في شمال شبه الجزيرة العربية
لم يكن حظ شمال شبه الجزيرة العربية ووسطها، بأقل من جنوبها، فإن آثار البتراء وسورية الجنوبية، قد استهوت عددًا من العلماء الأوربيين، كما أن تحريم دخول المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، على غير المسلمين، قد ألهب خيال الأوربيين وزادهم رغبة في التعرف على ما يجري فيهما، وبخاصة في موسم الحج، ومن هنا رأينا كثيرًا من الأوربيين يأتون إلى زيارة الحرمين الشريفين متخفين، ذلك لأن منطقة مكة والمدينة إنما كانت تحت حراسة مشددة، خشية أن يتسلل إليها الأوربيون، وهكذا وجدنا من القادمين إلى وسط شبه الجزيرة العربية وشمالها، أنواعًا مختلفة من الرحالة الأوربيين، من مغامرين وحجاج وباحثين.
ولعل أقدم ما نعرفه عن هؤلاء الرحالة هو "ل- دي فرتيما" الذي وصل إلى مكة قادمًا من دمشق عام ١٥٠٣م، وإن كان هناك من يزعم أن "كابوت" الرحالة الكبير قد قام بزيارة مكة بين عامي ١٤٧٦، ١٤٩٠م، وأن ملك البرتغال قد أرسل "بور دي كوفيلها"، الذي كان يتكلم العربية، إلى شبه الجزيرة العربية في عام ١٤٨٧م، وذلك للتحقق من إمكانية الذهاب إلى الهند عن طريق البحر الأحمر، وأنه وصل فعلا إلى عدن، ومنها إلى الهند، وسواء أصح هذا، أم أن الأمر مجرد زعم كذوب، فإن هذه الرحلات لا قيمة لها من الناحية العلمية، وإن كان "دي فرتيما" قد وصف لنا رحلته التي زار فيها الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وصفًا صحح فيه كثيرًا من الأخطاء الشائعة عنهما لدى قومه الأوربيين١.
стр. 73
على أن كتابات "دي فرتيما" قد تأثرت إلى حد كبير بعقيدته الدينية، كما دلت على جهل واضح بجغرافية المنطقة، فضلا عن تقديمه معلومات ساذجة عن مشاهداته هناك، فمن ذلك مثلا، تفسيره لعدم صيد الحمام الذي يكثر بمكة، من أن المسلمين يعتقدون أنه سليل تلك الحمامة التي كانت تكلم النبي ﷺ بوصفها الروح القدس١، وَفَاتَهُ "أولًا" أن مكة بلد الله الحرام، لا يجوز الصيد فيها، وليس -كما زعم- لأن هذا الحمام ينحدر من تلك الحمامة التي كلمت مولانا وجدنا وسيدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ثم من أين جاء بكل هذا؟، وفاته "ثانيًا" أن المسلمين لا يؤمنون بحمام على أنه الروح القدس، وإنما ذلك هو "جبريل" ﵇، ولعله في ذلك كان متأثرًا بعقيدته الدينية.
ومنها كذلك حديثه عن "رمي الجمار" وأنه رمز لطاعة إسحاق، ودليل على الرغبة في الاقتداء به، فقد جاء في التعاليم الإسلامية أن الشيطان حاول إقناع إسحاق بعدم اللحاق بأبيه إبراهيم العازم على التضحية به٢.
ويبدو هنا، مرة أخرى، أن "دي فرتيما" إنما يتحدث بمنطق اليهود والنصارى وعقيدتهم في الذبيح، حتى في موطن العرب أنفسهم، ونسي -أو تناسى- "أولًا" أن الذبيح عند العرب -على الأقل- إنما هو إسماعيل، وليس إسحاق، ﵉، وتناسى "ثانيًا" أنه في مكة، وليس في فلسطين، والأولى موطن إسماعيل، والثانية مستقر إسحاق، ولو كان الأمر، كما يرى "دي فرتيما"، لكان رمي الجمار في فلسطين، وليس في مكة، ومن ثم فلست أدري من أين جاء بذكر إسحاق هنا؟ ٣.
ثم إن قوله إن مدائن صالح والعلا، إنما هما سدوم وعمورة، لا يدل على جهل واضح بجغرافية المنطقة فحسب، وإنما يدل كذلك على جهل بروايات التوراة، كتابه المقدس، وخاصة حين يذهب إلى أن أهل سدوم وعمورة كانوا يعيشون على المن والسلوى، وأنهم كفروا بأنعم الله، فعاقبهم بأعجوبة منه٤.
стр. 74
والمعروف "أولًا" أن تلك قصة بني إسرائيل في التيه١، و"ثانيًا" أن ما حدث في سدوم وعمورة، إنما كان لأن قوم لوط ﵇ كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء٢، ومن ثم فقد "أمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء، وقلب كل المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض"٣، ومن هنا رأى بعض العلماء أن هناك شَبَهًا بين مصير قوم عاد وثمود من ناحية، وبين مصير سدوم وعمورة وبقية مدن الدائرة في عمق السديم٤، من ناحية أخرى، ولعل هذا هو السبب في اضطراب فكرة "دي فرتيما"، ومن ثم فقد ذهب إلى أن مدائن صالح والعلا، هما سدوم وعمورة.
وأيًّا ما كان الأمر، ففي عام ١٥٠٩م، يتابع "دي فرتيما" رحلته إلى الجنوب، وهناك في عدن يتهم بأنه نصراني يتجسس لحساب البرتغاليين الذين كانت سفنهم نشطة أمام السواحل العربية الجنوبية، فيتم القبض عليه، ويودع في قصر السلطان تمهيدًا لإعدامه، وهنا يتجه "دي فرتيما" في كتاباته وجهة دنيئة، فيجعل من زوج السلطان إمراة العزيز، ويجعل من نفسه الصديق، ثم تنتهي مغامراته الفاشلة بالرحيل إلى بلاد الفرس ثم الهند، حيث يقوم هناك بدوره الحقيقي، دور الجاسوس لملك البرتغال، وينال جزاءه على ذلك، فتكرمه جامعة البندقية، وينال حماية أسرتين كبيرتين هناك، فتكرمه جامعة البندقية، وأخيرًا تتم الدراما بأن يعلن الكاردينال "كارفجال" حمايته لـ "دي فرتيما" فضلا عن الإنفاق على ترجمة مؤلفه إلى اللاتينية٥.
ولعل كل ما قدمته هذه الرحلة خريطة لشبه جزيرة العرب، -كما رسمها بطليموس، منذ ثمانية عشر قرنًا- وبعض المعلومات المشوهة عن المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، ثم مقارنة جغرافية بين العربية الشمالية، والعربية الجنوبية، وقبل ذلك
стр. 75
وبعده، سموم ضد الإسلام والعرب، وهو أمر لا يعد غريبًا، إن جاء من موطنه، ولكن الغريب حقًّا أن يترجم ذلك١، وأن يذاع بين شباب العرب، والمسلمين منهم بخاصة، حتى دون التعليق على ما فيه من روايات لا تعرف نصيبًا من صواب، وحكايات أشبه بالأساطير منها بحقائق التاريخ، إلى جانب ما فيه من دعاوى تتعارض مع الإسلام، فضلا عن المنطق والحق والصواب، وقد تكون المصيبة أعظم، لو أن الذين ترجموا ذلك يظنون أنهم يقدمون بعملهم هذا للعروبة وللإسلام -فضلا عن العلم- خيرًا، أو حتى بعض الخير.
هذا وقد تميزت الفترة ما بين عامي ١٦٠٤، ١٧٣٩م، برحلات الحجاج إلى مكة، ففي عام ١٦٤٣م، قام المطران "ماثيو دي كاسترو" -القاصد الرسولي في بلاد الهند- بزيارة الأماكن المقدسة، متنكرًا في زي رحالة غريب، وذلك أثناء رحلته من الهند إلى روما، مارًّا بشبه الجزيرة العربية، ولا شك في أنه -إذا صحت روايته- رجل الدين المسيحي الوحيد الذي قام بزيارة المدن الإسلامية المقدسة، ولكنه لم يكتب بنفسه شيئًا عن ذلك٢.
وفي عام ١٦٦٠م نرى "لويس دارفيو" يزور شمال بلاد العرب، ويكتب وصفًا للبدو، إلا أنه كان بعيدًا عن المنهج العلمي في وصفه، فضلا عما فيه من مطاعن على العرب، وتمجيد للرواية الإسرائيلية عن إسماعيل وإسحاق، ﵉، وعن والدتيهما الكريمتين -سارة وهاجر- بجانب الترجمة غير الصحيحة، أو على الأقل غير الدقيقة، لنصوص التوراة، فيما يتصل بإسماعيل بالذات٣.
وفي عام ١٨٠٧م، وصل إلى "جدة" الرحالة الأسباني "باديابي لبلخ" تحت اسم "علي بك العباسي" مدعيًّا أنه ليس مسلمًا فحسب، وإنما آخر أمير من نسل الخلفاء العباسيين٤، ومن عجب أن الأوربيين أنفسهم في حيرة من أمرهم، بشأن "علي بك" هذا، فهو جاسوس لنابليون على رأي، وهو أحد موظفي إمارة البحر