أنشأت جامعة الرياض تخصصًا في الآثار بقسم التاريخ منذ العام الجامعي ٩٤/ ١٣٩٥هـ، كما قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في العام الجامعي ٩٥/ ١٣٩٦هـ "٧٥/ ١٩٧٦م" بإدخال مادة الآثار ضمن برامج الدراسة في قسم التاريخ بها، والأمل كبير في أن تثمر هذه الدراسات الأثرية قريبًا، فتخرج أجيالا من علماء الآثار، تعقد البلاد عليهم آمالا كبارًا في الكشف عن تاريخ هذه الأمة العريقة.
стр. 72
ثانيًا: في شمال شبه الجزيرة العربية
لم يكن حظ شمال شبه الجزيرة العربية ووسطها، بأقل من جنوبها، فإن آثار البتراء وسورية الجنوبية، قد استهوت عددًا من العلماء الأوربيين، كما أن تحريم دخول المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، على غير المسلمين، قد ألهب خيال الأوربيين وزادهم رغبة في التعرف على ما يجري فيهما، وبخاصة في موسم الحج، ومن هنا رأينا كثيرًا من الأوربيين يأتون إلى زيارة الحرمين الشريفين متخفين، ذلك لأن منطقة مكة والمدينة إنما كانت تحت حراسة مشددة، خشية أن يتسلل إليها الأوربيون، وهكذا وجدنا من القادمين إلى وسط شبه الجزيرة العربية وشمالها، أنواعًا مختلفة من الرحالة الأوربيين، من مغامرين وحجاج وباحثين.
ولعل أقدم ما نعرفه عن هؤلاء الرحالة هو "ل- دي فرتيما" الذي وصل إلى مكة قادمًا من دمشق عام ١٥٠٣م، وإن كان هناك من يزعم أن "كابوت" الرحالة الكبير قد قام بزيارة مكة بين عامي ١٤٧٦، ١٤٩٠م، وأن ملك البرتغال قد أرسل "بور دي كوفيلها"، الذي كان يتكلم العربية، إلى شبه الجزيرة العربية في عام ١٤٨٧م، وذلك للتحقق من إمكانية الذهاب إلى الهند عن طريق البحر الأحمر، وأنه وصل فعلا إلى عدن، ومنها إلى الهند، وسواء أصح هذا، أم أن الأمر مجرد زعم كذوب، فإن هذه الرحلات لا قيمة لها من الناحية العلمية، وإن كان "دي فرتيما" قد وصف لنا رحلته التي زار فيها الحرمين الشريفين في مكة والمدينة، وصفًا صحح فيه كثيرًا من الأخطاء الشائعة عنهما لدى قومه الأوربيين١.
стр. 73
على أن كتابات "دي فرتيما" قد تأثرت إلى حد كبير بعقيدته الدينية، كما دلت على جهل واضح بجغرافية المنطقة، فضلا عن تقديمه معلومات ساذجة عن مشاهداته هناك، فمن ذلك مثلا، تفسيره لعدم صيد الحمام الذي يكثر بمكة، من أن المسلمين يعتقدون أنه سليل تلك الحمامة التي كانت تكلم النبي ﷺ بوصفها الروح القدس١، وَفَاتَهُ "أولًا" أن مكة بلد الله الحرام، لا يجوز الصيد فيها، وليس -كما زعم- لأن هذا الحمام ينحدر من تلك الحمامة التي كلمت مولانا وجدنا وسيدنا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- ثم من أين جاء بكل هذا؟، وفاته "ثانيًا" أن المسلمين لا يؤمنون بحمام على أنه الروح القدس، وإنما ذلك هو "جبريل" ﵇، ولعله في ذلك كان متأثرًا بعقيدته الدينية.
ومنها كذلك حديثه عن "رمي الجمار" وأنه رمز لطاعة إسحاق، ودليل على الرغبة في الاقتداء به، فقد جاء في التعاليم الإسلامية أن الشيطان حاول إقناع إسحاق بعدم اللحاق بأبيه إبراهيم العازم على التضحية به٢.
ويبدو هنا، مرة أخرى، أن "دي فرتيما" إنما يتحدث بمنطق اليهود والنصارى وعقيدتهم في الذبيح، حتى في موطن العرب أنفسهم، ونسي -أو تناسى- "أولًا" أن الذبيح عند العرب -على الأقل- إنما هو إسماعيل، وليس إسحاق، ﵉، وتناسى "ثانيًا" أنه في مكة، وليس في فلسطين، والأولى موطن إسماعيل، والثانية مستقر إسحاق، ولو كان الأمر، كما يرى "دي فرتيما"، لكان رمي الجمار في فلسطين، وليس في مكة، ومن ثم فلست أدري من أين جاء بذكر إسحاق هنا؟ ٣.
ثم إن قوله إن مدائن صالح والعلا، إنما هما سدوم وعمورة، لا يدل على جهل واضح بجغرافية المنطقة فحسب، وإنما يدل كذلك على جهل بروايات التوراة، كتابه المقدس، وخاصة حين يذهب إلى أن أهل سدوم وعمورة كانوا يعيشون على المن والسلوى، وأنهم كفروا بأنعم الله، فعاقبهم بأعجوبة منه٤.
стр. 74
والمعروف "أولًا" أن تلك قصة بني إسرائيل في التيه١، و"ثانيًا" أن ما حدث في سدوم وعمورة، إنما كان لأن قوم لوط ﵇ كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء٢، ومن ثم فقد "أمطر الرب على سدوم وعمورة كبريتًا ونارًا من عند الرب من السماء، وقلب كل المدن وكل الدائرة وجميع سكان المدن ونبات الأرض"٣، ومن هنا رأى بعض العلماء أن هناك شَبَهًا بين مصير قوم عاد وثمود من ناحية، وبين مصير سدوم وعمورة وبقية مدن الدائرة في عمق السديم٤، من ناحية أخرى، ولعل هذا هو السبب في اضطراب فكرة "دي فرتيما"، ومن ثم فقد ذهب إلى أن مدائن صالح والعلا، هما سدوم وعمورة.
وأيًّا ما كان الأمر، ففي عام ١٥٠٩م، يتابع "دي فرتيما" رحلته إلى الجنوب، وهناك في عدن يتهم بأنه نصراني يتجسس لحساب البرتغاليين الذين كانت سفنهم نشطة أمام السواحل العربية الجنوبية، فيتم القبض عليه، ويودع في قصر السلطان تمهيدًا لإعدامه، وهنا يتجه "دي فرتيما" في كتاباته وجهة دنيئة، فيجعل من زوج السلطان إمراة العزيز، ويجعل من نفسه الصديق، ثم تنتهي مغامراته الفاشلة بالرحيل إلى بلاد الفرس ثم الهند، حيث يقوم هناك بدوره الحقيقي، دور الجاسوس لملك البرتغال، وينال جزاءه على ذلك، فتكرمه جامعة البندقية، وينال حماية أسرتين كبيرتين هناك، فتكرمه جامعة البندقية، وأخيرًا تتم الدراما بأن يعلن الكاردينال "كارفجال" حمايته لـ "دي فرتيما" فضلا عن الإنفاق على ترجمة مؤلفه إلى اللاتينية٥.
ولعل كل ما قدمته هذه الرحلة خريطة لشبه جزيرة العرب، -كما رسمها بطليموس، منذ ثمانية عشر قرنًا- وبعض المعلومات المشوهة عن المدينتين المقدستين، مكة والمدينة، ثم مقارنة جغرافية بين العربية الشمالية، والعربية الجنوبية، وقبل ذلك
стр. 75
وبعده، سموم ضد الإسلام والعرب، وهو أمر لا يعد غريبًا، إن جاء من موطنه، ولكن الغريب حقًّا أن يترجم ذلك١، وأن يذاع بين شباب العرب، والمسلمين منهم بخاصة، حتى دون التعليق على ما فيه من روايات لا تعرف نصيبًا من صواب، وحكايات أشبه بالأساطير منها بحقائق التاريخ، إلى جانب ما فيه من دعاوى تتعارض مع الإسلام، فضلا عن المنطق والحق والصواب، وقد تكون المصيبة أعظم، لو أن الذين ترجموا ذلك يظنون أنهم يقدمون بعملهم هذا للعروبة وللإسلام -فضلا عن العلم- خيرًا، أو حتى بعض الخير.
هذا وقد تميزت الفترة ما بين عامي ١٦٠٤، ١٧٣٩م، برحلات الحجاج إلى مكة، ففي عام ١٦٤٣م، قام المطران "ماثيو دي كاسترو" -القاصد الرسولي في بلاد الهند- بزيارة الأماكن المقدسة، متنكرًا في زي رحالة غريب، وذلك أثناء رحلته من الهند إلى روما، مارًّا بشبه الجزيرة العربية، ولا شك في أنه -إذا صحت روايته- رجل الدين المسيحي الوحيد الذي قام بزيارة المدن الإسلامية المقدسة، ولكنه لم يكتب بنفسه شيئًا عن ذلك٢.
وفي عام ١٦٦٠م نرى "لويس دارفيو" يزور شمال بلاد العرب، ويكتب وصفًا للبدو، إلا أنه كان بعيدًا عن المنهج العلمي في وصفه، فضلا عما فيه من مطاعن على العرب، وتمجيد للرواية الإسرائيلية عن إسماعيل وإسحاق، ﵉، وعن والدتيهما الكريمتين -سارة وهاجر- بجانب الترجمة غير الصحيحة، أو على الأقل غير الدقيقة، لنصوص التوراة، فيما يتصل بإسماعيل بالذات٣.
وفي عام ١٨٠٧م، وصل إلى "جدة" الرحالة الأسباني "باديابي لبلخ" تحت اسم "علي بك العباسي" مدعيًّا أنه ليس مسلمًا فحسب، وإنما آخر أمير من نسل الخلفاء العباسيين٤، ومن عجب أن الأوربيين أنفسهم في حيرة من أمرهم، بشأن "علي بك" هذا، فهو جاسوس لنابليون على رأي، وهو أحد موظفي إمارة البحر
стр. 76
الفرنسية على رأي آخر، إلا أن هناك اتفاقًا على أنه كان عالمًا، وأنه قد زود بآلات قياس دقيقة للغاية، وأنه قد نجح إلى حد كبير في تعيين المواقع المختلفة التي مر بها على سواحل البحر الأحمر، مثل ينبع وجدة وغيرهما، وبصورة تقريبية موقع المدينة المنورة التي لم يقدر له أن يشرف بزيارتها، وبصفة دقيقة لموقع مكة المكرمة على خريطة العالم، وهكذا أمكن -ولأول مرة- تحديد الموقع العرضي لأحد الأماكن في داخل بلاد العرب بالنسبة إلى خط الاستواء، هذا إلى جانب وصف دقيق للكعبة المشرفة ولكل ما كان يجري في موسم الحج١.
والذي يقرأ وصف الرجل للأماكن المقدسة، كما جاء في كتاب جاكلين بيرين٢، يدرك أن الرجل كان مسلمًا عن يقين -كما كان يعلن هو دائمًا- رغم ما أثير حول إسلامه من شبهات.
والرأي عندي، أن من يعيش الظروف التي عاشها "علي بك العباسي" ويزور الأماكن الطاهرة التي زارها، وينال شرف رؤية الكعبة -أقدس مقدسات المسلمين- من داخلها، ويسهم في تنظيف البيت الحرام، إن من يسبغ الله عليه كل هذه النعم، ليس ببعيد أن يهديه الله سواء السبيل ويفتح قلبه للإسلام، و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم﴾ ٣ وعلى أي حال، فإني لا أثبت هنا إسلام "علي بك العباسي"، ولا أنفيه، فليست لدي الأدلة على هذا أو ذاك، والله وحده يعلم الغيب من الأمر، ولكن بعد أن مَنَّ اللهُ عليَّ بفضله، وعشت فترة من عمري بين رحاب هذه المقدسات الشريفة، لا أستبعد أن الله جل وعلا، قد فتح قلب الرجل للإسلام، بصرف النظر عن المهمة التي جاء من أجلها، والله يهدي من يشاء.
وجاء بعد ذلك الرحالة السويسري، "جوهان ليدونج بوركهارت" الذي وصل إلى سورية في مارس ١٨٠٩م، ليقوم بزيارة المناطق المتاخمة لشبه الجزيرة العربية، وليجمع المعلومات عن البدو، وهناك بذل جهدا كبيرًا في دراسة القرآن الكريم وتفسيره -بعد أن كان قد درس اللغة العربية في إنجلترا- حتى عرف باسم الشيخ
стр. 77
إبراهيم، العالم العظيم في شئون الإسلام١.
وهكذا تمكن "بوركهارت" من القيام برحلته إلى الحجاز تحت اسم "الشيخ إبراهيم بن عبد الله"، فزار الحرمين الشريفين، وقدم وصفًا دقيقًا لموسم الحج، وكتب عن مكة والمدينة كتابة علمية، وفي عام ١٨١٢م، اكتشف مدينة "البتراء"، ثم أصدر عدة كتب عن رحلاته في سورية وفلسطين وشمال بلاد العرب٢، وأخيرًا توفي في ١٥ أكتوبر ١٨١٧م، ودفن بسفح جبل المقطم في القاهرة٣.
وفي عام ١٨١٥م، زار "نجد" المستشرق "جورج أوغسطس فالين" للقيام ببعض الدراسات اللغوية٤، وهناك رواية مشكوك فيها تذهب إلى أن "محمد علي باشا" والي مصر، قد أرسله إلى هناك بعد أن فشلت جهوده في توطيد نفوذه في الشام، وذلك للقيام بمهام سياسية في جبل "شمر"٥.
وفي عام ١٨٥٣م، زار "سير ريتشارد برتون" الحرمين الشريفين، متنكرًا في زي مسلم يسمى "الحاج عبد الله" ثم كتب وصفًا لرحلته هذه ٦.
وفي يولية ١٨٦٢م، قام "وليم بلجريف" برحلته إلى العربية الوسطى، ونشر في عام ١٨٦٥م كتابًا عن رحلته هذه، سرعان ما ترجم إلى الفرنسية ثم الألمانية بعد ذلك، كواحد من أحسن الكتب عن بلاد العرب، ويزعم "بلجريف" أنه وصل إلى مناطق في قلب بلاد العرب، ولم يصلها أحد قبله٧، وأما رفيقه في رحلته هذه
стр. 78
فقد كان لبنانيا يدعى "بركات"، وهو الذي أصبح فيما بعد بطريرك الروم الكاثوليك تحت اسم "بطرس الجريجيري"١.
وتوغلت "الليدي آن بلنت" عام ١٧٨٩م في شمال بلاد العرب، حتى "نجد" وكانت مولعة بدراسة الخيول العربية٢، إلا أن "هوبر"٣ و"أويتنج"٤ يعدّان من الذين غامروا بحياتهم، وقاموا برحلات شاقة، فيما بين عامي ١٨٧٦، ١٨٨٤، وقد بلغا "حايل" في شمالي بلاد العرب، وحصلا على كثير من النقوش العربية الشمالية.
وهناك "سنوك هورجونيه" الهولندي، الذي زار الحجاز، فيما بين عامي ١٨٨٥، ١٨٨٦م، وقدم لنا دراسة عن الأحوال في مكة، ووصف للحياة في الحجاز، وفي موسم الحج بصفة خاصة٥.
وهناك كذلك الرحالة الإنجليزي "تشارلسن دوتي"٦، وقد كان هذا الرجل من أشد المتعصبين ضد الإسلام، وأكثرهم تطاولا على المسلمين، بل إنه في تطاوله إنما يحاول أحيانًا أن يتجاوز كل حدود الأدب، وأن يمس المثل الأعلى للإنسانية جمعاء، سيدنا ومولانا رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ- وإن لم يستطع في كل الأحوال، إلا أن يعترف بأن المصطفى المختار- صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- إنما كان دائمًا وأبدًا، المثل الأعلى، والأسوة الحسنة لكل المسلمين وغير المسلمين، في كل زمان ومكان.
وفي عام ١٨٨٩م، يقوم "تيودور بنت" وزوجته، برحلة إلى البحرين ومسقط وعمان في جنوب شبه الجزيرة العربية، حيث زارا كثيرًا من المناطق الأثرية، وكتبا عنها كتابهما المعروف٧.
стр. 79
وأشرف القرن العشرون، وبدأت الأبحاث العلمية تزداد، وأصبح بين أيدينا مؤلفات مهمة، لعل من أروعها ما كتبه "ألويس موسل"، الذي زار العربية الحجرية، وكتب عدة مؤلفات في وصف شمال الحجاز وبادية الشام ومنطقة الفرات الأوسط وتدمر ونجد١، ثم هناك كذلك ما كتبه "جوسين وسافينياك" في مؤلفهما الشهير عن آثار الحجاز، وبخاصة مدائن صالح والعلا٢، أما كتاب "لورنس" "أعمدة الحكمة السبعة٣"، فقد نال مكانة عالية بين مؤلفات الأدب الحديث بعد الحرب العالمية الأولى٤.
وكان أكثر الرحالة نشاطًا في نجد وأواسط بلاد العرب "هاري سان جون بريدجر فلبي" والذي سمى نفسه "الحاج عبد الله" وقد أتيح له ما لم يتح لغيره من الأوربيين، إذ كان من المقربين إلى جلالة الملك المعظم عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود، ملك المملكة العربية السعودية، ومن ثم فقد قام برحلات كثيرة، وكتب عدة كتب٥، وكانت آخر رحلاته تلك التي قام بها في صحبة العالم البلجيكي "ج. ريكمانز" في شتاء ١٩٥١-١٩٥٢م، وكانت في المثلث الواقع بين جدة ونجران والرياض، وعاد ومعه ١٢٠٠ نقش، منها تسعة آلاف نقش ثمودي، وبقيتها نقوش لحيانية وسبئية، بعد أن زارت البعثة كل ما وجدته من بقايا المدنيات القديمة، في المنطقة الواقعة داخل المملكة العربية السعودية٦.
стр. 80
وفي عام ١٩٦٢م، قامت بعثة أمريكية بزيارة مناطق مختلفة من المملكة العربية السعودية، فزارت سكاكا والجوف وتيماء ومدائن صالح والعلا وتبوك، وظفرت بنماذج من فخار قديم، ونقلت صورًا لكتابات ثمودية ونبطية، أهمها ما وجدته في قمة جبل غنيم، على مبعدة ثلاثة أميال إلى الجنوب من تيماء، وتعد من أقدم ما عثر عليه في العربية الشمالية١.
وليس من شك في أن تاريخ البحث العلمي في تاريخ العرب القديم يدين بالكثير لنفر من المستشرقين قدموا له أبحاثًا جادة في مختلف الميادين، من أمثال "كوسان ده برسيفال"٢، والذي يعتبر من الرواد في التأريخ لبلاد العرب قبل الإسلام، وكذا "تيودور نولدكه"٣، و"ج. روتشتاين"٤، و"رينيه ديسو"٥ و"جاك ريكمانز"٦ "كيتاني"٧ و"أوليري"٨ و"أوتووبير"٩ و"فلهاوزن"١٠،
وهوجوفنكلر١ ورايت٢ وسبرنجر٣ وليتمان٤ ووليم أولبرايت٥ وغيرهم ممن قاموا ببحوث قيمة، ولا يزالون يبحثون في التاريخ العربي القديم ٦.
أما العلماء العرب المحدثون -من أمثال جرجي زيدان وسليمان حزين ويحيى نامي وأحمد فخري ومحمد مبروك نافع ومحمد توفيق وعبد العزيز سالم وسعد زغلول، وجواد علي وصالح العلي ومنذر البكر، وحمد الجاسر وعبد الرحمن الأنصاري وعبد القدوس الأنصاري وعبد الله مصري، وأحمد حسين شرف الدين ومظهر الإرياني وغيرهم من علمائنا الأفاضل- فليس من شك في أنهم قد ساهموا في هذا الميدان بقسط وافر وجهد ممتاز، يستحقون عليه كل تقدير واحترام.
стр. 83
ثالثا: في شرق شبه الجزيرة العربية
مدخل
...
ثالثًا: في شرق شبه الجزيرة العربية
في أخريات عام ١٩٥٣م، أرسل متحف آثار عصور ما قبل التاريخ في أرهوس بالدنيمارك، بعثة علمية إلى البحرين، برياسة "ب. ف. جلوب وجفري"، كشفت أطلال معبد "باربار"، والتلام الممتدة على مساحات واسعة، ثم امتد نشاطها إلى قطر، حيث كشفت عن مواقع أثرية، وآثار أخرى، تمثل حضارات
стр. 84
العصر الحجري، وسرعان ما امتد نشاطها إلى الكويت، حيث عثرت على آلات حجرية، تنتمي إلى عصور ما قبل التاريخ، وخاصة العصر الحجري القديم، فضلا عن معابد جزيرة "فيلكا"، وأخيرًا اتسع نطاق ميدان البعثة إلى شرق الجزيرة وإمارات الساحل العربي، ولعلنا نستطيع أن نلخص نتائج هذه البعثة كالآتي:
стр. 85
١- البحرين:
لعل أهم اكتشافات البعثة الدنماركية إنما كان الكشف عن أطلال معبد "باربار"، وتلال جنزية عديدة تعود إلى العصر البرونزي، هذا فضلا عن أوان فخارية في تل رأس القلعة١، وهي المنطقة التي حوت أقدم محلة سكنية، ترجع إلى الألف السادس قبل الميلاد، وظلت مأهولة حتى العصر المسيحي، هذا وقد كشفت البعثة عن ست مدن حول القلعة، تؤرخ الأولى بحوالي عام ٢٨٠٠ق. م، وهي مبنية بمحاذاة البحر، وبيوتها صغيرة، وتبدو غير مسورة، وربما كان الملك الأكدي "سرجون الأول" قد قام بغزوها حوالي عام "٢٣٠٠ق. م"٢.
وأما المدينة الثانية، فتؤرخ بحوالي عام ٢٣٠٠ق. م، ويعتبر سكانها بناة الآلاف من المقابر الواقعة في وسط جزيرة البحرين وكذا معبد باربار، وقد عثر فيها على الأختام المسماة تقليديًّا "الأختام الدلمونية"، والأوزان الهندية التي ظهرت في نفس الوقت في بلاد ما بين النهرين ومدن وادي السند٣.
стр. 86
٢- في قطر:
وتعتبر من أهم مناطق الخليج العربي، حيث تتمثل فيها أقدم الحضارات الإنسانية التي تم الكشف عنها في المنطقة حتى الآن، ولقد اهتم الباحثون الأجانب بمنطقة قطر، فقامت بعثة دنماركية للبحث عن آثارها، وتم تحديد حوالي ٢٠٠ موقع أثري، تنتمي إلى مرحلة عصور ما قبل التاريخ، منها حوالي ١٣١ موقعًا تعود إلى
стр. 87
العصر الحجري١، هذا وليس في قطر مخلفات أثرية تنتمي إلى حضارة باربار في البحرين، كما أن آثار قطر لا تتشابه مع آثار البحرين٢.
وعلى أية حال، فلقد عثر عند الساحل الغربي قرب "رأس عوينات علي" على شظايا مصقولة تنتمي إلى عصور ما قبل التاريخ، فضلا عن أعداد من الأحجار قرب الطرف الجنوبي من جبل الجساسية وقرب عقلة المناصير والحملة وقرب الساحل الشرقي في الوصيل -على مبعدة ٢٥ كيلو مترًا شمالي الدوحة٣.
هذا ويميل "كابل" إلى أن المخلفات الأثرية في قطر، والتي تتمثل في الصناعات الحجرية، إنما يمكن تقسيمها إلى مجموعات مستقلة ومختلفة عن بعضها تمامًا، وذلك اعتمادًا على الاختلافات المظهرية وطريقة الصناعة الفنية، هذا فضلا عن العثور على طبقة يمكن تصنيفها طبقيًّا، ومن ثم يمكن تحديد التتابع الزمني لهذه الآثار٤.
على أن البعثة الدنمركية إنما قد حصلت على أدوات وشظايا صوانية عديدة وآثار احتراق، ثم جمعت عينات من الآثار المحترقة، وقد ثبتت بالفحص العلمي، بطريقة الكربون ١٤، بأن تاريخ هذه العينات إنما يرجع إلى حوالي عام "٥٠٢٠-١٣٠ق. م"٥.
هذا وقد قسمت البعثة الدنمركية المواقع التي تنتمي إلى العصر الحجري -وعددها ٦٨ موقعًا- إلى أربع مجموعات حضارية وذلك وفقًا للتطور المادي المتمثل في التقدم من التقنية البدائية إلى الأحجار الظرانية، إلى تقنية متطورة تتمثل في الرقائق الحجرية الممتازة مثل الفئوس والمعاول ورءوس السهام الكبيرة، غير أنه لا يمكن
стр. 88
القول أن هذا التقدم المتدرج قد حدث نتيجة الانتقال من حضارة إلى حضارة أرقى، أو نتيجة لتعاقب مجتمعات إنسانية مختلفة أو قبائل مهاجرة استقرت لفترات طويلة أو قصيرة١.
стр. 89
٣- في دولة الإمارات العربية:
قامت البعثة الدنماركية بالتنقيب في بعض المواقع الأثرية التي تنتمي إلى عصور ما قبل التاريخ في دولة الإمارات العربية١، وتعتبر جزيرة "أم النار" في "أبو ظبي" من أهم المواقع التي تضم العديد من المدافن الغنية بأثاثها الجنزي المتضمن للأواني الفخارية والحجرية والأسلحة وأدوات الزينة، هذا وقد تم الكشف في أم النار عن تل يضم أربعة أطوار من الاستقرار٢.
стр. 90
٤- في دولة الكويت:
وإنه لمن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنه في أوائل عام ١٩٧٢م، تولى أستاذنا الدكتور رشيد الناضوري، رياسة بعثة علمية كويتية، تمكنت من الكشف عن عديد من المواقع الأثرية المنتمية إلى العصر الحجري القديم، مثل مواقع الصليبخات ووارة والبرقان وجليعة العبيد وكاظمية وجزيرة أم النمل وجزيرة عكاز، فضلا عن التعرف على مواقع جديدة في جزيرة فيلكا١.
стр. 91
الفصل الثالث: جغرافية شبه الجزيرة العربية
١- موقع بلاد العرب:
تقع شبه الجزيرة العربية بين خطي عرض ١٢ َ، ٣٢ درجة شمالا، ٣٠ َ، ١٢ جنوبًا، أي أنها تمتد عشرين درجة من درجات العرض كما أنها تمتد بين خطي الطول ٤٠ َ، ٣٤، ٤٠ َ، ٥٨ شرقًا، وبذا يصبح امتدادها من الغرب إلى الشرق، أربعًا وعشرين درجة، وهي بهذا تأخذ شكلا مستطيلا، وتبلغ مساحتها أكثر من مليون ميل مربع بقليل، ومن ثم فهي أكبر شبه جزيرة في العالم، أما أبعاد شبه الجزيرة، فيبلغ طول ساحلها الغربي من رأس خليج العقبة حتى خليج عدن ١٤٠٠ ميل، ويبلغ طول ساحلها الشرقي من رأس الخليج العربي شمالا، حتى رأس الحد جنوبًا "أقصى اتساع لخليج عمان" ١٥٠٠ ميل، ويبلغ امتدادها من بحر العرب جنوبًا إلى الحدود الشمالية للمملكة العربية السعودية ١٦٠٠ ميل، أما عرضها في أضيق نطاق بين البحر الأحمر والخليج العربي فهو ٧٥٠ ميلا، وأما بين خليج عمان والبحر الأحمر، فيصل الاتساع إلى ١٢٠٠ ميل١.
وتقع شبه الجزيرة العربية بين بادية الشام شمالا، والخليج العربي وبحر عمان شرقًا، والمحيط الهندي جنوبًا، والبحر الأحمر غربًا، وهكذا يبدو واضحًا أن المياه تحيط بها من أطرافها الثلاثة فقط، ومن ثم أخطأ مؤرخو العرب وجغرافيوهم حين أطلقوا عليها اسم "جزيرة العرب" وربما كان ذلك لأن مياه البحار تحيط بها من ثلاث جهات، ثم يعقد لها نهر الفرات والعاصي عند اقترابهما في أعالي الشام حدًّا من الماء٢، ومن ثم كان التعليل "إحاطة البحار والأنهار بها من أقطارها وأطرارها "أو أطرافها" فصاروا منها في مثل الجزيرة من جزائر البحر، وذلك أن الفرات
стр. 92
القافل من بلاد الروم قد ظهر بناحية "قنسرين"، ثم انحطَّ على الجزيرة وسواد العراق، حتى دفع في البحر من ناحية البصرة والأيلة وامتد إلى "عبادان"١، أو "لأن بحر فارس وبحر الحبش والفرات ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب ومعدنها"٢.
على أن شبه جزيرة العرب ليست وحدها هي مسكن العرب، فقد كانت لهم مساكن فيما حولها، إلا أنها مساكن أكثرهم، وأهم مساكنهم، ومن ثم فقد أضيفت إليهم٣، وذلك لأن العرب قد سكنوا في العراق من ضفة الفرات الغربية، حتى بلغوا أطراف الشام، كما سكنوا في فلسطين وسيناء إلى ضفاف النيل الشرقية حتى أعلى الصعيد، وهي أرضون يرى الكتاب القدامى -من يونان ولاتين وعبريين وسريان- أنها من مساكن العرب، ومن ثم فقد دعوها "بالعربية" و"بلاد العرب" لأن أغلب سكانها إنما كانوا عربًا٤، وأما بلاد العرب في التوراة فهي موطن "الإسماعيليين و"القطوريين"٥، وهي بواد تقع في شمال بلاد العرب، وفي الأقسام الشمالية٦ منها.
стр. 93
التقسيم اليوناني والروماني لبلاد العرب
العربية الصحراوية
...
٢- التقسيم اليوناني لبلاد العرب:
هذا ويقسم اليونان واللاتين شبه الجزيرة العربية إلى أقسام ثلاثة:
١- العربية الصحراوية: Arabia Deserta
ويعنون بها بادية الشام في أغلب الأمر١، وبادية السماوة في بعض الأحايين٢،
стр. 94
بل إن "ديودور الصقلي" إنما يذهب إلى أنها المناطق الصحراوية التي تسكنها القبائل المتبدية، وأن سكانها من الآراميين والنبط١، وأنها تقع بين سورية ومصر، كما أنها مقسمة بين شعوب ذات مزايا وصفات متباينة، وإن كان يبدو أن الرجل لم يكن لديه خط واضح يفصل بين العربية الصحراوية والصخرية، كما عند الجغرافيين الرومان٢، وأما "إيراتو سثينيس"- وربما سترابو كذلك- فقد أطال حدود العربية الصحراوية من الشمال الغربي وجعلها حتى "هيرابوليس" في نهاية خليج السويس، وإن وضع الحد الجنوبي لها عند بابل٣.
ونقرأ في النصوص الآشورية من عهد "شلمنصر الثالث" "٨٥٩-٨٢٤ق. م" أن من بين أعدائه في موقعة "قرقر" عام ٨٥٣ق. م، مجموعة عربية٤، ولعلهم يكونون مشيخة أو إمارة، على رأسها "جندب"، وجدت هناك منذ الألف الثانية قبل الميلاد، وكانت مصدر قلق للحكومات المسيطرة على الهلال الخصيب، وأنها كانت تنتقل في هذه البادية بحرية، لا تعترف بحدود أو فواصل، وإنما كانت تقيم بحيث الماء والكلأ والمكان الذي يتلاءم وطباعها٥.
стр. 95
٢- العربية الصخرية: Arabia Peteaee
وكان مركزها سيناء وبلاد الأنباط، وعاصمتها البتراء، وأنها سميت كذلك، إما نسبة إلى عاصمتها، أو إلى طبيعة المنطقة الصخرية، ويرى بعض الباحثين أنها إضافة من بطليموس الجغرافي، وقد قصد بها شبه جزيرة سيناء، وما يتصل بها من فلسطين والأردن١، ويرى "ديودور" أنها تقع إلى الشرق من مصر، وإلى
стр. 96
الجنوب والجنوب الغربي من البحر الميت، وفي شمال العربية السعيدة وغربها، وأن الأنباط كانوا يقيمون في المنطقة الجبلية منها، فضلا عن المرتفعات المتصلة بها في شرق البحر الميت ووادي عربة، وفي جنوب اليهودية، وحتى خليج العقبة، وأما الأقسام الباقية فقد سكنتها قبائل عربية، دعاها الكتاب اليونان والرومان "سبئية"، الأمر الذي تكرر كثيرًا في كتاباتهم عن القبائل التي كانوا لا يعرفون أسماءها، والتي كانت تقطن فيما وراء نفوذ الأنباط والرومان، ولعلهم يعنون بذلك أنها قبائل جنوبية في غالب الأمر١.
стр. 97
٣- العربية السعيدة: Arabia Feiix
وهي أكثر الأقسام الثلاثة اتساعا، وتشتمل على كل المناطق التي دعاها الكتاب العرب -من مؤرخين وجغرافيين- "بلاد العرب"، كما أن حدودها الشمالية لم تكن ثابتة، وإنما كانت تتغير طبقًا للظروف السياسية، التي تقع إلى الشمال منها، ويتجه البعض إلى أن جهل القدماء بداخل بلاد العرب، هو الذي دعاهم إلى احتساب هذا الجزء من بلاد العرب السعيدة أو الخضراء، مع أنه في الواقع يعتبر من بلاد العرب الصحراوية، وأما الجزء الذي يمكن أن يطلق عليه "بلاد العرب السعيدة"، فهو الجزء الجنوبي الغربي، حيث تقع بلاد اليمن١، لغنى محاصيلها وتنوعها، ولاعتدال مناخها، على النقيض من المناطق المستعرة الحر وراءها، وقد أدت هذه الظروف منذ الألف الأول قبل الميلاد، إلى قيام مجتمعات سياسية مستقرة في تلك المنطقة، امتد أثرها إلى الساحل الأثيوبي المقابل في صورة تجارة واسعة، وموجات من المهاجرين المستوطنين٢.
وعلى أية حال، فإن الجغرافيين اليونان لم يفرقوا بين بلاد العرب الصحراوية والصخرية، حيث يكون الفاصل بينهما صعبًا جدًّا بالنسبة إليهم، فاعتبار اليونان القسم الشمالي من شبه الجزيرة العربية منطقة واحدة يمكن ملاحظته في تعليق "إريان"
стр. 98
على سفرتي رسل قمبيز وبطليموس الأول عبر صحراء جرداء١، وكذلك اعتبر "إيراتوسثينيس" -كما أشرنا آنفًا- الخط الفاصل بين بلاد العرب السعيدة والصحراوية هو الذي يبدأ من "هيرابوليس" إلى بابل مارًّا بالبتراء، علمًا بأن الجغرافيين اليونانيين- وحتى الرومان من بعدهم- لم يضعوا صحراء النفود الكبرى ضمن بلاد العرب الصحراوية، وإنما جعلوها جزءًا من العربية السعيدة٢.
أضف إلى ذلك أننا لم نقرأ في كتاباتهم شيئًا عن المدن الهامة كتيماء ودومة الجندل، فضلا عن وادي السرحان الذي ذكره الجغرافيون وبعض المؤرخين التالين لهم تحت اسم "سيرميون- بيديون" "Syrmaion Pedion"، مما يدل على أنهم لم يذهبوا إلى هذه المناطق، وإنما اعتمدوا في الكتابة عنها على معلومات شفهية متداولة، وإن كان هذا لا يعني أن التغلغل اليوناني في المناطق الشمالية من بلاد العرب كان معدومًا، فهناك معالم كثيرة يغلب عليها الطراز اليوناني في العمارة، إلى جانب كثرة ما وجد من النقود اليونانية٣.
стр. 99
التقسيم العربى
مدخل
...
٣- التقسيم العربى:
وأما الكتاب العرب، فقد قسموا شبه الجزيرة العربية إلى خمسة أقسام، هي:
اليمن وتهامة والحجاز ونجد واليمامة "وتسمى أيضًا العروض"١، وكان أساس تقسيمهم "جبل السراة" -أعظم جبال بلاد العرب- وهو سلسلة جبال تبدأ من اليمن، وتمتد شمالا حتى أطراف بادية الشام، على مدى ١١٠٠ ميل تقريبًا، ويطلق عليها عدة أسماء، فهي جبال السراة "السراة هي الأرض المرتفعة"، وهي جبال السروات "جمع سراة" وهي جبال الحجاز، كما كانت تسمى باسم الإقليم الذي هي فيه، فيقال جبال الحجاز في الحجاز، وجبال عسير في إقليم عسير٢.
стр. 100
وقد أضاف بعض الكتاب قسمًا سادسًا هو البحرين- والذي يسمى كذلك "هجر"- وهو في نظر البعض جزء من اليمامة، وفي نظر آخرين جزء من العراق، وأخيرًا فهناك من يقسم بلاد العرب إلى قسمين اثنين، الواحد: اليمن والحجاز، والآخر: تهامة ونجد واليمامة١.
стр. 101
١- اليمن:
وتمتد على طول المحيط الهندي، ويحدها البحر الأحمر من الغرب، والحجاز من الشمال، وفيها التهائم والنجد، وهي في عرف بعض الباحثين، إنما تقع من وراء تثليث وما سامتها إلى صنعاء، وما قاربها إلى حضرموت والشحر وعمان، إلى عدن أبين وما يلي ذلك من التهائم والنجود، وتخترق "السراة" اليمن من الشمال إلى الجنوب حتى البحر، وتتخللها الأودية التي تنساب فيها الأمطار، وتمتد بين الهضاب والشعاب فلاة تتفرع من الدهناء من ناحية اليمامة والفلج يقال لها "الغائط"، وتظهر في أواسطها، وتقع بين مأرب وحضرموت١.
واليمن -في رأي القلقشندي٢- قطعة من جزيرة العرب، يحدها من الغرب بحر القلزم، ومن الجنوب بحر الهند، ومن الشرق بحر فارس، ومن الشمال حدود مكة، حيث الموضع المعروف بطلحة الملك، وما على سمت ذلك إلى بحر فارس، وهكذا كان اليمن لا يقتصر على الجنوب الغربي لشبه جزيرة العرب فحسب، ولكنه يشمل كل دويلات جنوب شبه الجزيرة العربية، كسبأ وأوسان وحضرموت وعمان٣ وغيرها.
وأما سبب تسميتها باليمن، فذلك أمر ما يزال موضع خلاف، فهناك من يذهب إلى أن ذلك إنما كان نسبة إلى أول من قطنها من العرب، الذي قال له والده قحطان أنت
стр. 102
أيمن ولدي، أو لأنها تقع إلى يمين الكعبة، بينما يتجه فريق ثالث إلى أن السبب إنما كان في طبيعة البلاد نفسها، فهي بلاد اليمن والخير والبركة، على أن رأيًا رابعًا يذهب إلى أنها سميت بذلك لتيامن العرب إليها، أو لأن الناس قد كثروا بمكة فلم تحملهم فالتأمت بنو يمن إلى اليمن، وهي أيمن الأرض فسميت بذلك، وأخيرًا فهناك من يرجح أنها سميت اليمن من كلمة "يمنات" الواردة في نص يرجع إلى أيام الملك "شمر يهرعش"١ غير أن كل تلك الآراء لم تقل شيئًا عن الاسم الذي كان يطلق عليها قبل أن تسمى باليمن.
وتشتهر بلاد اليمن بغنى محاصيلها وتنوعها، واعتدال مناخها، حتى لقد سميت -كما يقول الهمداني- باليمن الخضراء، لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها، على أن فريقًا من المستشرقين إنما يرى أن ما نسب إلى اليمن من غنى وخصب مبالغ فيه، وأن معظم الحاصلات التي كان يظن أن بلاد اليمن مصدرها، إنما كان يستجلبها العرب -والمصريون الذين كانوا يحتكرون التجارة في البحر الأحمر- من جزائر الهند وسواحل أفريقية الشرقية، وأنهم كانوا يخفون هذا عن جيرانهم، حتى لا يزاحموهم في الحصول عليها من هذه الأنحاء، إلا أن هناك حقيقة واضحة، هي أنها كانت بسبب الجبال التي تقع في داخلها عرضة للرياح الموسمية، فتسقط الأمطار التي تجعل أرض اليمن تجود بالبن أهم حاصلاتها، وبالفاكهة والقمح والأعناب والتوابل٢.
стр. 103
٢- تهامة:
ورد اسم تهامة في النصوص العربية الجنوبية "تهمت" "تهمتم"١، وقد حاول بعض الباحثين إيجاد صلة بين هذه اللفظة وكلمة "Tiamtu" البابلية، ومعناها البحر، وكلمة "تيهوم" "Tehom" العبرية٢، بينما يتجه "جواد علي"
стр. 104
إلى أن الكلمة إنما ترجع إلى أصل ساميٍّ قديم، له علاقة بالمنخفضات الواقعة على البحر، ومن ثم فهي شديدة الرطوبة والحرارة في الصيف، ومن هنا سميت "تهامة" من التهم، وهو شدة الحر وركود الريح، إلا أن هناك من يرى أن السبب إنما هو تغير هوائها، كما أن هناك من يرى أن التهمة هي الأرض المتصوبة نحو البحر١، ولعل انخفاض أرض تهامة كان هو السبب في أن يسمى "بالغور" و"بالسافلة"، وعلى أي حال، فهي تتكون من المنطقة الساحلية الضيقة الموازية لامتداد البحر الأحمر من اليمن جنوبًا إلى العقبة شمالا٢.
وهي تتألف من تهائم، فهناك تهامة اليمن، وتهامة عسير، وتهامة الحجاز، وفي الواقع أن التهائم ليست هي المنطقة الساحلية السهلة فحسب، ولكنها تشتمل كذلك على أكثر المناطق الواقعة إلى المنحدر الغربي لسفوح جبال الحجاز٣، وتختلف في عرضها باختلاف قرب السلاسل الجبلية من البحر وبعدها عنه، وقد يبلغ عرضها خمسين ميلا في بعض الأماكن٤، وقد تضيق في أماكن أخرى إلى أن تصبح الهضاب القريبة من الساحل متصلة بالشاطئ رأسًا، هذا إلى أن أكثر هذه المنطقة الساحلية رملي شديد الحرارة، قليل الإنبات، كما أن جميع المدن الساحلية إنما تقع في هذه المنطقة٥.
стр. 105
٣- الحجاز:
وهو منطقة جبلية تقع غرب تهامة، وتحاذيها من الشمال إلى الجنوب، وتمتد رقعته -في رأي أكثر علماء الجغرافية المسلمين- من تخوم الشام عند العقبة إلى "الليث"، وهو واد بأسفل السراة يدفع في البحر، فتبدأ عندئذ
стр. 106
أرض تهامة١، أو هو من تخوم صنعاء من العبلاء وتبالة إلى تخوم الشام٢، وقد ذهب البعض إلى أن تبوك وفلسطين، إنما هما من أرض الحجاز، بينما سمي القسم الشمالي من الحجاز بأرض مدين وحسمي، نسبة إلى جبال "حسمي" التي تتجه من الشمال إلى الجنوب٣، والتي تتخللها أودية محصورة بين التيه وإيله، وبين أرض "بني عذرة" من ظهر حرة "نهيل"٤، وكانت تسكنها في العصر الجاهلي قبائل "جذام"٥، وعرب الحويطات في أيامنا هذه والذين يرى بعض الباحثين فيهم بقايا الأنباط٦.
وأما سبب تسميته حجازًا، فلأنه يحجز بين ساحل البحر الأحمر، وهو هابط مستواه، وبين النجاد الشرقية المرتفعة بالنسبة إلى الساحل الغربي٧، أو لأنه احتجز بالجبال٨، أو لأنه يحجز بين الغور والشام٩، أو لأنه يحجز بين تهامة ونجد، وما سال من "ذات عرق" مقبلا فهو نجد إلى أن يقطعه العراق٩، أو لأنه يحجز بين الشام واليمن والتهائم١١، أو بين تهامة والعروض، وفيما بين اليمن ونجد١٢.
стр. 107
٤- نجد:
وهي في الكتب العربية اسم للأرض العريقة التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها
стр. 108
العراق والشام١، وحدها "ذات عرق" في الحجاز، وما ارتفع عن بطن الرمة فهو نجد إلى أطراف العراق وبادية السماوة٢ -وهي ما بين جرش وسواد العراق- وليست في الكتب العربية حدود واضحة دقيقة لنجد، فهم يقولون "إذا خرجت من المدينة فأنت منجد إلى أن تتصوب في مدارج العرج -وهو واد بين مكة والمدينة٣- فإذا تصوبت فيها فقد أتهمت إلى مكة"٤، ويقولون "إذا خلفت عمان مصعدًا فقد أنجدت، فلا تزال منجدًا حتى تنزل في ثنايا ذات عرق فإذا فعلت ذلك فقد أتهمت إلى البحر٥، وعلى أي حال، فإن "نجدًا" بصفة عامة إنما هي الهضبة التي تكون قلب شبه الجزيرة العربية٦، وهي ليست قاحلة- كما يتصورها معظم الناس- وإنما نثرت فيها أراض صالحة للزراعة، بل هي دون شك أصح بلاد العرب، وأجودها هواء، ومن ثم فقد ترنم الشعراء برباها ورياضها.
وتتألف نجد من الوجهة الطبيعية من مناطق ثلاثة: منطقة وادي الرمة، فالمنطقة الوسطى، ثم المنطقة الجنوبية، أما علماء العرب فقد قسموا نجدًا إلى عالية وسافلة، أما نجد العالية: فما ولي الحجاز وتهامة، وأما السافلة فما ولي العراق٧، وكانت نجد حتى القرن السادس الميلادي ذات أشجار وغابات ولا سيما في "الشربة" جنوب وادي الرمة وفي "وجرة"٨.
стр. 109
٥- العروض:
وتشمل اليمامة والبحرين وما والاهما، وسميت عروضًا لأنها تعترض بين
стр. 110
اليمن ونجد والعراق١.
أما اليمامة فقد سميت كذلك نسبة إلى اليمامة أشهر بلادها، والتي كانت تعرف من قبل "جو والقرية"٢، وإن هذا التغيير في الاسم، إنما تم -طبقًا لرواية الأخباريين- بعد القضاء على "طسم" التي كانت تسكن الخضراء، و"جديس" التي كانت تسكن الخضرمة٣ -الأمر الذي سنناقشه بالتفصيل في مكانه من هذه الدارسة-.
هذا وقد عثر "جون فلبي"، وبعض رجال شركة النفط العربية السعودية، و"ألبرت جام" وبعثة جامعة الرياض، على كتابات ونقوش في موضع "قرية الفاو" -على مبعدة ١٢٠ كيلو مترًا من نجران- مكتوبة باللهجات العربية الجنوبية، وترجع إلى ما قبل الميلاد٤، كما عثروا على مقابر وعلى أدوات فخارية، ظهر من فحصها أنها تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد٥.
وإنه لمن الأهمية الإشارة إلى أن "برترام توماس" إنما يذهب إلى أن آبار "العويفرة" القريبة من "القرية" إنما هي موضع "أوفير٦"، التي أرسل إليها سليمان ملك اليهود، و"حيرام" ملك صور، بأساطيلهما لإحضار الذهب والأخشاب النفيسة وكل ما هو نادر وغريب٧، وأن الاسم العربي القديم إنما هو "عفرة" وقد تحرف بالنقل إلى العبرانية واليونانية فصار "Ophir"، وهذا الموضع قريب من مناجم الذهب٨.
ويبدو أن هناك عدة عوامل أثرت في اليمامة وفي أواسط شبه الجزيرة العربية،