← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12009

رحلة ابن بطوطة ط دار الشرق العربي

ابن بطوطة

Полный текст (582 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

خبر نقيب الأشراف: ونقيب الأشراف مقدم من ملك العراق ومكانه عنده مكين ومنزلته رفيعة وله ترتيب الأمراء الكبار في سفره وله الأعلام والأطبال وتضرب الطبلخانة عند بابه مساء وصباحا وإليه حكم هذه المدينة ولا والي بها سواه ولا مغرم فيها للسلطان ولا لغيره وكان النقيب في عهد دخولي إليها نظام الدين حسين بن تاج الدين الآوي نسبة إلى بلدة آوة من عراق العجم أهلها رافضة وكان قبله جماعة يلي كل واحد منهم بعد صاحبه منهم جلال الدين بن الفقيه ومنهم قوام الدين بن طاووس ومنهم ناصر الدين مطهر بن الشريف الصالح شمس الدين محمد الأوهري من عراقى العجم وهو الآن بأرض الهند من ندماء ملكها ومنهم أبو غرة بن سالم بن مهنا بن جماز بن شيحة الحسيني المدني. كان الشريف أبو غرة قد غلب عليه في أول أمره العبادة وتعلم العلم واشتهر بذلك وكان بالمدينة الشريفة كرمها الله في جوار ابن عمه منصور بن جماز أمير المدينة ثم أنه خرج عن المدينة واستوطن العراق وسكن منها بالحلة فمات النقيب قوام الدين بن طاووس فاتفق أهل العراق على تولية أبي غرة نقابة الأشراف وكتبوا بذلك إلى السلطان أبو سعيد فأمضاه ونفذ له اليرليغ وهو الظهير بذلك وبعث له الخلعة والأعلام والطبول على عادة النقباء ببلاد العراق فغلبت عليه الدنيا وترك العبادة والزهد وتصرف في الأموال تصرفا قبيحاً فرفع أمره إلى السلطان فلما علم بذلك أعمل السفر مظهرا أنه يريد خراسان قاصداً

стр. 142

زيارة قبر علي بن موسى الرضا بِطُوس وكان قصده الفرار فلما زار علي بن موسى قدم هراة وهي آخر بلاد خراسان وأعلم أصحابه أنه يريد بلاد الهند فرجع أكثرهم عنه وتجاوز هو أرض خراسان إلى السند فلما جاوز وادي السند المعروف ببنج آب ضرب طبوله وأنفاره فراع ذلك أهل القرى وظنوا أن التتر أتوا للإغارة عليهم وأجفلوا إلى المدينة المسماة باوجا وأعلموا أمير ها بما سمعوه فركب في عساكره واستعد للحرب وبعث الطلايع فرأوا نحو عشرة من الفرسان وجماعة من التجار والرجال ممن صحب الشريف في طريقه معهم الأطبال والأعلام فسألوهم عن شأنهم فأخبروهم أن الشريف نقيب العراق أتى وافداً على ملك الهند فرجع الطلايع إلى الأمير وأخبروه بكيفية الحال فاستضعف عقل الشريف لرفعه العلامات وضربه الطبول في غير بلاده. ودخل الشريف مدينة أوجا وأقام بها مدة تضرب الأطبال على باب داره غدوة وعشية وكان مولعاً بذلك ويُذكر أنه كان أيام نقابته بالعراق تضرب الأطبال على رأسه فإذا أمسك النقار عن الضرب يقول له زد نقرة يا نقار حتى لُقّب بذلك وكتب صاحب مدينة أوجا إلى ملك الهند بخبر الشريف وضربه الأطبال بالطريق وعلى باب داره غدوة وعشيا ورفعه الأعلام وعادة أهل الهند أن لا يرفع علماً ولا يضرب طبلاً إلا من أعطاه الملك ذلك ولا يفعله إلا في السفر وأما في حال الإقامة فلا يضرب الطبل إلا على باب الملك خاصة بخلاف مصر والشام والعراق فإن الطبول تضرب على أبواب الأمراء فلما بلغ خبره ملك الهند كره فعله وأنكره وفعل في نفسه وخرج الأمير إلى حضرة الملك وكان الأمير كشلي خان والخان عندهم أعظم الأمراء وهو الساكن بملتان كرسي بلاد السند وهو عظيم القدر عند ملك الهند يدعوه بالعم لأنه كان ممن أعان أباه السلطان غياث الدين تغلق شاه على قتال السلطان ناصر الدين خسروه شاه قد قدم على حضرة ملك الهند فخرج الملك إلى لقائه فاتفق أن كان وصول الشريف في ذلك اليوم وكان الشريف قد سبق الأمير بأميال وهو على حاله من ضرب الأطبال فلم يرعه إلا والسلطان في موكبه فتقدم الشريف إلى السلطان فسلم عليه وسأله السلطان عن حاله وما الذي جاء به فأخبره ومضى السلطان حتى لقي الأمير كشلي خان وعاد إلى حضرته ولم يلتفت إلى الشريف ولا أمر له بإنزال ولا غيره.

стр. 143

وكان الملك عازما على السفر إلى مدينة دولة أباد وتسمى أيضاً بالكتكة "بفتح الكافين والتاء المعلوة التي بينهما" وتسمى أيضا بالدونجر "دوكير"، وهي على مسيرة أربعين يوماً من مدينة دهلي حاضرة الملك. فلما شرع الملك في السفر بعث إلى الشريف بخمسمائة دينار دراهم وصرفها من ذهب المغرب مائة وخمسة وعشرون ديناراً وقال لرسوله إليه قل له أن أراد الرجوع إلى بلاده فهذا زاد وإن أراد السفر معها فهي نفقته في الطريق وإن أراد الإقامة بالحضرة فهي نفقته حتى نرجع فاغتم الشريف لذلك وكان قصده أن يجزل له العطاء كما هي عادته مع أمثاله واختار السفر صحبة السلطان وتتعلق بالوزير أحمد بن إياس المدعو بخواجة جهان وبذلك سماه الملك وبه يدعوه هو وبه يدعوه سائر الناس فإن من عادتهم أنه متى سمى الملك أحداً باسم مضاف إلى الملك من عماد أو ثقة أو قطب أو باسم مضاف إلى الجهان من صدر وغيره فبذلك يخاطبه الملك وجميع الناس ومن خاطبه بسوى ذلك لزمته العقوبة فأكدت المودة بين الوزير والشريف فأحسن إليه ورفع قدره ولاطف الملك حتى حسن فيه رأيه وأمر له بقريتين من قرى دولة أباد وأمره أن تكون إقامته بها وكان هذا الوزير من أهل الفضل والمروءة ومكارم الأخلاق والمحبة في الغرباء والإحسان إليهم وفعل الخير وإطعام الطعام وعمارة الزاويا فأقام الشريف يستغل القريتين ثمانية أعوام وحصل من ذلك مالاً عظيماً ثم أراد الخروج فلم يمكنه فإنه من خدم السلطان لا يمكنه الخروج إلا بإذنه وهو محب في الغرباء فقليلاً ما يأذن لأحدهم في السراح فأراد الفرار في طريق الساحل فرد منه وقدم الحضرة ورغب من الوزير أن يحاول قضية انصرافه فتلطف الوزير في ذلك حتى أذن له السلطان في الخروج عن بلاد الهند وأعطاه عشرة آلاف دينار من دراهمهم وصرفها من ذهب المغرب ألفان وخمسمائة دينار فأتى بها في بدرة فجعلها تحت فراشه ونام عليها لمحبته في الدنانير وفرحه بها وخوفه أن يتصل لأحد من أصحابه شيء منها فإنه كان بخيلا فأصابه وجع في جنبه بسبب رقاده عليها ولم يزل يتزايد به وهو آخذ في حركة سفره إلى أن توفي بعد عشرين يوماً من وصول البدرة إليه وأوصى بذلك المال للشريف حسن الجراني فتصدق بجملته على جماعة من الشيعة المقيمين بدلهي من أهل الحجاز والعراق، وأهل الهند لا يورثون بيت المال ولا يتعرضون

стр. 144

لمال الغرباء ولا يسألون عنه ولو بلغ ما عسى أن يبلغ وكذلك السودان لا يتعرضون لمال الأبيض ولا يأخذونه إنما يكون عند الكبار من أصحابه حتى يأتي مستحقه وهذا الشريف أبو غرة له أخ اسمه قاسم سكن غرناطة مدة وبها تزوج بنت الشريف أبي عبد الله بن إبراهيم الشهير بالمكي ثم انتقل إلى جبل طارق فسكنه إلى أن استشهد بوادي كرة من نظر الجزيرة الخضراء وكان بهمة من البهم لا يصطلي بناره خرق المعتاد في الشجاعة وله فيها أخبار شهيرة عند الناس وترك ولدين هما في كفالة الشريف الفاضل أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم بن نفيس الحسيني الكربلائي الشهير ببلاد المغرب وبالعراق، وكان تزوج أمهما بعد موت أبيهما، وهو محسن لها جزاه الله خيراً. ولما تحصلت لنا زيارة أمير المؤمنين علي ﵇ سافر الركب إلى بغداد وسافرت إلى البصرة صحبة رفقة كبيرة من عرب خفاجة وهم أهل تلك البلاد ولهم شوكة عظيمة وبأس شديد ولا سبيل للسفر في تلك الأقطار إلا في صحبتهم فاكتريت جملاً على يد أمير تلك القافلة شامر بن دراج الخفاجي وخرجنا من مشهد علي ﵇ فنزلنا الخورنق موضع سكنى النعمان بن المنذر وآبائه من ملوك بني ماء السماء وبه عمارة وبقايا قباب ضخمة في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات، ثم رحلنا عنه فنزلنا موضع يعرف بقائم الواثق وبه أثر قرية خربة ومسجد خرب لم يبق منه إلا صومعته، ثم رحلنا عنه آخذين مع جانب الفرات بالموضع المعروف بالعذار وهو غابة قصب في وسط الماء يسكنها أعراب يعرفون بالمعادي، وهم قطاع الطريق رافضية المذهب خرجوا على جماعة من الفقراء تأخروا عن رفقتنا فسلبوهم حتى النعال والكشاكل وهم يتحصنون بتلك الغابة ويمتنعون بها ممن يريدهم، والسباع بها كثيرة. ورحلنا مع هذا الغدار ثلاث مراحل، ثم وصلنا مدينة واسط. وهي حسنة الأقطار كثيرة البساتين والأشجار بها أعلام يُهدَي الخير شاهدهم، وتُهدي الاعتبار مشاهدهم، وأهلها من خيار أهل العراق بل هم خيرهم على الإطلاق أكثرهم يحفظون القرآن الكريم ويجيدون تجويده بالقراءة الصحيحة وإليهم يأتي أهل بلاد العراق برسم تعلم ذلك. وكان في القافلة التي وصلنا فيها جماعة من الناس أتوا برسم تجويد القرآن على من بها من الشيوخ وبها مدرسة عظيمة حافلة فيها حوالي ثلاثمائة خلوة ينزلها الغرباء القادمون لتعلم

стр. 145

القرآن عمرها الشيخ تقي الدين عبد المحسن الواسطي وهو من كبار أهلها وفقهائها ويعطي لكل متعلم بها كسوة في السنة ويجري له نفقته كل يوم ويقعد هو وإخوانه وأصحابه لتعليم القرآن بالمدرسة وقد لقيته وأضافني وزودني تمراً ودراهماً، ولما نزلنا مدينة واسط أقامت القافلة ثلاثة بخارجها للمتاجرة فسنح لي زيارة قبر الولي أبي العباس أحمد الرفاعي وهو بقرية تعرف بأم عبيدة على مسيرة يوم من واسط فطلبت من الشيخ تقي الدين أن يبعث معي من يوصلني إليها فبعث معي ثلاثة من عرب بني أسد، وهم قطان تلك الجهة. وأركبني فرساً له، وخرجت ظهرا فبت تلك الليلة بحوش بني أسد، ووصلنا في ظهر اليوم الثاني إلى الرواق وهو رباط عظيم فيه آلاف من الفقراء. وصادفنا به قدوم الشيخ أحمد كوجك حفيد ولي الله أبو العباس الرفاعي الذي قصدنا زيارته وقدم من موضع سكناه من بلاد الروم برسم زيارته قبر جده وإليه انتهت الشياخة بالرواق ولما انقضت صلاة العصر ضربت الطبول والدفوف وأخذ الفقراء في الرقص ثم صلّوا المغرب وقدموا السماط وهو خبز الأرز والسمك واللبن والتمر فأكل الناس ثم صلوا العشاء الآخرة وأخذوا في الذكر والشيخ أحمد قاعد على سجادة جده المذكور ثم أخذوا في السماع وقد أعدوا أحمالاً من الحطب فأججوها ناراً ودخلوا في وسطها يرقصون ومنهم من يتمرّغ فيها، ومنهم من يأكلها بفمه حتى أطفؤوها جميعاً وهذا دأبهم. وهذه الطائفة الأحمدية مخصوصون بهذا، وفيهم من يأخذ الحية العظيمة فيعض بأسنانه على رأسها حتى يقطعه. كنت مررت بموضع يقال له أفقانبور، من عمالة هزار أمروها، وبينها وبين دهلي حضرة الهند مسيرة خمس. وقد نزلنا بها على نهر يعرف بنهر السرو وذلك في أوان الشكال، والشكال عندهم هو المطر وينزل في إبان القيظ وكان السيل ينحدر في هذا النهر من جبال قراجيل فكل من يشرب منه من إنسان أو بهيمة يموت لنزول المطر على الحشائش المسمومة فأقمنا على النهر أربعة أيام لا يقربه أحد، ووصل إلى هنالك جماعة من الفقراء في أعناقهم أطواق الحديد وفي أيديهم، وكبيرهم رجل أسود حالك اللون وهم من الطائفة المعروفة بالحيدرية. فباتوا عندنا ليلة، وطلب مني كبيرهم أن آتيه بالحطب ليوقدوه عند رقصهم فكلفت والي تلك الجهة وهو عزيز المعروف بالخمار

стр. 146

"وسيأتي ذكره" أن يأتي بالحطب فوجه منه نحو عشرة أحمال، فأضرموا فيه النار بعد صلاة العشاء الآخرة حتى صارت جمراً وأخذوا في السماع ثم دخلوا في تلك النار فما زالوا يرقصون ويتمرغون فيها وطلب مني كبيرهم قميصاً فأعطيته قميصاً في النهاية من الرقة فلبسه وجعل يتمرغ به في النار ويضربها بأكمامه حتى طفئت تلك النار وخمدت وجاء إلي القميص والنار لم تؤثر فيه شيئا البتة فطال عجبي منه. ولما حصلت لي زيارة الشيخ أبي العباس الرفاعي نفع الله به عدت إلى مدينة واسط فوجدت الرفقة التي كمنت فيها قد رحلت فلحقتها في الطريق ونزلنا ماء يعرف بالهضيب، ثم رحلنا بوادي الكراع وليس به ماء، ثم رحلنا ونزلنا موضعاً يعرف بالمشيرب، ثم رحلنا منه ونزلنا بالقرب من البصرة، ثم رحلنا ضحوة النهار إلى مدينة البصرة. فنزلنا بها رباط مالك بن دينار، وكنت رأيت عند قدومي عليها على نحو ميلين منها بناء عاليا مثل الحصن، فسألت عنه فقيل لي هو مسجد علي بن أبي طالب ﵁ وكانت البصرة من اتساع الخطة وانفساح الساحة بحيث كان هذا المسجد في وسطها. وبينه الآن وبينها ميلان١، وكذلك بينه وبين السور الأول المحيط بها نحو ذلك، فهو متوسط بينهما. ومدينة البصرة إحدى أمهات العراق الشهيرة الذكر في الآفاق الفسيحة الأرجاء المونقة الأفناء ذات البساتين الكثيرة والفواكه الأثيرة، توفر قسمها من النضارة والخصب، لما كانت مجمع البحرين: الأجاج والعذب وليس في الدنيا أكثر نخلاً منها فيباع التمر في سوقها بحساب أربعة عشر رطلاً عراقية بدرهم ودرهمهم ثلث النقرة ولقد بعث إلى قاضيها حجة الدين بقوصرة تمر يحملها الرجل على تكلف فأردت بيعها فبيعت بتسعة دراهم أخذ الحمال منها ثلثها عن أجرة حملها من المنزل إلى السوق ويصنع بها من التمر عسلاً يسمى السيلان -، وهو طيب كأنه الجلاب.

стр. 147

والبصرة ثلاث محلات: إحداها محلة هذيل، وكبيرها الشيخ الفاضل علاء الدين بن الأثير من الكرماء الفضلاء أضافني وبعث إلي بثياب ودراهم، والمحلة الثانية محلة بني حرام كبيرها السيد الشريف مجد الدين موسى الحسني، ذو مكارم وفواضل أضافني وبعث إلي التمر والسيلان والدراهم، والمحلة الثالثة محلة العجم كبيرها جمال الدين بن اللوكي وأهل البصرة لهم مكارم أخلاق وإيناس للغريب وقيام بحقه فلا يستوحش فيما بينهم غريب وهم يصلون الجمعة في مسجد أمير المؤمنين علي ﵁ الذي ذكرته ثم يسد فلا يأتونه إلا في الجمعة التالية وهذا المسجد من أحسن المساجد وصحنه متناهي الانفساح مفروش بالحصباء الحمراء التي يؤتى بها من وادي السباع وفيه المصحف الكريم الذي كان عثمان ﵁ يقرأ فيه لما قتل وأثر تغيير الدم في الورقة التي فيها قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ١.

стр. 148

حكاية اعتبار: شهدت مرة بهذا المسجد صلاة الجمعة فلما قام الخطيب إلى الخطبة وسردها لحن فيها لحناً كثيراً جلياً فعجبت من أمره وذكرت ذلك للقاضي حجة الدين فقال لي أن هذا البلد لم يبق به من يعرف شيئاً من علم النحو وهذه عبرة لمن تفكر فيها. سبحان مغير الأشياء ومقلب الأمور وهذه البصرة التي إلى أهلها انتهت رياسة النحو وفيها أصله وفرعه ومن أهلها إمامه١ الذي لا يُنكر سبقه لا يقيم خطيبها خطبة الجمعة على دؤوبه عليها ولهذا الجامع سبع صوامع، إحداهما الصومعة التي تتحرك بزعمهم عند ذكر علي بن أبي طالب ﵁ صعدت عليها من أعلى سطح الجامع، ومعي بعض أهل البصرة،

стр. 149

فوجدت في ركن من أركانها مقبض خشب مسمراً فيها كأنه مقبض مملسة البناء فجعل الرجل الذي كان معي يده في ذلك المقبض وقال بحق رأس أمير المؤمنين علي ﵁ تحركي وهز المقبض فتحركت الصومعة فجعلت أنا يدي في المقبض وقلت له وأنا أقول بحق رأس أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ تحركي وهززت المقبض فتحركت الصومعة فعجبوا من ذلك وأهل البصرة على مذهب السنة والجماعة ولا يخاف من يفعل من مثل فعلي عندهم ولو جرى مثل هذا بمشهد الحسين أو بالحلة أو بالبحرين أو قم أو قاشان أو ساوة أو آوة أو طوس لهلك فاعله لأنهم رافضة غالية. قال ابن جزي: قد عاينت بمدينة برشانة من وادي المنصورة من بلاد الأندلس حاطها الله صومعة تهتز من غير أن يذكرها لها أحدٌ من الخلفاء أو سواهم، وفي صومعة الجامع الأعظم بها، وبناؤها ليس بالقديم. وهي كأحسن ما أنت راءٍ من مرّة حسن منظر واعتدالاً وارتفاعاً، لا ميل فيها ولا زيغ. صعدت إليها مرّة، ومعي جماعة من الناس، فأخذ بعض من كان معي بجوانب جامورها وهزوها فاهتزّت، حتى أشرت إليهم أن يكفوا فكفوا عن هزها.

стр. 150

خبر المشاهد المباركة بالبصرة: فمنها مشهد طلحة بن عبيد الله أحد العشرة ﵃ وهو بداخل المدينة وعليه قبة وجامع وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر وأهل البصرة يعظمونه تعظيماً شديداً وحق له، ومنها مشهد الزبير بن العوام حواري رسول الله ﷺ وابن عمته ﵄ وهو بخارج البصرة ولا قبة عليه وله مسجد وزاوية فيها الطعام لأبناء السبيل، وعلى ستة أميال منها بقرب وادي السباع قبر أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ولا سبيل لزيارته إلا في جمع كثيف لكثرة السباع وعدم العمران، ومنها قبر الحسن بن أبي الحسن البصري سيد التابعين ﵁، وقبر عتبة الغلام ﵁، وقبر مالك بن دينار ﵁، وقبر حبيب العجمي ﵁، وقبر سهل بن عبد الله التستري ﵁. وعلى كل قبر منها قبة مكتوب فيها اسم صاحب القبر ووفاته. وذلك كله داخل السور القديم. وهي اليوم بينها وبين البلد ثلاثة أميال وبها سوى ذلك قبور الجم الغفير من الصحابة والتابعين

стр. 151

والمستشهدين يوم الجمل. وكان أمير البصرة حين ورودي عليها يسمى بركن الدين العجمي التوريزي أضافني فأحسن إلي. والبصرة على ساحل الفرات والدجلة، وبها المد والجزر كمثل ما هو بوادي سلا من بلاد المغرب وسواه والخليج المالح الخارج من بحر فارس على عشرة أميال منها. فإذا كان المد غلب الماء المالح على العذب وإذا كان الجزر غلب الماء الحلو على الماء المالح، فيستسقي أهل البصرة ماء غير جيد لدورهم. ولذلك يقال أن ماءهم زعاق. قال ابن جزي: وبسبب ذلك كان هواء البصرة غير جيد، وألوان أهلها مصفرة كاسفة، حتى ضرب بهم المثل. وقال بعض الشعراء وقد أحضرت بين يدي الصاحب أترجة: لله أترج غدا بيننا ... معبراً عن حال ذي عبرَهْ لما كسا الله ثياب الضنا ... أهل الهوى وساكني البصرَهْ ثم ركبت من ساحل البصرة في صنبوق، وهو القارب الصغير إلى الأبُلّة. وبينها وبين البصرة عشرة أميال في بساتين متصلة ونخيل مظلة عن اليمين واليسار والبياعة في ظلال الأشجار يبيعون الخبز والسمك والتمر واللبن والفواكه وفيما بين البصرة والأبلة متعبد سهل بن عبد الله التستري فإذا حاذاه الناس بالسفن تراهم يشربون الماء مما يحاذيه من الوادي ويدعون عند ذلك تبركاً بهذا الوالي ﵁. والنواتية يحرفون في هذه البلد، وهم قيام. وكانت الأبلة مدينة عظيمة يقصدها تجار الهند وفارس فخربت وهي الآن قرية بها آثار قصور وغيرها دالة على عظمها، ثم ركبنا في الخارج من بحر فارس في مركب صغير لرجل من أهل الأبلة يسمى بمغامس، وذلك فيما بعد المغرب فصحبنا إلى عبادان وهي قرية كبيرة في سبخة لا عمارة بها وفيها مساجد كثيرة ومتعبدات ورباطات للصالحين وبينها وبين الساحل ثلاثة أميال. قال ابن جزي: عبادان كانت بلداً فيما تقدم، وهي مجدبة لا زرع بها، وإنّما يجلب إليها، والماء أيضاً بها قليل. وقد قال فيها بعض الشعراء: من مبلغ أندلساً أنني ... حللت عبادان أَقصى الثرى أوحشَ ما أبصرتُ لكنني ... قصدتُ فيها ذكرَها في الورى الخبزُ فيها يتهادَونَه ... وشربةُ الماءِ بها تُشْتَرى وعلى ساحل البحر منها رابطة، تعرف بالنسبة إلى الخضر وإلياس عليهما

стр. 152

السلام. وبإزائها زاوية يسكنها أربعة من الفقراء بأولادهم يخدمون الرابطة والزاوية، ويتعيشون من فتوحات الناس وكل من يمر بهم يتصدّق عليهم وذكر لي أهل هذه الزاوية أن بعبادان عابداً كبير القدر ولا أنيس له يأتي هذا البحر مرة في الشهر فيصطاد فيه ما يقوته شهراً ثم لا يرى إلا بعد تمام شهر وهو على ذلك منذ أعوام فلمّا وصلنا عبادان لم يكن لي شأن إلا طلبه فاشتغل من معي بالصلاة في المساجد والمتعبدات وانطلقت طالباً له فجئت مسجداً خرباً فوجدته يصلي فيه فجلست في جانبه فأوجز في صلاته ولما سلم أخذ بيدي وقال لي بلغك الله مرادك في الدنيا والآخرة فقد بلغت بحمد الله مرادي في الدنيا وهو السياحة في الأرض وبلغت من ذلك ما لم يبلغه غيري فيما أعلمه وبقيت الأخرى والرجاء قوي في رحمة الله وتجاوزه وبلوغ المراد من دخول الجنة ولما أتيت أصحابي أخبرتهم خبر الرجل وأعلمتهم بموضعه فذهبوا إليه فلم يجدوه ولا وقعُوا له على خبر فعجبوا من شأنه وعُدْنا بالعشي إلى الزاوية فَبِتْنا بها ودخل علينا أحد الفقراء الأربعة بعد صلاة العشاء الآخرة ومن عادة ذلك الفقير أن يأتي عبادان كل ليلة فيسرج السرج بمساجدها ثم يعود إلى زاويته فلما وصل إلى عبادان وجد الرجل العابد فأعطاه سمكة طرية وقال له أوصل هذه إلى الضيف الذي قدم اليوم فقال لنا الفقير عند دخوله علينا من رأى منكم الشيخ اليوم؟ فقلت له: أنا رأيته فقال لي هذه ضيافتك فشكرت الله على ذلك وطبخ لنا الفقير تلك السمكة فأكلنا منها جميعاً، وما أكلت قط سمكاً أطيب منها وهجس في خاطري الإقامة بقية العمر في خدمة ذلك الشيخ ثم صرفتي النفس اللجوج عن ذلك، ثم ركبنا البحر عند الصبح بقصد بلده ماجول ومن عادتي في سفري أن لا أعود على طريق سلكتها ما أمكنني ذلك وكنت أحب قصد بغداد العراق فأشار علي بعض أهل البصرة بالسفر إلى أرض اللور ثم إلى عراق العجم ثم إلى عراق العرب فعملت بمقتضى إشارته ووصلنا بعد أربعة أيام إلى بلدة ماجول على وزن فاعول وجميمُها معقودة، وهي صغيرة على ساحل الخليج الذي ذكرنا أنه يخرج من بحر فارس وأرضها سبخة لا شجر فيها ولا نبات ولها سوق عظيمة من أكبر الأسواق وأقمت بها يوماً واحداً، ثم اكتريت دابة لوكوبي من الذين يجلبون الحبوب من رامز إلى ماجول وسرنا ثلاثاً في صحراء يسكنها الأكراد في بيوت الشعر. ويقال: إان أصلهم من العرب، ثم وصلنا إلى مدينة رامز، وأول

стр. 153

حروفها "راء وآخرها زاي وميمها مكسورة"، وهي مدينة حسنة ذات فواكه وأنهار ونزلنا بها عند القاضي حسام الدين محمود، ولقيت عنده رجلاً من أهل العلم والدين والورع، هندي الأصل، يدعى بهاء الدين، ويسمى إسماعيل، وهو من أولاد الشيخ بهاء الدين أبي زكريا الملتاني، وقرأ على مشايخ توريز وغيرها. وأقمت بمدينة رامز ليلة واحدة، ثم رحلنا منها ثلاثاً في بسيط فيه قرى يسكنها الأكراد. وفي كل مرحلة منها زاوية فيها للوارد الخبز واللحم والحلواء، وحلواؤهم من رب العنب مخلوط بالدقيق والسمن. وفي كل زاوية الشيخ والإمام والمؤذنون والخادم للفقراء والعبيد يطبخون الطعام. ثمّ وصلت مدينة تستر، وهي آخر البسيط من بلاد أتابك، وأول الجبال، مدينة كبيرة رائقة نضرة، وبها البساتين الشريفة والرياض المنيفة، ولها المحاسن البارعة والأسواق الجامعة وهي قديمة البناء افتتحها خالد بن الوليد وإلى هذه المدينة ينسب سهل بن عبد الله ويحيط بها النهر المعروف بالأزرق وهو عجيب في نهاية من الصفاء شديد البرودة في أيام الحر ولم أر كزرقته إلا نهر بلخشان ولها باب واحد للمسافرين يسمى دروازة دسبول والدروازة عندهم الباب ولها أبواب غير شارعة إلى النهر وعلى جانبي النهر البساتين والدواليب والنهر عميق وعلى باب المسافرين منه جسر على القوارب كجسر بغداد والحلة. قال ابن جزي: وفي هذا النهر يقول بعضهم: انظر لشاذروان تستر وَاعجبِ ... مِن جمعِه ماءً لري بلادِهِ ككميِّ قومٍ جُمّعتْ أموالُهُ ... فغدا يفرّقه على أجنادِهِ. والفواكه بتستر كثيرة والخيرات متيسرة ولا مثل لأسواقها في الحسن وبخارجها تربة معظمة يقصدها أهل تلك الأقطار للزيارة وينذرون لها النذور ولها زاوية بها جماعة من الفقراء وهم يزعمون أنها تربة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان نزولي من مدينة تستر في مدرسة الشيخ الإمام الصالح المتفنن شرف الدين موسى بن الشيخ الصالح الإمام العالم صدر الدين سليمان وهو من ذرية سهل بن عبد الله وهذا الشيخ ذو مكارم وفضائل جامع بين العلم والدين والصلاح والإيثار وله مدرسة وزاوية وخدامها فتيان له أربعة سنبل وكافور وجوهر وسرور أحدهم موكل بأوقاف الزاوية والثاني متصرف فيما يحتاج إليه من النفقات في كل يوم والثالث خديم السماط

стр. 154

بين أيدي الواردين ومرتب الطعام لهم والرابع موكل بالطباخين والسقائين والفراشين فأقمت عنده ستة عشر يوماً فلم أر أعجب من ترتيبه ولا أرغد من طعامه يقدم بين يدي الرجل ما يكفي الأربعة من الأرز المفلفل المطبوخ في السمن والدجاج المقلي والخبز واللحم والحلواء وهذا الشيخ من أحسن الناس صورة وأقومهم سيرة وهو يعظ الناس بعد صلاة الجمعة بالمسجد الجامع ولما شاهدت مجالسه في الوعظ صغر لدي كل واعظ رأيته قبله بالحجاز والشام ومصر ولم ألق فيمن لقيته مثله. حضرت يوماً عنده ببستان له على شاطيء النهر وقد اجتمع فقهاء المدينة وكبراؤها وأتى الفقهاء من كل ناحية فأطعم الجميع ثم صلى بهم صلاة الظهر وقام خطيباً وواعظاً بعد أن قرأ القراء أمامه بالتلاحين المبكية والنغمات المحركة المهيجة وخطب خطبة بسكينة ووقار وتصرف في فنون العلم من تفسير كتاب الله وإيراد حديث رسول الله والتكلم على معانيه ثم ترامت عليه الرقاع من كل ناحية ومن عادة الأعاجم أن يكتبوا المسائل في رقاع ويرموا بها إلى الواعظ فيجيب عنها فلما رمى إليه بتلك الرقاع جمعها في يده وأخذ يجيب عنها واحدة بعد واحدة بأبدع جواب وأحسنه وحان وقت صلاة العصر فصلى بالقوم وانصرفوا وكان مجلسه مجلس علم ووعظ وبركة وتبادر التائبون فأخذ عليهم العهد وجز نواصيهم وكانوا خمسة عشر رجلاً من الطلبة قدموا من البصرة برسم ذلك وعشرة رجال من عوام تستر. ولما دخلت هذه المدينة أصابني مرض الحمى، وهذه البلاد يحمّ داخلها في زمان الحر كما يعرض في دمشق وسواها من البلاد الكثيرة المياه والفواكه. وأصابت الحمى أصحابي أيضاً. فمات منهم شيخ اسمه يحيى الخراساني وقام الشيخ بتجهيزه من كل ما يحتاج إليه الميت وصلى عليه وتركت بها صاحب يدعى بهاء الدين الخشني فمات بعد سفري وكنت حين مرضي لا أشتهي الأطعمة التي تصنع لي بمدرسته فذكر لي الفقيه شمس الدين السندي من طلبتها طعاماً فاشتهيته ودفعت له دراهم وطبخ لي ذلك الطعام بالسوق وأتى به إلي فأكلت منه فبلغ ذلك الشيخ فشق عليه وأتى إلي وقال لي كيف تفعل هذا وتطبخ الطعام في السوق؟ وهلاّ أمرت الخدم أن يصنعوا لك ما تشتهيه ثم أحضر جمعهم وقال لهم جميع ما يطلب منكم من أنواع الطعام والسكر وغيره

стр. 155

فأتوه به واطبخوا له ما يشاء وأكد عليهم ذلك أشد التأكيد جزاه الله خيراً. ثم سافرنا من مدينة تستر ثلاثاً في جبال شامخة وبكل منزل زاوية كما تقدم ذكر ذلك ووصلنا إلى مدينة إِيذَجْ "وضبط اسمها بكسر الهمزة وياء مد وذال معجم مفتوح وجيم"، وتسمى أيضا مال الأمير، وهي حضرة السلطان أتابك وعند وصولي إليها اجتمعت بشيخ شيوخها العالم الورع نورالدين الكرماني وله النظر في كل الزوايا وهم يسمونها المدارس والسلطان يعظمه ويقصد زيارته وكذلك أرباب الدولة وكبراء الحضرة يزورونه غدواً وعشياً فأكرمني وأضافني وأنزلني زاوية تعرف باسم الدينوري، وأقمت بها أياماً وكان وصولي في أيام القيظ وكنا نصلي صلاة الليل ثم ننام بأعلى سطحها ثم ننزل إلى الزاوية ضحوة وكان في صحبتي اثنا عشر فقيراً، منهم إمام وقارئان مجيدان وخادم ونحن على أحسن ترتيب.

стр. 156

خبر ملك إيذج وتستر: وملك إيذج في عهد دخولي إليها السلطان أتابك أفراسياب بن السلطان أتابك أحمد وأتابك عندهم سمة لجميع من يلي تلك البلاد من ملك وهي تسمى بلاد اللور. وولي هذا السلطان بعد أخيه أتابك يوسف وولي يوسف بعد أبيه أحمد وكان أحمد المذكور ملكاً صالحاً، سمعت من الثقات ببلاده أنه عمر أربعمائة وستين زاوية ببلاده، منها بحضرة إيذج أربع وأربعون، وقسم الخراج أثلاثاً ثلث لنفقة الزوايا والمدارس وثلث لمرتب العساكر وثلث لنفقته ونفقة عياله وعبيده وخدامه، ويبعث منه هدية لملك العراق في كل سنة وربما وفد عليه بنفسه، وشاهدت من آثاره الصالحة ببلاده أن أكثرها في جبال شامخة وقد نحتت الطرق في الصخور وسويت ووسعت بحيث تصعدها الدواب بأحمالها وطول هذه الجبال مسيرة سبعة عشر في عرض عشرة وهي شاهقة متصل بعضها ببعض تشقها الأنهار وشجرها البلوط وهم يصنعون من دقيقه الخبز، وفي كل منزل من منازلها زاوية يسمونها المدرسة فإذا وصل المسافر إلى مدرسة منها أتى بما يكفيه من الطعام والعلف لدابته سواء طلب ذلك أو لم يطلبه فإن عادتهم أن يأتي خادم المدرسة فيعد من نزل بها من الناس ويعطي

стр. 157

كل واحد منهم قرصين من الخبز ولحما وحلواء وجميعه من أوقاف السلطان عليها وكان السلطان أتابك أحمد زاهداً صالحاً كما ذكرناه يلبس تحت ثيابه مما يلي جسده ثوب شعر. وحين قدم السلطان أتابك أحمد مرة على ملك العراق أبي سعيد قال له بعض خواصه أن أتابك أحمد يدخل عليك وعليه الدرع وظن ثوب الشعر الذي تحت ثيابه درعاً فأمر باختبار ذلك على جهة من الانبساط ليعرف حقيقته فدخل عليه يوماً فقام إليه الأمير الجوبان عظيم أمراء العراق والأمير سويته أمير ديار بكر والشيخ حسن الذي هو الآن سلطان العراق، وأمسكوا بثيابه كأنهم يمازحونه فوجدوا تحت ثيابه ثوب الشعر ورآه السلطان أبو سعيد وقام إليه وعانقه وأجلسه إلى جواره وقال له سن أطا بالتركية ومعناه أنت أبي وعوضه عن هديته أضعافاً وكتب له اليرليغ وهو الظهير أن لا يطالبه بهدية بعدها هو ولا أولاده وفي تلك السنة توفي وولى ابنه أتابك يوسف عشرة أعوام ثم ولى أخوه افراسياب ولما دخلت مدينة إيذج أردت رؤية افراسياب المذكور فلم يتأت لي ذلك بسبب أنه لا يخرج إلا يوم الجمعة لإدمانه على الخمر وكان له ابن وهو ولي عهده وليس له سواه فمرض في تلك الأيام وفي إحدى الليالي أتاني أحد خدامه وسألني عن حالي فعرفته وذهب ثم جاء بعد صلاة المغرب ومعه طيفوران كبيران أحدهما بالطعام والآخر بالفاكهة وخريطة دراهم ومعه أهل السماع بآلاتهم وقال اعملوا السماع حتى يهزج الفقراء ويدعون لابن السلطان فقلت له أن أصحابي لا يدرون بالسماع ولا بالرقص ودعونا للسلطان ولولده وقسمت الدراهم على الفقراء ولما كان نصف الليل سمعنا الصراخ وقد مات المريض المذكور وفي الغد دخل علي شيخ الزاوية وأهل البلد وقالوا أن كبراء البلد من القضاة والفقهاء والأشراف والأمراء قد ذهبوا إلى دار السلطنة للعزاء فينبغي لك أن تذهب في جملتهم فأبيت فعزموا علي فلم يكن لي بد من السير وسرت معهم فوجدت مشور دار السلطنة ممتلئا رجالا وصبيانا من المماليك وأبناء الملوك والوزراء والأجناد قد لبسوا التلابيس وجلال الدواب وجعلوا فوق رؤسهم التراب والتبن وبعضهم قد جز ناصيته وانقسموا فرقتين فرقة بأعلى المشور وفرقة بأسفله وتزحف كل فرقة إلى الأخرى وهم ضاربون بأيديهم على صدورهم قائلين خوند كارما، ومعناه

стр. 158

مولاي أنا، فرأيت من ذلك أمراً هائلاً ومنظراً فظيعاً لم أعهد مثله. ومن غريب ما اتفق لي يومئذ أني دخلت فرأيت القضاة والخطباء والشرفاء قد استندوا إلى حيطان المشور وهو غاص بهم من جميع جهاته وهم بين باك ومتباك ومطرق وقد لبسوا فوق ثيابهم خامة من غليظ القطن غير محكمة الخياطة بطائنها إلى أعلى ووجوهها مما يلي أجسادهم وعلى رأس كل واحد منهم خرقة أو مئزر أسود هكذا يكون فعلهم إلى تمام أربعين يوماً وهي نهاية الحزن عندهم وبعدها يبعث السلطان لكل من فعل ذلك كسوة كاملة فلما رأيت جهات المشور غاصة بالناس نظرت يمينا وشمالا أرتاد موضعا لجلوسي فرأيت هنالك سقيفة مرتفعة عن الأرض بمقدار شبر وفي إحدى زواياهارجل منفرد عن الناس قاعد عليه ثوب صوف مثل اللبد يلبسه بتلك البلاد ضعفاء الناس أيام المطر والثلج في الأسفار فتقدمت منه وانقطع عني أصحابي لما رأوا إقدامي نحوه وعجبوا مني وأنا لا علم لي بشيء من حاله فصعدت السقيفة وسلمت على الرجل فرد السلام وارتفع عن الأرض كأنه يريد القيام وهو يسمون ذلك نصف القيام وقعدت في الركن المقابل له ثم نظرت إلى الناس وقد رموني بأبصارهم جميعاً فعجبت منهم ورأيت الفقهاء والمشايخ والأشراف مستندين إلى الحائط تحت السقيفة وأشار إلي أحد القضاة أن أنحط إلى جانبه فلم أفعل وحينئذ استشعرت أنه السلطان فلما كان بعد ساعة أتى شيخ المشايخ نور الدين الكرماني الذي ذكرناه قبل فصعد إلى السقيفة وسلم على الرجل فقام إليه وجلس فيما بيني وبينه فحينئذ علمت أنه السلطان. ثم جيء بالجنازة وهي بين أشجار الأترج والليمون وقد ملأوا أغصانها بثمارها وهي بأيدي رجال فكأن الجنازة تمشي في بستان والمشاعل في رماح طوال بين يديها والشمع كذلك فصلى عليها وذهب الناس معها إلى مدفن الملوك وهو بموضع يقال له هلا فيجان على أربعة أميال من المدينة وهناك مدرسة عظيمة يشقها نهر وبداخلها مسجد تقام فيه الجمعة وبخارجها حمام ويحف بها بستان عظيم وبها الطعام للوارد والصادر، ولم أستطع أن أذهب معهم إلى الدفن لبعد الموضع فعدت إلى المدرسة.

стр. 159

فلما كان بعد أيام بعث إلي السلطان رسوله الذي أتاني بالضيافة أولا يدعوني إليه فذهبت معه إلى باب يعرف بباب السر وصعدنا في درج كثيرة إلى أن انتهينا إلى موضع لا فرش به لأجل ما هم فيه من الحزن والسلطان جالس فوق مخدة وبين يديه آنيتان قد غطيتا أحدهما من الذهب والأخرى من الفضة وكانت بالمجلس سجادة خضراء ففرشت لي بالقرب منه وقعدت عليها وليس بالمجلس إلا حاجبه الفقيه محمود ونديم له لا أعرف اسمه فسألني عن حالي وبلادي وسألني عن الملك الناصر وبلاد الحجاز فأجبته عن ذلك ثم جاء فقيه كبير وهو رئيس فقهاء تلك البلاد فقال لي السلطان هذا مولانا فضيل والفقيه ببلاد الأعاجم كلها إنما يخاطب بمولانا وبذلك يدعوه السلطان وسواه ثم أخذ في الثناء على الفقيه المذكور وظهر لي أن السكر غالب عليه وكنت قد عرفت إدمانه على الخمر ثم قال لي باللسان العربي وكان يحسنه تكلم فقلت له: أن كنت تسمع مني أقول لك: أنت من أولادالسلطان أتابك أحمد المشهور بالزهد والصلاح وليس فيك ما يقدح في سلطنتك غير هذا وأشرت إلى الآنيتين فخجل من كلامي، وسكت وأردت الانصراف فأمرني بالجلوس وقال لي الاجتماع مع أمثالك رحمة ثم رأيته يتمايل ويريد النوم فانصرفت وكنت تركت نعلي بالباب فلم أجده، فنزل الفقيه محمود في طلبه وصعد الفقيه فضل يطلبه في داخل المجلس فوجده في طاق هنالك فأتى به فأخجلني بره واعتذرت إليه فقبل نعلي ووضعه على رأسه وقال لي بارك الله فيك هذا الذي قلته لسلطاننا لا يقدر أن يقوله أحد غيرك والله إني لأرجو أن يؤثر ذلك فيه. ثم كان رحيلي من حضرة ايذج بعد أيام فنزلت بمدرسة السلاطين التي بها قبورهم وأقمت بها أياما وبعث إلي السلطان بجملة دنانير وبعث بمثلها لأصحابي وسافرنا في بلاد هذا السلطان عشرة أيام في جبال شامخة وفي كل ليلة ننزل بمدرسة فيها الطعام فمنها ما هو العمار ومنها ما لا عمارة حوله ولكن يجلب إليها جميع ما تحتاج إليه وفي اليوم العاشر نزلنا بمدرسة كريو الرخ، وهي آخر بلاد الملك وسافرنا منها في بسيط من الأرض كثير المياه من عمالة مدينة أصفهان. ثم وصلنا إلى بلدة أَشْتُرْكان "وضبط اسمها بضم الهمزة وإسكان الشين

стр. 160

المعجم وضم التاء المعلوة وإسكان الراء وآخره نون". وهي بلدة حسنة كثيرة المياه والبساتين ولها مسجد بديع يشقه النهر. ثم رحلنا منها إلى مدينة فيروزان، واسمها كأنه تثنية فيروز وهي مدينة صغيرة ذات أنهار وأشجار وبساتين وصلناها بعد صلاة العصر فرأينا أهلها قد خرجوا لتشييع جنازة وقد أوقدوا خلفها وأمامها المشاعل وأتبعوها بالمزأمير والمغنيين بأنواع الأغاني المطربة فعجبنا من شأنهم وبتنا بها ليلة ومررنا بالغد بقرية يقال لها نبلان وهي كبيرة على نهر عظيم وإلى جانبه مسجد على النهاية من الحسن تصعد إليه في درج وتحفه البساتين، وسرنا يومنا فيما بين البساتين والمياه والقرى الحسان وأبراج الحمام. ووصلنا بعد العصر إلى مدينة أصفهان من عراق العجم "واسمها يقال بالفاء الخالصة ويقال بالفاء المعقودة المفخمة"، ومدينة أصفهان من كبار المدن وحسانها إلا أنها الآن قد خرب أكثرها بسبب الفتنة التي بين أهل السنة والروافض، وهي متصلة بينهم حتى الآن فلا يزالون في قتال، وبها الفواكه الكثيرة ومنها المشمش الذي لا نظير له ويسمونه بقمر الدين وهم ييبسونه ويدخرونه ونواه ينكسر عن لوز حلو ومنها السفرجل الذي لا مثيل له في طيب المطعم وعظم الجرم، والعناب الطيبة والبطيخ العجيب الشأن الذي لا مثيل له في الدنيا إلا ما كان من بطيخ بخارى وخوارزم وقشره أخضر وداخله أحمر ويدخر كما تدخر الشريحة بالمغرب وله حلاوة شديدة ومن لم يكن ألف أكله فإنه في أول مرة يُسهله وكذلك اتفق لي لما أكلته بأصفهان، وأهل أصفهان حسان الصور وألوانهم بيض زاهرة مشوبة بالحمرة والغالب عليهم الشجاعة والنجدة وفيهم كرم وتنافس عظيم فيما بينهم في الأطعمة تؤثر عنهم فيه أخبار غريبة وربما دعا أحدهم صاحبه فيقول له اذهب معي لتأكل نان وماس والنان بلسانهم الخبز والماس اللبن فإذا ذهب معه أطعمه أنواع الطعام العجيب مباهياً له بذلك وأهل كل صناعة يقدمون على أنفسهم كبيراً منهم يسمونه الكلو وكذلك كبار المدينة من غير أهل الصناعات وتكون الجماعة من الشبان والأعزاب وتفاخر تلك الجماعات بعضها بعضاً مظهرين لما قدروا عليه من الإمكان محتفلين في الأطعمة وسواها الاحتفال العظيم ولقد ذكر لي أن طائفة منهم أضافت أخرى فطبخوا طعامهم بنار الشمع ثم أضافتها أخرى فطبخوا طعامهم بالحرير. وكان نزولي بأصفهان في زاوية تنسب للشيخ علي بن سهل تلميذ الجنيد وهي معظمة يقصدها أهل تلك الآفاق ويتبركون بزيارتها وفيها

стр. 161

الطعام للوارد والصادر وبها حَمّام عجيب مفروش بالرخام وحيطانه بالقاشاني وهو موقوف بالسبيل لا يلزم أحد في دخوله شيء وشيخ هذه الزاوية الصالح العابد الورع قطب الدين حسين بن الشيخ الصالح ولي الله شمس الدين محمد بن محمود بن علي المعروف بالرجاء وأخوه العالم المفتي شهاب الدين أحمد أقمت عند الشيخ قطب الدين بهذه الزاوية أربعة عشر يوماً، فرأيت من اجتهاده في العبادة وحبه في الفقراء والمساكين وتواضعه لهم ما قضيتُ منه العجب وبالغ في إكرامي وأحسن ضيافتي وكساني كسوة حسنة وساعة وصولي الزاوية بعث إليّ الطعام وبثلاث بطيخات من البطيخ الذي وصفناه آنفاً، ولم أكن رأيته قبل ولا أكلته.

стр. 162

كرامات الشيخ قطب الدين: أنّه دخل علي يوما بموضع نزولي من الزاوية وكان ذلك الموضع يشرف على بستان للشيخ وكانت ثيابه قد غسلت في ذلك اليوم ونشرت في البستان ورأيت في جملتها جبة بيضاء مبطنة تدعى عندهم هزرميخي فأعجبتني وقلت في نفسي مثل هذه كنت أريد فلما دخل علي الشيخ نظر في ناحية البستان وقال لبعض خدامه ائتني بذلك الثوب الهزرميخي فأتوه به فكساني إياه فأهويت إلى قدميه أقبلهما وطلبت منه أن يلبسني طاقية من رأسه ويجيزني في ذلك بما أجازه والده عن شيوخه فألبسني إياهافي الرابع عشر لجمادى الأخير سنة سبع وعشرين وسبعمائة بزاويته المذكورة كما لبس من والده شمس الدين الذي لبس من والده أبيه تاج الدين محمود ولبس محمود من أبيه شهاب الدين علي الرجاء ولبس علي من الإمام شهاب الدين أبي حفص عمر بن محمد بن عبد الله السهروردي ولبس عمر من الشيخ الكبير ضياء الدين أبي النجيب السهروردي ولبس أبو النجيب من عمه الإمام وحيد الدين عمر ولبس عمر من والده علي بن عبد الله المعروف بعمويه ولبس محمد من الشيخ أخي فرج الزنجاني ولبس أخو فرج من الشيخ أحمد الدينوري، ولبس أحمد من الإمام ممشاد الدينوري ولبس ممشاد من الشيخ المحقق علي بن سهيل الصوفي ولبس علي من أبي القاسم الجنيد، ولبس الجنيد من سري السقطي، ولبس سري السقطي من داود الطائي، ولبس داود من الحسن بن أبي الحسن البصري،

стр. 163

ولبس الحسن بن أبي الحسن البصري من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. قال ابن جزي: مكذا أورد الشيخ أبو عبد الله هذا السند، والمعروف فيه أن سريا السقطي صحب معروفاً الكرخي، وصحب معروف داود الطائي، وكذلك داود الطائي بينه وبين الحسن حبيب العجمي، وأخوه فرج الزنجاني إنما المعروف أنذه صحب أبا العباس النهاوندي، وصحب النهاوندي أبا عبد الله بن خفيف، وصحب ابن خفيف أبا محمد وربما صحب روبم أبا القاسم الجنيد وأما محمد بن عبد الله عميه فهو الذي صحب الشيخ أحمد الدينوري الأسود، وليس بينهما أحدٌ والله أعلم والذي صحب أخا فرج الزنجاني هو عبد الله بن محمد بن عبد الله والدي أبي النجيب. ثم سافرنا من أصفهان بقصد زيارة الشيخ مجد الدين بشيراز وبينهما مسيرة عشرة أيام فوصلنا إلى بلدة كليل، "وضبطها بفتح الكاف وكسر اللام وياء مد" وبينها وبين أصفهان مسيرة ثلاثة وهي بلدة صغيرة ذات أنهار وبساتين وفواكه رأيت التفاح يباع في سوقها خمسة عشر رطلاً عراقية بدرهم ودرهمهم ثلث النقرة، ونزلنا بزاوية عمرها كبير هذه البلدة المعروف بخواجه كافي وله مال عريض قد أعانه على إنفاقه في سبيل الخيرات من الصدقة وعمارة الزوايا وإطعام الطعام لأبناء السبيل، ثم سرنا من كليل يومين ووصلنا إلى قرية كبيرة تعرف بصوماء وبها زاوية فيها الطعام للوارد والصادر عمرها خواجه كافي المذكور، ثم سرنا منه إلى يزْدخاص "وضبط اسمها بفتح الياء آخر الحروف وإسكان الزاي وضم الدال المهمل وخاء معجم وألف وصاد مهمل" بلدة صغيرة متقنة العمارة حسنة السوق والمسجد الجامع بها عجيب مبني بالحجارة مسقف بها والبلد على صفة خندق فيه بساتينها ومياهها وبخارجها رباط ينزل به المسافرون عليه باب حديد وهو في النهاية من الحصنة والمنعة وبداخله حوانيت يباع فيها كل ما يحتاجه المسافرون وهذا الرباط عمره الأمير محمد شاه ينجو والد السلطان أبي إسحاق ملك شيراز وفي يزد خاص يصنع الجبن اليزدخاصي ولا نظير له في طيبه وزن الجبنة منه من أوقتين إلى أربع، ثم سرنا منها على طريق دشت الروم وهي صحراء يسكنها الأتراك. ثم سافرنا إلى مايين "واسمها بياءين مسفولتين أولهما مكسورة" وهي بلدة صغيرة كثيرة الأنهار والبساتين حسنة الأسواق، وأكثر أشجارها الجوز. ثم سافرنا منها إلى مدينة

стр. 164

شيراز، وهي مدينة أصلية البناء فسيحة الأرجاء شهيرة الذكر منيفة القدر لها البساتين المونقة والأنهار المتدفقة والأسواق البديعة والشوارع الرفيعة وهي كثيرة العمارة متقنة المباني عجيبة الترتيب وأهل كل صناعة في سوقها لا يخالطهم غيرهم حسان الصور نظاف الملابس وليس في المشرق بلدة تداني مدينة دمشق في حسن أسواقها وبساتينها وأنهارها وحسن صور ساكنيها إلا شيراز وهي في بسيط من الأرض تحف بها البساتين من جميع الجهات وتشقها خمسة أنهار أحدها النهر المعروف بركن آباد وهو عذب الماء شديد البرودة في الصيف سخن في الشتاء فينبعث من عين في سفح الجبل هنالك يسمى القليعة ومسجدها الأعظم يسمى بالمسجد العتيق وهو أكبر المساجد مساحة وأحسنها بناء وصحنه متسع مفروش بالمرمر ويغسل في أوان الحر في كل ليلة ويجتمع فيه كبار أهل المدينة كل عشية يصلون به المغرب والعشاء وبشماله باب يعرف بباب حسن يفضي إلى سوق الفاكهة وهي من أبدع الأسواق وأنا أقول بتفضيلها على باب البريد من دمشق وأهل شيراز أهل صلاح ودين وعفاف وخصوصاً نساؤها وهن يلبسن الخفاف، ويخرجن ملتحفات متبرقعات فلا يظهر منهن شيء، ولهن الصدقات والإيثار ومن غريب حالهن أنهن يجتمعن لسماع الواعظ في كل يوم اثنين وخميس وجمعة بالجامع الأعظم فربما اجتمع منهن الألف والألفان بأيديهن المراوح يروحن بها على أنفسهن من شدة الحر ولم أر اجتماع النساء في مثل عددهن في بلدة من البلاد. وعند دخولي إلى مدينة شيراز لم يكن لي هم إلا قصد الشيخ القاضي الإمام قطب الأولياء فريد الدهر ذي الكرامات الظاهرة مجد الدين إسماعيل بن محمد بن خداد ومعنى خداد عطية الله فوصلت إلى المدرسة المجدية المنسوبة إليه وبها سكناه وهي من عمارته فدخلت إليه رابع أربعة من أصحابي ووجدت الفقهاء وكبار اهل المدينة في انتظاره فخرج إلى صلاة العصر ومعه محب الدين وعلاء الدين ابنا أخيه وشقيقه روح الدين أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهما نائباه في القضاء لضعف بصره وكبر سنه فسلمت عليه وعانقني وأخذ بيدي إلى أن وصل إلى مصلاه فأرسل يدي وأومأ إلى أن أصلي إلى جانبه ففعلت وصلى العصر ثم قرئ بين يديه من كتاب المصابيح وشوارق الأنوار للصاغاني، وطالعاه نائباه بما جرى لديهما من القضايا وتقدم كبار المدينة للسلام عليه وكذلك عادتهم معه صباحاً ومساءً ثم سألني عن حالي وكيفية قدومي وسألني عن المغرب ومصر والشام والحجاز

стр. 165

فأخبرته بذلك وأمر خدامه فأنزلوني بدويرة صغيرة بالمدرسة وفي غد ذلك اليوم وصل إليه رسول ملك العراق السلطان أبي سعيد وهو ناصر الدين الدرقندي من كبار الأمراء خراساني الأصل فعند وصوله إليه نزع شاشيته عن رأسه وهم يسمونها الكلا وقبل رجل القاضي وقعد بين يدين ممسكا أذن نفسه بيده وهكذا فعل أمراء التتر عند ملوكهم وكان هذا الأمير قد قدم في نحو خمسمائة فارس من مماليكه وخدامه وأصحابه ونزل خارج المدينة ودخل إلى القاضي في خمسة نفر ودخل مجلسه وحده منفردا تأدباً. كان ملك العراق السلطان محمد خذابنده قد صحبه في حال كفره فقيه من الروافض الإمامية يسمى جمال الدين بن مطهر فلما أسلم السلطان المذكور وأسلمت بإسلامه التتر زاد في تعظيم هذا الفقيه فزين له مذهب الروافض وفضله عن غيره وشرح له حال الصحابة والخلافة وقرر لديه أن أبا بكر وعمر كانا وزيرين لرسول الله وأنّ عليا ابن عمه وصهره فهو وارث الخلافة ومثل له ذلك بما هو مألوف عنده من أن الملك الذي بيده إنما هو إرث عن أجداده وأقاربه مع حدثان عهد السلطان بالكفر وعدم معرفته بقواعد الدين فأمر السلطان بحمل الناس على الرفض وكتب بذلك إلى العراقيين وفارس وأذربيجان وأصفهان وكرمان وخراسان وبعث الرسل إلى البلاد فكان أول بلد وصل إليها بغداد وشيراز وأصفهان فأما أهل بغداد فامتنع أهل باب الأزج منهم وهم أهل السنة وأكثرهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل وقالوا لا سمع ولا طاعة وأتوا المسجد الجامع في يوم الجمعة ومعهم السلاح وبه رسول السلطان فلما صعد الخطيب المنبر قاموا إليه وهم اثني عشر ألفا في سلاحهم وهم حماة بغداد والمشار إليهم فيها فحلفوا له أنه أن غير الخطبة المعتادة أو زاد فيها أو نقص فإنهم قاتلوه وقاتلوا رسول الملك ومستسلمون بعد ذلك لما شاء الله وكان السلطان أمر بأن تسقط أسماء الخلفاء وسائر الصحابة من الخطبة ولا يذكر إلا اسم علي ومن تبعه كعمار ﵃ فخاف الخطيب من القتل وخطب الخطبة المعتادة وفعل أهل شيراز وأصفهان كفعل أهل بغداد فرجعت الرسل إلى الملك فأخبروه بما جرى في ذلك فأمر أن يؤتي بقضاة المدن الثلاث فكان أول من أتى به منهم القاضي مجد الدين قاضي شيراز والسلطان إذ ذاك في موضع يعرف بقراباغ وهو موضع مصيفه فلما

стр. 166

وصل القاضي أمر أن يرمي به إلى الكلاب التي عنده وهي كلاب ضخام في أعناقها السلاسل معدة لأكل بني آدم فإذا أوتي بمن يسلط عليه الكلاب جعل في رحبة كبيرة مطلقا غير مقيد ثم بعثت تلك الكلاب عليه فيفر أمامها ولا مفر له فتدركه فتمزقه وتأكل لحمه فلما أرسلت الكلاب على القاضي مجد الدين ووصلت إليه بصبصت إليه وحركت أذنيها بين يديه ولم تهجم عليه بشيء فبلغ ذلك السلطان فخرج من داره حافي القدمين فأكب على رجلي القاضي يقبلها وأخذ بيده وخلع عليه جميع ما كان عليه من ثياب وهي أعظم كرامات السلطان عندهم وإذا خلع ثيابه كذلك على أحد كانت شرفاً له ولبنيه وأعقابه يتوارثونه ما دامت تلك الثياب أو منها وأعظمها في ذلك السراويل ولما خلع السلطان ثيابه على القاضي مجد الدين أخذ بيده وأدخله إلى داره وأمر نساءه بتعظيمه والتبرك به ورجع السلطان عن مذهب الرفض وكتب إلى بلاده أن يقر الناس على مذهب أهل السنة والجماعة وأجزل العطاء للقاضي وصرفه إلى بلاده مكرماً معظماً وأعطاه في جملة عطاياه مائة قرية من قرى جمكان وهو خندق بين جبلين طوله أربعة وعشرون فرسخاً يشقه نهر عظيم والقرى منتظمة بجانبيه وهو أحسن موضع بشيراز ومن قراه العظيمة التي تضاهي المدن قرية ميمن١، وهي للقاضي المذكور ومن عجائب هذا الموضع المعروف بجمكان أن نصفه مما يلي شيراز وذلك مسافة اثني عشر فرسخاً شديد البرد وينزل فيه الشيخ وأكثر شجره الجوز والجزء الآخر مما يلي بلاد هنج وبال وبلاد اللار في طيريق هرمز شديد الحر وفيه شجر النخيل. وقد تكرر لي لقاء القاضي مجد الدين ثانية حين خروجي من الهند قصدته من هرمز متبركاً بلقائه وذلك سنة ثمان وأربعون. وبين هرمز وشيراز مسيرة خمسة وثلاثين يوماً فدخلت عليه وهو قد ضعف عن الحركة فسلمت عليه فعرفني وقام إلي فعانقني ووقعت يدي على مرفقه وجلده لاصق بالعظم لا لحم بينهما وأنزلني بالمدرسة حيث أنزلني أول مرة وزرته يوماً فوجدت ملك شيراز السلطان أبا إسحاق وسيقع ذكره قاعداً بين يديه ممسكاً بأذن نفسه وذلك هو غاية الأدب عندهم ويفعله الناس إذا قعدوا بين يدي الملك. وأتيت

стр. 167

مرة أخرى إلى المدرسة، فوجدت بابها مسدودًا. فسألت عن سبب ذلك فأخبرت أن أم السلطان وأخته نشأت بينهما خصومة في ميراث فصرفهما إلى القاضي مجد الدين فوصلتا إليه إلى المدرسة وتحاكمتا عنده وفصل بينهما بواجب الشرع وأهل شيراز لا يدعونه بالقاضي وإنما يقولون له مولانا أعظم وكذلك يكتبون في التسجيلات والعقود التي تفتقر إلى ذكر اسمه فيها وكان آخر عهدي به شهر ربيع الثاني من عام ثمانية وأربعين وسبعمائة ولاحت علي أنواره وظهرت لي بركاته نفع الله به وبأمثاله.

стр. 168

خبر سلطان شيراز: وسلطان شيراز في عهد قدومي عليها الملك الفاضل أبو إسحاق بن محمد شاه ينجو سماه أبوه باسم الشيخ أبي إسحاق الكازروني نفع الله به وهو من خيار السلاطين حسن الصورة والسيرة والهيئة كريم النفس جميل الأخلاق متواضع صاحب قوة وملك كبير وعسكره ينيف على خمسين ألفاً من الترك والأعاجم وبطانته الأدنون إليه أهل أصفهان وهو لا يأتمن أهل شيراز على نفسه ولا يستخدمهم ولا يقربهم ولا يبيح لأحد منهم حمل السلاح لأنهم أهل نجدة وبأس شديد وجرأة على الملوك ومن وجده بيده السلاح منهم عوقب ولقد شاهدت رجلا مرة تجره الجنادرة وهم الشرط إلى الحاكم وقد ربطوه في عنقه فسألت عن شأنه فأخبرت أنه وجدت في يده قوس بالليل فذهب السلطان المذكور إلى قهر أهل شيراز وتفضيل الأصفهانيين عليهم لأنه يخافهم على نفسه وكان أبوه محمد شاه ينجو والياً على شيراز من قبل ملك العراق وكان حسن لسيرة محبباً إلى أهلها فلما توفي ولّى السلطان أبو سعيد مكانه الشيخ حسيناً، وهو ابن الجويان أمير الأمراء، وسيأتي ذكره، وبعث معه العساكر الكثيرة فوصل إلى شيراز وملكها وضبط مجابيها وهي من أعظم بلاد الله مجبى. ذكر لي الحاج قوام الدين الطمغجي وهو والي المجبى بها أنه ضمنها بعشرة آلاف دينار دراهم كل يوم وصرفها من ذهب المغرب ألفان وخمسمائة دينار ذهباً وأقام بها الأمير حسين مدة ثم أراد القدوم على ملك العراق فقبض على أبي إسحاق بن محمد شاه ينجو وعلى أخيه ركن الدين

стр. 169

ومسعود بك وعلى والدته طاش خاتون وأراد حملهم إلى العراق ليطالبوا بأموال أبيهم فلما توسطوا السوق بشيراز كشفت طاش خاتون وجهها وكانت متبرقعة حياء أن ترى في تلك الحال فإن عادة نساء الأتراك أن لا يغطين وجوههن واستغاثت بأهل شيراز وقالت أهكذا يا أهل شيراز أخرج من بينكم وأنا فلانة زوجة فلان فقام رجل من النجارين يسمى بهلوان محمود قد رأيته بالسوق حين قدومي على شيراز فقال لا نتركها تخرج من بلدنا ولا نرضى بذلك فتابعه الناس على قوله وثارت عامتهم ودخلوا في السلاح وقتلُوا كثيراً من العسكر وأخذوا الأموال وخلصوا المرأة وأولادها وفر الأمير حسين ومن معه وقدم السلطان أبي سعيد مهزوماً فأعطاه العساكر الكثيفة وأمره بالعودة إلى شيراز والتحكم في أهلها بما شاء فلما بلغ أهلها ذلك علموا أنهم لا طاقة لهم فقصدوا القاضي مجد الدين وطلبوا منه أن يحقن دماء الفريقين ويوقع الصلح فخرج إلى الأمير حسين فترجل له الأمير عن فرسه وسلم عليه ووقع الصلح ونزل الأمير حسين ذلك اليوم خارج المدينة فلما كان من الغد برز أهلها للقائمين في أجمل ترتيب وزينوا البلد وأوقدوا الشمع الكثير ودخل الأمير حسين في أبهة وحفل عظيم وسار فيهم بأحسن سيرة فلما مات السلطان أبو سعيد وانقرض عقبه وتغلب كل أمير على ما بيده خافهم الأمير حسين على نفسه وخرج وتغلب السلطان أبو إسحق عليها وعلى أصفهان وبلاد فارس وذلك مسيرة شهر ونصف شهر واشتدت شوكته وطمعت همته إلى تملك ما يليه من البلاد فبدأ بالأقرب منها وهي مدينة بزد مدينة حسنة نظيفة عجيبة الأسواق ذات أنهار مطردة وأشجار نضيرة وأهلها تجار شافعية المذهب فحاصرها وتغلب عليها وتحصن الأمير مظفر شاه بن الأمير علي شاه بن مظفر بقلعة على ستة أميال منها منيعة تحدق بها الرمال فحاصره بها فظهر من الأمير مظفر من الشجاعة ما خرق المعتاد ولم يسمع بمثله فكان يضرب على عسكر السلطان أبي إسحاق ليلاً ويقتل ما شاء ويخرق المضارب والفساطيط ويعود إلى قلعته فلا يقدر على النيل منه وضرب ليلة على دوار السلطان وقتل هنالك جماعة وأخذ من عتاق خيله عشرة وعاد إلى قلعته فأمر السلطان أن تركب في كل ليلة خمسة آلاف فارس ويصنعون له الكمائن وتلاحقت العساكر فقاتلهم وخلص إلى قلعته ولم يصب من أصحابه إلا واحداً أتى به إلى السلطان أبي إسحاق فخلع عليه وأطلقه وبعث معه أماناً لمظفر لينزل إليه فأبى ذلك، ثم

стр. 170

وقعت بينهما المراسلة ووقعت له محبة في قلب السلطان أبي إسحاق لما رأى من شجاعته، فقال: أريد أن أراه فإذا رأيته انصرفت عنه فوقف السلطان في خارج القلعة ووقف هو ببابها وسلم عليه فقال له السلطان انزل على الأمان فقال له مظفر إني عاهدت الله أن لا أنزل إليك حتى تدخل أنت قلعتي وحينئذ أنزل إليك فقال له أفعل ذلك فدخل إليه السلطان في عشرة من أصحابه الخواص. فلما وصل باب القلعة ترجل مظفّر وقبل ركابه ومشى بين يديه مترجلاً، فأدخله داره وأكل من طعامه ونزل معه إلى المحلة راكبا فأجلسه السلطان إلى جانبه وخلع عليه ثيابه وأعطاه مالاً عظيماً ووقع الاتفاق بينهما أن تكون الخطبة باسم السلطان أبو إسحاق وتكون البلاد لمظفر وأبيه وعاد السلطان إلى بلاده. وكان السلطان أبو إسحاق طمح ذات مرة إلى بناء إيوان كإيوان كسرى وأمر أهل شيراز أن يتولوا حفر أساسه فأخذوا في ذلك وكان أهل كل صناعة يباهون من عداهم فانتهوا إلى المباهاة إلى أن صنعوا القفاف لنقل التراب من الجلد وكسوها ثياب الحرير المزركش وفعلوا ذلك في براذع الدواب وإخراجها وصنع بعضهم الفؤوس من الفضة وأوقدوا الشمع الكثير وكانوا حين الحفر يلبسون أجمل ملابسهم ويربطون فوط الحرير على أوساطهم والسلطان يشاهد أفعالهم في منظرة له وقد شاهدت هذا المبنى وقد ارتفع عن الأرض نحو ثلاثة أذرع ولما بنى أساسه رفع عن أهل المدينة التخديم فيه وصارت الفعلة تخدم فيه بالأجرة ويحشر لذلك آلاف منهم وسمعت والي المدينة يقول أن معظم مجباها ينفق في ذلك البناء وقد كان الموكل به الأمير جلال الدين الفلكي التوريزي وهو من الكبار كان أبوه نائبا عن وزير السلطان أبي سعيد المسمى علي شاه جيلان ولهذا الأمير جلال الدين الفلكي أخ فاضل اسمه هبة الله ويلقب بهاء الملك وفد على ملك الهند حين وفودي عليه ووفد معنا شرف الملك أمير يخت فخلع ملك الهند علينا جميعاً وقدم كل واحد في شغل يليق به وعين لنا المرتب والإحسان وسنذكر ذلك. وهذا السلطان أبو إسحاق يريد التشبه بملك الهند المذكور في الإيثار وإجزال العطايا. ولكن أين الثريا من الثرى. وأعظم ما تعارفنا من أعطيات أبي إسحاق أنه أعطى الشيخ زاده الخراساني الذي أتاه رسولا عن ملك هراة سبعين ألف دينار. وأما

стр. 171

ملك الهند فلم يزل يعطي أضعاف ذلك لمن لا يحصى كثرة من أهل خراسان وغيرهم. ومن عجيب فعل ملك الهند مع الخراسانيين أنه قدم عليه رجل من فقهاء خراسان هروي المولد من سكان خوارزم يسمى بالأمير عبد الله بعثه الخاتون ترابك زوج الأمير قطلود مور صاحب خوارزم بهدية إلى ملك الهند المذكور فقبلها وكافأ عنها بأضعافها وبعث ذلك إليها واختار رسولها المذكور الإقامة عنده فصيره في ندمائه فلما كان ذات يوم قال له ادخل إلى الخزانة فارفع منها قدر ما تستطيع أن تحمله من الذهب فرجع إلى داره فأتى بثلاث عشرة خريطة وجعل في كل خريطة قدر ما وسعته وربط كل خريطة بعضو من أعضائه وكان صاحب قوة وقام بها فلما خرج من الخزانة وقع ولم يستطع النهوض فأمر السلطان بوزن ما خرج به فكان جملته ثلاثة عشر منا بمنان دهلي والمن الواحد منها خمسة وعشرون رطلا مصرية فأمره أن يأخذ جميع ذلك فأخذه. وقد اشتكى مرة أمير يخت الملقب بشرف الدين الخراساني وهو الذي تقدم ذكره آنفا بحضرة ملك الهند فأتاه الملك عائداً ولما دخل عليه أراد القيام فحلف له الملك أن لا ينزل عن كته والكت السرير ووضع للسلطان متكأة يسمونها المورة فقعد عليها ثم دعا بالذهب والميزان فأحضرا وأمر المريض أن يقعد في إحدى كفتي الميزان فقال يا خوند عالم لو علمت أنه تفعل هذا للبست علي ثياباً كثيرة فقال له البس الآن جميع ما عندك من الثياب فلبس الثياب المعدة للبرد المحشوة بالقطن وقعد في كفة الميزان ووضع الذهب في الكفة الأخرى حتى رجحه الذهب وقال له خذ هذا فتصدق به على رأسك وخرج عنه. وفد عليه الفقير عبد العزيز الأردويلي وكان قد قرأ علم الحديث بدمشق فتفقه فيه فجعل مرتبه مائة دينار دراهم في اليوم وصرف ذلك خمسة وعشرون دينارا ذهبا وحضر مجلسه يوماً السلطان عن حديث فسأله فسرد له أحاديث كثيرة في ذلك المعنى فأعجبه حفظه وحلف له برأسه أنه لا يزول من مجلسه حتى يفعل معه ما يراه ثم نزل الملك عن مجلسه فقبل قدميه وأمر بإحضار صينية من ذهب وهي مثل الطيفور الصغير وأمر أن يأتي فيها ألف دينار من الذهب وأخذها السلطان بيده فصبّها عليه وقال: هي لك مع

стр. 172

الصينية. ووفد عليه مرة رجل خراساني يعرف بأبي الشيخ عبد الرحمن الأسفراييني وكان أبوه نزل بغداد فأعطاه خمسين ألف دينار دراهم وخيلاً وعبيداً وخلعاً وسنذكر كثيراً من أخبار هذا الملك عند ذكر بلاد الهند. وإنما ذكرنا هذا لما قدمناه من أن السلطان أبا إسحاق يريد التشبه به في العطايا وهو أن كان كريما فاضلا فلا يلحق بطبقة ملك الهند في الكرم والسخاء.

стр. 173

بعض المشاهد بشيراز: منها مشهد أحمد بن موسى أخي علي الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم وهو مشهد معظم عند أهل شيراز يتبركون به ويتوسلون إلى الله تعالى بفضله وبنت عليه طاش خاتون أم السلطان أبي إسحق مدرسة كبيرة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر والقراء يقرأون القرآن على التربة دائما ومن عادة الخاتون أنها تأتي إلى هذا المشهد في كل ليلة اثنين ويجتمع في تلك الليلة القضاة والفقهاء والشرفاء وشيراز من أكثر بلاد الله شرفاء سمعت من الثقات أن الذين لهم بها المرتبات من الشرفاء ألف وأربعمائة ونيف بين صغير وكبير ونقيبهم عضد الدين الحسيني فإذا حضر القوم بالمشهد المذكور ختموا القرآن قراءة في المصاحف وقرأ القراء بالأصوات الحسنة وأتي بالطعام والفواكه والحلواء فإذا أكل القوم وعظ الواعظ ويكون ذلك كله بعد صلاة الظهر إلى العشي والخاتون في غرفة مطلة على المسجد لها شباك ثم تضرب الطبول والأنفار والبوقات على باب التربة كما يفعل عند أبواب الملوك. ومن المشاهد بها مشهد الإمام القطب الولي أبي عبد الله خفيف المعروف عندهم بالشيخ وهو قدوة بلاد فارس كلها ومشهده معظم عندهم يأتون إليهم بكرة وعشيا فيتمسحون به وقد رأيت القاضي مجد الدين أتاه زائراً واستلمه وتأتي الخاتون إلى هذا المسجد في كل ليلة جمعة وعليه زاوية ومدرسة ويجتمع به القضاة والفقهاء ويفعلون به كفعلهم في مشهد أحمد بن موسى وقد حضرت الموضعين جميعاً وتربة الأمير محمد شاه ينجو والد السلطان أبي إسحاق متصلة بهذه التربة والشيخ أبو عبد الله بن خفيف كبير القدر في الأولياء شهير الذكر وهو أظهر طريق جبل سرنديب بجزيرة سيلان من أرض الهند.

стр. 174

ولهذا الشيخ كرامة عظيمة يحكى أنه قصد مرة جبل سرنديب ومعه نحو ثلاثين من الفقراء فأصابتهم مجاعة في طريق الجبل حيث لا عمارة وتاهوا عن الطريق وطلبوا من الشيخ أن يأذن لهم في القبض على بعض الفيلة الصغار وهي في ذلك المحل كثيرة جدا ومنه تحمل إلى حضرة ملك الهند فنهاهم الشيخ عن ذلك فغلب عليهم الجوع فتعدوا قول الشيخ وقبضوا على فيل صغير منها وذكوه وأكلوا لحمه وامتنع الشيخ عن أكله فلما ناموا تلك الليلة اجتمعت الفيلة من كل ناحية وأتت إليهم فكانت تشم الرجل منهم وتقتله حتى أتت على جميعهم وشمت الشيخ ولم تتعرض له وأخذه فيل منها ولف عليه خرطومه ورمى به على ظهره وأتى به الموضع الذي فيه العمارة فلما رآه أهل تلك الناحية عجبوا منه واستقبلوه ليعرفوا أمره فلما قرب منهم أمسكه الفيل بخرطومه ووضعه عن ظهره إلى الأرض بحيث يرونه فجاءوا إليه وتمسكوا به إلى ملكهم فعرفوه خبره وهم كفار وأقام عندهم أياماً وذلك الموضع على خور يسمى خور الخيزران والخور هو النهر. وبذلك الموضع مغاص الجوهر ويذكر أن الشيخ غاص في بعض الأيام بمحضر ملكهم وخرج وقد ضم يديه معاً وقال للملك اختر ما لك في إحداهما فاختار ما في اليمنى فرمى إليه بما فيها وكانت ثلاثة أحجار من الياقوت لا مثل لها وهي عند ملوكهم في التاج يتوارثونها وقد دخلت جزيرة سيلان هذه وهم مقيمون على الكفر إلا أنهم يعظمون فقراء المسلمين ويؤوونهم إلى دورهم ويطعمونهم الطعام ويكونون في بيوتهم وبين أهليهم وأولادهم خلافاً لسائر كفار الهند فإنهم لا يقربون المسلمين ولا يطعمونهم آنيتهم ولا يسقونهم فيها مع أنهم لا يؤذونهم ولا يهجونهم ولقد كنا نضطر إلى أن يطبخ لنا بعضهم اللحم فيأتون به في قدورهم ويقعدون على بعد منا ويأتون بأوراق الموز فيجعلون عليهم الأرز وهو طعامهم ويصبون عليه الكوشال وهو الإدام ويذهبون فنأكل منه وما فضل عليها تأكله الكلاب والطير وإن أكل منها الصغير الذي لا يعقل ضربوه وأطعموه روث البقر وهو الذي يطهر ذلك في زعمهم، ومن المشاهد بها مشهد الشيخ الصالح القطب روزجهان القبلي من كبار الأولياء، وقبره في مسجد جامع يخطب فيه وبذلك الجامع يصلي القاضي مجد الدين الذي تقدم ذكره ﵁. وبهذا الجامع سمعت عليه كتاب مسند الإمام أبي عبد الله

стр. 175

محمد بن إدريس الشافعي قال أخبرتنا به وزيرة بنت عمر بن المنجا قالت أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن أبي بكر بن المبارك الزبيدي قال أخبرنا زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي قال أخبرنا أبو الحسن المكي بن محمد بن منصور بن علان العرضي قال أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن الحرشي عن أبي عباس بن يعقوب الأصم عن الربيع بن سليمان المرادي عن الإمام أبي عبد الله الشافعي. وسمعت أيضاً عن القاضي مجد الدين بهذا الجامع المذكور كتاب مشارق الأنوار للإمام رضي الدين أبي الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن الصاغاني بحق سماعه له من الشيخ جلال الدين أبي هاشم محمد بن أحمد الهاشمي الكوفي بروايته عن الإمام نظام الدين محمود بن عمر الهراوي عن المصنف، ومن المشاهد بها مشهد الصالح زركوب وعليه زاوية لإطعام الطعام. وهذه المشاهد كلها بداخل المدينة وكذلك معظم قبور أهلها فإن الرجل منهم يموت ولده أو زوجته فيتخذ له تربة من بعض بيوت داره ويدفنه هناك ويفرش البيت بالحصر والبسط ويجعل الشمع الكثير عند رأس الميت ورجليه ويصنع للبيت بابا إلى ناحية الزقاق وشباك حديد فيدخل منه القراء ويقرأون بالأصوات الحسان وليس في معمور الأرض أحسن أصواتاً بالقرآن من أهل شيراز ويقوم أهل الدار بالتربة ويفرشونها ويوقدون السرج بها فكأن الميت لم يبرح وذكر لي أنهم يطبخون في كل يوم نصيب الميت من الطعام ويتصدقون به عنه. وقد مررت يوماً ببعض أسواق مدينة شيراز فرأيت بها مسجد متقن البناء جميل الفرش وفيه مصاحف موضوعة في خرائط حرير موضوعة فوق كرسي وفي الجهة الشمالية من المسجد زاوية فيها شباك مفتوح إلى جهة السوق وهنالك شيخ جميل الهيئة واللباس وبين يديه مصحف يقرأ فيه القرآن فسلمت عليه وجلست إليه فسألني عن مقدمي فأخبرته وسألته عن شأن هذا المسجد فأخبرني أنه هو الذي عمره ووقف عليه أوقافا كثيرة للقراء وسواهم وأن تلك الزاوية التي جلست إليه فيها هي موضع قبره أن قضى الله موته بتلك المدينة ثم رفع بسطا كانت تحته والقبر مغطى عليه ألواح خشب وأراني صندوقا كان بإزائه فقال في هذا الصندوق كفني وحنوطي ودراهم كنت استأجرت بها نفسي في بئر

стр. 176

لرجل صالح فدفع لي هذه الدراهم فتركتها لتكون نفقة مواراتي وما فضل منها يتصدق بها فعجبت من شأنه وأردت الانصراف فحلف علي وأضافني بذلك الموضع. ومن المشاهد بخارج شيراز قبر الشيخ الصالح المعروف بالسعدي وكان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي وربما ألمع في كلامه بالعربي وله زاوية كان قد عمرها بذلك الموضع حسنة بداخلها بستان مليح وهي بقرب رأس النهر الكبير المعروف بركن أباد وقد صنع الشيخ هنالك أحواضاً صغاراً من المرمر لغسل الثياب فيخرج الناس من المدينة لزيارته ويأكلون من سماطه ويغسلون ثيابهم بذلك النهر وينصرفون وكذلك فعلت عنده ﵀. وبمقربة من هذه الزاوية زاوية أخرى تتصل بها مدرسة مبنية على قبر شمس الدين السماني وكان من الأمراء الفقهاء ودفن هنالك بوصية منه بذلك. وبمدينة شيراز من الفقهاء الشريف مجد الدين وأمره في الكرم عجيب وربما جاد بكل ما عنده وبالثياب التي كانت عليه ويلبس مرقعة فيدخل عليه كبراء المدينة فيجدونه على تلك الحال فيكسونه ومرتبه في كل يوم من السلطان خمسون ديناراً دراهم. ثم كان خروجي من شيراز برسم زيارة قبر للشيخ الصالح أبو إسحاق الكازروني بكازرون وهي على مسيرة يومين من شيراز فنزلنا أول يوم ببلاد الشول وهم طائفة من الأعاجم يسكنون البرية وفيهم الصالحون. وحين قعدت ببعض المساجد بشيراز، أتلو كتاب الله إثر صلاة الظهر خطر بخاطري أنه لو كان لي مصحف كريم لتلوت فيه فدخل علي في أثناء ذلك شاب وقال لي بكلام قوي خذ فرفعت رأسي إليه فألقى في حجري مصحفاً كريماً وذهب عني فختمته ذلك اليوم قراءة وانتظرته لأرده له فلم يعد إلي فسألت عنه فقيل لي ذلك بهلول الشولي ولم أره بعد ذلك ووصلنا عشي اليوم الثاني إلى كازرون فقصدنا زاوية الشيخ أبي إسحاق نفع الله به وبتنا بها تلك الليلة ومن عادتهم أن يطعموا الوارد كائنا من كان من الهريسة المصنوعة من اللحم والسمن وتؤكل بالرقاق ولا يتركون الوارد عليهم للسفر حتى يقيم الضيافة ثلاثة ويعرض على الشيخ الذي بالزاوية حوائجه ويذكرها الشيخ للفقراء الملازمين للزاوية وهم يزيدون على مائة منهم المتزوجون ومنهم الأعزاب المتجردون فيختمون القرآن ويذكرون الذكر ويدعون له عند ضريح الشيخ أبي إسحاق فتقضى حاجته بإذن الله وهذا الشيخ أبو إسحاق معظم عند أهل

стр. 177

الهند والصين ومن عادة الركاب في بحر الصين أنهم إذا تغير عليهم الهواء وخافوا اللصوص نذروا لأبي إسحاق نذراً وكتب كل منهم على نفسه ما نذره فإذا وصلوا بر السلامة صعد خدام الزاوية إلى المركب وأخذوا الزمام وقبضوا من كل ناذر نذره وما من مركب يأتي من الصين أو الهند إلا وفيه آلاف من الدنانير فيأتي الوكلاء من جهة خادم الزاوية فيقبضون ذلك ومن الفقراء من يأتي طالباً صدقة الشيخ فيكتب له أمراً بها وفيه علامة الشيخ منقوشة في قالب في الفضة فيضعون القالب في صبغ أحمر ويلصقونه بالأمر فيبقى أثر الطابع ويكون مضمنه أن من عنده نذر للشيخ أبي إسحاق فليعطي منه لفلان كذا فيكون الأمر بالألف والمائة ما بين ذلك ودونه على قدر الفقير فإذا وجد ما عنده الشيء من النذر قبض منه وكتب له رسما في ظهر الأمر بما قبضه ولقد نذر ملك الهند مرة للشيخ أبي إسحاق بعشرة آلاف دينار فبلغ خبرها إلى فقراء الزاوية فأتى أحدهم إلى الهند فقبضها وانصرف بها إلى الزاوية، ثم سافرنا من كازرون إلى مدينة الزيدين وسميت بذلك لأن فيها قبر زيد بن ثابت وقبر زيد بن أرقم الأنصاريين صاحبي رسول الله ﷺ تسليما ورضي الله عنهما وهي مدينة حسنة كثيرة البساتين والمياه مليحة الأسواق عجيبة المساجد ولأهلها صلاح وأمانة وديانة، ومن أهلها القاضي نور الدين الزيداني وكان ورد على أهل الهند فولي القضاء منها بذيبة المهل وهي جزائر كثيرة ملكها جلال الدين بن صلاح الدين صالح وتزوج بأخت هذا الملك وسيأتي ذكره وذكر بنته خديجة التي تولت الملك بعده بهذه الجزائر وبها توفي القاضي نور الدين المذكور، ثم سافرنا منها إلى الحويزاء بالزاي، وهي مدينة صغيرة يسكنها العجم بينها وبين البصرة مسيرة أربع وبينها وبين الكوفة مسيرة خمس، ومن أهلها الشيخ الصالح العابد جمال الدين الحويزائي شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة، ثم سافرنا منها قاصدين الكوفة في برية لا ماء بها إلا في موضع واحد يسمى الطرفاوي وردناه في اليوم الثالث من سفرنا، ثم وصلنا بعد اليوم الثاني بمرورنا عليه إلى مدينة الكوفة.

стр. 178

مدينة الكوفة: وهي إحدى أمهات البلاد العراقية المتميزة فيها بفضل المرية مثوى

стр. 179

الصحابة، والتابعين ومنزل العلماء والصالحين، وحضرة علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلا أن الخراب قد استولى عليها بسبب أيدي العدوان التي امتدت إليها وفسادها من عرب خفاجة المجاورين لها فإنهم يقطعون طريقها ولا سور عليها وبناؤها بالآجر وأسواقها حسان وأكثر ما يباع فيها التمر والسمك وجامعها الأعظم جامع كبير شريف بلاطاته سبعة قائمة على سواري حجارة ضخمة منحوتة قد صنعت قطعاً ووضع بعضها على بعض وأفرغت بالرصاص وهي مفرطة الطول وبهذا المسجد آثار كريمة فمنها بيت إزاء المحراب عن يمين مستقبل القبلة يقال أن الخليل صلوات الله عليه كان له مصلى بذلك الموضع وعلى مقربة منه محراب محلق عليه بأعواد الساج مرتفع وهو محراب علي بن أبي طالب ﵁ وهنالك ضربه الشقي ابن ملجم والناس يقصدون الصلاة به وفي الزاوية من هذا البلاط مسجداً صغير محلق عليه أيضاً بأعواد الساج يذكر أنه الموضع الذي فار منه التنور حين طوفان نوح ﵇ وفي ظهره خارج المسجد بيت يزعمون أنه بيت نوح ﵇ وإزاءه بيت يزعمون أنه متعبد إدريس ﵇ ويتصل بذلك فضاء يصل بالجدار القبلي للمسجد يقال أنه موضع إنشاء سفينة نوح ﵇ وفي آخر هذا الفضاء دار علي بن أبي طالب ﵁ والبيت الذي غسل فيه ويتصل به بيت يقال أيضا أنه بيت نوح ﵇ والله أعلم بصحة ذلك كله وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت مرتفع يصعد إليه فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ﵁ وبمقربة منه خارج المسجد قبر عاتكة وسكينة بنتا الحسين ﵇. وأما قصر الإمارة بالكوفة الذي بناه سعد بن أبي وقاص ﵁ فلم يبق إلا أساسه، والفرات من الكوفة على مسافة نصف فرسخ في الجانب الشرقي منها وهو منتظم بحدائق النخل الملتفة المتصل بعضها ببعض ورأيت بغربي جبانة للكوفة موضعاً مسوداً شديد السواد في بسيط أبيض فأخبرت أنه قبر الشقي ابن ملجم وأن أهل الكوفة يأتون في كل سنة بالحطب الكثير فيوقدون النار على موضع قبره سبعة أيام وعلى قرب منه قبة أخبرت على أنها المختار بن أبي عبيد. ثم رحلنا ونزلنا بئر ملاحة، وهي بلدة حسنة بين حدائق نخل ونزلت بخارجها وكرهت دخولي لها لأن أهلها روافض ورحلنا منها الصبح فنزلنا مدينة

стр. 180

الحلة وهي مدينة كبيرة مستطيلة مع الفرات وهو بشرقيها ولها أسواق حسنة جامعة للمرافق والصناعات وهي كثيرة العمارة وحدائق النخل منتظمة بها داخلاً وخارجاً ودورها بين الحدائق ولها جسر عظيم معقود على مراكب متصلة منتظمة فيما بين الشطين تحف بها من جانبيها سلاسل من حديد مربوطة في كلا الشطين إلى خشبة عظيمة مثبتة بالساحل. وأهل هذه المدينة كلها أمامية اثنا عشرية وهم طائفتان إحداهما تعرف بالأكراد والأخرى تعرف بأهل الجامعين والفتنة بينهم متصلة والقتال قائم وبمقربة من السوق الأعظم بهذه المدينة مسجد على بابه ستر حرير مسدول وهم يسمونه مشهد صاحب الزمان ومن عاداتهم أن يخرج في كل ليلة مائة رجل من أهل المدينة عليهم السلاح وبأيديهم سيوف مشهورة فيأتون أمير المدينة بعد صلاة العصر يأخذون منه فرساً مسرجاً ملجماً أو بغلة كذلك ويضربون الطبول والأنفار والبوقات أمام تلك الدابة ويتقدمها خمسون منهم ويتبعها مثلهم ويمشي آخرون عن يمينها وشمالها ويأتون مشهد صاحب الزمان فيقفون بالباب ويقولون باسم الله يا صاحب الزمان باسم الله أخرج قد ظهر الفساد وكثر الظلم وهذا أوان خروجك فيفرق الله بين الحق والباطل ولا يزالون كذلك وهم يضربون الأبواق والأطبال والأنفار إلى صلاة المغرب وهم يقولون أن محمد بن الحسن العسكري دخل المسجد وغاب فيه وأنه سيخرج وهو الإمام المنتظر عندهم وقد كان غلب على مدينة الحلة بعد موت السلطان أبي سعيد الأمير محمد بن رميثة ابن أبي نمي أمير مكة وحكمها أعواماً وكان حس السيرة يحمده أهل العراق إلى أن غلب عليه الشيخ حسن سلطان العراق فعذبه وقتله وأخذ الأموال والذخائر التي كانت عنده، ثم سافرنا منها إلى مدينة كربلاء مشهد الحسين بن علي ﵉ وهي مدينة صغيرة تحفها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات والروضة المقدسة داخلها وعليها مدرسة عظيمة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر وعلى باب الروضة الحجاب والقومة لا يدخل أحد إلا عن إذنهم فيقبل العتبة الشريفة وهي من الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار الحرير وأهل هذه المدينة طائفتان أولاد رخيك وأولاد فئاز وبينهما القتال أبدا وهم جميعا إمامية يرجعون إلى أب واحد ولأجل فتنتهم تخربت هذه المدينة. ثم سافرنا منها إلى بغداد.
следующие страницы →