← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12009

رحلة ابن بطوطة ط دار الشرق العربي

ابن بطوطة

Полный текст (582 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لرجل صالح فدفع لي هذه الدراهم فتركتها لتكون نفقة مواراتي وما فضل منها يتصدق بها فعجبت من شأنه وأردت الانصراف فحلف علي وأضافني بذلك الموضع. ومن المشاهد بخارج شيراز قبر الشيخ الصالح المعروف بالسعدي وكان أشعر أهل زمانه باللسان الفارسي وربما ألمع في كلامه بالعربي وله زاوية كان قد عمرها بذلك الموضع حسنة بداخلها بستان مليح وهي بقرب رأس النهر الكبير المعروف بركن أباد وقد صنع الشيخ هنالك أحواضاً صغاراً من المرمر لغسل الثياب فيخرج الناس من المدينة لزيارته ويأكلون من سماطه ويغسلون ثيابهم بذلك النهر وينصرفون وكذلك فعلت عنده ﵀. وبمقربة من هذه الزاوية زاوية أخرى تتصل بها مدرسة مبنية على قبر شمس الدين السماني وكان من الأمراء الفقهاء ودفن هنالك بوصية منه بذلك. وبمدينة شيراز من الفقهاء الشريف مجد الدين وأمره في الكرم عجيب وربما جاد بكل ما عنده وبالثياب التي كانت عليه ويلبس مرقعة فيدخل عليه كبراء المدينة فيجدونه على تلك الحال فيكسونه ومرتبه في كل يوم من السلطان خمسون ديناراً دراهم. ثم كان خروجي من شيراز برسم زيارة قبر للشيخ الصالح أبو إسحاق الكازروني بكازرون وهي على مسيرة يومين من شيراز فنزلنا أول يوم ببلاد الشول وهم طائفة من الأعاجم يسكنون البرية وفيهم الصالحون. وحين قعدت ببعض المساجد بشيراز، أتلو كتاب الله إثر صلاة الظهر خطر بخاطري أنه لو كان لي مصحف كريم لتلوت فيه فدخل علي في أثناء ذلك شاب وقال لي بكلام قوي خذ فرفعت رأسي إليه فألقى في حجري مصحفاً كريماً وذهب عني فختمته ذلك اليوم قراءة وانتظرته لأرده له فلم يعد إلي فسألت عنه فقيل لي ذلك بهلول الشولي ولم أره بعد ذلك ووصلنا عشي اليوم الثاني إلى كازرون فقصدنا زاوية الشيخ أبي إسحاق نفع الله به وبتنا بها تلك الليلة ومن عادتهم أن يطعموا الوارد كائنا من كان من الهريسة المصنوعة من اللحم والسمن وتؤكل بالرقاق ولا يتركون الوارد عليهم للسفر حتى يقيم الضيافة ثلاثة ويعرض على الشيخ الذي بالزاوية حوائجه ويذكرها الشيخ للفقراء الملازمين للزاوية وهم يزيدون على مائة منهم المتزوجون ومنهم الأعزاب المتجردون فيختمون القرآن ويذكرون الذكر ويدعون له عند ضريح الشيخ أبي إسحاق فتقضى حاجته بإذن الله وهذا الشيخ أبو إسحاق معظم عند أهل

стр. 177

الهند والصين ومن عادة الركاب في بحر الصين أنهم إذا تغير عليهم الهواء وخافوا اللصوص نذروا لأبي إسحاق نذراً وكتب كل منهم على نفسه ما نذره فإذا وصلوا بر السلامة صعد خدام الزاوية إلى المركب وأخذوا الزمام وقبضوا من كل ناذر نذره وما من مركب يأتي من الصين أو الهند إلا وفيه آلاف من الدنانير فيأتي الوكلاء من جهة خادم الزاوية فيقبضون ذلك ومن الفقراء من يأتي طالباً صدقة الشيخ فيكتب له أمراً بها وفيه علامة الشيخ منقوشة في قالب في الفضة فيضعون القالب في صبغ أحمر ويلصقونه بالأمر فيبقى أثر الطابع ويكون مضمنه أن من عنده نذر للشيخ أبي إسحاق فليعطي منه لفلان كذا فيكون الأمر بالألف والمائة ما بين ذلك ودونه على قدر الفقير فإذا وجد ما عنده الشيء من النذر قبض منه وكتب له رسما في ظهر الأمر بما قبضه ولقد نذر ملك الهند مرة للشيخ أبي إسحاق بعشرة آلاف دينار فبلغ خبرها إلى فقراء الزاوية فأتى أحدهم إلى الهند فقبضها وانصرف بها إلى الزاوية، ثم سافرنا من كازرون إلى مدينة الزيدين وسميت بذلك لأن فيها قبر زيد بن ثابت وقبر زيد بن أرقم الأنصاريين صاحبي رسول الله ﷺ تسليما ورضي الله عنهما وهي مدينة حسنة كثيرة البساتين والمياه مليحة الأسواق عجيبة المساجد ولأهلها صلاح وأمانة وديانة، ومن أهلها القاضي نور الدين الزيداني وكان ورد على أهل الهند فولي القضاء منها بذيبة المهل وهي جزائر كثيرة ملكها جلال الدين بن صلاح الدين صالح وتزوج بأخت هذا الملك وسيأتي ذكره وذكر بنته خديجة التي تولت الملك بعده بهذه الجزائر وبها توفي القاضي نور الدين المذكور، ثم سافرنا منها إلى الحويزاء بالزاي، وهي مدينة صغيرة يسكنها العجم بينها وبين البصرة مسيرة أربع وبينها وبين الكوفة مسيرة خمس، ومن أهلها الشيخ الصالح العابد جمال الدين الحويزائي شيخ خانقاه سعيد السعداء بالقاهرة، ثم سافرنا منها قاصدين الكوفة في برية لا ماء بها إلا في موضع واحد يسمى الطرفاوي وردناه في اليوم الثالث من سفرنا، ثم وصلنا بعد اليوم الثاني بمرورنا عليه إلى مدينة الكوفة.

стр. 178

مدينة الكوفة: وهي إحدى أمهات البلاد العراقية المتميزة فيها بفضل المرية مثوى

стр. 179

الصحابة، والتابعين ومنزل العلماء والصالحين، وحضرة علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلا أن الخراب قد استولى عليها بسبب أيدي العدوان التي امتدت إليها وفسادها من عرب خفاجة المجاورين لها فإنهم يقطعون طريقها ولا سور عليها وبناؤها بالآجر وأسواقها حسان وأكثر ما يباع فيها التمر والسمك وجامعها الأعظم جامع كبير شريف بلاطاته سبعة قائمة على سواري حجارة ضخمة منحوتة قد صنعت قطعاً ووضع بعضها على بعض وأفرغت بالرصاص وهي مفرطة الطول وبهذا المسجد آثار كريمة فمنها بيت إزاء المحراب عن يمين مستقبل القبلة يقال أن الخليل صلوات الله عليه كان له مصلى بذلك الموضع وعلى مقربة منه محراب محلق عليه بأعواد الساج مرتفع وهو محراب علي بن أبي طالب ﵁ وهنالك ضربه الشقي ابن ملجم والناس يقصدون الصلاة به وفي الزاوية من هذا البلاط مسجداً صغير محلق عليه أيضاً بأعواد الساج يذكر أنه الموضع الذي فار منه التنور حين طوفان نوح ﵇ وفي ظهره خارج المسجد بيت يزعمون أنه بيت نوح ﵇ وإزاءه بيت يزعمون أنه متعبد إدريس ﵇ ويتصل بذلك فضاء يصل بالجدار القبلي للمسجد يقال أنه موضع إنشاء سفينة نوح ﵇ وفي آخر هذا الفضاء دار علي بن أبي طالب ﵁ والبيت الذي غسل فيه ويتصل به بيت يقال أيضا أنه بيت نوح ﵇ والله أعلم بصحة ذلك كله وفي الجهة الشرقية من الجامع بيت مرتفع يصعد إليه فيه قبر مسلم بن عقيل بن أبي طالب ﵁ وبمقربة منه خارج المسجد قبر عاتكة وسكينة بنتا الحسين ﵇. وأما قصر الإمارة بالكوفة الذي بناه سعد بن أبي وقاص ﵁ فلم يبق إلا أساسه، والفرات من الكوفة على مسافة نصف فرسخ في الجانب الشرقي منها وهو منتظم بحدائق النخل الملتفة المتصل بعضها ببعض ورأيت بغربي جبانة للكوفة موضعاً مسوداً شديد السواد في بسيط أبيض فأخبرت أنه قبر الشقي ابن ملجم وأن أهل الكوفة يأتون في كل سنة بالحطب الكثير فيوقدون النار على موضع قبره سبعة أيام وعلى قرب منه قبة أخبرت على أنها المختار بن أبي عبيد. ثم رحلنا ونزلنا بئر ملاحة، وهي بلدة حسنة بين حدائق نخل ونزلت بخارجها وكرهت دخولي لها لأن أهلها روافض ورحلنا منها الصبح فنزلنا مدينة

стр. 180

الحلة وهي مدينة كبيرة مستطيلة مع الفرات وهو بشرقيها ولها أسواق حسنة جامعة للمرافق والصناعات وهي كثيرة العمارة وحدائق النخل منتظمة بها داخلاً وخارجاً ودورها بين الحدائق ولها جسر عظيم معقود على مراكب متصلة منتظمة فيما بين الشطين تحف بها من جانبيها سلاسل من حديد مربوطة في كلا الشطين إلى خشبة عظيمة مثبتة بالساحل. وأهل هذه المدينة كلها أمامية اثنا عشرية وهم طائفتان إحداهما تعرف بالأكراد والأخرى تعرف بأهل الجامعين والفتنة بينهم متصلة والقتال قائم وبمقربة من السوق الأعظم بهذه المدينة مسجد على بابه ستر حرير مسدول وهم يسمونه مشهد صاحب الزمان ومن عاداتهم أن يخرج في كل ليلة مائة رجل من أهل المدينة عليهم السلاح وبأيديهم سيوف مشهورة فيأتون أمير المدينة بعد صلاة العصر يأخذون منه فرساً مسرجاً ملجماً أو بغلة كذلك ويضربون الطبول والأنفار والبوقات أمام تلك الدابة ويتقدمها خمسون منهم ويتبعها مثلهم ويمشي آخرون عن يمينها وشمالها ويأتون مشهد صاحب الزمان فيقفون بالباب ويقولون باسم الله يا صاحب الزمان باسم الله أخرج قد ظهر الفساد وكثر الظلم وهذا أوان خروجك فيفرق الله بين الحق والباطل ولا يزالون كذلك وهم يضربون الأبواق والأطبال والأنفار إلى صلاة المغرب وهم يقولون أن محمد بن الحسن العسكري دخل المسجد وغاب فيه وأنه سيخرج وهو الإمام المنتظر عندهم وقد كان غلب على مدينة الحلة بعد موت السلطان أبي سعيد الأمير محمد بن رميثة ابن أبي نمي أمير مكة وحكمها أعواماً وكان حس السيرة يحمده أهل العراق إلى أن غلب عليه الشيخ حسن سلطان العراق فعذبه وقتله وأخذ الأموال والذخائر التي كانت عنده، ثم سافرنا منها إلى مدينة كربلاء مشهد الحسين بن علي ﵉ وهي مدينة صغيرة تحفها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات والروضة المقدسة داخلها وعليها مدرسة عظيمة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر وعلى باب الروضة الحجاب والقومة لا يدخل أحد إلا عن إذنهم فيقبل العتبة الشريفة وهي من الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار الحرير وأهل هذه المدينة طائفتان أولاد رخيك وأولاد فئاز وبينهما القتال أبدا وهم جميعا إمامية يرجعون إلى أب واحد ولأجل فتنتهم تخربت هذه المدينة. ثم سافرنا منها إلى بغداد.

стр. 181

مدينة بغداد: مدينة دار السلام وحضرة الإسلام ذات القدر الشريف والفضل المنيف مثوى الخلفاء ومقر العلماء وقال أبو الحسن بن جبير ﵁ وهذه المدينة العتيقة وإن لم تزل حضرة الخلافة العباسية ومثابة الدعوة الإمامية القرشية فقد ذهب رسمها ولم يبق إلا اسمها وهي بالإضافة إلى ما كانت عليه قبل إنحاء الحوادث عليها والتفات أعين النوائب إليها كالطلل الدارس أو تمثال الخيال الشاخص فلا حسن فيها يستوقف البصر ويستدعي من مستوفر الغفلة النظر إلا دجلتها التي هي بين شرقها وغربها كالمرآة المجلوة بين صفحتين أو العقد المنتظم بين لبتين فهي تردها ولا تظمأ وتسطع منها في مرآة صقلية لا تصدأ والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ. قال ابن جزي: وكأن أبا تمام حبيب بن أوس اطلع على ما آل إليه أمرها حين قال فيها: لقد أقام على بغداد ناعيها ... فليبكها لخرابِ الدهر باكيها كانت على مائها والحربُ موقدةٌ ... والنارُ تطفأ حسناً في نواحيها تُرجى لها عودة في الدهر صالحةٌ ... فالآن أضمر منها اليأسَ راجيها مثل العجوز التي ولّت شبيبتُها ... وبان عنها جمالُ كان يُخطيها وقد نظم الناس في مدحها وذكر محاسنها فأطنبوا ووجدوا مكان القول ذا سعة فأطالوا وأطابوا، وفيها قال الإمام القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي البغدادي، وأنشدنيه والدي ﵀ مرات: طيبُ الهواءِ ببغدادٍ يشوقني ... قرباً إليها وان عاقت مقاديرُ وكيف أرحل عنها اليوم إذ جمعت ... طِيب الهواءين ممدودٌ ومقصورٌ وفيها يقول أيضاً رحمه الله تعالى ورضي عنه: سلام على بغداد في كل موطنٍ ... وحُق لها مني السلام المضاعفُ فواللهِ ما فارقتها عن قِلًى لها ... وإني بشطي جانبيها لعارفُ ولكنها ضاقت على برحبها ... ولم تكن الأقدار فيها تساعفُ وكانت كخلٍ كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف وفيها يقول أيضاً مغاضباً لهان وأنشدنيه والدي ﵀ غير ما مرة:

стр. 182

بغدادُ دارٌ لأهل المال واسعةٌ ... وللصعاليك دارُ الضنكِ والضيقِ ظللتُ أمشي مضافاً في أزقّتها ... كأنني مصحف في بيت زنديق وفيها يقول القاضي أبو الحسن علي بن النبيه من قصيدة: آنستْ بالعراق بدراً منيراً ... فطوتْ غيهبا وخاضت هجيرا واستطابت ريا نسائم بغدا ... د فكادت لولا البرى أن تطيرا ذكرتُ من مسارح الكوخِ روْضاً ... لم يزل ناضراً وماء نميرا واجتنت من رُبى المحوَل نورا ... واجتلتْ من مطالعِ التاجِ نورا ولبعض نساء بغداد في ذكرها: آهاً على بغدادها وعراقها ... وظبائها والسحر في أحداقها ومجالها عند الفرات بأوجهٍ ... تبدو أهلتها على أطواقها متبختراتٍ في النعيم كأنما ... خُلقَ الهوى العذري من أخلاقها نفسي الفداء لها فأي محاسنٍ ... في الدهر تشرق من سنا إشراقها ولبغداد جسران اثنان معقودان على نحو الصفة التي ذكرناها في جسر مدينة الحلة والناس يعبرونها ليلاً ونهاراً، رجالاً ونساءً فهم في ذلك في نزهة متصلة وببغداد من المساجد التي يخطب فيها وتقام فيها الجمعة أحد عشر مسجداً منها بالجانب الغربي ثمانية وبالجانب الشرقي ثلاثة والمساجد سواها كثيرة جداً وكذلك المدارس إلا أنها خربت وحمامات بغداد كثيرة وهي من أبدع الحمامات وأكثرها مطلية بالقار ومسطحة به فيخيل لرائيه أنه رخام أسود وهذا القار يجلب من عين بين الكوفة والبصرة تنبع أبداً به ويصير في جوانبها كالصلصال فيجرف منها ويجلب إلى بغداد وفي كل حمام منها خلوات كثيرة كل خلوة منها مفروشة بالقار مطلي نصف حائطها مما يلي الأرض به والنصف الأعلى مطلي بالجص الأبيض الناصع فالضدان بها مجتمعان متقابل حسنهما وفي داخل كل خلوة حوض من الرخام فيه أنبوبان أحدهما يجري بالماء الحار والآخر بالماء البارد فيدخل الإنسان الخلوة منها منفرداً لا يشاركه أحد إلا أراد ذلك وفي زاوية كل خلوة أيضاً حوض آخر للاغتسال فيه أيضا أنبوبان يجريان بالحار والبارد وكل داخل يعطى ثلاث من الفوط إحداها ينزل بها عند دخوله والأخرى يتزر بها عند خروجه والأخرى ينشف بها الماء عن جسده ولم أرى هذا الإتقان كله في مدينة سوى بغداد وبعض البلاد تقاربها في ذلك.

стр. 183

أما الجانب الغربي من بغداد هو الذي عمّر أولاً، وهو الآن خراب أكثره وعلى ذلك فقد بقي منه ثلاث عشرة محلة كأنها مدينة بها الحمامان والثلاثة وفي ثمان منها المساجد الجامعة ومن هذه المحلات محلة باب البصرة وبها جامع الخليفة أبي جعفر المنصور ﵀ والمارستان فيما بين محلة البصرة ومحلة الشارع على الدجلة وهو قصر كبير خرب بقيت منه الآثار وفي هذا الجانب الغربي من المشاهد قبر معروف الكرخي ﵁ وهو في محلة باب البصرة وبطريق باب البصرة مشهد حافل بالبناء في داخله قبر متسع السنام عليه مكتوب هذا قبر عون من أولاد علي بن أبي طالب وفي هذا الجانب قبر موسى الكاظم بن جعفر الصادق والد علي بن موسى الرضا وإلى جانبه قبر الجواد والقبران داخل الروضة عليهما دكانة ملبسة بالخشب عليه ألواح الفضة. وأما هذه الجهة الشرقية من بغداد حافلة الأسواق عظيمة الترتيب، وأعظم أسواقها سوق يعرف بسوق الثلاثاء، كل صناعة فيه على حدة وفي وسط هذه السوق المدرسة النظامية العجيبة التي صارت الأمثال تضرب بحسنها وفي آخره المدرسة المستنصرية ونسبتها إلى أمير المؤمنين المستنصر بالله أبي جعفر بن أمير المؤمنين الظاهر بن أمير المؤمنين الناصر وبها المذاهب الأربعة لكل مذهب إيوان فيه المسجد وموضع التدريس وجلوس المدرس في قبة من خشب صغيرة على كرسي عليه البسط ويقعد المدرس عليه وعليه السكينة والوقار لابساً السواد معتما وعلى يمينه ويساره معيدان يعيدان كل ما يقوله وهكذا ترتيب كل مجلس من هذه المجالس الأربعة وفي داخل هذه المدرسة الحمام للطلبة ودار الوضوء وبهذه الجهة الشرقية من المساجد التي تقام فيها الجمعة ثلاثة أحدها جامع الخليفة وهو المتصل بقصور الخلفاء ودورهم وهو جامع كبير فيه ساقيات ومطاهر كثيرة للوضوء وللغسل لقيت بهذا المسجد الشيخ الإمام العالم الصالح مسند العراق سراج الدين أبي حفص عمر بن علي بن عمر القزويني وسمعت عليه في جميع مسند أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي، وذلك في شهر رجب الفرد عام سبعة وعشرين وسبعمائة قال: أخبرتنا به الشيخة الصالحة المسندة بنت الملوك فاطمة بنت العدل تاج الدين أبي الحسن علي بن علي بن أبي البدر قالت: أخبرنا الشيخ أبو

стр. 184

بكر محمد بن مسعود بن بهروز الطبيب المارستاني قال أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن شعيب الشنجري الصوفي قال: أخبرنا الإمام ابو الحسن عبد الرحمن بن المظفر الداودي قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي عن أبي عمران عيسى بن عمر بن العباس السمرقندي عن ابي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي والجامع الثاني جامع السلطان وهو خارج البلد وتتصل به قصور تنسب للسلطان والجامع الثالث جامع الرصافة وبينه وبين جامع السلطان نحو الميل.

стр. 185

خبر قبور الخلفاء ببغداد وقبور بعض العلماء والصالحين فيها: وقبور الخلفاء العباسيين ﵃ بالرصافة وعلى كل قبر منها اسم صاحبه: قبر المهدي وقبر الهادي وقبر الأمين وقبر المعتصم وقبر الواثق وقبر المتوكل وقبر المنتصر وقبر المستعين وقبر المعتز وقبر المهتدي وقبر المعتمد وقبر المعتضد وقبر المكتفي وقبر المقتدر وقبر القاهر وقبر الراضي وقبر المستكفي وقبر المطيع لله وقبر الطائع وقبر القائم وقبر القادر وقبر المستظهر وقبر المسترشد وقبر المقتفي وقبر المستنجد وقبر المستضيء وقبر الناصر وقبر الظاهر وقبر المستنصر وقبر المستعصم وهو آخرهم، وعليه دخل التتر بغداد بالسيف وذبحوه بعد أيام من دخولهم وانقطع من بغداد اسم الخلافة العباسية وذلك في سنة أربع وخمسين وستمائة وبقرب الرصافة قبر الإمام أبي حنيفة ﵁ وعليه قبة عظيمة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر وليس بمدينة بغداد اليوم زاوية يطعم الطعام فيها ما عدا هذه الزاوية. فسبحان مبيد الأشياء ومغيرها، وبالقرب منها قبر الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ ولا قبة عليه ويذكر أنها بنيت على قبره مراراً فتهدمت بقدرة الله تعالى. وقبره عند أهل بغداد معظم وأكثرهم على مذهبه. وبالقرب منه قبر أبي بكر الشبل من أئمة المتصوفة ﵀ وقبر سري السقطي وقبر بشر الحافي وقبر داود الطائي وقبر أبو قاسم الجنيد ﵃ أجمعين. وأهل بغداد لهم يوم في كل جمعة لزيارة شيخ من هؤلاء المشايخ ويوم لشيخ آخر يليه هكذا إلى آخر الأسبوع ولبغداد كثير من قبور الصالحين والعلماء ﵃ وهذه الجهة الشرقية من بغداد ليس بها فواكه وإنما تجلب إليها من الجهة الغربية

стр. 186

لأن فيها البساتين والحدائق ووافق وصولي إلى بغداد كون ملك العراق بها. فلنذكره ههنا.

стр. 187

خبر سلطان العراقين وخراسان: وهو السلطان الجليل أبو سعيد بَهَادُرْخان، وخان عندهم الملك "وبهادر بفتح الباء الموحدة وضم الدال المهمل وآخره راء" ابن السلطان الجليل محمد خذا بنده "بخاء معجمة مضمومة وذال معجم مفتوح" وبنده لم يختلف فيه "وهو بباء موحدة مفتوحة ونون مسكنة ودال مهمل مفتوح وهاء استراحة"، وتفسيره على هذا القول: عبد الله، لأنّ خذا بالفارسية اسم الله وبنده غلام أو عبد أو ما في معناهما. وقيل: إنّما هو خربنده "بفتح الخاء المعجم وضم الراء المهمل" وتفسير خر بالفارسية الحمار فمعناه على هذا غلام الحمار. فشد ما بين القولين من الخلاف على أن هذا الأخير هو المشهور، وكأنّ الأول غيّره إليه من تعصب. وقيل: أن سبب تسميته بهذا الأخير هو أن التتر يسمون المولود باسم أول داخل على البيت عند ولادته. فلما ولد هذا السلطان كان أول داخل الزمال، وهم يسمونه خربندة فسمي به. وأخو خربندة هو قازغان الذي يقول فيه الناس: قازان، وقازغان هو القدر. وقيل: سمي بذلك لأنه ولد لما دخلت الجارية ومعها القدر. وخذابنده هو الذي أسلم، وقدمنا قصته وكيف أراد أن يحمل الناس لما أسلم على الرفض، وقصة القاضي مجد الدين معه، ولما مات ولي الملك ولده أبو سعيد بهادرخان وكان ملكاً فاضلاً كريماً ملك وهو صغير السن ورأيته ببغداد وهو شامل أجمل خلق الله صورة لا نبات بعارضه ووزيره إذ ذاك الأمير غياث الدين محمد بن خواجه رشيد، وكان أبوه من مهاجرة اليهود واستوزره السلطان محمد خذابنده والد أبي سعيد. رأيته يوماً بحراقة في الدجلة وتسمى عندهم الشبارة، وهي شبه سلورة، وبين يديه دمشق خواجة بن الأمير جوبان المتغلب على أبي سعيد وعن يمينه وشماله شبارتان فيهما أهل الطرب والغناء. ورأيت من مكارمه في ذلك اليوم أنه تعرض له جماعة من العميان فشكوا ضعف حالهم فأمر لكل واحد منهم بكسوة وغلام يقوده ونفقته تجري عليه. ولما ولي السلطان أبو سعيد صغير كما ذكرناه،

стр. 188

استولى على أمره أمير الأمراء الجوبان وحجر عليه التصرفات حتى لم يكن بيده من الملك إلا الاسم ويذكر أنه احتاج في بعض الأعياد إلى نفقة ينفقها فلم يكن له سبيل إليها فبعث إلى أحد التجار فأعطاه من المال ما أحب ولم يزل كذلك إلى أن دخلت عليه يوما زوجة أبيه دنيا خاتون فقالت له: لو كنا نحن الرجال ما تركنا الجوبان وولده على ما هما عليه. فاستفهمها عن مرادها بهذا الكلام. فقالت له: لقد انتهى أمر دمشق خواجة بن الجوبان أن يفتك بحرم أبيك، وأنه بات البارحة عند طغي خاتون. وقد بعث إلي وقال لي الليلة أبيت عندك. وما الرأي إلا أن تجمع الأمراء والعساكر فإذا صعد إلى القلعة مختفياً برسم المبيت أمكنك القبض عليه وأبوه يكفي الله أمره. وكان الجوبان إذ ذاك غائبا بخراسان فغلبته الغيرة وبات يدبر أمره فلما علم أن دمشق خواجة بالقلعة أمر الأمراء والعساكر أن يطيفوا بها من كل ناحية فلما كان بالغد خرج دمشق خواجه ومعه جندي يعرف بالحاج المصري فوجد سلسلة معترضة على باب القلعة وعليها قفل لم يمكنه الخروج راكباً فضرب الحاج المصري السلسلة بسيفه فقطعها وخرجا معاً فأحاطت بهما العساكر ولحق أمير من الأمراء الخاصكية يعرف بمصر خواجة وفتى يعرف بلؤلؤ دمشق خواجة فقتلاه وأتيا الملك أبا سعيد برأسه فرموا به بين يدي فرسه وتلك عاداتهم أن يفعلوا برأس كبار أعدائهم وأمر السلطان بنهب داره وقتل من قاتل من خدامه ومماليكه واتصل الخبر بأبيه الجوبان وهو بخراسان ومعه أولاد مير حسن وهو الأكبر وطالش وجلوخان وهو أصغرهم وهو ابن أخت السلطان أبي سعيد من أمه ساطي بك بنت السلطان خذابنده ومعه عساكر التتر وحاميها فاتفقوا على قتال السلطان أبي سعيد وزحفوا إليه فلما التقى الجمعان هرب التتر إلى سلطانهم وأفردوا الجوبان فلما رأى ذلك نكص على عقبيه وفر إلى صحراء سجستان وأوغل فيها وأجمع على اللحاق بملك هراة غياث الدين مستجيراً به ومتحصناً بمدينته وكانت له عليه أياد سابقة فلم يوافقه ولداه حسن وطالش على ذلك وقالا له إنه لا يفي بالعهد وقد غدر فيروز شاه بعد أن لجأ إليه وقتله فأبى الجوبان إلا أن يلحق به ففارقه ولداه وتوجه معه ابنه الصغير جلوخان فخرج غياث الدين لاستقباله وترجل له وأدخله المدينة على الأمان ثم غدره بعد أيام وقتله وقتل ولده وبعث برأسيهما إلى السلطان أبي سعيد وأما الحسن وطالش فإنهما قصدا خوارزم وتوجها إلى السلطان محمد أوزبك، فأكرم مثواهما وأنزلهما، إلى

стр. 189

أن صدر منهما ما أوجب قتلهما فقتلهما. وكان للجوبان ولد رابع اسمه الدمرطاش فهرب إلى ديار مصر، فأكرمه الملك الناصر وأعطاه الإسكندرية، فأبى من قبولها وقال إنما أريد العساكر لأقاتل أبا سعيد وكان متى بعث إليه الملك الناصر بكسوة أعطى هو للذي يوصلها إليه أحسن منها إزراء على الملك الناصر وأظهر أموراً أوجبت قتله فقتله وبعث برأسه إلى أبي سعيد وقد ذكرنا قصته وقصة قراسنقور فيما تقدم ولما قتل الجوبان جيء به وبولده ميتين فوقف بهما على عرفات وحملا إلى المدينة ليدفنا في التربة التي اتخذها الجوبان بالقرب من مسجد رسول الله ﷺ فمنع من ذلك ودفن بالبقيع والجوبان هو الذي جلب الماء إلى مكة شرفها الله تعالى. ولما استقل السلطان أبو سعيد بالملك أراد أن يتزوج بنت الجوبان وكانت تسمى بغداد خاتون وهي من أجمل النساء وكانت تحت الشيخ حسن الذي تغلب بعد موت أبي سعيد على الملك وهو ابن عمته فأمره فنزل عنها وتزوجها أبو سعيد كانت أحظى النساء لديه والنساء لدى الأتراك والتتر لهن حظ عظيم وهم إذا كتبوا أمراً يقولون فيه عن أمر السلطان والخواتين ولكل خاتون الكثير من البلاد والولايات والمجابي العظيمة وإذا سافرت مع السلطان تكون في محلة على حدة وغلبت هذه الخاتون على أبي سعيد وفضلها على سواها وأقامت على هذه مدة أيام، ثم تزوج امرأة تسمى بِدلشاد فأحبها حباً شديداً وهجر بغداد خاتون فغارت لذلك وسمّته في منديل مسحته به بعد الجماع فمات وانقرض عقبه وغلبت أمراؤه على الجهات كما سنذكره. ولما عرف الأمراء أن بغداد خاتون هي التي سمته أجمعوا على قتلها وبدر لذلك الفتى الرومي خواجة لؤلؤ وهو من كبار الأمراء وقدمائهم فأتاها وهي في الحمام فضربها بدبوسه وقتلها وطرحت هنالك أياماً مستورة العورة بقطعة تليس واستقل الشيخ حسن بملك عراق العرب وتزوج دلشاد امرأة السلطان أبي سعيد كمثل ما كان أبو سعيد فعله من تزوج امرأته.

стр. 190

خبر المتغلبين على الملك بعد موت السلطان أبي سعيد: منهم الشيخ حسن ابن عمته الذي ذكرناه آنفاً، تغلب على عراق العرب جميعا ومنهم ابراهيم شاه ابن الأمير سنيته تغلب على الموصل وديار بكر ومنهم الأمير أرتنا تغلب على بلاد التركمان المعروفة أيضا ببلاد الروم ومنهم حسن خواجة بن الدمرطاش بن الجوبان تغلب على تبريز والسلطانية وهمدان وقم وقاشان والري ورامين وفرغان والكرج ومنهم الأمير طغيتمور تغلب على بعض بلاد خراسان ومنهم الأمير حسن بن الأمير غياث الدين تغلب على هراة ومعظم بلاد خراسان ومنهم ملك دينار تغلب على بلاد مكران وبلاد كبج ومنهم محمد شاه بن مظفر تغلب على يزد وكرمان وورقو ومنهم الملك قطب الدين تمهتن تغلب على هرمز وكيش والقطيف والبحرين وقلهات ومنهم السلطان أبو إسحاق الذي تقدم ذكره تغلب على شيراز وأصفهان وملك فارس وذلك مسيرة خمس وأربعين ومنهم السلطان أفراسياب أتابك تغلب على ايذج وغيرها من البلاد وقد تقدم ذكره. ولنعد إلى ما كنا بسبيله، ثم خرجت من بغداد في محلة السطان أبي سعيد وغرضي أن أشاهد ترتيب ملك العراق في رحيله ونزوله وكيفية تنقله وسفره وعادتهم أنهم يرحلون عند طلوع الفجر وينزلون عند الضحى وترتيبهم أنه يأتي كل أمير من الأمراء بعسكره وطبوله وأعلامه فيقف على موضع لا يتعداه قد عين له إما في الميمنة أو الميسرة فإذا توافوا جميعاً وتكاملت صفوفهم ركب الملك وضربت طبول الرحيل وبوقاته وأنفاره وأتى كل أمير منهم فسلم على الملك وعاد إلى موقفه ثم يتقدم أمام الملك الحجاب والنقباء ثم يليهم أهل الطرب وهم نحو المائة رجل عليهم الثياب الحسنة وتحتهم مراكب السلطان وأمام أهل الطرب عشرة من الفرسان قد تقلدوا عشرة من الطبول وخمسة من الفرسان لديهم خمس صرنايات وهي تسمى عندنا بالغيطات فيضربون تلك الأطبال والصرنايات ثم أمسكوا وغنى عشرة آخرون نوبتهم هكذا إلى أن تتم عشر نوبات فعند ذلك يكون النزول ويكون عن يمين السلطان وشماله حين سيره كبار الأمراء وهم نحو خمسين ومن ورائه أصحاب الأعلام والأطبال والأنفار والبوقات ثم مماليك السلطان ثم الأمراء على مراتبهم وكل أمير له أعلام وطبول وبوقات.

стр. 191

ويتولى ترتيب ذلك كله أمير جند وله جماعة كبيرة وعقوبه من تخلف عن التوجه وجماعته أن يؤخذ تماقه فيملأ رملاً ويعلق في عنقه ويمشي على قدميه حتى يبلغ المنزل فيؤتى به إلى الأمير فيبطح على الأرض ويضرب خمساً وعشرين مقرعة على ظهره سواء كان رفيعاً أو وضيعاً لا يحاشون من ذلك أحداً وإذا نزلوا ينزل السلطان ومماليكه في محلة على حدة، وتنزل كل خاتون من خواتينه في محلة على حدة، ولكل واحدة منهم الإمام والمؤذن والقراء والسوّاق وينزل الوزراء والكتاب وأهل الأشغال على حدة، وينزل كل أمير على حدة ويأتون جميعاً إلى الخدمة بعد العصر ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة والمشاعل بين أيديهم. فإذا كان الرحيل ضرب الطبل الكبير ثم يضرب طبل الخاتون الكبرى التي هي الملكة ثم أطبال سائر الخواتين ثم طبل الوزير ثم أطبال الوزراء دفعة واحدة ثم يركب أمير المقدمة في عسكره ثم يتبعه الخواتين ثم أثقال السلطان وزاملته وأثقال الخواتين ثم أمير ثان في عسكر له يمنع الناس من الدخول فيما بين الأثقال والخواتين ثم سائر الناس. وسافرت في هذه المحلة عشرة أيام ثم ذهبت صحبة الأمير علاء الدين محمد إلى بلدة تبريز وكان من الأمراء الكبار والفضلاء فوصلنا بعد عشرة أيام إلى مدينة تبريز ونزلنا بخارجها في موضع يعرف بالشام وهنالك قبر قازان ملك العراق وعليه مدرسة حسنة وزاوية فيها الطعام للوارد والصادر من الخبز واللحم والأرز المطبوخ بالسمن والحلواء وأنزلني الأمير بتلك الزاوية وهي ما بين أنهار متدفقة وأشجار مورقة. وفي غد ذلك اليوم دخلت المدينة على باب يعرف بباب بغداد ووصلنا إلى سوق عظيمة تعرف بسوق قازان من أحسن أسواق بلاد الدنيا كل صناعة فيها على حدة لا تخالطها أخرى واجتزت بسوق الجوهريين، فحار بصري مما رأيته من أنواع الجواهر وهي بأيدي مماليك حسان الصور عليهم الثياب الفاخرة وأوساطهم مشدودة بمناديل الحرير وهم بين أيدي التجار يعرضون الجواهر على نساء الأتراك وهن يشرينه كثيراً ويتنافسن فيه فرأيت من ذلك كله فتنة يستعاذ الله منها. ودخلنا سوق العنبر والمسك فرأينا مثل ذلك وأعظم ثم وصلنا إلى المسجد الجامع الذي عمره الوزير علي شاه المعروف بجيلان وبخارجه عن يمين مستقبل القبلة مدرسة وعن يساره زاوية وصحنه مفروش

стр. 192

بالمرمر وحيطانه بالقشاني وهو شبه الزليخ ويشقه نهر ماء وبه أنواع الأشجار ودوالي العنب وشجر ياسمين ومن عاداتهم أنهم يقرأون به كل يوم سورة الفتح وسورة عم بعد صلاة العصر في صحن الجامع ويجتمع لذلك أهل المدينة وبتنا ليلة بتبريز ثم وصل بالغد أمر السلطان أبي سعيد إلى الأمير علاء الدين بأن يصل إليه فعدت معه ولم ألق بتبريز أحد من العلماء. ثم سافرنا إلى أن وصلنا محلة السلطان فأعلمه الأمير المذكور بمكاني وأدخلني عليه فسألني عن بلادي وكساني وأركبني وأعلمه السفير أني أريد السفر إلى الحجاز الشريف فأمر لي بالزاد والركوب في السبيل مع المحمل وكتب لي بذلك إلى أمير بغداد خواجة معروف فعدت إلى بغداد واستوفيت ما أمر لي به السلطان وكان قد بقي لأوان سفر الركب أزيد من شهرين فظهر لي أن أسافر إلى الموصل وديار بكر لأشاهد تلك البلاد وأعود إلى بغداد في حين سفر الركب فأتوجه إلى الحجاز الشريف فخرجت من بغداد إلى منزل على نهر دجيل وهو متفرع عن دجلة فيسقي قرى كثيرة ثم نزلنا بعد يومين بقرية كبيرة تعرف بحربة مخصبة فسيحة ثم رحلنا فنزلنا موضعا على شط دجلة بالقرب من حصن يسمى المعشوق وهو مبني على الدجلة وفي الجهة الشرقة من هذا الحصن مدينة سُرَّ مَنْ رَأَى وتسمى أيضا سامرّا، ويقال لها سام راه، ومعناه بالفارسية طريق سام وراه هو الطريق، وقد استولى الخراب على هذه المدينة فلم يبق منها إلا القليل وهي معتدلة الهواء رائعة الحسن على بلائها ودروس معالمها وفيها أيضا مشهد صاحب الزمان كما بالحلة، ثم سرنا منها مرحلة ووصلنا إلى مدينة تكريت وهي مدينة كبيرة فسيحة الأرجاء مليحة الأسواق الجوامع وأهلها موصوفون بحسن الأخلاق والدجلة في الجهة الشمالية منها ولها قلعة حصينة على شط الدجلة والمدينة عتيقة البناء عليها سور يطيف بها، ثم رحلنا منها مرحلتين ووصلنا قرية تعرف بالعقر على شط الدجلة وبأعلاها ربوة كان بها حصن وبأسلفها الخان المعروف بخان الحديد وله أبراج وبناؤه حافل والقرى والعمارة متصلة من هنالك إلى الموصل، ثم رحلنا ونزلنا موضعا يعرف بالقيارة بمقربة من دجلة وهنالك أرض سوداء فيها عيون تنبع بالقار ويصنع له أحواض ويجتمع فيها فتراه شبه الصلصال على وجه الأرض حالك اللون صقيلاً رطباً وله رائحة

стр. 193

طيبة وحول تلك العيون بركة كبيرة سوداء يعلوها شبه الطحلب الرقيق فتقذفه إلى جوانبها فيصير أيضا قارا وبمقربة م هذا الموضع عين كبيرة فإذا أرادوا نقل القار منها أوقدوا عليها النار فتنشف النار ما هنالك من رطوبة مائية ثم يقطعونه قطعاً وينقلونه وقد تقدم لنا ذكر العين التي بين الكوفة والبصرة على هذا النحو. ثم سافرنا من هذه العيون مرحلتين ووصلنا بعدهما إلى الموصل.

стр. 194

مدينة الموصل وهي مدينة عتيقة كثيرة الخصب وقلعتها المعروفة بالحدباء عظيمة الشأن شهيرة الامتناع عليها سور محكم البناء مشيد البروج وتتصل بها دور السلطان وقد فصل بينها وبين البلد شارع متسع مستطيل من أعلى البلد إلى أسفله وعلى البلد سوران اثنان وثيقان أبراجهما كثيرة متقاربة وفي باطن السور بيوت بعضها على بعض مستديرة بجداره قد تمكن فتحها فيه لسعته ولم أر في أسوار البلاد مثله إلا السور الذي على مدينة دهلي حضرة ملك الهند. وللموصل ربض كبير فيه الجوامع والحمامات والفنادق والأسواق وبه جامع على شط الدجلة تدور به شبابيك حديد وتتصل به مساطب تشرف على دجلة في النهاية من الحسن والإتقان وأمامه مارستان وبداخل المدينة جامعان أحدهما قديم والآخر حديث وفي صحن الحديث منهما قبة في داخلها خصة رخام مثمنة مرتفعة على سارية رخام يخرج منها الماء بقوة وانزعاج فيرتفع مقدار القامة ثم ينعكس فيكون له مرأى حسن. وقيسارية الموصل مليحة لها أبواب حديد ويدور بها دكاكين وبيوت بعضها فوق بعض متينة البناء. وبهذه المدينة مشهد جرجيس النبي ﵇ وعليه مسجد والقبر في زاوية منه عن يمين الداخل إليه وهو فيما بين الجامع الجديد وباب الجسر وقد حصلت لنا زيارته والصلاة بمسجده والحمد لله تعالى وهنالك تل يونس ﵇ وعلى نحو منه العين المنسوبة إليه يقال أنه أمر قومه بالتطهر فيها ثم صعدوا التل ودعا ودعوا فكشف الله عنهم العذاب وبمقربة منه قرية كبيرة يقرب منه خراب يقال أنه موضع المدينة المعروفة بنينوى مدينة يونس ﵇ وأثر السور المحيط بها ظاهر ومواضعا الأبواب التي هي فيه متبينة وفي التل بناء عظيم ورباط فيه بيوت كثيرة ومقاصر ومطاهر وسقايات يضم الجميع باب واحد وفي وسط الرباط بيت عليه ستر حرير وله باب مرصع يقال أنه الموضع الذي به موقف يونس ﵇ ومحراب المسجد الذي بهذا الرباط يقال أنه كان بيت متعبده ﵇. وأهل الموصل يخرجون في كل

стр. 195

ليلة جمعة إلى هذا الرباط يتعبدون فيه. وأهل الموصل لهم مكارم أخلاق ولين كلام وفضيلة ومحبة في الغريب وإقبال عليه وكان أمير ها حين قدومي عليها السيد الشريف الفاضل علاء الدين بن شمس الدين محمد الملقب بحيدر وهو من الكرماء الفضلاء أنزلني بداره وأجرى علي الانفاق مدة مقامي عنده وله الصدقات والإيثار المعروف. وكان السلطان أبو سعيد يعظمه وفوض إليه أمر هذه المدينة وما يليها ويركب في موكب عظيم من مماليكه وأجناده ووجوه أهل المدينة وكبراؤها يأتون للسلام عليه غدوا وعشيا وله شجاعة ومهابة وولده في حين كتب هذا في حضرة فاس مستقر الغرباء ومأوى الفرق ومحط رحال الوفود زادها الله بسعادة أيام مولانا أمير المؤمنين١ بهجة وإشراقاً وحرس أرجاءها ونواحيها. ثم رحلنا من الموصل ونزلنا قرية تعرف بعين الرصد وهي على نهر عليه جسر مبني وبها خان كبير. ثم رحلنا ونزلنا قرية تعرف بالمويلحة، ثم رحلنا منها ونزلنا جزيرة ابن عمر وهي مدينة كبيرة حسنة محيط بها الوادي ولذلك سميت جزيرة وأكثرها خراب ولها سوق حسنة ومسجد عتيق مبني بالحجارة محكم العمل وسورها مبني بالحجارة أيضا وأهلها فضلاء لهم محبة في الغرباء ويوم نزلنا بها رأينا جبل الجودي المذكور في كتاب الله عز وجل٢ الذي استوت عليه سفينة نوح ﵇ وهو جبل عال مستطيل. ثم رحلنا مرحلتين ووصلنا إلى مدينة نصيبين وهي مدينة عظيمة عتيقة متوسطة قد خرب أكثرها وهي في بسيط أفيح فيه المياه الجارية والبساتين الملتفة والأشجار المنتظمة والفواكه الكثيرة وبها يصنع ماء الورد الذي لا نظير له في العطارة والطيب ويدور بها نهر يعطف عليها انعطاف السوار منبعه من عيون في جبل قريب منها وينقسم انقساما فيتخلل بساتينها ويدخل منه نهر إلى المدينة فيجري في شوارعها ودورها ويخترق صحن مسجدها الأعظم وينصب في صهريجين أحدهما في وسط الصحن والآخر عند الباب الشرقي وبهذه المدينة

стр. 196

مارستان ومدرستان وأهلها أهل صلاح ودين وصدق وأمانة ولقد صدق أبو نواس في قوله: طابت نصيبين لي يوما وطبت لها ... يا ليت حظي من الدنيا نصيبين قال ابن جزي: والناس يصفون مدينة نصيبين بفساد الماء والوخامة، وفيها يقول بعض الشعراء: لنصيبين قد عجبت وما في ... دارها لي داعٍ إلى العلاّت يعدم الورد أحمراً في ذُراها ... لسقام حتى من الوجنات ثم رحلنا إلى مدينة سنجار وهي مدينة كبيرة كثيرة الفواكه والأشجار والعيون المطردة والأنهار مبنية في سفح الجبل تشبه بدمشق في كثرة أنهارها وبساتينها ومسجدها الجامع مشهور البركة يذكر أن الدعاء به مستجاب ويدور به نهر ماء يشقه. وأهل سنجار أكراد ولهم شجاعة وكرم وممن لقيته بها الشيخ الصالح العابد الزاهد عبد الله الكردي أحد المشايخ الكبار صاحب كرامات يذكر عنه أنه لا يفطر إلا بعد أربعين يوماً ويكون إفطاره على نصف قرص من الشعير، لقيته برابطة بأعلى جبل سنجار ودعا لي وزودني بدراهم لم تزل عندي إلى أن سلبني كفار الهنود. ثم سافرنا إلى مدينة دارا وهي عتيقة كبيرة المنظر لها قلعة مشرفة وهي الآن خراب لا عمارة بها وفي خارجها قرية معمورة بها كان نزولنا، ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة ماردين وهي عظيمة في سطح جبل من أحسن مدن الإسلام وأبدعها وأتقنها وأحسنها أسواقاً وبها تصنع الثياب المنسوبة إليها من الصوف المعروف بالمرعز ولها قلعة شماء من مشاهير القلاع في قنة جبلها. قال ابن جزي: قلعة ماردين هذه تسمى الشهباء وإياها عنى شاعر العراق صفي الدين عبد العزيز ابن سراي الحليّ بقوله في مسمطته: فَدَع ربوع الحِلّة الفيحاءِ ... وازورّ بالعِيس عن الزَّوراء ولا تقف بالموصل الحدباء ... إن شهاب القلَعة الشهباء محرق شيطان صروف الدهر وقلعة حلب الشهباء أيضاً وهذه المسمطة بديعة مدح بها الملك المنصور

стр. 197

سلطان ماردين، وكان كريماً شهير الصيت ولي الملك بها نحو خمسين سنة، وأدرك أيّام قازان ملك التتر وصاهر السلطان خدابنده بابنته دنيا خاتون.

стр. 198

خبر سلطان ماردين في عهد دخولي إليها: وهو الملك الصالح ابن الملك المنصور الذي ذكرناه آنفا ورث الملك عن أبيه والمكارم الشهيرة وليس بأرض العراق والشام ومصر أكرم منه يقصده الشعراء والفقراء فيجزل لهم العطايا جرياً على سنن أبيه قصده أبو عبيد الله محمد بن جابر الأندلسي المروي الكفيف مادحاً فأعطاه عشرين ألف درهم وله الصدقات والمدارس والزوايا لإطعام الطعام. وله وزير كبير القدر وهو الإمام العالم وحيد الدهر وفريد العصر جمال الدين السنجاوي وقرأ بمدينة تبريز وأدرك العلماء الكبار وقاضي قضاته الإمام الكامل برهان الدين الموصلي وهو ينتسب إلى الشيخ الولي فتح الموصلي وهذا القاضي من أهل الدين والورع والفضل يلبس الخشن من ثياب الصوف الذي لا تبلغ قيمته عشرة دراهم ويعتم بنحو ذلك وكثيراً ما يجلس للأحكام بصحن مسجد خارج المدرسة كان يتعبد فيه فيه فإذا رآه من لا يعرفه ظنه بعض خدام القاضي وأعوانه. وقد ذكر لي: أن امرأة أتت هذا القاضي وهو خارج من المسجد ولم تكن تعرفه فقالت له: يا شيخ أين يجلس القاضي؟ فقال لها: وما تريدين منه؟ فقالت: أن زوجي ضربني وله زوجة ثانية وهو لا يعدل بيننا في القسم وقد دعوته إلى القاضي فأبى وأنا فقيرة ليس عندي ما أعطيه لرجال القاضي حتى يحضروه بمجلسه. فقال لها: وأين منزل زوجك؟ فقالت: بقرية الملاحين خارج المدينة. فقال لها: أنا أذهب معك إليه. فقالت: والله ما عندي شيء أعطيك إياه. فقال لها: لا آخذ منك شيئاً، ثم قال لها: اذهبي إلى القرية وانتظريني خارجها فآتي على أثرك، فذهبت كما أمرها وانتظرته فوصل إليها وليس معه أحد وكانت عادته أن لا يدع أحداً يتبعه، فجاءت به إلى منزل زوجها فلما رآه قال: ما هذا الشيخ النحس الذي معك؟ فقال له: نعم والله وأنا كذلك ولكن أرض زوجتك، فلما طال الكلام جاء الناس فعرفوا القاضي وسلّموا عليه وخاف ذلك الرجل وخجل. فقال له القاضي: لا عليك أصلح ما بينك وبين زوجتك. فأرضاها الرجل من نفسه وأعطاهما القاضي نفقة ذلك اليوم وانصرف.

стр. 199

لقيت هذا القاضي وأضافني بداره. ثم رحلت عائداً إلى بغداد فوصلت إلى مدينة الموصل التى ذكرناها، فوجدت ركبها بخارجها متوجهين إلى بغداد وفيهم امرأة صالحة عابدة تسمى بالست زاهدة وهي من ذرية الحنفاء حجت مراراً وهي ملازمة الصوم سلّمتُ عليها وكنت في جوارها ومعها جملة من الفقراء يخدمونها، وفي هذه الوجهة توفيت رحمة الله عليها وكانت وفاتها بزرود ودفنت هنالك، ثم وصلنا إلى مدينة بغداد فوجدت الحاج في أهبة الرحيل فقصدت أمير ها معروف خواجة فطلبت منه ما أمر لي به السلطان فعين لي شقة محارة وزاد أربعة من الرجال وماءهم وكتب لي بذلك ووجه إلى أمير الركب البهلوان محمد الحويج فأوصاه بي وكانت المعرفة بيني وبينه متقدمة فزادها تأكيداً ولم أزل في جواره وهو يحسن إلي ويزيدني على ما أمر به، وأصابني عند خروجنا من الكوفة إسهال فكانوا ينزلوني من أعلى المحمل مرات كثيرة في اليوم والأمير يتفقد حالي ويوصي بي ولم أزل مريضاً حتى وصلت مكة حرم الله تعالى زادها الله شرفاً وتعظيماً، وطفت بالبيت الحرام كرّمه الله تعالى طواف القدوم وكنت ضعيفاً بحيث أؤدي المكتوبة قاعداً فطُفت وسعيت بين الصفا والمروة راكباً على فرس الأمير الحويح المذكور، ووقفنا تلك السنة يوم الإثنين فلما نزلنا منى أخذت في الراحة والاسقلال من مرضي، ولما انقضى الحاج أقمت مجاوراً بمكة تلك السنة وكان بها الأمير علاء الدين ابن هلال مشيد "مشد" الدواوين مقيما لعمارة دار الوضوء بظاهر العطارين من باب بني شيبة وجاور في تلك السنة من المصريين جماعة من كبرائهم منهم تاج الدين بن الكويك ونور الدين القاضي وزين الدين بن الأصيل وابن الخليلي وناصر الدين الأسيوطي، وسكنت تلك السنة بالمدرسة المظفرية وعافاني الله من مرضي فكنت في أنعم عيش وتفرغت للطواف والعبادة والاعتمار وأتى في أثناء تلك السنة حجاج الصعيد وقدم معهم الشيخ الصالح نجم الدين الأصفوني١ وهي أول حجة حجها والإخوان علاء الدين علي وسراج الدين عمر ابنا القاضي الصالح نجم الدين البالسي قاضي مصر وجماعة غيرهم وفي منتصف ذي القعدة

стр. 200

وصل الأمير سيف الدين يلملك وهو من الفضلاء ووصل في صحبته جماعة من أهل طنجة بلدي حرسها الله منهم الفقيه أبو عبد الله محمد بن القاضي أبي العباس بن القاضي الخطيب أبي القاسم الجراوي والفقيه أبو عبد الله بن عطاء الله والفقيه أبو عبد الله الحضري والفقيه أبو عبد الله المرسي وأبو العباس بن الفقيه أبي علي البلنسي وأبو محمد بن القابلة وأبو الحسن البياري وأبو العباس بن تافوت وأبو الصبر أيوب الفخار وأحمد بن حكامة ومن أهل قصر المجاز الفقيه أبو زيد عبد الرحمن بن القاضي أبي العباس بن خلوف ومن أهل القصر الكبير الفقيه أبو محمد بن مسلم وأبو إسحاق إبراهيم بن يحيى وولده ووصل في تلك السنة الأمير سيف الدين تقزدمور من الخاصكية والأمير موسى بن قرمان والقاضي فخر الدين ناظر الجيش وكاتب المماليك والتاج أبو إسحاق والست حدق مربية الملك الناصر وكانت لهم صدقات عميمة بالحرم الشريف وأكثرهم صدقة القاضي فخر الدين وكانت وقفتنا في تلك السنة في يوم الجمعة من عام ثمان وعشرين، ولما انقضى الحج أقمت مجاورا بمكة حرسها الله سنة تسع وعشرين. وفي هذه السنة وصل أحمد بن الأمير رميثة ومبارك بن الأمير عطيفة من العراق صحبه الأمير محمد الحويج والشيخ زاده الحرباوي والشيخ دانيال وأتوا بصدقات عظيمة للمجاورين وأهل مكة من قبل السلطان أبي سعيد ملك العراق. وفي تلك السنة ذكر اسمه في الخطبة بعد ذكر الملك الناصر ودعوا له بأعلى قبة زمزم وذكروا بعده سلطان اليمن المك المجاهد نور الدين ولم يوافق الأمير عطيفة على ذلك وبعث شقيقه منصوراً ليعلم الملك الناصر بذلك فأمر رميثة برده فرده فبعثه ثانية على طريق جدة حتى أعلم الملك الناصر بذلك، ووقفنا تلك السنة وهي سنة تسع وعشرين يوم الثلاثاء، ولما انقضى الحج أقمت مجاوراً بمكة حرسها الله سنة ثلاثين وفي موسها وقعت الفتنة بين أمير مكة عطيفة وبين أيدمور أمير جندار الناصري وسبب ذلك أن تجاراً من أهل اليمن سرقوا فتشكوا إلي أيدمور بذلك فقال أيدمور لمبارك بن الأمير عطيفة ائت بهؤلاء السراق فقال لا أعرفهم فكيف نأتي بهم وبعد فأهل اليمن تحت حكمنا ولا حكم لك عليهم أن سرق لأهل مصر والشام شيء فاطلبني به فشتمه أيدمور وقال له يا قواد تقول لي هكذا وضربه على صدره فسقط ووقعت عمامته عن رأسه وغضب له عبيده وركب أيدمور يريد عسكره فلحقه مبارك وعبيده فقتلوه وقتلوا ولده، ووقعت الفتنة بالحرم وكان به الأمير أحمد ابن عم الملك الناصر ورمى الترك بالنشاب فقتلوا امرأة قيل إنها كانت تحرض أهل مكة على القتال،

стр. 201

وركب من ركب من الأتراك وأمير هم خاص ترك فخرج إليهم القاضي والأئمة والمجاورين وفوق رؤوسهم المصاحف وحاولوا الصلح ودخل الحجاج مكة فأخذوا ما لهم بها وانصرفوا إلى مصر وبلغ الخبر إلى الملك الناصر فشق عليه وبعث العساكر إلى مكة ففر الأمير عطيفة وابنه مبارك وخرج أخوه رميثة وأولاده إلى وادي نخلة فلما وصل العسكر إلى مكة بعث الأمير رميثة أحد أولاده يطلب له الأمان ولولده فأمنوه وأتى رميثة وكفنه في يده إلى الأمير فخلع عليه وسلمت إليه مكة وعاد العسكر إلى مصر وكان الملك الناصر ﵀ حليماً فاضلاً، فخرجت تلك الأيام من مكة قاصداً بلاد اليمن فوصلت إلى حده "بالحاء المهمل المفتوح" وهي نصف الطريق بين مكة وجدة "بالجيم المضمومة"، ثم وصلت إلى جدة وهي بلدة قديمة على ساحل البحر يقال إنها من عمارة الفرس وبخارجها مصانع قديمة وبها جباب للماء منقورة في الحجر الصلد يتصل بعضها ببعض تفوت الإحصاء كثيرة وكانت هذه السنة قليلة المطر وكان الماء يجلب إلى جدة على مسيرة يوم وكان الحجاج يسألون الماء من أصحاب البيوت. ومن غريب ما اتفق لي بجدة أنه وقف على بابي سائل أعمى يطلب الماء يقوده غلام فسلم علي وسماني باسمي ولم أكن عرفته قط ولا عرفني وعجبت من شأنه ثم أمسك أصبعي بيده وقال أين الفتحة وهي الخاتم وكنت حين خروجي من مكة لقيني بعض الفقراء وسألني ولم يكن عندي في ذلك الحين شيء فدفعت له خاتمي فلما سألني عنه هذا الأعمى قلت له أعطيته لفقير فقال ارجع في طلبه فإن فيه أسماء مكتوبة فيها سر من الأسرار فطال تعجبي منه ومن معرفته ذلك والله أعلم بحاله. وبجدة جامع يعرف بجامع الأبنوس معروف البركة يستجاب به الدعاء، وكان الأمير بها أبا يعقوب بن عبد الرزاق وقاضيها وخطيبها الفقيه عبد الله من أهل مكة شافعي المذهب وإذا كان يوم الجمعة واجتمع الناس للصلاة أتى المؤذن وعد أهل جدة المقيمين بها فإن أكملوا أربعين خطب وصلى بهم الجمعة وإن لم يبلغ عددها أربعين صلى ظهراً أربعاً ولا يعتبر من ليس من أهلها وإن كانوا عدداً كثيراً. ثم ركبنا البحر من جدة في مركب يسمونه الجلبة وكان لرشيد الدين الألفي اليمني الحبشي الأصل، وركب الشريف منصور بن أبي نمي في جلبة أخرى ورغب

стр. 202

مني أن أكون معه فلم أفعل لكونه كان معه في جلبته الجمال فخفت من ذلك ولم أكن ركبت البحر قبلها وكان هنالك جملة من أهل اليمن قد جعلوا زوادهم وأمتعتهم في الجلب وهم متأهبون للسفر. ولما ركبنا البحر أمر الشريف منصور أحد غلمانه أن يأتيه بعديلة دقيق وهي نصف حمل وبطة سمن يأخذهما من جلب أهل اليمن فأخذهما وأتى بهما إليه فأتى التجار باكين وذكروا لي أن في جوف تلك العديلة عشرة آلاف درهم نقرة ورغبوا مني أن أكلمه في ردها وأن يأخذ سواها فأتيته وكلمته في ذلك وقلت له أن للتجار في جوف هذه العديلة شيئاً فقال أن كان سكراً فلا أرده إليهم وإن كان سوى ذلك فهو لهم ففتحوها ووجدوا الدراهم فردها عليهم وقال لي: لو كان عجلانا ما ردها وعجلان هو ابن أخيه رميثة. وكان قد دخل في تلك الأيام دار تاجر من أهل دمشق قاصداً لليمن فذهب بمعظم ما كان فيها وعجلان هو أمير مكة على هذا العهد وقد صلح حاله وأظهر العدل والفضل، ثم سافرنا في هذا البحر بالريح الطيبة يومين وتغيرت الريح بعد ذلك وصدتنا عن السبيل التي قصدنا ودخلت أمواج البحر معنا في المركب واشتد الميد بالناس١ ولم نزل في أهوال حتى خرجنا في مرسى يعرف برأس دوائر فيما بين عيدان وسواكن فنزلنا به ووجدنا بساحله عريش قصب على هيئة مسجد وبه كثير من قشور بيض النعام مملوءة ماء فشربنا منه وطبخناه ورأيت في ذلك المرسى عجباً وهو خور مثل الوادي يخرج من البحر فكان الناس يأخذون الثوب ويمسكون بأطرافه ويخرجون به وقد امتلأ سمكاً كل سمكة منها قدر الذراع ويعرفونه بالبوري فطبخ منه الناس كثيراً واشتروا وقصدت إلينا طائفة من البجاة هم سكان تلك الأرض سود الألوان لباسهم الملاحف الصفر ويشدون على رؤوسهم عصائب حمراء عرض الإصبع وهم أهل نجدة وشجاعة وسلاحهم الرماح والسيوف ولهم جمال يسمونها الصهب يركبونها بالسروج فاكترينا منهم الجمال وسافرنا معهم في برية كثيرة الغزلان، والبجاة لا يأكلونها وهي تأنس بالآدمي ولاتنفر منه. وبعد يومين من مسيرنا وصلنا إلى حي من العرب يعرفون بأولاد كاهل مختلطين بالبجاة.

стр. 203

عارفين بلسانهم، وفي ذلك اليوم وصلنا إلى جزيرة سواكن وهي على نحو ستة أميال من البر ولا ماء بها ولا زرع ولا شجر والماء يجلب إليها في القوارب وفيها صهاريج يجتمع بها ماء المطر وهي جزيرة كبيرة وبها لحوم النعام والغزلان وحمر الوحش والمعزي عندهم كثير والألبان والسمن منها يجلب إلى مكة وحبوبهم الجرجور وهو نوع من الذرة كبير الحب يجلب منها أيضا إلى مكة. وكان سلطان جزيرة سواكن حين وصولي إليها الشريف أبي نمي وأبوه أمير مكة وأخوه أمير ها بعده وهما عطيفة ورميثة اللذان تقدم ذكرهما وصارت إليه من قبل البجاة فإنهم أخواله ومعه عسكر من البجاة وأولاد كاهل وعرب جهينة، وركبنا البحر من جزيرة سواكن نريد أرض اليمن وهذا البحر لا يسافر فيه بالليل لكثرة أحجاره وإنما يسافرون فيه من طلوع الشمس إلى غروبها ويرسون فينزلون إلى البر فإذا كان الصباح صعدوا إلى المركب وهم يسمون رئيس المركب الربان ولا يزال أبداً في مقدم المركب ينبه صاحب السكان على الأحجار١ وهم يسمونها النبات. وبعد ستة أيام من خروجنا عن جزيرة سواكن وصلنا إلى مدينة "حلي" "وضبط اسمها بفتح الحاء المهمل وكسر اللام وتخفيفها" وتعرف باسم ابن يعقوب وكان من سلاطين اليمن ساكنا بها قديما وهي كبيرة حسنة العمارة يسكنها طائفتان من العرب وهم بنو حرام وكنانة وجامع هذه المدينة من أحسن الجوامع وفيه جماعة من الفقراء المنقطعين إلى العبادة منهم الشيخ الصالح العابد الزاهد قبولة الهندي من كبار الصالحين لباسه مرقعة وقلنسوة لبد وله خلوة متصلة بالمسجد فرشها الرمل لا حصير بها ولا بساط ولم أر بها حين لقائي له شيئاً إلا إبريق الوضوء وسفرة من خوص النخيل فيها كسر شعير يابسة وصحيفة فيها ملح وسعتر فإذا جاءه أحد قدم بين يديه ذلك ويسمع به أصحابه فيأتي كل واحد منهم بما حضر من غير تكلف شيء وإذا صلوا العصر اجتمعوا للذكر بين يدي الشيخ إلى صلاة المغرب وإذا صلوا المغرب أخذ كل واحد منهم موقفه للتنفل فلا يزالون كذلك إلى صلاة العشاء الآخرة فإذا صلوا العشاء الآخرة أقاموا على الذكر إلى ثلث الليل

стр. 204

ثم انصرفوا ويعودون في أول الثلث الثالث إلى المسجد فيتهجدون إلى الصبح ثم يذكرون إلى أن تحين صلاة الإشراق فينصرفون بعد صلاتها ومنهم من يقيم إلى أن يصلي صلاة الضحى بالمسجد وهذا دأبهم أبداً ولقد أردت الإقامة معهم باقي عمري ولم أوفق لذلك والله تعالى يتداركنا بلطفه وتوقيقه. أما سلطان حَلِي فكان عامر بن ذؤيب من بني كنانة وهو من الفضلاء الأدباء الشعراء. سافرت في حجته من مكة إلى جدة وكان قد حج في سنة ثلاثين ولما قدمت مدينته أنزلني وأكرمني وأقمت في ضيافته أياماً، وركبت البحر في مركب له أوصلني إلى بلدة السرجة "وضبط اسمها بفتح السين المهمل وإسكان الراء وفتح الجيم" بلدة صغيرة يسكنها جماعة من أولاد الهلبي وهم طائفة من تجار اليمن أكثرهم ساكنون بصنعاء١ ولهم فضل وكرم وإطعام لأبناء السبيل يعينون الحجاج ويركبونهم في مراكبهم ويزودونهم من أموالهم وقد عرفوا بذلك واشتهروا به وكثر الله أموالهم وزادهم من فضله وأعانهم على فعل الخير وليس بالأرض من يماثلهم في ذلك إلا الشيخ بدر الدين النقاش الساكن ببلدة القحمة فله مثل ذلك من المآثر والإيثار وأقمنا بالسرجة ليلة واحدة في ضيافة المذكورين، ثم رحلنا إلى مرسي الحادث ولم ننزل به، ثم إلى مرسى الأبواب، ثم إلى مدينة زبيد مدينة عظيمة باليمن بينها وبين صنعاء أربعون فرسخا وليس باليمن بعد صنعاء أكبر منها ولا أغنى من أهلها واسعة البساتين كثيرة المياه والفواكه من الموز وغيره وهي برية لا شطية٢ إحدى قواعد بلاد اليمن "وهي بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة" مدينة كبيرة كثيرة العمارة بها النخل والبساتين والمياه، أملح بلاد اليمن وأجملها ولأهلها لطافة الشمائل وحسن الأخلاق وجمال الصور ولنسائها الحسن الفائق الفائت، وهي وادي الخصيب الذي يذكر في بعض الآثار أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ في وصيته: "يا معاذ إذا جئت وادي الخصيب فهرول". ولأهل هذه المدينة سبوت النخل المشهورة وذلك أنهم يخرجون في أيام البسر والرطب في كل سبت إلى حدائق

стр. 205

النخل، ولا يبقى بالمدينة أحد من أهلها ولا من الغرباء ويخرج أهل الطرب وأهل الأسواق لبيع الفواكه والحلاوات وتخرج النساء ممتطيات الجمال في المحامل ولهن مع ما ذكرناه من الجمال الفائت والأخلاق الحسنة والمكارم وللغريب عندهن مزية ولا يمتنعن من تزوجه كما يفعله نساء بلادنا فإذا أراد السفر خرجت معه وودعته وإن كان بينهما ولد فهي تكفله وتقوم بما يجب له إلى أن يرجع أبوه ولا تطالبه في أيام الغيبة بنفقة ولا كسوة ولا سواها وإذا كان مقيماً فهي تقنع منه بقليل النفقة والكسوة لكنهن لا يخرجن عن بلدهن أبداً ولو أعطيت إحداهن ما عسى أن تعطاه على أن تخرج من بلدها لم تفعل. وعلماء تلك البلاد وفقهاؤها أهل صلاح ودين وأمانة ومكارم وحسن خلق لقيت بمدينة زبيد الشيخ العالم الصالح أبا محمد الصنعاني والفقيه الصوفي المحقق أبا العباس الإبياني والفقيه المحدث أبا علي الزبيدي ونزلت في جوارهم فأكرموني وأضافوني ودخلت حدائقهم واجتمعت عند بعضهم بالفقيه القاضي العالم أبي زيد عبد الرحمن الصوفي أحد فضلاء اليمن ووقع عنده ذكر العابد الزاهد الخاشع أحمد بن العجيل اليمني وكان من كبار الرجال وأهل الكرامات. وذكروا أن فقهاء الزيدية وكبراؤهم أتوا مرة إلى زيارة الشيخ أحمد بن العجيل فجلس لهم خارج الزاوية واستقبلهم أصحابه ولم يبرح الشيخ عن موضعه فسلموا عليه وصافحهم ورحب بهم ووقع بينهم الكلام في مسألة القدر وكانوا يقولون أن لا قدر وأن المكلف يخلق١ أفعاله فقال لهم الشيخ فإن كان الأمر على ما تقولون فقوموا عن مكانكم هذا فأرادوا القيام فلم يستطيعوا وتركهم الشيخ على حالهم ودخل الزاوية وأقاموا كذلك واشتد بهم الحر ولحقهم وهج الشمس وضجوا مما نزل بهم فدخل أصحاب الشيخ إليه وقالوا له أن هؤلاء القوم قد تابوا إلى الله ورجعوا عن مذهبهم الفاسد فخرج

стр. 206

عليهم الشيخ فأخذ بأيديهم وعاهدهم على الرجوع إلى الحق وترك مذهبهم السيء وأدخلهم زاويته فأقاموا في ضيافته ثلاثا وانصرفوا إلى بلادهم. وخرجت لزيارة قبر هذا الرجل الصالح وهو بقرية يقال لها غسانة خارج زبيد ولقيت ولده الصالح أبا الوليد إسماعيل فأضافني وبت عنده وزرت ضريح الشيخ وأقمت معه ثلاثاً. وسافرت في صحبته إلى زيارة الفقيه أبي الحسن الزيلعي وهو من كبار الصالحين ويقدم حجاج اليمن إذا توجهوا للحج وأهل تلك البلاد وأعرابها يعظمونه ويحترمونه فوصلنا إلى جبلة وهي بلدة صغيرة حسنة ذات نخل وفواكه وأنهار فلما سمع الفقيه أبو الحسن الزيلعي بقدوم الشيخ أبي الوليد استقبله وأنزله بزاويته وسلمت عليه وأقمنا عنده ثلاثة أيام في خير مقام ثم انصرفنا وبعث معنا أحد الفقراء، فتوجهنا إلى مدينة تعز حضرة ملك اليمن وهي من أحسن مدن اليمن وأعظمها وأهلها ذوو تجبر وتكبر وفظاظة وكذلك الغالب على البلاد التي يسكنها الملوك وهي ثلاثة محلات إحداها يسكنها السلطان ومماليكه وحاشيته وأرباب دولته وتسمى باسم لا أذكره والثانية يسكنها الأمراء والأجناد وتسمى عدينة والثالثة يسكنها عامة الناس وبها السوق العظمى وتسمى المحالب.

стр. 207

خبر سلطان اليمن: فهو السلطان المجاهد نور الدين علي بن السلطان المؤيد هزبر الدين داود بن السلطان المظفر يوسف بن علي بن رسول، شهر جده برسول لأن أحد خلفاء بني العباس أرسله إلى اليمن ليكون بها أمير اً ثم استقل أولاده بالملك وله ترتيب عجيب في قعوده وركوبه وكنت لما وصلت هذه المدينة مع الفقير الذي بعثه الشيخ أبو الحسن الزيلعي في صحبتي قصد بي إلى قاضي القضاة الإمام المحدث صفي الدين الطبري المكي فسلمنا عليه ورحب بنا وأقمنا بداره في ضيافته ثلاثاً فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الخميس وفيه يجلس السلطان لعامة الناس دخل بي عليه فسلمت عليه وكيفية السلام عليه أن يمس الإنسان الأرض بسبابته ثم يرفعها إلى رأسه ويقول أدام الله عزك ففعلت كمثل ما فعله القاضي عن يمين الملك وأمرني فقعدت بين يديه.

стр. 208

فسألني عن بلادي وعن مولانا أمير المسلمين جواد الأجواد أبي سعيد١ ﵁ وعن ملك مصر وملك العراق وملك اللور فأجبته عما سأل من أحوالهم وكان وزيره بين يديه فأمره بإكرامي وإنزالي وترتيب قعود هذا الملك أنه يجلس فوق دكانة مفروشة مزينة بثياب الحرير وعن يمينه ويساره أهل السلاح ويليه منهم أصحاب السيوف والدرق ويليهم أصحاب القسي وبين أيديهم في الميمنة والميسرة الحاجب وأرباب الدولة وكاتب السر وأمير جندار على رأسه والشاويشية هم من الجنادرة وقوف على بعد. فإذا قعد السلطان صاحوا صيحة واحدة: باسم الله. فإذا قام فعلوا مثل ذلك، فيعلم جميع من بالمشور وقت قيامه ووقت قعوده. فإذا استوى قاعداً دخل كل من عادته أن يسلم عليه فسلم ووقف حيث رسم له بالميمنة أو الميسرة لا يتعدى أحد موضعه ولا يقعد إلا من أمر بالقعود يقول السلطان للأمير جندار مر فلاناً يقعد فيتقدم ذلك المأمور بالقعود عن موقفه قليلاً ويقعد على بساط هناك بين أيد القائمين في الميمنة والميسرة. ثم يؤتى بالطعام وهو طعامان: طعام العامة وطعام الخاصة فأما الطعام الخاص فأكل منه السلطان وقاضي القضاة والكبار من الشرفاء ومن الفقهاء والضيوف، وأما الطعام العام فيأكل منه سائرالشرفاء والفقهاء والقضاة والقضائة والمشايخ والأمراء ووجوه الأجناد ومجلس كل إنسان للطعام معين لا يتعداه ولا يزاحم أحد منهم أحداً وعلى مثل هذا الترتيب سواء هو ترتيب ملك الهند في طعامه فلا أعلم أن سلاطين الهند أخذوا ذلك عن سلاطين اليمن أم سلاطين اليمن أخذوه عن سلاطين الهند وأقمت في ضيافة سلطان اليمن أياماً وأحسن إلي أركبني. وانصرفت إلى مدينة صنعاء وهي قاعدة بلاد اليمن الأولى مدينة كبيرة حسنة العمارة بناؤها بالآجر والجص كثيرة الأشجار والفواكه والزرع معتدلة الهواء طيبة الماء ومن الغريب أن المطر ببلاد الهند واليمن والحبشة إنما ينزل في أيام القيظ، وأكثر ما يكون نزوله بعد الظهر من كل يوم في ذلك الأوان. فالمسافرون يسافرون عند الزوال لئلا يصيبهم المطر وأهل المدينة ينصرفون إلى منازلهم لأن أمطارها وابلة متدفقة والمدينة مفروشة كلها فإذا نزل المطر غسل جميع أزقتها وأنقاها وجامع

стр. 209

صنعاء من أحسن الجوامع وفيه قبر نبي من الأنبياء ﵈. ثم سافرت منها إلى مدينة عدن مرسى بلاد اليمن على ساحل البحر الأعظم والجبال تحف بها ولا مدخل إليها إلا من جانب واحد وهي مدينة كبيرة ولا زرع بها ولا شجر ولا ماء وبها صهاريج يجتمع فيها الماء أيام المطر والماء على بعد منها فربما منعته العرب وحالوا بين أهل المدينة وبينه حتى يصانعونهم بالمال والثياب وهي شديدة الحر وهي مرسى أهل الهند تأتي إليها المراكب العظيمة من كنبايت وتانة وكولم وقالقوط وفندراينة والشاليات ومنجرور وفاكنور وهنور وسندابور وغيرها وتجار الهند ساكنون بها وتجار مصر أيضاً. وأهل عدن ما بين تجار وحمالين وصيادين للسمك وللتجار منهم أموال عريضة وربما يكون لأحدهم المركب العظيم بجميع ما فيه لا يشاركه فيه غيره لسعة ما بين يديه من الأموال ولهم في ذلك تفاخر ومباهاة. وذكر لي أن بعضهم بعث غلاماً له ليشتري له كبشاً، وبعث آخر منهم غلاما له برسم ذلك أيضا فاتفق أنه لم يكن بالسوق في ذلك اليوم إلا كبش واحد فوقعت المزايدة فيه بين الغلامين فأنهى ثمنه إلى أربعمائة دينار. فأخذه أحدهما وقال أن رأس مالي أربعمائة دينار فإن أعطاني مولاي ثمنه فحسن وإلا دفعت فيه رأس مالي ونصرت نفسي وغلبت صاحبي وذهب بالكبش إلى سيده فلما عرف سيده بالقضية أعطاه ألف دينار وعاد الآخر إلى سيده خائباً فضربه وأخذ ماله ونفاه عنه ونزلت في عدن عند تاجر يعرف بناصر الدين الفأري فكان يحضر طعامه كل ليلة نحو عشرين من التجار وله غلمان وخدام أكثر من ذلك ومع هذا كله فهم أهل دين وتواضع وصلاح ومكارم أخلاق يحسنون إلى الغريب ويؤثرون على الفقير ويعطون حق الله من الزكاة على ما يجب ولقيت بهذه المدينة قاضيها الصالح سالم بن عبد الله الهندي وكان والده من العبيد الحمالين واشتغل ابنه بالعلم فرأس وساد وهو من خيار القضاة وفضلائهم أقمت في ضيافته أياماً. وسافرت من مدينة عدن في البحر أربعة أيام ووصلت إلى مدينة زيلع وهي مدينة البرابرة وهم طائفة من السودان شافعية المذهب وبلادهم صحراء مسيرة شهرين. أولها زيلع وآخرها مقدشو. ومواشيهم الجمال ولهم أغنام مشهورة السمن وأهل زيلع سود الألوان وأكثرهم رافضة وهي مدينة كبيرة لها سوق عظيمة إلا أنها أقذر مدينة في

стр. 210

المعمور وأوحشها وأكثرها نتناً، وسبب نتنها كثرة سمكها ودماء الإبل التي ينحرونها في الأزقة ولما وصلنا إليها اخترنا المبيت بالبحر على شدة هوله ولم نبت بها لقذرها، ثم سافرنا منها في البحر خمس عشرة ليلة ووصلنا مَقَدَشُو١ "وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان القاف وفتح الدال المهمل والشين المعجم وإسكان الواو" وهي مدينة متناهية في الكبر وأهلها لهم جمال كثيرة ينحرون منها المئين في كل يوم ولهم أغنام كثيرة وأهلها تجار أقوياء وبها تصنع الثياب المنسوبة إليها التي لا نظير لها ومنها تحمل إلى ديار مصر وغيرها ومن عادة أهل هذه المدينة أنه متى وصل مركب إلى المرسى تصعد الصنابيق وهي القوارب الصغار إليه ويكون في كل صنبوق جماعة من شبان أهلها فيأتي كل واحد منهم بطبق مغطى فيه الطعام فيقدمه لتاجر من تجار المركب ويقول هذا نزيلي وكذلك يفعل كل واحد منهم ولا ينزل التاجر من المركب إلا إلى دار نزيله من هؤلاء الشبان إلا من كان كثير التردد إلى البلد وحصلت له معرفة أهله فإنه ينزل حيث شاء فإذا أنزل عند نزيله باع له ما عنده واشترى له ومن اشترى منه ببخس أو باع منه بغير حضور نزيله فذلك البيع مردود عندهم ولهم منفعة في ذلك ولما صعد الشبان إلى المركب الذي كنت فيه جاء إلي بعضهم فقال له أصحابي: ليس هذا بتاجر وإنما هو فقيه، فصاح بأصحابه وقال لهم: هذا نزيل القاضي، وكان فيها أحد أصحاب القاضي فعرفه بذلك فأتى إلى ساحل البحر في جملة من الطلبة وبعث إلي أحدهم فنزلت أنا وأصحابي وسلمت على القاضي وأصحابه وقال لي بسم الله نتوجه للسلام على الشيخ فقلت ومن الشيخ فقال السلطان وعادتهم أن يقولوا للسلطان الشيخ فقلت له إذا نزلت توجهت إليه فقال لي أن العادة إذا جاء الفقيه أو الشريف أو الرجل الصالح لا ينزل حتى يرى السلطان فذهبت معهم إليه كما طلبوا. وكان سلطان مقدشو كما ذكرناه إنما يقولون له الشيخ واسمه أبو بكر بن الشيخ عمر وهو في الأصل من البرابرة وكلامه بالمقدشي ويعرف اللسان العربي ومن عوائده أنه متى وصل مركب يصعد إليه صنبوق السلطان فيسأل عن المركب من أين قدم ومن صاحبه ومن ربانه وهو الرئيس وما وسقه ومن قدم

стр. 211

فيه من التجار وغيرهم، فيعرف بذلك كله ويعرض على السلطان فمن استحق أن ينزل عنده أنزله. ولما وصلت مع القاضي المذكور وهو يعرف بابن البرهان المصري الأصل إلى دار السلطان خرج بعض الفتيان فسلم على القاضي فقال له بلغ الأمانة وعرف مولانا الشيخ أن هذا الرجل قد وصل من أرض الحجاز فبلغ ثم عاد وأتى بطبق فيه أوراق التنبول والفوفل فأعطاني عشرة أوراق مع قليل من الفوفل وأعطى للقاضي كذلك وأعطى لأصحابي ولطلبة القاضي ما بقي في الطبق وجاء بقمم من ماء الورد الدمشقي فسكب علي وعلى القاضي وقال أن مولانا أمر أن ينزل بدار الطلبة وهي دار معدة لضيافة الطلبة فأخذ القاضي بيدي وجئنا إلى تلك الدار وهي بمقربة من دار الشيخ مفروشة مرتبة بما تحتاج إليه ثم أتى بالطعام من دار الشيخ ومعه أحد وزرائه وهو الموكل بالضيوف فقال مولانا يسلم عليكم ويقول لكم قدمتم خير مقدم ثم وضع الطعام فأكلنا وطعامهم الأرز المطبوخ بالسمن يجعلونه في صحفة خشب كبيرة ويجعلون فوقه صحاف الكوشان وهو الأدام من الدجاج واللحم والحوت والبقول ويطبخون الموز قبل نضجه في اللبن والحليب ويجعلونه في صحفة ويجعلون اللبن المروّب في صحفة ويجعلون عليه الليمون المصبر وعناقيد الفلفل المصبر المخلل والمملوح والزنجبيل الأخضر والعنبا وهي مثل التفاح ولكن لها نواة وهي إذا نضجت شديدة الحلاوة وتؤكل كالفاكهة وقبل نضجها حامضة كالليمون يصبرونها في الخل وهم إذا أكلوا لقمة من الأرز أكلوا بعدها من هذه الموالح والمخللات. والواحد من أهل مقدشو يأكل قدر ما تأكله الجماعة منا عادة. وهم في نهاية من ضخامة الأجسام وسمنها. ثم لما أطعمنا انصرف عنا القاضي وأقمنا ثلاثة أيام يؤتى إلينا بالطعام ثلاث مرات في اليوم، وتلك عادتهم. فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الجمعة جاءني القاضي والطلبة وأحد وزراء الشيخ وأتوني بكسوة وكسوتهم فوطة خز يشدها الإنسان في وسطه عوض السراويل فإنهم لايعرفونها ودراعة من المقطع المصري معلمة وفرجية من المقدسي مبطنة وعمامة مصرية معلمة وأتو لأصحابي بكُسى تناسبهم وأتينا الجامع فصلينا خلف المقصورة فلما خرج الشيخ من باب المقصورة سلمت عليه مع القاضي فرحب وتكلم بلسانه مع القاضي ثم قال

стр. 212

باللسان العربي: قدمت خير مقدم وشرفت بلادنا وآنستنا وخرج إلى صحن المسجد فوقف على قبر والده وهو مدفون هناك فقرأ ودعا ثم جاء الأمراء والوزراء ووجوه الأجناد فسلموا وعادتهم في السلام كعادة أهل اليمن يضع سبابته في الأرض ثم يجعلها على رأسه ويقول أدام الله عزك ثم خرج الشيخ من باب المسجد فلبس نعليه وأمر القاضي أن ينتعل وأمرني أن أنتعل وتوجه إلى منزله ماشياً وهو بالقرب من المسجد ومشى الناس كلهم حفاة ورفعت فوق رأسه أربع قباب من الحرير الملون وعلى أعلى كل قبة صورة طائر من ذهب وكان لباسه في ذلك اليوم فرجية قدسي أخضر وتحتها من ثياب مصر وطروحاتها الحسان وهو متقلد بفوطة حرير معتم بعمامة كبيرة وضربت بين يديه الطبول والأبواق والأنفار وأمراء الأجناد أمامه وخلفه والقاضي والفقهاء والشرفاء معه ودخل إلى مشورة على تلك الهيئة وقعد الوزراء والأمراء ووجوه الأجناد في سقيفة هنالك وفرش للقاضي بساط لا يجلس معه غيره عليه والفقهاء والشرفاء معه ولم يزالوا كذلك إلى صلاة العصر فلما صلوا العصر مع الشيخ أتى جميع الأجناد ووقفوا صفوفاً على قدر مراتبهم ثم ضربت الأطبال والأنفار والأبواق والصرنايات وعند ضربها لا يتحرك أحد ولا يتزحزح من مقامه ومن كان ماشيا وقف فلم يتحرك إلى خلف ولا إلى أمام فإذا فرغ من ضرب الطلبلخانة سلموا بأصابعهم كما ذكرناه وانصرفوا وتلك عادة لهم في كل يوم جمعة وإذا كان يوم السبت يأتي الناس إلى باب الشيخ فيقعدون في سقائف خارج الدار ويدخل القاضي والفقهاء والشرفاء والصالحون والمشايخ والحجاج إلى المشور الثاني فيقعدون على دكاكين خشب معدة لذلك ويكون القاضي على دكانة وحده وكل صنف على دكانة تخصهم لا يشاركهم فيها سواهم ثم يجلس الشيخ بمجلسه ويبعث إلى القاضي فيجلس عن يساره ثم يدخل الفقهاء فيقعد كبراؤهم بين يديه ويسلم سائرهم وينصرفون وإن كانوا ضيوفاً جلسوا عن يمينه ثم يدخل المشايخ والحجاج فيجلس كبراؤهم ويسلم سائرهم وينصرفون ثم يدخل الوزراء ثم الأمراء ثم وجوه الأجناد طائفة بعد طائفة أخرى فيسلمون وينصرفون ويؤتى بالطعام فيأكل بين يدي الشيخ القاضي والشرفاء ومن كان قاعدا بالمجلس ويأكل الشيخ معهم وإن أراد تشريف أحد من كبار أمرائه بعث إليه فأكل معهم.

стр. 213

ويأكل سائر الناس بدار الطعام وأكلهم على ترتيب مثل ترتيبهم في الدخول على الشيخ ثم يدخل الشيخ إلى داره ويقصد القاضي والوزراء وكاتب السر وأربعة من كبار الأمراء للفصل بين الناس وأهل الشكايات فما كان متعلقاً بالأحكام الشرعية حكم فيه القاضي وما كان من سوى ذلك حكم فيه أهل الشورى وهم الوزراء والأمراء وما كان مفتقراً إلى مشاورة السلطان كتبوا إليه فيخرج لهم الجواب من حينه على ظهر البطاقة بما يقتضيه نظره وتلك عادتهم. ثم ركبت من مدينة مقدشو متوجها إلى بلاد السواحل قاصدا مدينة كُلْوَا١ من بلاد الزنوج فوصلنا إلى جزيرة مَنْبِسَى٢ "وضبط اسمها ميم مفتوح ونون مسكن وباء موحدة مفتوحة وسين مهمل مفتوح، وياء". وهيَ كبيرة، بينها وبين أرض السواحل مسيرة يومين في البحر ولا برّ لها وأشجارها: الموز والليمون والأترج، ولهم فاكهة يسمونها الجمون وهي شبه الزيتون ولها نواة كنواه إلا انها شديدة الحلاوة. ولا زرع عند أهل هذه الجزيرة وإنما يجلب إليهم من السواحل وأكثر طعامهم الموز والسمك وهم شافعية المذهب أهل دين وعفاف وصلاح ومساجدهم من الخشب محكمة الإتقان وعلى كل باب من أبواب المساجد البئر والثنتان وعمق آبارهم ذراع أو ذراعان فيسقون منها الماء بقدح خشب قد غرز فيه عود رقيق في طول الذراع والأرض حول البئر والمسجد مسطحة فمن أراد دخول المسجد غسل رجليه ودخل ويكون على بابه قطعة حصير غليظ يمسح بها رجليه ومن أراد الوضوء أمسك القدح بين فخذيه وصب على يديه ويتوضأ وجميع الناس يمشون حفاة الأقدام. وبتنا بهذه الجزيرة ليلة، وركبنا البحر إلى مدينة كُلْوا "وضبط اسمها بضم الكاف وإسكان اللام وفتح الواو" وهي مدينة عظيمة ساحلية أكثر أهلها الزنوج المستحكمو السواد. ولهم شرطات في وجوههم كما هي في وجوه الليميين من جنادة. وذكر لي بعض التجار أن مدينة سفالة على مسيرة نصف شهر من مدينة كلوا، وأن بين سفالة ويوفي من بلاد الليميين مسيرة شهر، ومن يوفي يؤتى بالتبر إلى سفالة. ومدينة كلوا

стр. 214

من أحسن المدن وأتقنها عمارة، وكلها بالخشب. وسقف بيوتها الديس. والأمطار بها كثيرة، وهم أهل جهاد لأنهم في بر واحد مع كفار الزنوج. والغالب عليهم الدين والصلاح وهم شافعية المذهب. وكان سلطان كُلْوا في عهد دخولي إليها أبو المظفر حسن ويكنى أيضا أبو المواهب لكثرة مواهبه ومكارمه وكان كثير الغزو إلى أرض الزنوج يغير عليهم ويأخذ الغنائم فيخرج خمسها ويصرفه في مصارفه المعينة في كتاب الله تعالى ويجعل نصيب ذوي القربى في خزانة على حدة فإذا جاء الشرفاء دفعه إليهم وكان الشرفاء يقصدونه من العراق والحجاز وسواها، ورأيت عنده من شرفاء الحجاز جماعة منهم محمد بن جماز ومنصور بن لبيد بن أبي نمي ومحمد بن شميلة بن أبي نمي، ولقيت بمقدشو أتيل بن كبش بن جماز وهو يريد القدوم عليه وهذا السلطان له تواضع شديد ويجلس مع الفقراء ويأكل معهم ويعظم أهل الدين والشرف. ومن مكارمه أنه حضرته يوم جمعة وقد خرج من الصلاة قاصداً إلى داره فتعرض له أحد الفقراء اليمنيين فقال له أبا المواهب فقال له: لبيك يا فقير ما حاجتك؟ قال اعطني هذه الثياب التي عليك. فقال له: نعم أعطيكها. فقال: الساعة. قال. نعم الساعة. فرجع إلى المسجد ودخل بيت الخطيب فلبس ثياباً سواها، وخلع تلك الثياب وقال للفقير أدخل فخذها. فدخل الفقير وأخذها وربطها في منديل وجعلها فوق رأسه وانصرف. فعظم شكر الناس للسلطان على ما ظهر من تواضعه وكرمه وأخذ ابنه ولي عهده تلك الكسوة من الفقير وعوضه عنا بعشرة من العبيد. وبلغ السلطان ما كان من شكر الناس له على ذلك فأمر للفقير أيضا بعشرة رؤوس من الرقيق وحملين من العاج. ومعظم عطاياهم من العاج، وقلما يعطون الذهب. ولما توفي هذا السلطان الفاضل الكريم رحمة الله عليه ولي أخوه داود فكان على الضد إذا أتاه سائل يقول له مات الذي كان يعطي ولم يترك من بعده ما يعطى ويقيم الوفود عنده الشهور الكثيرة وحينئذ يعطيهم القليل حتى انقطع الوافدون عن بابه.

стр. 215

وركبنا البحر من كُلْوَا إلى مدينة ظفار الحموض١ "وضبط اسمها بفتح الظاء المعجم والفاء وآخره راء مبنية على الكسر" وهي آخر بلاد اليمن على ساحل البحر الهندي ومنها تحمل الخيل العتاق إلى الهند ويقطع البحر فيما بينها وبين الهند مع مساعدة الريح في شهر كامل قد قطعته مرة من قالقوط في بلاد الهند إلى ظفار في ثمانية وعشرين يوماً بالريح ولم ينقطع لنا جري بالليل ولا بالنهار وبين ظفار وعدن في البر مسيرة شهر في صحراء، وبينها وبين حضرموت ستة وعشر يوماً، وبينها وبين عمان عشرون يوماً. ومدينة ظفار في صحراء لا قرية بها ولا عمالة لها والسوق خارج المدينة بربض يعرف بالحرجاء وهي من أقذر الأسواق وأشدها نتناً وأكثرها ذباباً لكثرة ما يباع بها من الثمرات وأكثر سمكها النوع المعروف بالسردين، وهو بها في النهاية من السمن. ومن العجائب أن دوابهم إنما علفها من هذا السردين وكذلك غنمهم ولم أر ذلك في سواها. وأكثر باعتها الخدم وهن يلبسن السواد. وزرع أهلها الذرة وهم يسقونها من آبار بعيدة الماء وكيفية سقيهم أنهم يصنعون دلواً كبيرة ويجعلون لها حبالاً كثيرة ويتحزم بكل حبل عبد أو خادم ويجرون الدلو على عود كبير مرتفع عن البئر ويصبونها في صهريج يسقون منه، ولهم قمح يسمونه العلس وهو في الحقيقة نوع من السلت، والأرز يجلب إليهم من بلاد الهند وهو أكثر طعامهم، ودراهم هذه المدينة من النحاس والقصدير ولا تنفق في سواها وهم أهل تجارة ولا عيش لهم إلا منها. ومن عاداتهم أنه إذا وصل مركب من الهند أو غيرها خرج عبيد السلطان إلى الساحل وصعدوا في صنبوق إلى المركب ومعهم الكسوة الكاملة لصاحب المركب أو وكيله وللربان وهو الرئيس وللكراني وهو كاتب المركب ويؤتى إليهم ثلاثة أفراس فيركبونها وتضرب أمامهم الأطبال والأبواق من ساحل البحر إلى دار السلطان فيسلمون على الوزير وأمير الجند وتبعث الضيافة لكل من بالمركب ثلاثاً وبعد الثلاث يأكلون بدار السلطان. وهم يفعلون ذلك استجلاباً لأصحاب المراكب. وهم أهل تواضع وحسن أخلاق وفضيلة ومحبة للغرباء، ولباسهم القطن وهو يجلب إليهم من بلاد
следующие страницы →