قدر ما يطبخون الدوقي ويشربونه، وهو يطبخ من غلية واحدة، ويكون معهم الخليع من اللحم يجعلونه عليه ويصبون عليه اللبن وكل إنسان إنما ينام أو يأكل في عربته حال السير. وكان لي في عربتي ثلاث من الجواري. ومن عادة المسافرين في هذه البرية الإسراع لقلة أعشابها والجمال التي تقطعها يهلك معظمها وما يبقى منها لا ينتفع به إلا في سنة أخرى بعد أن يسمن والماء في هذه البرية في مناهل معلومة بعد اليومين والثلاثة وهو ماء المطر والحسيان. ثم لما سلكنا هذه البرية وقطعناها كما ذكرناه ووصلنا إلى خوارزم وهي أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها لها الأسواق المليحة والشوارع الفسيحة والعمارة الكثيرة والمحاسن الأثيرة وهي ترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر ولقد ركبت بها يوماً ودخلت السوق فلما توسطته وبلغت منتهى الزحام في موضع يقال له الشَّهَوْر "بفتح الشين المعجم وإسكان الواو" لم أستطع أن أجوز ذلك الموضع لكثرة الإزدحام وأردت الرجوع فما أمكنني لكثرة الناس فبقيت متحيراً وبعد جهد شديدٍ رجعت. وذكر لي بعض الناس أن تلك السوق يخف زحامها يوم الجمعة وتوجهت إلى المسجد الجامع والمدرسة. وهذه المدينة تحت إمرة السلطان أوزبك وله فيها أمير كبير يدعى قطلودمور وهو الذي عمر هذه المدرسة وما معها من المواضع المضافة، أما الجامع فعمرته زوجته الخاتون الصالحة تُرَابَك "بضم التاء المعلوة بفتح الراء وألف" وبك "بفتح الموحدة والكاف"، وبخوارزم مارستان له طبيب شامي يعرف بالصهيوني نسبة إلى صهيون من بلاد الشام. ولم أر في بلاد الدنيا أحسن أخلاقاً من أهل خوارزم ولا أكرم نفوساً ولا أحب في الغرباء ولهم عادة جميلة في الصلاة لم أرها لغيرهم وهي أن المؤذنين بمساجدها يطوف كل واحد منهم على دور جيران مسجده معلماً لهم بحضور الصلاة فمن لم يحضر الصلاة مع الجماعة ضربه الإمام بمحضر الجماعة وفي كل جامع درة معلقة برسم ذلك ويغرم خمسة دنانير تنفق في مصالح الجامع أو تطعم للفقراء والمساكين ويذكرون أن هذه العادة عندهم مستمرة على قديم الزمان. وبخارخ خوارزم نهر جيحون أحد الأنهار الأربعة من الجنة وهو يجمد في أوان البرد كما يجمد نهر أتل. ويسلك الناس عليه وتبقى مدة جموده خمسة أشهر وربما سلكوا عليه عند أخذه في الذوبان فهلكوا. ويسافر فيه أيام الصيف بالمراكب إلى ترمذ، ويجلبون منها القمح والشعير وهي مسيرة عشر للمنحدر. وبخارج خوارزم زاوية مبنية
стр. 317
على تربة الشيخ نجم الدين البكري، وكان من كبار الصالحين. وفيها الطعام للوارد والصادر وشيخهم المدرس سيف الدين بن عضبة من كبار أهل خوارزم وبها أيضا زاوية شيخها الصالح المجاور جلال الدين السمر قندي من كبار الصالحين أضافنا بها وبخارجها قبر الإمام العلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري وعليه قبة وزمخشر قرية على مسافة أربعة أميال من خوارزم.
ولما أتيت إلى هذه المدينة نزلت بخارجها وتوجه بعض أصحابي إلى القاضي الصدر أبي حفص عمر البكري فبعث إلى نائبه نور الإسلام فسلم علي ثم عاد إليه ثم أتى القاضي في جماعة من أصحابه فسلّم عليّ وهو فتي السن كبير الفعال وله نائبان أحدهما نور الإسلام المذكور والآخر نور الدين الكرماني من كبار الفقهاء وهو الشديد في أحكامه القوي في ذات الله تعالى.
ولما حصل الاجتماع بالقاضي قال لي أن هذه المدينة كثيرة الزحام ودخولكم نهاراً لا يتأتى وسيأتي إليكم نور الإسلام لتدخلوا معه في آخر الليل ففعلنا ذلك ونزلنا بمدرسة جديدة ليس بها أحد ولما كان بعد صلاة الصبح أتى إلينا القاضي المذكور ومعه من كبار المدينة جماعة منهم مولانا همام الدين ومولانا زين الدين المقدسي ومولانا رضي الدين يحيى ومولانا فضل الله الرصوي ومولانا جلال الدين العمادي ومولانا شمس الدين السنجري إمام أمير ها وهم أهل مكارم وفضائل والغالب على مذهبهم الاعتزال لكنهم لا يظهرونه لأن السلطان أوزبك وأمير هـ على هذه المدينة قطلودمور من أهل السنة. وكنت أيام إقامتي بها أصلي الجمعة مع القاضي أبي حفص عمر المذكور بمسجده فإذا فرغت الصلاة ذهبت معه إلى داره وهي قريبة من المسجد فأدخل معه إلى مجلسه وهو من أبدع المجالس فيه الفرش الحافلة وحيطانه مكسوة بالملف وفيه طيقان كثيرة وفي كل طاق منها أواني الفضة الممومة بالذهب والأواني العراقية وكذلك عادة أهل تلك البلاد أن يصنعوا في بيوتهم ثم يأتي بالطعام الكثير وهو من أهل الرفاهية والمال الكثير والرباع. وهو سلف الأمير قطلودمور متزوج بأخت امرأته واسمها جيجا أغا. وبهذه المدينة جماعة من الوعاظ والمذكورين وأكبرهم مولانا زين الدين المقدسي والخطيب مولانا حسام الدين المشاطي الخطيب المصقع أحد الخطباء الأربعة الذين لم أسمع في الدنيا أحسن منهم.
стр. 318
أمير خوارزم:
هو الأمير الكبير قُطُلُودُمور "بضم القاف وسكون الطاء المهمل وضم اللام"، ودمور "بضم الدال المهمل والميم وواو ومد وراء" ومعنى اسمه الحديد المبارك لأن قطرا هو المبارك ودمور هو الحديد وهذا الأمير ابن خالة السلطان المعظم محمد أوزبك وأكبر أمرائه وهو واليه على خراسان وولده هارون بك متزوج بابنة السلطان المذكور التي أمها الملكة طيطغلي المتقدم ذكرها وامرأته الخاتون تُرَابَك صاحبة المكارم الشهيرة.
ولما أتاني القاضي مسلماً عليّ كما ذكرته، قال لي: أن الأمير قد علم بقدومك وبه بقيه مرض يمنعه من الإتيان اليك فركبت مع القاضي إلى زيارته وأتينا داره فدخلنا مشوار كبيراً أكثر بيوته خشب ثم دخلنا مشواراً صغيراً فيه قبة خشب مزخرفة قد كسيت حيطانها بالملف الملون وسقفها بالحرير المذهب والأمير على فرش له من الحرير وقد غطى رجليه لما بهما من النقرس وهي فاشية في الترك فسلمت عليه وأجلسني إلى جانبه وقعد القاضي والفقهاء وسألني عن سلطانه الملك محمد أوزبك وعن الخاتون بَيَلُون وعن أبيهما وعن مدينة القسطنطينية فأعلمته بذلك كله، ثم أتي بالموائد فيها الطعام من الدجاج المشوية والكراكي أفراخ الحمام وخبز معجون بالسمن يسمونه الكليجا والكعك والحلوى، ثم أتى بموائد أخرى فيها الفواكه من الرمان المحبب في أواني الذهب والفضة ومعه ملاعق الذهب وبعضه في أواني الزجاج العراقي ومعه الملاعق الخشب ومن العنب والبطيخ العجيب. ومن عوائد هذا الأمير أن يأتي القاضي في كل يوم إلى مشوره ويجلس بمجلس معد له ومعه الفقهاء وكتابه ويجلس في مقابلة أحد الأمراء الكبراء ومعه ثمانية من كبراء أمراء الترك وشيوخهم يسمون الأرغجية "بارزغوجي"، ويتحاكم الناس إليهم. فما كان من القضايا الشرعية حكم فيها القاضي، وما كان من سواها حكم فيها أولئك الأمراء وأحكامهم مضبوطة عادلة لأنهم لا يتهمون بميل ولا يقبلون رشوة. ولما عدنا إلى المدرسة بعد الجلوس مع الأمير بعث إلينا الأرز والدقيق والسمن والأبزار وأحمال الحطب وتلك البلاد كلها لا يعرف بها الفحم وكذلك الهند وخراسان وبلاد العجم. وأما الصين فيوقدون فيها حجارة تشتعل
стр. 319
فيها النار كما تشتعل في الفحم، ثم إذا صارت رماداً عجنوه بالماء وجففوه بالشمس وطبخوه بها ثانية كذلك حتى يتلاشى.
وفي بعض أيام الجمع صليت على عادتي بمسجد أبي حفص فقال لي أن الأمير أمر لك بخمسمائة درهم وأمر أن يصنع لك دعوة ينفق فيها خمسمائة درهم أخرى يحضرها المشايخ والفقهاء والوجوه فلما أمر بذلك قلت أيها الأمير تصنع دعوة يأكل من حضرها لقمة أو لقمتين لو جعلت له جميع المال كان أحسن له للنفع فقال أفعل ذلك وقد أمر لك بالألف كاملة ثم بعثها الأمير صحبة إمامة شمس الدين السنجري في خريطة يحملها غلامه وصرفها من الذهب المغربي ثلاثمائة دينار. وكنت قد اشتريت ذلك اليوم فرساً أدهم اللون بخمسة وثلاثين ديناراً دراهم وركبته في ذهابي إلى المسجد فما أعطيت ثمنه إلا من تلك الألف وتكاثرت عندي الخيل بعد ذلك حتى انتهت إلى عدد لا أذكره خيفة مكذب يكذب به ولم تزل حالي في الزيادة حتى دخلت أرض الهند وكانت عندي خيل كثيرة لكني كنت أفضل هذا الفرس وأوثره وأربطه أمام الخيل وبقي عندي إلى انقضاء ثلاث سنين ولما هلك تغيرت حالي. وبعثت إلي الخاتون جيجا أغا امرأة القاضي مائة دينار دراهم، وصنعت لي أختها ترابك زوجة الأمير دعوة جمعت لها الفقهاء ووجوه المدينة بزاويتها التي بنتها، وفي الطعام للوارد والصادر، وبعثت إلي بفروة سمور وفرس جيد وهي من أفضل النساء وأصلحهن وأكرمهن جزاها الله خيراً.
ولما انفصلت من الدعوة التي صنعت لي هذه الخاتون وخرجت عن الزاوية تعرضت لي بالباب امرأة عليها ثياب دنسة على رأسها مقنعة ومعها نسوة لا أذكر عددهن فسلمت عليّ فرددت ﵍ ولم أقف معها ولا التفت إليها فلما خرجت أدركني بعض الناس وقالوا لي أن المرأة التي سلّمت عليّ هي الخاتون فخجلت عند ذلك وأردت الرجوع إليها فوجدتها قد انصرفت فأبلغت إليها السلام مع بعض خدامه واعتذرت عما ما كان مني لعدم معرفتي بها.
وبطيخ خوارزم لا نظير له في بلاد الدنيا شرقاً ولا غرباً، إلا ما كان من بطيخ بخارى ويليه بطيخ أصفهان وقشره أخضر وباطنه أحمر وهو صادق الحلاوة وفيه صلابة ومن العجائب أنه يقدد وييبس في الشمس، ويجعل في
стр. 320
القواصر، كما يصنع عندنا بالشريحة وبالتين المالقي. ويحمل من خوارزم إلى أقصى بلاد الهند والصين. وليس في جميع الفواكه اليابسة أطيب منه. وكنت أيام إقامتي بدلهي من بلاد الهند متى قدم المسافرون بعثت من يشتري لي منهم قديد البطيخ وكان ملك الهند إذا أتي إليه بشيء منه بعث إلي به لما يعلم من محبتي فيه ومن عادته أنه يطرف الغرباء بفواكه بلادهم ويتفقدهم بذلك.
وكان قد صحبني من مدينة السرا إلى خوارزم شريف من أهل كربلاء يسمى علي بن منصور وكان من التجار فكنت أكلفه أن يشتري لي الثياب وسواها فكان يشتري لي الثوب بعشرة دنانير ويقول اشتريتها بثمانية ويحاسبني بالثمانية ويدفع الدينارين من ماله وأنا لا علم لي بفعله إلا أن تعرفت على ذلك من ألسنة الناس وكان مع ذلك قد أسلفني دنانير فلما وصل إلى إحسان أمير خوارزم رددت إليه ما أسلفنيه وأردت أن أحسن بعده إليه مكافأة لأفعاله الحسنة فأبى ذلك وحلف أن لا أفعل وأردت أن أحسن إلى فتى كان اسمه كافور فحلف أن لا أفعل وكان أكرم من لقيته من العراقيين. وعزم على السفر معي إلى بلاد الهند ثم أن جماعة من أهل بلده وصلوا خوارزم برسم السفر إلى الصين فأخذ في السفر معهم فقلت له في ذلك فقال هؤلاء أهل بلدي يعودون إلى أهلي وأقاربي ويذكرون إني سافرت إلى الهند برسم الهدية فيكون سبّة عليّ. لا أفعل ذلك. وسافر معهم إلى الصين فبلغني بعد وأنا بأرض الهند أنه لما بلغ إلى مدينة المالق وهي آخر البلاد من عمالة ما وراء النهر وأول بلاد الصين أقام بها وبعث فتى له بما كان عنده من المتاع فأبطأ الفتى عليه وفي أثناء ذلك وصل من بلده بعض التجار ونزل معه في فندق واحد فطلب منه الشريف أن يسلفه شيئا بخلال ما يصل فتاه فلم يفعل ثم أكد قبح ما صنع في عدم التوسعة على الشريف بأن أراد الزيادة عليه في المسكن الذي كان له في الفندق فبلغ ذلك الشريف فاغتم منه ودخل إلى بيته فذبح نفسه فأدرك وبه رمق واتهموا غلاماً كان له بقتله فقال لا تظلموه فإني أنا فعلت ذلك ومات من يومه غفر الله له.
وكان قد حكى لي عن نفسه أنه أخذ مرة من بعض تجار دمشق ستة آلاف درهم
стр. 321
قراضاً١ فلقيه ذلك التاجر بمدينة حماة من أرض الشام فطلبه بالمال وكان قد باع ما اشترى به من المتاع بالدين فاستحيا من صاحب المال ودخل إلى بيته وربط عمامته بسقف البيت وأراد أن يخنق نفسه وكان في أجله تأخير فتذكر صاحباً له من الصيارفة فقصده وذكر له القضية فسلفه مالاً دفعه للتاجر. ولما أردت السفر من خوارزم اكتريت جمالا واشتريت محارة وكان عديلي بها عفيف الدين التورزي وركب الخدام بعض الخيل وجللنا باقيها لأجل البرد ودخلنا البرية التي بين خوارزم وبخارى وهي مسيرة ثمانية عشر يوماً في رمال لا عمارة بها إلا بلدة واحدة فودعت الأمير قطلودمور وخلع علي خلعة وخلع على القاضي أخرى وخرج مع الفقهاء لوداعي، وسرنا أربع أيام ووصلنا إلى مدينة ألْكَات وليس بهذه الطريق عمارة سواها، "وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون اللام وفتح الكاف، وآخره تاء مثناة" وهي صغيرة حسنة نزلنا خارجها على بركة ماء قد جمدت من البرد فكان الصبيان يلعبون فوقها ويزلقون عليها. وسمع بقدومي قاضي ألكات ويسمى صدر الشريعة وكنت قد لقيته بدار قاضي خوارزم فجاء إلي مسلماً مع الطلبة وشيخ المدينة الصالح العابد محمود الخيوفي ثم عرض علي القاضي الوصول إلى أمير تلك المدينة فقال له الشيخ محمود القادم: ينبغي له أن يزار وإن كانت لنا همة نذهب إلى أمير المدينة ونأتي به ففعلوا ذلك. وأتى الأمير بعد ساعة في أصحابه وخدامه فسلمنا عليه وكان غرضنا تعجيل السفر فطلب منا الإقامة وصنع دعوة جمع لها الفقهاء ووجوه العساكر وسواهم ووقف الشعراء يمدحونه وأعطاني كسوة وفرساً جيداً. وسرنا على الطريق المعروفة بسيباية في تلك الصحراء مسيرة ست أيام دون ماء.
ووصلنا بعد ذلك إلى بلدة وَبْكَنة "وضبط اسمها بفتح الواو وإسكان الباء الموحدة، وكاف ونون". وهي على مسيرة يوم واحد من بخارى بلدة حسنة ذات أنهار وبساتين وهم يدخرون العنب من سنة إلى سنة وعندهم فاكهة يسمونها "الآلو" بالعين المهملة وتشديد اللام، فييبسونه ويجلبه الناس إلى الهند
стр. 322
والصين، ويجعل عليه الماء ويشرب ماؤه. وهو أيام كونه أخضر حلو، فإذا يبس صار فيه يسير حموضة ولحميته كثيرة. ولم أر مثله بالأندلس ولا بالمغرب ولا بالشام.
ثم سرنا في بساتين متصلة وأنهار وأشجار وعمارة يوما كاملاً، ووصلنا إلى مدينة بخارى التي ينسب إليها إمام المحدثين أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. وهذه المدينة كانت قاعدة ما وراء نهر جيحون من البلاد وخربها اللعين تنكيز التتري، جد ملوك العراق. فمساجدها الآن ومدارسها وأسواقها خربة إلا القليل وأهلها أذلاء وشهادتهم لا تقبل بخوارزم وغيرها لاشتهارهم بالتعصب ودعوى الباطل وإنكار الحق. وليس بها اليوم من الناس من يعلم شيئا من العلم ولا من له عنايتة به.
стр. 323
غزو التتر لبخارى وتخريبهم لها ولِسواها:
كان تنكيز خان حداداً بأرض الخطا وكان له كرم نفس وقوة وبسطة في الجسم وكان يجمع الناس ويطعمهم ثم صارت له جماعة فقدّموه على أنفسهم وغلب على بلده وقوي واشتدت شوكته واستفحل أمره فغلب على ملك الخطا ثم على ملك الصين. وعظمت جيوشه وتغلّب على بلاد الختن وكاشغر والمالق. وكان جلال الدين سنجر بن خوارزوم شاه ملك خوارزم وخراسان وبلاد ما وراء النهر له قوة عظيمة وشوكة فهابه تنكيز وأحجم عنه ولم يتعرض له. فاتفق أن بعث تنكيز تجاراً بأمتعة الصين والخطا من الثياب الحريرية وسواها إلى بلدة أُطرار "بضم الهمزة" وهي آخر عمالة جلال الدين. فبعث إليه عامله عليها معلماً بذلك، واستأذنه ما يفعل في أمرهم، فكتب إليه يأمره أن يأخذ أموالهم ويمثل بهم ويقطع أعضاءهم ويردهم إلى بلادهم لما أراد الله تعالى من شقاء أهل بلاد المشرق ومحنتهم رأياً فائلاً وتدبيراً سيئاً مشئوماً، فلما فعل ذلك تجهز تنكيز بنفسه في عساكر لا تحصى كثرة برسم غزو بلاد الإسلام. فلما سمع عامل أطرار بحركته بعث الجواسيس ليأتوا بخبره فذكر أن أحدهم دخل محلة بعض أمراء تنكيز في صورة سائل فلم يجد من يطعمه ونزل إلى جانب رجل منهم فلم ير عنده زاداً ولا أطعمه شيئاً فلما أمسى أخرج مطراناً يابسة عنده فبلّها بالماء وفصد فرسه وملأها بدمه وعقدها وشواها بالنار فكانت طعامه
стр. 324
فعاد إلى أطرار فأخبر عاملهم بأمرهم وأعلمه أن لا طاقة لأحد بقتالهم فاستمد مليكه جلال الدين فمده بستين ألفاً زيادة على ما كان عنده من العساكر فلما وقع القتال هزمهم تنكيز ودخل مدينة أطرار بالسيف فقتل الرجال وسبى الذراري وأتى جلال الدين بنفسه لمحاربته فكانت بينهم وقائع لا يعلم في الإسلام مثلها وآل الأمر إلى أن تملك تنكيز ما وراء النهر وخرب بخارى وسمرقند وترمذ وعبر النهر وهو نهر جيحون إلى مدينة بلخ فتملكها ثم إلى الياميان "الباميان" فتملكها وأوغل في بلاد خراسان وعراق العجم فثار عليه المسلمون في بلخ وفي ما وراء النهر فكر عليهم ودخل بلخ بالسيف وتركها خاوية على عروشها.
ثم فعل مثل ذلك في ترمذ فخربت ولم تعمر بعد لكن بنيت مدينة على ميلين منها هي التي تسمى اليوم ترمذ وقتل أهل الياميان "الباميان" وهدمها بأسرها إلا صومعة جامعة وعفا عن أهل بخارى وسمرقند ثم عاد بعد ذلك إلى العراق وانتهى أمر التتر حتى دخلوا حضرة الإسلام ودار الخلافة بغداد بالسيف وذبحوا الخليفة المستعصم بالله العباسي ﵀.
قال ابن جزي: أخبرنا شيخنا قاضي القضاة أبو البركات ابن الحاج أعزّه الله قال: سمعت الخطيب أبا عبد الله بن رشيد يقول: لقيت بمكة نور الدين بن الزجاج من علماء العراق، ومعه ابن أخ له، فتفاوضنا الحديث، فقال لي: هلك في فتنة التتر بالعراق أربعة وعشرون ألف رجل من أهل العلم، ولم يبق منهم غيري وغير ذلك، وأشار إلى ابن أخيه.
قال: ونزلنا من بخارى بربضها المعروف بفتح أباد حيث قبر الشيخ العالم العابد الزاهد سيف الدين الباخرزي وكان من كبار الأولياء وهذه الزاوية المنسوبة لهذا الشيخ حيث نزلنا عظيمة لها أوقاف ضخمة يطعم منها الوارد والصادر، شيخها من ذريته وهو الحاج السياح يحيى الباخرزي وأضافني هذا الشيخ بداره وجمع وجوه أهل المدينة وقرأ القراء بالأصوات الحسان ووعظ الواعظ وغنوا بالتركي والفارسي على طريقة حسنة. ومرت لنا هنالك ليلة بديعة من أعجب الليالي، ولقيت بها الفقيه العالم الفاضل صدر الشريعة، وكان قد قدم من هراة وهو من الصلحاء الفضلاء. وزرت ببخارى قبر الإمام العالم أبي عبد الله البخاري مصنف الجامع الصحيح شيخ المسلمين ﵁، وعليه
стр. 325
مكتوب هذا قبر محمد بن إسماعيل البخاري وقد صنف من الكتب كذا وكذا. وأيضا على قبور علماء بخارى أسماؤهم وأسماء تصانيفهم وكنت قيدت من ذلك كثيراً وضاع في جملة ما ضاع لي لما سلبني كفار الهند في البحر.
ثم سافرنا من بخارى قاصدين معسكر السلطان الصالح المعظم علاء الدين طرمشرين، وسنذكره. فمررنا على نخشب البلدة التي ينسب إليها الشيخ أبو تراب النخشي. وهي صغيرة تحف بها البساتين والمياه. فنزلنا بخارجها بدار لأمير ها وعندي جارية قد قاربت الولادة وكنت أردت حملها إلى سمرقند لتلد بها فاتفق أنها كانت في المحمل فوضع الحمل وسافر أصحابنا من الليل وهي معهم والزاد وغيره من أسبابي وأقمت أنا حتى أرتحل نهاراً مع بعض من معي فسلكوا طريقا وسلكت طريقا سواها. فوصلنا عشية النهار إلى محلة السلطان المذكور وقد جعنا فنزلنا على بعد من السوق واشترى بعض أصحابنا ما سد جوعنا وأعارنا بعض التجار خباء بتنا به تلك الليلة ومضى أصحابنا من الغد في البحث عن الجمال وباقي الأصحاب فوجدوهم عشيا وجاؤا بهم وكان السلطان غائباً عن المحلة في الصيد فاجتمعت بنائبه الأمير تقبغا فأنزلني بقرب مسجده وأعطاني خرقة "خركاه" وهي شبه الخباء وقد ذكرنا صفتها فيما تقدم فجعلت الجارية في تلك الخرقة فولدت تلك الليلة مولوداً وأخبروني أنه ولد ذكر ولم يكن كذلك فلما كان بعد العقيقة أخبرني بعض الأصحاب أن المولود بنت فاستحضرت الجواري فسألتهن فأخبروني بذلك وكانت هذه البنت مولودة في طالع سعد فرأيت كل ما يسرني ويرضيني منذ ولدت وتوفيت بعد وصولي إلى الهند بشهرين وسنذكر ذلك. واجتمعت بهذا المحلة بالشيخ الفقيه العابد مولانا حسام الدين الياغي "بالياء آخر الحروف والغين المعجمة"، ومعناه بالتركية الثائر. وهو من أهل أطرار وبالشيخ صهر السلطان.
وكان سلطان ما وراء النهر هو السلطان المعظم علاء الدين طَرْمَشِيرِين "وضبط اسمه بفتح الطاء المهمل وسكون الراء وفتح الميم وكسر الشين المعجم وياء مد وراء مكسور وياء مد ثانية ونون" وهو عظيم المقدار كثير الجيوش والعساكر ضخم المملكة شديد القوة عادل الحكم وبلاده متوسطة بين أربعة من
стр. 326
ملوك الدنيا الكبار وهم ملك الصين وملك الهند وملك العراق وملك أوزبك. وكلهم يهابونه ويعظمونه ويكرمونه وولي الملك بعد أخيه الجكطي "وضبط اسمه بفتح الجيم المعقود له الكاف والطاء المهمل وسكون الياء". وكان الجكطي هذا كافراً، وولي بعد أخيه الأكبر كبك وكان هذا كافراً أيضاً، لكنه كان عادل الحكم منصفاً للمظلومين يكرم المسلمين ويعظمهم.
وروي أن هذا الملك كبك كان تكلم يوماً مع الفقيه الواعظ المذكور بدر الدين الميداني فقال له: أنت تقول أن الله ذكر كل شيء في كتابه العزيز. قال: نعم. فقال: أين اسمي فيه؟ فقال هو في قوله تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ . فأعجبه ذلك. وقال: يخشى، ومعناه بالتركية جيد. فأكرمه كثيراً وزاد في تعظيم المسلمين.
ومن أحكام كبك ما ذكر أن امرأة شكت له بأحد الأمراء، وذكرت أنها فقيرة ذات أولاد. وكان لها لبن تقوتهم بثمنه. فاغتصبه ذلك الأمير وشربه. فقال أنا أوسطه فإن خرج اللبن من جوفه مضى لسبيله. وإلا وسطتك بعده فقالت المرأة حللته ولا أطلبه بشيء. فأمر به فوسط فخرج اللبن من بطنه. ولنعد لذكر السلطان طرمشيرين. ولما أقمت بالمحلة، وهم يسمونها الأردو أياماً، ذهبت لصلاة الصبح بالمسجد على عادتي فلما صليت ذكر لي بعض الناس أن السلطان بالمسجد فلما قام عن الصلاة تقدمت للسلام عليه وقام الشيخ حسن والفقيه حسام الدين الياغي وأعلمه بحالي وقدومي منذ أيام فقال لي بالتركية: خش ميسن يخشي ميسن قطلوا يوسن، ومعنى خش ميسن في عافية أنت ومعنى يخش ميسن جيد أنت ومعنى قطلوا ميسن مبارك قدومك. وكان عليه في ذلك الحين قباء قدسي أخضر، وعلى رأسه شاشية مثله ثم انصرف إلى مجلسه راجلاً والناس يتعرضون له بالشكايات فيقف لكل مشتك منهم صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثىً. ثم بعث إلي فوصلت إليه وهو في خرقة والناس خارجها ميمنة وميسرة والأمراء منهم على الكراسي وأصحابه وقوف على رؤوسهم وبين أيديهم وسائر الجند قد جلسوا صفوفاً وأمام كل واحد منهم سلاحه وهم أهل النوبة يقعدون هنالك إلى العصر ويأتي آخرون فيقعدون إلى آخر الليل وقد صنعت هنالك سقائف من ثياب القطن يكونون بها. ولما دخلت إلى الملك بداخل الخرقة وجدته جالساً على كرسي شبه المنبر مكسو بالحرير
стр. 327
المزركش بالذهب وداخل الخرقة ملبس بثياب الحرير المذهب والتاج المرصع بالجوهر والياقوت معلق فوق رأس السلطان بينه وبين رأسه قدر ذراع. والأمراء الكبار على الكراسي عن يمينه ويساره وأولاده الملوك بأيديهم المذاب بين يديه وعند باب الخرقة النائب والوزير والحاجب وصاحب العلامة وهم يسمون آل طَمْغَى وآل "بفتح الهمزة" معناه الأحمر، وطَمْغَى "بفتح الطاء المهمل وسكون الميم والغين المعجم المفتوح" معناه العلامة. وقام إلي أربعتهم حين دخولي ودخلوا معي فسلمت عليه وسألني وصاحب العلامة يترجم بيني وبينه عن مكة والمدينة والقدس شرفها الله وعن مدينة الخليل ﵇ وعن دمشق ومصر والملك الناصر وعن العراقين وملكها وبلاد الأعاجم. ثم أذن المؤذن بالظهر فانصرفنا وكنا نحضر معه الصلوات وذلك أيام البرد الشديد المهلك فكان لا يترك صلاة الصبح والعشاء في الجماعة ويقعد للذكر بالتركية بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس ويأتي إليه كل من في المسجد فيصافحه ويشد بيده على يده وكذلك يفعلون في صلاة العصر وكان إذا أوتي بهدية من زبيب أو تمر والتمر عزيز عندهم يتبركون به يعطي منها بيده لكل من في المسجد.
ومن فضائل هذا الملك أنه حضرت صلاة العصر يوماً، ولم يحضر السلطان. فجاء أحد فتيانه بسجادة ووضعها قبالة المحراب حيث جرت عادته أن يصلي وقال للإمام حسام الدين الياغي أن مولانا يريد أن تنتظر قليلاً ريثما يتوضأ، فقام الإمام المذكور وقال: نماز، ومعناه الصلاة براي حد أو براي طرمشيرين، أي الصلاة لله أو لطرمشيرين. ثم أمر المؤذن بإقامة الصلاة وقد جاء السلطان وقد صلى منها ركعتان فصلى الركعتين الأخيرتين حيث انتهى به القيام وذلك في المواضع الذي تكون فيه أنعلة الناس عند باب المسجد وقضى ما فاته وقام إلى الإمام ليصافحه وهو يضحك وجلس قبالة للمحراب. والشيخ الإمام إلى جانبه وأنا إلى جانب الإمام فقال لي إذا مشيت إلى بلادك فحدّث أن فقيراً من فقراء الأعاجم يفعل هكذا مع سلطان الترك. وكان هذا الشيخ يعظ الناس في كل جمعة ويأمر السلطان بالمعروف وينهاه عن المنكر وعن الظلم ويغلظ عليه القول والسلطان ينصت لكلامه ويبكي. وكان لا يقبل من عطاء السلطان شيئاً ولم يأكل قط من طعامه ولا لبس من ثيابه.
стр. 328
وكان هذا الشيخ من عباد الله الصالحين وكنت كثيراً ما أرى عليه قباء قطن مبطن بالقطن محشو به وقد بلي وتمزق وعلى رأسه قلنسوة لبد يساوي مثلها قيراطاً ولا عمامة عليه فقلت له في بعض الأيام يا سيدي ما هذا القباء الذي أنت لابسه إنه ليس بجيد فقال لي يا ولدي ليس هذا القباء لي وإنما هو لابنتي فرغبت منه أن يأخذ بعض يثابي فقال لي عاهدت الله منذ خمسين سنة أن لا أقبل من أحد شيئا ولو كنت أقبل من أحد لقبلت منك. ولما عزمت على السفر بعد مقامي عند هذا السلطان أربعة وخمسين يوماً أعطاني السلطان سبعمائة دينار دراهم وفروة سمور تساوي مائة دينار طلبتها منه لأجل البرد ولما ذكرتها له أخذ أكمامي وجعل يقلبهما بيده تواضعاً منه وفضلاً وحسن خلق وأعطاني فرسين وجملين. ولما أردت وداعه أدركته في أثناء طريقه إلى متصيده وكان اليوم شديد البرد جدّاً فوالله ما قدرت على أن أنطق بكلمة لشدة البرد ففهم ذلك وضحك وأعطاني يده وانصرفت. وبعد سنتين من وصولي إلى أرض الهند بلغنا الخبر بأن الملأ من قومه وأمرائه اجتمعوا بأقصى بلاده المجاورة للصين وهنالك معظم عساكره وبايعو ابن عم له اسمه بُوزُن أُغْلِي وكل من كان من أبناء الملوك فهم يسمونه أُغلي "بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة وكسر اللام" وَبُوزُن "بضم الياء الموحدة وضم الزاي" وكان مسلماً إلا أنه فاسد الدين سيء السيرة وسبب بيعتهم له وخلعهم لطرمشيرين أن طرمشيرين خالف أحكام جده تنكيز اللعين الذي خرب بلاد الإسلام، وقد تقدم ذكره. وكان تنكيز ألّف كتاباً في أحكامه يسمى عندهم اليساق "بفتح الياء آخر الحروف والسين المهمل وآخره قاف"، وعندهم أنه من خالف أحكام هذا الكتاب فخلعه واجب ومن جملة أحكامه أنهم يجتمعون يوماً في السنة يسمونه الطوى ومعناه يوم الضيافة ويأتي أولاد تنكيز والأمراء من أطراف البلاد ويحضر الخواتين وكبار الأجناد وإن كان سلطانهم قد غيّر شيئا من تلك الأحكام يقوم إليه كبراؤهم فيقولون له غيّرت كذا وغيّرت كذا وفعلت كذا وقد وجب خلعك ويأخذون بيده ويقيمونه عن سرير الملك ويقعدون غيره من أبناء تنكيز وإن كان أحد الأمراء الكبار أذنب ذنباً في بلاده حكموا عليه بما يستحقه. وكان السلطان طرمشيرين قد أبطل حكم هذا اليوم ومحا رسمه فأنكروه عليه أشد الإنكار وأنكروا عليه أيضاً كونه أقام أربع سنين فيما يلي خراسان من بلاده ولم يصل إلى الجهة التي توالي الصين. والعادة أن الملك يقصد تلك الجهة في
стр. 329
كل سنة. فيتغير أحوالها وحال الجند بها لأن أصل ملكهم منها. ودار الملك وهي مدينة المالق. فلما بايعوا بُوزُن أتى في عسكر عظيم وخاف طرمشيرين على نفسه من أمرائه ولم يأمنهم فركب في خمسة عشر فارساً يريد بلاد غزنة وهي من عمالته وواليها كبير أمرائه وصاحب سره برنطيه، وهذا الأمير محب في الإسلام والمسلمين وقد عمر في عمالته نحو أربعين زاوية فيها الطعام للوارد والصادر وتحت يده العساكر العظيمة ولم أر قط فيمن رأيته من الآدمين بجميع بلاد الدنيا أعظم خلقة منه فلما عبر نهر جيحون وقصد طريق بلخ رآه بعض الأتراك من أصحاب ينقي ابن أخيه كبك. وكان السلطان طرمشيرين المذكور قتل أخاه كبك المذكور وبقي ابنه ينقي ببلخ فلما أعلمه التركي بخبره قال ما فر إلا لأمر حدث عليه فركب في أصحابه وقبض عليه وسجنه ووصل بُوزُن إلى سمرقند وبخارى فبايعه الناس وجاء ينقي بطرمشيرين، فيذكر أنه لما وصل إلى نسف، بخارج سمرقند قتل هنالك ودفن بها وخدم تربته الشيخ شمس الدين كُرْدَن بريدا. وقيل: أنه لم يقتل كما سنذكره. وكُرْدَن "بكاف معقودة وراء مسكن ودال مهمل مفتوح ونون" معناه العنق وبُريدا "بضم الباء الموحدة وكسر الراء وياء مد ودال مهمل" معناه المقطوع ويسمى بذلك لضربة كانت بعنقه. وقد رأيته بأرض الهند ويقع ذكره فيما بعد. ولما ملك بُوزُن هرب ابن السلطان طرمشيرين وهو بشاى أغل "أغلي" وأخته وزوجها فيروز إلى ملك الهند فعظمه وأنزلهم منزلة علية بسبب ما كان بينه وبين طرمشيرين من الود والمكاتبة والمهاداة وكان يخاطبه بالأخ. ثم بعد ذلك أتى رجل من أرض السند وادعى أنه هو طرمشيرين واختلف الناس فيه فسمع بذلك عماد الملك سرتيز غلام ملك الهند ووالي بلاد السند ويسمى ملك عرض وهو الذي تعرض بين يديه عساكر الهند وإليه أمرها ومقره بملتان قاعدة السند فبعث إليه بعض الأتراك العارفين به فعادوا إليه وأخبروه أنه هو طرمشيرين حقاً فأمر له بالسراجة وهي أفراج تضرب خارج المدينة ورتب له مايرتب لمثله وخرج لاستقباله وترجل له وسلم عليه وأتى في خدمته إلى السراجة فدخلها راكباً كعادة الملوك ولم يشك أحد أنه هو، وبعث إلى ملك الهند يخبره فبعث إليه الأمراء يستقبلونه بالضيافات وكان في خدمة ملك الهند حكيم ممن خدم طرمشيرين فيما تقدم وهو كبير الحكماء بالهند فقال للملك أنا أتوجه إليه وأعرف حقيقة أمره فإني كنت
стр. 330
عالجت له دملاً كان تحت ركبته وبقي أثره وبه أعرفه فأتى إليه ذلك الحكيم واستقبله مع الأمراء ودخل عليه ولازمه لسابقته عنده وأخذ يغمز رجليه وكشف عن الأثر فشتمه وقال له تريد أن تنظر إلى الدم الذي عالجته؟ ها هو ذا وأراه أثره فتحقق أنه هو، وعاد إلى ملك الهند فأعلمه بذلك ثم أن الوزير خواجه جهان أحمد بن إياس وكبير الأمراء قطلوخان معلم السلطان أيام صغره دخلا على ملك الهند وقالا له يا خوند عالم هذا السلطان طرمشيرين قد وصل وصحّ أنه هو وها هنا من قومه نحو أربعين ألفاً وولده وصهره أرأيت أن اجتمعوا عليه ما يكون من العمل؟ فوقع هذا الكلام بموقع منه عظيم وأمر أن يؤتى بطرمشيرن معجلاً. فلما دخل عليه أمر بالخدمة كسائر الواردين ولم يعظم وقال له السلطان: يا مادر كاني، وهي شتمة قبيحة، كيف تكذب وتقول إنك طرمشيرين، وطرمشيرين قد قتل وهذا خادم تربته عندنا والله لولا المعرة لقتلتك ولكن أعطوه خمسة آلاف دينار، واذهبوا به إلى دار بشاي أغلي وأخته ولدي طرمشيرن وقولوا لهم أن هذا الكاذب يزعم أنه والدكم فدخل عليهم فعرفوه وبات عندهم والحراس يحرسونه وأخرج بالغد وخافوا أن يهلكوا بسببه فأنكروه.
ونفي عن بلاد الهند والسند فسلك طريق كبج ومكران وأهل البلاد يكرمونه ويضيفونه ويهادونه ووصل إلى شيراز فأكرمه سلطانها أبو إسحق وأجرى له كفايته ولما دخلت عند وصولي من الهند إلى مدينة شيراز ذكر لي أنه باق بها وأردت لقاءه ولم أفعل لأنه كان في دار لا يدخل إليه أحد إلا بإذن من السلطان أبي إسحق فخفت مما يتوقع بسبب ذلك ثم ندمت على لقائه.
رجع الحديث إلى بوزن: وذلك أنه لما ملك، ضيق على المسلمين وظلم الرعية وأباح للنصارى واليهود عمارة كنائسهم فضج المسلمون من ذلك وتربصوا به الدوائر واتصل خبره بخليل بن السلطان اليسور المهزوم على خراسان، فقصد ملك هراة، وهو السلطان حسين بن السلطان غياث الدين الغوري فأعلمه بما كان في نفسه وسأل منه الإعانة بالعساكر والمال على أن يشاطره الملك إذا استقام فبعث معه الملك حسين عسكراً عظيماً. وبين هراة وترمذ تسعة أيام. فلما سمع أمراء السلطان بقدوم خليل تلقوه بالسمع والطاعة
стр. 331
والرغبة في جهاد العدو. وكان أول قادم عليه علاء الملك خداونة زاده صاحب ترمذ وهو أمير كبير شريف حسيني النسب فأتاه في أربعة آلاف من المسلمين فسر به وولاه وزارته وفوض إليه أمره وكان من الأبطال وجاء الأمراء من كل ناحية واجتمعوا على خليل والتقى مع بُوزُن فمالت العساكر إلى خليل وأسلموا بُوزُن وأتوا به أسيراً فقتله خنقاً وبأوتار القسي وتلك عادة لهم أنهم لا يقتلون من كان من أبناء الملوك إلا خنقاً. واستقام الملك لخليل وعرض عساكره بسمرقند فكانوا ثمانين ألفاً عليهم وعلى خيلهم الدروع فصرف العسكر الذي جاء به من هراة وقصد بلاد المالق فقدم التتر على أنفسهم واحداً منهم ولاقوه على مسيرة ثلاث من المالق بمقربة من أطرار "طرار"، وحمى القتال وصبر الفريقان فحمل الأمير خداوند زاده وزيره في عشرين ألف من المسلمين حملة ولم يثبت لها التتر فانهزموا واشتد فيهم القتل وأقام خليل بالمالق ثلاثاً وخرج إلى استئصال من بقي من التتر فأذعنوا له بالطاعة وجاز إلى تخوم الخطا والصين، وفتح مدينة قراقرم ومدينة بش بالغ. وبعث إليه سلطان الخطا بالعساكر ثم وقع بينهما الصلح وعظم أمر خليل وهابته الملوك وأظهر العدل ورتب العساكر بالمالق وترك بها وزيره خداونده وانصرف إلى سمرقند وبخارى. ثم أن الترك أرادوا الفتنة فسعوا إلى خليل بوزيره المذكور وزعموا أنه يريد الثورة ويقول أنه أحق بالملك لقرابته من النبي ﷺ وكرمه وشجاعته فبعث والياً إلى المالق عوضاً عنه وأمره أن يقدم عليه في نفر يسير من أصحابه فلما قدم عليه قتله عند وصوله من غير تثبت. فكان الملك سبب خراب ملكه. وكان خليل لما عظم أمره بغى على صاحب هراة الذي أورثه الملك وجهزه بالعساكر والمال فكتب إليه أن يخطب في بلاده باسمه ويضرب الدنانير والدراهم على سكته، فغاظ ذلك الملك حسيناً، وأنف منه وأجابه بأقبح جواب فتجهز خليل لقتاله فلم توافقه عساكر الإسلام ورأوه باغياً عليه وبلغ خبره إلى الملك حسين فجهز العساكر مع ابن عمه ملك ورنا، والتقى الجمعان فانهزم خليل وأتى به إلى الملك حسين أسيراً فمنّ عليه بالبقاء وجعله في دار وأعطاه جارية وأجرى عليه النفقة. وعلى هذا الحال تركته عنده في أواخر سنة سبع وأربعين عند خروجي من الهند.
ولنعد إلى ما كنا بسبيله: ولما ودعت السلطان طرمشيرين سافرت إلى
стр. 332
مدينة سمرقند. وهي من أكبر المدن وأحسنها وأتمها جمالاً مبنية على شاطيء واد يعرف بوادي القصارين عليه النواعير تسقي البساتين وعنده يجتمع أهل البلد بعد صلاة العصر للنزهة والتفرج ولهم عليه مساطب ومجالس يقعدون عليها ودكاكين تباع بها الفاكهة وسائر المأكولات، وكانت على شاطئه قصور عظيمة وعمارة تنبيء عن علو همم أهلها فدثر أكثر ذلك وكذلك المدينة خرب كثير منها ولا سور لها ولا أبواب عليها وفي داخلها البساتين وأهل سمرقند لهم مكارم أخلاق ومحبة في الغريب وهم خير من أهل بخارى. وبخارج سمرقند قبر قثم بن العباس بن عبد المطلب ﵁ وعن العباس وعن ابنه وهو المستشهد حين فتحها ويخرج أهل سمرقند كل ليلة اثنين وجمعة إلى زيارته والتتر يأتون لزيارته وينذرون له النذور العظيمة ويأتون إليه بالبقر والغنم والدراهم والدنانير فيصرف ذلك في النفقة على الوارد والصادر ولخدام الزاوية والقبر المبارك. وعليه قبة قائمة على أربع أرجل ومع كل رجل ساريتان من الرخام منها الخضر والسود والبيض والحمر وحيطان القبة بالرخام المجزع المنقوش بالذهب وسقفها مصنوع بالرصاص وعلى القبر خشب الأبنوس المرصع مكسو الأركان بالفضة وفوقه ثلاثة من قناديل الفضة وفرش القبة بالصوف والقطن وخارجها نهر كبير يشق الزاوية التي هنالك على حافتيه الأشجار ودوالي العنب والياسمين وبالزاوية مساكن يسكنها الوارد والصادر ولم يغير التتر أيام كفرهم شيئاً من حال هذا الموضع المبارك وكانوا يتبركون به لما يرون به من الآيات وكان الناظر في كل حال من هذا الضريح المبارك وما يليه حين نزولنا به الأمير غياث الدين محمد بن عبد القادر بن عبد العزيز بن يوسف الخليفة المستنصر بالله العباسي قدمه لذلك السلطان طرمشيرين لما قدم عليه من العراق وهو الآن عند ملك الهند وسيأتي ذكره. ولقيت بسمرقند قاضيها المسمى عندهم صدر الجهان وهو من الفضلاء ذوي المكارم وسافر إلى بلاد الهند بعد سفري إليها فأدركته منيته بمدينة ملتان قاعدة بلاد السند.
وحين مات هذا القاضي بملتان كتب صاحب الخبر بأمره إلى ملك الهند، وأنه قدم برسم بابه فاخترم دون ذلك فلما بلغ الخبر الملك أمر أن يبعث إلى أولاده عدد من آلاف الدنانير لا أذكره الآن. وأمر أن يعطى لأصحابه ما كان يعطى لهم لو وصلوا معه وهو بقيد الحياة. ولملك الهند في كل بلد من
стр. 333
بلاده صاحب الخبر يكتب له ما يجري في ذلك البلد من الأمور وممن يرد عليه من الواردين وإذا أتى الوارد كتبوا من أي البلاد ورد وكتبوا اسمه ونعته وثيابه وأصحابه وخيله وخدامه وهيئته من الجلوس والمأكل وجميع شئونه وتصرفاته وما يظهر منه من فضيلة أو ضدها فلا يصل الوارد إلى الملك إلا وهو عارف بجميع حاله فتكون كرامته على مقدار ما يستحقه. وسافرنا من سمرقند فاجتزنا ببلدة نسف وإليها ينسب أبو حفص عمر النسفي مؤلف كتاب المنظومة في المسائل الخلافيه بين الفقهاء الأربعة ﵃. ثم وصلنا إلى مدينة ترمذ التي ينسب إليها الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي مؤلف الجامع الكبير في السنن، وهي مدينة كبيرة حسنة العمارة والأسواق تخترقها الأنهار وبها البساتين الكبيرة والعنب والسفرجل بها متناهي الطيب واللحوم بها كثيرة وكذلك الألبان وأهلها يغسلون رؤوسهم في الحمام باللبن عوضاً عن الطفل ويكون عند كل صاحب حمام أوعية كبار مملوءة لبناً فإذا دخل الرجل الحمام أخذ منها في إناء صغير فغسل رأسه وهو يرطب الشعر ويصقله. وأهل الهند يجعلون في رؤوسهم زيت السمسم ويسمونه الشيرج ويغسلون الشعر بعده بالطفل فينعم الجسم ويصقل الشعر ويطيله وبذلك طالت لحا أهل الهند ومن سكن معهم، وكانت مدينة ترمذ القديمة مبنية على شاطيء جيحون فلما خربها تنكيز بنيت هذه الحديثة على ميلين من النهر وكان نزولنا بها بزاوية الشيخ الصالح عزيزان من كبار المشايخ وكرمائهم كثير المال والرباع والبساتين ينفق على الوارد والصادر من ماله واجتمعت قبل وصولي إلى هذه المدينة بصاحبها علاء الملك خداوند زاده وكتب لي إليها بالضيافة فكانت تحمل إلينا أيام مقامنا بها في كل يوم ولقيت أيضاً قاضيها قوام الدين وهو متوجه لرؤية السلطان طرمشيرين وطالب للإذن له في السفر إلى بلاد الهند وسيأتي ذكر لقائي له بعد ذلك ولأخويه ضياء الدين وبرهان الدين بملتان وسافرنا جميعا إلى الهند وذكر أخويه الآخرين عماد الدين وسيف الدين ولقائي لهما بحضرة ملك الهند وذكر ولديه وقدومهما على ملك الهند بعد قتل أبيهما وتزويجهما بنتي الوزير خواجة جهان وما جرى في ذلك كله أن شاء الله تعالى. ثم جزنا نهر جيحون إلى بلاد خراسان وسرنا بعد انصرافنا من ترمذ وإجازة الوادي يوماً ونصف يوم في صحراء ورمال لا عمارة بها إلى مدينة بلخ وهي خاوية على عروشها غير عامرة ومن رآها ظنها عامرة لإتقان
стр. 334
بنائها وكانت ضخمة فسيحة ومساجدها ومدارسها باقية الرسوم حتى الآن ونقوش مبانيها مدخلة بأصبغة اللازورد والناس ينسبون اللازورد إلى خراسان وإنما يجلب من جبال بدخشان التي ينسب إليها الياقوت البدخشي والعامة يقولون البلخش وسيأتي ذكرها أن شاء الله تعالى، وخرب هذه المدينة تنكيز اللعين وهدم من مسجدها نحو الثلث بسبب كنز ذكر أنه تحت سارية من سواريه وهو من أحسن مساجد الدنيا وأفسحها ومسجد رباط الفتح بالمغرب يشبهه في عظم سواريه، ومسجد بلخ أجمل منه في سوى ذلك.
وذكر لي بعض أهل التاريخ أن مسجد بلخ بنته امرأة كان زوجها أمير اً ببلخ لبني العباس يسمى داود بن علي فاتفق أهل الخليفة غضب مرة على أهل بلخ لحادث أحدثوه فبعث إليهم من يغرمهم مغرماً فادحاً فلما بلغ إلى بلخ أتى نساءها وصبيانها إلى تلك المرأة التي بنت المسجد وهي زوج أمير هم وشكوا حالهم وما لحقهم من هذا المغرم فبعثت إلى الأمير الذي قدم برسم تغريمهم بثوب لها مرصع بالجواهر قيمته أكثر مما أمر بتغريمه فقالت له اذهب بهذا الثوب إلى الخليفة فقد أعطيته صدقة عن أهل بلخ لضعف حالهم فذهب به إلى الخليفة وألقى الثوب بين يديه وقص عليه القصة فخجل الخليفة وقال أتكون المرأة أكرم منا؟ وأمره برفع المغرم عن أهل بلخ وبالعودة إليها ليرد للمرأة ثوبها وأسقط عن أهل بلخ خراج سنة. فعاد الأمير إلى بلخ وأتى المرأة وقص عليها مقالة الخليفة ورد عليها الثوب. فقالت له: أوقع بصر الخليفة على هذا الثوب؟ قال: نعم. قالت: لا ألبس ثوباً وقع عليه بصر غير ذي محرم مني. وأمرت ببيعه فبنى منه المسجد والزاوية ورباط في مقابلته مبني بالكذان١ وهو عامر حتى الآن وفضل من ثمن الثوب مقدار ثلثه فذكر أنها أمرت بدفنه تحت بعض سواري المسجد ليكون هنالك متيسرا أن احتيج إليه أخرج، فأخبر تكنيز بهذه الحكاية فأمر بهدم سواري المسجد فهدم منها نحو الثلث ولم يجد شيئا فترك الباقي على حاله. وبخارج بلخ قبر يذكر أنه قبر عكاشة بن محصن الأسدي صاحب رسول الله ﷺ تسليما الذي يدخل الجنة بلا حساب وعليه زاوية معظمة بها كان نزولنا، وبخارجها بركة ماء
стр. 335
عجيبة عليها شجرة جوز عظيمة. ينزل الواردون في الصيف تحت ظلالها وشيخ هذه الزاوية يعرف بالحاج خرد وهو الصغير من الفضلاء وركب معنا وأرانا مزارات هذه المدينة منها قبر حزوقيل النبي ﵇ وعليه قبة حسنة وزرنا بها أيضا قبوراً كثيرة من قبور الصالحين لا أذكرها الآن، ووقفنا على دار إبراهيم بن أدهم ﵁ وهي دار ضخمة مبنية بالصخر الأبيض الذي يشبه الكذان. وكان زرع الزاوية مقترن بها وقد سدت عليه فلم ندخلها وهي بمقربة من المسجد الجامع. ثم سافرنا من مدينة بلخ فسرنا في جبال قوة استان "قهستان" سبعة أيام. وهي قرى كثيرة عامرة بها المياه الجارية والأشجار المورقة وأكثرها شجر التين، وبها زوايا كثيرة فيها الصالحون المنقطعون إلى الله تعالى. وبعد ذلك كان وصولنا إلى مدينة هراة وهي أكبر المدن العامرة بخراسان ومدن خراسان العظيمة أربع: ثنتان عامرتان وهما هراة ونيسابور، وثنتان خربتان وهما بلخ ومور. ومدينة هراة عظيمة كثيرة العمارة ولأهلها صلاح وعفاف وديانة، وهم على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ وبلدهم طاهر من الفساد.
وكان سلطان هراة هو السلطان المعظم حسين بن السلطان غياث الدين الغوري صاحب الشجاعة المأثورة. والتأييد والشجاعة ظهر له إنجاد الله تعالى وتأييده في موطنين اثنين ما يقضى منه العجب إحداهما: عند ملاقاة جيشه للسلطان خليل الذي بغى عليه وكان منتهى أمره حصوله أسيراً في يديه، والموطن الثاني: عند ملاقاته بنفسه لمسعود سلطان الرافضة. وكان منتهى أمره تبديده وفراره وذهاب ملكه. وولي السلطان حسين الملك بعد أخيه المعروف بالحافظ وولي بعد أبيه غياث الدين.
وكان بخراسان رجلان أحدهما يسمى بمسعود والآخر يسمى بمحمد وكان لهما خمسة من الأصحاب وهم من الفتاك ويعرفون بالعراق بالشطَّار ويعرفون بخراسان بسرابداران "سربداران" ويعرفون بالعراق بالصقور. فاتفق سبعتهم على الفساد وقطع الطرق وسلب الأموال وشاع خبرهم وسكنوا جبلاً منيعا بمقربة من مدينة بيهق وتسمى أيضا مدينة سيزار "سيزوار". فكانوا يكمنون بالنهار ويخرجون بالليل والعشى فيضربون على القرى ويقطعون الطرق ويأخذون الأموال وانثال عليهم أشباههم من أهل الشر والفساد، فكثر
стр. 336
عددهم واشتدت شوكتهم وهابهم الناس وضربوا على مدينة بيهق فملكوها ثم ملكوا سواها من المدن واكتسبوا الأموال وجندوا الجنود وركبوا الخيل وتسمى مسعود بالسلطان وصار العبيد يفرون عن مواليهم إليه فكل عبد فرّ منهم يعطيه الفرس والمال وإن ظهرت له شجاعة أمره على جماعة فعظم جيشه واستفحل أمره وتمذهب جميعهم بمذهب الرفض وطمحوا إلى استئصال أهل السنة بخراسان وأن يجعلوها كلمة واحدة رافضية وكان بمشهد طوس شيخ من الرافضة يسمى بحسن وهو عندهم من الصلحاء فوافقهم على ذلك وسموه بالخليفة وأمرهم بالعدل فأظهروه حتى كانت الدراهم والدنانير تسقط في معسكرهم فلا يلتقطها أحد حتى يأتي ربها فيأخذها وغلبوا على نيسابور وبعث إليهم السلطان طغيتمور بالعساكر فهزموه ثم بعث إليهم نائبه أرغون شاه فهزموه وأسروه ومنوا عليه ثم غزاهم طغيتمور بنفسه في خمسين ألفاً من التتر فهزموه وملكوا البلاد وتغلبوا على سرخس والزواة وطوس وهي من أعظم بلاد خراسان وجعلوا خليفتهم بمشهد علي بن موسى الرضى وتغلبوا على مدينة الجام ونزلوا بخارجها وهم قاصدون مدينة هراة وبينها وبينهم مسيرة ست فلما بلغ ذلك الملك حسيناً جمع الأمراء والعساكر وأهل المدينة واستشارهم هل يقيمون حتى يأتي القوم أو يمضوا إليهم فيناجزونهم فوقع إجماعهم على الخروج إليهم وهم قبيلة واحدة يسمون الغورية ويقال إنهم منسوبون إلى غور الشام وأن أصلهم منه فتجهزوا أجمعين واجتمعوا من أطراف البلاد وهم ساكنون بالقرى وبصحراء مرغيس "بدغيس" وهي مسيرة أربع لا يزال عشبها أخضر ترعى منه ماشيتهم وخيلهم وأكثر شجرها الفستق ومنها يحمل إلى أرض العراق وعضدهم أهل مدينة سمنان ونفروا جميعا إلى الرافضة وهم مائة وعشون ألفاً ما بين رجالة وفرسان ويقودهم الملك حسين. واجتمعت الرافضة في مائة وخمسين ألفاً من الفرسان وكانت الملاقاة بصحراء بوشنج وصبر الفريقان معاً ثم كانت الدائرة على الرافضة وفر سلطانهم مسعود وثبت خليفتهم حسن في عشرين ألفاً حتى قُتل وقتل أكثرهم وأسر منهم نحو أربعة آلاف. وذكر لي بعض من حضر هذه الوقعة أن ابتداء القتال كان في وقت الضحى وكانت الهزيمة عند الزوال ونزل الملك حسين بعد الظهر فصلّى وأتى بالطعام فكان هو وكبراء أصحابه يأكلون وسائرهم يضربون أعناق الأسرى. وعاد إلى حضرته بعد هذا الفتح
стр. 337
العظيم وقد نصر الله السنة على يديه وأطفأ نار الفتنة وكانت هذه الوقعة بعد خروجي من الهند عام ثمانية وأربعين. ونشأ بهراة رجل من الزهاد والصلحاء الفضلاء واسمه نظام الدين مولانا وكان أهل هراة يحبونه ويرجعون إلى قوله وكان يعظهم ويذكرهم وتوافقوا معه على تغيير المنكر وتعاقد معهم على ذلك خطيب المدينة المعروف بالملك ورنا وهو ابن عم الملك حسين ومتزوج بزوجة والده وهي من أحسن الناس صورة وسيرة. والملك يخافه على نفسه وسنذكر خبره. وكانوا متى علموا بمنكر ولو كان عند الملك غيّروه.
وعلمت أنهم تعرفوا يوماً أن بدار الملك حسين منكراً فاجتمعوا لتغييره وتحصن منهم بداخل داره فاجتمعوا على الباب في ستة آلاف رجل فخاف منهم. فاستحضر الفقيه وكبار البلد وكان قد شرب الخمر فأقاموا عليه الحد بداخل قصره، وانصرفوا عنه.
كانت الأتراك المجاورون لمدينة هراة الساكنون بالصحراء وملكهم غيتمور الذي مر ذكره وهم خمسين ألفاً يخافهم الملك حسين ويهدي لهم الهدايا في كل سنة ويداريهم وذلك قبل هزيمته للرافضة، وأما بعد هزيمته للرافضة تغلب عليهم. ومن عادة هؤلاء الأتراك التردد إلى مدينة هراة وربما شربوا بها الخمر وأتاها بعضهم وهو سكران. فكان نظام الدين يحد من وجد منهم سكراناً وهؤلاء الأتراك أهل نجدة وبأس ولا يزالون يضربون على بلاد الهند فيسبون ويقتلون وربما سبوا بعض المسلمات اللاتي يكن بأرض الهند ما بين الكفار فإذا خرجوا بهم إلى خراسان يطلق نظام الدين المسلمات من أيدي الترك وعلامة النسوة المسلمات بأرض الهند ترك ثقب الأذن والكافرات آذانهن مثقوبات، فاتفق مرة أن أمير اً من أمراء الترك يسمى تمور ألطي سبى امرأة وكلف بها شديداً، فذكرت أنها مسلمة، فانتزعها الفقيه من يده. فبلغ ذلك من التركي مبلغاً عظيماً وركب في آلاف من أصحابه وأغار على خيل هراة وهي في مرعاها بصحراء مرغيس "بدغيس"، واحتملوها. فلم يتركوا لأهل هراة ما يركبون ولا ما يحلبون وصعدوا بها إلى جبل هنالك لا يقدر عليهم فيه ولم يجد السلطان ولا جندة خيلاً يتبعونهم بها فبعث إليهم رسولاً يطلب منهم رد ما أخذون من الماشية والخيل ويذكرهم العهد الذي بينهم فأجابوا بأنهم لا يردون ذلك حتى يمكن من الفقيه نظام الدين، فقال السلطان: لا سبيل إلى هذا. وكان
стр. 338
الشيخ أبو أحمد الجستي حفيد الشيخ مودود الجستي له بخراسان شأن عظيم، وقوله معتبر لديهم فركب في جماعة خيل من أصحابه ومماليكه فقال أنا أحمل الفقيه نظام الدين معي إلى الترك ليرضُوا بذلك ثم أرده فكأن الناس مالوا إلى قوله ورأى الفقيه نظام الدين اتفاقهم على ذلك فركب مع الشيخ أبو أحمد ووصل إلى الترك فقام إليه الأمير تمور ألطي، وقال له: أنت أخذت امرأتي مني وضربه بدبوسه فكسر دماغه فخر ميتاً. فسقط في أيدي الشيخ أبي أحمد وانصرف من هنالك إلى بلده ورد الترك ما كانوا أخذوه من الخيل والماشية. وبعد مدة قدم ذلك التركي الذي قتل الفقيه على مدينة هراة فلقيه جماعة من أصحاب الفقيه فتقدموا إليه كأنهم مسلمون عليه وتحت ثيابهم السيوف فقتلوه وفر أصحابه، ولما كان بعد هذا بعث الملك حسين ابن عمه ملك ورنا الذي كان رفيق الفقيه نظام الدين في تغيير المنكر رسولاً إلى ملك سجستان فلما حصل بها بعث إليه أن يقيم هنالك ولا يعود إليه فقصد بلاد الهند ولقيته وأنا خارج منها بمدينة سيوستان من السند، وهو أحد الفضلاء، وفي طبعه حب الرياسة والصيد والبراز والخيل والمماليك والأصحاب واللباس الملوكي الفاخر ومن كان على هذا الترتيب فإنه لا يصلح حاله بأرض الهند فكان من أمره أن ملك الهند ولاّه بلداً صغيراً. وقتله به بعض أهل هراء المقيمين بالهند بسبب جارية. وقيل: أن ملك الهند دس عليه من قتله بسعي الملك حسين في ذلك ولأجله خدم الملك حسين ملك الهند بعد موت ملك ورنا المذكور، وهاداه ملك وأعطاه مدينة بكار من بلاد السند. ومجباها خمسون ألفاً من دنانير الذهب في كل سنة. "ولنعد إلى ما كنا بسبيله" سافرنا من هراة إلى مدينة الجام وهي متوسطة حسنة ذات بساتين وأشجار وعيون كثيرة وأنهار وأكثرها التوت والحرير بها كثير وهي تنسب إلى الولي العابد الزاهد شهاب الدين أحمد الجامي، وسنذكر حكايته، وحفيده الشيخ أحمد المعروف بزاده الذي قتله ملك الهند والمدينة الآن لأولاده وهي محررة من قبل السلطان ولهم بها نعمة وثروة. وذكر لي من أثق به أن السلطان أبا سعيد ملك العراق قدم خراسان مرة ونزل على هذه المدينة وبها زاوية الشيخ فأضافه ضيافة عظيمة وأعطى لكل خباء بمحلته رأس غنم ولكل أربعة رجال رأس غنم ولكل دابة بالمحلة من فرس أو بغل وحمار علف ليلة فلم يبقى في المحلة حيوان إلا وصلته ضيافة.
стр. 339
والشيخ شهاب الدين الذي تنسب إليه مدينة الجام يذكر أنه كان صاحب راحة مكثراً من الشراب وكان له من الندماء نحو ستين وكانت لهم عادة أن يجتمعوا يوماً في منزل كل واحد منهم فتدور النوبة على أحدهم بعد شهرين وبقوا على ذلك مدة. ثم أن النوبة وصلت يوماً الشيخ شهاب الدين فعقد التوبة تلك النوبة وعزم على إصلاح حاله مع ربه وقال في نفسه أن قلت لأصحابي إني قد تبت قبل اجتماعهم عندي ظنوا ذلك عجزاً عن مؤنتهم فأحضر ما كان يحضر مثله قبل من مأكولات ومشروبات وجعل الخمر في الزقاق وحضر أصحابه فلما أرادوا الشرب فتحوا زقاً فذاقه أحدهم فوجده حلواً، ثم فتح ثانيا فوجده كذلك ثم ثالثاً فوجده كذلك فكلموا الشيخ في ذلك، فخرج لهم عن حقيقة أمره وصدقهم سر فكره وعرفهم بتوبته وقال لهم والله ما هذا إلا الشراب الذي كنتم تشربونه فيما تقدم فتابوا جميعاً إلى الله تعالى وبنوا تلك الزاوية وانقطعوا بها لعبادة الله تعالى وظهر لهذا الشيخ كثير من الكرامات والمكاشفات. ثم سافرنا من الجام إلى مدينة طوس وهي أكبر بلاد خراسان وأعظمها بلد الإمام الشهير بأبي حامد الغزالي ﵁ وبها قبره. ورحلنا منها إلى مدينة مشهد الرضا وهو علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وهي أيضاً مدينة كبيرة ضخمة كثيرة الفواكه والمياه والأرحاء الطاحنة وكان بها الطاهر محمد شاه والطاهر عندهم بمعنى النقيب عند أهل مصر والشام والعراق وأهل الهند والسند وتركستان يقولوا السيد الأجل وكان أيضاً بهذا المشهد القاضي الشريف جلال الدين لقيته بأرض الهند والشريف علي وولداه أمير هندو ودولة شاه وصحبوني من ترمذ إلى بلاد الهند وكانوا من الفضلاء. والمشهد المكرم عليه قبة عظيمة في داخل زاوية تجاورها مدرسة ومسجد وجميعها مليح البناء مصنوع الحيطان بالقاشاني وعلى القبر دكانة خشب ملبسة بصفائح الفضة وعليه قناديل فضة معلقة وعتبة باب القبة فضة وعلى بابها ستر حرير مذهب وهي مبسوطة بأنواع البسط وإزاء هذا القبر قبر هارون الرشيد أمير المؤمنين ﵁ وعليه دكانة يضعون عليها الشمعدانات التي يعرفها أهل المغرب بالحسك والمنائر وإذا دخل الرافضي للزيارة ضرب قبر الرشيد برجله وسلم على الرضا. ثم سافرنا إلى مدينة سرخس، وإليها ينسب الشيخ الصالح لقمان
стр. 340
السرخسي ﵁. ثم سافرنا منها إلى مدينة زاوة وهي مدينة الشيخ الصالح قطب حيدر وإليه تنسب طائفة الحيدرية من الفقراء وهم الذي يجعلون حلق الحديد في أيديهم وأعناقهم وآذانهم ويجعلون أيضاً في ذكورهم حتى لا يتأتى لهم النكاح. ثم رحلنا منها فوصلنا إلى مدينة نيسابور وهي إحدى المدن الأربع التي هي قواعد خراسان ويقال لها دمشق الصغيرة لكثرة فواكهها وبساتينها ومياهها وحسنها وتخترقها أربعة من الأنهار وأسواقها حسنة متسعة ومسجدها بديع وهو في وسط السوق ويليه أربع من المدارس يجري بها الماء الغزير وفيها من الطلبة خلق كثير يقرؤون القرآن والفقه وهي من حسان مدارس تلك البلاد ومدارس خراسان والعراقين ودمشق وبغداد ومصر وإن بلغت الغاية من الإتقان والحسن فكلها تقصر عن المدرسة التي عمرها مولانا أمير المؤمنين المتوكل على الله المجاهد في سبيل الله عالم الملوك واسطة عقد الخلفاء العادلين أبو عنان وصل الله سعده ونصر جنده وهي التي عند القصبة من حضرة فاس حرسها الله تعالى فإنها لا نظير لها سعة وارتفاعاً ونقش الجص بها لا قدرة لأهل المشرق عليه. ويصنع بنيسابور ثياب الحرير من النخ والكمخاء وغيرهما وتحمل منها إلى الهند وفي هذه المدينة زاوية الشيخ الإمام العالم القطب العابد قطب الدين النيسابوري أحد الوعاظ العلماء الصالحين نزلت عنده فأحسن القرى وأكرم ورأيت له البراهين والكرامات العجيبة.
وكنت قد اشتريت بنيسابور غلاماً تركياً فرآه معي فقال لي: هذا الغلام لا يصلح لك فبعه، فقلت له: نعم. وبعت الغلام في غد ذلك اليوم واشتراه بعض التجار، وودعت الشيخ وانصرفت فلما حللت بمدينة بسطام كتب إلي بعض أصحابي من نيسابور وذكر أن الغلام المذكور قتل بعض أولاد الأتراك وقتل به وهذه كرامة واضحة لهذا الشيخ ﵁. وسافرت من نيسابور إلى مدينة بسطام التي ينسب إليها الشيخ العارف أبو يزيد البسطامي الشهير ﵁ وبهذه المدينة قبره ومعه في قبة واحدة أحد أولاد جعفر الصادق ﵁، وببسطام أيضا قبر الشيخ الصالح الولي أبي الحسن الخرقاني. وكان نزولي من هذه المدينة بزاوية الشيخ أبي يزيد البسطامي ﵁. ثم سافرت من هذه المدينة على طريق هند خير إلى قندوس وبغلان. وهي قرى فيها مشايخ وصالحون وبها البساتين والأنهار. فنزلنا بقندوس على نهر ماء
стр. 341
به زاوية لأحد شيوخ الفقراء من أهل مصر، يسمى بشير سياه، ومعنى ذلك الأسد الأسود وأضافنا بها وإلى تلك الأرض وهو من أهل الموصل ببستان عظيم هنالك.
وأقمنا بخارج هذه القرية نحو أربعين يوماً لرعي الجمال والخيل وبها مراعي طيبة وأعشاب كثيرة والأمن بها شامل بسبب شدة أحكام الأمير برنطيه. وقد قدمنا أن أحكام الترك في من سرق فرساً أن يعطي منه تسعة مثله فإن لم يجد ذلك أخذ فيها أحد أولاده فإن لم يكن له أولاد ذبح مثل الشاة.
والناس يتركون دوابهم مهملة دون راع بعد أن يسم كل واحد دوابه في أفخاذها وكذلك فعلنا في هذه البلاد واتفق أن تفقدنا خيلنا بعد عشر من نزولنا بها ففقدنا منها ثلاثة أفراس.
ولما كان بعد نصف شهر جاءنا التتر بها إلى منزلنا خوفاً على أنفسهم من الأحكام. وكنا نربط في كل ليلة إزاء أخبيتنا فرسين لما عسى أن يقع بالليل ففقدنا الفرسين ذات ليلة وسافرنا من هنالك وبعد ثنتين وعشرين ليلة جاءوا بهما إلينا في أثناء طريقنا. وكان أيضا أسباب إقامتنا خوف الثلج فإن بأثناء الطريق جبلاً يقال له هندوكوش ومعناه قاتل الهنود. لأن العبيد والجواري الذي يؤتى بهم من بلاد الهند يموت هنالك الكثير منهم لشدة البرد وكثرة الثلج وهو مسيرة يومٍ كاملٍ وأقمنا حتى تمكنا من دخول الحر وقطعنا ذلك الجبل من آخر الليل. وسلكنا به جميع نهارنا إلى الغروب وكنا نضع اللبود بين أيدي الجمال تطأ عليها لئلا تغرق في الثلج. ثم سافرنا إلى موضع يعرف بأنبر وكانت هنالك فيما تقدم مدينة عفي رسمها ونزلنا بقرية عظيمة فيها زاوية لأحد الفضلاء ويسمى بمحمد المهروي ونزلنا عنده وأكرمنا وكان متى غسلنا أيدينا من الطعام يشرب الماء الذي غسلناها به لحسن اعتقاده وفضله. وسافر معنا إلى أن صعدنا جبل هندوكوش المذكور.
ووجدنا بهذا الجبل عين ماء حارة فغسلنا منها وجوهنا فتقشرت وتألمنا لذلك. ثم نزلنا بموضع يعرف ببنج هير ومعنى بنج خمسة وهير الجبل، فمعناه خمسة جبال. وكانت هنالك مدينة حسنة كثيرة العمارة على نهر عظيم أزرق كأنه بحر ينزل من جبال بدخشان. وبهذه الجبال يوجد الياقوت الذي
стр. 342
يعرفه الناس بالبلخش. وخرب هذه البلاد تنكيز ملك التتر فلم تعمر بعده. وبهذه المدينة مزار الشيخ سعيد الملكي وهو معظم عندهم. ووصلنا إلى جبل بشاي "وضبطه بفتح الباء المعقودة والشين المعجم وألف باء ساكنة"، وبه زاوية الشيخ الصالح أطا أولياء وأطا "بفتح الهمزة" معناه بالتركية الأب وأولياء باللسان العربي فمعناه أبو الأولياء، ويسمى أيضا سيِصَد صَاله، وسيصد "بسين مهمل مكسور وياء مد وصاد مهمل ودال مهمل" معناه بالفارسية ثلاثمائة، وصاله "بفتح الصاد المهمل واللام" معناه عام. وهم يذكرون أن عمره ثلاثمائة وخمسون عام ولهم فيه اعتقاد حسن ويأتون لزيارته من البلاد والقرى ويقصده السلاطين والخواتين وأكرمنا وأضافنا ونزلنا على نهر عند زاويته ودخلنا إليه فسلمت عليه وعانقني وجسمه رطب لم أرى ألين منه ويظن رائيه أن عمره خمسون سنة. وذكر لي أنه في كل مائة سنة ينبت له الشعر والأسنان وأنه رأى أباهم الذي دفنهم بملتان من السند وسألته عن رواية حديث فأخبرني بحكايات، وشككت في حاله. والله أعلم بصدقه. ثم سافرنا إلى بَرْوَن "وضبطها بفتح الباء المعقودة وسكون الراء وفتح الواو وآخرها نون"، وفيها لقيت الأمير بُرُنْطية "وضبط اسمها بضم الباء وضم الراء وسكون النون وفتح الطاء المهمل وياء آخر الحروف مسكن وهاء"، وأحسن إلي وأكرمني وكتب إلى نوابه في مدينة غزنة في إكرامي وقد تقدم ذكره، وذكر ما أعطي من البسطة في الجسم وكان عنده جماعة من المشايخ والفقراء أهل الزاوية، ثم سافرنا إلى قرية الجرخ "وضبط اسمها بفتح الجيم المعقودة وإسكان الراء وخاء معجم" وهي كبيرة لها بساتين كثيرة وفواكه طيبة قدمنا في أيام الصيف ووجدنا فيها جماعة من الفقراء والطلبة وصلينا بها الجمعة وأضافنا أمير ها محمد الجرخي ولقيته بعد ذلك بالهند. ثم سافرنا إلى مدينة غزنة وهي بلد السلطان المجاهد محمود بن سبكتكين الشهير الاسم، وكان من كبار السلاطين يلقب بيمين الدولة وكان كثير الغزو إلى بلاد الهند وفتح بها المدائن والحصون وقبره بهذه المدينة عليه زاوية وقد خرب معظم هذه البلدة ولم يبق منها إلا يسير وكانت كبيرة. وهي شديدة البرد والساكنون بها يخرجون عنها أيام البرد إلى مدينة القندهار وهي كبيرة مخصبة ولم أدخلها. وبينهما مسيرة ثلاث. ونزلنا بخارج غزنة في قرية هنالك على نهر ماء تحت قلعتها وأكرمنا أمير ها مَرْذَكْ أغَا، ومرذك "بفتح الميم وسكون الراء وفتح الذال المعجم"، ومعناه الصغير، وأغا "بفتح الهمزة والغين
стр. 343
المعجم" ومعناه الكبير الأصل. ثم سافرنا إلى كابل، وكانت فيما سلف مدينة عظيمة وبها الآن قرية يسكنها طائفة من الأعاجم يقال لهم الأفغان. ولهم جبال وشعاب وشوكة قوية وأكثرهم قطاع طريق وجبلهم الكبير يسمى كوه سليمان يذكر أن نبي الله سليمان ﵇ صعد ذلك الجبل فنظر إلى أرض الهند وهي مظلمة، فرجع ولم يدخلها فسمي الجبل به وفيه يسكن ملك الأفغان. وبكابل زاوية الشيخ إسماعيل الأفغاني تلميذ الشيخ عباس من الأولياء. ورحلنا إلى كرماش وهي حصن بين جبلين تقطع به الأفغان. وكنا حين جوازنا عليه نقاتلهم وهم بسفح الجبل ونرميهم بالنشاب فيفرون وكانت رفقتنا مخفة ومعهم نحو أربعة آلاف فرس وكانت لي جمال انقطعت عن القافلة لأجلها ومعي جماعة بعضهم من الأفغان، وطرحنا بعض الزاد وتركنا أحمال الجمال التي أعيت بالطريق وعادت إليها خيلنا بالغد فاحتملتها ووصلنا إلى القافلة بعد العشاء الآخرة فبتنا بمنزل ششنغار هي آخر العمارة مما يلي بلاد الترك. ومن هنا دخلنا البرية الكبرى وهي مسيرة خمس عشرة لا تدخل إلا في فصل واحد وهو بعد نزول المطر بأرض السند والهند وذلك في أوائل شهر يوليه. وتهب في هذه البرية ريح السموم القاتلة التي تعفن الجسوم. حتى أن الرجل إذا مات تنفسخ أعضاؤه وقد ذكرنا أن هذه الريح تهب أيضا في البرية بين هرمز وشيراز. وكانت تقدمت أمامنا رفقة كبيرة فيها خداوند زادة قاضي ترمذ فمات لهم جماعة وخيل كثيرة. ووصلت رفقتنا سالمة بحمد الله تعالى إلى بَنْج آب، وهو ماء السند، وبنج "بفتح الباء الموحدة وسكون النون والجيم" ومعناه خمسة وآب "بهمزة مفتوحة ممدودة وباء موحدة" ومعناه الماء، فمعنى ذلك الأودية الخمسة، وهي تصب في النهر الأعظم، وتسقي تلك النواحي وسنذكرها أن شاء الله تعالى. وكان وصولنا لهذا النهر سلخ ذي الحجة. واستهل علينا تلك الليلة هلال المحرم من عام أربع وثلاثين وسبعمائة. ومن هنالك كتب المخبرون بخبرنا إلى أرض الهند، وعرفوا ملكها بكيفية أحوالنا وها هنا ينتهي بنا الكلام في هذا السفر والحمد لله رب العالمين.
стр. 344
المجلد الثاني
خبر الوصول إلى وادي السند
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة رحمه الله تعالى:
ولما كان تاريخ الغرة من شهر المحرم مفتتح عام أربعة وثلاثين وسبعمائة وصلنا إلى وادي السند المعروف ببنج آب، ومعنى ذلك المياه الخمسة. وهذا الوادي من أعظم أودية الدنيا وهو يفيض في أوان الحر فيزرع أهل تلك البلاد على فيضه كما يفعل أهل الديار المصرية في فيض النيل وهذا الوادي هو أول عمالة السلطان المعظم محمد شاه ملك الهند والسند. ولما وصلنا إلى هذا النهر جاء إلينا أصحاب الأخبار الموكلون بذلك وكتبوا بخبرنا إلى قطب الملك أمير مدينة ملتان، وكان أمير أمراء السند على هذا العهد مملوك للسلطان يسمى سَرتيز، وهو من عُرض المماليك وبين يديه تعرض عساكر السلطان ومعنى اسمه الحاد الرأس لأن سَرْ "بفتح السين المهملة وسكون الراء" هو الرأس. وتيز "بتاء معلوة وياء مد وزاي" معناه الحاد. وكان في حين قدومنا بمدينة سيوستان من السند وبينها وبين ملتان مسيرة عشرة أيام وبين بلاد السند وحضرة السلطان مدينة دهلي مسيرة خمسين يوماً وإذا كتب المخبرون إلى السلطان من بلاد السند يصل الكتاب إليه في خمسة أيام بسبب البريد.
والبريد ببلاد الهند صنفان فأما بريد الخيل فيسمونه "الوُلاق" "بضم الواو وآخره قاف"، وهو خيل تكون للسلطان، في كل مسافة أربعة أميال، وأما بريد الرجالة، فيكون في مسافة الميل الواحد منه ثلاث رتب ويسمونها الداوة "بالدال المهمل والواو"، والداوة هي ثلث ميل، والميل عندهم يسمى الكُرُوة "بضم الكاف والراء"، وترتيب ذلك أن يكون في كل ثلث ميل قرية معمورة ويكون بخارجها ثلاث قباب يقعد فيها الرجال مستعدين للحركة قد شدوا أوساطهم وعند كل واحد منهم مقرعة مقدار ذراعين بأعلاها جلاجل نحاس فإذا خرج البريد من المدينة أخذ الكتاب بأعلى يده والمقرعة ذات الجلاجل باليد الأخرى وخرج يشتد بمنتهى جهده.
فإذا سمع الرجال الذين بالقباب صوت الجلاجل تأهبوا له فإذا وصلهم
стр. 345
أخذ أحدهم الكتاب من يده ومر بأقصى جهده وهو يحرك المقرعة حتى يصل إلى الداوة الأخرى ولا يزالون كذلك حتى يصل الكتاب إلى حيث يراد منه.
وهذا البريد أسرع من بريد الخيل وربما حملوا على هذا البريد الفواكه المستطرفة بالهند من فواكه خراسان يجعلونها في الأطباق ويشتدون بها حتى تصل إلى السلطان وكذلك يحملون الكبار من ذوي الجنايات يجعلون الرجل على سرير ويرفعونه فوق رؤوسهم ويسيرون به شدّاً وكذلك يحملون الماء لشرب السلطان إذا كان بدولة أباد يحملونه من نهر الكنك الذي تحج الهنود إليه وهو على مسيرة أربعين يوماً منها.
وإذا كتب المخبرون إلى السلطان بخبر من يصل إلى بلاده استوعبوا الكتاب وأمعنوا في ذلك وعرفوه أنه ورد رجل صورته كذا ولباسه كذا وكتبوا عدد أصحابه وغلمانه وخدامه ودوابه وترتيب حاله في حركته وسكونه وجميع تصرفاته لا يغادرون من ذلك كلّه شيئاً فإذا وصل الوارد مدينة ملتان، وهي قاعدة بلاد السند أقام بها حتى ينفذ أمر السلطان بقدومه وما يجري له من الضيافة وإنما يكرم الإنسان هنالك بقدر ما يظهر من أفعاله وتصرفاته وهمته إذ لا يعرف هنالك ما حسبه ولا آباؤه.
ومن عادة ملك الهند السلطان أبي المجاهد محمد شاه إكرام الغرباء ومحبتهم وتخصيصهم بالولايات والمراتب الرفيعة ومعظم خواصه وحجابه ووزارئه وقضاته وأصهاره غرباء ونفذ أمره بأن يسمي الغرباء في بلده بالأعزة فصار لهم ذلك اسماً وعلماً ولا بد لكل قادم على هذا الملك من هدية يهديها إليه ويقدمها وسيلة بين يديه فيكافئه السلطان عليها بأضعاف مضاعفة وسيمر من ذكر هدايا الغرباء إليه كثير. ولما تعود الناس ذلك منه صار التجار الذين ببلاد السند والهند يعطون لكل قادم على السلطان الآلاف من الدنانير ديناً ويجهزونه بما يريد أن يهديه إليه أو يتصرف فيه لنفسه من الدواب للركوب والجمال والأمتعة ويخدمونهم بأموالهم وأنفسهم ويقفون بين يديه كالحشم فإذا وصل إلى السلطان أعطاه العطاء الجزيل فقضى ديونهم ووفاهم حقوقهم فنفقت تجارتهم وكثرت أرباحهم وصار لهم ذلك عادة مستمرة. ولما وصلت إلى بلاد السند، سلكتُ ذلك المنهج، واشتريت من التجار الخيل والجمال
стр. 346
والمماليك وغير ذلك. ولقد اشتريت من تاجر عراقي من أهل تكريت يعرف بمحمد الدوري بمدينة غزنة نحو ثلاثين فرساً وجملاً عليه حمل من النشاب فإنه مما يهدى إلى السلطان وذهب التاجر المذكور إلى خراسان ثم عاد إلى الهند وهنالك تقاضى مني مائة، واستفاد بسببي فائدة عظيمة وعاد من كبار التجار. ولقيته بمدينة حلب بعد سنين كثيرة وقد سلبني الكفار ما كان بيدي فلم ألق منه خيراً.
ولما أَجَزْنا نهر السند المعروف ببنج آب دخلنا غيضة قصب لسلوك الطريق لأنه في وسطها فخرج علينا الكركدن وصورته أنه حيوان أسود اللون عظيم الجرم رأسه كبير متفاوت الضخامة ولذلك يضرب به المثل، فيقال: الكركدن رأس بلا بدن وهو دون الفيل ورأسه أكبر من رأس الفيل بأضعاف وله قرن واحد بين عينيه طوله نحو ثلاثة أذرع وعرضه نحو شبر ولما خرج علينا عارضه بعض الفرسان في طريقه فضرب الفرس الذي كان تحته بقرنه فأنفذ فخذه وصرعه وعاد إلى الغيضة فلم نقدر عليه. وقد رأيت الكركدن مرة ثانية في هذا الطريق بعد صلاة العصر وهو يرعى نبات الأرض فلما قصدناه هرب منا. ورأيته مرة أخرى ونحن مع ملك الهند دخلنا غيضة قصب وركب السلطان على الفيل وركبنا معه الفيلة ودخلت الرجالة والفرسان فأثاروه وقتلوه واستاقوا رأسه إلى المحلة.
وسرنا من نهر السند يومين ووصلنا إلى مدينة جَنَاني "وضبط اسمها بفتح الجيم والنون الأولى وكسر الثانية" مدينة كبيرة حسنة على نهر السند لها أسواق مليحة وسكانها طائفة يقال لهم السامرة استوطنوها قديماً واستقر بها أسلافهم حين فتحها على أيام الحجاج بن يوسف حسبما أثبت المؤرخون في فتح السند. وأخبرني الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد العابد ركن الدين بن الشيخ الفقيه الصالح شمس الدين بن الشيخ الإمام العابد الزاهد بهاء الدين زكريا القرشي وهو أحد الثلاثة الذين أخبرني الشيخ الولي الصالح برهان الدين الأعرج بمدينة الاسكندرية أني سألقاهم في رحلتي فلقيتهم والحمد لله، أن جده الأعلى كان يسمى بمحمد بن قاسم القرشي وشهد فتح السند في العسكر الذي بعثه لذلك الحجاج بن يوسف أيام إمارته على العراق وأقام بها وتكاثرت ذريته. وهؤلاء الطائفة المعروفون بالسامرة لا يأكلون مع أحد ولا ينظر إليهم أحد حين
стр. 347
يأكلون، ولا يصاهرون أحداً من غيرهم ولا يصاهر إليهم أحد. وكان لهم في هذا العهد أمير يسمى وُنَار "بضم الواو وفتح النون" وسنذكر خبره. ثم سافرنا من مدينة جناني إلى أن وصلنا إلى مدينة سِيُوسِتان "وضبط اسمها بكسر السين الأول المهمل وياء مد وواو مفتوح وسين مكسور وتاء معلوة وآخره نون" وهي مدينة كبيرة وخارجها صحراء ورمال لا شجر بها إلا شجر أم غيلان. ولا يزرع على نهرها شيء ما عدا البطيخ. وطعامهم الذرة والجلبان ويسمونه المُشنْك "بميم وشين معجم مضمومين ونون مسكن"، ومنه يصنعون الخبز وهي كثيرة السمك والألبان الجاموسية. وأهلها يأكلون السقنقور، وهي دويبة شبيهة بأم حُبين التي يسميها المغاربة حنيشة الجنة إلا أنها لا ذنب لها ورأيتهم يحتفرون الرمل ويستخرجونها منه ويشقون بطنها ويرمون بما فيه ويحشونه بالكركم وهم يسمونه زردشوبه ومعناه العود الأصفر وهو عندهم عوض الزعفران ولما رأيت تلك الدويبة وهم يأكلونها استقذرتها فلم آكلها. ودخلنا هذه المدينة في احتدام القيظ وحرها شديد فكان أصحابي يقعدون عريانين يجعل أحدهم فوطة على وسطه وفوطة على كتفيه مبلولة بالماء فما يمضي اليسير من الزمان حتى تيبس تلك الفوطة فيبلها مرة أخرى وهكذا أبداً. ولقيت بهذه المدينة خطيبها المعروف بالشيباني وأراني كتاب أمير المؤمنين الخليفة عمر بن عبد العزيز ﵁ لجده الأعلى بخطابة هذه المدينة وهم يتوارثونها من ذلك العهد حتى الآن.
ونص الكتاب هذا ما أمر به عبد الله أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لفلان وتاريخه سنة تسع وتسعين وعليه مكتوب بخط أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز الحمد لله وحده على ما أخبرني الخطيب المذكور. ولقيت بها أيضا الشيخ المعمر محمد البغدادي وهو بالزاوية التي على قبر الشيخ الصالح عثمان المرندي وذكر أن عمره يزيد على مائة وأربعين سنة وأنه حضر لقتل المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس ﵃ لما قتله الكافر هلاون بن تنكيز التتري١. وهذا الشيخ على كبر سنه قوي الجثة يتصرف على قدميه.
وكان يسكن بهذه المدينة الأمير ونار السامري الذي تقدم ذكره، والأمير
стр. 348
قيصر الرومي وهما في خدمة السلطان ومعهما نحو ألف وثمانمائة فارس، وكان يسكن بها كافر من الهنود اسمه رَتَن "بفتح الراء وبفتح التاء المعلوة والنون" وهو من الحذاق بالحساب والكتابة، فوفد على ملك الهند مع بعض الأمراء فاستحسنه السلطان وسماه عظيم السند وولاه بتلك البلاد وأقطعه سيوستان وأعمالها وأعطاه المراتب وهي الأطبال والعلامات كما يعطي كبار الأمراء، فلما وصل إلى تلك البلاد عظم على وُنَار وقيصر وغيرهم تقديم الكافر عليهم فأجمعوا على قتله، فلما كان بعد أيام من قدومه أشاروا عليه بالخروج إلى أحواز المدينة ليطّلع على أمورها فخرج معهم فلما جن الليل أقاموا ضجة بالمحلة وزعموا أن السبع ضرب عليها وقصدوا مضرب الكافر فقتلوه. وعادوا إلى المدينة فأخذوا ما كان بها من مال السلطان وذلك اثنا عشر لكاً، واللّك مائة ألف دينار، وصرف اللّك عشرة آلاف دينار من ذهب الهند، وصرف الدينار الهندي ديناران ونصف دينار من ذهب المغرب وقدموا على أنفسهم وُنار المذكور وسموه ملك فيروز وقسم الأموال على العسكر ثم خاف على نفسه لبعده عن قبيلته فخرج فيمن معه من أقاربه وقصد قبيلته وقدم الباقون من العسكر على أنفسهم قيصر الرومي واتصل خبرهم بعماد الملك سِرتيز مملوك السلطان وهو يومئذ أمير أمراء السند وسكناه بملتان، فجمع العساكر وتجهز في البر وفي نهر السند. وبين ملتان وسيوستان عشرة أيام وخرج إليه قيصر فوقع اللقاء وانهزم قيصر ومن معه أشنع هزيمة وتحصنوا بالمدينة فحاصرهم ونصب المجانيق عليهم واشتد عليهم الحصار فطلبوا الأمان بعد أربعين يوماً من نزوله عليهم فأعطاهم الأمان فلما نزلوا إليه غدرهم وأخذ أموالهم وأمر بقتلهم. فكان كلّ يوم يضرب أعناق بعضهم ويوسط البعض ويسلخ آخرين منهم ويملاء جلودهم تبناً ويعلقها على السور فكان تلك الجلود مصلوبة ترعب من ينظر إليها. وجمع رؤوسهم في وسط المدينة فكانت مثل التل هنالك. ونزلت بتلك المدينة أثر هذه الواقعة بمدرسة فيها كبيرة، وكنت أنام على سطحها فإذا استيقظت من الليل أرى تلك الجلود المصلوبة فتشمئز النفس منها ولم تطب نفسي بالسكنى بالمدرسة فانتقلت عنها. وكان الفقيه الفاضل العادل علاء الملك الخراساني المعروف بفصيح الدين قاضي هراة في متقدم التاريخ قد وفد على ملك الهند فولاه مدينة لاهري وأعمالها من بلاد السند وحضر هذه الحركة مع عماد الملك سرتيز بمن معه من العساكر. فعزمت على السفر معه إلى مدينة لاهري. وكان له
стр. 349
خمسة عشر مركباً قدم بها في نهر السند تحمل أثقاله فسافرت.
وكان للفقيه علاء الملك في جملة سفنه سفينة تعرف بالأَهَوْرَة "بفتح الهمزة والهاء وسكون الواو وفتح الراء"، وهي نوع من الطريدة عندنا إلا أنها أوسع منها وأقصر وعلى نصفها مرعش من خشب يصعد له على درج وفوقه مجلس مهيأ لجلوس الأمير ويجلس أصحابه بين يديه ويقف المماليك يمنة ويسرة والرجال يقذفون وهم نحو أربعين ويكون مع هذه الأهورة أربعة من السفن عن يمينها ويسارها اثنان منها فيهما مراتب الأمير وهي العلامات والطبول والأبواق والأنفار والصرنايات وهي الغيطات والآخران فيهما أهل الطرب فتضرب الطبول والأبواق نوبة ويغني المغنون نوبة ولا يزالون كذلك من أول النهار إلى وقت الغداء فإذا كان وقت الغداء انضمت المراكب واتصل بعضهنا ببعض ووضعت بينهما الإصقالات وأتى أهل الطرب إلى أهورة الأمير فيغنون إلى أن يفرغ من أكله ثم يأكلون وإذا انقضى الأكل عادوا إلى مراكبهم وشرعوا في المسير على ترتيبهم إلى الليل فإذا كان الليل ضربت المحلة على شاطئ النهر ونزل الأمير إلى خيامه ومد السماط وحضر الطعام معظم العسكر فإذا صلوا العشاء الآخرة سمر السمار بالليل نوباً فإذا أتم أهل النوبة منهم نوبتهم نادى مناد منهم بصوت عال يا خوند ملك قد مضى من الليل كذا من الساعات، ثم يسمر أهل النوبة الأخرى فإذا أتموا نادى مناديهم أيضاً معلماً بما مر من الساعات فإذا كان الصبح ضربت الأبواق والطبول وصلّيت صلاة الصبح. وأتي بالطعام فإذا فرغ الأكل أخذوا في المسير فإن أراد الأمير ركوب النهر ركب على ما ذكرناه من الترتيب وإن أراد المسير في البر ضربت الأطبال والأبواق وتقدم حجابه ثم تلاهم المشاؤون بين يديه ويكون بين أيدي الحجاب ستة من الفرسان عند ثلاثة منهم أطبال قد تقلدوها وعند ثلاثة صرنايات فإذا أقبلوا على قرية أو ما هو من الأرض مرتفع ضربوا تلك الأطبال والصرنايات ثم تدق أطبال العسكر وأبواقه ويكون عن يمين الحجاب ويسارهم المغنون يغنون نوباً فإذا كان وقت الغداء نزلوا.
وسافرت مع علاء الملك خمسة أيام، ووصلنا إلى موضع ولايته، وهو مدينة لاَهَرِي "وضبط اسمها بفتح الهاء وكسر الراء" مدينة حسنة على ساحل البحر الكبير، وبها يصب نهر السند في البحر، فيلتقي بها بحران، ولها مرسى
стр. 350
عظيم، يأتي إليه أهل اليمن وأهل فارس وغيره. وبذلك عظمت جبايتها وكثرت أموالها. أخبرني الأمير علاء الملك المذكور أن مجبى هذه المدينة ستون لكّاً في السنة وقد ذكرنا مقدار اللك، وللأمير من ذلك نم "نيم" ده يك، ومعناه نصف العشر. وعلى ذلك يعطي السلطان البلاد لعماله يأخذون منها لأنفسهم نصف العشر.
وركبت يوماً مع علاء الملك فانتهينا إلى بسيط من الأرض على مسافة سبعة أميال منها يعرف بتارنا، فرأيت هنالك ما لا يحصره العد من الحجارة على مثل صور الآدميين والبهائم وقد تغير كثير منها ودثرت أشكاله فيبقى منه صورة رأس أو رجل أو سواهما. ومن الحجارة أيضاً على صورة الحبوب من البر والحمص والفول والعدسـ وهنالك آثار سور وجدران دور، ثم رأينا رسم دار فيها بيت من حجارة منحوتة وفي وسطه دكانة حجارة منحوتة كأنها حجر واحد عليها صورة آدمي إلا أن رأسه طويل وفمه في جانب من وجهه ويداه خلف ظهره كالمكتوف وهنالك مياه شديدة النتن وكتابة على بعض الجدران بالهندي وأخبرني علاء الملك أن أهل التاريخ يزعمون أن هذا الموضع كانت فيه مدينة أكثر أهلها الفساد فمسخوا حجارة وأن ملكهم هو الذي على الدكانة في الدار التي ذكرناه وهي الآن تسمى دار الملك وإن الكتابة التي على بعض الحيطان هنالك بالهندي هي تاريخ هلاك أهل تلك المدينة وكان ذلك منذ ألف سنة أو نحوها وأقمت بهذه المدينة مع علاء الملك خمسة أيام ثم أحسن في الزاد، وانصرفت عنه إلى مدينة بَكَار "بفتح الباء الموحدة" وهي مدينة حسنة يشقها خليج من نهر السند وفي وسط ذلك الخليج زاوية حسنة فيها الطعام للوارد والصادر عمّرها كشلوخان أيام ولايته على بلاد السند وسيقع ذكره. ولقيت بهذه المدينة الفقيه الإمام صدر الدين الحنفي، ولقيت بها قاضيها المسمى بأبي حنيفة، ولقيت بها الشيخ العابد الزاهد شمس الدين محمد الشيرازي وهو من المعمرين ذكر لي أن سنه يزيد على مائة وعشرين عاماً. ثم سافرت من مدينة بكَار فوصلت إلى مدينة أُوجَه "وضبط اسمها بضم الهمزة وفتح الجيم" وهي مدينة كبيرة على نهر السند لها أسواق حسنة وعمارة جيدة. وكان الأمير بها إذ ذاك الملك الفاضل الشريف جلال الدين الكيجي أحد الشجعان الكرماء. وبهذه المدينة توفي بعد سقطة سقطها عن فرسه.
стр. 351
ونشأت بيني وبين هذا الملك الشريف جلال الدين مودة وتأكدت بيننا الصحبة والمحبة واجتمعنا بحضرة دهلي فلما سافر السلطان إلى دولة أباد كما سنذكره وأمرني بالإقامة بالحضرة قال لي جلال الدين: إنك تحتاج إلى نفقة كبيرة والسلطان تطول غيبته فخذ قريتي واستغلها حتى يعود ففعلت ذلك، واستغللت منها نحو خمسة آلاف دينار جزاه الله أحسن الجزاء.
ولقيت بمدينة أُوجَه الشيخ العابد الزاهد الشريف قطب الدين حيدر العلوي وألبسني الخرقة وهو من كبار الصالحين ولم يزل الثوب الذي ألبسنيه معي إلى أن سلبني كفار الهنود في البحر. ثم سافرت من أوجه إلى مدينة مُلتان "وضبط اسمها بضم الميم وتاء معلوة" وهي قاعدة بلاد السند ومسكن أمير أمرائه. وفي الطريق إليها على مسافة عشرة أميال الوادي المعروف بخسرو أباد من الأودية الكبار لا يجاز إلا بالمراكب. وبه يبحث عن أمتعة المجتازين أشد البحث وتفتش رحالهم. وكانت عادتهم حين وصولنا إليها أن يأخذوا الربع من كل ما يجلبه التجار ويأخذوا على كل فرس سبعة دنانير مغرماً.
ثم بعد وصولنا للهند بسنتين رفع السلطان تلك المغارم وأمر أن لا يؤخد من الناس إلا الزكاة والعشر، لما بايع الخليفة أبي العباس العباسي. ولما أخذنا في إجازة هذا الوادي وفتشت الرحال عظم علي تفتيش رحلي لأنه لم يكن فيه طائل وكان يظهر في أعين الناس كبيراً فكنت أكره أن يطّلع عليه، ومن لطف الله تعالى أن وصل أحد كبار الأجناد من جهة قطب الملك صاحب ملتان، فأمر أن لا يعرض لي ببحث ولا تفتيش فكان كذلك فحمدت الله على ما هيأه لي من لطائفه. وبِتنا تلك الليلة على شاطئ الوادي وقدم علينا في صبيحتها ملك البريد واسمه دهقان وهو سمرقندي الأصل وهو الذي يكتب للسلطان بأخبار تلك المدينة وعمالتها وما يحدث بها ومن يصل إليها فتعرفت به ودخلت بصحبته إلى أمير ملتان.
وهُو قطب الملك من كبار الأمراء وفضلائهم، لما دخلت قام إلي وصافحني وأجلسني إلى جانبه وأهديت له مملوكاً وفرساً وشيئاً من الزبيب واللوز وهو من أعظم ما يهدى إليهم لأنه ليس ببلادهم وإنما يجلب من
стр. 352
خراسان وكان جلوس هذا الأمير على دكانة كبيرة عليها البسط وعلى مقربة منه القاضي ويسمى سالارو، والخطيب ولا أذكر اسمه، وعن يمينه ويساره أمراء الأجناد، وأهل السلاح وقوف على رأسه والعساكر تعرض بين يديه وهناك قسي كثيرة فإذا أتى من يريد أن يثبت في العسكر رامياً أعطي قوساً من تلك القسي ينزع١ فيها وهي متفاوتة في الشدة فعلى قدر نزعه يكون مرتبه ومن أراد أن يثبت فارساً فهناك طبلة منصوبة فيجري فرسه ويرميها برمحه وهناك أيضا خاتم معلق من حائط صغير فيجري فرسه حتى يحاذيه فإن رفعه برمحه فهو الجيد عندهم ومن أراد أن يثبت رامياً فارساً فهنالك كرة موضوعة على الأرض فيجري فرسه ويرميها وعلى قدر ما يظهر الإنسان في ذلك من الإصابة يكون مرتبه. ولما دخلنا على هذا الأمير وسلمنا عليه كما ذكرناه أمر بإنزالنا في دار خارج المدينة، هي لأصحاب الشيخ العابد ركن الدين الذي تقدم ذكره وعادتهم ألا يضيفوا أحداً حتى يأمر السلطان.
وممن اجتمعت به في هذه المدينة من الغرباء الوافدين على حضرة ملك الهند خداوند زاده قوام الدين قاضي ترمذ قدم بأهله وولده ثم ورد عليه بها إخوته عماد الدين وضياء الدين وبرهان الدين، ومنهم مبارك شاه أحد كبار سمرقند، ومنهم أرن بغا أحد كبار بخاري، ومنهم ملك زاده ابن أخت خداوند ومنهم بدر الدين الفصال وكل واحد من هؤلاء معه أصحابه وخدامه وأتباعه. ولما مضى من وصولنا إلى ملتان شهران وصل أحد حجاب السلطان وهو شمس الدين البوشنجي والملك محمد الهروي الكتوال بعثهما السلطان لاستقبال خداوند زاده وقدم معهم ثلاثة من الفتيان بعثتهم المخدومة جهان أم السلطان لاستقبال زوجة خداوند زاده المذكور وأتوا بالخلع لهما ولأولادهما ولتجهيز من قدم من الوفود وأتوا جميعاً إلي وسألوني لماذا قدمت فأخبرتهم أني قدمت للإقامة في خدمة خوند عالم وهو السلطان وبهذا يدعى في بلاده، وكان أمر أن لا يترك أحد ممن يأتي من خراسان يدخل بلاد الهند إلا أن كان يرسم الإقامة فلما أعلمتهم أني قدمت للإقامة استدعوا القاضي والعدول وكتبوا عقداً علي وعلى من أراد الإقامة من أصحابي وأبى بعضهم من ذلك.
стр. 353
وتجهزنا للسفر إلى الحضرة.
وبين ملتان وبينهما مسيرة أربعين يوماً في عمارة متصلة. وأخرج الحاجب وصاحبه الذي بعث معه ما يحتاج إليه في ضيافة قوام الدين واستصحبوا من ملتان نحو عشرين طباخاً وكان الحاجب يتقدم ليلاً إلى كل منزل فيجهز الطعام وسواه فما يصل خداوند زاده حتى يكون الطعام متيسراً وينزل كل واحد ممن ذكرناهم من الوفود على حدة بمضاربه وأصحابه وربما حضروا الطعام الذي يصنع لخداوند زاده ولم أحضره أنا إلا مرة واحدة وترتيب ذلك الطعام أنهم يجعلون الخبز وخبزهم الرقاق وهو شبه الجراديق ويقطعون اللحم المشوي قطعاً كبيرة بحيث تكون الشاة أربع قطع أو ستّاً ويجعلون أمام كل رجل قطعة ويجعلون أقراصاً مصنوعة بالسمن تشبه الخبز المشترك ببلادنا ويجعلون في وسطها الحلواء الصابونية ويغطون كل قرص منها برغيف حلواء يسمونه الخشتى ومعناه الأجري مصنوع من الدقيق والسكر والسمن ثم يجعلون اللحم المطبوخ بالسمن والبصل والزنجبيل الأخضر في صحاف صينية ثم يجعلون شيئاً يسمونه سموسك وهو لحم مهروس مطبوخ باللوز والجوز والفستق والبصل والأبازير موضوع في جوف رقاقة مقلوة بالسمن، يضعون أمام كل إنسان خمس قطع من ذلك أو أربعة ثم يجعلون الأرز المطبوخ بالسمن وعليه الدجاج ثم يجعلون لقيمات القاضي ويسمونها الهاشمي ثم يجعلون القاهرية. ويقف الحاجب على السماط قبل الأكل ويخدم إلى الجهة التي فيها السلطان ويخدم جميع من حضر لخدمته والخدمة عندهم حط الرأس نحو الركوع فإذا فعلوا ذلك جلسوا للأكل ويؤتى بأقداح الذهب والفضة والزجاج مملوءة بماء النبات وهو الجلاب محلولاً في الماء ويسمون ذلك الشربة ويشربونه قبل الطعام، ثم يقول الحاجب بسم الله فعند ذلك يشرعون في الأكل فإذا أكلوا أتوا بأكواز الفقاع فإذا شربوه أتو بالتنبول والفوفل وقد تقدم ذكرهما. فإذا أخذوا التنبول والفوفل، قال الحاجب. بسم الله فيقومون ويخدمون مثل خدمتهم أولاً، وينصرفون.
ثم سافرنا من مدينة ملتان، وهم يجرون هذا الترتيب على حسب ما سطرناه، إلى أن وصلنا إلى بلاد الهند وكان أول بلد دخلناه مدينة أبو هَر "بفتح الهاء" وهي أول تلك البلاد الهندية صغيرة حسنة كثيرة العمارة ذات أنهار وأشجار. وليس
стр. 354
هنالك من أشجار بلادنا شيء ما عدا النبق، لكنه عندهم عظيم الجرم تكون الحبة منه بمقدار حبة العفص شديد الحلاوة. ولهم أشجار كثيرة ليس يوجد منها شيء ببلادنا ولا بسواها.
стр. 355
أشجار بلاد الهند وفواكهها:
منها العَنْبَة "بفتح العين وسكون النون وفتح الباء الموحدة" وهي شجرة تشبه أشجار النارنج إلا أنها أعظم أجراماً١ وأكثر أوراقاً وظلها أكثر الظلال غير أنه ثقيل فمن نام تحته وعك وثمرها على قدر الإجاص الكبير فإذا كان أخضر قبل تمام نضجه أخذوا ما سقط منه وجعلوا عليه الملح٢ وصيروه كما يصير الليم والليمون ببلادنا وكذلك يصيرون أيضا الزنجبيل الأخضر وعناقيد الفلفل ويأكلون ذلك مع الطعام يأخذون بأثر كل لقمة يسيراً من هذه المملوحات فإذا نضجت العنبة في أوان الخريف اصفرت حباتها فأكلوها كالتفاح فبعضهم يقطعها بالسكين وبعضهم يمصها مصا وهي حلوة يمازج حلاوتها يسير حموضة ولها نواة كبيرة يزرعونها فتنبت منها الأشجار كما تزرع نوى النارنج وغيرها. ومنها الشَّكي والبَرْكي "بفتح الشين المعجم وكسر الكاف، وفتح الباء الموحدة وكسر الكاف" وهي أشجار عادية أوراقها كأوراق الجوز وثمرها يخرج من أصل الشجر فما اتصل منه بالأرض فهو البركي وحلاوته أشد وطعمه أطيب وما كان فوق ذلك فهو الشكي وثمره يشبه القرع الكبار وجلوده تشبه جلود البقر فإذا اصفر في أوان الخريف قطعوه وشقوه فيكون في داخل كل حبة المائة والمائتان فما بين ذلك من حبات تشبه الخيار بين كل حبة وحبة صفاق أصفر اللون وبكل حبة نواة تشبه الفول الكبير وإذا شويت تلك النواة أو طبخت يكون طعمها كطعم الفول إذ ليس يوجد هنالك ويدخرون هذه النوى في التراب الأحمر فتبقى إلى سنة أخرى وهذا الشكي والبركي هو خير فاكهة ببلاد الهند. والتَنْدو "بفتح التاء المثناة وسكون النون وضم الدال" وهو ثمر شجر الأبنوس، وحباته في قدر حبات المشمش، ولونها،