كانت مما استصحبناه معنا في المركب ورائحة البحر قد غلبت على كل ما كان فيه.
وهذا الموضع الذي نزلنا به هو من الصحراء المعروفة بدشت قفجق "والدشت بالشين المعجم والتاء المثناة" بلسان الترك هو الصحرا. وهذه الصحراء واسعة قاحلة لا شجر بها ولا جبل ولا تل ولا أبنية ولا حطب وإنما يوقدون الأرواث ويسمونها التزك فترى كبرائهم يلقطونها ويجعلونها في أطراف ثيابهم ولا يسافر في هذه الصحراء إلا في العجل وهي مسيرة ستة أشهر ثلاثة منها في بلاد السلطان محمد أوزبك وثلاثة في بلاد غيره.
لما كان الغد من وصولنا إلى هذا المرسى توجه بعض التجار من أصحابنا إلى من بهذه الصحراء من الطائفة المعروفة بقفجق وهم على دين النصرانية فاكترى منهم عجلة يجرها الفرس فركبناها ووصلنا إلى مدينة الكَفَا "واسمها بكاف وفاء مفتوحين"، وهي مدينة عظيمة مستطيلة على ضفة البحر يسكنها النصارى وأكثرهم الجنويون ولهم أمير يعرف بالدندير ونزلنا منها بمسجد المسلمين.
ولما نزلنا بهذا الجامع أقمنا منها ساعة ثم سمعنا أصوات النواقيس من كل ناحية ولم أكن سمعتها قط فهالني ذلك وأمرت أصحابي أن يصعدوا الصومعة ويقرأوا القرآن ويذكروا الله ويؤذنوا ففعلوا ذلك فإذا برجل قد دخل علينا وعليه الدرع والسلاح فسلّم علينا واستفهمناه عن شأنه فأخبرنا أنه قاضي المسلمين هنالك وقال: لما سمعت القراءة والأذان خفت عليكم فجئت كما ترون ثم انصرف عنا وما رأينا إلا خيراً. ولما كان الغد جاء إلينا الأمير وصنع طعاماً فأكلناه عنده وطفنا بالمدينة فرأيناها حسنة الأسواق وكلهم كفار ونزلنا إلى مرساها فرأينا مرسى عجيباً به نحو مائتي مركب ما بين حربي وسفري صغيراً وكبيراً وهو من مراسي الدنيا الشهيرة، ثم اكترينا عجلة وسافرنا إلى مدينة القِرَم وهي "بكسر القاف وفتتح الراء" مدينة كبيرة حسنة من بلاد السلطان المعظم محمد أوزبك خان، وعليها أمير من قبله اسمه "تُلُكْتمُورُ "وضبط اسمه بتاء مثناة مضمومة ولام مضمومة وكاف مسكن وتاء كالأولى مضمومة وميم مضمومة وواو وراء"، وكان أحد خدام هذا الأمير قد صحبنا في طريقنا فعرفه بقدومنا فبعث إليّ مع إمامه سعد الدين بفرس ونزلنا بزاوية شيخها زاده الخرساني فأكرمنا هذا الشيخ ورحب بنا وأحسن إلينا وهو معظم عندهم. ورأيت الناس يأتون للسلام عليه
стр. 282
من قاض وخطيب وفقيه وسواهم. وأخبرني هذاالشيخ زاده أن بخارخ هذه المدينة راهباً من النصارى في دير يتعبد ويكثر الصوم وأنه انتهى إلى أن يواصل أربعين يوماً ثم يفطر على حبة فول وأنه يكاشف بالأمور ورغب أن أصحبه في التوجه إليه فأبيت ثم ندمت بعد ذلك على أن لم أكن رأيته وعرفت حقيقة أمره. ولقيت بهذه المدينة قاضيها الأعظم شمس الدين السائل١ قاضي الحنفية ولقيت بها قاضي الشافعية وهو يسمى بخضر والفقيه المدرس علاء الدين الأصي وخطيب الشافعية أبا بكر وهو الذي يخطب بالمسجد الجامع الذي عمره الملك الناصر ﵀ بهذه المدينة والشيخ الحكيم الصالح مظفر الدين وكان من الروم فأسلم وحسن إسلامه والشيخ الصالح العابد مظهر الدين وهو من الفقهاء المعظمين. وكان الأمير تلكتمور مريضاً فدخلنا عليه فأكرمنا وأحسن إلينا. وكان على التوجه إلى مدينة السرا حضرة السلطان محمد أوزبك فعملت في السير في صحبته واشتريت العجلات برسم ذلك.
وكانوا يسمون العجلة عربة "بعين مهملة وراء موحدة مفتوحات" وهي عجلات تكون للواحدة منهن أربع بكرات كبار ومنها ما يجره فرسان ومنها مايجره أكثر من ذلك وتجرها أيضاً البقر والجمال على حال العربة في ثقلها أوخفتها والذي يخدم العربة يركب إحدى الأفراس التي تجرها ويكون عليه سرج وفي يده سوط يحركها للمشي وعود كبير يصوبها إذاعاجت عن القصد ويجعل على العربة شبه قبة من قضبان خشب مربوط بعضها إلى بعض بسيور جلد رقيق وهي خفيفة الحمل وتكسى باللبد أو بالملف ويكون فيها طيقان مشبكة ويرى الذي بداخلها الناس ولا يرونه ويتقلب فيها كما يحب وينام ويأكل يقرأ ويكتب وهو في حال سيره والتي تحمل والأثقال والأزواد وخزائن الأطعمة من هذه العربات يكون عليها شبه البيت كما ذكرنا وعليها قفل. وجهزت لما أردت عربة لركوبي مغشاة باللبد ومعي بها جارية وعربة صغيرة لرفيقي عفيف الدين التوزري وعجلة كبيرة لسائر الأصحاب يجرها ثلاثة من الجمال أحدهما خادم العربة وسرنا في صحبة الأمير تلكتمور وأخيه عيسى وولده قطلود مور وصارر بك، وسار أيضا معه في هذه
стр. 283
الوجهة إمامه سعد الدين والخطيب أبو بكر والقاضي شمس الدين والفقيه شرف الدين موسى، والمعرف علاء الدين. وخطة هذا المعرف أن يكون بين يدي الأمير في مجلسه. فإذا أتى القاضي يقف له هذا المعرف ويقول بصوت عال. بسم الله سيدنا ومولانا قاضي القضاة والحكام مبين الفتاوي والأحكام بسم الله. وإذا أتى فقيه معظم أو رجل مشار إليه قال بسم الله سيدنا ومولانا فلان الدين بسم الله. فتهيأ من كان حاضراً لدخول الداخل ويقوم إليه ويفسح له في المجلس وعادة الأتراك أن يسيروا في هذه الصحراء سيراً كسير الحجاج في درب الحجاز ويرحلون بعد صلاة الصبح وينزلون ضحى ويرحلون بعد صلاة الظهر وينزلون عشياً وإذا حلُّوا الخيل والإبل والبقر عن العربات سرّحوها للرعي ليلاً ونهاراً. ولا يعلف أحد دابة السلطان ولا غيره وخاصية هذه الصحراء أن نباتها يقوم مقام الشعير للدواب وليس لغيرها من البلاد هذه الخاصية ولذلك كثرت الدواب بها ودوابهم لا رعاة لها ولا حراس وذلك لشدة أحكامهم في السرقة وحكمهم فيها أنه من وجد عنده فرس مسروق كلف أن يرده إلى صاحبه ويعطيه معه تسعة مثله فإن لم يقدر على ذلك أخذ أولاده في ذلك فإن لم يكن له أولاد ذبح كما تذبح الشاة.
وهؤلاء الأتراك لا يأكلون الخبز ولا الطعام الغليظ وإنما يصنعون طعاما من شيء شبه الآتلي يسمونه الدوقي "بدال مهمل مضموم وواو وقاف مكسور معقود" يجعلون على النار الماء فإذا غلي صبوا عليه شيئا من الدوقي وإن كان عندهم لحم قطعوه قطعاً صغارا وطبخوه ثم يجعل لكل رجل نصيبه في صحفة ويصبون عليه اللبن الرائب ويشربونه ويشربون عليه لبن الخل وهم يسمونه القِمِزّ "بكسر القاف والميم والزاي المشددة" وهم أهل قوة وشدة وحسن مزاج يستعملون في بعض الأوقات طعاماً يسمونه البورخاني، وهو عجين يقطعونه قطيعات صغارا ويثقبون أوساطها ويجعلونها في قدرة فإذا طبخت صبوا عليها اللبن الرائب وشربوها ولهم نبيذ يصنعونه من حب الدُوقِي الذي تقدم ذكره وهم يرون أكل الحلواء عيباً.
ولقد حضرت يوما عند السلطان أوزبك في رمضان، فأحضرت لحوم الخيل وهي أكثر ما يأكلون من اللحم ولحوم الأغنام والرشتا وهو شبه الأطرية يطبخ ويشرب باللبن وأتيته تلك الليلة بطبق حلواء صنعها بعض أصحابي
стр. 284
فقدمتها بين يديه، فجعل إصبعه عليها وجعله على فيه ولم يزد على ذلك وأخبرني الأمير تلكتمور أن أحد الكبار من مماليك هذا السلطان وله من أولاده وأولاد أولاده نحو أربعين ولداً قال له السلطان يوماً كل الحلواء وأعتقكم جميعاً فأبى وقال لو قتلتني ما أكلتها. ولما خرجنا من مدينة القرم نزلنا بزاوية الأمير تلكتمور في موضع يعرف بسجاف. فبعث إلي أن أحضره عنده. فركبت إليه وكان لي فرس معد لركوبي يقوده خديم العربة فإذا أردت ركوبه ركبته وأتيت الزاوية فوجدت الأمير قد وضع بها طعاماً كثيراً فيه الخبز ثم أتوا بماء أبيض في صحاف صغار فشرب القوم منه وكان الشيخ مظفر الدين يلي الأمير في مجلسه وأنا أليه فقلت له ما هذا فقال هذا ماء الدهن فلم أفهم ما قال فذقته فوجدت له حموضة فتركته فلما خرجت سألت عنه فقال هو نبيذ يصنعونه من الدوقي وهم حنفية المذهب والنبيذ عندهم حلال ويسمون هذا النبيذ المصنوع من الدوقي البُوزة "بضم الباء الموحدة وواو مد وزاي مفتوح" وإنما قال الشيخ مظفر الدين ماء الدخن ولسانه فيه اللكنة الأعجمية فظننت أنه يقول ماء الدهن.
وبعد مسيرة ثمانية عشر منزلاً من مدينة القرم، وصلنا إلى ماء كثير نخوضه يوماً كاملاً وإذا كثر خوض الدواب والعربات في هذا الماء اشتد وحله وزاد صعوبة. فذهب الأمير إلى راحلتي وقدمني أمامه مع بعض خدامه وكتب لي كتاباً إلى أمير أزاق يعلمه أني أريد القدوم على الملك ويحضه على إكرامي. وسرنا حتى انتهينا إلى ماء أخر نخوضه نصف يوم.
ثم سرنا بعده ثلاثاً ووصلنا إلى مدينة أَزَاق "وضبط اسمها بفتح الهمزة والزاي وآخره قاف"، وهي على ساحل البحر حسنة العمارة، يقصدها الجنويون وغيرهم بالتجارات. وبها من الفتيان أخي بجقجي وهو من العظماء يطعم الوارد والصادر ولما وصل كتاب الأمير تلكتمور إلى أزاق وهو محمد خواجة الخوارزمي خرج إلى استقبالي ومعه القاضي والطلبة وأخرج الطعام فلما سلمنا عليه نزل بموضع أكلنا فيه ووصلنا المدينة ونزلنا بخارجها بمقربة من رابطة هنالك تنسب للخضر وإلياس ﵉. وخرج شيخ من أهل أَزَاق يسمى برجب النهر ملكي نسبة إلى قرية بالعراق فأضافنا بزاوية له ضيافة حسنة. وبعد يومين من قدومنا قدم الأمير تلكتمور، وخرج الأمير محمد
стр. 285
للقائه، ومعه القاضي والطلبة وأعدوا له الضيافة وضربوا ثلاث قباب متصلا بعضها ببعض إحداها من الحرير عجيبة والثنتان من الكتان وأداروا عليها سراجة وهي المسماة عندنا أفراج وخارجها الدهليز وهو على هيئة البرج عندنا. ولما نزل الأمير بسطت بين يديه شقاق الحرير يمشي عليها فكان من مكارمه وفضله أن قدمني أمامه ليرى ذلك الأمير منزلتي عنده، ثم وصلنا إلى الخباء الأولى وهي المعدة لجلوسه وفي صدرها كرسي من الخشب لجلوسه كبير مرصع وعليه مرتبة حسنة فقدمني الأمير أمامه وقدم الشيخ مظفر الدين وصعد هو فجلس فيما بيننا ونحن جميعا على المرتبة وجلس قاضيه وخطيبه وقاضي هذه المدينة وطلبتها عن يسار الكرسي على فرش فاخرة ووقف ولدا الأمير تلكتمور وأخوه الأمير محمد وأولاده في الخدمة ثم أتوا بالأطعمة من لحوم الخيل وسواها وأتوا بألبان الخيل ثم أتوا بالبوزة وبعد الفراغ من الطعام قرأ القراء بالأصوات الحسان ثم نصب منبر وصعده الواعظ وجلس القراء بين يديه وخطب خطبة بليغة ودعا للسلطان وللأمير وللحاضرين يقول ذلك بالعربي ثم يفسره لهم بالتركي وفي أثناء ذلك يكرر القراء آيات من القرآن بترجيع عجيبٍ ثم أخذوا في الغناء يغنون بالعربي ويسمونه القول ثم بالفارسي يسمونه الملمع، ثم أتوا بطعام آخر، ولم يزالوا على ذلك إلى العشي وكلما أردت الخروج منعني الأمير ثم جاءوا بكسوة للأمير وكساوي لولديه وأخيه والشيخ مظفر الدين ولي وأتوا بعشرة أفراس للأمير ولأخيه ولولديه بستة أفراس ولكل كبير من أصحابه بفرس ولي بفرس. والخيل بهذه البلاد كثيرة جدا وثمنها نزر قيمة الجيد منها خمسون درهماً أو ستون من دراهمهم وذلك صرف دينار من دنانيرنا أو نحوه، وهذه الخيل هي التي تعرف بمصر بالأكاديش ومنها معاشهم وهي ببلادهم كالغنم ببلادنا بل أكثر فيكون للتركي منهم آلاف منها.
ومن عادة الترك المستوطنين تلك البلاد أصحاب الخيل أنهم يضعون في العربات التي تركب فيها نساؤهم قطعة لبد في طول الشبر مربوطة إلى عود رقيق في طول الذراع في ركن العربة ويجعل لكل ألف فرس قطعة. ورأيت منهم من يكون له عشر قطع ومن له دون ذلك وتحمل هذه الخيل إلى بلاد الهند فيكون في الرفقة منها ستة آلاف وما فوقها وما دونها، لكل تاجر المائة
стр. 286
والمائتان فما دون ذلك وما فوقه، ويستأجر التاجر لكل خمسين منها راعياً يقوم عليها ويرعاها كالغنم ويسمى عندهم القشي، ويركب أحدها وبيده عصا طويلة فيها حبل فإذا أراد أن يقبض على فرس منها حاذاه بالفرس الذي هو راكبه ورمى الحبل في عنقه وجذبه فيركبه ويترك الآخر للرعي وإذا وصلوا بها إلى أرض السند أطعموها العلف لأن نبات أرض السند لا يقوم مقام الشعير، ويموت لهم منها الكثير ويسرق، ويغرمون عليها بأرض السند سبعة دنانير فضة على الفرس بموضع يقال له ششنقار ويغرمون عليها بملتان قاعدة بلاد السند وكانوا فيما تقدم يغرمون ربع ما يجلبونه فرفع ملك الهند إلى السلطان محمد ذلك وأمر أن يؤخذ من تجار المسلمين الزكاة ومن تجار الكفار العشر ومع ذلك يبقى للتجار فيها فضل كبير لأنهم يبيعون الرخيص منها ببلاد الهند بمائة دينار دراهم وصرفها من الذهب المغربي خمسة وعشرون دينارا وربما باعوها بضعف ذلك وضعفيه والجياد منها تساوي خمسمائة دينار وأكثر من ذلك، وأهل الهند لا يبتاعونها للجري والسبق لأنهم يلبسون في الحرب الدروع ويدرعون الخيل وإنما يبتغون قوة الخيل واتساع خطاها والخيل التي يبتغونها للسبق تجلب إليهم من اليمن وعمان وفارس ويباع الفرس منها بألف دينار إلى أربعة آلاف. ولما سافر الأمير تلكتمور عن هذه المدينة أقمت ثلاثة أيام حتى جهز لي الأمير محمد خواجة آلات سفري.
وسافرت إلى مدينة الماجَر وهي "بفتح الميم وألف وجيم مفتوح معقود وراء" مدينة كبرى من أحسن مدن الترك، على نهر كبير، وبها البساتين والفواكه الكثيرة نزلنا منها بزاوية الشيخ الصالح العابد المعمر محمد البطائحي من بطائح العراق، وكان خليفة الشيخ أحمد الرفاعي ﵁، وفي زاويته نحو سبعين من فقراء العرب والفرس والترك والروم، ومنهم المتزوج والعزب، وعيشتهم من الفتوح. ولأهل تلك البلاد اعتقاد حسن في الفقراء، وفي كل ليلة يأتون إلى الزاوية بالخيل والبقر والغنم، ويأتي السطان والخواتين لزيارة الشيخ والتبرك به ويجزلون الإحسان ويعطون العطاء الكثير وخصوصاً النساء فإنهن يكثرن الصدقة ويتحرين أفعال الخير. وصلينا بمدينة الماجر صلاة الجمعة فلما قضيت الصلاة صعد الواعظ عز الدين المنبر وهو من فقهاء بخارى وفضلائها وله جماعة من الطلبة والقراء يقرءون بين يديه، ووعظ وذكر، وأمير المدينة حاضر
стр. 287
وكبراؤها فقام الشيخ محمد البطائحي فقال أن الفقيه يريد السفر ونريد له زوادة ثم خلع فرجية مرعز كانت عليه وقال: هذه مني إليه فكان الحاضرون بين من خلع ثوبه ومن أعطى فرساً ومن أعطى دراهم واجتمع له كثير من ذلك كله ورأيت بقيسارية هذه المدينة يهودياً سلّم علي وكلمني بالعربي فسألته عن بلاده فذكر أنه من بلاد الأندلس وإنه قدم منها في البر ولم يسلك بحراً وأتى على طريق القسطنطينية العظمى وبلاد الروم وبلاد الجرجس وذكر أن عهده بالأندلس منذ أربعة أشهر وأخبرني التجار المسافرون الذين لهم المعرفة بذلك بصحة ما قاله ورأيت بهذه البلاد عجباً من تعظيم النساء عندهم وهن أعلى شأنا من الرجال فأما نساء الأمراء فكانت أول رؤيتي لهن عند خروجي من القرم رويق الخاتون زوجة الأمير سلطية في عربة لها وكلها مجللة بالملف الأزرق الطيب وطيقان البيت مفتوحة وأبوابه وبين يديها أربع جوارٍ فاتنات الحسن بديعات اللباس وخلفها جملة من العربات فيها جوار يتبعنها ولما قربت من منزل الأمير نزلت عن العربة إلى الأرض ونزل معها نحو ثلاثين من الجواري يرفعن الأذيال عن الأرض من كل جانب، ومشت كذلك متبخترة فلما وصلت إلى الأمير قام إليها وسلم عليها وأجلسها إلى جانبه ودار بها جواريها وجاءوا بروايا القمز فصبت منه في قدح وجلست على ركبتيها قدام الأمير وناولته القدح فشرب ثم سقت أخاه وسقاها الأمير وحضر الطعام فأكلت معه وأعطاني كسوة وانصرفت، وعلى هذا الترتيب نساء الأمراء، وسنذكر نساء الملك فيما بعد. وأما نساء الباعة والسوقة فرأيتهن وإحداهن تكون في العربة والخيل تجرها وبين يديها الثلاث والأربع من الجواري يرفعن أذيالها وعلى رأسها البغطاق وهو أقروف مرصع بالجوهر، وفي أعلاه ريش وتكون طيقان البيت مفتحة وهي بادية الوجه لأن نساء الأتراك لا يحتجبن وتأتي إحداهن على هذا الترتيب ومعها عبيدها بالغنم واللبن فتبيعه من الناس بالسلع العطرية وربما كان مع المرأة منهن زوجها فيظنه من يراها بعض خدامها ولا يكون عليه من الثياب إلا فروة من جلد الغنم وفي رأسه قلنسوة تناسب ذلك يسمونها الكلا. وتجهزنا من مدينة الماجَر نقصد معسكر السلطان وكان على أربعة أيام من الماجر بموضع يقال له بِشْ دَغْ ومعنى بش عندهم خمسة وهو "بكسر الباء وشين معجم" ومعنى دَغْ الجبل، وهو "بفتح الدال المهمل وغين معجم" وبهذه الجبال الخمسة عين ماء حار يغتسل منها الأتراك، ويزعمون أن من اغتسل منها لم تصبه عاهة مرض
стр. 288
وارتحلنا إلى موضع المحلة فوصلناه أول يوم من رمضان، فوجدنا المحلة قد خلت فعدنا إلى الموضع الذي رحلنا منه لأن المحلة تنزل بالقرب منه فضربت بيتي على تل هنالك وركزت العلم أمام البيت وجعلت الخيل والعربات وراء ذلك وأقبلت المحلة وهم يسمونها الأُرْد. فرأينا مدينة عظيمة تسير بأهلها فيها المساجد والأسواق ودخان الطبخ صاعد في الهواء وهم يطبخون في حال رحيلهم والعربات تجرها الخيل بهم فإذا بلغوا المنزل أنزلوا البيوت عن العربات وجعلوها على الأرض وهي خفيفة المحمل وكذلك يصنعون بالمساجد والحوانيت. واجتاز بنا خواتين السلطان كل واحدة بناسها على حدة ولما اجتازت الرابعة منهن وهي بنت الأمير عيسى بك وسنذكرها، رأت البيت بأعلى التل والعلم أمامه وهو علامة الوارد فبعثت الفتيان والجواري فسلموا عليّ وبلغوا سلامها إليّ وهي واقفة تنتظرهم فبعثت إليها بهدية مع بعض أصحابي ومع معرف الأمير تلكتمور فقبلتها تبركاً وأمرت أن أنزل في جوارها وانصرفت وأقبل السطان فنزل في محلته على حدة.
стр. 289
خبر السلطان المعظم محمد أوزْبك خان:
واسمه محمد أوزبك "بضم الهمزة وواو وزاي مسكن وباء موحدة مفتوحة" ومعنى خان عندهم السلطان وهذا السلطان عظيم المملكة شديد القوة كبير الشأن رفيع المكان قاهر لأعداء الله أهل قسطنطينية العظمى مجتهد في جهادهم وبلاده متسعة ومدنهم عظيمة منها الكفار والقرم والماجر وأزاق وسرادق "سوادق" وخوارزم وحضرته السرا وهو أحد الملوك السبعة الذين هم كبراء الدنيا وعظماؤها، وهم مولانا أمير المؤمنين ظل الله في أرضه إمام الطائفة المنصورة الذين لا يزالون ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة أيد الله أمره وأعز نصره١، وسلطان مصر والشام، وسلطان العراق، والسلطان أوزبك هذا، وسلطان بلاد تركسان وما وراء النهر، وسلطان الهند، وسلطان الصين، ويكون هذا السلطان إذا سافر في محلة على حدة معه مماليكه وأرباب دولته وتكون كل خاتون من خواتينه على حدة في محلتها وإذا أراد أن يكون عنده واحدة
стр. 290
منهنّ بعث إليها يعلمها بذلك فتتهيأ له. وله في محل قعوده وسفره وأموره ترتيب عجيب بديع. ومن عادته أن يجلس يوم الجمعة بعد الصلاة في قبة تسمى قبة الذهب مزينة بديعة وهي من قضبان خشب مكسوة بصفائح الذهب وسطها سرير من خشب مكسو بصفائح الفضة المذهبة وقوائمه فضة خالصة ورؤوسها مرصعة بالجواهر ويقعد السلطان على السرير وعن يمينه الخاتون طيطغلي، وتليها الخاتون كبك، وعلى يساره الخاتون بَيَلُون، وتليها الخاتون أُردجا، ويقف أسفل السرير على اليمين ولد السلطان تين بك، وعن الشمال ولده الثاني جان بك، وتجلس بين يديه ابنته أيت كجك، وإذا أتت إحداهن قام لها السلطان وأخذ بيدها حتى تصعد على السرير وأما طيطغلي وهي الملكة وأحظاهن عنده فإنه يستقبلها إلى باب القبة فيسلم عليها ويأخذ بيدها فإذا صعدت على السرير وجلست حينئذ يجلس السلطان وهذا كله على أعين الناس دون احتجاب.
ويأتي بعد ذلك كبار الأمراء فتنصب لهم كراسيهم عن اليمين والشمال وكل إنسان منهم إذا أتى مجلس السلطان يأتي معه غلام بكرسيه ويقف بين يدي السلطان أبناء الملوك من بني عمه وإخوته وأقاربه ويقف مقابلتهم عند باب القبة أولاد الأمراء الكبار ويقف خلفهم وجوه العساكر عن يمين وعن شمال ثم يدخل الناس للسلام الأمثل فالأمثل ثلاثة ثلاثة فيسلمون وينصرفون فيجلسون على بعد. فإذا كان بعد صلاة العصر انصرف الملكة من الخواتين ثم ينصرف سائرهن فيتبعها إلى محلتها فإذا دخلت إليها انصرفت كل واحدة إلى محلتها راكبة عربتها ومع كل واحدة نحو خمسين جارية راكبات على الخيل وأمام العربات نحو عشرين من قواعد النساء راكبات على الخيل فيما بين الفتيان والعربة وخلف الجميع نحو مائة مملوك من الصبيان وأمام الفتيان نحو مائة من المماليك الكبار ركباناً ومثلهم مشاة بأيديهم القضبان والسيوف مشدودة على أوساطهم وهم بين الفرسان والفتيان وهكذا ترتيب كل خاتون منهن في انصرافها ومجيئها. وكان نزولي من المحلة في جوار ولد السلطان جان بك الذي يقع ذكره فيما بعد، وفي الغد من يوم وصولي دخلت إلى السلطان بعد صلاة العصر، وقد جمع المشايخ والقضاة والفقهاء والشرفاء والفقراء وقد صنع طعاماً كثيراً، وأفطرنا بمحضره وتكلم السيد الشريف نقيب الشرفاء ابن عبد
стр. 291
الحميد والقاضي حمزة في شأني بالخير وأشاروا على السلطان بإكرامي، وهؤلاء الأتراك لا يعرفون إنزال الوارد ولا إجراء النفقة وإنما يبعثون له الغنم والخيل للذبح وروايا القِمِزّ وتلك كرامتهم. وبعد هذا بأيام صليت صلاة العصر مع السلطان فلما أردت الإنصراف أمرني بالقعود وجاءوا بالطعام والمشروبات كما يصنع من الدوقي ثم باللحوم المسلوقة من الغنم والخيل وفي تلك الليلة أتيت السلطان بطبق حلواء فجعل إصبعه عليه وجعله على فيه ولم يزد على ذلك.
стр. 292
أخبار الخواتين وترتيبهنّ:
وكل خاتون من الخواتين تركب في عربة للبيت، وفي البيت الذي تكون فيه قبة من الفضة المموهة بالذهب أو من الخشب المرصع وتكون الخيل التي تجر عربتها مجللة بأثواب الحرير المذهب وخديم العربة الذي يركب أحد الخيل فتى يدعى القشي، والخاتون قاعدة في عربتها وعن يمينها امرأة من القواعد تسمى أوُلُو خاتون "بضم الهمزة واللام" ومعنى ذلك الوزيرة وعن شمالها امرأة من القواعد أيضا تسمى كجك خاتون "بضم الكاف والجيم" ومعنى ذلك الحاجبة، وبين يديها ست من الجواري الصغار يقال لهن البنات فائقات الجمال متناهيات الكمال ومن ورائها ثنتان منهن تستند إليهن وعلى رأس الخاتون البغطاق وهو مثل التاج الصغير مكلل بالجوهر وبأعلاها ريش الطواويس وعليها ثياب حرير مرصعة بالجواهر شبه المنوت "الملوطة" التي يلبسها الروم وعلى رأس الوزيرة والحاجبة مقنعة حرير مزركشة الحواشي بالذهب والجوهر وعلى رأس كل واحدة من البنات الكلا وهو شبه الأقروف وفي أعلاها دائرة ذهب مرصعة بالجوهر وريش الطواويس من فوقها وعلى كل واحدة ثوب من الحرير مذهب يسمى النخ، ويكون بين يدي الخاتون عشرة أو خمسة عشر من الفتيان الروميين والهنديين وقد لبسوا ثياب الحرير المذهب المرصعة بالجواهر وبيد كل واحد منهم عمود ذهب أو فضة أو يكون من عود ملبس بهما وخلف عربة الخاتون نحو مائة عربة في كل عربة الثلاث والأربع من الجواري الكبار والصغار وثيابهن الحرير وعلى رؤوسهن الكلأ وخلف هذه العربات نحو ثلاثمائة عربة تجرها الجمال والبقر وتحمل خزائن الخاتون وأموالها وأثاثها وطعامها ومع كل عربة غلام موكل بها متزوج بجارية من الجواري التي ذكرناها فإن العادة عندهنّ أن لا يدخل بين الجواري من الغلمان إلا من كان له بينهن زوجة وكل خاتون فهي على هذا الترتيب ولنذكرهن على الإنفراد.
وكانت الخاتون الكبرى هي الملكة أم ولدي السلطان جاك بك وتين بك، وسنذكرهما وليست أم ابنته ايت كجك وأمها كانت الملكة قبل هذه وسم هذه الخاتون طَيْطُغْلي "بفتح الطاء المهملة الأولى وإسكان الياء آخر الحروف وضم الطاء الثانية وإسكان الغين المعجمة وكسر اللام وياء مد"، وهي أحظى نساء هذا
стр. 293
السلطان عنده، وعندها يبيت أكثر لياليه ويعظمها الناس بسبب تعظيمه لها، وإلا فهي أبخل الخواتين. وحدثني من أعتمده من العارفين بأخبار هذه الملكة أن السلطان يحبها للخاصية التي فيها وهي أنه يجدها كل ليلة كأنها بكر. وذكر لي غيره أنها من سلالة المرأة التي يذكر أن الملك زال عن سليمان ﵇ بسببها ولما عاد إليه ملكه أمر أن توضع بصحراء لا عمارة فيها فوضعت بصحراء قفجق. وان رحم هذه الخاتون شبه الحلقة خلقة وكذلك كل من هو من نسل المرأة المذكورة. ولم أر بصحراء قفجق ولا غيرها من أخبر أنه رأى امرأة على هذه الصورة ولا سمع بها إلا هذه الخاتون، اللهم إلا أن بعض أهل الصين أخبرني أن بالصين صنفاً من نسائها على هذه الصورة ولم يقع بيدي ذلك ولا عرفت له حقيقة. وفي غد اجتماعي بالسلطان دخلت إلى هذه الخاتون وهي قاعدة فيما بين عشر من النساء القواعد كأنهن خديمات لها وبين يديها نحو خمسون جارية صغاراً يسمون البنات وبين أيديهن طيافير الذهب والفضة مملوءة بحب الملوك١ وهن ينقينه وبين يدي الخاتون صينية ذهب مملوءة منه وهي تنقيه فسلمنا عليها. وكان في جملة أصحابي قاريء يقرأ القرآن على طبقة المصريين بطريقة حسنة وصوت طيب فقرأ ثم أمرت أن يؤتى بالقِمَزّ فأُتي به في أقداح خشب لطاف خفاف فأخذت القدح بيدها وناولتني إياه وتلك نهاية الكرامة عندهم ولم أكن شربت القمز قبلها ولكن لم يمكني إلى قبوله وذقته ولا خير فيه، ودفعته لأحد أصحابي وسألتني عن كثير من حال سفرنا، فأجبناها ثم انصرفنا عنها وكان ابتداؤنا بها لأجل عظمتها عند الملك.
أما الخاتون التي تلي الملكة فكان اسمها كبك خاتون "بفتح الكاف الأولى وكسر الباء الموحدة" ومعناها بالتركية النخالة، وهي بنت الأمير نَغَطَيْ "واسمه بنون وغين معجمة وطاء مهملة مفتوحات وياء مسكنة" وأبوها حي مبتلى بعلة النقرس، وقد رأيته في غد دخولنا على الملكة. دخلنا على هذه الخاتون فوجدناها على مرتبة تقرأ المصحف الكريم وبين يديها نحو عشر من النساء القواعد ونحو عشرين من البنات يطرزون ثياباً فسلمنا عليها وأحسنت في السلام والكلام وقرأ قارئنا فاستحسنته، وأمرت بالقمز فأحضر وناولتني القدح
стр. 294
بيدها كمثل ما فعلته الملكة وانصرفنا عنها.
وأما الخاتون الثالثة فكان اسمها بَيَلُون "بياء موحدة وآخر الحروف كلاهما مفتوح ولام مضموم وواو مد ونون" وهي بنت ملك القسطنطينية العظمى السلطان تكفور ودخلنا على هذه الخاتون وهي قاعدة على سرير مرصع، قوائمه فضة وبين يديها نحو مائة جارية روميات وتركيات ونوبيات، منهن قائمات وقاعدات والفتيان على رأسها والحجاب بين يديها من رجال الروم فسألت عن حالنا ومقدمنا وبُعد أوطاننا، وبكت ومسحت وجهها بمنديل كان بين يديها رقة منها وشفقة وأمرت بالطعام فأحضر وأكلنا بين يديها وهي تنظر إلينا. ولما أردنا الانصراف قالت: لا تنقطعوا علينا وترددوا إلينا وطالبونا بحوائجكم وأظهرت مكارم الأخلاق وبعثت في أثرنا بطعام وخبز كثير وسمن وغنم ودراهم وكسوة جيدة وثلاثة من جياد الخيل وعشرة من سائرها ومع هذه الخاتون كان سفري إلى القسطنطينية العظمى كما نذكره بعد.
وكانت الخاتون الرابعة "أُرْدُجا "بضم الهمزة وإسكان الراء وضم الدال المهمل وجيم وألف" وأرد بلسانهم المحلة وسميت بذلك لولادتها في المحلة، وهي بنت الأمير الكبير عيسى بك أمير الأُلُوس "بضم الهمزة واللام" ومعناها أمير الأمراء وأدركته حيّاً وهو متزوج ببنت السلطان إيت كجك وهذه الخاتون من أفضل الخواتين وألطفهن شمائل وأشفقهن وهي التي بعثت إلي لما رأيت بيتي على التل عند جواز المحلة كما قدمناه، ودخلنا عليها فرأينا من حسن خلقها وكرم نفسها ما لا مزيد عليه، وأمرت بالطعام فأكلنا بين يديها، ودعت بالقِمِزّ فشرب أصحابنا وسألت عن حالنا فأجبناها. ودخلت أيضا إلى أختها زوجة الأمير علي بن أزرق.
وكانت للسلطان المعظم أوزبك ابنة اسمها إيت كجُك وإيت "بكسر الهمزة وياء مد وتاء مثناة وكجك بضم الكاف وضم الجيم" ومعنى اسمها الكلب الصغير، فإن إيت هو الكلب، وكجُك هو الصغير، وقد قدمنا أن الترك يسمون بالفال كما تفعل العرب، وتوجهنا إلى هذه الخاتون بنت الملك وهي في محلة منفردة على نحو ستة أميال من محلة والدها فأمرت بإحضار الفقهاء والقضاة والسيد الشريف ابن عبد الحميد وجماعة الطلبة والمشايخ
стр. 295
والفقهاء١ وحضر زوجها الأمير عيسى الذي بنته زوجة السلطان فقعد معها على فراش واحد وهومعتل بالنقرس، فلا يستطيع التصرف على قدميه ولا ركوب الفرس وإنما يركب العربة وإذا أراد الدخول على السلطان أنزله خدامه وأدخلوه إلى المجلس محمولاً وعلى هذه الصورة رأيت أيضا الأمير نغطي، وهو أبو الخاتون الثانية وهذه العلة فاشية٢ في هؤلاء الأتراك ورأينا من هذه الخاتون بنت السلطان من المكارم وحسن الأخلاق ما لم نره من سواها وأجزلت الإحسان وأفضلت جزاها الله خيراً.
وكان للسلطان ولدان شقيقان، وأمهما جميعا الملكة طَيْطُغْلي التي قدمنا ذكرها، والأكبر منهما اسمه تِينَ بك "بتاء معلوة مكسورة وياء مد ونون مفتوح" وبك معناه الأمير، وتين معناه الجسد. فكأن اسمه أمير الجسد، واسم أخيه جان بك "بفتح الجيم وكسر النون"، ومعنى جَانِ الروح فكأنه يسمى أمير الروح. وكل واحد منهما له محلة على حدة وكان تين بك من أجمل خلق الله صورة. وعهد له أبوه بالملك وكانت له الخطوة والتشريف عنده. ولم يرد الله ذلك فإنه لما مات أبوه ولي يسيراً، ثم قتل لأمور قبيحة جرت له. وولي أخوه جانِ بك وهو خير منه وأفضل. وكان السيد الشريف ابن عبد الحميد هو الذي تولى تربية جَانِ بك وأشار عليّ هو والقاضي حمزة والإمام بدر الدين القوامي والإمام المقري حسام الدين البخاري وسواهم حين قدومي أن يكون نزولي بمحلة جانِ بك المذكور لفضله ففعلت ذلك.
стр. 296
ذكر سفري إلى مدينة بلغار:
وكنت سمعت بمدينة بلغار١ فأردت التوجه إليها لأرى ما ذكر عنها من انتهاء قصر الليل بها وقصر النهار أيضاً في عكس ذلك الفصل. وكان بينها وبين محلة السلطان مسيرة عشر. فطلبت منه أن يوصلني إليها فبعث معي من أوصلني
стр. 297
إليها وردني إليه. ووصلتها في رمضان، فلما صلينا المغرب أفطرنا. وأذن بالعشاء في أثناء إفطارنا فصلينا وصليناها التراويح والشفع والوتر. وطلع الفجر إثر ذلك وكذلك يقصر النهار بها في فصل قصره أيضاً. وأقمت بها ثلاثاً.
стр. 298
ذكر أرض الظلمة:
وكنت أردت الدخول إلى أرض الظلمة، والدخول إليها من بلغار وبينهما أربعون يوماً ثم أضربت عن ذلك لعظم المؤنة فيه وقلة الجدوى والسفر إليها لا يكون إلا في عجلات صغار تجرها كلاب كبار فإن تلك المفازة فيها الجليد، فلا يثبت قدم الآدمي ولا حافر الدابه فيها والكلاب لها الأظفار فتثبت أقدامها في الجليد ولا يدخلها إلا الأقوياء من التجار الذين يكون لأحدهم مائة عجلة أو نحوها موقرة بطعامه وشرابه وحطبه فإنها لا شجر فيها ولا حجر ولا مدر والدليل بتلك الأرض هو الكلب الذي قد سار فيها مراراً كثيرة وتنتهي قيمته إلى ألف دينار ونحوها. وتربط العربة إلى عنقه ويقرن معه ثلاثة من الكلاب ويكون هو المقدم تتبعه سائر الكلاب بالعربات فإذا وقف وقفت وهذا الكلب لا يضربه صاحبه ولا ينهره وإذا حضر الطعام أطعم الكلاب أولاً قبل بني آدم وإلا غضب الكلب وفر وترك صاحبه للتلف. فإذا كمُلت للمسافرين بهذه الفلاة أربعون مرحلة نزلُوا عند الظلمة وترك كل واحد منهم ما جاء به من المتاع هنالك وعادوا إلى منزلهم المعتاد فإذا كان من الغد عادوا لتفقد متاعهم فيجدون بإزائه من السمور والسنجاب والقاقم، فإن أرضى صاحب المتاع ما وجده إزاء متاعه أخذه وإن لم يرضه تركه، فيزيدونه وربما رفعوا متاعهم أعني أهل الظلمة وتركوا متاع التجار وهكذا بيعهم وشراؤهم. ولا يعلم الذين يتوجهون إلى هنالك من يبايعهم ويشاريهم أمن الجن هو أم الإنس ولا يرون أحداً. والقاقم هو أحسن أنواع الفراء، وتساوي الفروة منه ببلاد الهند ألف دينار، وصرفها من ذهبنا مائتان وخمسون وهي شديدة البياض من جلد حيوان صغير على طول الشبر وذنبه طويل يتركونه في الفروة على حاله، والسمور دون ذلك تساوي الفروة منه أربعمائة دينار فما دونها. ومن خاصية هذه الجلود أنه لا يدخلها القمل وأمراء الصين وكبارها يجعلون منه الجلد الواحد متصلاً بفرواتهم عند العنق وكذلك تجار فارس والعراقين،
стр. 299
وعدت من مدينة بلغار مع الأمير الذي بعثه السلطان في صحبتي، فوجدت محلة السلطان على الموضع المعروف ببش دغ وذلك في الثامن والعشرين من رمضان وحضرت معه صلاة العيد وصادف يوم العيد الجمعة.
ولما كان صباح العيد ركب السلطان في عساكره العظيمة وركبت كل خاتون عربتها ومعها عساكرها وركبت بنت السلطان والتاج على رأسها إذ هي الملكة على الحقيقة ورثت الملك من أمها وركب أولاد السلطان كل واحد في عسكره. وكان قد قدم لحضور العيد قاضي القضاة شهاب الدين السايلي ومعه جماعة من الفقهاء والمشايخ فركبوا وركب القاضي حمزة والإمام بدر الدين القوامي والشريف ابن عبد الحميد. وكان ركوب هؤلاء الفقهاء مع تين بك ولي عهد السلطان ومعهم الأطبال والأعلام. فصلى بهم القاضي شهاب الدين وخطب أحسن خطبة وركب السلطان وانتهى إلى برج خشب يسمى عندهم الكشك فجلس فيه ومعه خواتينه ونصب برج ثان دونه فجلس فيه ولي عهده وابنته صاحبة التاج ونصب برجان دونهما عن يمينه وشماله فيهما أبناء السلطان وأقاربه ونصبت الكراسي للأمراء وأبناء الملوك وتسمى الصندليات عن يمين البرج وشماله فجلس كل واحد على كرسيه ثم نصبت طبلات للرمي، لكل أمير طومان طبلة مختصة به، وأمير طومان عندهم هو الذي يركب له عشرة آلاف فكان الحاضرون من أمراء طومان سبعة عشر يقودون مائه وسبعين ألفاً وعسكره أكثر من ذلك ونصب لكل أمير شبه منبر فقعد عليه وأصحابه يلعبون بين يديه فكانوا على ذلك ساعة. ثم أتي بالخلع فخلعت على كل أمير خلعة وعندما يلبسها يأتي على أسفل برج السلطان فيخدم وخدمته أن يمس الأرض بركبته اليمنى ويمد رجله تحتها والأخرى قائمة ثم يؤتى بفرس مسرج ملجم فيرفع حافره ويقبل فيه الأمير ويقوده بنفسه إلى كرسيه وهنالك يرتبه ويقف مع عسكره ويفعل هذا الفعل مع كل أمير منهم.
ثم ينزل السلطان عن البرج ويركب الفرس وعن يمينه ولي العهد وتليه بنته الملكة إيت كجك وعن يساره ابنه الثاني وبين يديه الخواتين الأربع في عربات مكسوة بأثواب الحرير المذهب والخيل التي تجرها مجللة بالحرير المذهب. وينزل جميع الأمراء الكبار والصغار وأبناء الملوك والوزراء والحجاب وأرباب الدولة فيمشون بين يدي السلطان على أقدامهم إلى أن يصل إلى
стр. 300
الوطاق والوِطاق "بكسر الواو" هو إفراج. وقد نصبت هنالك باركة "باركاه" عظيمة، والباركة عندهم بيت عظيم له أربعة أعمدة من الخشب مكسوة بصفائح الفضة المموهة بالذهب وفي الأعلى كل عمود جامور من الفضة المذهبة له بريق وشعاع وتظهر هذه الباركة على البعد كأنها ثنية. ويوضع عن يمينها ويسارها سقائف من القطن والكتان ويفرش ذلك كله بفرش الحرير وينصب في وسط الباركة السرير الأعظم وهم يسمونه التخت وهو من خشب مرصع وأعواده مكسوة بصفائح فضة مذهبة وقوائمه من الفضة الخالصة المموهة وفوقه فرش عظيم وفي وسط هذا السرير الأعظم مرتبة يجلس عليها السلطان والخاتون الكبرى وعن يمينه مرتبة جلست بها بنته ايت كجك ومعها الخاتون أردوجا، وعن يساره مرتبة جلست عليها الخاتون بيلون ومعها الخاتون كبك، ونصب عن يمين السرير كرسي قعد عليه تين بك ولد السلطان ونصب عن شماله كرسي قعد عليه جان بك ولده الثاني ونصبت كراسي عن اليمن والشمال جلس فوقها أبناء الملوك الكبار ثم الأمراء الصغار مثل أمراء هزارة وهم الذين يقودون ألفاً. ثم أتي بالطعام على موائد الذهب والفضة وكل مائدة يحملها أربعة رجال وأكثر من ذلك وطعامهم لحوم الخيل والغنم مسلوقة وتوضع بين يدي كل أمير مائدة ويأتي الباروجي وهو مقطع اللحم وعليه ثياب حرير وقد ربط عليها فوطة حرير وفي حزامه جملة سكاكين في أغمادها ويكون لكل أمير باروجي فإذا قدمت المائدة قعد بين يدي أمير هـ ويؤتى بصفحة صغيرة من الذهب أو الفضة فيها ملح محلول بالماء فيقطع الباورجي اللحم قطعاً صغاراً ولهم في ذلك صنعة في قطع اللحم مختلطاً بالعظم فإنهم لا يأكلون منه إلا ما اختلط بالعظم. ثم يؤتى بأواني الذهب والفضة للشرب وأكثر شربهم نبيذ العسل وهم حنفية المذهب يحللون شرب النبيذ. فإذا أراد السلطان أن يشرب أخذت بنته القدح بيدها وخدمت برجلها ثم ناولته القدح فشرب ثم تأخذ قدحاً آخر فتناوله للخاتون الكبرى فتشرب منه ثم تناوله لسائر الخواتين على ترتيبهن، ثم يأخذ ولي العهد القدح ويخدم ويناوله أباه فيشرب ثم الخواتين ثم أخته ويخدم جميعهن ثم يقوم الولد الثاني فيأخذ القدح ويسقي أخاه ويخدم له ثم يقوم الأمراء الكبار فيسقي كل واحد منهم ولي العهد ويخدم له ثم يقوم أبناء الملوك ويغنون أثناء ذلك بالموالية. وكانت قد نصبت قبة كبيرة إزاء المسجد للقاضي والخطيب والشريف وسائر الفقهاء والمشايخ
стр. 301
وأنا معهم، فأوتينا بموائد الذهب والفضة يحمل كل واحدة أربعة من كبار الأتراك ولا يتصرف في ذلك اليوم من بين يدي السلطان إلا الكبار فيأمرهم برفع ما أراد من الموائد إلى من أراد فكان من الفقهاء من أكل ومنهم من تورع عن الأكل في موائد الفضة والذهب ورأيت مدّ البصر عن اليمين والشمال من العربات عليها روايا القِمِزّ فأمر السلطان بتفريقها على الناس وأتوا الي بعربة منها فأعطيتها لجيراني من الأتراك. ثم أتينا المسجد ننتظر صلاة الجمعة فأبطأ السلطان فمن قائل أنه لا يأتي لأن السكر قد غلب عليه ومن قائل أنه لا يترك الجمعة فلما كان بعد تمكن الوقت أتى وهو يتمايل فسلّم على السيد الشريف وتبسم له وكان يخاطبه بآطا وهو الأب بلسان التركية ثم صلينا الجمعة وانصرف الناس إلى منازلهم وانصرف السلطان إلى الباركة فبقي على حاله إلى صلاة العصر ثم انصرف الناس أجمعون وبقي مع الملك تلك الليلة خواتينه وبنته.
ثم كان رحيلنا مع السلطان والمحلة لما انقضى العيد فوصلنا إلى مدينة الحاج تَرْخَان ومعنى ترخان عندهم الموضع المحرر من المغارم "وهو بفتح المثناة وسكون الراء وبفتح الخاء المعجم وآخره نون" والمنسوب إليه هذه المدينة هو حاج من الصالحين تركي نزل بموضعها وحرر له السلطان هذا الموضع فصار قرية عظمت وتمدنت. وهي من أحسن المدن عظيمة الأسواق مبنية على نهر أتل وهو من أنهار الدنيا الكبار وهنالك يقيم السلطان حتى يشتد البرد ويجمد هذا النهر وتجمد المياه المتصلة به ثم يأمر أهل تلك البلاد فيأتون بالآلاف من أحمال التبن فيجعلونها على الجليد المنعقد فوق النهر والتبن هنالك لا تأكله الدواب لأنه يضرها وكذلك ببلاد الهند وإنما أكلها الحشيش الأخضر لخصب البلاد ويسافرون بالعربات فوق هذا النهر والمياه المتصلة به ثلاث مراحل وربما جازت القوافل فوقه مع آخر فصل الشتاء فيغرقون ويهلكون. ولما وصلنا مدينة الحاج ترخان رغبت الخاتون بَيَلون ابنة ملك الروم من السلطان أن يأذن لها في زيارة أبيها لتضع حملها عنده وتعود إليه فأذن لها. ورغبت منه أن يأذن لي في التوجه بصحبتها لمشاهدة القسطنطينية العظمى فمنعني خوفاً عليّ فلاطفته وقلت له: إنما أدخلها في حرمتك وجوارك، فلا أخاف من أحد. فأذن لي وودعناه. ووصلني بألف وخمسمائة دينار وخلعة
стр. 302
وأفراس كثيرة وأعطتني كل خاتون منهن سبائك الفضة وهم يسمونها بصَوم "بفتح الصاد المهمل" واحدتها صومة وأعطت بنته أكثر منهن، وكستني وأركبتني واجتمع لي من الخيل والثياب وفروات السنجاب والسمور جملة.
стр. 303
التوجه إلى القسطنطينية:
وسافرنا في العاشر من شوال في صحبة الخاتون بيلون وتحت حرمتها ورحل السلطان في تشييعها مرحلة ورجع هو والملكة وولي عهده. وسافر سائر الخواتين في صحبتها مرحلة ثانية ثم رجعن. وسافر الأمير بيدرة في خمسة آلاف من عسكره وكان عسكر الخاتون نحو خمسمائة فارس منهم خدامها من المماليك والروم نحو مائتين والباقون من الترك وكان معها من الجواري نحو مائتين وأكثرهن روميات. وكان لها من العربات نحو أربعمائة عربة ونحو ألفي فرس لجرها وللركوب ونحو ثلاثمائة من البقر ومائتين من الجمال لجرها وكان معها من الفتيان الروميين عشرة ومن الهنديين مثلهم وقائدهم الأكبر يسمى بسنبل الهندي وقائد الروميين يسمى بميخائيل ويقول له الأتراك لؤلؤ وهو من الشجعان الكبار. وتركت جواريها وأثقالها بمحلة السلطان إذ كانت قد توجهت برسم الزيارة ووضع الحمل.
وتوجهنا إلى مدينة أُكَك. وهي "بضم الهمزة وفتح الكاف الأولى" مدينة متوسطة حسنة العمارة كثيرة الخلوات شديدة البرد وبينها وبين السرا حضرة السلطان مسيرة عشرة وعلى مسيرة يوم من هذه المدينة جبال الروس وهم نصارى شقر الشعور زرق العيون قباح الصور أهل غدر، وعندهم معادن الفضة. ومن بلادهم يؤتى بالصوم، وهي سبائك الفضة التي بها يباع ويشترى في هذه البلاد ووزن الصومة منها خمس أواقي.
ثم وصلنا بعد عشر من هذه المدينة سُرْدَق "وضبط اسمها بضم السين المهمل وسكون الراء وفتح الدال المهمل وآخره قاف". وهي من مدن دشت قفجق على ساحل البحر ومرساها من أعظم المراسي وأحسنها وبخارجها البساتين والمياه وينزلها الترك وطائفة من الروم تحت ذمتهم وهم أهل الصنائع وأكثر بيوتها خشب. وكانت هذه المدينة كبيرة فخرب معظمها
стр. 304
بسبب فتنة وقعت بين الروم والترك وكانت الغلبة للروم فانتصر للترك أصحابهم وقتلوا الروم شر قتلة ونفوا أكثرهم وبقي بعضهم تحت الذمة إلى الآن. وكانت الضيافة تحمل إلى الخاتون في كل منزل من تلك البلاد من الخيل والغنم والبقر الدوقي والقمز وألبان البقر والغنم. والسفر في هذه البلاد مضحىً ومعشىً. وكل أمير بتلك البلاد يصحب الخاتون بعساكره إلى آخر حد بلاده تعظيماً لها لا خوفاً عليها لأن تلك البلاد آمنة. ثم وصلنا إلى البلدة المعروفة باسم بابا سلطوق وبابا عندهم بمعناه عند البربر سواء إلا أنهم يفخمون الباء، وسَلْطُوق "بفتح السين المهمل وإسكان اللام وضم الطاء المهمل وآخره قاف"، ويذكرون أن سلطوق هذ كان مكاشفاً لكن يذكر عنه أشياء ينكرها الشرع. وهذه البلاد آخر بلاد الأتراك بينها وبين أول عمالة الروم ثمانية عشر يوماً في برية غير معمورة منها ثمانية أيام لا ماء بها يتزود لها الماء ويحمل في الروايا والقرب على العربات وكان دخولنا إليها في أيام البرد فلم نحتج إلى كثير من الماء والأتراك يرفعون الألبان في القرب ويخلطونها بالدوقي المطبوخ ويشربونها فلا يعطشون وأخذنا من هذه البلدة في الاستعداد للبرية واحتجت إلى زيادة أفراس فأتيت الخاتون فأعلمتها بذلك. وكنت أسلم عليها صباحاً ومساءً ومتى أتيتها ضيافة تبعث إلي بالفرسين والثلاثة وبالغنم فكنت أترك الخيل لأذبحها وكان من معي من الغلمان والخدم يأكلون مع أصحابنا الأتراك فاجتمع لي نحو خمسين فرساً. وأمرت إلي الخاتون بخمسة عشر فرساً وأمرت وكيلها ساروجة الرومي أن يختارها سماناً من خيل المطبخ وقالت لا تخف فإن احتجت إلى غيرها زدناك. ودخلنا البرية في منتصف ذي القعدة فكان سيرنا من يوم فارقنا السلطان إلى أول البرية تسعة وعشرين يوماً وإقامتنا خمسة ورحلنا من هذه البرية ثمانية عشر يوماً مضحىً ومعشىً وما رأينا إلا خيراً. والحمد لله.
ثم وصلنا بعد ذلك إلى حصن مَهْتُولي، وهو أول عمالة الروم "وضبط اسمه بفتح الميم وسكون الهاء وضم التاء المعلوة وواو مد ولام مكسورة وياء" وكانت الروم قد سمعت بقدوم هذه الخاتون على بلادها، فوصلنا إلى هذا
стр. 305
الحصن فاستقبلنا كفالي نقوله الرومي في عسكر عظيم وضيافة عظيمة وجاءت الخواتين والدايات من دار أبيها ملك القسطنطينية وبين مَهْتُولي والقسطنطينية مسيرة اثنين وعشرين يوماً منها ستة عشر يوماً إلى الخليج وستة منه إلى القسطنطينية ولا يسافر من هذا الحصن إلا بالخيل والبغال وتترك العربات به لأجل الوعر والجبال وجاء كفالي المذكور ببغال كثيرة وبعثت إلي الخاتون بستة منها وأوصت أمير ذلك الحصن بمن تركته من أصحابي وغلماني مع العربات والأثقال فأمر لهم بدار ورجع الأمير بيدرة بعساكره ولم يسافر مع الخاتون إلا ناسها وتركت مسجدها بهذا الحصن وارتفع حكم الأذان. وكان يؤتى إليها بالخمور في الضيافة فتشربها وبالخنازير وأخبرني بعض خواصها أنها أكلتها ولم يبق معها من يصلي إلا بعض الأتراك كان يصلي معنا. وتغيرت البواطن لدخولنا في بلاد الكفر. ولكن الخاتون أوصت الأمير كفالي بإكرامي. ولقد ضرب مرة بعض مماليكه لما ضحك من صلاتنا. ثم وصلنا حصن مسلمة بن عبد الملك وهو بسفح جبل على نهر زخار يقال له اصطقيلي ولم يبق من هذا الحصن إلا آثاره وبخارجه قرية كبيرة، ثم سرنا يومين ووصلنا إلى الخليج وعلى ساحله قرية كبيرة فوجدنا فيه المد فأقمنا حتى كان الجزر وخضناه وعرضه نحو ميلين ومشينا أربعة أميال في رمال ووصلنا الخليج الثاني فخضناه وعرضه نحو ثلاثة أميال ثم مشينا نحو ميلين في حجارة ورمل ووصلنا الخليج الثالث وقد ابتدأ المد فتعبنا فيه وعرضه ميل واحد فعرض الخليج كله مائيه ويابسه اثنا عشر ميلا وتصير ماء كلها في أيام المطر فلا تخاض إلا في القوارب.
وعلى ساحل هذا الخليج الثالث مدينة الفَنِيكة "واسمها بفاء مفتوحة ونون وياء مد وكاف مفتوح"، وهي صغيرة لكنها حسنة مانعة وكنائسها وديارها حسان والأنهار تخرقها والبساتين تحفها ويدخر بها العنب والإجاص والتفاح والسفرجل من السنة إلى الأخرى. وأقمنا بهذه المدينة ثلاثاً. والخاتون في قصر لأبيها هنالك ثم قدم أخوها وشقيقها واسمه كفالي قراس في خمسة آلاف فارس شاكي، السلاح ولما أرادوا وا لقاء الخاتون ركب أخوها المذكور فرساً أشهب ولبس ثياباً بيضاء وجعل رأسه مظلّلاً مكلّلاً بالجواهر، وجعل عن يمينه خمسة من أبناء الملوك وعن يساره مثلهم لابسين البياض أيضاً وعليهم مظللات مزركشة بالذهب، وجعل بين يديه مائة من المشائين ومائة فارس قد
стр. 306
أسبغوا الدروع على أنفسهم وخيلهم، وكل واحد منهم يقود فرساً مسرجاً مدرعاً عليه شكة فارس من البيضة المجوهرة والدروع والتركش والقوس والسيف، وبيده رمح في طرف رأسه راية. وأكثر تلك الرماح مكسوة بصفائح الذهب والفضة وتلك الخيل المقودة هي مراكب ابن السلطان وقسم فرسانه على أفواج كل فوج فيه مائتا فارس، لهم أمير قد قدم أمامه عشرة من الفرسان شاكي السلاح وكل واحد منهم يقود فرساً وخلفه عشرة من العلامات ملونة بأيدي عشرة من الفرسان وعشرة أطبال يتقلدها عشرة من الفرسان ومعهم ستة يضربون الأبواق والأنفار والصرنايات وهي الغيطات. وركبت الخاتون في مماليكها وجواريها وفتيانها وخدامها وهم نحو خمسمائة عليهم ثياب الحرير المزركشة بالذهب والفضة المرصعة وعلى الخاتون حلة يقال لها النخ ويقال لها أيضا النسيج مرصعة بالجوهر وعلى رأسها تاج مرصع فرسها مجلل بحرير مزركش بالذهب، وفي يديه ورجليه خلاخل الذهب وفي عنقه قلائد مرصعة ومعظم السرج مكسو ذهباً مكلل جوهراً وكان التقاؤهما في بسيط من الأرض على نحو ميل من البلد وترجل لها أخوها لأنه أصغر منها وقبل ركابها وقبلت رأسه وترجل الأمراء وأولاد الملوك وقبّلوا جميعاً ركابها وانصرفت مع أخيها. وفي غد ذلك اليوم وصلنا إلى مدينة كبيرة على ساحل البحر لا نثبت الآن اسمها ذات أنهار وأشجار نزلنا بخارجها ووصل أخو الخاتون ولي العهد في ترتيب عظيم وعسكر ضخم من عشرة آلاف مدرع وعلى رأسه تاج وعن يمينه نحو عشرين من أبناء الملوك وعن يساره مثلهم وقد رتب فرسانه على ترتيب أخيه سواء إلا أن الحفل أعظم والجمع أكثر وتلاقت معه أخته في مثل زيها الأول وترجلاَ جميعاً وأوتي بخباء حرير فدخلت فيه ولا أعلم كيفية سلامها. ونزلنا على عشرة أميال من القسطنطينية فلما كان الغد خرج أهلها من رجال ونساء وصبيان ركباناً ومشاة في أحسن زي وأجمل لباس وضربت عند الصبح الأطبال والأبواق والأنفار وركبت العساكر وخرج السلطان وزوجته أم هذه الخاتون وأرباب هذه الدولة والخواص وعلى رأس الملك رواق يحمله جملة من الفرسان ورجال بأيديهم عصى طوال في أعلى كل عصا شبه كرة من جلد يرفعون بها الورق وفي وسط الرواق مثل القبة يرفعها الفرسان بالعصى ولما أقبل السلطان اختلطت العساكر وكثر العجاج ولم أقدر على الدخول فيما بينهم فلزمت أثقال الخاتون وأصحابها خوفاً على نفسي. وذكر
стр. 307
لي أنها لما قربت من أبويها ترجلت وقبّلت الأرض بين أيديهما ثم قبّلت حافري فرسيهما وفعل كبار أصحابها مثل فعلها في ذلك. وكان دخولنا عند الزوال أو بعده إلى القسطنطينية العظمى وقد ضربوا نواقيسها حتى ارتجت الآفاق لاختلاف أصواتها ولما وصلنا الباب الأول من أبواب قصر الملك وجدنا به مائة رجل معهم قائد لهم فوق دكانة وسمعتهم يقولون سراكنوا سراكنوا، ومعناه المسلمون. ومنعونا من الدخول. فقال لهم أصحاب الخاتون: إنهم من جهتنا. فقالوا لا يدخلون إلا بإذن فأقمنا بالباب وذهب بعض أصحاب الخاتون فبعث من أعلمها بذلك وهي بين يدي والدها فذكرت له شأننا فأمر بدخولنا وعيّن لنا دار بمقربة من دار الخاتون وكتب لنا أمراً بأن لا نعترض حيث نذهب من المدينة ونودي بذلك في الأسواق وأقمنا بالدار ثلاثاً فبعث إلينا الضيافة من الدقيق والخبز والغلة والدجاج والسمن والفاكهة والحوت والدراهم والفرش. وفي اليوم الرابع دخلنا على السلطان.
واسمه تَكْفُور "بفتح التاء المثناة وسكون الكاف وضم الفاء وواو وراء" بن السلطان جرجيس. وأبوه السلطان جرجيس بقيد الحياة، لكنه تزهد وترهب وانقطع للعبادة في الكنائس، وترك الملك لولده وسنذكره. وفي اليوم الرابع من وصولنا إلى القسطنطينية بعث إليّ الخاتون الفتى سنبل الهندي فأخذ بيدي وأدخلني إلى القصر فجزنا أربعة أبواب في كل باب سقائف بها رجال وأسلحتهم وقائدهم على دكانة مفروشة فلما وصلنا إلى الباب الخامس تركني الفتى سنبل ودخل ثم أتى ومعه أربعة من الفتيان الروميين ففتشوني لئلا يكون معي سكين وقال لي القائد تلك عادة لهم لا بد من تفتيش كل من يدخل على الملك من خاص أو عام غريب أو بلدي وكذلك الفعل بأرض الهند ثم لما فتشوني قام الموكل بالباب فأخذ بيدي وفتح الباب وأحاط بي أربعة من الرجال أمسك اثنان بكمي واثنان من ورائي فدخلوا بي إلى مشور كبير حيطانه بالفسيفساء قد نقش فيها صور المخلوقات من الحيوانات والجماد في وسطه ساقية ماء ومن جهتها الأشجار والناس واقفون يميناً ويساراً سكوتاً لا يتكلم أحد منهم وفي وسط المشور ثلاثة رجال وقوف أسلمني أولئك الأربعة إليهم فأمسكوا بثيابي كما فعل الآخرون وأشار إليهم رجل فتقدموا بي وكان أحدهم يهودياً فقال لي بالعربي لا تخف فهكذا عادتهم أن يفعلوا بالوارد وأنا
стр. 308
الترجماني، وأصلي من بلاد الشام. فسألته كيف أسلم. فقال قل السلام عليكم. ثم وصلت إلى قبة عظيمة. والسلطان على سريره وزوجته أم هذه الخاتون بين يديه وأسفل السرير الخاتون وإخوتها وعن يمينه ستة رجال وعن يساره أربعة وكلهم بالسلاح فأشار إلي قبل السلام والوصول إليه بالجلوس هنيهة ليسكن روعي ففعلت ذلك ثم وصلت إليه فسلمت عليه وأشار أن أجلس فلم أفعل وسألني عن بيت المقدس والصخرة المقدسة وعن القمامة وعن مهد عيسى وعن بيت لحم وعن مدينة الخليل ﵇ ثم عن دمشق ومصر والعراق وبلاد الروم فأجبته عن ذلك كله، واليهودي يترجم بيني وبينه. فأعجبه كلامي وقال لأولاده: أكرموا هذا الرجل وأمنوه ثم خلع علي خلعة، وأمر لي بفرس ملجم ومظلة من التي يجعله الملك فوق رأسه وهي علامة الأمان. وطلبت منه أن يعين من يركب معي بالمدينة في كل يوم حتى أشاهد عجائبها وغرائبها وأذكرها في بلادي. فعين لي ذلك. ومن العوائد عندهم أن الذي يلبس خلعة الملك ويركب فرسه يطاف به في أسواق المدينة بالأبواق والأنفار والأطبال ليراه الناس وأكثر ما يفعل ذلك بالأتراك الذين يأتون من بلاد السلطان أوزبك لئلا يؤذون فطافوا بي في الأسواق.
كانت المدينة متناهية في الكبر منقسمة بقسمين بينهما نهر عظيم المد والجزر، على شكل وادي سلا من بلاد المغرب. وكانت عليه فيما تقدم قنطرة مبنية فخربت وهو الآن يعبر في القوارب واسم هذا النهر أَبْسُمِي "بفتح الهمزة وإسكان الباء الموحدة وضم السين المهمل وكسر الميم وياء مد". وأحد القسمين من المدينة يسمى أصْطَنبول "بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الطاء المهملتين وسكون النون وضم الباء الموحدة وواو مد ولام"، وهو بالعدوة الشرقية من النهر وفيه سكنى السلطان وأرباب دولته وسائر الناس وأسواقه وشوارعه مفروشة بالصفاح متسعة وأهل كل صناعة على حدة لا يشاركهم سواهم وعلى كل سوق أبواب تسد عليه بالليل وأكثر الصناع والباعة بها نساء والمدينة في سفح جبل داخل في البحر نحو تسعة أميال وعرضه مثل ذلك أو أكثر وفي أعلاه قلعة صغيرة وقصر السلطان. والسور يحيط بهذا الجبل، وهو مانع لا سبيل لأحد إليه من جهة البحر. وفيه نحو ثلاث عشرة قرية عامرة
стр. 309
والكنيسة العظمى هي في وسط هذا القسم من المدينة. وأمام القسم الثاني منها فيسمى الغَلَطَة "بغين معجمة ولام وطاء مهمل مفتوحات" وهو بالعدوة الغربية من النهر شبيه برباط الفتح في قربةه من النهر. وهذا القسم خاص بنصارى الإفرنج يسكنونه وهم أصناف فمنهم الجنويون والبنادقة وأهل رومية وأهل إفرانسة. وحكمهم إلى ملك القسطنطينية، يقدم عليهم منهم من يرتضونه ويسمونه القمص وعليهم وظيفة في كل عام لملك القسطنطينية. وربما استعصوا عليه فيحاربهم حتى يصلح بينهم البابا وجميعهم أهل تجارة ومرساهم من أعظم المراسي رأيت به نحو مائة جفن من القراقر وسواها من الكبار، وأما الصغار فلا تحصى كثرة. وأسواق هذا القسم حسنة إلا أن الأقذار غالبة عليها ويشقها نهر صغير قذر نجس وكنائسهم لا خير فيها.
إلاّ أن الكنيسة العظمى - إنما نذكر خارجها، وأما داخلها فلم أشاهده - كانت تسمى عندهم أَيَاصُوفِيَا "بفتح الهمزة والياء آخر الحروف وألف وصاد مضموم وواو مد وفاء مكسورة وياء كالأولى وألف" ويذكر أنها من بناء آصف بن برخياء وهو ابن خالة سليمان ﵇. وهي من أعظم كنائس الروم وعليها سور يطيف بها فكأنها مدينة وأبوابها ثلاثة عشر باباً. ولها حرم هو نحو ميل عليه باب كبيرة ولا يمنع أحد من دخوله وقد دخلته مع والد الملك الذي يقع ذكره، وهو شبه مشهور مسطح بالرخام وتشقه ساقية تخرج من الكنيسة لها حائطان مرتفعان نحو ذراع مصنوعان بالرخام المجزع المنقوش بأحسن صنعة والأشجار منظمة عن جهتي الساقية ومن باب الكنيسة إلى باب هذا المشور معرش من الخشب مرتفع عليه دوالي العنب وفي أسفله الياسمين والرياحين وخارج باب هذا المشور قبة خشب كبيرة فيها طبلات خشب يجلس عليها خدام ذلك الباب وعن يمين القبة مساطب وحوانيت أكثرها من الخشب يجلس بها قضاتهم وكتاب دواوينهم وفي وسط تلك الحوانيت قبة خشب يصعد إليها على درج خشب وفيها كرسي كبير مطبق بالملف يجلس فوقه قاضيهم وسنذكره. وعن يسار القبة التي على باب هذا المشور سوق العطارين والساقية التي ذكرناها تنقسم قسمين أحدهما يمر بسوق العطارين والآخر يمر بالسوق حيث القضاة والكتاب وعلى باب الكنيسة سقائف يجلس بها خدامها الذين يقمّون طرقها ويوقدون سرجها ويغلقون أبوابها ولا يدعون
стр. 310
أحداً بداخلها حتى يسجد للصليب الأعظم عندهم الذي يزعمون أنه بقية من الخشبة التي صلب عليها شبيه عيسى ﵇ وهو على باب الكنيسة مجعول في جعبة ذهب طولها نحو عشرة أذرع وقد عرضوا عليها جعبة ذهب مثلها حتى صارت صليباً وهذا الباب مصفح بصفائح الفضة والذهب وحلقتاه من الذهب الخالص. وذكر لي أن عدد من بهذه الكنيسة من الرهبان والقسيسين ينتهي إلى آلاف وأن بعضهم من ذرية الحواريين وأن بداخلها كنيسة مختصة بالنساء فيها من الأبكار المنقطعات للعبادة أزيد من ألف وأما القواعد من النساء فأكثر من ذلك كله. ومن عادة الملك وأرباب دولته وسائر الناس أن يأتوا كل يوم صباحاً إلى زيارة هذه الكنيسة ويأتي إليها البابا مرة في السنة، وإذا كان على مسيرة أربع من البلد يخرج الملك إلى لقائه ويترجل له وعند دخول المدينة يمشي بين يديه على قدميه ويأتيه صباحاً ومساءً للسلام طول مقامه بالقسطنطينية حتى ينصرف.
стр. 311
نبذة عن المانستارت بقسطنطينية
...
نبذة عن المانستارات بقسطنطينية:
والمانستار١ على مثل لفظ المارستان إلا أن نونه متقدمة وراءه متأخرة وهو عندهم شبه الزاوية عند المسلمين وهذه المانستارات بها كثيرة فمنها المانستار عمره الملك جرجيس والد ملك القسطنطينية وسنذكره. وهو بخارج اصطنبول مقابل الغَلَطَة ومنها مانستاران خارج الكنيسة العظمى عن يمين الداخل إليها وهما في داخل بستان يشقهما نهر ماء وأحدهما للرجال والآخر للنساء وفي كل واحد منها كنيسة وتدور بهما البيوت للمتعبدين والمتعبدات وقد حبس على كل واحد منهما أحباس لكسوة المتعبدين ونفقتهم بناهما أحد الملوك. ومنها مانستاران عن يسار الداخل إلى الكنيسة العظمى على مثل هذين الآخرين ويطيف بها بيوت وأحدهما يسكنه العميان والثاني يسكنه الشيوخ الذين لا يستطيعون الخدمة ممن بلغ الستين أو نحوها ولكل واحد منهم كسوته ونفقته من أوقاف معينة لذلك وفي داخل كل مانستار منها دويرة لتعبد الملك الذي بناه وأكثر هؤلاء الملوك إذا بلغ الستين أو السبعين بنى مانستاراً أو
стр. 312
ولبس المسوح، وهي ثياب الشعر وقلد ولده الملك واشتغل بالعبادة حتى يموت، وهم يحتفلون في بناء هذه المانستارات ويعملونها بالرخام والفسيفساء وهي كثيرة بهذه المدينة. ودخلت مع الرومي الذي عينه الملك للركوب معي إلى مانستار يشقه نهر وفيه كنيسة فيها نحو خمسمائة بكر عليهن المسوح ورؤوسهن محلوقة فيها قلانيس اللبد، ولهن جمال فائق، وعليهن أثر العبادة. وقد قعد صبي على منبر يقرأ لهن الإنجيل بصوت لم أسمع قط أحسن منه وحوله ثمانية من الصبيان على منابر ومعهم قسيسهم فلما قرأ هذا الصبي قرأ صبي آخر وقال لي الرومي أن هؤلاء البنات من بنات الملوك وهبن أنفسهن لخدمة هذه الكنيسة وكذلك الصبيان القراء ولهم كنيسة أخرى خارج تلك الكنيسة ودخلت أيضاً إلى كنيسة في بستان فوجدنا بها نحو خمسمائة بكر أو أزيد وصبي يقرأ لهن على منبر وجماعة صبيان معه على منابر مثل الأولين فقال لي الرومي هؤلاء بنات الوزراء والأمراء يتعبدون بهذه الكنيسة ودخلت إلى كنائس فيها أبكار من وجوه أهل البلد وإلى كنائس فيها العجائز والقواعد من النساء وإلى كنائس فيها الرهبان يكون في الكنيسة منها مائة رجل أو أكثر أو أقل وأكثر هذه المدينة رهبان ومتعبدون وقسيسون وكنائسها لا تحصى كثرة وأهل المدينة من جندي وغيره صغير وكبير يجعلون على رؤوسهم المظلات الكبار شتاء وصيفاً والنساء لهن عمائم كبار.
وقد ولّى الملك المترهب جرجيس الملك لابنه وانقطع للعبادة وبنى مانستاراً كما ذكرناه خارج المدينة على ساحلها وكنت يوماً مع الرومي المعين للركوب معي فإذا بهذا الملك ماش على قدميه وعليه المسوح وعلى رأسه قلنسوة لبد وله لحية بيضاء طويلة ووجهه حسن عليه أثر العبادة وخلفه وأمامه جماعة من الرهبان وبيده عكاز وفي عنقه سبحة فلما رآه الرومي نزل وقال لي انزل فهذا والد الملك فلما سلم عليه الرومي سأله عني ثم وقف وبعث لي فجئت إليه فأخذ بيدي وقال لذلك الرومي وكان يعرف اللسان العربي قل لهذا السراكانوا يعني المسلم أنا أصافح اليد التي دخلت بيت المقدس والرجل التي مشت داخل الصخرة والكنيسة العظمى التي تسمى قمامة وبيت لحم وجعل يده على قدمي ومسح بها وجهه فعجبت من اعتقادهم فيمن دخل تلك المواضع من غير ملتهم، ثم أخذ بيدي ومشيت معه فسألني عن بيت المقدس ومن فيه من
стр. 313
النصارى، وأطال السؤال ودخلت معه إلى حرم الكنيسة الذي وصفناه آنفاً ولما قارب الباب الأعظم خرجت جماعة من القسيسين والرهبان للسلام عليه وهو من كبارهم في الرهبانية ولما رآهم أرسل يدي فقلت له أريد الدخول معك إلى الكنيسة فقال للترجمان قل له لا بد لداخلها من السجود للصليب الأعظم فإن هذا مما سنته الأوائل ولا يمكن خلافه فتركته ودخل وحده ولم أراه بعدها.
ولما فارقت الملك المترهب المذكور دخلت سوق الكتاب فرآني القاضي فبعث إلي أحد أعوانه فسأل الرومي الذي معي فقال له إنه من طلبة المسلمين فلما عاد إليه أخبره بذلك فبعث إلى أحد أعوانه وهم يسمون القاضي النجشي كفالي فقال لي النجشي كفالي يدعوك فصعدت إلى القبة التي تقدم ذكرها فرأيت شيخاً حسن الوجه واللمة عليه لباس الرهبان وهو الملف الأسود وبين يديه نحو عشرة من الكتاب يكتبون فقام إلي وقام أصحابه وقال أنت ضيف الملك ويجب علينا إكرامك وسألني عن بيت المقدس والشام ومصر وأطال الكلام وكثر عليه الازدحام وقال لي لا بد لك أن تأتي إلى داري فأضيفك فانصرفت عنه ولم ألقه بعد.
ولما ظهر لمن كان في صحبة الخاتون من الأتراك أنها على دين أبيها وراغبة في المقام معه طلبوا منها الإذن في العودة إلى بلادهم فأذنت لهم وأعطتهم عطاءً جزيلاً وبعثت معهم من يوصلهم إلى بلادهم أمير يسمى ساروجة الصغير في خمسمائة فارس وبعثت إلي فأعطتني ثلاثمائة دينار من ذهبهم يسمونه البربرة وليس بالطيب، وألفي درهم بندقية وشقة ملف من عمل البنات وهو أجود أنواعه وعشرة أثواب من حرير وكتان وصوف وفرسين وذلك من عطاء أبيها وأوصت بي ساروجة وودعتها وانصرفت وكانت مدة مقامي عندهم شهراً وستة أيام. وسافرنا صحبة ساروجة فكان يكرمني حتى وصلنا إلى آخر بلادهم حيث تركنا أصحابنا وعرباتنا فركبنا العربات ودخلنا البرية ووصل ساروجة معنا إلى مدينة بابا سلطوق وأقام بها ثلاثاً في الضيافة وانصرف إلى بلاده وذلك في اشتداد البرد وكنت ألبس ثلاث فروات وسروالين أحدهما مبطن وفي رجلي خف من صوف وفوقه خف مبطن بثوب كتان من البرغالي وهو من جلد الفرس مبطن بجلد ذئب وكنت أتوضأ بالماء
стр. 314
الحار بمقربة من النار فما تقطر من الماء قطرة إلا جمدت لحينها وإذا غسلت وجهي بالماء إلى لحيتي فيجمد فأحركها فيسقط منها شبه الثلج، والماء الذي ينزل من الأنف يجمد على الشارب وكنت لا أستطيع الركوب لكثرة ما علي من ثياب حتى يركبني أصحابي.
ثم وصلت إلى مدينة الحاج ترخان حيث فارقنا السلطان أوزبك فوجدناه قد رحل واستقر بحضرة ملكه فسافرنا على أتل وما يليه من المياه ثلاثاً وهي جامدة وكنا إذا احتجنا الماء قطعنا قطعا من الجليد وجعلناه في القدرة حتى يصير ماء فنشرب منه ونطبخ به. ووصلنا إلى مدينة السَرَا "وضبط اسمها بسين مهمل وراء مفتوحة وألف"، وتعرف بسرا بركة وهي حضرة السلطان أوزبك ودخلنا على السلطان فسألنا عن كيفية سفرنا وعن ملك الروم ومدينته فأعلمناه. وأمره بإجراء النفقة علينا وأنزلنا.
ومدينة السرا، من أحسن المدن، متناهية الكبر، في بسيط من الأرض، تغص بأهلها كثرة، حسنة الأسواق متسعة الشوارع.
وركبنا يوماً مع بعض كبرائها، وغرضنا التطوف عليها ومعرفة مقدارها، وكان منزلنا في طرف منها فركبنا منه غدوة فما وصلنا لآخرها إلا بعد الزوال فصلينا الظهر وأكلنا طعامنا فما وصلنا إلى المنزل إلا عند المغرب ومشينا يوماً في عرضها ذاهبين راجعين في نصف يوم وذلك في عمارة متصلة الدور لا خراب فيها ولا بساتين وفيها ثلاثة عشر مسجداً لإقامة الجمعة أحدها للشافعية وأما المساجد سوى ذلك فكثيرة جداً وفيها طوائف من الناس منهم المغل وهم أهل البلاد والسلاطين وبعضهم مسلمون ومنهم الآص وهم مسلمون ومنهم القفجق والجركس والروس والروم وهم نصارى وكل طائفة تسكن محلة على حدة فيها أسواقها والتجار والغرباء من أهل العراقيين ومصر والشام وغيرها ساكنون بمحلة عليها سور احتياطاً على أموال التجارة.
وقصر السلطان بها يسمى أَلْطُون طَاْش "بفتح الهمزة وسكون اللام وضم الطاء المهمل وواو مد ونون" ومعناه الذهب وطاش "بفتح الطاء المهمل وشين معجم" معناه حجر وقاضي هذه الحضرة بدر الدين الأعرج من خيار القضاة.
стр. 315
وبها من مدرسي الشافعية الفقيه الإمام الفاضل صدر الدين سليمان اللكزي أحد الفضلاء، وبها من المالكية شمس الدين المصري وهو ممن يطعن في ديانته، وبها زاوية الصالح الحاج نظام الدين أضافنا بها وأكرمنا، وبها زاوية الفقيه الإمام العالم نعمان الدين الخوارزمي رأيته بها وهو من فضلاء المشايخ حسن الأخلاق كريم النفع شديد التواضع شديد السطو على أهل الدنيا يأتي إليه السلطان أوزبك زائراً في كل جمعة فلا يستقبله ولا يقوم إليه ويقعد السلطان بين يديه ويكلّمه ألطف كلام ويتواضع له، والشيخ بضد ذلك وفعله مع الفقراء والمساكين والواردين خلاف فعله مع السلطان فإنه يتواضع لهم ويكلّمهم بألطف كلام ويكرمهم وأكرمني جزاه الله خيراً، وبعث إلي بغلام تركي وشاهدت له بركة.
كنت أردت السفر من السرا إلى خوارزم فنهاني عن ذلك، وقال لي: أقم أياماً وحينئذ تسافر فنازعتني النفس ووجدت رفقة كبيرة آخذة في السفر فيهم تجار أعرفهم فاتفقت معهم على السفر في صحبتهم وذكرت له ذلك فقال لي لا بد لك من الإقامة فعزمت على السفر فأبق لي الغلام أقمت بسببه وهذا من الكرامات الظاهرة.
ولما كان بعد ثلاث وجد بعض أصحابي ذلك الغلام الآبق بمدينة الحاج ترخان فجاء به إليه فحينئذ سافرت إلى خوارزم وبينها وبين حضرة السرا صحراء مسيرة أربعين يوماً لا تسافر فيها الخيل لقلة الكلأ وإنما تجر العربات بها الجمال فسرنا من السرا عشرة أيام فوصلنا إلى مدينة سَرَاجُوق "بضم الجيم المعقود وواو وقاف"، ومعنى جوق صغير. فكأنهم قالوا سرا الصغيرة وهي على شاطيء نهر كبير زخار يقال له أُلُوصُو "بضم الجيم المعقود وواو وقاف" ومعناه الماء الكبير، وعليه جسر من قوارب كجسر بغداد وإلى هذه المدينة انتهى سفرنا بالخيل التي تجر العربات وبعناها بحساب أربع دنانير دراهم للفرس وأقل من ذلك لأجل ضعفها ورخصها بهذه المدينة واكترينا الجمال لجر العربات. وبهذه المدينة زاوية لرجل صالح معمر من الترك ويقال له أَطَا "بفتح الهمزة والطاء المهمل" ومعناه الوالد أضافنا بها ودعا لنا. وأضافنا أيضاً قاضيها ولا أعرف اسمه، ثم سرنا منها ثلاثين يوماً سيراً جاداً لا ننزل إلا ساعتين: إحداهما عند الضحى، والأخرى عند المغرب، وتكون الإقامة
стр. 316
قدر ما يطبخون الدوقي ويشربونه، وهو يطبخ من غلية واحدة، ويكون معهم الخليع من اللحم يجعلونه عليه ويصبون عليه اللبن وكل إنسان إنما ينام أو يأكل في عربته حال السير. وكان لي في عربتي ثلاث من الجواري. ومن عادة المسافرين في هذه البرية الإسراع لقلة أعشابها والجمال التي تقطعها يهلك معظمها وما يبقى منها لا ينتفع به إلا في سنة أخرى بعد أن يسمن والماء في هذه البرية في مناهل معلومة بعد اليومين والثلاثة وهو ماء المطر والحسيان. ثم لما سلكنا هذه البرية وقطعناها كما ذكرناه ووصلنا إلى خوارزم وهي أكبر مدن الأتراك وأعظمها وأجملها وأضخمها لها الأسواق المليحة والشوارع الفسيحة والعمارة الكثيرة والمحاسن الأثيرة وهي ترتج بسكانها لكثرتهم وتموج بهم موج البحر ولقد ركبت بها يوماً ودخلت السوق فلما توسطته وبلغت منتهى الزحام في موضع يقال له الشَّهَوْر "بفتح الشين المعجم وإسكان الواو" لم أستطع أن أجوز ذلك الموضع لكثرة الإزدحام وأردت الرجوع فما أمكنني لكثرة الناس فبقيت متحيراً وبعد جهد شديدٍ رجعت. وذكر لي بعض الناس أن تلك السوق يخف زحامها يوم الجمعة وتوجهت إلى المسجد الجامع والمدرسة. وهذه المدينة تحت إمرة السلطان أوزبك وله فيها أمير كبير يدعى قطلودمور وهو الذي عمر هذه المدرسة وما معها من المواضع المضافة، أما الجامع فعمرته زوجته الخاتون الصالحة تُرَابَك "بضم التاء المعلوة بفتح الراء وألف" وبك "بفتح الموحدة والكاف"، وبخوارزم مارستان له طبيب شامي يعرف بالصهيوني نسبة إلى صهيون من بلاد الشام. ولم أر في بلاد الدنيا أحسن أخلاقاً من أهل خوارزم ولا أكرم نفوساً ولا أحب في الغرباء ولهم عادة جميلة في الصلاة لم أرها لغيرهم وهي أن المؤذنين بمساجدها يطوف كل واحد منهم على دور جيران مسجده معلماً لهم بحضور الصلاة فمن لم يحضر الصلاة مع الجماعة ضربه الإمام بمحضر الجماعة وفي كل جامع درة معلقة برسم ذلك ويغرم خمسة دنانير تنفق في مصالح الجامع أو تطعم للفقراء والمساكين ويذكرون أن هذه العادة عندهم مستمرة على قديم الزمان. وبخارخ خوارزم نهر جيحون أحد الأنهار الأربعة من الجنة وهو يجمد في أوان البرد كما يجمد نهر أتل. ويسلك الناس عليه وتبقى مدة جموده خمسة أشهر وربما سلكوا عليه عند أخذه في الذوبان فهلكوا. ويسافر فيه أيام الصيف بالمراكب إلى ترمذ، ويجلبون منها القمح والشعير وهي مسيرة عشر للمنحدر. وبخارج خوارزم زاوية مبنية
стр. 317
على تربة الشيخ نجم الدين البكري، وكان من كبار الصالحين. وفيها الطعام للوارد والصادر وشيخهم المدرس سيف الدين بن عضبة من كبار أهل خوارزم وبها أيضا زاوية شيخها الصالح المجاور جلال الدين السمر قندي من كبار الصالحين أضافنا بها وبخارجها قبر الإمام العلامة أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري وعليه قبة وزمخشر قرية على مسافة أربعة أميال من خوارزم.
ولما أتيت إلى هذه المدينة نزلت بخارجها وتوجه بعض أصحابي إلى القاضي الصدر أبي حفص عمر البكري فبعث إلى نائبه نور الإسلام فسلم علي ثم عاد إليه ثم أتى القاضي في جماعة من أصحابه فسلّم عليّ وهو فتي السن كبير الفعال وله نائبان أحدهما نور الإسلام المذكور والآخر نور الدين الكرماني من كبار الفقهاء وهو الشديد في أحكامه القوي في ذات الله تعالى.
ولما حصل الاجتماع بالقاضي قال لي أن هذه المدينة كثيرة الزحام ودخولكم نهاراً لا يتأتى وسيأتي إليكم نور الإسلام لتدخلوا معه في آخر الليل ففعلنا ذلك ونزلنا بمدرسة جديدة ليس بها أحد ولما كان بعد صلاة الصبح أتى إلينا القاضي المذكور ومعه من كبار المدينة جماعة منهم مولانا همام الدين ومولانا زين الدين المقدسي ومولانا رضي الدين يحيى ومولانا فضل الله الرصوي ومولانا جلال الدين العمادي ومولانا شمس الدين السنجري إمام أمير ها وهم أهل مكارم وفضائل والغالب على مذهبهم الاعتزال لكنهم لا يظهرونه لأن السلطان أوزبك وأمير هـ على هذه المدينة قطلودمور من أهل السنة. وكنت أيام إقامتي بها أصلي الجمعة مع القاضي أبي حفص عمر المذكور بمسجده فإذا فرغت الصلاة ذهبت معه إلى داره وهي قريبة من المسجد فأدخل معه إلى مجلسه وهو من أبدع المجالس فيه الفرش الحافلة وحيطانه مكسوة بالملف وفيه طيقان كثيرة وفي كل طاق منها أواني الفضة الممومة بالذهب والأواني العراقية وكذلك عادة أهل تلك البلاد أن يصنعوا في بيوتهم ثم يأتي بالطعام الكثير وهو من أهل الرفاهية والمال الكثير والرباع. وهو سلف الأمير قطلودمور متزوج بأخت امرأته واسمها جيجا أغا. وبهذه المدينة جماعة من الوعاظ والمذكورين وأكبرهم مولانا زين الدين المقدسي والخطيب مولانا حسام الدين المشاطي الخطيب المصقع أحد الخطباء الأربعة الذين لم أسمع في الدنيا أحسن منهم.
стр. 318
أمير خوارزم:
هو الأمير الكبير قُطُلُودُمور "بضم القاف وسكون الطاء المهمل وضم اللام"، ودمور "بضم الدال المهمل والميم وواو ومد وراء" ومعنى اسمه الحديد المبارك لأن قطرا هو المبارك ودمور هو الحديد وهذا الأمير ابن خالة السلطان المعظم محمد أوزبك وأكبر أمرائه وهو واليه على خراسان وولده هارون بك متزوج بابنة السلطان المذكور التي أمها الملكة طيطغلي المتقدم ذكرها وامرأته الخاتون تُرَابَك صاحبة المكارم الشهيرة.
ولما أتاني القاضي مسلماً عليّ كما ذكرته، قال لي: أن الأمير قد علم بقدومك وبه بقيه مرض يمنعه من الإتيان اليك فركبت مع القاضي إلى زيارته وأتينا داره فدخلنا مشوار كبيراً أكثر بيوته خشب ثم دخلنا مشواراً صغيراً فيه قبة خشب مزخرفة قد كسيت حيطانها بالملف الملون وسقفها بالحرير المذهب والأمير على فرش له من الحرير وقد غطى رجليه لما بهما من النقرس وهي فاشية في الترك فسلمت عليه وأجلسني إلى جانبه وقعد القاضي والفقهاء وسألني عن سلطانه الملك محمد أوزبك وعن الخاتون بَيَلُون وعن أبيهما وعن مدينة القسطنطينية فأعلمته بذلك كله، ثم أتي بالموائد فيها الطعام من الدجاج المشوية والكراكي أفراخ الحمام وخبز معجون بالسمن يسمونه الكليجا والكعك والحلوى، ثم أتى بموائد أخرى فيها الفواكه من الرمان المحبب في أواني الذهب والفضة ومعه ملاعق الذهب وبعضه في أواني الزجاج العراقي ومعه الملاعق الخشب ومن العنب والبطيخ العجيب. ومن عوائد هذا الأمير أن يأتي القاضي في كل يوم إلى مشوره ويجلس بمجلس معد له ومعه الفقهاء وكتابه ويجلس في مقابلة أحد الأمراء الكبراء ومعه ثمانية من كبراء أمراء الترك وشيوخهم يسمون الأرغجية "بارزغوجي"، ويتحاكم الناس إليهم. فما كان من القضايا الشرعية حكم فيها القاضي، وما كان من سواها حكم فيها أولئك الأمراء وأحكامهم مضبوطة عادلة لأنهم لا يتهمون بميل ولا يقبلون رشوة. ولما عدنا إلى المدرسة بعد الجلوس مع الأمير بعث إلينا الأرز والدقيق والسمن والأبزار وأحمال الحطب وتلك البلاد كلها لا يعرف بها الفحم وكذلك الهند وخراسان وبلاد العجم. وأما الصين فيوقدون فيها حجارة تشتعل
стр. 319
فيها النار كما تشتعل في الفحم، ثم إذا صارت رماداً عجنوه بالماء وجففوه بالشمس وطبخوه بها ثانية كذلك حتى يتلاشى.
وفي بعض أيام الجمع صليت على عادتي بمسجد أبي حفص فقال لي أن الأمير أمر لك بخمسمائة درهم وأمر أن يصنع لك دعوة ينفق فيها خمسمائة درهم أخرى يحضرها المشايخ والفقهاء والوجوه فلما أمر بذلك قلت أيها الأمير تصنع دعوة يأكل من حضرها لقمة أو لقمتين لو جعلت له جميع المال كان أحسن له للنفع فقال أفعل ذلك وقد أمر لك بالألف كاملة ثم بعثها الأمير صحبة إمامة شمس الدين السنجري في خريطة يحملها غلامه وصرفها من الذهب المغربي ثلاثمائة دينار. وكنت قد اشتريت ذلك اليوم فرساً أدهم اللون بخمسة وثلاثين ديناراً دراهم وركبته في ذهابي إلى المسجد فما أعطيت ثمنه إلا من تلك الألف وتكاثرت عندي الخيل بعد ذلك حتى انتهت إلى عدد لا أذكره خيفة مكذب يكذب به ولم تزل حالي في الزيادة حتى دخلت أرض الهند وكانت عندي خيل كثيرة لكني كنت أفضل هذا الفرس وأوثره وأربطه أمام الخيل وبقي عندي إلى انقضاء ثلاث سنين ولما هلك تغيرت حالي. وبعثت إلي الخاتون جيجا أغا امرأة القاضي مائة دينار دراهم، وصنعت لي أختها ترابك زوجة الأمير دعوة جمعت لها الفقهاء ووجوه المدينة بزاويتها التي بنتها، وفي الطعام للوارد والصادر، وبعثت إلي بفروة سمور وفرس جيد وهي من أفضل النساء وأصلحهن وأكرمهن جزاها الله خيراً.
ولما انفصلت من الدعوة التي صنعت لي هذه الخاتون وخرجت عن الزاوية تعرضت لي بالباب امرأة عليها ثياب دنسة على رأسها مقنعة ومعها نسوة لا أذكر عددهن فسلمت عليّ فرددت ﵍ ولم أقف معها ولا التفت إليها فلما خرجت أدركني بعض الناس وقالوا لي أن المرأة التي سلّمت عليّ هي الخاتون فخجلت عند ذلك وأردت الرجوع إليها فوجدتها قد انصرفت فأبلغت إليها السلام مع بعض خدامه واعتذرت عما ما كان مني لعدم معرفتي بها.
وبطيخ خوارزم لا نظير له في بلاد الدنيا شرقاً ولا غرباً، إلا ما كان من بطيخ بخارى ويليه بطيخ أصفهان وقشره أخضر وباطنه أحمر وهو صادق الحلاوة وفيه صلابة ومن العجائب أنه يقدد وييبس في الشمس، ويجعل في
стр. 320
القواصر، كما يصنع عندنا بالشريحة وبالتين المالقي. ويحمل من خوارزم إلى أقصى بلاد الهند والصين. وليس في جميع الفواكه اليابسة أطيب منه. وكنت أيام إقامتي بدلهي من بلاد الهند متى قدم المسافرون بعثت من يشتري لي منهم قديد البطيخ وكان ملك الهند إذا أتي إليه بشيء منه بعث إلي به لما يعلم من محبتي فيه ومن عادته أنه يطرف الغرباء بفواكه بلادهم ويتفقدهم بذلك.
وكان قد صحبني من مدينة السرا إلى خوارزم شريف من أهل كربلاء يسمى علي بن منصور وكان من التجار فكنت أكلفه أن يشتري لي الثياب وسواها فكان يشتري لي الثوب بعشرة دنانير ويقول اشتريتها بثمانية ويحاسبني بالثمانية ويدفع الدينارين من ماله وأنا لا علم لي بفعله إلا أن تعرفت على ذلك من ألسنة الناس وكان مع ذلك قد أسلفني دنانير فلما وصل إلى إحسان أمير خوارزم رددت إليه ما أسلفنيه وأردت أن أحسن بعده إليه مكافأة لأفعاله الحسنة فأبى ذلك وحلف أن لا أفعل وأردت أن أحسن إلى فتى كان اسمه كافور فحلف أن لا أفعل وكان أكرم من لقيته من العراقيين. وعزم على السفر معي إلى بلاد الهند ثم أن جماعة من أهل بلده وصلوا خوارزم برسم السفر إلى الصين فأخذ في السفر معهم فقلت له في ذلك فقال هؤلاء أهل بلدي يعودون إلى أهلي وأقاربي ويذكرون إني سافرت إلى الهند برسم الهدية فيكون سبّة عليّ. لا أفعل ذلك. وسافر معهم إلى الصين فبلغني بعد وأنا بأرض الهند أنه لما بلغ إلى مدينة المالق وهي آخر البلاد من عمالة ما وراء النهر وأول بلاد الصين أقام بها وبعث فتى له بما كان عنده من المتاع فأبطأ الفتى عليه وفي أثناء ذلك وصل من بلده بعض التجار ونزل معه في فندق واحد فطلب منه الشريف أن يسلفه شيئا بخلال ما يصل فتاه فلم يفعل ثم أكد قبح ما صنع في عدم التوسعة على الشريف بأن أراد الزيادة عليه في المسكن الذي كان له في الفندق فبلغ ذلك الشريف فاغتم منه ودخل إلى بيته فذبح نفسه فأدرك وبه رمق واتهموا غلاماً كان له بقتله فقال لا تظلموه فإني أنا فعلت ذلك ومات من يومه غفر الله له.
وكان قد حكى لي عن نفسه أنه أخذ مرة من بعض تجار دمشق ستة آلاف درهم