← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12009

رحلة ابن بطوطة ط دار الشرق العربي

ابن بطوطة

Полный текст (582 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قصة خصيب: يذكر أن أحد الخلفاء من بني العباس ﵃ غضب على أهل مصر فآلى أن يولي عليهم أحقر عبيده وأصغرهم شأنا قصدا لإذلالهم والتنكيل بهم وكان خصيب أحقرهم إذ كان يتولى تسخين الحمام فخلع عليه وأمره على مصر وظنه أنه يسير فيهم سيرة سوء ويقصدهم بالأذية حسبما هو المعهود ممن ولي عن غير عهد بالعز فلما استقر خصيب بمصر سار في أهلها

стр. 37

أحسن سيرة وشهر بالكرم والإيثار فكان أقارب الخلفاء وسواهم يقصدونه فيجزل العطاء لهم ويعودون إلى بغداد شاكرين لما أولاهم وأن الخليفة افتقد بعض العباسيين وغاب عنه مدة ثم أتاه فسأله عن مغيبة فأخبره أنه قصد خصيبا وذكر له ما أعطاه خصيب وكان جزيلاً فغضب الخليفة وأمر بسمل عيني خصيب وأخرجه من مصر إلى بغداد وأن يطرح في أسواقها فلما ورد الأمر بالقبض عليه حيل بينه وبين دخوله منزله وكانت بيده ياقوتة عظيمة الشأن فخباها عنده وخاطها في ثوب لها ليلاً وسملت عيناه وطرح في أسواق بغداد فمر به بعض الشعراء فقال يا خصيب أني كنت قصدتك من بغداد إلى مصر مادحا لك بقصيدة فوافقت انصرافك عنها وأحب أن تسمعها فقال كيف بسماعها وأنا على ما تراه فقال إنما قصدي سماعك لها وأما العطاء فقد أعطيت الناس وأجزلت جزاك الله خيرا قال فافعل فأنشد: أنت الخصيب وهذه مصر ... فتدفقا فكلاكما بحر فلما أتى على اخرها قال له: افتق هذه الخياطة ففعل ذلك فقال له خذ الياقوتة فأبى فأقسم عليه أن يأخذها فأخذها وذهب بها إلى سوق الجوهريين فلما عرضها عليهم قالوا له أن هذه لا تصلح إلا للخليفة فرفعوا أمرها إلى الخليفة فأمر الخليفة بإحضار الشاعر واستفهمه عن شأن الياقوتة فأخبره بخبرها فتأسف على ما فعله بخصيب وأمر بمثوله بين يديه وأجزل له العطاء وحكمه فيما يريد فرغب أن يعطيه المنية ففعل ذلك وسكنها خصيب إلى أن توفي وأورثها عقبه إلى أن انقرضوا وكان قاضي هذه المنية أيام دخولي إليها فخر الدين النويري المالكي وواليها شمس الدين أمير خير كريم. دخلت يوما الحمام بهذه البلدة فرأيت الناس بها لا يستترون فعظم ذلك علي وأتيته فأعلمته بذلك فأمرني ألا أبرح وأمر بإحضار المكترين للحمامات وكتبت عليهم العقود أنه متى دخل أحد الحمام دون مئزر فإنهم يؤاخذون على ذلك واشتد عليهم أعظم الاشتداد ثم انصرفت عنه. وسافرت من منية ابن خصيب إلى مدينة منلوي١ وهي صغيرة مبنية على مسافة ميلين من النيل "وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان النون وفتح اللام وكسر الواو". وقاضيها

стр. 38

الفقية شرف الدين الدميري "بفتح الدال المهمل وكسر الميم" الشافعي وكبارها قوم يعرفون ببني فضيل بنى أحدهم جامعا أنفق فيه صميم ماله وبهذه المدينة إحدى عشرة معصرة للسكر- ومن عوائدهم أنهم لا يمنعون فقيرا من دخول معصرة منها فيأتي الفقير بالخبزة الحارة فيطرحها في القدر التي يطبخ السكر فيها ثم يخرجها وقد امتلاءت سكرا فينصرف بها. وسافرت من منلوى المذكورة إلى مدينة منفلوط وهي مدينة حسن هواؤها مؤنق بناؤها على ضفة النيل شهيرة البركة "وضبط اسمها بفتح الميم وإسكان النون وفتح الفاء وضم اللام وآخرها طاء مهمل". وقد أخبرني أهل هذه المدينة أن الملك الناصر ﵀ أمر بعمل منبر عظيم محكم الصنعة بديع الإنشاء برسم المسجد الحرام زاده الله شرفا وتعظيما فلما تم عمله أمر أن يصعد به في النيل ليجتاز إلى بحر جدة ثم إلى مكة شرفها الله فلما وصل المركب الذي احتمله إلى منفلوط وحاذى مسجدها الجامع وقف وامتنع من الجري مع مساعدة الريح فعجب الناس من شأنه أشد العجب وأقاموا أياما لا ينهض بهم المركب فكتبوا بخبر إلى الملك الناصر ﵀ فأمر أن يجعل ذلك المنبر بجامع مدينة منفلوط ففعل ذلك وقد عاينته بها ويصنع في هذه المدينة شبه العسل يستخرج من القمح ويسمونه النيدا. يباع بأسواق مصر. وسافرت من هذه المدينة إلى مدينة أسيوط وهي مدينة رفيعة أسواقها بديعة "وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وضم الياء آخر الحروف واو وطاء مهملة" وقاضيها شرف الدين بن عبد الرحيم الملقب "بحاصل ما ثم" لقب اشتهر به وأصله أن القضاة بديار مصر والشام بأيديهم الأوقاف والصدقات لأبناء السبيل فإذا أتى فقير لمدينة من المدن قصد القاضي بها فيعطيه ما قدر له فكان القاضي إذا أتاه الفقير يقول له حاصل ما ثم١ أي لم يبق من المال الحاصل شيء فلقب بذلك ولزمه وبها من المشايخ الفضلاء الصالح شهاب الدين ابن الصباغ أضافني بزاويته. وسافرت منها إلى مدينة أخميم وهي مدينة عظيمة أصيلة البنيان عجمية الشأن بها البربي المعروف باسمه وهو مبني بالحجارة في داخله نقوش وكتابة للأوائل، لا تفهم في هذا

стр. 39

العهد، وصور الأفلاك والكواكب ويزعمون أنها بنيت والنسر الطائر ببرج العقرب وبها صور الحيوانات وسواها وعند الناس في هذه الصور أكاذيب لا يعرج عليها وكان بأخميم رجُلٌ يعرف بالخطيب أمر على هدم بعض هذه البرابي وابتنى بحجارتها مدرسة وهو رجل موسر معروف باليسار ويزعم حساده أنه استفاد ما بيده من المال من ملازمته لهذه البرابي ونزلت من هذه المدينة بزاوية الشيخ أبي العباس ومجد الدين وواحد الدين. ومن عادتهم أن يجتمعوا جميعا بعد صلاة الجمعة ومعهم الخطيب نور الدين المذكور وأولاده وقاضي المدينة الفقيه مخلص وسائر أهلها فيجتمعون للقرآن ويذكرون الله إلى صلاة العصر فإذا صلوها قرأوا سورة الكهف ثم انصرفوا. وسافرت من أخميم إلى مدينة "هُو": مدينة كبيرة بساحل النيل "وضبها بضم الهاء" ونزلت منها بمدرسة تقي الدين ابن السراج ورأيتهم يقرأون بها في كل يوم بعد صلاة الصبح حزبا من القرآن ثم يقرأون أوراد الشيخ أبي الحسن الشاذلي وحزب البحر وبهذه المدينة السيد الشريف أبو محمد عبد الله الحسني من كبار الصالحين دخلت إلى هذا الشريف متبركا برؤيته والسلام عليه فسألني عن قصدي فأخبرته إني أريد البيت الحرام على طريق جدة فقال لي ولا يحصل لك هذا في هذا الوقت فارجع وإنما تحج أول حجة على الدرب الشامي فانصرفت عنه، ولم أعمل على كلامه ومشيت في طريقي حتى وصلت إلى عيذاب فلم يتمكن لي السفر فعدت راجعا إلى مصر ثم إلى الشام وكان طريقي في أول حجاتي على الدرب الشامي حسبما أخبرني الشريف نفع الله به. ثم سافرت إلى مدينة قنا، وهي صغيرة حسنة الأسواق، "وضبط اسمها بقاف مكسورة ونون". وبها قبر الشريف الصالح الولي صاحب البراهين العجيبة والكرامات الشهيرة عبد الرحيم القناوي رحمة الله عليه. ورأيت بالمدرسة السيفية حفيدة شهاب الدين أحمد. وسافرت من هذا البلد إلى مدينة قوص "وهي بضم القاف" مدينة عظيمة لها خيرات عميمة بساتينها مورقة وأسواقها مونقة ولها المساجد الكثيرة والمدارس الأثيرة وهي منزل ولاة الصعيد وبخارجها زاوية الشيخ شهاب الدين بن عبد الغفار وزاوية الأفرام١ وبها اجتماع الفقراء

стр. 40

المتجردين في شهر رمضان من كل سنة ومن علمائها القاضي جمال الدين بن السديد والخطيب بها فتح الدين بن دقيق العيد أحد الفصحاء البلغاء الذين حصل لهم السبق في ذلك لم أر من يماثله إلا خطيب المسجد الحرام بهاء الدين الطبري وخطيب مدينة خوارزم حسام الدين المشاطي وسيقع ذكرهما ومنهم الفقيه برهان الدين إبراهيم الأندلسي له زاوية عالية. ثم سافرت إلى مدينة الأقصر١ "وضبط اسمها بفتح الهمزة وضم الصاد المهمل". وهي صغيرة حسنة وبها قبر الصالح العابد أبي الحجاج الأقصري وعليه زاوية. وسافرت منها إلى مدينة آرمنت. "وضبط اسمها بفتح الهمزة وسكون الراء وميم مفتوحة ونون ساكنة وتاء فوقية"، وهي صغيرة ذات بساتين مبنية على ساحل النيل أضافني قاضيها ونسيت اسمه. ثم سافرت منها إلى مدينة أسنا "وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان السين المهمل ونون" مدينة عظيمة متسعة الشوارع ضخمة المنافع كثيرة الزوايا والمدارس والجوامع لها أسواق حسان وبساتين ذات أفنان قاضيها قاضي القضاة شهاب الدين بن مسكين أضافني وأكرمني، وكتب إلى نوابه بإكرامي وبها من الفضلاء الشيخ الصالح نور الدين علي والشيخ الصالح عبد الواحد المكناسي وهو على هذا العهد صاحب زاوية بقوص. ثم سافرت منها إلى مدينة أدفو٢ "وضبط اسمها بفتح الهمزة وإسكان الدال المهمل وضم الفاء"، وبينها وبين مدينة أسنا مسيرة يوم وليلة في صحراء لا عمارة بها، إلاّ أنها آمنة السبل. وفي بعض منازلها نزلنا حميثرا حيث قبر ولي الله أبي الحسن الشاذلي، وقد ذكرنا كرامته في إخباره أنه يموت بها وأرضها وكثيرة الضباع ولم نزل ليلة مبيتنا بها نحارب الضباع ولقد قصدت رحلي ضبع منها فمزقت عدلا كان به واجتزت منه جراب تمر وذهبت به فوجدناه لما أصبحنا ممزقا مأكولا معظم ما كان فيه. ثم لما سرنا خمسة عشر يوما وصلنا إلى مدينة عيذاب وهي مدينة كبيرة

стр. 41

كثيرة الحوت واللبن ويحمل إليها الزوع والثمر من صعيد مصر وأهلها البجاة١ وهم سود الألوان يلتحفون بملاحف صفراء ويشدون على رؤوسهم عصائب يكون عرض العصابة إصبعا وهم لا يورثون البنات طعامهم ألبان الإبل ويركبون المهاري ويسمونها الصهب وثلث المدينة للملك الناصر وثلثاه لملك البجاة وهو يعرف بالحدربي "بفتح الحاء المهمل وإسكان الدال وراء مفتوحة وباء موحدة وياء" وبمدينة عيذاب مسجد ينسب للقسطلاني شهير البركة رأيته وتبركت به وبها الشيخ الصالح موسى والشيخ المسن محمد المراكشي زعم أنه ابن المرتضى ملك مراكش وأن سنه خمسة وتسعون سنة ولما وصلنا إلى عيذاب وجدنا الحدربي سلطان البجاة يحارب الأتراك وقد خرق المراكب وهرب الترك أمامه فتعذر سفرنا في البحر فبعنا ما كنا أعددناه من الزاد وعدنا مع العرب الذين اكترينا الجمال منهم إلى صعيد مصر فوصلنا إلى مدينة قوص التي تقدم ذكرها وانحدرنا منها في النيل وكان أوان مده فوصلنا بعد مسيرة ثمان من قوص إلى مصر فبت بمصر ليلة واحدة وقصدت بلاد الشام وذلك في منتصف شعبان سنة ست وعشرين فوصلت إلى مدينة بلبيس٢ "وضبط اسمها بفتح الموحدة الأولى وفتح الثانية ثم ياء آخر الحروف مسكنة وسين مهملة"، وهي مدينة كبيرة ذات بساتين كثيرة ولم ألق بها من يجب ذكره. ثم وصلت إلى الصالحية ومنها دخلنا الرمال٣ ونزلنا منازلها مثل السوادة والواردة والمطيلب والعريش والخروبة. بكل منزل منها فندق. وهم يسمونه الخان ينزله المسافرون بدوابهم وبخارج كل خان ساقية للسبيل وحانوت يشتري منه المسافر ما يحتاجه لنفسه ودابته. من منازلها قَطْيا المشهورة وهي "بفتح القاف وسكون الطاء وياء آخر الحروف مفتوحة وألف. والناس يبدلون ألفها هاء تأثنث". وبها تؤخذ الزكاة من التجار، وتفتش أمتعتهم ويبحث عما

стр. 42

لديهم أشد البحث. وفيها الدواوين والعمال والكتاب والشهود ومجباها في كل يوم ألف دينار من الذهب ولا يجوز عليها أحد إلى الشام إلا ببراءة من مصر ولا إلى مصر إلا ببراءة من الشام إحتياطا على أموال الناس وتوقيا من الجواسيس العراقيين وطريقها في ضمان العرب قد وكلوا بحفظه فإذا كان الليل مسحوا على الرمل حتى لا يبقى به أثر ثم يأتي الأمير صباحا فينظر إلى الرمل فإن وجد به أثرا طالب العرب بإحضار مؤثره فيذهبون في طلبه فلا يفوتهم فيأتون به الأمير فيعاقبه بما شاء وكان بها في عهد وصولى إليها عز الدين أستاذ الدار قماري من خيار الأمراء أضافني وأكرمني وأباح الجواز لمن كان معي وبين يديه عبد الجليل المغربي الوقاف وهو يعرف المغاربة وبلادهم فيسأل من ورد منهم من أي البلاد هو لئلا يلبس عليهم فإن المغاربة لا يعترضون جوازهم على قطيا. ثم سرنا حتى وصلنا إلى مدينة غزة وهي أول بلاد الشام مما يلي مصر متسقة الأقطار كثيرة العمارة حسنة الأسواق بها المساجد العديدة والأسوار عليها وكان بها جامع حسن والمسجد الذي تقام الآن به الجمعة فيها بناه الأمير المعظم الجاولي وهو أنيق البناء محكم الصنعة ومنبره من الرخام الأبيض وقاضي غزة بدر الدين السلختي الحوراني ومدرسها علم الدين بن سالم وبنو سالم كبراء هذه المدينة ومنهم شمس الدين قاضي القدس. ثم سافرت من غزة إلى مدينة الخليل صلى الله على نبينا وعليه وسلم تسليما وهي مدينة صغيرة الساحة كبيرة المقدار مشرقة الأنوار حسنة المنظر عجيبة المخبر في بطن واد ومسجدها أنيق الصنعة محكم العمل بديع الحسن سامي الارتفاع مبني بالصخر المنحوت في أحد أركانه صخرة أحد أقطارها سبعة وثلاثون شبرا ويقال أن سليمان ﵇ أمر الجن ببنائه وفي داخل المسجد الغار المكرم المقدس فيه قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلوات الله على نبينا وعليهم ويقابلهم قبور ثلاثة هي قبور أزواجهم وعن يمين المنبر يلصق جدار القبلة موضع يهبط منه على درج رخام محكمة العمل إلى مسلك ضيق يفضي إلى ساحة مفروشة بالرخام فيها صور القبور الثلاثة ويقال أنها محاذية لها وكان هناك مسلك إلى الغار المبارك وهو الآن مسدود وقد نزلت بهذا الموضع مرات ومما ذكره أهل العلم دليلا على صحة كون القبور الثلاثة الشريفة هنالك ما نقله من كتاب علي بن جعفر الرازي الذي سماه المسفر للقلوب عن صحة قبر إبراهيم وإسحاق ويعقوب أسند فيه إلى أبي

стр. 43

هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "لما أسرى بي إلى بيت المقدس مر بي جبريل على قبر إبراهيم، فقال: أنزل فصل ركعتين فإن هنا قبر أبيك إبراهيم ثم مر بيت على بيت لحم، وقال: انزل فصل ركعتين فإن هنا ولد أخوك عيسى ﵇، ثم أتى بي الصخرة". وذكر بقية الحديث ولما لقيت بهذه المدينة المدرس الصالح المعمر الإمام الخطيب برهان الدين الجعبري أحد الصلحاء المرضيين والأئمة المشهورين سألته عن صحة كون قبر الخليل ﵇ هنالك فقال لي كل من لقيته من أهل العلم يصححون أن هذه القبور قبور إبراهيم وإسحاق ويعقوب على نبينا وعليهم السلام وقبور زوجاتهم ولا يطعن في ذلك إلا أهل البدع وهو نقل الخلف عن السلف لا يشك فيه ويذكر أن بعض الأئمة دخل إلى الغار ووقف عند قبر سارة فدخل شيخ فقال له أي هذه القبور هو قبر إبراهيم فأشار له إلى قبره المعروف ثم دخل شاب فسأله كذلك فأشار له إليه ثم دخل صبي فسأله أيضا فأشار له إليه فقال الفقيه أشهد أن هذا قبر إبراهيم ﵇ لا شك ثم دخل إلى المسجد فصلى به وارتحل من الغد وبداخل هذا المسجد أيضا قبر يوسف ﵇، وبشرقي حرم الخليل تربة لوط ﵇ وهي تل مرتفع منه على غور الشام وعلى قبره أبنية حسنة وهو في بيت منها حسن البناء مبيض ولا ستور عليه وهنالك بحيرة لوط١ وهي أجاج يقال أنها موضع ديار قوم لوط وبمقربة من تربة لوط مسجد اليقين وهو على تل مرتفع له نور وإشراق ليس لسواه ولا يجاوره إلا دار واحدة يسكنها قيمه وفي المسجد بمقربة من بابه موضع منخفض في حجر صلد قد هيئ فيه صورة محراب لا يسع إلا مصليا واحدا ويقال أن إبراهيم سجد في ذلك الموضع شكرا لله تعالى عند هلاك قوم لوط فتحرك موضع سجوده وساخ في الأرض قليلا وبالقرب من هذا المسجد مغارة فيها قبر فاطمة بنت الحسين بن علي ﵉ وبأعلى القبر وأسفله لوحان من الرخام في أحدهما مكتوب منقوش بخط بديع بسم الله الرحمن الرحيم له العزة والبقاء وله ما ذرا وبرا وعلى خلقه كتب الفناء وفي رسول الله أسوة حسنة هذا قبر أم سلمة فاطمة بنت الحسين ﵁ وفي اللوح الآخر منقوش صنعه محمد بن أبي

стр. 44

سهل النقاش بمصر وتحت ذلك في هذه الأبيات: أسكنت من كان الأحشاء مسكنه ... بالرغم مني بين الترب والحجر يا قبر فاطمة بنت ابن فاطمة ... بنت الأئمة بنت الأنجم الزهر يا قبر ما فيك من دين ومن ورع ... ومن عفاف ومن صون ومن خفر ثم سافرت من هذه المدينة إلى القدس. فزرت في طريقي إليه تربة يونس ﵇ وعليها أبنية كبيرة ومسجد. وزرت أيضا بيت لحم موضع ميلاد عيسى ﵇ وبه أثر جذع النخلة وعليه عمارة كثيرة والنصارى يعظمونه أشد التعظيم ويضيفون من نزل به. ثم وصلنا إلى بيت المقدس شرفه الله ثالث المسجدين الشريفين في رتبة الفضل ومصعد رسول الله ﷺ تسليما ومعرجه إلى السماء والبلدة كبيرة منيفة بالصخر المنحوت وكان الملك الصالح الفاضل صلاح الدين ابن أيوب جزاه الله عن الإسلام خيرا لما فتح هذه المدينة هدم بعض سورها ثم استنقض الملك الظاهر١ هدمه خوفاً أن يقصدها الروم فيتمنعوا بها ولم يكن بهذه المدينة نهر فيما تقدم وجلب لها الماء في هذا العهد الأمير سيف الدين تنكيز أمير دمشق.

стр. 45

خبر المسجد المقدس ... خبر المسجدس المقدس: وهو من المساجد العجيبة الرائقة الفائقة الحسن، يقال: إنه ليس على وجه الأرض مسجد أكبر منه وأن طوله من شرق إلى غرب سبعمائة وثنتان وخمسون ذراعا بالذراع المالكية وعرض من القبلة إلى الجوف أربعمائة ذراع وخمس وثلاثون ذراعا وله أبواب كثيرة في جهاته الثلاث وأما الجهة القبلية منه فلا أعلم بها إلا بابا واحدا وهو الذي يدخل منه الإمام والمسجد كله فضاء وغير مسقف إلا المسجد الأقصى فهو مسقف في النهاية من إحكام الفعل وإتقان الصنعة مموه بالذهب والأصباغ الرائقة وفي المسجد مواضع سواه مسقفة.

стр. 46

قبة الصخرة: من أعجب المباني وأتقنها وأغربها شكلا قد توفر حظها من المحاسن وأخذت من كل بديعة بطرف وهي قائمة على نشز في وسط السجد يصعد إليها في درج رخام ولها أربعة أبواب والدائر بها مفروش بالرخام أيضا محكم الصنعة وكذلك داخلها وفي ظاهرها وباطنها من أنواع الزواقة١ ورائق الصنعة ما يعجز الواصف وأكثر ذلك مغشى بالذهب فهي تتلألأ نورا وتلمع لمعان البرق يحار بصر متأملها في محاسنها ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها وفي الوسط القبة الصخرية الكريمة التي جاء ذكرها في الآثار فإن النبي ﷺ عرج منها إلى السماء وهي صخرة صماء ارتفاعها نحو قامة وتحتها مغارة مقدار بيت صغير ارتفاعها نحو قامة أيضا ينزل إليها على درج وهنالك شكل محراب وعلى الصخرة شباكان اثنان محكما العمل يغلقان عليها أحدهما وهو الذي يلي الصخرة من حديد بديع الصنعة والثاني من خشب وفي القبة درقة كبيرة من حديد معلقة هنالك والناس يزعمون أنها درقة حمزة بن عبد المطلب ﵁. المشاهد المباركة بالقدس الشريف: فمنها بعدوة الوادي المعروف بوادي جهنم في شرقي البلد على تل مرتفع وهنالك بنية يقال إنها مصعد عيسى ﵇ إلى السماء ومنها أيضا قبر رابعة البدوية منسوبة إلى البادية وهي خلاف رابعة العدوية الشهيرة وفي بطن الوادي المذكور كنيسة يعظمها النصارى ويقولون أن قبر مريم ﵍ بها وهنالك أيضا كنيسة أخرى معظمة يحجها النصارى وهي التي يكذبون عليها ويعتقدون أن قبر عيسى ﵇ بها. وعلى كل من يحجها ضريبة معلومة للمسلمين وضروب من الإهانة يتحملها على رغم أنفه. وهنالك موضع مهد عيسى ﵇ يتبرك به.

стр. 47

فضلاء القدس المشهورين: ومن بعض فضلاء القدس قاضيه العالم شمس الدين محمد بن سالم الغزي "بفتح الغين"، وهو من أهل غزة وكبرائها. ومنهم خطيبه الصالح الفاضل عماد الدين النابلسي ومنهم المحدث المفتي شهاب الدين الطبري ومنهم مدرس المالكية وشيخ الخانقا الكريمة أبو عبد الله بن مثبت الغرناطي نزيل القدس ومنهم الشيخ الزاهد أبو علي حسن المعروف بالحجوب من كبار الصالحين ومنهم الشيخ الصالح العابد كمال الدين المراغي ومنهم الشيخ الصالح العابد أبو عبد الرحيم عبد الرحمن بن مصطفى من أهل أرز الروم وهو من تلامة تاج الدين الرفاعي صحبته ولبست منه خرقة التصوف. ثم سافرت من القدس الشريف برسم زيارة ثغر عسقلان وهو خراب قد عاد رسوما طامسة وأطلالا دارسة وقل بلد من المحاسن ما جمعته عسقلان اتقانا وحسن وضع وأصالة مكان وجمعا بين مرافق البر والبحر وبها المشهد حيث كان رأس الحسين بن علي ﵇ قبل أن ينقل إلى القاهرة وهو مسجد عظيم سامي العلو فيه جب للماء أمر ببنائه بعض العبيد وكتب ذلك على بابه وفي قبلة هذا المزار مسجد كبير يعرف بمسجد عمر لم يبق منه إلا حيطانه وفيه أساطين رخام لا مثيل لها في الحسن وهي ما بين قائم وحصيد ومن جملتها أسطوانة حمراء عجيبة يزعم الناس أن النصارى احتملوها إلى بلادهم ثم فقدوها فوجدت في موضعها بعسقلان وفي القبلة من هذا المسجد بئر تعرف ببئر إبراهيم ﵇ ينزل إليها في درج متسعة ويدخل منها إلى بيوت وفي كل ناحية من جهاتها الأربع تخرج من أسراب مطوية بالحجارة وماؤها عذب وليس بالغزير ويذكر الناس من فضائلها كثيراً وبظاهر عسقلان وادي النمل ويقال أنه المذكور في الكتاب العزير وبجبانة عسقلان من قبور الشهداء والأولياء مالا يحصر لكثرته أوقفنا عليهم المزار المذكور وله جراية يجريها له ملك مصر مع ما يصل إليه من صدقات الزوار. ثم سافرت منها إلى مدينة الرملة وهي فلسطين مدينة كبيرة كثيرة الخيرات حسنة الأسواق وبها الجامع الأبيض ويقال أن في قبلته ثلاثمائة من الأنبياء مدفونين ﵈ وفيها من كبار الفقهاء مجد الدين النابلسي. ثم خرجت منها إلى مدينة نابلس وهي مدينة

стр. 48

عظيمة كثيرة الأشجار مطردة الأنهار من أكثر بلاد الشام زيتونا ومنها يحمل الزيت إلى مصر ودمشق وبها تصنع حلواء الخروب وتجلب إلى دمشق وغيرها وكيفية عملها أن يطبخ الخروب ثم يعصر ويؤخذ ما يخرج منه من الرب فتصنع منه الحلواء ويجلب ذلك الرب أيضا إلى مصر والشام وبها البطيخ المنسوب إليها وهو طيب عجيب والمسجد الجامع في نهاية من الإتقان والحسن وفي وسطه بركة ماء عذب. ثم سافرت منها إلى مدينة عجلون "وهي بفتح العين المهملة" وهي مدينة حسنة لها أسواق كثيرة وقلعة خطيرة ويشقها نهر ماؤه عذب. ثم سافرت منها بقصد اللاذقية فمررت بالغور وهو واد بين تلال به قبر أبي عبيدة بن الجراح أمين هذه الأرض ﵁ زرناه وعليه زاوية فيها الطعام لأبناء السبيل وبتنا هنالك ليلة. ثم وصلنا إلى القصير وبه قبر معاذ بن جبل ﵁ وتبركت أيضا بزيارته. ثم سافرت على الساحل فوصلت إلى مدينة عكة١ وهي خراب وكانت عكة قاعدة بلاد الإفرنج بالشام ومرسى سفنهم وتشبه قسطنطينية العظمى، وبشرقيها عين ماء تعرف بعين البقر يقال أن الله تعالى أخرج منها البقر لآدم ﵇ وينزل إليه في درج وكان عليها مسجد بقي منه محرابه وبهذ المدينة قبر صالح ﵇. ثم سافرت منها إلى مدينة صور وهي خراب وبخارجها قرية معمورة وأكثر أهلها أرفاض ولقد نزلت بها مرة على بعض المياه أريد الوضوء فأتى بعض أهل تلك القرية ليتوضأ فبدأ بغسل رجليه ثم غسل وجهه ولم يتمضمض ولا استنشق ثم مسح بعض رأسه فأخذت عليه في فعله فقال لي أن البناء إنما يكون ابتداؤه من الأساس. ومدينة صور هي التي يضرب بها المثل في الحصانة والمنعة لأن البحر محيط بها من ثلاث جهاتها ولها بابان أحدهما للبر والثاني للبحر ولبابها الذي يشرع للبر أربعة فصلات كلها في ستائر محيطة بالباب وأما الباب الذي للبحر فهو بين برجين عظيمين وبناؤها ليس في بلاد الدنيا أعجب ولا أغرب شأنا منه لأن البحر محيط بها من ثلاث جهاتها وعلى الجهة الرابعة سور تدخل السفن تحت السور وترسو هنالك وكان فيما تقدم بين البرجين سلسلة حديد معترضة لا سبيل إلى الداخل هنالك ولا إلى الخارج إلا بعد

стр. 49

حطها وكان عليها الحراس والأمناء فلا يدخل داخل ولا يخرج خارج إلاعلى علم منهم. وكان لعكة أيضا ميناء مثلها ولكنها لم تكن تحمل إلا السفن الصغار. ثم سافرت منها إلى مدينة صيدا وهي على ساحل البحر حسنة كثيرة الفواكه يحمل منها التين والزبيب والزيت إلى بلاد مصر نزلت عند قاضيها كما الدين الأشموني المصري وهو حسن الأخلاق كريم النفس. ثم سافرت منها إلى مدينة طبرية وكانت فيما مضى مدينة كبيرة ضخمة. ولم يبق منها إلا رسوم تنبيء عن ضخامتها وعظم شأنها. وبها الحمامات العجيبة لها بيتان أحدهما للرجال والثاني للنساء وماؤها شديد الحرارة ولهاالبحيرة الشهيرة طولها نحو ستة فراسخ وعرضها أزيد من ثلاثة فراسخ وبطبرية مسجد يعرف بمسجد الأنبياء فيه قبر شعيب ﵇ وبنته زوج موسى الكليم ﵇ وقبر سليمان ﵇ وقبر يهودا وقبر روبيل صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم. وقصدنا منها زيارة الجب الذي ألقي فيه يوسف ﵇ وهو في صحن مسجد صغير وعليه زاوية والجب كبير عميق شربنا من مائه المجتمع من ماء المطر وأخبرنا قيمه أن الماء ينبع منه أيضا. ثم سرنا إلى مدينة بيروت وهي صغيرة حسنة الأسواق وجامعها بديع الحسن ويجلب منها إلى ديار مصر الفواكه. وقصدنا منها زيارة أبي يعقوب يوسف الذي يزعمون أنه من ملوك المغرب وهو بموضع يعرف بكرك نوح من بقاع العزيز، وعليه زاوية يطعم بها الوارد ويقال أن السلطان صلاح الدين وقف عليها الأوقاف وقيل السلطان نور الدين وكانوا من الصالحين ويذكر أنه كان ينسج الحصر ويقتات بثمنها.

стр. 50

حكاية أبي يعقوب يوسف المذكور يحكى أنه دخل مدينة دمشق فمرض بها مرضا شديدا وأقام مطروحا بالأسواق فلما برئ من مرضه خرج إلى ظاهر دمشق ليلتمس بستانا يكون حارسا له فاستؤجر لحراسة بستان للملك نور الدين وأقام في حراسته ستة أشهر فلما كان في أوان الفاكهة أتى السلطان إلى ذلك البستان وأمر وكيل البستان أبا يعقوب أن يأتي برمان يأكل منه السلطان فأتاه برمان فوجده حامضا فأمره أن يأتي بغيره ففعل ذلك فوجده حامضا فأمره أن يأتي بغيره ففعل ذلك فوجده أيضا حامضا فقال له الوكيل أتكون في حراسة هذا البستان منذ ستة أشهر ولا تعرف الحلو من الحامض فقال إنما استأجرتني على الحراسة لا على الأكل فأتى الوكيل إلى الملك فأعلمه بذلك فبعث إليه الملك وكان قد رأى في المنام أنه يجتمع مع أبي يعقوب وتحصل له منه فائدة فتفرس أنه هو فقال له أنت أبو يعقوب قال نعم فقام إليه وعانقه ثم أجلسه إلى جانبه ثم احتمله إلى مجلسه فأضافه بضيافة من الحلال المكتسب بكد يمينه وأقام عنده أياما ثم خرج من دمشق فارا بنفسه في أوان البرد الشديد فأتى قرية من قراها وكان بها رجل من الضعفاء فعرض عليه النزول عنده ففعل وصنع له مرقة وذبح دجاجة فأتاه بها وبخبز شعير فأكل من ذلك ودعا للرجل وكان عنده جملة أولاد منهم بنت قد أن بناء زوجها عليها ومن عوائدهم في تلك البلاد أن البنت يجهزها أبوها ويكون معظم الجهاز أواني النحاس وبه يتفاخرون وبه يتبايعون فقال أبو يعقوب للرجل هل عندك شيء من النحاس قال نعم قد اشتريت منه لتجهيز هذه البنت قال ائتني به فأتاه به فقال له استعر من جيرانك ما أمكنك منه ففعل وأحضر ذلك بين يديه فأوقد عليه النيران وأخرج صرة كانت عنده فيها الأكسير١ فطرح منه على النحاس فعاد كله ذهبا وتركه في بيت مقفل وكتب

стр. 51

كتابا إلى نور الدين ملك دمشق يعلمه بذلك وينبه على بناء مارستان للمرضى من الغرباء ويوقف عليه الأوقاف ويبني الزوايا بالطرق ويرضى أصحاب النحاس ويعطي صاحب البيت كفايته وقال له في آخر الكتاب: وإن كان إبراهيم بن أدهم قد خرج عن ملك خراسان فأنا قد خرجت عن ملك المغرب وعن هذه الصنعة والسلام، وفر من حينه وذهب صاحب البيت بالكتاب إلى الملك نور الدين فوصل الملك إلى تلك القرية واحتمل الذهب بعد أن أرضى أصحاب النحاس وصاحب البيت وطلب أبا يعقوب فلم يجد له أثرا ولا وقع له على خبر فعاد إلى دمشق وبنى المارستان المعروف باسمه الذي ليس في المعمور مثله. ثم وصلت إلى مدينة طرابلس وهي إحدى قواعد الشام وبلدانها الضخام تخترقها الأنهار وتحفها البساتين والأشجار ويكنفها البحر بمرافقه العميقة والبر بخيراته المقيمة ولها الأسواق العجيبة والمسارح الخصيبة والبحر على ميلين منها وهي حديثة البناء وأما طرابلس القديمة فكانت على ضفة البحر وتملكها الروم زمانا فلما استرجعها الملك الظاهر خربت واتخذ هذه الحديثة وبهذه المدينة نحو أربعين من أمراء الأتراك وأمير ها طيلان الحاجب المعروف بملك المراء ومسكنه منه بالدار المعروفة بدار السعادة ومن عوائده أن يركب في كل يوم اثنين وخمسين ويركب معه الأمراء والعساكر ويخرج إلى ظاهر المدينة فإذا عاد إليها وقارب الوصول إلى منزله ترجل الأمراء ونزلوا عن دوابهم ومشوا بين يديه حتى يدخل منزله وينصرفون وتضرب الطبلخانة عند دار كل أمير منهم بعد صلاة المغرب من كل يوم وتوقد المشاعل وممن كان بها من الأعلام كاتب السر بهاء الدين بن غانم أحد الفضلاء الحسباء معروف بالسخاء والكرم وأخوه حسام الدين وهو شيخ القدس الشريف وقد ذكرناه وأخوهما علاء الدين كاتب السر بدمشق ومنهم وكيل بيت المال قوام الدين بن مكين من أكابر الرجال ومنهم قاضي قضاتها شمس الدين بن النقيب من أعلام علماء الشام وبهذه المدينة حمامات حسان منها حمام القاضي القرمي وحمام سندمور وكان سندمور أمير هذه المدينة ويذكر عنه أخبار كثيرة في الشدة على أهل الجنايات منها أن امرأة

стр. 52

شكت إليه بأن أحد مماليكه الخواص تعدى عليها في لبن كانت تبيعه فشربه ولم تكن لها بينة فأمر به فوسط فخرج اللبن من مصرانه وقد اتفق مثل هذه الحكاية للعتريس أحد أمراء الملك الناصر أيام إمارته على عيذاب واتفق مثل للملك كبك سلطان تركستان. ثم سافرت من طرابلس إلى حصن الأكراد وهو بلد صغير كثير الأشجار والأنهار بأعلى تل، وبه زاوية تعرف بزاوية الإبراهيمي نسبة إلى بعض كبراء الأمراء ونزلت عند قاضيها ولا أحقق الآن اسمه. ثم سافرت إلى مدينة حمص وهي مدينة مليحة أرجاؤها مونقة وأشجارها مورقة وأنهارها متدفقة وأسواقها فسيحة الشوارع وجامعها متميز بالحسن الجامع وفي وسطه ماء وأهل حمص عرب لهم فضل وكرم وبخارج هذه المدينة قبر خالد بن الوليد سيف الله ورسوله وعليه زاوية ومسجد وعلى القبر كسوة سوداء وقاضي هذه المدينة جمال الدين الشريشي من أجمل الناس صورة وأحسنهم سيرة. ثم سافرت منها إلى مدينة حماة إحدى أمهات الشام الرفيعة ومدائنها البديعة ذات الحسن الرائق والجمال الفائق تحفها البساتين والجنات عليها النواعير كالأفلاك الدائرات يشقها النهر العظيم المسمى بالعاصي ولها ربض سمي بالمنصورية أعظم من المدينة فيه الأسواق الحافلة والحمامات الحسان وبحماة الفواكه الكثيرة ومنها المشمش اللوزي إذا كسرت نواته وجدت في داخلها لوزة حلوة. قال ابن جزي: وفي هذه المدينة ونهرها ونواعيرها وبساتينها يقول الأديب الرحال نور الدين أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد العبسي العماري الغرناطي نسبة لعمار بن ياسر ﵁. حمى الله من حماةَ مناظراً ... وقفتُ عليها السمعَ والفكر والطرْفا تغَنّى حمام أو تميل خمائل ... وتزهى مباني تمنع الواصف الوصفا يلومنني أن أعصيَ الصَّونَ والنُّهَى ... بها وأطيع الكأسَ واللهوَ والقصفا إذا كان فيها النهر عاصٍ فكيف لا ... أُحاكيه عصياناً وأشربُها صِرفاً وأشدو لدى تلك النواعر شدوها ... وأغلبها رقصاً وأشبهها غرْفا تئنّ وتذري دمعَها فكأنّها ... تهيمُ بمرآها وتسألها العَطْفا ولبعضهم في نواعيرها ذاهباً مذهب التورية: وناعورةٍ رقّت لَعَظم خطيئتي ... وقد عاينت قصدي من المنزل القاضي بكَتْ رحمةً ثم باحَت بِشجْوِها ... وحَسْبُكَ أن الخُشبَ تبكي على العاصي

стр. 53

ولبعض المتأخرين فيها أيضاً من التورية: يا سادةً سكنوا حماةً وحقّكم ... ما حِلتُ عن تقوى وعن إخلاص والطرف بعدكم إذا اذكر اللقا ... يجري المدامع طائعاً كالعاصي. ثم سافرت إلى مدينة المعرة التي ينسب إليها الشاعر أبو العلاء المعري وكثير سواه من الشعراء. قال ابن جزي: وإنما سميت بمعرة النعمان لأن النعمان بن بشير الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ توفي له ولد أيام إمارته على حمص، فدفنه بالمعرة، فعرف به. وكانت قبل ذلك تسمى ذات القصور. وقيل: أن النعمان جبل مطل عليها سميت به. والمعرة مدينة كبيرة حسنة أكثر شجرها التين والفستق ومنها يحمل إلى مصر والشام وبخارجها على فرسخ منها قبر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ولا زاوية عليه ولا خديم له وسبب ذلك أنه وقع في بلاد صنف من الرافضة أرجاس يبغضون العشرة من الصحابة رضي لله عنهم ولعن مبغضهم ويبغضون كل من اسمه عمر وخصوصا عمر بن عبد العزيز ﵁ لما كان من فعله في تعظيم علي ﵁. ثم سرنا منها إلى مدينة سرمين وهي حسنة كثيرة البساتين وأكثر شجرها الزيتون وبها يصنعون الصابون الأجري ويجلب إلى مصر والشام ويصنع أيضا الصابون المطيب لغسل الأيدي ويصبغونه بالحمرة والصفرة ويصنع بها ثياب قطن حسان تنسب إليها وأهلها سبابون يبغضون العشرة ومن العجب أنهم لا يذكرون لفظ العشرة وينادي سماسرتهم بالأسواق على السلع فإذا بلغوا إلى العشرة قالوا وواحد وحضر بها بعض التراك يوما فسمع سمسارا ينادي تسعة وواحد فضربه بالدبوس على رأسه وقال قل عشرة بالدبوس. وبها مسجد جامع فيه تسع قباب ولم يجعلوها عشرة قياما بمذهبهم القبيح. ثم سرنا إلى مدينة حلب المدينة الكبرى والقاعدة العظمى قال أبو الحسين بن جبير في وصفها قدرها خطير وذكرها في كل زمان يطير خطابها من الملوك كثير ومحلها من النفوس أثير فكم هاجت من كفاح وسُلّ عليها من بيض الصفاح لها قلعة شهيرة الامتناع بائنة الارتفاع تنزهت حصانة من أن ترام أو تستطاع منحوتة الأجزاء موضوعة على نسبة اعتدال واستواء قد طاولت الأيام والأعوام ووسعت الخواص والعوام أين أمراؤها الحمدانيون وشعراؤها؟ فني جميعهم ولم يبق إلا بناؤها فيا عجبا لبلاد تبقى ويذهب

стр. 54

ملاكها ويهلكون ولا يقضى هلاكها وتخطب بعدهم فلا يتعذر أملاكها وترام فيتيسر بأهون شيء إدراكها هذه حلب كم أدخلت ملوكها في خبر كان ونسخت صرف الزمان بالمكان أنث اسمها فتحلت بحلية الغوان وأتت بالعذر فيمن دان وتجلت عروسا بعد سيف دولتها ابن حمدان هيهات سيهزم شبابها ويعدم خطابها ويسرع فيها بعد حين خرابها. وقلعة حلب تسمى الشهباء وبداخلها جبلان ينبع منهما الماء فلا تخاف الظما ويطيف بها سوران وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء وسورها متداني الأبراج وقد انتظمت بها العلالي العجيبة المفتحة الطيقان وكل برج منها مسكون والطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد وبها مشهد يقصده بعض الناس يقال أن الخليل ﵇ كان يتعبد به وهذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك بن طوق التي على الفرات بين الشام والعراق ولما قصد قازان طاغية التتر مدينة حلب حاصر هذه القلعة أياما ونكص عنها خائباً. قال ابن جزي: وفي هذه القلعة يقول الخالدي شاعر سيف الدولة: وخرقاءَ قد قامت على مَن يَرُومُها ... بِمِرقَبها العالي وجانبها الصّعبِ يجرّ عليها الجوّ جيب غمامة ... ويُلبِسها عقداً بأنجمه الشُهبِ إذا ما سَرَى برقٌ بَدَت مِن خلاله ... كما لاحت العذراء من خلل السُحُب فكم من جنودٍ قد أماتتْ بِغصّةٍ ... وذي سطواتٍ قد أبانَت على عقبِ وفيها يقول أيضاً وهو من بديع النظم: وقلعة عانق العنقاء سافلها ... وجازَ منطقة الجوزاء عاليها لا تعرف القَطر إذا كان الغمام لها ... أرضاً تُوطَّأ قطريهِ مواشيها إذا الغمامةُ راحَت غضَ ساكنها ... حياضها قبل أن تهمي عواليها يُعَدّ من أنجم الأفلاك مِرْقَبها ... لو أنه كان يجري في مجاريها ردّت مكايدَ أقوامس مكايدُها ... ونصرَت لِدواهيهم دواهيها وفيها يقول جمال الدين علي بن أبي المنصور: كادت لِبَونِ سموّها وعلوّها ... تستوقف الفللك المحيط الدائرا وَرَدت قواطِنُها المجرّة مَنهَلاً ... ورعَتْ سوابقُها النجومَ زواهرا ويظلّ صرف الدهر منها خائفاً ... وجِلاً فما يُمسي لديها حاضراً ويقال: في مدينة حلب ويقال: في مدينة حلب حلب إبراهيم لأن الخليل صلوات الله وسلامه على نبينا

стр. 55

وعليه كان يسكنها وكانت له الغنم الكثيرة فكان يسقي الفقراء والمساكين والوارد والصادر من ألبانها فكانوا يجتمعون ويسألون حلب إبراهيم فسميت بذلك وهي من أعز البلاد التي لا نظير لها في حسن الوضع وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها ببعض وأسواقها مسقفة بالخشب فأهلها دائما في عمل ممدود وقيساريتها لا تماثل حسنا وكبرا وهي تحيط بمسجدها وكل سماط منها محاذ لباب من أبواب المسجد ومسجدها الجامع من أجمل المساجد في صحنه بركة ماء ويطيف به بلاط عظيم الاتساع ومنبرها بديع العمل مرصع بالعاج والآبنوس وبقرب جامعها مدرسة مناسبة له في حسن الوضع وإتقان الصنعة ينسب لأمراء بني حمدان وبالبلد سواها ثلاث مدارس وبها مارستان وأما خارج المدينة فهو بسيط أفيح عريض به المزارع العظيمة وشجرات الأعناب منتظمة به والبساتين على شاطيء نهرها وهو النهر الذي يمر بحماة ويسمى العاصي١ وقيل أنه سمي بذلك لأنه يخيل لناظره أن جريانه من أسفل إلى علو والنفس تجد في خارج مدينة حلب انشراحا وسرورا ونشاطها لا يكون في سواها وهي من المدن التي تصلح للخلافة. قال ابن جزي: أطنبت الشعراء في وصف محاسن حلب وذكر داخلها وخارجها. وفيها يقول أبو عبادة البحتري: يا برق اسفر عن قُوَيْقَ فطُرتَي ... حلب فأعلى القصر من بطياس عن منبت الورد المُعَصْفر صبغة ... في كل ضاحية ومَجْنَى الآسَ أرض إذا استوحشتكم بتذكرٍ ... حشدَت علي فاكثرت إيناسي وقال فيها الشاعر المجيد أبو بكر الصنوبري: سقى حلب المزن مَغْنَى حلب ... فكم وصَلَت طربا بالطرب وكم مستطاب من العيش لذ ... بها إذ بهاه العيش لم يُستَطب إذا نشر الزهر أعلامَه ... بها ومطارفُه والعِذب غدَا وحواشِيهِ من فِضَّةٍ ... تروقُ وأوساطُه من ذهبْ وقال فيها أبو العلاء المعري:

стр. 56

حلب للوارد جنةُ عدن ... وهي للغادرين نارُ سعير والعظيمُ العظيمُ يكبُرُ في عَيْنَيهِ ... فيه منها قدرُ الصغير الصغير فَقُويقٌ في أنفس القوم بحرٌ ... وحَصَاةٌ منه مكانَ ثبير وقال فيها أبو الفتيان بن جبوس: يا صاحبي إذا أعياكُما سَقَمي حلب ... فلَقياني نسيمَ الريح من من البلاد التي كان الصِبا سكنا ... فيها وكان الهوى العَذري من أرَبى وقال فيها أبو الفتح كشاجم: وما أمتعت جارَها بلدةٌ ... كما أمتعت حلبٌ جارَها بها قد تجمع ما تشتهي ... فزرها فطوبى لمن زراها وقال فيها أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد الغرناطي العنسي: حادي العيس كم تنيخ المطايا ... سُق بروحي من بُعدهم في سياق حلب إنها مقر غرامي ... ومرامي وقِبلة الأشواق لك خلا جوْشَن بطياس والعبد ... من كل وابل غيداق كم بها مرتع لطرف وقلب ... فيه سقيُ المنى بكأس دهاق وتغنَّى طيوره لارتياح ... وتثنّى غصونه للعناق وعلوُ الشهباء حيث استدارت ... أنجم الأفق حولها كالنطاق وبحلب ملك الأمراء أرغون الدوادار أكبر أمراء الملك الناصر. وهو من الفقهاء موصوف بالعدل لكنه بخيل والقضاة بحلب أربعة للمذاهب الأربعة فمنهم القاضي كمال الدين بن الزملكاني شافعي المذهب وعالي الهمة كبير القدر كريم النفس حسن الأخلاق متفنن بالعلوم وكان الناصر قد بعث إليه ليوليه قضاء القضاة بحضرة ملكه فلم يقض له ذلك وتوفي ببلبيس وهو متوجه إليها ولما ولي قضاء حلب قصدته الشعراء من دمشق وسواها وكان فيمن قصده شاعر الشام شهاب الدين أبو بكر محمد بن الشيخ المحدث شمس الدين أبي عبد الله محمد بن نباتة القرشي الأموي الفارقي فامتدحه بقصيدة طويلة حافلة أولها: أسفت لفقدك جِلَّق الفيحاءُ ... وتباشرت لقدومك الشهباء وعلى دمشق وقد رحلت كآبةٌ ... وعلا رُبا حَلَب سَناً وسناءُ

стр. 57

قد أشرقت دار سكنت فناءها ... حتى غدت ولنورها لألاء يا سائراً سقي المكارم والعلى ... ممن يبخل عنده الكرماء هذا كمال الدين لُذ بجنابه ... تنعم فثم الفضل والنعماء قاضي القضاة أجل من أيامه ... تعني بها الأيتام والفقراء قاض زكا أصلا وفرعا فاعتلى ... شرفت به الأدباء والأبناء مَنَّ الإله على بني حلب به ... لله وضع الفضل حيث يشاء كشف المُعمّى فهمه وبيانه ... فكأنما ذاك الذكاء ذُكَاء١ ياحاكم الحكام قدرُك سابق ... عن أن تسُرك رتبة شماء إن المناصب دون همتك التي ... في الفضل دون محلها الجوزاء لك في العلوم فضائل مشهورة ... كالصبح شق له الظلام ضياء ومناقب شهد العدو بفضلها ... والفضل ما شهدت به الأعداء وهي أزيد من خمسين بيتاً، وأجازه عليها بكسوةٍ ودراهم وانتقد عليه الشعراء ابتداءه بلفظ أسفت. قال ابن جزي: وليس كلامه في هذه القصيدة بذاك وهو في المقطعات أجود منه في القصائد وإليه انتهت الرياسة في الشعر على هذا العهد، في جميع بلاد المشرق. وهو من ذريّة الخطيب أبي يحيى عبد الرحيم بن نباته، منشئ الخطب الشهيرة، ومن بديع في التورية قوله: عُلّقتها غيداء حالية العلى ... تجني على عقلِ المحبِّ وقلبه بخلّتْ بلؤلؤِ ثغرِها عن لاثِمٍ ... فغدت مطوقةً بما بخلت به. ومن قضاة حلب قاضي قضاة الحنفية الإمام المدرس ناصر الدين بن العديم حسن الصورة والسيرة أصيل مدينة حلب: تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله ومنهم قاضي قضاة المالكية لا أذكره كان من الموثفين بمصر وأخذ الخطة عن غير استحقاق. ومنهم قاضي قضاة الحنابلة لا أذكر اسمه وهو من أهل صالحية دمشق، ونقيب الأشراف بحلب بدر الدين بن الزهراء. ومن فقهائها

стр. 58

شرف الدين بن العجمي، وأقاربه هم كبراء مدينة حلب، ثم سافرت منها إلى مدينة تيزين١ وهي على طريق قنسرين "وضبط اسمها بتاء معلوة مكسورة وياء مد وزاي مكسورة وياء مد ثانية ونون". وهي حديثة اتخذها التركمان وأسواقها حسان ومساجدها في نهاية من الإتقان وقاضيها بدر الدين العسقلاني. وكانت مدينة قنسرين قديمة كبيرة ثم خرجت ولم يبق إلا رسومها. ثم سافرت إلى مدينة أنطاكية وهي مدينة عظيمة أصيلة وكان عليها سور محكم لا نظير له في أسوار بلاد الشام فلما فتحها الملك الظاهر هدم سورها وأنطاكيا كثيرة العمارة ودورها حسنة البناء كثيرة الأشجار والمياه وبخارجها نهر العاصي وبها قبر حبيب النجار ﵁ وعليه زاوية فيها الطعام للوارد والصادر شيخها الصالح المعمر محمد بن علي سنّه ينيف على المائة وهو ممتع بقوته دخلت عليه مرة في بستان له وقد جمع حطبا ورفعه على كاهله ليأتي به منزله بالمدينة ورأيت ابنه قد أناف على الثمانين إلا أنه محدودب الظهر لا يستطيع النهوض ومن يراهما يظن الوالد منهما ولدا والولد والداً. ثم سافرت إلى حصن بُغْراس "وضبط اسمه بباء موحدة مضمومة وغين معجمة مسكنة وراء وآخره سين مهمل"، وهو حصن منيع لا يرام عليه البساتين والمزارع ومنه يدخل إلى بلاد سيس وهي بلاد كفار الأرمن وهم رعية للملك الناصر يؤدون إليه مالا ودراهم فضة خالصة تعرف بالبغلية وبها تصنع الثياب الدبيلية٢ وأمير هذا الحصن صارم الدين ابن الشيباني. وله ولد فاضل اسمه علاء الدين وابن أخ اسمه حسام الدين كريم يسكن الموضع المعروف بالرُّصُص "بضم الراء والصاد المهمل الأول"، ويحفظ الطريق إلى بلاد الأرمن. وقد شكا الأرمن مرة إلى الملك ناصر من الأمير حسام الدين، وزوّروا

стр. 59

عليه أمورا لا تليق. فأنفذ أمره لأمير الأمراء بحلب أن يخنقه فلما توجه الأمير بلغ ذلك صديقا له من كبار المراء فدخل على الملك الناصر وقال يا خوند أن الأمير حسام الدين هو من خيار الأمراء ينصح للمسلمين ويحفظ الطريق وهو من الشجعان والأرمن يريدون الفساد في بلاد المسلمين فيمنعهم ويقهرهم وإنما أرادوا إضعاف شوكة المسلمين بقتله ولم يزل به حتى أنفذ أمراً ثانيا بسراحه والخلع عليه ورده لموضعه ودعا الملك الناصر بريديا يعرف بالأفوش وكان لا يبعث إلا في مهم أمره بالإسراع والجد في السير فسار من مصر إلى حلب في خمس وهي مسيرة شهر فوجد أمير حلب قد أحضر حسام الدين وأخرجه إلى الموضع الذي يخنق به الناس فخلصه الله وعاد إلى موضعه ولقيت هذا الأمير ومعه قاضي بُغْراس شرف الدين الحموي بموضع يقال له العمق متوسط بين أنطاكية وتيزين وبغراس ينزله التركمان بمواشيهم لخصبه وسعته. ثم سافرت إلى حصن القُصير: تصغير قصر، وهو حصن حسن، أمير علاء الدين الكردي، وقاضيه شهاب الدين الأرمنتي من أهل الديار المصريّة، ثم سافرت إلى حصن الشُغْرُبُكَاس، "وضبط اسمه بضم الشين المعجم وإسكان الغين المعجم وضم الراء والباء الموحدة وآخره سين مهملة"، وهو منيع في رأس شاهق، أمير هـ سيف الدين الطنطاش فاضل، وقاضيه جمال الدين بن شجرة، من أصحاب ابن تيمية. ثم سافرت إلى مدينة صهيون، وهي مدينة حسنة بها الأنهار المطردة، والأشجار المورقة، ولها قلعة جيّدة، وأمير ها يعرف بالإبراهيمي، وقاضيها محيي الدين الحمصي وبخارجها زاوية في وسط بستان فيها الطعام للوارد والصادر وهي على قبر الصالح العابد عيسى البدوي ﵀ وقد زرت قبره. ثم سافرت منها فمررت بحصن القدموس "وضبط اسمه بفتح القاف وإسكان الدال المهمل وضم الميم وآخره سين مهمل"، ثم بحصن المَنْيَقة " وضبط اسمه بفتح الميم وإسكان الياء وفتح النون والقاف"، ثم بحصن العليقة واسمه على لفظ واحدة العليق ثم بحصن مصياف "وصاده مهملة"، ثم بحص الكهف وهذه الحصون لطائفة يقال لهم الإسماعيلية ويقال لهم الفداوية ولا يدخل عليهم أحد من غيرهم. وهم سهام الملك الناصر وبهم يصيب من يعدو عنه من أعدائه بالعراق وغيرها ولهم المرتبات. وإذا أراد السلطان أن يبعث أحدهم إلى اغتيال عدو له أعطاه ديته فإن سلم بعد تأتي ما يراد منه فهي له، وإن أصيب فهي لولده. ولهم سكاكين مسمومة يضربون بها من

стр. 60

بعثوا إلى قتله وربما لم تصح حيلهم فقتلوا. كما جرى لهم مع الأمير قراسنقور فإنه لما هرب إلى العراق بعث إليه الملك الناصر جملة منهم فقتلوا ولم يقدروا عليه لأخذه بالحزم. وكان قراسنقور من كبار الأمراء وممن حضر قتل الملك الأشرف أخي الملك الناصر وشارك فيه ولما تمهد الملك للملك الناصر وقر به القرار واشتدت أواخي سلطانه جعل يتتبع قتلة أخيه فيقتلهم واحداً واحداً إظهاراً للأخذ بثأر أخيه وخوفاً أن يتجاسروا عليه بما تجاسروا على أخيه وكان قراسنقور أمير الأمراء بحلب فكتب الملك الناصر إلى جميع الأمراء أن ينفروا بعساكرهم وجعل لهم ميعاداً يكون فيه اجتماعهم بحلب ونزولهم عليها حتى يقبضوا عليه فلما فعلوا ذلك خاف قراسنقور على نفسه وكان له ثمانمائة مملوك فركب فيهم وخرج على العساكر صباحاً فاخترقهم وأعجزهم سبقا وكانوا في عشرين ألفا وقصد منزل أمير العرب مهنا بن عيسى وهو على مسيرة يومين من حلب وكان مهنا في قنص له فقصد بيته ونزل عن فرسه وألقى العمامة في عنق نفسه ونادى الجوار يا أمير العرب وكانت هنالك أم الفضل زوج مهنا وبنت عمه فقالت له قد أجرناك وأجرنا من معك فقال إنما أطلب أولادي ومالي فقالت له لك ما تحب فانزل في جوارنا. ففعل ذلك وأتى مهنا فأحسن نزله وحكمه في ماله فقال إنما أحب أهلي ومالي الذي تركته بحلب فدعا مهنا بإخوته وبني عمه فشاورهم في أمره فمنهم من أجابه إلى ما أراد ومنهم من قال كيف نحارب الملك الناصر ونحن بلاده بالشام؟ فقال لهم مهنا أما أنا فأفعل لهذا الرجل ما يريده وأذهب معه إلى سلطان العراق وفي أثناء ذلك ورد عليهم الخبر بأن أولاد قراسنقور سيروا على البريد إلى مصر فقال مهنا لقراسنقور أما أولادك فلا حيلة فيهم وأما مالك فنجتهد في خلاصه فركب فيمن أطاعه من أهله واستنفر من العرب نحو خمسة وعشرين ألفا وقصدوا حلب فأحرقوا باب قلعتها وتغلبوا عليها واستخلصوا منها مال قراسنقور ومن بقي من أهله ولم يتعدوا إلى سوى ذلك وقصدوا ملك العراق وصحبهم أمير حمص الأفرم ووصلوا إلى الملك محمد خدابنده سلطان العراق وهو بموضع مصيفه المسمى قراباغ "بفتح القاف والراء والباء الموحدة والغين المعجمة". وهو ما بين السلطانية وتبريز فأكرم نزلهم وأعطى مهنا

стр. 61

عراق العرب وأعطى قراسنقور مدينة مراغة من عراق العجم وتسمى دمشق الصغيرة وأعطى الأفرم همدان وأقاموا عنده مدة مات فيها الأفرم وعاد مهنا إلى الملك الناصر بعد مواثيق وعهود أخذها منه وبقي قراسنقور على حاله وكان الملك الناصر يبعث له الفداوية مرة بعد مرة فمنهم من يدخل عليه داره فيقتل دونه ومنهم من يرمي بنفسه عليه وهو راكب فيضربه وقتل بسببه من الفداوية جماعة وكان لا يفارق الدرع أبدا ولا ينام إلا في بيت العود والحديد فلما مات السلطان محمد وولى ابنه أبو سعيد وقع ما سنذكره من أمر الجوبان كبير أمرائه وفرار ولده الدمرطاش إلى الملك الناصر ووقعت المراسلة بين الملك الناصر وبين أبي سعيد واتفقا على أن يبعث أبو سعيد إلى الملك الناصر برأس قراسنقور ويبعث إليه الملك الناصر برأس الدمرطاش فبعث الملك الناصر برأس الدمرطاش إلى أبي سعيد فلما وصله أمر بحمل قراسنقور إليه فلما عرف قراسنقور بذلك أخذ خاتما كان له مجوفا في داخله سم ناقع فنزع فصه وامتص ذلك السم فمات لحينه فعرف أبو سعيد بذلك الملك الناصر ولم يبعث له برأسه. ثم سافرت من حصون الفداوية إلى مدينة جبلة وهي ذات أنهار مطردة وأشجار البحر على نحو ميل منها وبها قبر الولي الصالح الشهير إبراهيم بن أدهم ﵁ وهو الذي نبذ الملك وانقطع إلى الله تعالى حسبما شهر ذلك ولم يكن إبراهيم من بيت ملك كما يظنه الناس إنما ورث الملك عن جده أبي أمه وأما أبوه أدهم فكان من الفقراء الصالحين السائحين المتعبدين الورعين المنقطعين. وحكي أن أدهم مر ذات يوم ببساتين مدينة بخارى وتوضأ من بعض الأنهار التي يتحللها فإذا بتفاحة يحملها ماء النهر فقال هذه لا خطر لها فأكلها ثم وقع في خاطره من ذلك وسواس فعزم على أن يستحل من صاحب البستان فقرع باب البستان فخرجت إليه جارية فقال ادعي لي صاحب المنزل فقالت إنه لامرأة فقال استأذني لي عليها ففعلت فأخبر المرأة بخبر التفاحة فقالت له أن هذا البستان نصفه لي ونصفه للسلطان والسلطان يومئذ ببلخ وهي على مسيرة عشرة من بخارى وأحلته المرأة من نصفها وذهب إلى بلخ فاعترض السلطان في موكبه فأخبره الخبر واستحله فأمره أن يعود إليه من الغد وكان للسلطان بنت بارعة الجمال قد خطبها أبناء الملوك فتمنعت وحببت

стр. 62

إليها العبادة وحب الصالحين وهي تحب أن تتزوج من ورع زاهد في الدنيا فلما عاد السلطان إلى منزله أخبر ابنته بخبر أدهم وقال ما رأيت أورع من هذا يأتي من بخارى إلى بلخ لأجل نصف تفاحة فرغبت في تزوجه فلما أتاه من الغد قال لا أحلك إلا أن تتزوج ببنتي فانقاد لذلك بعد استعصاء وتمنع فتزوج منها فلما دخل عليها وجدها متزينة والبيت مزينة بالفرش وسواها فعمد إلى ناحية من البيت وأقبل على صلاته حتى أصبح ولم يزل كذلك سبع ليال وكان السلطان ما أحله قبل فبعث إليه أن يحله فقال لا أحلك حتى يقع اجتماعك بزوجتك فلما كان الليل واقعها ثم اغتسل وقام إلى الصلاة فصاح صيحة وسجد في مصلاه فوجد ميتا ﵀ وحملت منه فولدت إبراهيم ولم يكن لجده ولد فأسند الملك إليه وكان من تخليه عن الملك ما اشتهر وعلى قبر إبراهيم بن أدهم زاوية حسنة فيها بركة ماء وبها الطعام للصادر والوارد وخادمها إبراهيم الجمحي من كبار الصالحين والناس يقصدون هذه الزاوية ليلة النصف من شعبان من سائر أقطار الشام ويقيمون بها ثلاثا ويقوم بها خارج المدينة سوق عظيم فيه من كل شيء ويقدم الفقراء المتجردون من الآفاق لحضور هذا الموسم وكل من يأتي من الزوار لهذه التربة يعطي لخادمها شمعة فيجتمع من ذلك قناطير كثيرة. وأكثر أهل هذه السواحل هم الطائفة النصيرية الذين يعتقدون أن علي بن أبي طالب إله وهم لا يصلون ولا يتطهرون ولا يصومون وكان الملك الظاهر ألزمهم ببناء المساجد بقراهم فبنوا بكل قرية مسجدا بعيدا عن العمارة ولا يدخلونه ولا يعمرونه وربما أوت اليه مواشيهم ودوابهم وربما وصل الغريب إليهم فينزل بالمسجد ويؤذن إلى الصلاة فيقولون لا تنهق علفك يأتيك وعددهم كثير. وبلغني أن رجلاً مجهولاً وقع ببلاد هذه الطائفة فادعى الهداية وتكاثروا عليه فوعدهم بتملك البلاد وقسم بينهم بلاد الشام وكان يعين لهم البلاد ويأمرهم بالخروج إليها ويعطيهم من ورق الزيتون ويقول لهم استظهروا بها فإنها كالأوامر لكم فإذا خرج أحدهم إلى بلد أحضره أمير ها فيقول له أن الإمام المهدي أعطاني هذا البلد فيقول له أين الأمر فيخرج ورق الزيتون فيضرب ويحبس ثم إنه أمرهم بالتجهيز لقتال المسلمين وأن يبدأوا بمدينة جبلة وأمرهم أن يأخذوا عوض السيوف قضبان آلاس ووعدهم أنها تصير في أيديهم سيوفاً

стр. 63

عند القتال فغدروا مدينة جبلة وأهلها في صلاة الجمعة فدخلوا الدور وهتكوا الحريم وثار المسلمون من مسجدهم فأخذوا السلاح وقتلوا كيف شاءوا واتصل الخبر باللاذقية فأقبل أمير ها بهادر عبد الله بعساكره وطيرت الحمام إلى طرابلس فأتى أمير الأمراء بعساكره وتبعوهم حتى قتلوا منهم نحو عشرين ألفا وتحصن الباقون بالجبال وراسلوا ملك الأمراء والتزموا أن يعطوه دينارا عن كل رأس أن هو حاول إبقاءهم وكان الخبر قد طير به الحمام إلى الملك الناصر وصدر جوابه أن يحمل عليهم السيف فراجعه ملك الأمراء وألقى له أنهم عمال المسلمين في حراثة الأرض وأنهم أن قتلوا ضعف المسلمون لذلك فأمر بالإبقاء عليهم من اللاذقية إلى دمشق. ثم سافرت إلى مدينة اللاذقية وهي مدينة عتيقة على ساحل البحر يزعمون أنها مدينة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا وكنت إنما قصدتها لزيارة الولي الصالح عبد المحسن الإسكندري فلما وصلتها وجدته غائبا بالحجاز الشريف فلقيت من أصحابه الشيخين الصالحين سعيد البجائي ويحيى السلاوي وهما بمسجد علاء الدين البهاء أحد فضلاء الشام وكبرائها وصاحب الصدقات والمكارم وكان قد عمر لهما زاوية بقرب المسجد وجعل بها الطعام للوارد والصادر وقاضيها الفقيه الفاضل جلال الدين عبد الحق المصري المالكي فاضل كريم تعلق بطيلان ملك الأمراء فولاه قضاءها. وكان باللاذقية وجعل يعرف بابن المؤيد هجّاء لا يسلم أحد من لسانه متهم في دينه مستخف يتكلم بالقبائح من الإلحاد فعرضت له حاجة عند طيلان ملك الأمراء فلم يقضها له فقصد مصر وتقول أمورا شنيعة وعاد إلى اللاذقية فكتب طيلان إلى القاضي جلال الدين أن يتحيل في قتله بوجه شرعي فدعاه القاضي إلى منزله وباحثه واستخرج كامن إلحاده فتكلم بعظائم أيسرها يوجب القتل وقد أعد القاضي الشهود خلف الحجاب ليكتبوا عقداً بمقاله وثبت عند القاضي وسجن وأعلم ملك الأمراء بقضيته ثم أخرج من السجن وخنق على بابه ثم لم يلبث ملك الأمراء طيلان أن عزل عن طرابلس ووليها الحاج قرطية من كبار الأمراء وممن تقدمت له فيها الولاية وبينه وبين طيلان عداوة فجعل يتتبع سقطاته وقام لديه أخوة ابن المؤيد شاكين جلال الدين القاضي فأمر به وبالشهود الذين شهدوا على ابن المؤيد فأحضروا وأمر بخنقهم،

стр. 64

وأخرجوا إلى ظاهر المدينة حيث يخنق الناس وأجلس كل واحد تحت مخنقة ونزعت عمائمهم ومن عادة أمراء تلك البلاد أنه متى أمر أحدهم بقتل أحد الناس يمر الحاكم من مجلس الأمير سابقا على فرس إلى حيث المأمور بقتله ثم يعود إلى الأمير فيكرر استئذانه يفعل ذلك ثلاثا فإذا كان بعد الثلاث أنفذ الأمر فلما فعل الحاكم ذلك قامت الأمراء في المرة الثالثة وكشفوا رؤوسهم وقالوا أيها الأمير هذه سبة في الإسلام يقتل القاضي والشهود فقبل الأمير شفاعتهم وخلى سبيلهم وبخارج اللاذقية الدير المعروف بدير الفاروص وهو أعظم دير بالشام ومصر يسكنه الرهبان ويقصده النصارى من الآفاق وكل من نزل به من المسلمين فالنصارى يضيفونه وطعامهم الخبز والجبن والزيتون والخل البكر وميناء هذه المدينة عليها سلسلة بين برجين يدخلها أحد ولا يخرج منها حتى تحط له السلسلة وهي من أحسن المراسي بالشام. ثم سافرت إلى حصن المرقب وهو من الحصون العظيمة يماثل حصن الكرك وبناؤه على جبل شامخ وخارجه ربض ينزله الغرباء ولا يدخلون قلعته وافتتحه من يد الروم الملك المنصور قلاوون وعليه ولد ابنه الملك الناصر وكان قاضيه برهان الدين المصري من أفاضل القضاة وكرمائهم ثم سافرت إلى الجبل الأقرع وهو أعلى جبل بالشام وأول مايظهر منها من البحر وسكانه التركمان وفيه العيون والأنهار، وسافرت منه إلى جبل لبنان وهو من أخصب جبال الدنيا فيه أصناف الفواكه وعيون الماء والظلال الوافرة ولا يخلو من المنقطعين إلى الله تعالى والزهاد والصلحين وهو شهير بذلك ورأيت به جماعة من والصالحين قد انقطعوا إلى الله تعالى ممن لم يشتهر اسمه. وأخبرني بعض الصالحين الذين لتقيتهم به قال: كنا بهذا الجبل مع جماعة من الفقراء أيام البرد الشديد فأوقدنا نارا عظيمة وأحدقنا بها وبعض الحاضرين يصلح لهذه النار ما يشوي فيها فقال أحد الفقراء ممن تزدريه الأعين ولا يعبأ به أني كنت عند صلاة العصر بمتعبد إبراهيم بن أدهم فرأيت منه حمار وحش قد أحدق الثلج به من كل جانب وأظنه لا يقدر على الحرك فلو ذهبتم إليه لقدرتم عليه وشويتم لحمه في هذه النار قال فقمنا إليه في خمسة رجال فلقيناه كما وصف لنا فقبضناه وأتينا به أصحابنا وذبحناه وشوينا لحمه في تلك النار وطلبنا الفقير الذي نبه عليه فلم نجده ولا

стр. 65

وقعنا له على أثر، فطال عجبنا منه. ثم وصلنا من جبل لبنان إلى مدينة بعلبك وهي حسنة قديمة من أطيب مدن الشام تحدق بها البساتين الشريفة والجنات المنيفة وتخترق أرضها الأنهار الجارية وتضاهي دمشق في خيراتها المتناهية وبها من حب الملوك١ ما ليس في سواها وبها يصنع الدبس المنسوب إليها وهو نوع من المربى يصنعونه من العنب ولهم تربة يضعونها فيه فيجمد وتكسرالقلة التي يكون بها فيبقى قطعة واحدة وتصنع منه الحلواء ويجعل فيها الفستق واللوز ويسمونها حلواء بالملبن ويسمونها أيضا بجلد الفرس وهي كثيرة الألبان وتجلب منها إلى دمشق وبينهما مسيرة يوم للمجد وأما الرفاق فيخرجون من بعلبك فيبيتون ببلدة صغيرة تعرف بالزبداني كثيرة الفواكه ويغدون منها إلى دمشق ويصنع ببعلبك الثياب المنسوبة إليها من الإحرام وغيره ويصنع بها أواني الخشب وملاعقه التي لا نظير لها في البلاد وهم يسمون الصحاف بالدسوت وربما صنعوا الصحفة وصنعوا صفحة أخرى توضع في جوفها وأخرى في جوفها إلى أن يبلغون العشرة يخيل لرائيها أنها صحفة واحدة وكذلك الملاعق يصنعون منها عشرة واحدة في جوف واحدة ويصنعون لها غشاء من جلد ويمسكها الرجل في حزامه وإذا حضر طعاما مع أصحابه أخرج ذلك فيظن رائيه أنها ملعقة واحدة ثم يخرج من جوفها تسعة وكان دخولي لبعلبك عشية النهار وخرجت منها بالغد لفرط اشتياقي إلى دمشق. وصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظم عام ستة وعشرين إلى مدينة الشام فنزلت منها بمدرسة المالكية المعروفة بالشرابشية ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسنا وتقدمها جمالا وكل وصف وإن طال فهو قاصر عن محاسنها ولا أبدع مما قاله أبو الحسن ابن جبير رحمه الله تعالى في ذكرها قال: وأما دمشق فهي جنة المشرق ومطلع نورها المشرق وخاتمة بلاد الإسلام متى استقريناها٢، وعروس المدن التي اجتلبناها قد تحلت بأزاهير الرياحين وتجلت في حلل سندسية من البساتين وحلت موضع الحسن بالمكان المكين وتزينت في منصتها أجمل تزيين وتشرفت بأن آوى المسيح ﵇ وأمه إلى ربوة منها ذات قرار

стр. 66

ومعين١ وظل ظليل وماء سلسبيل: تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل تتبرج لناظرها بمجتلى صقيل وتناديهم هلموا إلى معرس للحسن ومقيل وقد سئمت أرضها كثر الماء حتى اشتاقت إلى الظمأ فتكاد تناديك بها الصم والصلاب اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب وقد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر والأكمام بالثمر وامتدت بشرقيها غوطتها الخضراء امتداد البصر وكل موضع لحظت بجوانبها الأربع نضرته اليانعة قيد البصر ولله صدق القائلين عنها أن كانت الجنة في الأرض فدمشق لا شك فيها وإن كانت في السماء تساميها وتحاذيه. قال ابن جزي: وقد نظم بعض شعرائها في هذا المعنى فقال: إن تكن جنة الخلود بأرض ... فدمشق ولا تكون سواها أو تكن في السماء فهي عليها ... قد أبت هواءها وهواها بلد طيب ورب غفور ... فاغتنمها عشية وضحاها وذكر شيخنا المحدث الرحال شمس الدين أبو عبد الله محمد بن جابر بن حسان القيسي الوادي آشي نزيل تونس ونص كلام ابن جبير ثم قال ولقد أحسن فيما وصف منها وأجاد وتتوق الأنفس للتطلع على صورتها بما أفاد هذا وإن تكن له بها إقامة فيعرب عنها بحقيبة وعلامة ولا وصف ذهبيات أصيلها وقد حان من الشمس غروبها ولا أزمان جفولها المنوعات ولا أوقات شرورها المنبهات وقد اختص من قال: ألقيتها كما تصف الألسن. وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. قال ابن جزي: والذي قالته الشعراء في وصف محاسن دمشق لا يحصر كثرة. وكان والدي ﵀ كثيراً ما ينشد في وصفها هذه الأبيات، وهي لشرف الدين بن محسن رحمه الله تعالى: دمشق بنا شوق إليها مبرح ... وإن لجّ واشٍ أو ألحّ عَذولُ بلادٌ بها الحصباء دُرٌّ وتربها ... عبيرٌ وأنفاس الشمال شمولُ تسلسل فيها ماؤها وهو مطلق ... وصحّ نسيم الروض وهو عليل

стр. 67

وهذا من النمط العالي من الشعر. وقال فيها عرقلة الدمشقي الكلبي: الشام شامة وجنة الدنيا كما ... إنسان مقلتها الغضيضة جلّقُ من آسها لك جنة لا تنقضي ... ومن الشقيق جهنّم لا تحرق وقال أيضا فيها: أما دمشق فجنات مُعجَّلة ... للطالبين بها الوِلدان والحورُ ما صاح فيها على أوتاره قمرٌ ... إلا يغنّيه قُمريّ وشحرورُ يا حبّذا ودروع الماء تنسجها ... أناملُ الريح إلا أنها زُورُ وله فيها أشعار كثيرة سوى ذلك. وقال فيها أبو الوحش سبع بن خلق الأسدي: سقى دمشقَ الله غيثاً مُحسَناً ... من مستهلّ ديمة دهاقها مدينة ليس يُضاهي حُسنها ... في سائر الدنيا ولا آفاقها توَدُّ زَوراء العراق أنها ... منها ولا تُعزى إلى عراقها فأرضُها مثلُ السماء بهجة ... وزهرُها كالزُّهر في إشراقِها نسيمُ روضها متَى ما قَدْ سَرَى ... فَكَّ أخا الهموم من وَثاقها قد رتع الرَّبيع في ربوعها ... وسيقت الدنيا إلى أسواقها لا تسأم العيون والأنوف من ... رؤيتها يوماً ولا استنشاقها ومما يناسب هذا للقاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني فيها من قصيدة، وقد نسبت أيضاً لابن المنير: يا برقُ هل لك في احتمال تحيةٍ ... عَذُبَتْ فصارَتْ مثل مائك سَلسَلا باكِرْ دمشق بِمَشْق الحَيَا ... زهرَ الرياضِ مرصعاً ومكلَّلاً واجرر بجيرون ذيولَك واختصص ... مَغْنى تأزّر بالعلا وتسربلا حيث الحيا الربعي محلول الحيا ... والوابل الربعي مفري الكلا وقال فيها أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد العنسي الغرناطي المدعو نور الدين: دمشق منزلنا حيث النعيم بدا ... مكملاً وهو في الآفاق مختصرُ القصب راقصة والطير صادحة ... والزهر مرتفع والماء منحدر وقد تجلت من اللذات أوجهها ... لكنها بظلال الدوج تستتر

стр. 68

وكل واد به موسى يفجره ... وكل روض على حافاته الخضر وقال أيضا فيها: خَيّم بجلق بين الكأس والوترِ ... في جنة هي ملء السمع والبصرِ ومتّع الطرْفَ في مرأى محاسِنه ... وروّض الفكرَ بين الروض والنهر وانظرْ إلى ذهبيّات الأصيل بها ... واسمعْ إلى نغماتِ الطير في الشجرِ وقل لمن لام في لذاته بشراً ... دعني فإنك عندي سُوقة البشرِ وقال أيضا فيها: أما دمشق فجنّةٌ ... ينسى بها الوطنَ الغريبْ لله أيام السبوتِ ... بها ومنظرها العجيبْ انظر بعينك هل ترى ... إلا محباً أو حبيبْ في موطن غنّى الحمام ... به على رقص القضيب وغدَتْ أزاهرُ روضهِ ... تختالُ في فرح وطِيبْ وأهل دمشق لا يعلمون في يوم السبت عملاً، إنما يخرجون إلى المتنزهات وشطوط الأنهار ودوحات الأشجار، بين البساتين النضيرة والمياة الجارية فيكونون بها يومهم إلى الليل، وقال طال بنا الكلام في محاسن دمشق فلنرجع إلى كلام الشيخ أبي عبد الله.

стр. 69

خبر جامع بني أمية الكبير: وهو أعظم مساجد الدنيا احتفالا وأتقنها صناعة وأبدعها حسنا وبهجة وكمالا ولا يعلم له نظير ولا يوجد له شبيه وكان الذي تولى بناءه وإتقانه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان ووجه إلى ملك الروم بقسطنطينية يأمره أن يبعث إليه الصناع فبعث إليه اثني عشر ألف صانع وكان موضع المسجد كنيسة فلما افتتح المسلمون دمشق دخل خالد بن الوليد ﵁ من إحدى جهاتها بالسيف فانتهى إلى نصف الكنيسة ودخل أبو عبيدة ابن الجراح ﵁ من الجهة الغربية صلحاً فانتهى إلى نصف الكنيسة فصنع المسلمون من نصف الكنيسة الذي دخلوه عنوة مسجدا وبقي النصف الذي صالحوا عليه كنيسة فلما عزم الوليد على زيادة الكنيسة في المسجد طلب من الروم أن يبيعوا له كنيستهم تلك بما شاءوا من عوض فأبوا عليه فانتزعها من أيديهم وكانوا يزعمون أن الذي يهدمها يجن فذكروا ذلك للوليد فقال أنا أول من يجن في سبيل الله وأخذ الفأس وجعل يهدم بنفسه فلما رأى المسلمون ذلك تتابعوا على الهدم وأكذب الله زعم الروم وزين هذا المسجد بفصوص الذهب المعروفة بالفسيفساء تخالطها أنواع الأصبغة الغريبة الحسن وذرع المسجد في الطول من الشرق إلى الغرب مائتا خطوة وهي ثلاثمائة ذراع وعرضه من القبلة إلى الجوف مائة وخمس وثلاثون خطوة وهي مائتا ذراع وعدة شمسات الزجاج الملونة التي فيه أربع وسبعون وبلاطاته ثلاثة مستطيلة من شرق إلى غرب سعة كل بلاط منها ثمان عشرة خطوة. وقد قامت على أربع وخمسين سارية وثماني أرجل حصية تتخللها وست أرجل مرخمة مرصعة بالرخام الملون قد صور فيها أشكال محاريب وسواها وهي تقل قبة الرصاص التي أمام المحراب المسماة بقبة النسر كأنهم شبهوا المسجد نسرا طائرا والقبة رأسه وهي من أعجب مباني الدنيا. ومن أي جهة استقبلت المدينة بدت لك قبة النسر ذاهبة في الهواء منيفة على جميع مباني البلد وتستدير بالصحن بلاطات ثلاثة من جهاته الشرقية والغربية والجوفية سعة كل بلاط منها عشر خطى وبها من السواري ثلاث

стр. 70

وثلاثون ومن الأرجل أربع عشرة وسعة الصحن مائة ذراع وهو من أجمل المناظر وأتمها حسنا وبها يجتمع أهل المدينة بالعشايا فمن قاريء ومحدث وذاهب ويكون انصرافهم بعد العشاء الأخيرة وإذا لقي أحد كبرائهم من الفقهاء وسواهم صاحبا له أسرع كل منهما نحو صاحبه وقبل رأسه. وفي هذا الصحن ثلاث من القباب إحداها في غربية وهي أكبرها وتسمى قبة عائشة أم المؤمنين وهي قائمة على ثمان سوار من الرخام مزخرفة بالفصوص والأصبغة الملونة مسقفة بالرصاص. ويقال أن مال الجامع كان يختزن بها وذكر لي أن فوائد مستغلات الجامع وجبايته نحو خمسة وعشرين ألف دينار ذهبا في كل سنة والقبة الثانية من شرقي الصحن على هيئة الأخرى إلا أنها أصغر منها قائمة على ثمان من سواري الرخام وتسمى قبة زين العابدين والقبة الثالثة في وسط الصحن وهي صغيرة مثمنة من رخام عجيب محكم الإلصاق قائمة على أربع سواري من الرخام الناصع وتحتها حديد في وسطه أنبوب نحاس يمج إلى علو فيرتفع ثم ينثني كأنه قضيب لجين وهم يسمونه قفص الماء ويستحسن الناس وضع أفواههم فيه للشرب وفي الجانب الشرقي من الصحن باب يفضي إلى مسجد بديع الوضع يسمى مشهد علي بن أبي طالب ﵁ ويقابله من الجهة الغربية حيث يلتقي البلاطان الغربي والجوفي موضع يقال أن عائشة ﵂ سمعت الحديث هنالك. وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى التي يؤم فيها إمام الشافعية وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجهه أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ إلى الشام وتفتح تلك الخزانة كل يوم جمعة بعد الصلاة فيزدحم الناس على لثم ذلك المصحف الكريم وهنالك يحلف الناس غرماءهم ومن ادعوا عليه شيئا وعن يسار المقصورة محراب الصحابة ويذكر أهل التاريخ أنه أول محراب وضع في الإسلام وفيه يؤم المالكية وعن يمين المقصورة محراب الحنفية وفيه يؤم إمامهم ويليه محراب الحنابلة وفيه يؤم إمامهم. ولهذا المسجد ثلاث صوامع إحداها بشرقيه وهي من بناء الروم وبابها داخل المسجد وبأسفلها مطهرة وبيوت للوضوء يغتسل فيه المعتكفون والملتزمون للمسجد ويتوضئون

стр. 71

والصومعة الثانية بغربية وهي من بناء الروم. والصومعة الثالثة بشماله وهي من بناء المسلمين وعدد المؤذنين به سبعون مؤذنا وفي شرقي المسجد صومعة كبيرة فيها صهريج ماء وهي لطائفة زيالعة السودان. وفي وسط المسجد قبر زكريا ﵇ وعليه تابوت معترض بين أسطوانتين مكسو بثوب حرير أسود معلم فيه مكتوب بالأبيض: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ١. وهذا المسجد شهير الفضل وقرأت في فضائل دمشق عن سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة وفي الأثر عن النبي ﷺ : "أنه قال يعبد الله فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة". ويقال أن الجدار القبلي منه وضعه نبي الله هود ﵇ وأن قبره به وقد رأيت على مقربة من مدينة ظفار باليمن بموضع يقال له الأحقاف بنية فيها قبر مكتوب عليه هذا قبر هود بن عابر ﷺ . ومن فضائل هذا المسجد أنه لا يخلو عن قراء القرآن والصلاة إلا قليلا من الزمان كما سنذكر. والناس يجتمعون به إثر كل صلاة الصبح فيقرأون سبعا من القرآن ويجتمعون بعد صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية يقرأون فيها من سورة الكوثر إلى آخر القرآن وللمجتمعين على هذه القراءة مرتبات تجري لها وهم نحو ستمائة إنسان ويدور عليهم كاتب الغيبة فمن غاب منهم قطع له عند دفع المرتب بقدر غيبته وفي هذا المسجد جماعة كبيرة من المجاورين لا يخرجون منه مقبلون على الصلاة والقراءة والذكر لا يفترون عن ذلك ويتوضئون من المطاهر التي بداخل الصومعة الشرقية التي ذكرناها وأهل البلد يعينونهم بالمطاعم والملابس من غير أن يسألوهم شيئا من ذلك، وفي هذا المسجد أربعة أبواب باب قبلي يعرف بباب الزيادة وبأعلاه قطعة من الرمح الذي كانت فيه راية خالد بن الوليد ﵁ ولهذا الباب دهليز كبير متسع فيه حوانيت السقاطين وغيرهم ومنه يذهب إلى دار الخليل وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي سوق عظيمة ممتدة مع جدار المسجد القبلي من أحسن أسواق دمشق وبموضع هذه السوق كانت دار معاوية بن أبي سفيان ﵁ ودور قومه وكانت هذه السوق تسمى الخضراء فهدمها بنو العباس ﵃ وصار مكانها سوقا وباب شرقي

стр. 72

وهو أعظم أبواب المسجد ويسمى بباب جيرون وله دهليز عظيم يخرج منه إلى بلاط عظيم طويل أمامه خمسة أبواب لها ستة أعمدة طوال وفي جهة اليسار منه مشهد عظيم كان فيه رأس الحسين ﵁ وبإزائه مسجد صغير ينسب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ وبه ماء جار وقد انتظمت أمام البلاط درج ينحدر فيها إلى الدهليز وهو كالخندق العظيم يتصل بباب عظيم الارتفاع تحته أعمدة كالجذوع طوال وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت عليها شوارع مستديرة فيها دكاكين البزازين وغيرهم. وعليها شوارع مستطيلة فيها حوانيت الجوهريين والكتبيين وصناع أواني الزجاج العجيبة. وفي الرحبة المتصلة بالباب الأول دكاكين لكبار الشهود، منها دكان للشافعية وسائرها لأصحاب المذاهب يكون في الدكان منها الخمسة والستة من العدول والعاقد للأنكحة من قبل القاضي وسائر الشهود مفترقون في المدينة وبمقربة من هذه الدكاكين سوق الوراقين الذين يبيعون الكاغد والأقلام والمداد وفي الدهليز المذكور حوض من الرخام كبير مستدير عليه قبة لا سقف لها تقلها أعمدة رخام وفي وسط الحوض أنبوب نحاس يمج الماء بقوة فيرتفع في الهواء أزيد من قامة الإنسان يسمونه الفوارة منظره عجيب وعن يمين الخارج من باب جيرون وهو باب الساعات غرفة لها هيئة طاق كبير فيه طيقان صغار مفتحة لها أبواب على عدد ساعات النهار والأبواب مصبوغ باطنها بالخضرة وظاهرها بالصفرة فإذا ذهبت ساعة من النهار انقلب الباطن الأخضر ظاهرا والظاهر الأصفر باطنا ويقال أن بداخل الغرفة من يتولى قلبها بيده عند مضي الساعات والباب الغربي يعرف بباب البريد وعن يمين الخارج منه مدرسة الشافعية وله دهليز فيه حوانيت للشماعين وسماط لبيع الفواكه وبأعلاه باب يصعد إليه في درج له أعمدة سامية في الهواء وتحت الدرج سقايتان عن يمين وشمال مستديرتان والباب الجوفي يعرف بباب النطفانيين وله دهليز عظيم وعن يمين الخارج منه خانقاه تعرف بالشميعانية في وسطها صهريج ماء ولها مظاهر يجري فيها الماء ويقال إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز ﵁ وعلى باب من أبواب المسجد الأربعة دار وضوء يكون فيها نحو مائة بيت تجري فيها المياه الكثيرة.

стр. 73

أئمة المسجد الكبير: وأئمته ثلاثة عشر إماما أولهم الشافعية وكان في عهد دخولي إليها إمامهم قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني من كبار الفقهاء وهو الخطيب بالمسجد وسكناه بدار الخطابة ويخرج من باب الحديد إزاء المقصورة وهو الباب الذي كان يخرج منه معاوية وقد تولى جلال الدين بعد ذلك قضاء القضاة بالديار المصرية بعد أن أدى عنه الملك الناصر نحو مائة ألف درهم كانت دينا عليه بدمشق وإذا سلم إمام الشافعية من صلاته أقام الصلاة إمام مشهد علي ثم إمام مشهد الحسين ثم إمام مشهد الكلاسة ثم إمام مشهد أبي بكر ثم إمام مشهد عثمان ﵃ أجمعين ثم إمام المالكية وكان إمامهم في عهد دخولي إليها الفقيه أبو عمر بن الوليد بن الحاج التجيبي القرطبي الأصل الغرناطي المولد نزيل دمشق وهو يتناوب الإمامة مع أخيه رحمهما الله ثم إمام الحنفية وكان إمامهم في عهد دخولي إليها الفقيه عماد الدين الحنفي المعروف بابن الرومي وهو من كبار الصوفية وله شياخة الخانقاه الخانوتية وله أيضا خانقاه بالشرف الأعلى ثم إمام الحنابلة وكان في ذلك العهد الشيخ عبد الله الكفيف أحد شيوخ القراء بدمشق ثم بعد هؤلاء خمسة أئمة لقضاء الفوائت فلا تزال الصلاة في هذا المسجد من أول النهار إلى ثلث الليل وكذلك قراءة القرآن وهذا من مفاخر الجامع المبارك.

стр. 74

حلقات الدرس والمشرفون عليها ... حلقات الدروس والمشرفون عليها ولهذا المسجد حلقات للتدريس في فنون العلم والمحدثون يقرؤون كتب الحديث على كراسي مرتفعة وقراء القرآن يقرؤون بالأصوات الحسنة صباحا ومساءا وبه جماعة من المعلمين لكتاب الله يستند كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد يلقن الصبيان ويقرئهم وهم لا يكتبون القرآن في الألواح تنزيها لكتاب الله تعالى وإنما يقرؤون القرآن تلقينا ومعلم الخط غير معلم القرآن يعلمهم بكتب الأشعار وسواها فينصرف الصبي من التعليم إلى التكتيب وبذلك جاد خطه لأن المعلم للخط لا يعلم غيره ومن المدرسين بالمسجد المذكور العالم الصالح برهان الدين بن الفركاح الشافعي ومنهم العالم الصالح نور الدين أبو اليسر بن الصانع من المشتهرين بالفضل والصلاح ولما ولي القضاء بمصر جلال الدين القزويني وجه إلى أبي اليسر الخلعة والأمر بقضاء دمشق فامتنع من ذلك ومنهم الإمام العالم شهاب الدين ابن جهيل من كبار العلماء هرب من دمشق لما امتنع أبو اليسر من قضائها خوفا من أن يقلد القضاء فاتصل ذلك بالملك الناصر فولي قضاء دمشق شيخ الشيوخ بالديار المصرية قطب العارفين لسان المتكلمين علاء الدين القونوي وهو من كبار الفقهاء ومنهم الإمام الفاضل بدر الدين علي السخاوي رحمة الله عليهم أجمعين. مشاهير قضاة دمشق وفقهائها: قد ذكرنا قاضي القضاة الشافعي بها جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني وأما قاضي المالكية فهو شرف الدين خطيب الفيوم حسن الصورة والهيئة من كبار الرؤساء وهو شيخ شيوخ الصوفية والنائب عنه في القضاء شمس الدين بن القفصي ومجلس حكمه بالمدرسة الصمصامية وأما قاضي قضاة الحنفية فهو عماد الدين الحوراني وكان شديد السطوة وإليه تحاكم النساء وأزواجهن. وكان الرجل إذا سمع اسم القاضي الحنفي أنصف من نفسه قبل

стр. 75

الوصول إليه وأما قاضي الحنابلة فهو الإمام الصالح عز الدين بن مسلم من خيار القضاة ينصرف على حمار له ومات بمدينة رسول الله ﷺ لما توجه للحجاز الشريف. وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون إلا أن في عقله شيئاً. وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي وقال أن هذا الرجل قال كذا وكذا وعدد ما أنكر على ابن تيمية وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة وقال قاضي القضاة لابن تيمية ما تقول؟ قال لا إله إلا الله فأعاد عليه فأجاب بمثل قوله فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواما. وصنف في السجن كتاب في تفسير القرآن سماه البحر المحيط في نحو أربعين مجلداً ثم أن أمه تعرضت للملك الناصر وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه ذلك ثانية وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة١ وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم فكان من جملة كلامه أن قال أن الله ينزل من سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزاهراء وأنكر ما تكلم به فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيرا حتى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشية حرير فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة فأمر بسجنه وعزره بعد ذلك فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره ورفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدين تنكز وكان من خيار الأمراء وصلحائهم فكتب إلى الملك
следующие страницы →