والصومعة الثانية بغربية وهي من بناء الروم.
والصومعة الثالثة بشماله وهي من بناء المسلمين وعدد المؤذنين به سبعون مؤذنا وفي شرقي المسجد صومعة كبيرة فيها صهريج ماء وهي لطائفة زيالعة السودان. وفي وسط المسجد قبر زكريا ﵇ وعليه تابوت معترض بين أسطوانتين مكسو بثوب حرير أسود معلم فيه مكتوب بالأبيض: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ١. وهذا المسجد شهير الفضل وقرأت في فضائل دمشق عن سفيان الثوري أن الصلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة وفي الأثر عن النبي ﷺ : "أنه قال يعبد الله فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة". ويقال أن الجدار القبلي منه وضعه نبي الله هود ﵇ وأن قبره به وقد رأيت على مقربة من مدينة ظفار باليمن بموضع يقال له الأحقاف بنية فيها قبر مكتوب عليه هذا قبر هود بن عابر ﷺ . ومن فضائل هذا المسجد أنه لا يخلو عن قراء القرآن والصلاة إلا قليلا من الزمان كما سنذكر. والناس يجتمعون به إثر كل صلاة الصبح فيقرأون سبعا من القرآن ويجتمعون بعد صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية يقرأون فيها من سورة الكوثر إلى آخر القرآن وللمجتمعين على هذه القراءة مرتبات تجري لها وهم نحو ستمائة إنسان ويدور عليهم كاتب الغيبة فمن غاب منهم قطع له عند دفع المرتب بقدر غيبته وفي هذا المسجد جماعة كبيرة من المجاورين لا يخرجون منه مقبلون على الصلاة والقراءة والذكر لا يفترون عن ذلك ويتوضئون من المطاهر التي بداخل الصومعة الشرقية التي ذكرناها وأهل البلد يعينونهم بالمطاعم والملابس من غير أن يسألوهم شيئا من ذلك، وفي هذا المسجد أربعة أبواب باب قبلي يعرف بباب الزيادة وبأعلاه قطعة من الرمح الذي كانت فيه راية خالد بن الوليد ﵁ ولهذا الباب دهليز كبير متسع فيه حوانيت السقاطين وغيرهم ومنه يذهب إلى دار الخليل وعن يسار الخارج منه سماط الصفارين وهي سوق عظيمة ممتدة مع جدار المسجد القبلي من أحسن أسواق دمشق وبموضع هذه السوق كانت دار معاوية بن أبي سفيان ﵁ ودور قومه وكانت هذه السوق تسمى الخضراء فهدمها بنو العباس ﵃ وصار مكانها سوقا وباب شرقي
стр. 72
وهو أعظم أبواب المسجد ويسمى بباب جيرون وله دهليز عظيم يخرج منه إلى بلاط عظيم طويل أمامه خمسة أبواب لها ستة أعمدة طوال وفي جهة اليسار منه مشهد عظيم كان فيه رأس الحسين ﵁ وبإزائه مسجد صغير ينسب إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ وبه ماء جار وقد انتظمت أمام البلاط درج ينحدر فيها إلى الدهليز وهو كالخندق العظيم يتصل بباب عظيم الارتفاع تحته أعمدة كالجذوع طوال وبجانبي هذا الدهليز أعمدة قد قامت عليها شوارع مستديرة فيها دكاكين البزازين وغيرهم. وعليها شوارع مستطيلة فيها حوانيت الجوهريين والكتبيين وصناع أواني الزجاج العجيبة. وفي الرحبة المتصلة بالباب الأول دكاكين لكبار الشهود، منها دكان للشافعية وسائرها لأصحاب المذاهب يكون في الدكان منها الخمسة والستة من العدول والعاقد للأنكحة من قبل القاضي وسائر الشهود مفترقون في المدينة وبمقربة من هذه الدكاكين سوق الوراقين الذين يبيعون الكاغد والأقلام والمداد وفي الدهليز المذكور حوض من الرخام كبير مستدير عليه قبة لا سقف لها تقلها أعمدة رخام وفي وسط الحوض أنبوب نحاس يمج الماء بقوة فيرتفع في الهواء أزيد من قامة الإنسان يسمونه الفوارة منظره عجيب وعن يمين الخارج من باب جيرون وهو باب الساعات غرفة لها هيئة طاق كبير فيه طيقان صغار مفتحة لها أبواب على عدد ساعات النهار والأبواب مصبوغ باطنها بالخضرة وظاهرها بالصفرة فإذا ذهبت ساعة من النهار انقلب الباطن الأخضر ظاهرا والظاهر الأصفر باطنا ويقال أن بداخل الغرفة من يتولى قلبها بيده عند مضي الساعات والباب الغربي يعرف بباب البريد وعن يمين الخارج منه مدرسة الشافعية وله دهليز فيه حوانيت للشماعين وسماط لبيع الفواكه وبأعلاه باب يصعد إليه في درج له أعمدة سامية في الهواء وتحت الدرج سقايتان عن يمين وشمال مستديرتان والباب الجوفي يعرف بباب النطفانيين وله دهليز عظيم وعن يمين الخارج منه خانقاه تعرف بالشميعانية في وسطها صهريج ماء ولها مظاهر يجري فيها الماء ويقال إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز ﵁ وعلى باب من أبواب المسجد الأربعة دار وضوء يكون فيها نحو مائة بيت تجري فيها المياه الكثيرة.
стр. 73
أئمة المسجد الكبير:
وأئمته ثلاثة عشر إماما أولهم الشافعية وكان في عهد دخولي إليها إمامهم قاضي القضاة جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني من كبار الفقهاء وهو الخطيب بالمسجد وسكناه بدار الخطابة ويخرج من باب الحديد إزاء المقصورة وهو الباب الذي كان يخرج منه معاوية وقد تولى جلال الدين بعد ذلك قضاء القضاة بالديار المصرية بعد أن أدى عنه الملك الناصر نحو مائة ألف درهم كانت دينا عليه بدمشق وإذا سلم إمام الشافعية من صلاته أقام الصلاة إمام مشهد علي ثم إمام مشهد الحسين ثم إمام مشهد الكلاسة ثم إمام مشهد أبي بكر ثم إمام مشهد عثمان ﵃ أجمعين ثم إمام المالكية وكان إمامهم في عهد دخولي إليها الفقيه أبو عمر بن الوليد بن الحاج التجيبي القرطبي الأصل الغرناطي المولد نزيل دمشق وهو يتناوب الإمامة مع أخيه رحمهما الله ثم إمام الحنفية وكان إمامهم في عهد دخولي إليها الفقيه عماد الدين الحنفي المعروف بابن الرومي وهو من كبار الصوفية وله شياخة الخانقاه الخانوتية وله أيضا خانقاه بالشرف الأعلى ثم إمام الحنابلة وكان في ذلك العهد الشيخ عبد الله الكفيف أحد شيوخ القراء بدمشق ثم بعد هؤلاء خمسة أئمة لقضاء الفوائت فلا تزال الصلاة في هذا المسجد من أول النهار إلى ثلث الليل وكذلك قراءة القرآن وهذا من مفاخر الجامع المبارك.
стр. 74
حلقات الدرس والمشرفون عليها
...
حلقات الدروس والمشرفون عليها
ولهذا المسجد حلقات للتدريس في فنون العلم والمحدثون يقرؤون كتب الحديث على كراسي مرتفعة وقراء القرآن يقرؤون بالأصوات الحسنة صباحا ومساءا وبه جماعة من المعلمين لكتاب الله يستند كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد يلقن الصبيان ويقرئهم وهم لا يكتبون القرآن في الألواح تنزيها لكتاب الله تعالى وإنما يقرؤون القرآن تلقينا ومعلم الخط غير معلم القرآن يعلمهم بكتب الأشعار وسواها فينصرف الصبي من التعليم إلى التكتيب وبذلك جاد خطه لأن المعلم للخط لا يعلم غيره ومن المدرسين بالمسجد المذكور العالم الصالح برهان الدين بن الفركاح الشافعي ومنهم العالم الصالح نور الدين أبو اليسر بن الصانع من المشتهرين بالفضل والصلاح ولما ولي القضاء بمصر جلال الدين القزويني وجه إلى أبي اليسر الخلعة والأمر بقضاء دمشق فامتنع من ذلك ومنهم الإمام العالم شهاب الدين ابن جهيل من كبار العلماء هرب من دمشق لما امتنع أبو اليسر من قضائها خوفا من أن يقلد القضاء فاتصل ذلك بالملك الناصر فولي قضاء دمشق شيخ الشيوخ بالديار المصرية قطب العارفين لسان المتكلمين علاء الدين القونوي وهو من كبار الفقهاء ومنهم الإمام الفاضل بدر الدين علي السخاوي رحمة الله عليهم أجمعين.
مشاهير قضاة دمشق وفقهائها:
قد ذكرنا قاضي القضاة الشافعي بها جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني وأما قاضي المالكية فهو شرف الدين خطيب الفيوم حسن الصورة والهيئة من كبار الرؤساء وهو شيخ شيوخ الصوفية والنائب عنه في القضاء شمس الدين بن القفصي ومجلس حكمه بالمدرسة الصمصامية وأما قاضي قضاة الحنفية فهو عماد الدين الحوراني وكان شديد السطوة وإليه تحاكم النساء وأزواجهن. وكان الرجل إذا سمع اسم القاضي الحنفي أنصف من نفسه قبل
стр. 75
الوصول إليه وأما قاضي الحنابلة فهو الإمام الصالح عز الدين بن مسلم من خيار القضاة ينصرف على حمار له ومات بمدينة رسول الله ﷺ لما توجه للحجاز الشريف.
وكان بدمشق من كبار فقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون إلا أن في عقله شيئاً. وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي وقال أن هذا الرجل قال كذا وكذا وعدد ما أنكر على ابن تيمية وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة وقال قاضي القضاة لابن تيمية ما تقول؟ قال لا إله إلا الله فأعاد عليه فأجاب بمثل قوله فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواما. وصنف في السجن كتاب في تفسير القرآن سماه البحر المحيط في نحو أربعين مجلداً ثم أن أمه تعرضت للملك الناصر وشكت إليه فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه ذلك ثانية وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة١ وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم فكان من جملة كلامه أن قال أن الله ينزل من سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزاهراء وأنكر ما تكلم به فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيرا حتى سقطت عمامته وظهر على رأسه شاشية حرير فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة فأمر بسجنه وعزره بعد ذلك فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره ورفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدين تنكز وكان من خيار الأمراء وصلحائهم فكتب إلى الملك
стр. 76
الناصر بذلك وكتب عقداً شرعياً على ابن تيمية بأمور منكرة منها أن المطلق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة ومنها أن المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف زاده الله طيبا لا يقصر الصلاة وسوى ذلك ما يشبهه وبعث العقد إلى الملك الناصر فأمر بسجن ابن تيمية بالقلعة فسجن بها حتى مات في السجن.
مدارس دمشق:
اعلم أن للشافعية بدمشق جملة من المدارس أعظمها العادلية وبها يحكم قاضي القضاة وتقابلها المدرسة الظاهرية وبها قبر الملك الظاهر وبها جلوس نواب القاضي ومن نوابه فخر الدين القبطي وكان والده من كتاب القبط وأسلم ومنهم جمال الدين بن جملة وقد تولى قضاء قضاة الشافعية بعد ذلك وعزل لأمر أوجب عزله.
وكان بدمشق الشيخ الصالح ظهير الدين العجمي وكان سيف الدين تنكيز ملك المراء يتلمذ له ويعظمه فحضر يوما بدار العدل عند ملك الأمراء وحضر القضاة الأربعة فحكى قاضي القضاة جمال الدين بن جملة حكاية فقال له ظهير الدين كذبت فأنف القاضي من ذلك وامتعض له فقال للأمير كيف يكذبني بحضرتك؟ فقال له الأمير احكم عليه وسلمه إليه وظنه أنه يرضى بذلك فلا يناله بسوء فأحضره القاضي بالمدرسة العادلية وضربه مائتي سوط وطيف به على حمار في مدينة دمشق ومناد ينادي عليه فمتى فرغ من ندائه ضربه على ظهره ضربة وهكذا العادة عندهم فبلغ ذلك ملك الأمراء فأنكره أشد الإنكار وأحضر القضاة والفقهاء فأجمعوا على خطأ القاضي وحكمه بغير مذهبه فإن التعزير عند الشافعي لا يبلغ به الحد وقال قاضي المالكية شرف الدين قد حكمت بتفسيقه فكتب إلى الملك الناصر بذلك فعزله. وللحنفية مدارس كثيرة وأكبرها مدرسة السلطان نور الدين وبها يحكم قاضي الحنفية. وللمالكية بدمشق ثلاث مدارس إحداها الصمصامية وبها سكن قاضي قضاة المالكية وقعوده للأحكام والمدرسة النورية عمرها السلطان نور الدين محمود بن زنكي والمدرسة الشرابشي التاجر، وللحنابلة مدارس كثيرة أعظمها النجمية.
стр. 77
أبواب دمشق:
ولمدينة دمشق ثمانية أبواب منها باب الفراديس ومنها باب الجابية ومنها الباب الصغير، وفيما بين هذين البابين مقبرة فيها العدد الجم من الصحابة والشهداء، فمن بعدهم.
قال محمد بن جزي: لقد أحسن بعض المتأخرين من أهل دمشق في قوله:
دمشق في أوصافها ... جنة خلد راضيه
أما ترى أبوابها ... قد جعلت ثمانية.
بعض المشاهد والمزارات في دمشق:
فمنها بالمقبرة التي بين باب الجابية والباب الصغير قبر أم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين وقبر أخيها أمير المؤمنين معاوية وقبر بلال مؤذن رسول الله ﷺ ﵃ أجمعين وقبر أويس القرني وقبر كعب الأحبار وضي الله عنهما ووجدت في كتاب المعلم في شرح صحيح مسلم للقرطبي أن جماعة من الصحابة صحبهم أويس القرني من المدينة إلى الشام فتوفي في أثناء الطريق في برية لا عمارة فيها ولا ماء فتحيروا في أمره فنزلوا فوجدوا حنوطا وكفنا وماء فعجبوا من ذلك وغسلوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه ثم ركبوا فقال بعضم كيف نترك قبره بغير علامة فعادوا للموضع فلم يجدوا للقبر من أثر. قال ابن جزي: ويقال: أن أويساً قتل بصفّين مع علي ﵇، وهو الأصح أن شاء الله ويلي باب الجابية باب شرقي عنده جباية فيها قبر أبي كعب صاحب رسول الله ﷺ وفيها قبر العابد الصالح أرسلان المعروف بالباز الأشهب.
ويحكى أن الشيخ الولي أحمد الرفاعي ﵁ كان مسكنه بأم عبيدة بمقربة من مدينة واسط وكانت بين ولي الله تعالى أبي مدين شعيب بن الحسين وبينه مؤاخاة ومراسلة ويقال أن كل واحد منهما كان يسلم على صحبه صباحا ومساء فيرد عليه الآخر وكانت للشيخ أحمد نخيلات عند زاويته فلما كان في إحدى السنين جذها على عادته وترك عذقا منها وقال هذا برسم أخي شعيب فحج الشيخ أبو مدين تلك السنة واجتمعا بالموقف الكريم بعرفة ومع الشيخ أحمد خديمه أرسلان فتفاوضا الكلام. وحكى الشيخ حكاية العذق فقال له
стр. 78
أرسلان عن أمرك يا سيدي آتيه به. فأذن له. فذهب من حينه وأتاه به ووضعه بين أيديهما فأخبر أهل الزاوية أنهم رأوا عشية يوم عرفة بازا أشهب قد انقض على النخلة فقطع ذلك العذق وذهب به في الهواء. وبغربي دمشق جبانة تعرف بقبور الشهداء فيها قبر أبي الدرداء وزوجه أم الدرداء وقبر فضالة بن عبيد وقبر واثلة بن الأسقع وقبر سهل بن حنظلة من الذين بايعوا تحت الشجرة ﵃ أجمعين. وبقرية تعرف بالمنيحة شرقي دمشق وعلى أربعة أميال منها قبر سعد بن عبادة ﵁ وعليه مسجد صغير حسن البناء وعلى رأسه حجر مكتوب هذا قبر سعد بن عبادة رأس الخزرج صاحب رسول الله ﷺ تسليماً. وبقرية قبلي البلد وعلى فرسخ منها مشهد أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة ﵈ ويقال أن اسمها زينب وكناها النبي ﷺ أم كلثوم لشبهها بخالتها أم كلثوم بنت الرسول ﷺ وعليه مسجد كبير وحوله مساكن وله أوقاف ويسميه أهل دمشق قبر الست أم كلثوم وقبر آخر يقال أنه قبر سكينة بنت الحسين بن علي ﵇. وبجامع النيرب من قرى دمشق في بيت بشرقية قبر يقال أنه قبر أم مريم ﵍، وبقرية تعرف بداريا غرب البلد وعلى أربعة أميال منها قبر أبي مسلم الخولاني وقبر أبي سليمان الداراني ﵄، ومن مشاهد دمشق الشهيرة البركة مسجد الأقدام وهو في قبلي دمشق على ميلين منها على قارعة الطريق الأعظم الآخذ إلى الحجاز الشريف وبيت المقدس وديار مصر وهو مسجد عظيم كثير البركة وله أوقاف كثيرة ويعظمه أهل دمشق تعظيما شديدا والأقدام التي ينسب إليها هي أقدام مصورة في حجر هناك يقال إنها أثر قدم موسى ﵇ وفي هذا المسجد بيت صغير فيه حجر مكتوب عليه كان بعض الصالحين يرى المصطفى ﷺ في النوم فيقول له ها هنا قبر أخي موسى ﵇ وبمقربة من هذا المسجد موضع يعرف بالكثيب الأخضر وبمقربة من بيت المقدس وأريحا موضع يعرف بالكثيب الأحمر تعظمه اليهود.
وحين نزل الطاعون الأعظم بدمشق في أواخر ربيع الثاني سنة تسع وأربعين شاهدت من تعظيم أهل دمشق لهذا المسجد ما يعجب منه وهو أن ملك الأمراء نائب السلطان أرغون شاه أمر مناديا ينادي بدمشق أن يصوم الناس ثلاثة أيام ويطبخون بالسوق فصام الناس ثلاثة أيام متوالية كان آخرها يوم الخميس ثم اجتمع الأمراء والشرفاء والقضاة والفقهاء وسائر الطبقات على اختلافها في
стр. 79
الجامع حتى غص بهم وباتوا ليلة الجمعة ما بين مصل وذاكر وداع ثم صلوا الصبح وخرجوا جميعا على أقدامهم وبأيديهم المصاحف والأمراء حفاة وخرج جميع أهل البلد ذكورا وإناثا صغارا وكبارا وخرج اليهود بتوراتهم والنصارى بإنجيلهم ومعهم النساء والولدان وجميعهم باكون متضرعون إلى الله بكتبه وأنبيائه وقصدوا مسجد الإقدام وأقاموا به في تضرعهم إلى قرب الزوال وعادوا إلى البلد وصلوا الجمعة وخفف الله تعالى عنهم بعد ما انتهى عدد الموتى إلى ألفين في اليوم الواحد وقد انتهى عددهم بالقاهرة ومصر إلى أربعة وعشرين ألفا في يوم واحد. وبالباب الشرقي من دمشق منارة بيضاء يقال إنها التي ينزل عيسى ﵇ عندها حسبما ورد في صحيح مسلم.
أرباض دمشق:
وتدور بدمشق من جهاتها ما عدا الشرقية أرباض فسيحة الساحات دواخلها أملح من داخل دمشق لأجل الضيق الذي في سككها وبالجهة الشمالية منها ربض الصالحية وهي مدينة عظيمة لها سوق لا نظير لحسنه وفيها مسجد جامع ومارستان وبها مدرسة تعرف بمدرسة ابن عمر موقوفة على من أراد أن يتعلم القرآن الكريم من الشيوخ والكهول وتجري لهم ولمن يعلمهم كفايتهم من المآكل والملابس. وبداخل البلد أيضا مدرسة مثل هذه تعرف بمدرسة ابن منجا وأهل الصالحية كلهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵁.
جبل قاسيون ومشاهده المباركة:
وقاسيون: جبل في شمال دمشق والصالحية في سفحه وهو شهير البركة لأنه مصعد الأنبياء ﵈ ومن مشاهده الكريمة الغار الذي ولد فيه إبراهيم ﵇ وهو غار مستطيل ضيق عليه مسجد كبير وله صومعة عالية ومن ذلك الغار رأى الكواكب والقمر والشمس حسبما ورد في الكتاب العزيز وفي ظهر الغار مقامه الذي كان يخرج إليه وقد رأيت ببلاد العراق قرية تعرف بِبُرْص "بضم الباء الموحدة وآخرها صاد مهمل"، ما بين الحلة وبغداد يقال: أن إبراهيم ﵇ كان بها وهي بمقربة من بلد ذي الكفل عليه
стр. 80
السلام وبها قبره ومن مشاهده بالغرب منه مغارة الدم وفوقها بالجبل دم هابيل بن آدم ﵇ وقد أبقى الله منه في الحجارة أثراً محمراً وهو الموضع الذي قتله أخوه به وأجتره إلى المغارة ويذكر أن تلك المغارة صلى فيها إبراهيم وموسى وعيسى وأيوب ولوط صلى الله عليهم أجمعين وعليها مسجد متقن البناء يصعد إليه على درج وفيه بيوت ومرافق للسكنى ويفتح في كل يوم اثنين وخميس والشمع والسرج توقد بالمغارة ومنها كهف بأعلى الجبل ينسب لآدم ﵇ وعليه بناء وأسفل منه مغارة تعرف بمغارة الجوع يذكر أنه أوى إليها سبعون من الأنبياء ﵈ وكان عندهم رغيف فلم يزل يدور عليهم وكل منهم يؤثر صاحبه به حتى ماتوا جميعا صلى الله عليهم وعلى هذه المغارة مسجد مبني والسرج توجد فيه ليلاً ونهاراً ولكل مسجد من هذه المساجد أوقاف كثيرة معينة ويذكر أن فيما بين باب الفراديس وجامع قاسيون مدفن سبعمائة نبي وبعضهم يقول سبعين ألفا وخارج المدينة المقبرة العتيقة وهي مدفن الأنبياء والصالحين وفي طرفها مما يلي البساتين أرض منخفضة غلب عليها الماء يقال أنها مدفن سبعين نبيا وقد عادت قرارا للماء ونزهت من أن يدفن فيها أحد١.
وفي آخر جبل قاسيون الربوة المباركة في كتاب الله ذات القرار المعين ومأوى المسيح عيسى وأمه ﵉ وهي من أجمل مناظر الدنيا ومنتزهاتها وبها القصور المشيدة والمباني الشريفة والبساتين البديعة والمأوى المبارك مغارة صغيرة في وسطها كالبيت الصغير وإزاءها بيت يقال أنه مصلى الخضر ﵇ يبادر الناس إلى الصلاة فيها وللمأوى باب حديد صغير والمسجد يدور به وله شوارع دائرة وساقيه حسنة ينزل لها الماء من علو
стр. 81
وينصب في شاذروان في الجدار يتصل بحوض من رخام ويقع فيه الماء ولا نظير له في الحسن وغرابة الشكل وبقرب ذلك مطاهر للوضوء يجري فيها الماء وهذه الربوة المباركة هي رأس بساتين دمشق وبها منابع مياهها وينقسم الماء الخارج منها على سبعة أنهار كل نهر أخذ في جهة ويعرف ذلك الموضع بالمقاسم وأكبر هذه الأنهار النهر المسمى بتورة وهو يشق تحت الربوة وقد نحت له مجرى في الحجر الصلد كالغار الكبير وربما انغمس ذو الجسارة من العوامين في النهر من أعلى الربوة واندفع في الماء حتى يشق مجراه ويخرج من أسفل الربوة وهي مخاطرة عظيمة وهذه الربوة تشرف على البساتين الدائرة بالبلد ولها من الحسن واتساع مسرح الأبصار ما ليس لسواها وتلك الأنهار السبعة تذهب في طرق شتى فتحار الأعين في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاعها وانصبابها وجمال الربوة وحسنها التام أعظم من أن يحيط به الوصف ولها الأوقاف الكثيرة من المزارع والبساتين والرباع تقام منها وظائفها للإمام والمؤذن والصادر والوارد وبأسفل الربوة قرية النيرب وقد تكاثرت بساتينها وتكاثفت ظلالها وتدانت أشجارها فلا يظهر من بنائها إلا ما سما ارتفاعه ولها حمام مليح ولها جامع بديع مفروش صحنه بفصوص الرخام وفيه سقاية رائعة الحسن ومطهرة فيها بيوت عدة يجري فيها الماء وفي القبلي من هذه القرية قرية المزة وتعرف بمزة كلب نسبة إلى قبيلة كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة وكانت إقطاعاً لهم وإليها ينسب الإمام حافظ الدنيا جمال الدين يوسف بن الزّي الكلبي المزي وكثير سواه من العلماء وهي من أعظم قرى دمشق بها جامع كبير عجيب وسقاية معينة وأكثر قرى دمشق فيها الحمامات والمساجد الجامعة والأسواق وسكانها كأهل الحاضرة في مناحيهم وفي شرقي البلد قرية تعرف ببيت الأحبة وكانت فيها كنيسة يقال أن آزر كان يجلب فيها الأصنام فيكسرها الخليل ﵇ وهي الآن مسجد جامع بديع مزين بفصوص الرخام الملونة بأعجب نظام وأزين التئام
أخبار الأوقاف بدمشق وبعض فضائل أهلها وعوائدهم:
والأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها فمنها أوقاف على العاجزين على الحج يعطي لمن يحج عن الرجل منهم كفايته، ومنها أوقاف على
стр. 82
تجهيز البنات إلى أزواجهن وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن ومنها أوقاف لفكاك الأسارى ومنها أوقاف لأبناء السبيل يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم ومنها أوقاف على تعديل الطريق ورصفها لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون ويمر الركبان بين ذلك ومنها أوقاف لسوى ذلك من أفعال الخير.
مررت يوما ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكا صغيراً قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني وهم يسمونها الصحن فتكسرت واجتمع عليه الناس فقال له بعضهم اجمع شققها واحملها معك لصاحب أوقاف الأواني فجمعها وذهب الرجل معه إليه فأراه إياها فدفع له ما اشترى به مثل ذلك الصحن وهذا من أحسن الأعمال فإن سيد الغلام لا بد له أن يضربه على كسر الصحن أو ينهره وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغير لأجل ذلك فكان هذا الوقف جبرا للقلوب جزى الله خيرا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا. وأهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد وهم يحسنون الظن بالمغاربة ويطمئنون إليهم بالأموال والأهلين والأولاد وكل من انقطع بجهة من جهات دمشق لا بد أن يتأتى له وجه من المعاش من إمامة مسجد أو قراءة بمدرسة أو ملازمة مسجد يجبيء إليه فيه رزقه أو قراءة القرآن أو خدمة مشهد من المشاهد المباركة أو يكون كجملة الصوفية بالخوانق تجري له النفقة والكسوة فمن كان بها غريبا على خير لم يزل مصونا عن بذل وجهه ومحفوظا عما يزري بالمروءة ومن كان من أهل المهنة والخدمة فله أسباب أخر من حراسة بستان أو أمانة طاحونة أو كفالة صبيان يغدو معهم إلى التعليم ويروح ومن أراد طلب العلم أو التفرغ للعبادة وجد الإعانة التامة على ذلك. ومن فضائل أهل دمشق أنه لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده البتة فمن كان من الأمراء والقضاة والكبراء فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون عنده ومن كان من التجار وكبار السوقة١ صنع مثل ذلك ومن كان من الضعفاء والبادية فإنهم يجتمعون كل ليلة في دار أحدهم أو في مسجد ويأتي كل واحد بما عنده فيفطرون جميعاً. ولما وردت دمشق وقعت بيني وبين نور الدين السخاوي مدرس المالكية صحبة
стр. 83
فرغب أن أفطر عنده في ليالي رمضان فحضرت عنده أربع ليالي ثم أصابتني الحمى فغبت عنه فبعث في طلبي فاعتذرت بالمرض فلم يسعني عذرا١ فرجعت إليه وبت عنده فلما أردت الإنصراف بالغد منعني من ذلك وقال لي احسب داري كأنها دارك أو دار أبيك أو أخيك وأمر بإحضار طبيب وأن يصنع لي بداره كل ما يشتهيه الطبيب من دواء أو غذاء وأقمت كذلك عنده إلى يوم العيد وحضرت المصلى وشفاني الله مما أصابني.
وقد كان ما عندي من النفقة نفد فعلم بذلك فاكترى لي جمالا وأعطاني الزاد وسواه وزادني دراهم وقال لي تكون لما عسى أن يعتريك من أمر مهم جزاه الله خيرا، وكان بدمشق فاضل من كتاب الملك الناصر يسمى عماد الدين القيصراني من عاداته أنه متى سمع أن مغربيا وصل إلى دمشق بحث عنه وأضافه وأحسن إليه فإن عرف منه الدين والفضل أمره بملازمته وكان يلازمه منهم جماعة وعلى هذه الطريقة أيضا كاتب السر الفاضل علاء الدين بن غانم وجماعة غيره.
وكان بها فاضل من كبرائها وهو الصاحب عز الدين القلانسي له مآثر ومكارم وفضائل وإيثار وهو ذو مال عريض وذكروا أن الملك الناصر لما قدم دمشق أضافه وجميع أهل دولته ومماليكه وخواصه ثلاثة أيام فسماه إذ ذاك بالصاحب ومما يؤثر من فضائلهم أن أحد ملوكهم السالفين لما نزل به الموت أوصى أن يدفن بقبلة الجامع المكرم ويخفى قبره وعين أوقافا عظيمة لقراء يقرأون سبعا من القرآن الكريم في كل يوم إثر صلاة الصبح بالجهة الشرقية من مقصورة الصحابة ﵃ حيث قبره فصارت قراءة القرآن على قبره لا تنقطع أبدا ًوبقي ذلك الرسم الجميل بعده مخلداً، ومن عادة أهل دمشق وسائر تلك البلاد أنهم يخرجون بعد صلاة العصر من يوم عرفة فيقفون بصحون المساجد كبيت المقدس وجامع بني أمية وسواها ويقف بهم أئمتهم كاشفي رؤوسهم داعين خاضعين خاشعين متلمسين البركة ويتوخون الساعة التي يقف فيها وفد الله تعالى وحجاج بيته بعرفات ولا يزالون في خضوع ودعاء وابتهال وتوسل إلى الله تعالى لحجاج بيته إلى أن تغيب الشمس فينفرون كما ينفر الحاج باكين على ما حرموه من ذلك الموقف الشريف بعرفات داعين إلى الله تعالى أن
стр. 84
يوصلهم إليها ولا يخيبهم من بركة القبول فيما فعلوه. ولهم أيضا في اتباع الجنائز رتبة عجيبة وذلك أنهم يمشون أمام الجنازة والقراء يقرؤون القرآن بالأصوات الحسنة والتلاحين المبكية التي تكاد النفوس تطير لها رقة وهم يصلون على الجنائز بالمسجد الجامع قبالة المقصورة فإن كان الميت من أئمة الجامع أو مؤذنيه أو خدامه أدخلوه بالقراءة إلى موضع الصلاة عليه وإن كان من سواهم قطعوا القراءة عند باب المسجد وأدخلوا الجنازة وبعضهم يجتمع له بالبلاط الغربي من الصحن بمقربة من باب البريد فيجلسون وأمامهم ربعات القرآن يقرؤون فيها ويرفعون أصواتهم بالنداء لكل من يصل للعزاء من كبار البلدة وأعيانها ويقولون بسم الله فلان الدين من كمال وجمال وشمس وبدر وغير ذلك فإذا أتموا القراءة قام المؤذنون فيقولون افتكروا واعتبروا صلاتكم على فلان الرجل الصالح العالم ويصفونه بصفات من الخير ثم يصلون عليه ويذهبون به إلى مدفنه. ولأهل الهند رتبة عجيبة في الجنائز أيضا زائدة على ذلك وهي أنهم يجتمعون بروضة الميت صبيحة الثالث من دفنه وتفرش الروضة بالثياب الرفيعة ويكسى القبر بالأكسية الفاخرة وتوضع حوله الرياحين من الورد والنسرين والياسمين وذلك النوار لا ينقطع عندهم ويأتون بأشجار الليمون والأترج ويجعلون فيها حبوبها أن لم تكن فيها ويجعلون صيوان يظلل الناس نحوه ويأتي القضاة والأمراء ومن يماثلهم فيقعدون ويقابلهم القراء ويؤتى بالربعات الكرام فيأخذ كل واحد منهم جزءا فإذا تمت القراءة من القراء بالأصوات الحسان يدعو القاضي ويقوم قائمه ويخطب معدة لذلك ويذكر فيها الميت ويرثيه بأبيات شعر ويذكر أقاربه ويعزيهم ويذكر السلطان داعيا له وعند ذكر السلطان يقوم الناس ويحطون رؤوسهم إلى سمت الجهة التي بها السلطان ثم يقعد القاضي ويأتون بماء الورد فيصب على الناس صبا يبدأ بالقاضي ثم من يليه كذلك إلى أن يعم الناس أجمعين ثم يؤتى بأواني السكر وهو الجلاب محلولا بالماء فيسقون الناس منه ويبدؤون بالقاضي ومن يليه ثم يؤتى بالتنبول وهم يعظمونه مكرمون من يأتي لهم به فإذا أعطى السلطان أحداً منه فهو أعظم من إعطاء الذهب والخلع وإذا مات الميت لم يأكل أهله التنبول إلا في ذلك اليوم فيأخذ القاضي أو من يقوم مقامه أوراق منه فيعطيها لولي الميت فيأكلها وينصرفون حينئذ وسيأتي ذكر التنبول أن شاء الله تعالى.
стр. 85
خبر سماعي بدمشق ومن أجازني من أهلها:
سمعت بجامع بني أمية عمره الله بذكره جميع صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري ﵁ على الشيخ المعمر رحالة الآفاق ملحق الأصاغر بالأكابر شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم بن حسن بن علي بن بيان الدين، مقريء الصالحي، المعروف بابن الشحنة الحجار في أربعة عشر مجلسا أو لها يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان المعظم سنة ست وعشرين وسبعمائة وآخرها يوم الإثنين الثامن والعشرين منه بقراءة الإمام الحافظ مؤرخ الشام علم الدين أبي محمد القاسم بن محمد بن يوسف البرزالي، الإشبيلي الأصل، الدمشقي، في جماعة كبيرة كتب أسماءهم محمد بن طغريل بن عبد الله بن غزال الصيرفي في سماع الشيخ أبي العباس الحجازي لجميع الكتاب من الشيخ الإمام سراج الدين أبي عبد الله الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد بن يحيى بن علي بن المسيح بن عمران الربيعي البغدادي الزبيدي الحنبلي في أواخر شوال وأوائل ذي القعدة من سنة ثلاثين وستمائة بالجامع المظفري بسفح جبل قاسيون ظاهر دمشق وبإجازته في جميع الكتاب من الشيخين أبي الحسن محمد بن أحمد بن عمر بن الحسين بن الخلف القطيعي المؤرخ وعلي بن أبي بكر بن عبد الله بن رؤبة القلانسي العطار البغدادي ومن باب غيرة النساء ووجدهن، إلى آخر الكتاب من أبي المنجا عبد الله بن عمر بن علي بن زيد الليثي الخزاعي البغدادي بسماع أربعتهم من الشيخ شديد الدين أبي الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيمم السجزي الهروي الصوفي في سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة ببغداد قال أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود بن أحمد بن معاذ بن سهل بن الحكم الدوادي قراءة عليه وأنا أسمع ببوشنج سنة خمس وستين وأربعمائة قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حوبة ابن يوسف بن أيمن السرخسي قراءة عليه وانا أسمع في صفر سنة إحدى وثمانين ثلاثمائه قال أخبرنا عبد الله بن يوسف بن مطر بن صالح بشر بن إبراهيم الفربري قراءة عليه وأنا أسمع سنة ست عشرة وثلاثمائة بفربر قال أخبرنا الإمام أبو عبد الله بن محمد بن إسماعيل البخاري ﵁ سنة ثمان وأربعين ومائتين بفربر ومرة ثانية بعدها سنة ثلاث وخمسين. ومن
стр. 86
إجازتي من أهل دمشق إجازة الشيخ أبو العباس الحجار المذكور، سبق إلى ذلك وتلفظ - به ومنهم الشيخ الإمام شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد المقدسي ومولده في ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وستمائة. ومنهم الشيخ الإمام الصالح عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن النجدي. ومنهم إمام الأئمة جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزني الكلبي حافظ الحفاظ. ومنهم الإمام علاء الدين علي بن يوسف بن محمد بن عبد الله الشافعي. والشيخ الإمام الشريف محيي الدين بن يحيى بن علي العلوي. ومنهم الشيخ الإمام المحدث مجد الدين القاسم بن عبد الله بن أبي عبد الله بن المعلي الدمشقي ومولده سنة أربع وخمسون وستمائة. ومنهم الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أحمد بن إبراهيم بن فلاح بن محمد الإسكندري. ومنهم الشيخ الإمام ولي الله تعالى شمس الدين بن عبد الله بن تمام. والشيخان الأخوان شمس الدين محمد وكمال الدين عبد الله ابنا إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي. والشيخ العابد شمس الدين محمد بن أبي الزهراء بن سالم الهكاري. والشيخة الصالحة أم محمد عائشة بنت محمد بن مسلم بن سلامة الحراني. والشيخة الصالحة رحلة الدنيا زينب بنت كمال الدين أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي. كل هؤلاء أجازني إجازة عامة في سنة ستة وعشرين بدمشق. ولما استهل شوال من السنة المذكورة خرج الركب الحجازي إلى خارج دمشق ونزلوا القرية المعروفة بالكسوة، فأخذت في الحركة معهم وكان أمير الركب سيف الدين الجوبان من كبار الأمراء وقاضيه شرف الدين الأذرعي الحوراني، وحج في تلك السنة مدرس المالكية صدر الدين العماري وكان سفري مع طائفة من العرب تدعى العجارمة أمير هم محمد بن رافع كبير القدر في الأمراء وارتحلنا من الكسوة إلى قرية تعرف بالصنمين عظيمة ثم ارتحلنا منها إلى بلدة زرعة١ وهي صغيرة من بلاد حوران نزلنا بالقرب منها ثم ارتحلنا إلى مدينة بُصرى وهي صغيرة ومن عادة الركب أن يقيم بها أربعا ليلحق بهم من تخلف بدمشق لقضاء مآربه - وإلى بُصرى وصل رسول الله ﷺ قبل البعث في تجارة خديجة، وبها مبرك ناقته قد بنى عليه مسجد عظيم،
стр. 87
ويجتمع أهل حوران لهذه المدينة ويتزود الحاج منها ثم يرحلون إلى بركة زيرة "زيرا"١ويقيمون عليها يوماً، ثم يرحلون إلى اللجون وبها الماء الجاري، ثم يرحلون إلى حصن الكرك وهو من أعجب الحصون وأمنعها وأشهرها ويسمى بحصن الغراب والوادي يطيف به من جميع جهاته وله باب واحد قد نحت المدخل إليه في الحجر الصلد ومدخل دهليزه كذلك، وبهذا الحصن يتحصن الملوك وإليه يلجئون في النوائب وإليه لجأ الملك الناصر لأنه ولي الملك وهو صغير السن فاسولى على التدبير مملوكه سلار النائب عنه، فأظهر الملك الناصر أنه يريد الحج، ووافقه الأمراء على ذلك فتوجه إلى الحج فلما وصل عقبة إيلة لجأ إلى الحصن وأقام به أعواما إلى أن قصده أمراء الشام واجتمعت عليه المماليك وكان الملك في تلك المدة بيبرس الششنكير٢ وهو أمير الطعام ويسمى بالملك المظفر وهو الذي بنى الخانقة البيبرسية بمقربة من خانقاه سعيد السعداء التي بناها صلاح الدين بن أيوب فقصده الملك الناصر بالعساكر ففر بيبرس إلى الصحراء فتبعته العساكر وقبض عليه وأتى به إلى الملك الناصر فأمر بقتله فقتل وقبض على سلار وحبس في جب حتى مات جوعاً ويقال أنه أكل جيفة من الجوع نعوذ بالله من ذلك. وأقام الركب بخارج الكرك أربعة أيام بموضع يقال له الثنية وتجهزوا لدخول البرية. ثم ارتحلنا إلى معان وهو آخر بلاد الشام ونزلنا من عقبة الصوان إلى الصحراء التي يقال فيها داخلها مفقود وخارجها مولود وبعد مسيرة يومين نزلنا ذات حج وعلى حسيان ذا عمارة بها إلى وادي بلدح ولا ماء به ثم إلى تبوك هو الموضع الذي غزاه رسول الله ﷺ وفيها عين ماء كانت تنبض بشيء من الماء فلما نزلها رسول الله ﷺ وتوضأ منها جادت بالماء المعين ولم يزل إلى هذا العهد ببركة رسول الله ﷺ ومن عادة حجاج الشام إذا وصلوا منزل تبوك أخذوا أسلحتهم وجردوا سيوفهم وحملوا على المنزل وضربوا النخل بسيوفهم ويقولون هكذا دخلها رسول الله ﷺ . وينزل الركب العظيم على هذه العين فيروى منها جميعهم ويقيمون أربعة أيام للراحة وإرواء الجمال واستعداد الماء للبرية المخوفة التي بين العلا وتبوك. ومن عادة السقائين أنهم ينزلون على
стр. 88
جوانب هذه العين ولهم أحواض مصنوعة من جلود الجواميس كالصهاريج الضخام يسقون منها الجمال ويملئون الروايا والقرب ولكل أمير أو كبير حوض يسقي منه جماله وجمال أصحابه ويملأ رواياهم وسواهم من الناس متفق مع السقائين على سقي جمله وملأ قربته بشيء معلوم من الدراهم. ثم يرحل الركب من تبوك ويجدون السير ليلا ونهارا خوفاً من هذه البرية وفي وسطها الوادي الأخيضر كأنه وادي جهنم أعاذنا الله منها وأصاب الحجاج به في بعض السنين مشقة بسبب ريح السموم التي تهب فانتشفت المياه وانتهت شربة الماء إلى ألف دينار ومات مشتريها وبائعها وكتب ذلك في بعض صخور الوادي، ومن هنالك ينزلون بركة المعظم وهي ضخمة نسبتها إلى الملك المعظم من أولاد أيوب ويجتمع بها ماء المطر في بعض السنين وربما جف في بعضها وفي الخامس من أيام رحيلهم عن تبوك يصلون إلى بئر الحجر حجر ثمود وهي كثيرة الماء ولكن لا يردها أحد من الناس مع شدة عطشهم اقتداء بفعل رسول الله ﷺ حين مر بها في غزوة تبوك فأسرع براحلته وأمر أن لا يستقي منها أحد ومن عجن به أطعمه الجمال وهناك ديار ثمود في جبال من الصخر الأحمر منحوتة لها عتب منقوشة يظن رائيها أنها حديثة الصنعة وعظامهم نخرة في داخل تلك البيوت أن في ذلك لعبرة ومبرك ناقة صالح ﵇ بين جبلين هنالك وبينهما أثر مسجد يصلي الناس فيه، وبين الحجر والعلا نصف يوم أو دونه، والعلا قرية كبيرة حسنة لها بساتين النخل والمياه المعينة يقيم بها الحجاج أربعا يتزودن ويغسلون ثيابهم ويدعون بها ما يكون عندهم من فضل زاد ويستصحبون قدر الكفاية وأهل هذه القرية أصحاب أمانة وإليها ينتهي تجار نصارى الشام لا يتعدونها ويبايعون الحجاج الزاد وسواه. ثم يرحل الركب من العلا فينزلون في غد رحيلهم الوادي المعروف بالعطاس وهو شديد الحر تهب فيه السموم المهلكة هبت في أحد السنين على الركب فلم يخلص منها إلا اليسير وتعرف تلك السنة سنة الأمير الحالقي، ومنه ينزلون هدية وهي حسيان ماء بواد يحفرون به فيخرج الماء وهو زُعاق. وفي اليوم الثالث ينزلون بظاهر البلد المقدس الكريم الشريف.
стр. 89
طيبة مدينة رسول الله ﷺ وكَرَّم وشَرَّف وعَظَّم:
وفي عشي ذلك اليوم دخلنا الحرم الشريف وانتهينا إلى المسجد الكريم فوقفنا بباب السلام مسلمين وصلينا بالروضة الكريمة بين القبر والمنبر الكريم واستلمنا القطعة الباقية من الجذع الذي حن إلى رسول الله ﷺ وهي ملصقة بعمود قائم بين القبر والمنبر عن يمين مستقبل القبلة وأدينا حق السلام على سيد الأولين والآخرين وشفيع العصاة والمذنبين الرسول النبي الهاشمي الأبطحي محمد ﷺ تسليما وشرّف وكرّم وحق السلام على ضجيعيه وصاحبيه أبي بكر الصديق وأبي حفص عمر الفاروق ﵄ وانصرفنا إلى رحالنا مسرورين بهذه النعمة العظمى مستبشرين بنبل المنة الكبرى حامدين الله تعالى على البلوغ إلى معاهد رسوله الشريفة ومشاهده العظيمة المنيفة داعين أن لا يجعل ذلك آخر عهدنا بها وأن يجعلنا ممن قبلت زيارته وكُتِبت في سبيل الله سفرته.
مسجد رسول الله ﷺ وروضته الشريفة:
المسجد المعظم مستطيل، تحفه من جهاته الأربع بلاطات دائرة به ووسطه صحن مفروش بالحصى والرمل ويدور بالمسجد الشريف شارع مبلط بالحجر المنحوت والروضة المقدسة صلوات الله وسلامه على ساكنها في الجهة القبلية مما يلي الشرق من المسجد الكريم وشكلها عجيب لا يتأتى تمثيله. وهي منورة بالرخام البديع النحت الرائق النعت قد علاها تضميخ المسك والطيب مع طول الأزمان. وفي الصفة القبلية منها مسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم وهنالك يقف الناس مستقبلين الوجه الكريم مستديرين القبلة فيسلمون وينصرفون يمينا إلى وجه أبي بكر الصديق ورأس أبي بكر ﵁ عند قدمي رسول الله ﷺ ثم ينصرفون إلى عمر بن الخطاب ورأس عمر عند كتفي أبي بكر ﵄ وفي الجوفي من الروضة المقدسة زادها الله طيبا حوض صغير مرخم في قبلته شكل محراب يقال أنه كان بيت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تسليما ويقال أيضا هو قبرها والله أعلم. وفي وسط المسجد الكريم دفة مطبقة على وجه الأرض مقفلة على سرداب له مدرج يفضي إلى دار أبي بكر ﵁ خارج المسجد وعلى ذلك السرداب كان طريق عائشة أم
стр. 90
المؤمنين ﵄ إلى داره ولا شك أنه هو الخوخة التي ورد ذكرها في الحديث وأمر النبي ﷺ بإبقائها وسد ما سواها وبازاء دار أبي بكر ﵁ دار عمر ودار ابنه عبد الله بن عمر ﵄ وبشرقي المسجد الكريم دار إمام المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس ﵁ وبمقربة من باب السلام سقاية ينزل إليها على درج ماؤها معين وتعرف بالعين الزرقاء.
وقت ابتداء بناء المسجد الكريم:
قدم رسول الله ﷺ تسليماً المدينة الشريفة دار الهجرة يوم الاثنين ليلة الثالث عشر من شهر ربيع الأول فنزل على بني عمرو بن عوف وأقام عندهم ثنتين وعشرين ليلة وقيل أربع عشرة ليلة وقيل أربع ليال ثم توجه إلى المدينة فنزل على بني النجار بدار أبي أيوب الأنصاري ﵁ وأقام عنده سبعة أشهر حتى بنى مساكنه ومسجده وكان موضع المسجد مربداً لسهل وسهيل ابني رافع بن أبي عمر بن عاند بن ثعلبة بن غانم بن مالك بن النجار وهما يتيمان في حجر أسعد بن زرارة ﵃ أجمعين وقيل كانا في حجر أبي أيوب ﵁ فابتاع رسول الله ﷺ ذلك المربد وقيل بل أرضاهما أبو أيوب عنه وقيل أنهما وهباه لرسول الله ﷺ ، فبنى رسول الله ﷺ المسجد وعمل فيه مع أصحابه وجعل عليه حائطا ولم يجعل له سقفا ولا أساطين، وجعله مربعا طوله مائة ذراع وعرضه مثل ذلك وقيل أن عرضه كان دون ذلك وجعل ارتفاع حائطه قدر القامة فلما اشتد الحر تكلم أصحابه في تسقيفه فأقام له أساطين من جذوع النخل وجعل سقفه من جريدها فلما أمطرت السماء وكف المسجد، وكلم أصحاب رسول الله ﷺ رسول الله ﷺ في عمله بالطين فقال: كلا عريش كعريش موسى أو ظلة كظلة موسى والأمر أقرب من ذلك. قيل: وما ظلة موسى؟ قال ﷺ : كان إذا قام أصاب السقف رأسه.
وجعل للمسجد ثلاثة أبواب. ثم سد باب الجنوب منها حين حولت القبلة، وبقي المسجد على حاله حياة رسول الله ﷺ تسليما وحياة أبي بكر ﵁، فلما كانت أيام عمر بن الخطاب ﵁ زاد في مسجد رسول الله ﷺ . وقال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول ينبغي أن نزيد في المسجد ما زدت فيه. فأنزل أساطين الخشب، وجعل مكانها أساطين
стр. 91
اللبن وجعل الأساس حجارة إلى القامة وجعل الأبواب ستة منها في كل جهة ما عدا القبلة بابان وقال في باب منها ينبغي أن يترك هذا للنساء فما رؤي فيه حتى لقي الله وقال لو زدنا في هذا المسجد حتى يبلغ الجبانة لم يزل مسجد رسول الله ﷺ وأراد عمر أن يدخل في المسجد موضعا للعباس عم رسول الله ﷺ ورضي عنهما فمنعه منه وكان فيه ميزاب يصب في المسجد فنزعه عمر وقال إنه يؤذي الناس فنازعه العباس وحكما بينهما أبي بن كعب ﵄ فأتيا داره فلم يأذن لهما إلا بعد ساعة ثم دخلا إليه فقال كانت جاريتي تغسل رأسي فذهب عمر ليتكلم فقال له أبي دع أبا الفضل يتكلم لمكانه من رسول الله ﷺ فقال العباس خطة خطها لي رسول الله صلى الله عليه وسم وبنيتها معه وما وضعت الميزاب إلا ورجلاي على عاتقي رسول الله ﷺ فجاء عمر فطرحه وأراد إدخالها في المسجد فقال أبي أن عندي من هذا علماً سمعت رسول الله ﷺ يقول أراد داود ﵇ أن يبني بيت الله المقدس كان فيه بيت ليتيمين فراودهما على البيع فأبيا ثم راودهما فباعاه ثم قاما بالغين فردا البيع واشتراه منهما ثم رداه كذلك فاستعظم داود الثمن فأوحى الله إليه أن كنت تعطي من شيء هو لك فأنت أعلم وإن كنت تعطيهما من رزقنا فاعطهما حتى يرضيا وإن أغنى البيوت عن مظلمة بيت هو لي وقد حرمت عليك بناءه.
قال: يارب فأعطه سليمان فأعطاه سليمان ﵇ فقال عمر: من لي بأن رسول الله ﷺ قاله؟ فخرج أبي إلى قوم من الأنصار فأثبتوا له ذلك فقال عمر ﵁ أما إني لو لم أجد غيرك أخذت قولك ولكني أحببت أن أثبت ثم قال للعباس ﵁ والله لا ترد الميزاب إلا وقدماك على عاتقي ففعل العباس ذلك ثم قال أما إذا أثبتت لي فهي صدقة لله فهدمها عمر وأدخلها في المسجد. ثم زاد فيه عثمان ﵁ وبناه بقوة وباشره بنفسه فكان يظل فيه نهاره، وبيضه وأتقن محله بالحجارة المنقوشة ووسعه من جهاته إلا جهة الشرق منها وجعل له سواري حجارة مثبتة بأعمدة الحديد والرصاص وسقفه بالساج وصنع له محراباً.
وقيل: أن مروان هو أول من بنى المحراب. وقيل: عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد، ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك تولى ذلك عمر بن عبد العزيز،
стр. 92
فوسعه وحسنه وبالغ في إتقانه وعمله بالرخام والساج المذهب وكان الوليد بعث إلى ملك الروم أريد أن أبني مسجد نبينا ﷺ فأعني فيه فبعث إليه العملة وثمانين ألف مثقال من الذهب وأمر الوليد بإدخال حجر أزواج النبي ﷺ فيه فاشترى عمر من الدور ما زاد في ثلاث جهات من المسجد فلما صار إلى القبلة امتنع عبيد الله بن عبد الله بن عمر من بيع دار حفصة ودار بينهما الكلام حتى ابتاعها عمر على أن له ما بقي منها وعلى أن يخرجوا من باقيها طريقا إلى المسجد وهي الخوخة التي في المسجد وجعل عمر للمسجد أربع صوامع في أربعة أركانه وكانت إحداها مطلة على دار مروان فلما حج سليمان بن عبد الملك نزل بها فأطل عليه المؤذن حين الأذان فأمر بهدمها وجعل عمر للمسجد محراباً.
ويقال هو أول من أحدث المحراب. ثم زاد فيه المهدي بن أبي جعفر المنصور وكان أمرهم بذلك ولم يقض له وكتب إليه الحسن بن زيد يرغبه في الزيادة فيه من جهة الشرق ويقول إنه أن زيد في شرقيه توسطت الروضة الكريمة المسجد الكريم فاتهمه أبو جعفر بأنه إنما أراد هدم دار عثمان ﵁ فكتب إليه إني قد عرفت الذي أردت فاكفف عن دار عثمان وأمر أبو جعفر أن يظلل الصحن أيام القيظ بستور تنشر على حبال ممدودة على خشب تكون في الصحن لتقي المصلين من الحر وكان طول المسجد في بناء الوليد مائتي ذراع فبلغه المهدي إلى ثلاثمائة ذراع وسوى المقصورة بالأرض وكانت مرتفعة عنها بمقدار ذراعين وكتب اسمه على مواضع من المسجد. ثم أمر الملك المنصور قلاوون ببناء دار للوضوء عند باب السلام فتولى بناءها الأمير الصالح علاء الدين المعروف بالأقمر وأقامها متسعة الفناء تستدير بها البيوت وأجرى إليها الماء وأراد أن يبني بمكة شرفها الله تعالى مثل ذلك فلم يتم له فبناه ابنه الملك الناصر بين الصفا والمروة وسيذكر أن شاء الله. وقبلة مسجد رسول الله ﷺ قبلة قطع لأنه ﷺ أقامها، وقيل: جبريل ﵇، وقيل: كان يشير جبريل له إلى سمتها وهو يقيمها وروي أن جبريل ﵇ أشار إلى الجبال فتواضعت فتنحت حتى بدت الكعبة فكان ﷺ يبني وهو ينظر إليها عيانا وبكل اعتبار فهي قبلة قطع وكانت القبلة أول ورود النبي ﷺ المدينة إلى بيت المقدس ثم تحولت إلى الكعبة بعد ستة عشر شهراً وقيل بعد سبعة عشر شهراً.
стр. 93
قصة حنين المنبر الكريم:
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ تسليما كان يخطب إلى جذع نخلة بالمسجد فلما صنع له المنبر وتحول إليه حن الجذع حنين الناقة إلى حوارها وروي أن رسول الله ﷺ تسليما نزل إليه فالتزمه فسكن وقال لو لم ألتزمه لحن إلى يوم القيامة واختلفت الروايات فيمن صنع المنبر الكريم، فروي أن تميما الداري ﵁ هو الذي صنعه، وقيل: أن غلاما للعباس ﵁ صنعه، وقيل: غلاما لامرأة من الأنصار، وورد ذلك في الحديث الصحيح وصنع من طُرْفاءِ الغابة وقيل الأثل وكان له ثلاث درجات فكان رسول الله ﷺ يقعد على علياهن ويضع رجليه الكريمتين في وسطاهن فلما ولي أبو بكر الصديق ﵁ قعد على وسطاهن وجعل رجليه على أولاهن فلما ولي عمر ﵁ جلس على أولاهن وجعل رجليه على الأرض وفعل ذلك عثمان ﵁ صدراً من خلافته ثم ترقى إلى الثالثة ولما أصدر الأمر إلى معاوية ﵁ أراد نقل المنبر إلى الشام فضج المسلمون وعصفت ريح شديدة وخسفت الشمس وبدت النجوم نهاراً، وأظلمت الأرض، فكان الرجل يصادم الرجل ولا يتبيّن مسلكه، فلما رأى ذلك معاوية تركه وزاد فيه ست درجات من أسفله فبلغ تسع درجات.
خطيب مسجد رسول الله ﷺ وإمامه:
وكان الإمام بالمسجد الشريف في عهد دخولي إلى المدينة بهاء الدين بن سلامة من كبار أهل مصر وينوب عنه العالم الصالح الزاهد بغية المشايخ عز الدين الواسطي نفع الله به وكان يخطب قبله ويقضي بالمدينة الشريفة سراج الدين عمر المصري.
ويذكر أن سراج الدين هذا أقام في خطة القضاء بالمدينة والخطابة بها نحو
стр. 94
أربعين سنة ثم أنه أراد الخروج بعد ذلك إلى مصر فرأى رسول الله ﷺ في النوم ثلاث مرات في كل مرة ينهاه عن الخروج منها وأخبره باقتراب أجله فلم ينته عن ذلك وخرج فمات بموضع يقال له سويس١ على مسيرة ثلاث من مصر قبل أن يصل إليها نعوذ بالله من سوء الخاتمة. وكان ينوب عنه الفقيه أبو عبد الله محمد بن فرحون ﵀ وأبناؤه الآن بالمدينة الشريفة أبو محمد عبد الله مدرس المالكية ونائب الحكم وأبو عبد الله محمد وأصلهم من مدينة تونس ولهم بها حسب وأصالة. وتولى الخطابة والقضاء بالمدينة الشريفة بعد ذلك جمال الدين الأسيوطي من أهل مصر وكان قبل ذلك قاضيا بحصن الكرك
خدام المسجد الشريف وسدنته والمؤذنون به:
وخدام هذا المسجد الشريف وسدنته فتيان من الأحابيش وسواهم وهم على هيئات حسان وصور نظاف وملابس ظراف وكبيرهم يعرف بشيخ الخدام وهو في هيئة الأمراء الكبار ولهم المرتبات بديار مصر والشام ويؤتي إليها بها في كل سنة ورئيس المؤذنين بالحرم الشريف الإمام المحدث الفاضل جمال الدين المطري من مطرية٢ قرية بمصر وولده الفاضل عفيف الدين عبد الله والشيخ المجاور الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد الغرناطي المعروف بالتراس قديم المجاورة وهو الذي جب نفسه خوفا من الفتنة.
وكان أبو عبد الله الغرناطي خديماً لشيخ يسمى عبد الحميد العجمي وكان الشيخ حسن الظن به يطمئن إليه بأهله ويتركه متى سافر بداره فسافر مرة وتركه على عادته بمنزله فعلقت به زوجة الشيخ عبد الحميد وراودته عن نفسه فقال إني أخاف الله ولا أخون من ائتمنني على أهله وماله فلم تزل تراوده وتعارضه حتى خاف على نفسه الفتنة فجب نفسه وغشي عليه ووجده الناس على تلك الحالة فعالجوه حتى بريء، وصار من خدام المسجد الكرام ومؤذنا به،
стр. 95
ورأس الطائفين وهو باق بقيد الحياة إلى هذا العهد.
ومن المجاورين بالمدينة المنورة الشيخ الصالح الفاضل أبو العباس أحمد بن محمد مرزوق كثير العبادة والصوم والصلاة بمسجد رسول الله ﷺ تسليما صابرا محتسبا وكان ربما جاور بمكة المعظمة رأيته بها في سنة ثمان وعشرين وهو أكثر الناس طوافا وكنت أعجب من ملازمته الطواف مع شدة الحر بالمطاف والمطاف مفروش الحجارة السود وتصير بحر الشمس كأنها الصفائح المحماة ولقد رأيت السقائين يصبون الماء عليها فما يجاوز الموضع الذي يصب فيه إلا ويلتهب الموضع من حينه أكثر الطائفين في ذلك الوقت يلبسون الجوارب وكان أبو العباس بن مرزوق يطوف حافي القدمين ورأيته يوما يطوف فأحببت أن أطوف معه فوصلت المطاف وأردت استلام الحجر الأسود فلحقني لهب تلك الحجارة وأردت الرجوع بعد تقبيل الحجر فما وصلته إلا بعد جهد عظيم ورجعت فلم أطف ورجعت أجعل بجادي على الأرض وأمشي عليه حتى بلغت الرواق وكان في ذلك العهد بمكة وزير غرناطة وكبيرها أبو القاسم محمد بن محمد بن الفقيه أبي الحسن سهل بن مالك الأزدي وكان يطوف كل أسبوع سبعين طوافاً ولم يكن يطوف في وقت القائلة لشدة الحر وكان ابن مرزوق يطوف في شدة القائلة زيادة عليه. ومن المجاورين بالمدينة كرمها الله الشيخ الصالح العابد سعيد المراكشي الكفيف. ومنهم أبو مهدي بمكة عيسى بن حزرون المكناسي.
وجاور الشيخ أبو مهدي بمكة سنة ثمان وعشرين وخرج إلى جبل حراء مع جماعة من المجاورين فلما صعدوا الجبل ووصلوا لمتعبد النبي ﷺ تسليما ونزلوا عنه تأخر أبو مهدي عن الجماعة ورأى طريقا في الجبل فظنه قاصراً فسلك عليه ووصل أصحابه إلى أسفل الجبل فانتظروه فلم يأت فتطلعوا فيما حولهم فلم يروا له أثرا فظنوا أنه سبقهم فمضوا إلى مكة شرفها الله تعالى ومر عيسى على طريقه فأفضى به إلى جبل آخر وتاه عن الطريق وأخذه العطش والحر وتمزقت نعله فكان يقطع من ثيابه ويلف رجليه إلى أن ضعف عن المشي استظل بشجرة أم غيلان١ فبعث الله أعرابياً
стр. 96
على جمل حتى وقف عليه فأعلمه بحاله فأركبه وأوصله إلى مكة وكان على وسطه هميان فيه ذهب فسلمه إليه وأقام نحو شهر لا يستطيع القيام على قدميه وذهبت جلدتهما ونبتت لهما جلدة أخرى وقد جرى مثل ذلك لصاحب لي أذكره أن شاء الله. ومن المجاورين بالمدينة الشريفة أبو محمد الشروي من المحسنين وجاور بمكة في السنة المذكورة وكان يقرأ بها كتاب الشفاء للقاضي عياض بعد الظهر وأم في التراويح. وبها من المجاورين الفقيه أبو العباس الفاسي مدرس المالكية بها وتزوج ببنت الشيخ الصالح شهاب الدين الزرندي.
ويذكر أن أبا العباس الفاسي تكلم يوماً مع بعض الناس فانتهى به الكلام إلى أن تكلم بعظيمة ارتكب فيها بسبب جهله بعلم النسب، وعدم حفظه للسانه مركبا صعبا عفا الله عنه، فقال الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉ لم يعقب فرفع كلامه إلى أمير المدينة طفيل بن منصور بن جماز الحسني١ فأنكر كلامه وبحق إنكاره. وأراد قتله فكلم فيه فنفاه عن المدينة. ويذكر أنه بعث من اغتاله وإلى الآن لم يظهر له أثر نعوذ بالله من عثرات اللسان وزلَلِهِ.
أما أمير المدينة فكان كبيش بن منصور بن جماز وكان قد قتل عمه مقبلاً، ويقال إنه توضأ بدمه. ثم أن كبيشا خرج سنة سبع وعشرين إلى الفلاة في شدة الحر ومعه أصحابه فأدركتهم القائلة في بعض الأيام فتفرقوا تحت ظلال الأشجار، فما راعهم إلا وأبناء مقبل في جماعة من عبيدهم ينادون يا لثارات مقبل فقتلوا كبيش بن منصور صبراً ولعقوا دمه. وتولى بعده أخوه طفيل بن منصور الذي ذكرنا أنه نفى أبا العباس الفاسي.
بعض المشاهد الكريمة خارج المدينة المنورة:
يقع بقيع الغرقد شرقي المدينة المنورة ويخرج إليه على باب يعرف بباب البقيع فأول ما يلقى الخارج إليه على يساره عند خروجه من الباب قبر صفية بنت عبد المطلب ﵄ وهي عمة رسول الله صلى الله عليه
стр. 97
وسلم تسليما وأم الزبير بن العوام ﵁ وأمامها قبر إمام المدينة أبي عبد الله مالك بن أنس ﵁ وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء وأمامه قبر السلالة الطاهرة المقدسة النبوية الكريمة إبراهيم بن رسول الله ﷺ وعليه قبة بيضاء وعن يمينها تربة عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب ﵄ وهو المعروف بأبي شحمة وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب ﵁ وقبر عبد الله بن ذي الجناحين جعفر بن أبي طالب ﵄، وبازائهم روضة قبور أمهات المؤمنين بها ﵅ ويليها روضة فيها قبر العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈ وهي قبة ذاهبة في الهواء بديعة الأحكام عن يمين الخارج من باب البقيع ورأس الحسن إلى رجلي العباس ﵉ وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح بديعة الالتصاق مرصعة بصفائح الصفر البديعة العمل وبالبقيع قبور المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة ﵃ إلا أنها لا يعرف أكثرها وفي آخر البقيع قبر أمير المؤمنين أبي عمر عثمان بن عفان ﵁ وعليه قبة كبيرة وعلى مقربة منه قبر فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب ﵂ وعن ابنها.
ومن المشاهد الكريمة قباء وهو قبلي المدينة على نحو ميلين منها والطريق بينهما في حدائق النخل وبه المسجد الذي أسس على التقوى والرضوان وهو مسجد مربع فيه صومعة بيضاء طويلة تظهر على البعد وفي وسطه مبرك ناقة النبي ﷺ يتبرك الناس بالصلاة فيه وفي الجهة القبلية من صحنه محراب على مصطبة هو أول موضع ركع فيه النبي ﷺ وفي قبلي المسجد دار كانت لأبي أيوب الأنصاري ويليها دور تنسب لأبي بكر وعمر وفاطمة وعائشة ﵃ وبإزائه بئر أريس وهي التي عاد ماؤها عذباً لما تفل فيه النبي ﷺ بعد أن كان أجاجا وفيها وقع الخاتم الكريم من عثمان ﵁.
ومن المشاهد فيه حجر الزيوت بخارج المدينة الشريفة يقال أن الزيت رشح هنالك للنبي ﷺ وإلى جهة الشمال منه بئر بضاعة وبإزائها جبل الشيطان حيث صرخ يوم أحد وقال قتلت نبيكم وعلى شفير الخندق
стр. 98
الذي حفره رسول الله ﷺ عند تحزب الأحزاب حصن خرب يعرف بحصن العزاب. يقال أن عمر بناه لعزاب المدينة. وأمامه إلى جهة الغرب بئر رومة التي اشترى أمير المؤمنين عثمان ﵁ نصفها بعشرين ألفا١. ومن المشاهد الكريمة أحد وهو الجبل المبارك الذي قال فيه رسول الله ﷺ تسليما: "إن أحدا جبل يحبنا ونحبه". وهو بجوار المدينة الشريفة على نحو فرسخ منها وبإزائه الشهداء المكرمون ﵃ وهنالك قبر حمزة عم رسول الله ﷺ ورضي الله عنه وحوله الشهداء المستشهدون في أحد ﵃ وقبورهم لقبلي أحد وفي طريق أحد مسجد ينسب لعلي بن أبي طالب ﵁ ومسجد ينسب إلى سلمان الفارسي ﵁ ومسجد الفتح حيث أنزلت سورة الفتح على رسول الله ﷺ . وكانت إقامتنا بالمدينة الشريفة في هذه الوجهة أربعة أيام وفي كل ليلة نبيت بالمسجد الكريم والناس قد حلقوا في صحنه حلقا وأوقدوا الشمع الكبير وبينهم ربعات القرآن الكريم يتلونه وبعضهم يذكرون الله وبعضهم في مشاهدة التربة الطاهرة زادها الله طيبا والحداة بكل جانب يترنمون بمدح رسول الله ﷺ هكذا دأب الناس في تلك الليالي المباركة ويجودون بالصدقات الكثيرة على المجاورين والمحتاجين. وكان في صحبتي في هذه الوجهة من الشام إلى المدينة الشريفة رجل من أهلها فاضل يعرف بمنصور بن شكل وأضافني بها اجتمعنا بعد ذلك بحلب وبخارى. وكان في صحبتي أيضا قاضي الزيدية شرف الدين قاسم بن شنان. وصحبني أيضا أحد الصلحاء الفقراء من أهل غرناطة يسمى بعلي بن حجر الأموي.
ولما وصلنا إلى المدينة كرمها الله على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام ذكر لي علي بن حجر المذكور أنه رأى تلك الليلة في النوم قائلا يقول له اسمع مني واحفظ عني:
стр. 99
هنيئا لكم يا زائرين ضريحة ... أمنتم به يوم المعاد من الرجس
وصلم إلى قبر الحبيب بطيبة ... فطوبى لمن يضحي بطيبة أو يمسي
وجاور هذا الرجل بعد صحبه بالمدينة ثم رحل إلى مدينة دلهي قاعدة بلاد الهند في سنة ثلاث وأربعين فنزل في جواري وذكرت حكاية رؤياه بين يدي ملك الهند فأمر بإحضاره فحضر بين يديه وحكى له ذلك فأعجبه واستحسنه وقال له كلاما جميلا بالفارسية وأمر بإنزاله وأعطاه ثلاثمائة تنكة من ذهب ووزن التنكة من دنانير المغرب دينار ونصف دينار وأعطاه فرساً محلى السرج واللجام وخلعه وعيّن له مرتّباً في كل يوم. وكان هنالك فقيه طيب من أهل غرناطة ومولده ببجاية يعرف هنالك بجمال الدين المغربي فصحبه علي بن حجر المذكور وواعده على أن يزوجه بنته وأنزل بدويرة خارج داره واشترى جارية وغلاماً وكان يترك الدنانير في مفرش ثيابه ولا يطمئن بها لأحد فاتفق الغلام والجارية على أخذ ذلك الذهب وأخذاه وهربا فلما أتى الدار لم يجد لهما أثراً ولا للذهب فامتنع من الطعام والشراب واشتد به المرض أسفاً على ما جرى عليه فعرضت قضيته بين يدي الملك فأمر أن يخلف له ذلك وبعث إليه من يعلمه بذلك فوجدوه قد مات رحمه الله تعالى. وكان رحيلنا من المدينة نريد مكة شرفها الله تعالى فنزلنا بقرب مسجد ذي الحليفة الذي أحرم منه رسول الله ﷺ والمدينة منه على خمسة أميال وهو منتهى حرم المدينة وبالقرب منه وادي العقيق وهناك تجردت من مخيط الثياب واغتسلت ولبست ثوب إحرامي وصليت ركعتين وأحرمت بالحج مفرداً، ولم أزل ملبياً في كل سهل وجبل وصعود وحدور إلى أن أتيت شعب علي ﵇ وبه نزلت تلك الليلة.
ثم رحلنا منه ونزلنا بالروحاء وبها بئر تعرف ببئر ذات العلم. ويقال: أن عليّاً ﵇ قاتل بها الجن.
ثم رحلنا ونزلنا بالصفراء وهو واد معمور فيه ماء ونخل وبنيان وقصر يسكنه الشرفاء الحسنيون وسواهم وفيها حصن كبير وتواليه حصون كثيرة وقرى متصلة.
стр. 100
ثم رحلنا منه، ونزلنا ببدر حيث نصر الله رسوله ﷺ وأنجز وعده الكريم واستأصل صناديد المشركين وهي قرية فيها حدائق نخل متصلة وبها حصن منيع يدخل إليه من بطن واد بين جبال ووهاد وببدر عين فوارة يجري ماؤها وموضع القليب الذي سحب به أعداء الله المشركون هو اليوم بستان وموضع الشهداء ﵃ خلفه وجبل الرحمة الذي نزلت به الملائكة على يسار الداخل منه إلى الصفراء وبإزائه جبل الطبول وهو شبه كثيب الرمل ممتد ويزعم أهل تلك البلدة أنهم يسمعون هنالك مثل أصوات الطبول في كل ليلة جمعة وموضع عريش رسول الله ﷺ الذي كان به يوم بدر يناشد ربه جل وتعالى متصل بسفح جبل الطبول وموضع الواقعة أمامه وعند نخل القليب مسجد يقال له مبرك ناقة رسول الله ﷺ وبين بدر الصفراء نحو بريد في واد بين جبل تطرد فيه العيون وتتصل حدائق النخل.
ورحلنا من بدر إلى الصحراء المعروفة ببقاع البزواء وهي برية يضل بها الدليل ويذهل عن خليله الخليل. مسيرة ثلاث وفي منتهاها وادي رابغ يتكون فيه المطر غدران يبقى بها الماء زماناً طويلاً، ومنه يحرم١ حجاج مصر والمغرب وهو دون الجحفة وسرنا من رابغ ثلاثا إلى خليص ومررنا بعقبة السويق وهي على مسافة نصف يوم من خليص كثيرة الرمل والحجاج يقصدون شرب السويق بها ويستصحبونه من مصر والشام برسم ذلك ويسقونه الناس مخلط بالسكر والأمراء يملؤن منه الأحواض ويسقونها الناس ويذكرون أن رسول الله ﷺ مر بها ولم يكن مع أصحابه طعام فأخذ من رملها فأعطاهم إياه فشربوه سويقا. ثم نزلنا بركة خليص وهي في بسيط من الأرض كثيرة حدائق النخل لها حصن مشيد في قنة جبل. وفي البسيط حصن خرب بها عين فوارة صنعت لها أخاديد في الأرض سربت إلى الضياع. وصاحب خليص شريف حسني النسب. وعرب تلك الناحية يقيمون هنالك سوقا عظيمة ويجلبون إليها الغنم والتمر والأدام. ثم رحلنا إلى عسفان هي في بسيط من الأرض،
стр. 101
بين جبال، وبها آبار ماء معين تنسب إحداها إلى عثمان بن عفان ﵁. والمدرج المنسوب إلى عثمان أيضا على مسافة نصف يوم من خليص هو مضيق بين جبلين وفي موضع منه بلاط على صورة درج أثر عمارة قديمة هنالك بئر تنسب إلى النبي ﵇ ويقال أنه أحدثها بعسفان حصن عتيق وبرج مشيد قد أوهنه الخراب وبه من شجر المقل كثير. ثم رحلنا من عسفان ونزلنا بطن مر ويسمى أيضا مر الظهران١ وهو واد مخصب كثير النخل ذو عين فوارة سيالة تسقى تلك الناحية ومن هذا الوادي تجلب الفواكه والخضر إلى مكة شرفها الله تعالى ثم أدلجنا من هذا الوادي المبارك والنفوس مستبشرة ببلوغ آمالها مسرورة بحالها ومآلها
فوصلنا عند الصباح إلى البلد الأمين مكة شرفها الله تعالى فوردنا منها على حرم الله تعالى ومبوأ خليله إبراهيم ومبعث صفيه محمد ﷺ ودخلنا البيت الحرام الشريف الذي من دخله كان آمنا من باب بني شيبة وشاهدنا الكعبة الشريفة زادها الله تعظيما وهي كالعروس تجلي على منصبه الجلال وترفل في برود الجمال محفوفة بوفود الرحمن موصلة إلى جنة الرضوان وطفنا بها طواف القدوم واستلمنا الحجر الكريم وصلينا ركعتين بمقام إبراهيم وتعلقنا بأستار الكعبة عند الملتزم بين الباب والحجر الأسود حيث يستجاب الدعاء وشربنا من ماء زمزم وهو لما شرب له حسبما ورد عن النبي ﷺ تسليما ثم سعينا بين الصفا والمروة ونزلنا هنالك بدار بمقربة من باب إبراهيم والحمد لله الذي شرفنا بالوفادة على هذا البيت الكريم وجعلنا ممن بلغنا دعوة الخليل عليه الصلاة والتسليم ومتع أعيننا بمشاهدة الكعبة الشريفة والمسجد العظيم والحجر الكريم وزمزم والحطيم.
ومن عجائب صنع الله تعالى أنه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة وجعل حبها متمكنا في القلوب فلا يحلها أحد إلا أخذت بمجاميع قلبه ولا يفارقها إلا أسفاً لفراقها متولها لبعاده عنها شديد الحنين إليها ناوياً لتكرار الوفادة عليها فأرضها
стр. 102
المباركة نصب الأعين ومحبتها حشو القلوب حكمة من الله بالغة وتصديقا لدعوة خليليه ﵇ والشوق يحضرها وهي نائية ويمثلها وهي غائبة ويهون على قاصدها ما يلقى من المشاق ويعانيه من العناء وكم ضعيف يرى الموت عياناً دونها ويشاهد التلف في طريقها فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذق لها مرارة ولا كابد محنة ولا نصبا إنه لأمر إلهي وصنع رباني ودلالة لا يشوبها لبس ولا تغشاها شبهة ولا يطرقها تمويه وتعز في بصيرة المستبصرين وتبدو في كفرة المتفكرين. ومن رزقه الله تعالى الحلول بتلك الأرجاء والمثول بذلك الفناء فقد أنعم الله عليه النعمة الكبرى وخوله خير الدارين الدنيا والأخرى فحق عليه أن يكثر الشكر على ما خوله ويديم الحمد على ما أولاه جعلنا الله تعالى ممن قبلت زيارته وربحت في قصدها تجارته وكتبت في سبيل الله آثاره ومحيت بالقبول أوزاره بمنه وكرمه.
стр. 103
مدينة مكة المكرّمة:
وهي مدينة كبيرة متصلة البنيان مستطيلة في بطن واد تحف به الجبال فلا يراها قاصدها حتى يصل إليها وتلك الجبال المطلة عليها ليست بمفرطة الشموخ، والأخشبان من جبالها جبل أبي قبيس وهو في جهة الجنوب منها وجبل قعيقعان وهو في الجهة الغربية منها وفي الشمال منها الجبل الأحمر ومن جهة أبي قبيس أجياد الأكبر وأجياد الأصغر وهما شعبان والخندمة هي جبل وسيذكر: "والمناسك كلها منى وعرفة والمزدلفة" بشرقي مكة شرفها الله ولمكة من الأبواب ثلاثة باب المعلى بأعلاها وباب الشبيكة من أسفلها ويعرف أيضا بباب العمرة وهو إلى جهة المغرب وعليه طريق المدينة الشريفة ومصر والشام وجدة ومنه يتوجه إلى التنعيم وسيذكر ذلك وباب المسفل وهو من جهة الجنوب ومنه دخل خالد بن الوليد ﵁ يوم الفتح ومكة شرفها الله كما أخبر الله في كتابه العزيز حاكيا عن نبيه الخليل بواد غير ذي زرع ولكن سبقت لها الدعوة المباركة فكل طرفة تجلب إليها وثمرات كل شيء تجبى لها ولقد أكلت بها من الفواكه العنب والتين والخوخ والرطب ما لا نظير له في الدنيا وكذلك البطيخ المجلوب إليها لا
стр. 104
يماثله سواه طيبا وحلاوة واللحوم بها سمان لذيذات الطعوم وكل ما يفترق في البلاد من السلع فيها اجتماعه وتجلب لها الفواكه والخضر من الطائف ووادي نخلة وبطن مر، لطفا من الله بسكان حرمه الأمين وجاوري بيته العتيق.
المسجد الحرام شرفه الله وكرمه:
والمسجد الحرام في وسط البلد. وهو متسع الساحة طوله من شرق إلى غرب أزيد من أربعمائة ذراع حكى ذلك الأزرقي وعرضه يقرب من ذلك والكعبة العظمى في وسطه ومنظره بديع ومرآه جميل لا يتعاطى اللسان وصف بدائعه ولا يحيط الواصف كماله وارتفاع حيطانه نحو عشرين ذراع وسقفه على أعمدة طوال مصطفة ثلاثة صفوف بأتقن صناعة وأجملها وقد انتظمت بلاطاته الثلاث انتظاما عجيبا كأنها بلاط واحد وعدد سواريه الرخامية أربعمائة وإحدى وتسعون سارية ما عدا الجصية التي في دار الندوة المزيدة في الحرم وهي داخلة في البلاط الآخذ في الشمال ويقابلها المقام مع الركن العراقي وفضاؤها متصل يدخل من هذا البلاط إليه ويتصل بجدار هذا البلاط مساطب تحت قسي١ "حنايا" يجلس بها المقرئون والنساجون والخياطون وفي جدار البلاط الذي يقابله مساطب تماثلها وسائر البلاطات تحت جدرانها مساطب بدون حنايا وعند باب إبراهيم مدخل من البلاط الغربي فيه سواري جصية وللخليفة المهدي بن الخليفة أبي جعفر المنصور ﵄ آثار كريمة في توسيع المسجد الحرام وإحكام بنائه وفي أعلى جدار البلاط الغربي مكتوب أمر عبد الله محمد المهدي أمير المؤمنين أصلحه الله بتوسعة المسجد الحرام لحاج بيت الله وعمارته في سنة سبع وستين ومائة.
الكعبة المعظمة الشريفة زادها الله تعظيماً وتشريفاً:
والكعبة ماثلة في وسط المسجد وهي بنية مربعة ارتفاعها في الهواء من الجهات الثلاث ثمان وعشرون ذراعا ومن الجهة الرابعة التي بين الحجر الأسود
стр. 105
والركن اليماني تسع وعشرون ذراعاً وعرض صفحتها التي من الركن العراقي إلى الحجر الأسود أربعة وخمسون شبرا وكذلك عرض الصفحة التي تقابلها من الركن اليماني إلى الركن الشامي وعرض صفحتها التي من الركن العراقي إلى الركن الشامي من داخل الحجر ثمانية وأربعون شبراً وكذلك عرض الصفحة التي تقابلها من الركن اليماني إلى الحجر الأسود ومثل ذلك من الركن الشامي إلى الركن العراقي وأما خارج الحجر وبناؤها بالحجارة الصم السمر قد ألصقت بأبدع الألصاق وأحكمه وأشده فلا تغيرها الأيام ولا تؤثر فيها الأزمان وباب الكعبة المعظمة في الصفح الذي بين الحجر الأسود والركن العراقي وبينه وبين الحجر الأسود عشرة أشبار وذلك الموضع هو المسمى بالملتزم حيث يستجاب الدعاء وارتفاع الباب عن الأرض أحد عشر شبرا ونصف شبر وسعته ثمانية أشبار وطوله ثلاثة عشر شبرا وعرض الحائط الذي ينطوي عليه خمسة أشبار وهو مصفح بصفائح الفضة بديع الصنعة وعضادتاه١ وعتبته العليا مصفحات بالفضة وله نقارتان كبيرتان من فضة عليهما قفل ويفتح الباب الكريم في كل يوم جمعة بعد الصلاة ويفتح في يوم مولد النبي ﷺ ورسمهم في فتحه أن يضعوا كرسيا شبه المنبر له درج وقوائم خشب لها أربع بكرات يجري الكرسي عليها ويلصقونه إلى جدار الكعبة الشريفة فيكون درجه الأعلى متصلا بالعتبة الكريمة ثم يصعد كبير الشيبيين وبيده المفتاح الكريم ومعه السدنة فيمسكون الستر المسبل على باب الكعبة المسمى بالبرقع خلال ما يفتح رئيسهم الباب فإذا فتحه قبل العتبة الشريفة ودخل البيت وحده وسد الباب وأقام قدر ما يركع ركعتين ثم يدخل سائر الشيبيين ويسدون الباب أيضا ويركعون ثم يفتح الباب ويبادر الناس بالدخول وفي أثناء ذلك يقفون مستقبلين الباب الكريم بأبصار خاشعة وقلوب ضارعة وأيد مبسوطة إلى الله فإذا فتح كبروا ونادوا اللهم افتح لنا أبواب رحمتك ومغفرتك يا أرحم الراحمين وداخل الكعبة الشريفة مفروش بالرخام المجزع وحيطانه كذلك وله أعمدة ثلاثة طوال مفرطة الطول من خشب الساج بين كل عمود منها وبين الآخر أربع خطا وهي متوسطة في الفضاء داخل الكعبة الشريفة يقابل الأوسط منها نصف عرض
стр. 106
الصفح الذي بين الركنين اليماني والشامي وستور الكعبة الشريفة من الحرير الأسود مكتوب فيها بالأبيض وهي تتلألأ عليها نورا وإشراقا وتكسو جميها من الأعلى إلى الأرض ومن عجائب الآيات في الكعبة الشريفة أن بابها يفتح والحرم غاص بأمة لا يحصيها إلا الله الذي خلقهم ورزقهم فيدخلونها أجمعين ولا تضيق عنهم ومن عجائبها أنها لا تخلو عن طائف أبداً ليلاً ولا نهاراً ولم يذكر أحد أنه رآها قط دون طائف ومن عجائبها أن حمام مكة وسواه من الطير لا ينزل عليها ولا يعلوها في الطيران وتجد الحمام يطير على أعلى الحرم كله فإذا حاذى الكعبة الشريفة عرج عنها إلى إحدى الجهات ولم يعلوها ويقال لا ينزل عليها طائر إلا إذا كان به مرض فأما أن يموت لحينه أو يبرأ من مرضه فسبحان الذي خصها بالتشريف والتكريم وجعل لها المهابة والتعظيم.
خبر الميزاب المبارك:
والميزاب في أعلى الصفح الذي يلي الحجر وهو من الذهب وسعته شبر واحد وهو بارز بمقدار ذراعين. والموضع الذي تحت الميزاب مظنة استجابة الدعاء وتحت الميزاب في الحجر هو قبر إسماعيل ﵇ وعليه رخامة خضراء مستطيلة على شكل محراب متصلة برخامة خضراء مستديرة وكلتاهما سعتها مقدار شبر وكلتاهما غريبة الشكل رائقة المنظر وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر ﵍ وعلامته رخامة خضراء مستديرة سعتها مقدار شبر ونصف وبين القبرين سبعة أشبار.
خبر الحجر الأسود:
وأما الحجر الأسود فارتفاعه عن الأرض ستة أشبار فالطويل من الناس يتطامن لتقبيله والصغير يتطاول إليه وهو ملصق في الركن الذي في جهة المشرق وسعته ثلثا شبر وطوله شبر وعقدة ولا يعلم قدر ما دخل منه في الركن وفيه أربع قطع ملصقة ويقال أن القرمطي لعنه الله كسره وقيل أن الذي كسره سواه ضربه بدبوس فكسره وتبادر الناس إلى قتله وقتل بسببه جماعة من المغاربة وجوانب الحجر مشدودة بصحيفة من فضة يلوح بياضها على سواد
стр. 107
الحجر الكريم فتنجلي منه العيون حسناً باهراً ولتقبيله لذة يتنعم بها الفم ويود لاثمه أن لا يفارق لثمه خاصية مودعة فيه وعناية به وكفى قول النبي صلى الله عله وسلم أنه يمين الله في أرضه١ نفعنا الله باستلامه ومصافحته وأوفد عليه كل شيق٢ إليه وفي القطعة الصحيحة من الحجر الأسود مما يلي جانبه ليمين مستلمه نقطة بيضاء صغيرة مشرقة كأنها خال في تلك الصحيفة البهية وترى الناس إذا طافوا بها يتساقط بعضهم على بعض ازدحاماً على تقبيله فقلما يتمكن أحد من ذلك إلا بعد المزاحمة الشديدة وكذلك يصنعون عند دخول الحرم ومن عند الحجر الأسود ابتداء الطواف وهو أول الأركان التي يلقاها الطائف فإذا استلمه تقهقر عنه قليلاً وجعل الكعبة الشريفة عن يساره ومضى في طوفه ثم يلقى بعده الركن العراقي وهو إلى جهة الشمال ثم يلقى الركن الشامي وهو إلى جهة الغرب ثم يلقى الركن اليماني وهو إلى جهة الجنوب ثم يعود إلى الحجر الأسود وهو إلى جهة الشرق.
خبر المقام الكريم:
اعلم أن بين باب الكعبة شرفها الله وبين الركن العراقي موضعاً طوله اثنا عشر شبراً وعرضه نحو النصف من ذلك وارتفاعه نحو شبرين وهو موضع المقام في مدة إبراهيم ﵇ ثم صرفه النبي ﷺ إلى الموضع الذي هو الآن مصلى وبقي ذلك الموضع شبه الحوض وإليه ينصب ماء البيت الحرام إذا غسل وهو موضع مبارك يزدحم الناس للصلاة فيه وموضع المقام الشريف يقابل ما بين الركن العراقي والباب الشريف وهو إلى الباب أميل وعليه قبة تحتها شباك حديد متجاف عن المقام الشريف قدر ما تصل أصابع الإنسان إذا ما أدخل يده من ذلك الشباك إلى الصندوق والشباك مقفل ومن ورائه موضع محوز قد جعل مصلى لركعتي الطواف وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ لما دخل
стр. 108
المسجد أتى البيت فطاف بها سبعا ثم أتى المقام فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ ١. وركع خلفه ركعتين وخلف المقام مصلى إمام الشافعية في الحطيم الذي هنالك.
خبر الحِجْر والمطاف:
ودور جدار الحِجْر تسع وعشرون خطوة وهي أربعة وتسعون شبراً من داخل الدائرة وهو بالرخام البديع المجزع المحكم الإلصاق وارتفاعه خمسة أشبار ونصف شبر وسعته أربعة أشبار ونصف شبر وداخل الحجر بلاط واسع مفروش بالرخام المنظم المعجز الصنعة البديع الاتقان وبين جدار الكعبة الشريفة الذي تحت الميزاب وبين ما يقابله من جدار الحجر على خط استواء أربعون شبراً وللحجر مدخلان أحدهما بينه وبين الركن العراقي وسعته ستة أذرع وهذا الموضع هو الذي تركته قريش من البيت حين بنته كما جاءت الآثار الصحاح والمدخل الآخر عند الركن الشامي وسعته أيضا ستة أذرع وبين المدخلين ثمانية وأربعون شبرا وموضع الطواف مفروش بالحجارة السود محكمة الإلصاق وقد اتسعت عن البيت بمقدار تسع خطا إلا في الجهة التي تقابل المقام الشريف فإنها امتدت إليه حتى أحاطت به وسائر الحرم مع البلاطات مفروش برمل أبيض وطواف النساء في آخر الحجارة المفروشة.
بئر زمزم:
وقبة بئر زمزم تقابل الحجر الأسود وبينهما أربع وعشرون خطوة والمقام الشريف عن يمين القبة. ومن ركنها إليه عشر خطىً. وداخل القبة مفروش بالرخام الأبيض وتنور البئر المباركة في وسط القبة مائلا إلى الجدار المقابل للكعبة الشريفة. وهو من الرخام البديع الإلصاق مفروغ بالرصاص. ودوره أربعون شبرا وارتفاعه أربعة أشبار ونصف شبر وعمق البئر إحدى عشرة قامة وهم يذكرون أن ماءها يتزايد في كل ليلة جمعة وباب القبة إلى جهة الشرق وقد
стр. 109
استدارت بداخله سقاية سعتها شبر وعمقها مثل ذلك وارتفاعها عن الأرض نحو خمسة أشبار تملأ ماء للوضوء وحولها مسطبة يقعد الناس عليها للوضوء ويلي قبة زمزم قبة الشراب المنسوبة إلى العباس ﵁ وبابها جهة الشمال وهي الآن يجعل بها ماء زمزم في قلال يسمونها الدوارق وكل دورق له مقبض واحد وتترك بها ليبرد فيها الماء فيشربه الناس وبها اختزان المصاحف الشريفة والكتب التي للحرم الشريف وبها خزانة تحتوي على تابوت مبسوط متسع فيه مصحف كريم بخط زيد بن ثابت ﵁ منتسخ سنة ثمان عشرة من وفاة رسول الله ﷺ تسليما وأهل مكة إذا أصابهم قحط أو شدة أخرجوا هذا المصحف الشريف وفتحوا باب الكعبة ووضعوه على العتبة الشريفة ووضعوه في مقام إبراهيم ﵇ واجتمع الناس كاشفين رؤوسهم داعين متضرعين متوسلين بالمصحف العزيز والمقام الشريف فلا ينفصلون إلا وقد تداركهم الله برحمته وتغمدهم بلطفه. ويلي قبة العباس رضي الله تعالى عنه على انحراف منها القبة المعروفة بقبة اليهودية.
أبواب المسجد الحرام وما يحيط به من المشاهد الشريفة:
وأبواب المسجد الحرام شرفه الله تعالى تسعة عشر بابا وأكثرها مفتحة على أبواب كثيرة فمنها باب الصفا وهو مفتح على خمسة أبواب وكان قديما يعرف بباب بني مخزوم وهو أكبر أبواب المسجد ومنه يخرج إلى المسعى ويستحب للوافد على مكة أن يدخل المسجد الحرام شرفه الله من باب بني شيبة ويخرج بعد طوافه من باب الصفا جاعلاً طريقه بين الأسطوانتين اللتين أقامهما أمير المؤمنين المهدي ﵀ عَلماً على طريق رسول الله ﷺ إلى الصفا ومنها باب أجياد الأصغر مفتح على بابين ومنها باب الخياطين مفتح على بابين ومنها باب العباس ﵁ مفتح على ثلاثة أبواب ومنها باب النبي ﷺ مفتح على بابين ومنها باب بني شيبة وهو ركن الجدار الشرقي من جهة الشمال أمام باب الكعبة الشريفة متياسراً وهو مفتح على ثلاثة أبواب وهو باب بني عبد شمس ومنه كان دخول الخلفاء ومنها باب صغير إزاء باب بني شيبة لا اسم له وقيل يسمى باب الرباط لأنه يدخل منه لرباط السدرة ومنها باب الندوة ويسمى بذلك ثلاثة أبواب اثنان منتظمان والثالث
стр. 110
في الركن الغربي من دار الندوة ودار الندوة قد جعلت مسجدا شارعا في الحرام مضافا إليه وهي تقابل الميزاب ومنها باب صغير لدار العجلة محدث ومنها باب السدرة واحد وباب العمرة واحد وهو من أجمل أبواب الحرم وباب إبراهيم واحد والناس مختلفون في نسبته فبعضهم ينسبه إلى إبراهيم الخليل ﵇ والصحيح أنه منسوب إلى إبراهيم الخوزي من الأعاجم وباب الحزوة مفتح على بابين وباب ثالث ينسب إليه مفتح على بابين ويتصل لباب الصفا ومن الناس من ينسب البابين من هذه الأربعة المنسوبة لأجياد إلى الدقاقين.
وصوامع المسجد الحرام خمس إحداهن على ركن أبي قبيس عند باب الصفا والأخرى على ركن باب بني شيبة والثالثة على باب دار الندوة والرابعة على ركن باب السدرة والخامسة على ركن أجياد، وبمقربة من باب العمرة مدرسة السلطان المعظم يوسف بن رسول ملك اليمن المعروف بالملك المظفر الذي تنسب إليه الدراهم المظفرية باليمن وهو كان يكسو الكعبة إلى أن غلبه على ذلك الملك المنصور قلاوون وبخارج باب إبراهيم زاوية كبيرة فيها دار إمام المالكية الصالح أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المدعو بخليل وعلى باب إبراهيم قبة عظيمة مفرطة السمو قد صنع في داخلها غرائب صنع الجص ما يعجز عنه الوصف وبإزاء هذا الباب عن يمين الداخل إليه كان يقعد الشيخ العابد جلال الدين محمد بن أحمد الأفشهري وخارج باب إبراهيم بئر تنسب كنسبته وعنده أيضا دار الشيخ الصالح دانيال العجمي الذي كانت صدقات العراق في أيام السلطان أبي سعيد تأتي على يديه وبمقربة منه رباط الموفق وهو من أحسن الرباطات سكنته أيام مجاورتي بمكة المعظمة وكان به في ذلك العهد الشيخ الصالح الطيار سعادة الجراني ودخل يوما إلى بيته بعد صلاة العصر فوجد ساجدا مستقبل الكعبة الشريفة ميتا من غير مرض كان به ﵁ وسكن به الشيخ الصالح شمس الدين محمد الشامي نحو من أربعين سنة وسكن به الشيخ الصالح شعيب المغربي من كبار الصالحين دخلت عليه يوما فلم يقع بصري في بيته على شيء سوى حصير فقلت له في ذلك فقال لي استر على ما رأيت.
وحول الحرم الشريف دور كثيرة لها مناظر وسطوح يخرج منها إلى سطح