نحو الخمسين ألفاً، فانهزموا عند طلوع الفجر. وكان الملك إبراهيم المعروف بالبَنْجي "بفتح الباء الموحدة وسكون النون وجيم" التتري قد أقطعه السلطان بلاد سنديلة وهي قرية من بلاد عين الملك فاتفق معه على الخلاف وجعله نائبه وكان داود بن قطب الملك وابن ملك التجار على فيلة السلطان وخيله فوافقاه أيضاً وجعل داود حاجبه وكان داود هذا لما ضربوا على محلة الوزير يجهر بسب السلطان ويشتمه أقبح شتم والسلطان يسمع ذلك ويعرف كلامه. فلما وقعت الهزيمة قال عين الملك لنائبه إبراهيم التتري: ماذا ترى يا ملك إبراهيم قد فر أكثر العسكر وذو النجدة منهم فهل لك أن ننجوا بأنفسنا فقال إبراهيم لأصحابه بلسانهم إذا أراد عين الملك أن يفر فإني سأقبض على دبوقته فإذا فعلت ذلك فاضربوا أنتم فرسه ليسقط إلى الأرض فنقبض عليه ونأتي به السلطان ليكون ذلك كفارة لذنبي في الخلاف معه وسبباً لخلاصي. فلما أراد عين الملك الفرار قال له إبراهيم إلى أين يا سلطان علاء الدين؟ وكان يسمى بذلك وأمسك بدبوقته وضرب أصحابه فرسه فسقط على الأرض ورمى إبراهيم بنفسه عليه فقبضه وجاء أصحاب الوزير ليأخذوه فمنعهم وقال لا أتركه حتى أوصله للوزير أو أموت دون ذلك فتركوه فأوصله إلى الوزير وكنت أنظر عند الصبح إلى الفيلة والأعلام يؤتى بها إلى السلطان ثم جاءني بعض العراقيين فقال قد قبض على عين الملك وأتي به الوزير فلم أصدقه فلم يمر إلا يسير وجاءني الملك تمور الشربدار فأخذ بيدي وقال ابشر فقد قبض على عين الملك وهو عند الوزير. فتحرك السلطان عند ذلك ونحن معه إلى محلة عين الملك على نهر الكنك فنهبت العساكر ما فيها واقتحم كثير من عسكر عين الملك النهر فغرقوا وأخذ داود بن قطب الملك وابن ملك التجار وخلق كثير معهم ونهبت الأموال والخيل والأمتعة. ونزل السلطان على المجاز وجاء الوزير بعين الملك وقد أركب على ثور وهو عريان مستور العورة بخرقة مربوطة بحبل وباقية في عنقه، فوقف على باب السراجة ودخل الوزير إلى السطان فأعطاه الشربة عناية به. وجاء أبناء الملوك إلى عين الملك فجعلوا يسبونه ويبصقون في وجهه ويصفعون أصحابه وبعث إليه السلطان الملك الكبير فقال له ما هذا الذي فعلت فلم يجد جواباً فأمر به السلطان أن يكسى ثوباً من ثياب الزمالة وقيد بأربعة كبول وغلت يداه إلى عنقه وسلم للوزير ليحفظه وجاز إخوته النهر هاربين، ووصلوا مدينة عوض فأخذوا أهلهم وأولادهم وما قدروا عليه
стр. 422
من المال، وقالوا لزوجة أخيهم عين الملك: اخلصي بنفسك، وبنوك معنا. فقالت: أفلا أكون كنساء الكفار اللائي يحرقن أنفسهن مع أزواجهن فأنا أيضا أموت لموت زوجي وأعيش لعيشه فتركوها. وبلغ ذلك السلطان فكان سبب خيرها وأدركته لها رقة. وأدرك الفتى سهيل نصر الله من أولئك الإخوة فقتله وأتى السلطان برأسه وأتي بأم عين الملك وأخته وامرأته فسلمن إلى الوزير وجعلن في خباء بقرب خباء عين الملك فكان يدخل إليهن ويجلس معهن ويعود إلى محبسه. ولما كان بعد العصر من يوم الهزيمة أمر السلطان بسرح لفيف من الناس الذين مع عين الملك من الزمالة والسوقة والعبيد ومن لا يعبأ به. وأتي بملك إبراهيم البنجي الذي ذكرناه. فقال ملك العسكر الملك نوا: يا خوند عالم أقتل هذا فإنه من المخالفين. فقال الوزير: إنه قد فدى نفسه بالقائم. فعفى عنه السلطان وسرحه إلى بلاده.
ولما كان بعد المغرب جلس السلطان ببرج الخشب وأتي باثنين وستين رجلاً من كبار أصحاب القائم وأتي بالفيلة فطرحوا بين أيديها فجعلت تقطعهم بالحدائد الموضوعة على أنيابها وترمي ببعضهم إلى الهواء وتتلقفه والأبواق والأنفار والطبول تضرب عند ذلك وعين الملك واقف يعاين مقتلهم ويطرح منهم عليه، ثم أعيد إلى محبسه.
وأقام السلطان على جواز النهر أيام لكثرة الناس وقلة القوارب وأجاز أمتعته وخزائنه على الفيلة وفرق الفيلة على خواصه ليجيزوا أمتعتهم. وبعث إلي بفيل منها أجزت عليه رحلي وقصد السلطان ونحن معه إلى مدينة بهرايج وهي مدينة حسنة في عدوة نهر السرو وهو واد كبير شديد الانحدار وأجازه السلطان برسم زيارة قبر الشيخ الصالح البطل سالار عود الذي فتح أكثر تلك البلاد وله أخبار عجيبة وغزوات شهيرة وتكاثر الناس للجواز وتزاحموا حتى غرق مركب كبير كان فيه نحو ثلاثمائة نفس لم ينج منهم إلا عربي من أصحاب الأمير غدا وكنا ركبنا نحن مركباً صغيراً فسلمنا الله تعالى. وكان العربي الذي سلم من الغرق يسمى بسالم وذلك اتفاق عجيب.
وكان أراد أن يصعد معنا في مركبنا، فوجدنا قد ركبنا النهر، فركب في المركب الذي غرق. فلما خرج ظن الناس أنه كان معنا. فقامت ضجة في
стр. 423
أصحابنا وفي سائر الناس وتوهموا أنا غرقنا ثم لما رأونا بعد استبشروا بسلامتنا. وزرنا قبر الصالح المذكور وهو في قبة لم نجد سبيلاً إلى دخولها لكثرة الزحام. وفي تلك الوجهة دخلنا غيضة قصب فخرج علينا منها الكركدن فقُتل وأتى الناس برأسه وهو دون الفيل ورأسه أكبر من رأس الفيل بأضعاف وقد ذكرناه.
ولما ظفر السلطان بعين الملك كما ذكرنا عاد إلى حضرته بعد مغيب عامين ونصف. وعفا عن عين الملك وعفا أيضاً عن نصرة خان القائم ببلاد التِلِنك وجعلهما معاً على عمل واحدٍ وهو النظر على بساتين السلطان وكساهما وأركبهما وعيّن لهما نفقة من الدقيق واللحم في كل يوم وبلغ الخبر بعد ذلك أنّ أحد أصحاب قطلوخان وهو علي شاه كر، ومعنى كر: الأطرش خالف على السلطان. وكان شجاعاً حسن الصورة والسيرة. فغلب على بدركوت وجعلها مدينة ملكه وخرجت العساكر إليه وأمر السلطان معلمه أن يخرج إلى قتاله فخرج في عساكر عظيمة وحصره ببدركوت ونقبت أبراجها واشتدت به الحال فطلب الأمان فأمنه قطلوخان وبعث به إلى السلطان مقيداً فعفا عنه ونفاه إلى مدينة غزنة من طرف خراسان فأقام بها مدة ثم اشتاق إلى وطنه فأراد العودة إليه لما قضاه الله من حينه فقبض عليه ببلاد السند وأتي به السلطان فقال له: إنما جئت لتثير الفساد ثانية وأمر به فضربت عنقه.
وكان السلطان قد وجد على أمير بخت الملقب بشرف الملك أحد اللذين وفدوا معنا على السلطان فحط مرتبه من أربعين ألفاً إلى ألف واحد، وبعثه في خدمة الوزير إلى دهلي. واتفق أن مات أمير عبد الله الهروي في الوباء في التلنك وكان ماله عند أصحابه بدهلي فاتفقوا مع أمير بخت على الهروب فلما خرج الوزير من دهلي إلى لقاء السلطان هربوا مع أمير بخت وأصحابه ووصلوا إلى أرض السند في سبعة أيام وهي مسيرة أربعين يوماً وكانت معهم الخيل مجنوبة وعزموا على أن يقطعوا نهر السند عوماً ويركب أمير بخت وولده ومن لا يحسن العوم في معدية قصب يصنعونها وكانوا قد أعدوا حبالاً من الحرير برسم ذلك فلما وصلوا إلى النهر خافوا من عبوره بالعوم فبعثوا رجلين منهم إلى جلال الدين صاحب مدينة أوجة فقالا له: أن ها هنا تجاراً أرادوا أن يعبروا النهر وقد بعثوا إليك بهذا السرج لتبيح لهم الجواز، فأنكر
стр. 424
الأمير أن يعطي التجار مثل ذلك السرج وأمر بالقبض على الرجلين ففر أحدها ولحق بشرف الملك وأصحابه وهم نيام لما لحقهم من الإعياء ومواصلة السهر. فأخبرهم الخبر فركبوا مذعورين وفروا. وأمر جلال الدين بضرب الرجل الذي قبض عليه فاعترف بقضية شرف الملك فأمر جلال الدين نائبه فركب في العسكر وقصدوا نحوهم فوجدوهم قد ركبوا فاقتفوا أثرهم فأدركوهم فرموا العسكر بالنشاب ورمى طاهر بن شرف الملك نائب الأمير جلال الدين بسهم فأثبته في ذراعه وغلب عليهم فأتي بهم إلى جلال الدين فقيدهم وغلّ أيديهم وكتب إلى الوزير في شأنهم فأمره الوزير أن يبعثهم إلى الحضرة فبعثهم إليها وسجنوا بها. فمات طاهر في السجن. وأمر السلطان أن يضرب شرف الملك مائة مقرعة في كل يوم فبقي على ذلك مدة ثم عفا عنه وبعثه مع الأمير نظام الدين أمير نجلة إلى بلاد جنديري فانتهت حاله إلى أن كان يركب البقر ولم يكن له فرس يركبه وأقام على ذلك مدة ثم وفد ذلك الأمير على السلطان وهو معه فجعله السلطان شاشنكير "جاشنكير" وهو الذي يقطع اللحم بين يدي السلطان ويمشي مع الطعام ثم إنه بعد ذلك نوه به ورفع مقداره وانتهت حاله إلى أن مرض فزاره السلطان وأمر بوزنه بالذهب وأعطاه ذلك وقد قدمنا هذه الحكاية في السفر الأول وبعد ذلك زوّجه بأخته وأعطاه بلاد جنديري التي كان يركب بها البقر في خدمة الأمير نظام الدين. فسبحان مقلب القلوب ومحول الأحوال.
كان شاه أفغان خالف على السلطان بأرض ملتان من بلاد السند وقتل الأمير بها، وكان يسمى بِهْ زَاد، وادعى السلطنة لنفسه. وتجهز السلطان لقتاله فعلم أنه لا يقاومه فهرب ولحق بقومه الأفغان وهم ساكنون بجبال منيعة لا يقدر عليها. فاغتاظ السلطان مما فعله وكتب إلى عماله أن يقبضوا على من وجدوه من الأفغان ببلاده فكان ذلك سببا لخلاف القاضي جلال.
وكان القاضي جلال وجماعة من الأفغانيين قاطنين بمقربة من مدينة كنباية ومدينة بلوذرة، فلما كتب السلطان إلى عماله بالقبض على الأفغانيين كتب إلى ملك مقبل نائب الوزير ببلاد الجزرات ونهر واله أن يحتال في القبض على القاضي جلال ومن معه وكانت بلوذرة إقطاعاً لملك الحكماء وكان ملك الحكماء متزوجاً بربيبة السلطان زوجة أبيه تغلق ولها بنت من تغلق هي التي
стр. 425
تزوجها الأمير غدا. وملك الحكماء إذ ذاك في صحبة مقبل لأن بلاده تحت نظره فلما وصلوا إلى بلاد الجزرات أمر مقبل ملك الحكماء أن يأتي بالقاضي جلال وأصحابه فلما وصل ملك الحكماء إلى بلاده حذرهم في خفية لأنهم كانوا من أهل بلاده. وقال أن مقبلاً طلبكم ليقبض عليكم فلا تدخلوا عليه إلا بالسلاح فركبوا في نحو ثلاثمائة مدرع وأتوه، وقالوا: لا ندخل إلا جملة فظهر له أنه لا يمكن القبض عليهم وهم مجتمعون وخاف منهم فأمرهم بالرجوع وأظهر تأمينهم فخالفوا عليه ودخلوا مدينة كنباية ونهبوا خزانة السلطان بها وأموال الناس ونهبوا مال ابن الكومي التاجر وهو الذي عمر المدرسة الحسنة بإسنكدرية وسنذكره إثر هذا. وجاء ملك مقبل لقتالهم فهزموه هزيمة شنيعة وجاء الملك عزيز الخمار والملك جهان بنبل لقتالهم في سبعة آلاف من الفرسان فهزموهم أيضاً وتسامع بهم أهل الفساد والجرائم فانثالوا عليهم وادعى القاضي جلال السلطنة وبايعه أصحابه وبعث السلطان إليه العساكر فهزمها وكان بدولة أباد جماعة من الأفغان فخالفوا أيضاً.
وكان ابن الملك مل ساكنا بدولة آباد في جماعة من الأفغان فكتب السلطان إلى نائبه بها وهو نظام الدين أخو معلمه قطلوخان أن يقبض عليهم وبعث إليه بأحمال كثيرة من القيود والسلاسل وبعث بخلع الشتاء. وعادة ملك الهند أن يبعث لكل أمير على مدينة لوجوه عسكره خلعتين في السنة خلعة الشتاء وخلعة الصي. وإذا جاءت الخلع يخرج الأمير والعساكر للقائها فإذا وصلوا إلى الآتي بها نزلوا عن دوابهم وأخذ كل واحد خلعته وحملها على كتفه وخدم لجهة السلطان وكتب السلطان لنظام الدين إذا خرج الأفغان ونزلوا عن دوابهم لأخذ الخلع فاقبض عليهم عند ذلك. وأتى أحد الفرسان الذي أوصلوا الخلع إلى الأفغان فأخبرهم بما يراد بهم فكان نظام الدين ممن احتال فانعكست عليه فركب وركب الأفغان معه حتى إذا لقوا الخلع ونزل نظام الدين عن فرسه حملوا عليه وعلى أصحابه فقبضوا عليه وقتلوا كثيراً من أصحابه ودخلوا المدينة فأخذوا الخزائن وقدموا على أنفسهم ناصر الدين بن ملك مل وانثال عليهم المفسدون فقويت شوكتهم.
ولما بلغ السلطان ما فعله الأفغان بكنباية ودولة آباد خرج بنفسه وعزم على أن يبدأ بكنباية ثم يعود إلى دولة آباد وبعث أعظم ملك البايزيدي صهره في أربعة
стр. 426
آلاف مقدمة فاستقبلته عساكر القاضي جلال فهزموه وحصروه ببلوذرة وقاتلوه بها. وكان في عسكر القاضي جلال شيخ يسمى جلول وهو أحد الشجعان فلا يزال يفتك في العساكر ويقتل ويطلب المبارزة فلا يتجاسر أحد على مبارزته واتفق يوماً أنه دفع فرسه فكبا به في حفرة فسقط عنه وقتل. ووجدوا عليه درعين فبعثوا برأسه إلى السلطان وصلبوا جسده بسور بلوذرة وبعثوا يديه ورجليه إلى البلاد ثم وصل السلطان بعساكره فلم يكن للقاضي جلال من ثبات ففر في أصحابه وتركوا أموالهم وأولادهم فنهب ذلك كله ودخلت المدينة وأقام بها السلطان أياماً ثم رحل عنها وترك بها صهره شرف الملك أمير بخت الذي قدمنا ذكره وقضية فراره وأخذه بالسند وسجنه وما جرى عليه من الذل ثم من العز وأمره بالبحث عمن كان في طاعة جلال الدين وترك معه الفقهاء ليحكم بأقوالهم فأدى ذلك إلى قتل الشيخ على الحيدري حسبما قدمناه. ولما هرب القاضي جلال لحق بناصر الدين بن ملك مل بدولة آباد ودخل في جملته فأتى السلطان بنفسه إليهم واجتمعوا في نحو أربعين ألفاً من الأفغان والترك والهنود والعبيد وتحالفوا على أن لا يفروا وأن يقاتلوا السلطان وأتى السلطان لقتالهم ولم يرفع الشطر الذي هو علامة عليه فلما استحرّ القتال رفع الشطر ولما عاينوه دهشوا وانهزموا أقبح هزيمة ولجأ ابن ملك مل والقاضي جلال في نحو أربعمائة من خواصهما إلى قلعة الدويقير وسنذكرها. وهي من أمنع القلاع في الدنيا واستقر السلطان بمدينة دولة آباد والدويقير هي قلعتها. وبعث لهم أن ينزلوا على حكمه فأبوا أن ينزلوا إلا على الأمان فأبى السلطان أن يؤمنهم وبعث لهم الأطعمة تهاوناً بهم وأقام هنالك وعلى ذلك آخر عهدي بهم.
كان تاج الدين بن الكولمي من كبار التجار فوفد على السلطان من أرض الترك بهدايا جليلة منها المماليك والجمال والمتاع والسلاح والثياب فأعجب السلطان فعله وأعطاه اثني عشر لكاً. ويذكر أنه لم تكن قيمة هديته إلاّ لكاً واحداً وولاه مدينة كنباية وكانت لنظر الملك المقبل نائب الوزير فوصل إليها وبعث المراكب إلى بلاد المليبار وجزيرة سيلان وغيرها وجاءته التحف والهدايا في المراكب وفخمت حاله. ولما لم يبعث أموال تلك الجهات إلى الحضرة بعث الملك مقبل إلى ابن الكولمي أن يبعث ما عنده من الهدايا والأموال مع هدايا تلك الجهات على العادة امتنع ابن الكولمي من ذلك وقال: أنا أحملها بنفسي أو أبعثها مع خدامي ولا حكم لنائب الوزير علي ولا
стр. 427
للوزير، واغتر بما أولاه السلطان من الكرامة والعطية فكتب مقبل إلى الوزير بذلك فوقع له الوزير على ظهر كتابه إن كنت عاجزاً عن بلادنا فاتركها وارجع إلينا.
ولما وصله الجواب تجهز في عسكره ومماليكه والتقيا بظاهر كنباية فانهزم ابن الكولمي وقتل جماعة من الفريقين واستخفى ابن الكولمي في دار الناخوذة "الناخذا" إلياس أحد كبراء التجار.
ودخل مقبل فضرب رقاب أمراء عسكر ابن الكولمي، وبعث له الأمان نظير أن يأخذ ماله المختص به ويترك مال السلطان وهديته مجبى البلد، وبعث مقبل بذلك كله مع خدامه إلى السلطان وكتب شاكياً من ابن الكولمي وكتب ابن الكولمي شاكياً منه. فبعث السلطان ملك الحكماء لينصف بينهما وبإثر ذلك كان خروج القاضي جلال الدين فنهب مال ابن الكولمي وفر ابن الكولمي في بعض مماليكه ولحق بالسلطان.
وفي مدة مغيب السلطان عن حضرته إذ خرج بقصد بلاد المعبر وقع الغلاء واشتد الأمر وانتهى المنّ إلى ستين درهماً ثم زاد على ذلك وضاقت الأحوال وعظم الخطب. ولقد خرجت مرة إلى لقاء الوزير فرأيت ثلاث نسوة يقطعن قطعاً من جلد فرس مات منذ أشهر ويأكلنه. وكانت الجلود تطبخ وتباع في الأسواق وكان الناس إذا ذبحت البقر أخذوا دماءها فأكلوها. وحدثني بعض طلبة خراسان أنهم دخلوا بلدة تسمى أكروهة، بين حانسي وسرستي فوجودوها خالية فقصدوا بعض المنازل ليبيتوا به فوجدوا في بعض بيوته رجلاً قد أضرم ناراً وبيده رجل آدمي وهو يشويها في النار ويأكل منها والعياذ بالله. ولما اشتدت الحال أمر السلطان أن يعطى لجميع أهل دهلي نفقة ستة أشهر فكانت القضاة والكتاب والأمراء يطوفون بالأزقة والحارات ويكتبون الناس ويعطون لكل أحد نفقة ستة أشهر بحساب رطل ونصف من أرطال المغرب في اليوم لكل واحد. وكنت في تلك المدة أطعم الناس من الطعام الذي أصنعه بمقبرة السطان قطب الدين حسبما يذكر فكان الناس ينتعشون بذلك والله تعالى ينفع بالقصد فيه. وإذ قد ذكرنا من أخبار السلطان وما كان في أيامه من الحوادث ما فيه الكفاية فلنعد إلى ما يخصنا من ذلك، ونذكر كيفية وصولنا أولاً إلى حضرته وتنقل الحال إلى خروجنا عن الخدمة، ثم خروجنا عن
стр. 428
السلطان في الرسالة إلى الصين، وعودنا منها إلى بلادنا إن شاء الله تعالى.
ولما دخلنا حضرة دهلي قصدنا باب السلطان ودخلنا الباب الأول ثم الثاني والثالث ووجدنا عليه النقباء وقد تقدم ذكرهم. فلما وصلنا إليهم تقدم بنا نقيبهم إلى مشور عظيم متسع فوجدنا به الوزير خواجة جهان ينتظرنا فتقدم ضياء الدين خداوند زاده ثم تلاه أخوه قوام الدين ثم أخوهما عماد الدين ثم تلوتهم ثم تلاني أخوهم برهان الدين ثم الأمير مبارك السمرقندي ثم أرون بغا التركي، ثم ملك زاده ابن أخت خداوند زادة ثم بدر الدين الفصال.
ولما دخلنا من الباب الثالث ظهر لنا المشور الكبير المسمى هزار اسطون "استون" ومعنى ذلك ألف سارية، وبه يجلس السلطان الجلوس العام، فخدم الوزير عند ذلك حتى قرب رأسه من الأرض وخدمنا نحن بالركوع وأوصلنا أصابعنا إلى الاض وخدمتنا لناحية سرير السلطان وخدم جميع من معنا فلما فرغنا من الخدمة صاح النقباء بأصوات عالية: بسم الله وخرجنا.
وكانت أم السلطان تدعى المخدومة جهان وهي من أفضل النساء كثيرة الصدقات عمرت زوايا كثيرة وجعلت فيها الطعام للوارد والصادر وهي مكفوفة البصر. وسبب ذلك أنه لما ملك ابنها جاء إليها جميع الخواتين وبنات الملوك والأمراء في أحسن زي وهي على سرير الذهب المرصع بالجوهر فخدمن بين يديها جميعاً فذهب بصرها للحين وعولجت بأنواع العلاج فلم ينفع وولدها أشد الناس برّاً بها، ومن برّه أنها سافرت معه مرة فقدم السلطان قبلها بمدة فلما قدمت خرج لاستقبالها وترجل عن فرسه وقبل رجلها وهي في المحفة بمرأى من الناس أجمعين.
ولنعد لما قصدناه فنقول ولما انصرفنا عن دار السلطان خرج الوزير ونحن معه إلى باب الصرف وهم يسمونه باب الحرم وهنالك سكنى المخدومة جهان فلما وصلنا بابها نزلنا عن الدواب وكل واحد منا قد أتى بهدية على قدر حاله.
ودخل معنا قاضي قضاة المماليك كمال الدين بن البرهان فخدم الوزير والقاضي عند بابها وخدمنا كخدمتهم وكتب كاتب بابها هدايانا. ثم رجعوا
стр. 429
إلى الوزير ثم عادوا إلى القصر ونحن وقوف. ثم أمرنا بالجلوس في سقيف هنالك ثم أتوا بالطعام وأتوا بقلال من الذهب يسمونها السُيُن "بضم السين والياء آخر الحروف" وهي مثل القدور ولها مرافع من الذهب تجلس عليها يسمونها السُبُك "بضم السين وضم الباء الموحدة" وأتوا بأقداح وطسوت وأباريق كلها ذهب وجعلوا الطعام سماطين وعلى كل سماط صفان ويكون في رأس الصف كبير القوم الواردين.
ولما تقدمنا للطعام خدم الحجاب والنقباء وخدمنا لخدمتهم، ثم أتوا بالشربة فشربنا وقال الحجاب: بسم الله. ثم أكلنا وأتوا بالفقاع ثم بالتنبول. ثم قال الحجاب: بسم الله. فخدمنا جميعاً. ثم دعينا إلى موضع هنالك فخلع علينا خلع الحرير المذهبة. وأتوا بنا إلى باب القصر تحت ثياب غير مخيطة من حرير وكتان وقطن، فأعطي كل واحد منا نصيبه منها، ثم أتوا بطيفور ذهب فيه الفاكهة اليابسة وبطيفور مثله في الجلاب وطيفور ثالث فيه التنبول. ومن عادتهم أن الذي يخرج له ذلك يأخذ الطيفور بيده ويجعله على كاهله ثم يخدم بيده الأخرى إلى الأرض. فأخذ الوزير الطيفور بيده قصد أن يعلمني كيف أفعل إيناساً منه وتواضعاً ومبرة. جزاه الله خيراً. ففعلت كفعله ثم انصرفنا إلى الدار المعدة لنزولنا بمدينة دهلي وبمقربة من دروازة بالم منها، وبعثت لنا الضيافة.
ولما وصلت إلى الدار التي أعدت لنزولي وجدت فيها ما يحتاج إليه من فرش وبسط وحصر وأوان وسرير الرقاد وأسرتهم بالهند خفيفة الحمل يحمل السرير منها الرجل الواحد ولا بد لكل أحد أن يستصحب السرير في السفر يحمله غلامه على رأسه وهو أربع قوائم مخروطة يعرض عليها أربعة أعواد وتنسج عليها ضفائر من الحرير أو القطن فإذا نام الإنسان عليه لم يحتج إلى ما يرطبه به لأنه يعطي الرطوبة من ذاته وجاءوا مع السرير بمضربتين ومخدتين ولحاف كل ذلك من الحرير وعادتهم أن يجعلوا للمضربات واللحوف "اللحف" وجوهاً تغشيها من كتان أو قطن بيضاً، فمتى توسخت غسلوا الوجوه المذكورة وبقي ما في داخلها مصوناً. وأتوا تلك الليلة برجلين أحدهما الطاحوني ويسمونه الخواص والثاني الجزار ويسمونه القصاب فقالوا لنا: خذوا من هذا كذا وكذا من الدقيق ومن هذا كذا وكذا من اللحم لأوزان لا أذكرها الآن. وعادتهم أن يكون اللحم الذي يعطون بقدر وزن الدقيق وهذا الذي ذكرناه ضيافة أم السلطان وبعدها وصلتنا ضيافة السلطان وسنذكرها. ولما كان من غد ذلك اليوم ركبنا إلى دار
стр. 430
السلطان وسلمنا على الوزير فأعطاني بدرتين كل بدرة من ألف دينار دراهم، وقال لي: هذه سر ششتى "شستي" ومعنا لغسل رأسك، وأعطاني خلعة من المرعز. وكتب جميع أصحابي وخدامي وغلماني، فجعلوا أربعة أصناف: فالصنف الأول منها أعطي كل واحد منهم مائتي دينار. والصنف الثاني أعطي كل واحد منهم مائة وخمسين ديناراً. والصنف الثالث أعطي كل واحد مائة دينار.
والصنف الرابع أعطي كل واحد خمسة وسبعين ديناراً. وكانوا نحو أربعين. وكان جملة ما أعطوه أربعة آلاف دينار ونيفاً. وبعد ذلك عينت ضيافة السلطان وهي ألف رطل هندية من الدقيق ثلثها من الميرا وهو الدرمك وثلثاها من الخشكار وهو المدهون وألف رطل من اللحم ومن السكر والسمن والسليف والفوفل أرطال كثيرة لا أذكر عددها والألف من ورق التنبول والرطل الهندي عشرون رطلاً من أرطال المغرب وخمسة وعشرون من أرطال مصر. وكانت ضيافة خداوند زاده أربعة آلاف رطل من الدقيق ومثلها من اللحم مع ما يناسبها مما ذكرنا.
ولما كان بعد شهر ونصف من مقدمنا توفيت بنت لي سنها دون السنة. فاتصل خبر وفاتها بالوزير فأمر أن تدفن في زاوية بناها خارج دروازة بالم بقرب مقبرة هنالك لشيخنا إبراهيم القونوي فدفناها بها وكتب بخبرها إلى السلطان فأتاه الجواب في عشي اليوم الثاني وكان بين متصيد السلطان وبين الحضرة مسيرة عشرة أيام. وعادتهم أن يخرجوا إلى قبر الميت صبيحة الثالث من دفنه ويفرشون جوانب القبر بالبسط وثياب الحرير ويجعلون على القبر الأزاهير وهي لا تنقطع هنالك في فصل من الفصول كالياسمين وقل شبه "كل شبو" وهي زهر أصفر، وريبول وهو أبيض، والنسرين وهو على صنفين أبيض وأصفر، ويجعلون أغصان النارنج والليمون بثمارها وإن لم يكن فيها ثمار علقوا منها حبات بالخيوط ويصبون على القبر الفواكه اليابسة وجوز النارجيل ويجتمع الناس ويؤتى بالمصاحف فيقرؤون القرآن فإذا ختموه أتوا بماء الجلاب فسقوه للناس ثم يصب عليهم ماء الورد صبا ويعطون التنبول وينصرفون.
ولما كان صبيحة الثالث من دفن هذه البنت خرجت عند الصبح على العادة وأعددت ما تيسر من ذلك كله فوجدت الوزير قد أمر بترتيب ذلك وأمر
стр. 431
بسراجة فضربت على القبر وجاء الحاجب شمس الدين الفوشنجي الذي تلقانا بالسند والقاضي نظام الدين الكرواني وجملة من كبار أهل المدينة ولم آت إلا والقوم المذكورون قد أخذوا مجالسهم والحاجب بين أيديهم وهم يقرؤون القرآن فقعدت مع أصحابي بمقربة من القبر فلما فرغوا من القراءة فرأ القراء بأصوات حسان ثم قام القاضي فقرأ رثاء في البنت المتوفاة وثناء إلى السلطان وعند ذكر اسمه قام الناس جميعاً قياماً فخدموا ثم جلسوا ودعا القاضي دعاءً حسناً ثم أخذ الحاجب وأصحابه براميل ماء الورد وصبوا على الناس ثم داروا عليهم بأقداح شربة النبات ثم فرقوا عليهم التنبول ثم أتي بأحدى عشرة خلعة لي ولأصحابي ثم ركب الحاجب وركبنا معه إلى دار السلطان فخدمنا للسرير على العادة وانصرفت إلى منزلي. فما وصلت إلا وقد جاء الطعام من دار المخدومة جهان ما ملأ الدار ودور أصحابي وأكلوا جميعاً وأكل المساكين وفضلت الأقراص والحلواء والنبات فأقامت بقاياها أياماً وكان فعل ذلك كله بأمر السلطان وبعد أيام جاء الفتيان من دار المخدومة جهان بالدولة وهي المحفة التي يحمل فيها النساء ويركبها الرجال وهي شبه السرير سطحها من ضفائر الحرير أو القطن وعليها عود شبه الذي على البوجات عندنا معوج من القصب الهندي المغلوق ويحملها ثمانية رجال في نوبتين: يستريح أربعة ويحمل أربعة وهذه الدول بالهند كالحمير بديار مصر عليها يتصرف أكثر الناس فمن كان له عبيد حملوه ومن لم يكن له عبيد اكترى رجالاً يحملونه وبالبلد منهم جماعة يسيرة يقفون في الأسواق وعند أبواب الناس للكري وتكون دول النساء مغشاة بغشاء حرير وكذلك كانت هذه الدولة التي أتى الفتيان بها من دار أم السلطان فحملوا فيها جاريتي التي هي أم البنت المتوفاة وبعثت أنا معها عن هدية جارية تركية فأقامت الجارية أم البنت عندهم ليلة. وجاءت في اليوم الثاني وقد أعطوها ألف دينار دراهم وأساور ذهب مرصعة وتهليلاً من الذهب مرصعاً أيضا وقميص كتان مزركشا بالذهب وخلعة حرير مذهبة وتختا بأثواب ولما جاءت بذلك كله أعطيته لأصحابي وللتجار الذين لهم علي الدين محافظة على نفسي وصوناً لعرضي لأن المخبرين يكتبون إلى السلطان بجميع أحوالي.
وفي أثناء إقامتي أمر السلطان أن يعين لي من القرى ما يكون فائدة خمسة
стр. 432
آلاف دينار في السنة، فعينها لي الوزير وأهل الديوان وخرجت إليها فمنها قرية تسمى بَدَلي "بفتح الباء الموحدة وفتح الدال المهملة وكسر اللام" وقرية بَسَهَى "بفتح الباء الموحدة والسين المهمل وكسر الهاء" ونصف قرية تسمى بَلَرة "بفتح الباء الموحدة واللام والراء" وهذه القرى على مسافة ستة عشر كروهاً، وهو الميل، بصدي يعرف بصدى هندبت، والصدى عندهم مجموع مائة قرية من قرى بلاد الهند، وأحواز المدينة مقسومة أصداء، وكل صدى له جوطري، وهو شيخ من كفار تلك البلاد ومتصرف، وهو الذي يضم مجابيها وكان قد وصل في ذلك الوقت سبي من الكفار فبعث الوزير إلي عشر جوار منه فأعطيت الذي جاء بهنّ واحدة منهن فما رضي بذلك وأخذ أصحابي ثلاثاً صغاراً منهن وباقيهن لا أعرف ما اتفق لهن. والسبي هنالك رخيص الثمن لأنهن قذرات لا يعرفن مصالح الحضر، والمعلمات رخيصات الأثمان، فلا يفتقر أحدٌ إلى شراء السبي. والكفار ببلاد الهند في بر متصل وبلاد متصلة مع المسلمين والمسلمون غالبون عليهم وإنما يمتنع الكفار بالجبال والأوعار ولهم غيضات من القصب، وقصبهم غير مجوف ويعظم ويلتف بعضه على بعض، ولا تؤثر فيه النار وله قوة عظيمة فيسكنون تلك الغياض وهي لهم مثل السور وبداخلها تكون مواشيهم وزروعهم ولهم فيها المياه مما يجتمع من ماء المطر فلا يقدر عليهم إلا بالعساكر القوية من الرجال الذين يدخلون تلك الغياض ويقطعون تلك القصب بآلات معدة لذلك.
وأطلّ عيد الفطر، والسلطان لم يعد بعد إلى الحضرة فلما كان يوم العيد ركب الخطيب على الفيل وقد مهد له على ظهره شبه السرير وركزت أربعة أعلام في أركانه الأربعة ولبس الخطيب ثياب السواد وركب المؤذنون على الفيلة يكبرون أمامه وركب فقهاء المدينة وقضاتها وكل واحد منهم يستصحب صدقة يتصدق بها حين الخروج إلى المصلى ونصب على المصلّى صيوان قطن وفرش ببسط واجتمع الناس ذاكرين الله تعالى ثم صلى بهم الخطيب وخطب وانصرف الناس إلى منازلهم انصرفنا إلى دار السلطان وجعل الطعام فحضره الملوك والأمراء والأعزة وهم الغرباء وأكلوا وانصرفوا.
ولما كان في رابع شوال نزل السلطان بقصر يسمى تِلْبَت "بكسر التاء المعلوة الأولى وسكون اللام وفتح الباء الموحدة ثم تاء كالأولى"، وهي على
стр. 433
مسافة سبعة أميال من الحضرة فأمرنا الوزير بالخروج إليه فخرجنا ومع كل إنسان هديته من الخيل والجمال والفواكه الخراسانية والسيوف المصرية والمماليك والغنم المجلوبة من بلاد الأتراك فوصلنا إلى باب القصر وقد اجتمع جميع القادمين فكانوا جميعاً يدخلون إلى السلطان على قدر مراتبهم ويخلع عليهم ثياب الكتان المزركشة بالذهب ولما وصلت إلى النوبة التي دخلت فوجدت السلطان قاعدا على كرسي فظننته أحد الحجاب حتى رأيت معه ملك الندماء ناصر الدين الكافي الهروي وكنت عرفته أيام غيبة السلطان فخدم الحاجب فخدمت واستقبلني أمير حاجب وهو ابن عم السلطان المسمى بفيروز وخدمت ثانية لخدمته ثم قال لي ملك الندماء: بسم الله مولانا بدر الدين وكانوا يدعونني بأرض الهند بدر الدين وكل من كان من أهل الطلب إنما يقال له مولانا فقربت من السلطان حتى أخذ بيدي وصافحني وأمسك يدي وجعل يخاطبني بأحسن خطاب ويقول لي بالفارسي حلت البركة قدومك مبارك اجمع خاطرك اعمل معك من المراحم وأعطيك الأنعام ما يسمع به أهل بلادك فيأتون إليك ثم سألني عن بلادي فقلت له بلاد المغرب فقال لي بلاد عبد المؤمن. فقلت له: نعم وكان كلما قال لي كلاماً جيداً قبلت يده، حتى قبلتها سبع مرات وخلع على وانصرفت. واجتمع الواردون فمد لهم سماط ووقف على رؤوسهم قاضي القضاة صدر الجهان ناصر الدين الخوارزمي وكان من كبار الفقهاء وقاضي قضاة المماليك صدر الجهان كمال الدين الغزنوي وعماد الملك عرض المماليك والملك جلال الدين الكيجي وجماعة من الحجاب والأمراء وحضر لذلك خداوند زاده غياث الدين ابن عم خداوند زاده قوام الدين قاضي ترمذ الذي قدم معنا وكان السلطان يعظمه ويخاطبه بالأخ وتردد إليه مراراً من بلاده والواردون الذين خلع عليهم في ذلك هم خداوند زاده قوام الدين وإخوته ضياء الدين وعماد الدين وبرهان الدين وابن اخته أمير بخت بن السيد تاج الدين وكان جده وجيه الدين وزير خراسان وكان خاله علاء الدين أمير هند ووزيرا ايضا والأمير هبة الله بن الفلكي التبريزي وكان أبوه نائب الوزير بالعراق وهو بنى المدرسة الفلكية بتبريز وملك كراي من أولاد بهرام جور "جوبين" صاحب كسرى وهو من أهل جبل بذخشان الذي منه يجلب الياقوت البلخش واللازورد والأمير مبارك شاه السمرقندي، وأرون بغا البخاري وملك زادة الترمذي وشهاب الدين الكازروني التاجر الذي قدم
стр. 434
تبريز بالهدية إلى السلطان فسلب في طريقه.
وفي الغد من يوم خروجنا إلى السلطان أعطي كل واحد منا فرسا من مراكب السلطان عليه سرج ولجام محليان وركب السلطان لدخول حضرته وركبنا في مقدمته مع صدر الجهان وزينت الفيلة أمام السلطان وجعلت عليها الأعلام ورفعت عليها ستة عشر شطراً منها مزركشة ومنها مرصعة ورفع على رأس السلطان شطر منها وحملت أمامه الغاشية وهي ستارة مرصعة وجعل على بعض الفيلة رعادات صغار فلما وصل السلطان إلى قرب المدينة قذف في تلك الرعادات بالدنانير والدراهم مختلطة والمشاة بين يدي السلطان وسواهم ممن حضر يلتقطون ذلك ولم يزالوا ينثرون إلى أن وصلوا القصر وكان بين يديه آلاف من المشاة على الأقدام وصنعت قباب الخشب المكسوة بثياب الحرير، وفيها المغنيات حسبما ذكرنا ذلك.
ولما كان يوم الجمعة ثاني يوم دخول السلطان أتينا باب المشور فجلسنا في سقائف الباب الثالث ولم يكن الإذن حصل لنا بالدخول وخرج الحاجب شمس الدين الفوشنجي فأمر الكتاب أن يكتبوا أسماءنا وأذن لهم في دخولنا ودخول بعض أصحابنا وعين للدخول معي ثمانية فدخلنا ودخلوا معنا ثم جاؤوا بالبدر والقبان وهو الميزان وقعد قاضي القضاة والكتاب ودعوا من الباب من الأعزة هم الغرباء فعينوا لكل إنسان نصيبه من تلك البدر فحصل لي منها خمسة آلاف دينار وكان مبلغ المال مائة ألف دينار تصدقت به أم السلطان لما قدم ابنها وانصرفنا ذلك اليوم وكان السلطان بعد ذلك يستدعينا للطعام بين يديه ويسأل عن أحوالنا ويخاطبنا بأجمل كلام ولقد قال لنا في بعض الأيام أنتم شرفتمونا بقدومكم فما نقدر على مكافاتكم فالكبير منكم مقام والدي والكهل مقام أخي والصغير مقام ولدي وما في ملكي أعظم من مدينتي هذه أعطيكم إياها فشكرناه ودعونا له.
ثم بعد ذلك أمر لنا بالمرتبات فعين لي اثني عشر ألف دينار في السنة وزادني قريتين على الثلاث التي أمر لي بها قبل أحداها قرية جوزة والثانية قرية ملك بور وفي بعض الأيام بعث لنا خداوند زاده غياث الدين وقطب الملك صاحب السند فقالا لنا أن خوند عالم يقول لكم من كان منكم يصلح للوزارة أو الكتابة أو الإمارة أو القضاء أو التدريس أو المشيخة، أعطيته ذلك
стр. 435
فسكت الجميع لأنهم كانوا يريدون تحصيل الأموال والانصراف إلى بلادهم وتكلم أمير بخت بن السيد تاج الدين الذي تقدم ذكره فقال: أما الوزارة فميراثي، وأما الكتابة فشغلي وغير ذلك لا أعرفه.
وتكلم هبة الله بن الفلكي فقال مثل ذلك، وقال لي خدواند زاده بالعربي: ما تقول أنت يا سيدي؟ وأهل تلك البلاد ما يدعون العربي إلا بالتسويد١ وبذلك يخاطبه السلطان تعظيماً للعرب فقلت له أما الوزارة والكتابة فليست شغلي وأما القضاء والمشيخة فشغلي وشغل آبائي وأما الإمارة فتعلمون أن الأعاجم ما أسلمت إلا بأسياف العرب. فلما بلغ ذلك إلى السلطان أعجبه كلامي وكان بهزار أسطون يأكل الطعام فبعث عنا فأكلنا بين يديه وهو يأكل ثم انصرفنا إلى خارج هزار أسطون فقعد أصحابي وانصرفت بسبب دمل كان يمنعني الجلوس فاستدعانا السلطان ثانية فحضر أصحابي واعتذروا له عني وجئت بعد صلاة العصر فصليت بالمشور المغرب والعشاء الآخرة ثم خرج الحاجب فاستدعانا، فدخل خذواند زاده ضياء الدين وهو أكبر الإخوة المذكورين فجعله السلطان أمير داد وهو من الأمراء الكبار فجلس بمجلس القاضي فمن كان له حق على أمير أو كبير أحضره بين يديه وجعل مرتبه على هذه الخطة خمسين ألف دينار في السنة عين له مجاشر قائدها ذلك المقدار فأمر له بخمسين ألفا عن يد وخلع عليه خلعة حرير مزركشة تسمى صورة الشير ومعناه صورة السبع لأنه يكون في صدرها وظهرها صورة سبع وقد خيط في باطن الخلعة بطاقة بمقدار ما زركش فيها من الذهب وأمر له بفرس من الجنس الأول والخيل عندهم أربعة أجناس وسروجهم كسروج أهل مصر ويكسون أعظمها بالفضة المذهبة ثم دخل أمير بخت فأمره أن يجلس مع الوزير في مسنده ويقف على محاسبات الدواوين وعيّن له مرتبا أربعين ألف دينار في السنة أعطي مجاشر قائدها بمقدار ذلك وأعطي أربعين ألفا عن يد وأعطي فرساً مجهزاً وخلع عليه كخلعة الذي قبله ولقب شرف الملك.
ثم دخل هبة الله بن الفلكي فجعله رسول دار ومعناه حاجب الإرسال، وعين له مرتبا أربعين ألف دينار في السنة أعطي مجاشر يكون قائدها بمقدار ذلك
стр. 436
وأعطي أربعة وعشرين ألفا عن يد وأعطي فرساً مجهزاً وخلعة وجعل لقبه بهاء الملك. ثم دخلت فوجدت السلطان على سطح القصر مستندا إلى السرير والوزير خواجة جهان بين يديه والملك الكبير قبولة واقف بين يديه فلما سلمت عليه قال لي الملك الكبير اخدم فقد جعلك خوند عالم قاضي دار الملك دهلي وجعل مرتبك اثني عشر ألف دينار في السنة وعين لك مجاشر بمقدارها وأمر لك باثني عشر ألفا نقداً تأخذها من الخزانة غداً إن شاء الله، وأعطاك فرساً بسرجه ولجامه وأمر لك بخلعة محاربي وهي التي يكون في صدرها وظهرها شكل محراب فخدمت وأخذ بيدي فتقدم بي إلى السلطان فقال لي السلطان لا تحسب قضاء دلهي من أصغر الأشغال هو أكبر الأشغال عندنا وكنت أفهم قوله ولا أحسن الجواب عنه وكان السلطان يفهم العربي ولا يحسن الجواب عنه فقلت له يا مولانا أنا على مذهب مالك وهؤلاء حنفية وأنا لا أعرف اللسان فقال لي قد عينت بهاء الدين الملتاني وكمال الدين البجنوري ينوبان عنك ويشاورانك وتكون أنت تسجل على العقود وأنت عندنا بمقام الوالد. فقلت له بل عبدكم وخديمكم فقال لي باللسان العربي بل أنت سيدنا ومخدومنا تواضعاً منه وفضلاً وإيناساً. ثم قال لشرف الملك أمير بخت إن كان الذي رتبت له لا يكفيه لأنه كثير الإنفاق فأنا أعطيه زاوية أن قدر على إقامة حال الفقراء وقال قل له هذا بالعربي وكان يظن أنه يحسن العربي ولم يكن كذلك وفهم السلطان ذلك فقال له بروويكجا بخصبي وآن حكاية براوبكوي وتفهيم كنى تافردا إن شاء الله بيش من بيابي جواب او بكرى معناه امسوا الليلة فارقدوا في موضع واحد وفهمه هذه الحكاية فإذا كان بالغد إن شاء الله تجيء الي وتعلمني بكلامه، فانصرفنا وذلك في ثلث الليل وقد ضربت النوبة والعادة عندهم إذا ضربت لا يخرج أحد فانتظرنا الوزير حتى خرج وخرجنا معه ووجدنا أبواب دهلي مسدودوة فبتنا عند السيد أبي الحسن العبادي العراقي بزقاق يعرف بسرابورخان وكان هذا الشيخ يتجر بمال السلطان ويشتري له الأسلحة والأمتعة بالعراق وخراسان ولما كان بالغد بعث عنا فقبضنا الأموال والخيل والخلع وأخذ كل واحد منا البدرة بالمال فجعلها على كاهلة ودخلنا كذلك على السلطان فخدمنا وأتينا بالأفراس فقبلنا حوافرها بعد أن جعلت عليها الخرق وقدناها بأنفسنا إلى باب دار السلطان فركبناها وذلك كله عادة عندهم ثم انصرفنا وأمر السلطان لأصحابي بألفي دينار وعشر خلع ولم يعط لأصحاب
стр. 437
أحد سواي شيئاً وكان أصحابي لهم رواء ومنظر فأعجبوا السلطان وخدموا بين يديه وشكرهم.
وكنت يوماً بالمشور بعد أيام من توليتي القضاء والإحسان إلي، وأنا قاعد تحت شجرة هنالك وإلى جانبي مولانا ناصر الدين الترمذي العالم الواعظ فأتى بعض الحاجب فدعا مولانا ناصر الدين فدخل إلى السلطان فخلع عليه وأعطاه مصحفاً مكللاً بالجوهر ثم أتاني بعض الحجاب فقال أعطني شيئاً وآخذ لك خط خرد باثني عشر ألفا أمر لك بها خوند عالم فلم أصدقه وظننته يريد الحيلة علي وهو مجد في كلامه فقال بعض الأصحاب أنا أعطيه فأعطاه دينارين أو ثلاثة جاء بخط خرد ومعناه الخط الأصغر مكتوباً بتعريف الحاجب ومعناه أمر خوند عالم أن يعطى من الخرانة الموفورة كذا لفلان بتبليغ فلان أي بتعريفه ويكتب المبلغ اسمه ثم يكتب على تلك البراءة ثلاثة من الأمراء وهم الخان الأعظم قطلوخان معلم السلطان والخريطة دار وهو صاحب خريطة الكاغد والأقلام والأمير نكبية الداودار صاحب الدوات فإذا كتب كل واحد منهم خطه يذهب بالبراءة إلى ديوان الوزارة فينسخها كتاب الديوان عندهم ثم تثبت في ديوان الأشراف ثم تثبت في ديوان النظر ثم تكتب البروانة وهي الحكم من الوزير للخازن بالعطاء ثم يثبتها الخازن في ديوانه ويكتب تلخيصا في كل يوم بمبلغ ما أمر به السلطان ذلك اليوم من المال ويعرضه عليه فمن أراد التعجيل بعطائه أمر بتعجيله ومن أراد التوقيف وقف له ولكن لا بد من عطاء ذلك ولو طالت المدة فقد توقفت هذه الاثنا عشر ألفا ستة أشهر ثم أخذتها مع غيرها حسبما يأتي. وعادتهم إذا أمر السلطان بإحسان لأحد يحط منه العشر فمن أمر له مثلا بمائة ألف أعطي تسعين ألفا أو بعشرة آلاف أعطي تسعة آلاف.
وكنت حسبما ذكرته قد استدنت من التجار مالاً أنفقته في طريقي وما صنعت به الهدية للسلطان، وما أنفقته في إقامتي فلما أرادوا السفر إلى بلادهم ألحوا عليّ في طلب ديونهم فمدحت السلطان بقصيدة طويلة أولها:
إليك أميرَ المؤمنين المبجَّلا. ... أتينا نجدُّ السيرَ نحوك في الفلا
فجئت محلاً من علائِك زائراً ... ومغْناك كهفٌ للزيارة أُهِلا
فلو أن فوق الشمس للمجد رتبةً ... لكنتَ لأعْلاها إماماً مؤهلا
стр. 438
فأنت الإمام الماجد الأوحد الذي ... سجاياه حتماً أن يقولَ ويفعلا
ولي حاجة من فيض جودك أرتجي ... قضاها وقصدي عند مجدك سهلا
أأذكرها أم قد كفاني حياؤكم ... فإن حَيَاكم ذِكرهُ كان أجملا
فعجّلْ لمن وافى محلك زائراً ... قضَا دينه أن الغريمَ تعجّلا
فقدمتها بين يديه وهو قاعد على كرسي فجعلها على ركبته وأمسك طرفها بيده وطرفها الثاني بيدي. وكنت إذا أكملت بيتاً ومنها أقول لقاضي القضاة كمال الدين الغزنوي بين معناه لخوند عالم، فيبينه ويعجب السلطان وهم يحبون الشعر العربي فلما بلغت إلى قولي: فعجل لمن وافى، البيت، قال: مرحمة ومعناه: ترحمت عليك فأخذ الحجاب حينئذ بيدي ليذهبوا بي إلى موقفهم، وأخدم على العادة فقال السلطان اتركوه حتى يكملها فأكملتها وخدمت وهنأني الناس بذلك وأقمت مدة وكتبت رفعا وهم يسمونه عرض داشت فدفعته إلى قطب الملك صاحب السند فدفعه للسلطان فقال له امض إلى خواجه جهان فقل له يعطي دينه فمضى إليه واعلمه فقال نعم وابطأ ذلك أياما وأمره السلطان في خلاها بالسفر إلى دولة آباد وفي اثناء ذلك خرج السلطان إلى الصيد وسافر الوزير فلم آخذ شيئا منها إلا بعد مدة والسبب الذي توقف به عطاؤها أذكره مستوفى وهو أنه لما عزم الذين كان لهم علي الدين إلى السفر قلت لهم إذا أنا أتيت دار السلطان فدرهوني١ على العادة في تلك البلاد لعلمي أن السلطان متى يعلم بذلك خلصهم، وعادتهم أنه متى كان لأحد دين على رجل من ذوي العناية وأعوزه خلاصة وقف له بباب دار السلطان فإذا أراد الدخول قال له دروهي السلطان وحتى رأس السلطان ما تدخل حتى تخلصني فلا يمكنه أن يبرح من مكانه حتى يخلصه او يرغب إليه في تأخيره فاتفق يوماً أن خرج السلطان إلى زيارة قبر أبيه ونزل بقصر هنالك فقلت لهم هذا وقتكم فلما أردت الدخول وقفوا لي بباب القصر فقالوا لي دروهي السلطان ما تدخل حتى تخلصنا وكتب كتاب الباب بذلك إلى السلطان فخرج حاجب قصة شمس الدين وكان من كبار الفقهاء فسألهم لاي شيء درهتموه؟ فقالوا: لنا عليه الدين فرجع إلى السلطان فاعلمه بذلك، فقال له: أسألهم كم مبلغ الدين؟ فسألهم فقالوا له خمسة
стр. 439
وخمسون ألف دينار فعاد إليه فأعلمه فأمره أن يعود إليهم ويقول لهم أن خوند عالم يقول لكم المال عندي وأنا أنصفكم منه فلا تطلبوه به وأمر عماد الدين السمناني وخداوند زاده غياث الدين أن يقعدوا بهزار أسطون ويأتي أهل الدين بعقودهم وينظروا إليها ويتحققوها ففعلا ذلك وأتى الغرماء بعقودهم فدخلا إلى السلطان وأعلما بثبوت العقود فضحك وقال ممازحاً أنا أعلم أنه قاض جهز شغله فيها ثم أمر خذواند زاده أن يعطيني ذلك من الخزانة فطمع في الرشوة على ذلك وامتنع أن يكتب خط خرد فبعثت إليه مائتي تنكة فردها ولم يأخذها وقال لي عنه بعض خدامه أنه طلب خمسمائة تنكة فامتنعت من ذلك وأعلمت عميد الملك بن عماد الدين السمناني بذلك فأعلم به أباه وعمله الوزير وكانت بينه وبين خذاوند زاده عداوة فأعلم السلطان بذلك وذكر له كثيراً من أفعال خذاوند زاده فغير خاطر السلطان عليه فأمر بحبسه في المدينة وقال لأي شيء أعطاه فلان ما أعطاه ووقفوا ذلك حتى يعلم هل يعطي خذاوند زاده شيئاً إذا منعته أو يمنعه إذا أعطيته فبهذا السبب توقف عطاء ديني.
ولما خرج السلطان إلى الصيد خرجت معه من غير تربص وكنت قد أعددت ما يحتاج إليه وعملت ترتيب أهل الهند فاشتريت سراجة وهي أفراج وضربها هناك مباح ولا بد منها لكبار الناس وتمتاز سراجة السلطان بكونها حمراء وسواها بيضاء منقوشة بالأزرق واشتريت الصيوان وهو الذي يظلل به داخل السراجة ويرفع على عمودين كبيرين ويحمل ذلك الرجال على أاعناقهم ويقال لهم اليكوانية١ والعادة هنالك أن يكتري المسافر اليكوانية وقد ذكرناهم ويكتري من يسوق له العشب لعلق الدواب لأنهم لا يطعمونها التبن ويكتري الكهارين وهم الذين يحملون أواني المطبخ ويكتري من يحمله في الدولة وقد ذكرناها ويحملها فارغة ويكتري الفراشين وهم الذين يضربون السراجة ويفرشونها ويرفعون الأحمال على الجمال ويكترى الدوادوية وهو الذين يمشون بين يديه ويحملون المشاعل بالليل فاكتريت أنا جميع من احتجت له منهم وأظهرت القوة والهمة وخرجت يوم خروج السلطان وغيري أقام بعده اليومين والثلاثة فلما كان بعد العصر من يوم خروجه
стр. 440
ركب الفيل، وقصده أن يتطلع على أحوال الناس، ويعرف من تسارع إلى الخروج ومن أبطا وجلس خارج السراجة على كرسي فجئت وسلمت ووقفت في مواقفي بالميمنة فبعث إلى الملك الكبير قبولة سر جامدار وهو الذي يشرد الذباب عنه فأمرني بالجلوس عناية بي ولم يجلس في ذلك اليوم سوائي ثم أتي بالفيل وألصق به سلم فركب عليه ورفع شطر فوق رأسه وركب معه الخواص وجال ساعة ثم عاد إلى السراجة. وعادته إذا ركب أن يركب الأمراء أفواجاً كل يمر بفوجه وعلامته وطبوله وأنفاره وصرناياته ويسمون ذلك المراتب ولا يركب إمام السلطان إلا الحجاب وأهل الطرب والطبالة الذين يتقلدون الأطبال الصغار والذين يضربون الصرنايات ويكون عن يمين السلطان نحو خمسة عشر رجلاً وعن يساره مثل ذلك منهم قضاة القضاة والوزير وبعض الأمراء الكبار وبعض الأعزة وكنت أنا من أهل ميمنته ويكون بين يديه المشاءون والإدلاء ويكون خلفه علاماته وهي من الحرير المذهب والأطبال على الجمال وخلف ذلك مماليكه وأهل دخلته وخلفهم الأمراء وجميع الناس ولا يعلم أحد أين يكون النزول فإذا مر السلطان بمكان يعجبه النزول به أمر بالنزول ولا تضرب سراجة أحد حتى تضرب سراجته ثم يأتي الموكلون بالنزول فينزلون كل أحد في منزله وفي خلال ذلك ينزل السلطان على نهر أو بين أشجاره وتقدم بين يديه لحوم الأغنام والدجاج المسمنة والكراكي وغيرها من أنواع الصيد ويحضر أبناء الملوك وفي يد كل واحد منهم سفود ويوقودن النار ويشتوون ذلك ويؤتى بسراجة صغيرة فتضرب للسلطان ويجلس من معه من الخواص خارجها ويؤتى بالطعام ويستدعي من شاء فيأكل معه. وكان في بعض تلك الأيام وهو بداخل السراجة يسأل عمن بخارجها فقال له السيد ناصر الدين مطهر الأوهري أحد ندمائه ثم فلان المغربي وهو متغير فقال لماذا فقال بسبب الدين الذي عليه وغرماؤه يلحون في الطلب وكان خوند عالم قد أمر الوزير بإعطائه فسافر قبل ذلك. فإن أمر مولانا أن يصبر أهل الدين حتى يقدم الوزير أو أمر بإنصافهم وحضر لهذا الملك دولة شاه وكان السلطان يخاطبه بالعم فقال يا خوند عالم كل يوم هو يكلمني بالعربي ولا أدري ما يقول يا سيدي ناصر الدين ماذا وقصد أن يكرر ذلك الكلام فقال يتكلم لأجل الدين الذي عليه فقال السلطان إذا دخلنا دار الملك فامض انت يا أومار ومعناه: يا عم إلى الخزانة، فأعطه ذلك المال وكان خداوندزاده حاضراً فقال يا خوند عالم
стр. 441
إنه كثير الإنفاق وقد رأيته ببلادنا عند السلطان طرمشيرين وبعد هذا الكلام استحضرني السلطان للطعام ولا علم عندي بما جرى فلما خرجت قال لي السيد ناصر الدين اشكر للملك دولة شاه وقال لي الملك دولة شاه اشكر لخداوند زاده وفي بعض تلك الأيام ونحن مع السلطان في الصيد ركب في المحلة وكان طريقه على منزلي وأنا معه في الميمنة وأصحابي في الساقة وكان لي خباء عند السراجة فوقف أصحابي عندها وسلموا على السلطان فبعث عماد الملك وملك دولة شاه ليسألا لمن تلك الأخبية والسراجة فقيل لهما لفلان فأخبراه بذلك فتبسم فلما كان بالغد نفذ الأمر أن أعود أنا وناصر الدين مطهر الأوهري وابن قاضي مصر وملك صبيح إلى البلد فخلع علينا وعدنا إلى الحضرة.
وكان السلطان في تلك الأيام سالني عن الملك الناصر هل يركب الجمل فقلت نعم يركب المهاري في أيام الحج فيسير إلى مكة من مصر في عشرة أيام ولكن تلك الجمال ليست كجمال هذه البلاد. وأخبرته أن عندي جملاً منها فلما عدت إلى الحضرة بعثت عن بعض عرب مصر فصور لي صورة الكور الذي تركب المهاري به من القير وأريتها بعض النجارين فعمل الكور وأتقنه وكسوته بالملف وصنعت له ركباً وجعلت على الجمل عباءة حسنة وجعلت له خطام حرير كان عندي رجل من أهل اليمن يحسن عمل الحلواء فصنع منها ما يشبه التمر وغيره وبعثت الجمل والحلواء إلى السلطان وأمرت الذي حملها أن يدفعها على يد ملك دولة شاه وبعثت له بفرس وجملين فلما وصله ذلك دخل على السلطان وقال يا خوند عالم رأيت العجب قال وما ذلك قال فلان بعث جملا عليه سرج فقال ائتوا به فأدخل الجمل داخل السراجة وأعجب به السلطان وقال لراجلي اركبه فركبه ومشاه بين يديه وأمر له بمائتي دينار دراهم وخلعة وعاد الرجل إلى فأعلمني فسرني ذلك وأهديت له جملين بعد عودته إلى الحضرة.
ولما عاد إلى راجلي الذي بعثته بالجمل، فأخبرني بما كان من شأنه صنعت كورين اثنين، وجعلت مقدم كل واحد ومؤخرة مكسواً بصفائح الفضة المذهبة وكسوتهما بالملف وصنعت رسناً مصفحاً بصفائح الفضة وجعلت لهما جلين من زرد خانة مبطنين بالكمخا وجعلت للجملين الخلاخيل من
стр. 442
الفضة المذهبة، وصنعت أحد عشر طيفوراً، وملأتها بالحلواء، وغطيت كل طيفور بمنديل حرير فلما قدم السلطان من الصيد وقعد ثاني يوم قدومه بموضع جلوسه العام غدوت عليه بالجمال فأمر بها فحركت بين يديه وهرولت فطار خلخال أحدها فقال لبهاء الدين ابن الفلكي: بايل ورداري، معنى ذلك: ارفع الخلخال، فرفعه ثم نظر إلى الطيافير فقال: جداري "جه داري": درآن طبقها حلوا است معنى ذلك ما معك في تلك الأطباق حلواء هي؟ فقلت له: نعم. فقال للفقيه ناظر الدين الترمذي الواعظ ما أكلت قط ولا رأيت مثل الحلواء التي بعث إلينا ونحن بالمعسكر ثم أمر بتلك الطيافير أن ترفع لموضع جلوسه فرفعت وقام إلى مجلسه واستدعاني وأمر بالطعام فأكلت ثم سألني عن نوع من الحلواء الذي بعثت له قبل فقلت له يا خوند عالم تلك الحلواء أنواعها كثيرة ولا أدري عن أي نوع تسألون منها فقال إيتوا بتلك الأطباق وهم يسمون الطيفور طبقا فأتوا بها وقدموها بين يديه وكشفوا عنها فقال عن هذا سألتك وأخذ الصحن الذي هي فيه فقلت له هذه يقال لها المقرصة ثم أخذ نوعاً آخر فقال وما اسم هذه؟ فقلت له هي لقيمات القاضي. وكان بين يديه تاجر من شيوخ بغداد يعرف بالسامري وينتسب إلى آل العباس ﵁ وهو كثير المال ويقول له السلطان يا والدي فحسدني وأراد أن يخجلني فقال ليست هذه لقيمات القاضي بل هي هذه. وأخذ قطعة من التي تسمى جلد الفرس وكان بإزائه ملك الندماء ناصر الدين الكافي الهروي وكان كثيراً ما يمازح هذا الشيخ بين يدي السلطان فقال يا خواجة أنت تكذب والقاضي يقول الحق فقال له السلطان وكيف ذلك؟ فقال: يا خوند عالم هو القاضي وهي لقيماته. فإنه أتى بها. فضحك السلطان وقال صدقت. فلما فرغنا من الطعام أكل الحلواء ثم شرب الفقاع بعد ذلك وخذنا التنبول وانصرفنا. فلم يكن غير هنيهة وأتاني الخازن فقال ابعث أصحابك يقبضون المال فبعثتهم وعدت إلى داري بعد المغرب فوجدت المال بها وهو ثلاث بدر فيها ستة آلاف ومائتان وثلاث وثلاثون تنكة وذلك صرف الخمسة والخمسين ألفاً التي هي دين علي وصرف الاثني عشر ألفاً التي أمر لي بها فيما تقدم بعد حط العشر على عادتهم، وصرف التنكة ديناران ونصف دينار من ذهب المغرب.
وفي تاسع جمادى الاولى خرج السلطان برسم قصد بلاد المعبر، وقتال
стр. 443
القائم بها وكنت قد خلصت أصحاب الدين وعزمت على السفر وأعطيت مرتب تسعة أشهر للكهارين والفراشين والكيوانية والدوادوية وقد تقدم ذكرهم فخرج الأمر بإقامتي في جملة ناس وأخذ الحاجب خطوطنا بذلك لتكون حجة له وتلك عادتهم خوفا من أن ينكر المبلغ وأمر لي بستة آلاف دينار دراهم وأمر لابن قاضي مصر بعشرة آلاف وكذلك كل من أقام من الأعزة وأما البلديون فلم يعطو شيئاً، وأمرني السلطان أن أتولى النظر في مقبرة السلطان قطب الدين تقدم ذكره. وكان السلطان يعظم تربته تعظيماً شديداً لأنه كان خديماً له. ولقد رأيته إذا أتى قبره يأخذ نعله فيقلبه ويجعله فوق رأسه وعادتهم أن يجعلوا نعل الميت عند قبره فوق متكأة وكان إذا وصل القبر خدم له كما كان يخدم أيام حياته وكان يعظم زوجته ويدعوها بالأخت وجعلها مع حرمه. وزوجها بعد ذلك لابن قاضي مصر واعتنى به من أجلها وكان يمضي لزيارتها في كل جمعة. ولما خرج السلطان بعث عنا للوداع فقام ابن قاضي مصر فقال أنا لا أودع ولا أفارق خوند عالم فكان له في ذلك الخير فقال له السلطان امض فتجهز للسفر وقدمت بعدها للوداع وكنت أحب الإقامة ولم تكن عاقبتها محمودة فقال مالك من حاجة فأخرجت بطاقة فيها ست مسائل فقال لي تكلم بلسانك فقلت له أن خوند عالم أمر لي بالقضاء وما قعدت لذلك بعد وليس مرادي من القضاء إلا حرمته فأمرني بالقعود للقضاء وقعود النائبين معي ثم قال لي إيه فقلت وروضة السلطان قطب الدين ماذا أفعل فيها فإني رتبت فيها أربعمائة وستين شخصاً ومحصول أوقافها لا يفي بمرتباتهم وطعامهم فقال للوزير بنجاه هزار ومعناه خمسين ألفاً ثم قال لا بد لك من غلة بديه يعني أعطه مائة ألف من المغلة وهي القمح والأرز ينفقها في هذه السنة حتى تأتي غلة الروضة والمنّ عشرون رطلا مغربية، ثم قال لي: وماذا أيضا؟ فقلت أن أصحابي سجنوا بسبب القرى التي أعطيتموني فإني عوضتها بغيرها فطلب أهل الديوان ما وصلني منها أو الاستظهار بأمر خوند عالم أن يرفع عني ذلك فقال كم وصلك منها فقلت خمسة آلاف دينار فقال هي أنعام عليك فقلت له وداري التي أمرتم لي بها مفتقرة إلى البناء فقال للوزير عمارة كنيد، أي: معناه عمروها ثم قال لي ديكر نماند؟ معناه هل بقي لك كلام. فقلت: لا ثم قال لي وصية ديكر هست معناه أوصيك أن لا تأخذ الدين لئلا تطلب فلا تجد من يبلغ خبرك إلي أنفق على قدر ما أعطيتك. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ
стр. 444
يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ١. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ٢. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ٣. فأردت أن أقبل قدمه فمنعني وأمسك رأسي بيده فقبلتها وانصرفت. وعدت إلى الحضرة فاشتغلت بعمارة داري وأنفقت فيها أربعة آلاف دينار، أعطيت منها من الديوان ستمائة دينار وزدت عليها الباقي وبنيت بإزائها مسجداً، واشتغلت بترتيب مقبرة السلطان قطب الدين وكان قد أمر أن تبني عليه قبة يكون ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بزيادة عشرين ذراعاً على ارتفاع القبة المبنية على قازان ملك العراق وأمر أن تشترى ثلاثون قرية تكون وقفاً عليها وجعلها بيدي على أن يكون لي العشر من فائدتها على العادة.
وعادة أهل الهند أن يرتبوا لأمواتهم ترتيباً كترتيبهم بقيد الحياة ويؤتى بالفيلة والخيل فتربط عند باب التربة وهي مزينة فرتبت أنا في هذه التربة بحسب ذلك ورتبت من قراء القرآن مائة وخمسين وهم يسمونهم الختميين ورتبت من الطلبة ثمانين ومن المعيدين ويسمونهم المكررين ثمانية ورتبت لها مدرسا ورتبت من الصوفية ثمانين ورتبت الإمام والمؤذنين والقراء بالأصوات الحسان والمداحين وكتاب الغيبة والمعرفين وجميع هؤلاء يعرفون عندهم بالأرباب ورتبت صنفاً آخر يعرفون بالحاشية وهم الفراشون والطباخون والدوادرية والأبدارية وهم السقاؤون والشربدارية الذين يسقون الشربة والتنبول دارية الذين يعطون التنبول والسلحدارية والنيزدارية والشطر دارية والطشت دارية والحجاب والنقباء فكان جميعهم أربعمائة وستين. وكان السلطان أمر أن يكون الطعام بها كل يوم اثنى عشر منّاً من الدقيق ومثلها من اللحم فرأيت أن ذلك قليل والزرع الذي أمر به كثير فكنت أنفق كل يوم خمسة وثلاثين منًّا من الدقيق ومثلها من اللحم مع ما يتبع ذلك من السكر والنبات والسمن والتنبول وكنت أطعم المرتبين وغيرهم من صادر ووارد وكان الغلاء شديداً فارتفق الناس بهذا الطعام وشاع خبره وسافر الملك صبيح إلى السلطان بدولة آباد فسأله عن
стр. 445
حال الناس فقال له لو كان بدهلي اثنان مثل فلان لما شكا الجهد أحد فأعجب ذلك السلطان وبعث إلي بخلعة من ثيابه وكنت أصنع في المواسم وهي العيدان والمولد الكريم ويوم عاشوراء وليلة النصف من شعبان ويوم وفاة السلطان قطب الدين مائة من الدقيق ومثلها لحماً فيأكل منها الفقراء والمساكين، وأما أهل الوظيفة فيجعل أمام كل إنسان منهم ما يخصه ولنذكر عادتهم في ذلك.
وعادتهم ببلاد الهند وببلاد السرا أنه إذا فرغ من أكل الطعام في الوليمة جعل أمام كل إنسان من الشرفاء والفقهاء والمشايخ والقضاة وعاء شبه المهد له أربع قوائم منسوج سطحه من الخوص وجعل عليه الرقاق ورأس غنم مشوي وأربعة أقراص معجونة بالسمن مملوءة بالحلواء الصابونية مغطاة بأربع قطع من الحلواء كأنها الآجر وطبقا صغيراً مصنوعاً من الجلد فيه الحلواء والسموسك ويغطي ذلك الوعاء بثوب قطن جديد ومن كان دون من ذكرناه جعل أمامه نصف رأس غنم ويسمونه الزلة ومقدار النصف مما ذكرناه ومن كان دون هؤلاء أيضا جعل أمامه مثل الربع من ذلك ويرفع رجال كل أحد ما جعل أمامه وأول ما رأيتهم يصنعون هذا بمدينة السرا حضرة السلطان أوزبك فامتنعت أن يرفع رجالي ذلك إذ لم يكن لي به عهد وكذلك يبعثون أيضا لدار كبراء الناس من طعام الولائم.
وكان الوزير قد أعطاني من الغلة المأمور بها للزاوية عشرة آلاف منّ ونفذ لي الباقي في هزار أمروها. وكان والي الخراج بها عزيز الخمار وأميرها شمس الدين البذخشاني. فبعثت رجالي فأخذوا بعض الإحالة وتشكوا من تعسف عزيز الخمار فخرجت بنفسي لاستخلاص ذلك وبين دهلي وهذه العمالة ثلاثة أيام وكان ذلك في أوان نزول المطر فخرجت في نحو ثلاثين من أصحابي واستصحبت معي أخوين من المغنيين المحسنين يغنيان لي في الطريق، فوصلنا إلى بلدة بِجْنَوَر، وضبط اسمها "بكسر الباء الموحدة وسكون الجيم وفتح النون وآخره راء" فوجدت بها أيضاً ثلاثة إخوة من المغنين فاستصحبتهم فكانوا يغنون لي نوبة والآخران نوبة.
ثم وصلنا إلى أمروها وهي بلدة صغيرة حسنة فخرج عمالها للقائي وجاء قاضيها الشريف أمير علي وشيخ زاويتها وأضافاني معا ضيافة حسنة وكان عزيز الخمار بموضع يقال له: أفغان بور على نهر السرو. وبيننا وبينه
стр. 446
النهر ولا معدية فيه. فأخذنا الأثقال في معدية صنعناها من الخشب والنبات وجزنا في اليوم الثاني وجاء نجيب أخو عزيز في جماعة من أصحابه وضرب لنا سراجه ثم جاء أخوه إلى الوالي وكان معروفاً بالظلم وكانت القرى التي في عمالته ألفا وخمسمائة قرية ومجباها ستون لكاً في السنة له فيها نصف العشر. ومن عجائب النهر الذي نزلنا عليه أنه لا يشرب منه أحد في أيام نزول المطر ولا تسقى منه دابة ولقد أقمنا عليه ثلاثاً فما غرف منه أحد غرفة ولا كدنا نقرب منه لأنه ينزل من جبل قراجيل التي بها معادن الذهب ويمر على الحشائش المسمومة فمن شرب منه مات وهذا الجبل متصل مسيرة ثلاثة أشهر وينزل منه إلى بلاد تبت حيث غزلان المسك. وقد ذكرنا ما اتفق على جيش المسلمين بهذا الجبل وبهذا الموضع جاء إلي جماعة من الفقراء الحيدرية وعملوا السماع وأوقدوا النيران فدخلوها ولم تضرهم وقد ذكرنا ذلك. وكانت قد نشأت بين أمير هذه البلاد شمس الدين البذخشاني وبين واليها عزيز الخمار منازعة وجاء شمس الدين لقتاله فامتنع منه بداره وبلغت شكاية أحدهما الوزير بدهلي فبعث إلى الوزير وإلى الملك شاه أمير المماليك بأمروها وهم أربعة آلاف مملوك للسلطان وإلى شهاب الدين الرومي أن ننظر في قضيتهما فمن كان على الباطل بعثاه مثقفاً إلى الحضرة فاجتمعوا جميعاً بمنزلي وادعى عزيز على شمس الدين دعاوي منها: أن خديما له يعرف بالرضى الملتاني نزل بدار خازن عزيز المذكور فشرب بها الخمر وسرق خمسة آلاف دينار من المال الذي عند الخازن. فاستفهمت الرضى عن ذلك. فقال لي ما شربت الخمر منذ خروجي من ملتان وذلك ثمانية أعوام. فقلت له: أو شربتها بملتان؟ قال نعم. فأمرت بجلده ثمانين وسجنته، بسبب الدعوى للوث ظهر عليه، وانصرفت عن أمروها. فكانت غيبتي نحو شهرين وكنت في كل يوم أذبح لأصحابي بقرة وتركت أصحابي ليأتوا بالزرع المنفذ على عزيز وحمله عليه فوزع على أهل القرى التي لنظره ثلاثين ألف من يحملونها على ثلاثة آلاف بقرة وأهل الهند لا يحملون إلا على البقر وعليه يرفعون أثقالهم في الأسفار وركوب الحمير عندهم عيب كبير وحميرهم صغار الأجرام،
стр. 447
ويسمونها اللاشة وإذا أرادوا إشهار أحد بعد ضربه أركبوه الحمار.
وكان السيد ناصر الدين الأوهري قد ترك عندي لما سافر ألفاً وستين تنكة فتصرفت فيها فلما عدت إلى دهلي وجدته قد أحال في ذلك المال خذواندزاده قوام الدين وكان قدم نائباً على الوزير فاستقبحت أن أقول له تصرفت في المال فأعطيته نحو ثلثه وأقمت بداري أياما وشاع في أني مرضت فأتى ناصر الدين الخوارزمي صدر الجهان لزيارتي فلما رآني قال ما أرى بك مرض. فقلت له: إني مريض القلب. فقال لي عرفني بذلك فقلت له ابعث إلي نائبك شيخ الإسلام أعرفه به فبعثه إلي فأعلمته فعاد إليه فأعلمه فبعث إلي بألف دينار دراهم. وكان له عندي قبل ذلك ألفا ثانية ثم طلب مني بقية المال فقلت في نفسي ما يخلصني منه إلا صدر الجهان المذكور لأنه كثير المال فبعثت إليه بفرس مسرج قيمته وقيمة سرجه ألف وستمائة دينار وبفرس ثان قيمته وقيمة سرجه ثمانمائة دينار وببغلتين قيمتهما ألف ومائتا دينار وبتركش فضة وبسيفين غمداهما مغشيان بالفضة وقلت له انظر قيمة الجميع وابعث إلي ذلك. فأخذ ذلك وعمل لجميعه قيمة ثلاثة آلاف دينار فبعث إلي ألفاً واقتطع الألفين فتغير خاطري ومرضت بالحمى. وقلت في نفسي إن شكوت به إلى الوزير افتضحت فأخذت خمسة أفراس وجاريتين ومملوكين وبعثت الجميع للملك مغيث الدين محمد بن ملك الملوك عماد الدين السمناني وهو فتى مسن فرد على ذلك وبعث إلي مائتي تنكة وأغزر وخلصت من ذلك المال فشتان بين محمد ومحمد.
وكان السلطان لما توجه إلى بلاد المعبر وصل إلى التلنك ووقع الوباء بعسكره فعاد إلى دولة آباد ثم وصل إلى نهر الكنك فنزل عليه وأمر الناس بالبناء وخرجت في تلك الأيام إلى محلته واتفق ما سردناه من مخالفة عين الملك ولازمت السلطان في تلك الأيام وأعطاني من عتاق الخيل لما قسمها على خواصه وجعلني فيهم وحضرت معه الوقيعة على عين الملك والقبض عليه وجزت معه نهر الكنك ونهر السرو لزيارة قبر الصالح البطل سالا رعود وقد استوفيت ذلك كله وعدت معه إلى حضرة دهلي لما عاد إليها.
وقد هم السلطان بمعاقبتي ولكن الله تداركني بلطفه ونجاني. وكان سبب ذلك أنّي ذهبت يوماً لزيارة الشيخ شهاب الدين ابن الشيخ
стр. 448
الجام، بالغار الذي احتفره خارج دهلي، وكان قصدي رؤية ذلك الغار فلما أخذه السلطان سأل أولاده عمن كان يزوره فذكروا أناساً أنا من جملتهم فأمر السلطان أربعة من عبيده بملازمتي بالمشور. وعادته أنه متى فعل ذلك مع أحد قلما يتخلص. فكان أول يوم من ملازمتهم لي يوم الجمعة فألهمني الله تعالى إلى تلاوة قوله ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١. فقرأتها ذلك اليوم ثلاثة وثلاثين ألف مرة وبت بالمشور وواصلت إلى خسمة أيام في كل يومٍ منها أختم القرآن وأفطر على الماء خاصة ثم أفطرت بعد خمس وواصلت أربعاً وتخلصت بعد قتل الشيخ، والحمد لله تعالى.
ولما كان بعد مدة انقبضت عن الخدمة ولازمت الشيخ الإمام العالم العابد الزاهد الخاشع الورع فريد الدهر ووحيد العصر كمال الدين عبد الله الغاري وكان من الأولياء وله كرامات كثيرة قد ذكرت منها ما شاهدته عند ذكر اسمه وانقطعت إلى خدمة هذا الشيخ ووهبت ما عندي للفقراء والمساكين وكان الشيخ يواصل عشرة أيام وربما واصل عشرين فكنت أحب أن أواصل فكان ينهاني ويأمرني بالرفق على نفسي في العبادة ويقول لي أن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى وظهر لي من نفسي تكاسل بسبب شيء بقي معي فخرجت عن جميع ما عندي من قليل وكثير وأعطيت ثياب ظهري لفقير ولبست ثيابه ولزمت هذا الشيخ خمسة أشهر والسلطان إذ ذاك غائب ببلاد السند.
ولما بلغ السلطان خبر خروجي عن الدنيا استدعاني وهو يومئذ بسيوستان، فدخلت عليه في زي الفقراء فكلمني أحسن كلام وألطفه وأراد مني الرجوع إلى الخدمة فأبيت وطلبت منه الإذن في السفر إلى الحجاز فأذن لي فيه وانصرفت عنه ونزلت بزاوية تعرف بالنسبة إلى الملك بشير وذلك في أواخر جمادى الثانية سنة ثنتين وأربعين فاعتكفت بها شهر رجب وعشرة من شعبان وانتهيت إلى مواصلة خمسة أيام وأفطرت بعدها على قليل أرز دون إدام. وكنت أقرأ القرآن كل يوم وأتهجد بما شاء الله وكنت إذا أكلت الطعام آذاني فإذا طرحته وجدت الراحة وأقمت كذلك أربعين يوماً ثم بعث عني ثانية
стр. 449
ولما كملت لي أربعون يوماً بعث إلي السلطان خيلاً مسرجة وجواري وغلماناً وثياباً ونفقة، فلبست ثيابه وقصدته. وكانت لي جبة قطن زرقاء مبطنة لبستها أيام اعتكافي فلما جردتها ولبست ثياب السلطان أنكرت نفسي وكنت متى نظرت إلى تلك الجبة أجد نوراً في باطني ولم تزل عندي إلى أن سلبني الكفار في البحر. ولما وصلت إلى السلطان زاد في إكرامي على ما كنت أعهده. وقال لي إنما بعثت إليك لتتوجه عني رسولا إلى ملك الصين فإني أعلم حبك في الأسفار والجولان فجهزني بما أحتاج له وعين للسفر معي من يذكر بعد.
وكان ملك الصين قد بعث إلى السلطان مائة مملوك وجارية وخمسمائة ثوب من الكمخا منها مائة من التي تصنع بمدينة الزيتون ومائة من التي تصنع بمدينة الخنسا وخمسة أمنان من المسك وخمسة أثواب مرصعة بالجوهر وخمسة من التراكش مزركشة ومثلها سيوف. وطلب من السلطان أن يأذن له في بناء بيت الأصنام بناحية جبل قراجيل المتقدم ذكره. ويعرف الموضع الذي هو به بِسَمْهَل "بفتتح السين المهمل وسكون الميم وفتح الهاء" وإليه يحج أهل الصين وتغلب عليه جيش الإسلام بالهند فخربوه وسلبوه. ولما وصلت هذه الهدية إلى السلطان كتب إليه أن هذا المطلب لا يجوز في ملة الإسلام إسعافه ولا يباح بناء كنيسة بأرض المسلمين إلا لمن يعطي الجزية فإن رضيت بإعطائها أبحنا لك بناءه والسلام على من اتبع الهدى. وكافأه عن هديته بخير منها وذلك مائة فرس من الجياد مسرجة ملجمة ومائة مملوك ومائة جارية من كفار الهند مغنيات ورواقص ومائة ثوب بيرمية وهي من القطن ولا نظير لها في الحسن قيمة الثوب منها مائة دينار ومائة شقة من ثياب الحرير المعروفة بالجز وهي التي يكون حرير إحداها مصبوغا بخمسة ألوان وأربعة ومائة ثوب من الثياب المعروفة بالصلاحية ومائة ثوب من الشيرين باف ومائة ثوب من الشان باف وخمسمائة ثوب من المرعز مائة منها سود ومائة بيض ومائة حمر ومائة خضر ومائة زرق ومائة شقة من الكتان الرومي ومائة فضلة من الملف وسراجة وست من القباب وأربع حسك من ذهب وست حسك من فضة منيلة وأربع طسوت من الذهب ذات أباريق كمثلها وست طسوت من الفضة وعشر خلع من ثياب السلطان مزركشة وعشر شواش من لباسه إحداهما مرصعة بالجوهر وعشرة تراكش مزركشة وأحدها مرصع بالجواهر وعشرة
стр. 450
من السيوف أحدها مرصع الغمد بالجوهر ودشت بان "دستبان" وهو قفاز مرصع بالجوهر وخمسة عشر من الفتيان. وعين السلطان للسفر معي بهذه الهدية الأمير ظهير الدين الزنجاني وهو من فضلاء أهل العلم والفتى كافور الشربدار وإليه سلمت الهدية وبعث معنا الأمير محمد الهروي في ألف فارس ليوصلنا إلى الموضع الذي نركب منه البحر وتوجه صحبتنا أرسال ملك الصين وهم خمسة عشر رجلاً يسمى كبيرهم ترسي وخدامهم نحو مائة رجل وانفصلنا في جمع كبير ومحلة عظيمة وأمر لنا السلطان بالضيافة مدة سفرنا ببلاده.
وكان سفرنا في السابع عشر لشهر صفر سنة ثلاث وأربعين، وهو اليوم الذي اختاروه للسفر لأنهم يختارون للسفر من أيام الشهر ثانيه أو سابعة أو الثاني عشر أو السابع عشر أو الثاني والعشرين أو السابع والعشرين فكان نزولنا في أول مرحلة بمنزل تلبت على مسافة فرسخين وثلث من حضرة دهلي.
ورحلنا منه إلى منزل هيلوور١، ورحلنا منه إلى مدينة بَيَانة "وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة وفتح الياء آخر الحروف مع تخفيفها وفتح النون" وهي مدينة كبيرة حسنة البناء مليحة الأسواق ومسجدها الجامع من أبدع المساجد وحيطانه وسقفه حجارة. والأمير بها مظفر بن الداية وأمه هي داية السلطان وكان بها قبله الملك مجير بن أبي الرجاء أحد كبراء الملوك وقد تقدم ذكره وهو ينتسب في قريش وفيه تجبر وله ظلم كثير قتل من أهل هذه المدينة جملة ومثّل بكثير منهم.
ولقد رأيت من أهلها رجلاً حسن الهيئة قاعداً في أسطوان منزله وهو مقطوع اليدين والرجلين. وقدم السلطان مرة على هذه المدينة فتشكى الناس من الملك مجير المذكور فأمر السلطان بالقبض عليه وجعلت في عنقه الجامعة وكان يقعد بالديوان بين يدي الوزير وأهل البلد يكتبون عليه المظالم فأمر السلطان بإرضائهم فأرضاهم بالأموال ثم قتله بعد ذلك. ومن كبار أهل هذه المدينة الإمام العالم عز الدين الزبيري من ذرية الزبير بن العوام ﵁
стр. 451
أحد كبار الفقهاء الصلحاء لقيته بكاليور عند الملك عز الدين البنتاني المعروف بأعظم ملك. ثم رحلنا من بيانة فوصلنا إلى مدينة كُول "وضبط اسمها بضم الكاف" مدينة حسنة ذات بساتين وأكثر أشجارها العنبا. ونزلنا بخارجها في بسيط أفيح ولقينا بها الشيخ الصالح العابد شمس الدين المعروف بابن تاج العارفين وهو مكفوف البصر معمر وبعد ذلك سجنه السلطان ومات في سجنه. وقد ذكرنا حديثه.
ولما بلغنا إلى مدينة كول، بلغنا أن بعض كفار الهنود حاصروا بلدة الجلالي وأحاطوا بها وهي على مسافة سبعة أميال من كول، فقصدنا الجلالي والكفار يقاتلون أهلها وقد أشرفوا على التلف ولم يعلم الكفار بنا حتى صدقنا الحملة عليهم وهم في نحو ألف فارس وثلاثة آلاف راجل فقتلناهم عن آخرهم واحتوينا على خيلهم وأسلحتهم واستشهد من أصحابنا ثلاثة وعشرون فارساً وخمسة وخمسون راجلاً، واستشهد الفتى كافور الساقي الذي كانت الهدية مسلمة بيده فكتبنا إلى السلطان بخبره وأقمنا في انتظار الجواب وكان الكفار في أثناء ذلك ينزلون من جبل هنالك منيع فيغيرون على نواحي بلدة الجلالي وكان أصحابنا يركبون كل يوم مع أمير تلك الناحية ليعينوه على مدافعتهم.
وفي أحد الأيام ركبت في جماعة من أصحابي ودخلنا بستاناً نقيل فيه وذلك فصل القيظ فسمعنا الصياح فركبنا ولحقنا كفاراً أغاروا على قرية من قرى الجلالي فاتبعناهم فتفرقوا وتفرّق أصحابنا في طلبهم وانفردت في خمسة من أصحابنا فخرج علينا جملة من الفرسان والرجال من غيضة هنالك ففررنا منهم لكثرتهم واتبعني نحو عشرة منهم ثم انقطعوا عني إلا ثلاثة منهم ولا طريق بين يدي وتلك الأرض كثيرة الحجارة فنشبت يدا فرسي بين الحجارة فنزلت عنه واقتلعت يده وعدت إلى ركوبه. والعادة بالهند أن يكون مع الإنسان سيفان أحدهما معلق بالسرج ويسمى الركابي والآخر في التركش فسقط سيفي الركابي من غمده وكانت حليته ذهبا فنزلت فأخذته وتقلدته وركبت وهم في أثري ثم وصلت إلى خندق عظيم فنزلت ودخلت في جوفه فكان آخر عهدي بهم.
ثم خرجت إلى واد في وسط شجراء ملتفة في وسطها طريق فمشيت عليه ولا أعرف منتهاها فبينما أنا في ذلك خرج علي نحو أربعين رجلاً
стр. 452
من الكفار بأيديهم القسي فأحدقوا بي وخفت أن يرموني رمية رجل إن فررت منهم وكنت غير متدرع فألقيت بنفسي إلى الأرض واستأسرت. وهم لا يقتلون من فعل ذلك فأخذوني وسلبوني جميع ما علي غير جبة وقميص وسروال ودخلوا بي إلى تلك الغابة فانتهوا بي إلى موضع جلوسهم منها على حوض ماء بين تلك الأشجار وأتوني بخبز ماش وهو الجلبان فأكلت منه وشربت من الماء وكان معهم مسلمان كلماني بالفارسية وسألاني عن شأني فأخبرتهما ببعضه وكتمتهما أني من جهة السلطان. فقالا لي: لا بد أن يقتلك هؤلاء أو غيرهم ولكن هذا مقدمهم وأشارا إلى رجل منهم فكلمته بترجمة المسلمين وتلطفت له فوكل بي ثلاثة منهم أحدهم شيخ ومعه ابنه والآخر أسود خبيث وكلمني أولئك الثلاثة ففهمت منهم أنهم أمروا بقتلي فاحتملوني عشي النهار إلى كهف وسلط الله على الأسود منهم حمى مرعدة فوضع رجليه علي ونام الشيخ وابنه فلما أصبح تكلموا فيما بينهم وأشاروا إلي بالنزول معهم إلى الحوض وفهمت أنهم يريدون قتلي فكلمت الشيخ وتلطفت إليه فرقّ لي وقطعت كمي قميصي وأعطيته إياهما لكي لا يأخذه أصحابه في إن فررت.
ولما كان عند الظهر سمعنا كلاماً عند الحوض فظنوا أنهم أصحابهم فأشاروا إلي بالنزول معهم فنزلنا ووجدنا قوماً آخرين فأشاروا عليهم أن يذهبوا في صحبتهم فأبوا وجلس ثلاثتهم أمامي وأنا مواجه لهم ووضعوا حبل قنب كان معهم بالأرض وأنا أنظر إليهم وأقول في نفسي بهذا الحبل يربطونني عند القتل وأقمت كذلك ساعة ثم جاء ثلاثة من أصحابهم الذين أخذوني فتكلموا معهم وفهمت أنهم قالوا لهم لأي شيء ما قتلتموه؟ فأشار الشيخ إلى الأسود كأنه اعتذر بمرضه وكان أحد هؤلاء الثلاثة شاباً حسن الوجه فقال لي: أتريد أن أسرحك؟ فقلت: نعم. فقال: اذهب. فأخذت الجبة التي كانت عليّ فأعطيته إياها وأعطاني منيرة بالية عنده وأراني الطريق فذهبت وخفت أن يبدو لهم فيدركونني فدخلت غيضة قصب واختفيت فيها إلى أن غابت الشمس.
ثم خرجت وسلكت الطريق التي أرانيها الشاب فأفضت بي إلى ماء فشربت منه وسرت إلى ثلث الليل فوصلت إلى جبل فنمت تحته فلما أصبحت سلكت الطريق فوصلت ضحى إلى جبل من الصخر عال فيه شجر أم
стр. 453
غيلان والسدر، فكنت أجني النبق فآكله حتى أثر الشوك في ذراعي آثاراً هي باقية به حتى الآن.
ثم نزلت من ذلك الجبل إلى أرض مزدرعة قطناً وبها أشجار الخروع، وهنالك باين والباين عندهم بئر متسعة جدّاً مطوية بالحجارة لها درج ينزل عليها إلى ورد الماء وبعضها يكون في وسطه وجوانبه القباب من الحجر والسقائف والمجالس ويتفاخر ملوك البلاد وأمراؤها بعمارتها في الطرقات التي لا ماء بها وسنذكر بعض ما رأينا منها فيما بعد. ولما وصلت إلى الباين شربت منه ووجدت عليه شيئاً من عساليج الخردل قد سقطت لمن غسلها فأكلت منها وادخرت باقيها ونمت تحت شجرة خروع. فبينما أنا كذلك إذ ورد الباين نحو أربعين فارساً مدّرعين فدخل بعضهم إلى المزرعة ثم ذهبوا وطمس الله أبصارهم دوني. ثم جاء بعدهم نحو خمسين في السلاح ونزلوا الباين وأتى أحدهم إلى شجرة إزاء الشجرة التي كنت تحتها فلم يشعر بي. ودخلت إذ ذاك في مزرعة القطن وأقمت بها بقية نهاري وأقاموا على الباين يغسلون ثيابهم ويلعبون فلما كان الليل هدأت أصواتهم. فعلمت أنهم قد مروا أو ناموا، فخرجت حينئذ واتبعت أثر الخيل والليل مقمر وسرت حتى انتهيت إلى باين آخر عليه قبة فنزلت إليه وشربت من مائه وأكلت من عساليج الخردل التي كانت عندي ودخلت القبة فوجدتها مملوءة بالعشب مما يجمعه الطير فنمت بها. وكنت أحس حركة حيوان في ذلك العشب أظنه حية فلا أبالي بها لما بي من الجهد. فلما أصبحت سلكت طريقاً واسعة تفضي إلى قرية خربة وسلكت سواها فكانت كمثلها وأقمت كذلك أياماً وفي بعضها وصلت إلى أشجار ملتفة بينها حوض ماء وداخلها شبه بيت وعلى جوانب الحوض نبات الأرض كالنجيل وغيره. فأردت أن أقعد هنالك حتى يبعث الله من يوصلني إلى العمارة ثم إني وجدت يسير قوة فنهضت على طريق وجدت بها أثر البقر ووجدت ثوراً عليه بردعة ومنجل فإذا تلك الطريق تفضي إلى قرى الكفار. فاتبعت طريقاً أخرى فأفضت بي إلى قرية خربة ورأيت بها أسودين عريانين فخفتهما وأقمت تحت أشجار هنالك فلما كان الليل دخلت القرية ووجدت داراً في بيت من بيوتها شبه خابية كبيرة يصنعونها لاختزان الزرع وفي أسفلها نقب يسع منه الرجل فدخلتها ووجدت داخلها مفروشاً بالتبن وفيه حجر جعلت رأسي
стр. 454
عليه ونمت وكان فوقها طائر يرفرف بجناحيه أكثر الليل وأظنه كان يخاف فاجتمعنا خائفين. وأقمت على تلك الحال سبعة أيام من يوم أسرت وهو يوم السبت وفي السابع منها وصلت إلى قرية للكفار عامرة وفيها حوض ماء ومنابت خضر فسألتهم الطعام فأبوا أن يعطوني فوجدت حول بئرها أوراق فجل فأكلته. وجئت القرية فوجدت جماعة كفار لهم طليعة فدعاني طليعتهم فلم أجبه وقعدت إلى الأرض فأتى أحدهم بسيف مسلول ورفعه ليضربني به فلم ألتفت إليه لعظيم ما بي من الجهد ففتشني فلم يجد عندي شيئاً فأخذ القميص الذي كنت أعطيت كميه للشيخ الموكل بي.
ولما كان اليوم الثامن اشتد بي العطش وعدمت الماء ووصلت إلى قرية خراب، فلم أجد بها حوضاً. وعادتهم بتلك القرى أن يصنعوا أحواضاً يجتمع بها ماء المطر فيشربون منه جميع السنة فاتبعت طريقاً فأفضت بي إلى بئر غير مطوية عليها حبل مصنوع من نبات الأرض وليس فيه آنية يستقى بها فربطت خرقة كانت على رأسي في الحبل وامتصصت ما تعلق بها في الماء فلم يروني فربطت خفي واستقيت به فلم يروني فاستقيت به ثانياً فانقطع الحبل ووقع الخف في البئر فربطت الخف الآخر وشربت حتى رويت ثم قطعته فربطت أعلاه على رجلي بحبل البئر وبخرق وجدتها هنالك. فبينا أنا أربطها وأفكر في حالي إذ لاح لي شخص فنظرت إليه فإذا رجل أسود اللون بيده إبريق وعكاز وعلى كاهله جراب، فقال لي: سلام عليكم. فقلت له: عليكم السلام ورحمة الله وبركاته: فقال لي بالفارسية: جيكس "جه كسيى" معناه من أنت؟ فقلت له: أنا تائه. فقال لي: وأنا كذلك. ثم ربط إبريقه بحبل كان معه واستقى ماء فأردت أن أشرب فقال لي اصبر ثم فتح جرابة فأخرج منه غرفة حمص أسود مقلو مع قليل أرز فأكلت منه وشربت. وتوضأ وصلى ركعتين. وسألني عن اسمي فقلت له: محمد. وسألته عن اسمه، فقال لي: القلب الفارح. فتفاءلت بذلك وسررت به. ثم قال لي بسم الله ترافقني؟ فقلت: نعم. فمشيت معه قليلاً ثم وجدت فتوراً في أعضائي ولم أستطع النهوض فقعدت. فقال: ما شأنك؟ فقلت له: كنت قادراً على المشي قبل أن ألقاك فلما لقيتك عجزت. فقال: سبحان الله اركب فوق عنقي. فقلت له: إنك ضعيف ولا تستطع ذلك. فقال: يقويني الله لا بد لك
стр. 455
فركبت على عنقه. وقال لي أكثر من قراءة: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأكثرت من ذلك.
وغلبتني عيني فلم أفق إلا لسقوطي على الأرض فاستيقظت ولم أر للرجل أثراً وإذا أنا في قرية عامرة فدخلتها فوجدتها لرعية الهنود وحاكمها من المسلمين، فأعلموه بي فجاء إلي. فقلت له: ما اسم هذه القرية؟ فقال لي: تاج بوره وبينها وبين مدينة كُول حيث أصحابنا فرسخان. وحملني ذلك الحاكم إلى بيته فأطعمني طعاماً سخناً واغتسلت. وقال لي: عندي ثوب وعمامة أودعهما عندي رجل عربي مصري من أهل المحلة التي بِكُول فقلت له: هاتهما ألبسهما إلى أن أصل إلى المحلة. فأتي بهما فوجدتهما من ثيابي كنت قد وهبتهما لذلك العربي لما قدمنا كُول فطال تعجبي من ذلك.
وفكّرت في الرجل الذي حملني على عنقه، فتذكرت ما أخبرني به ولي الله تعالى أبو عبد الله المرشدي حسبما ذكرناه في السفر الأول إذ قال لي ستدخل أرض الهند وتلقي بها أخي دلشاد ويخلصك من شدة تقع فيها وتذكرت قوله لما سألته عن اسمه فقال القلب الفارح وتفسيره بالفارسية دلشاد فعلمت أنه هو الذي أخبرني بلقائه وأنه من الأولياء ولم يحصل لي من صحبته إلا المقدار الذي ذكرت. وكتبت تلك الليلة إلى أصحابي بِكُول معلماً لهم بسلامتي فجاؤا إلي بفرس وثياب واستبشروا بي ووجدت جواب السلطان قد وصلهم وبعث بفتى يسمى بسنبل الجامدار عوضا من كافور المستشهد وأمرنا أن نتمادى على سفرنا ووجدتهم أيضا قد كتبوا للسلطان بما كان من أمري وتشاءموا بهذه السفرة لما جرى فيها علي وعلى كافور وهم يريدون أن يرجعوا فلما رأيت تأكيد السلطان في السفر أكدت عليهم وقوي عزمي، فقالوا: ألا ترى ما اتفق في بداية هذه السفرة والسلطان يعذرك فلنرجع إليه أو نقيم حتى يصل جوابه. فقلت لهم: لا يمكن المقام وحيث ما كنا أدركنا الجواب من كُول إلى دولة آباد. فرحلنا من كُول ونزلنا برج بوره، وبه زاوية حسنة فيها شيخ حسن الصورة والسيرة يسمى بمحمد العريان لأنه لا يلبس عليه إلا ثوباً من سرته إلى أسفل وباقي جسده مكشوف. وهو تلميذ الصالح الولي محمد العريان القاطن بقرافة مصر نفع الله به، وكان من أولياء الله تعالى قائماً على قدم التجرد يلبس تنورة وهو ثوب يستر من سرته إلى أسفل ويذكر أنه كان إذا صلى العشاء الآخرة أخرج كل ما بقي بالزاوية من طعام وأدام وماء وفرق ذلك على المسلمين ورمى بفتيلة السراج وأصبح على غير
стр. 456
معلوم. وكانت عادته أن يطعم أصحابه عند الصباح خبزاً وفولاً فكان الخبازون والفوالون يستبقون إلى زاويته فيأخذ منهم مقدار ما يكفي الفقراء ويقول لمن أخذ منه ذلك: اقعد حتى يأخذ أول ما يفتح به عليه في ذلك اليوم قليلاً أو كثيراً. ومن حكاياته أنه لما وصل قازان ملك التتر إلى الشام بعساكره وملك دمشق ما عدا قلعتها وخرج الملك الناصر إلى مدافعته ووقع اللقاء على مسيرة يومين من دمشق بموضع يقال له قشحب والملك الناصر إذ ذاك حديث السن لم يعهد الوقائع وكان الشيخ العريان في صحبته فنزل وأخذ قيداً فقيد به فرس الملك الناصر لئلا يتزحزح عند اللقاء لحداثة سنه فيكون ذلك سبب هزيمة المسلمين فثبت الملك الناصر وهزم التتر هزيمة شنعاء قتل منهم فيها كثير وغرق كثير بما أرسل عليهم من المياه ولم يعد التتر إلى قصد بلاد الإسلام بعدها. وأخبرني الشيخ محمد العريان المذكور تلميذ هذا الشيخ أنه حضر هذه الوقيعة وهو حديث السن. ورحلنا من برج بوره ونزلنا على الماء المعروف بآب سياه، ثم رحلنا إلى مدينة قِنَوْج "وضبط اسمها بكسر القاف وفتح النون وواو ساكن وجيم" مدينة كبيرة حسنة العمارة حصينة رخيصة الأسعار كثيرة السكر ومنها يحمل إلى دهلي وعليها سور عظيم وقد تقدم ذكرها. وكان بها الشيخ معين الدين الباخرزي أضافنا بها، وأميرها فيروز البدخشاني من ذرية بهرام جور صاحب كسرى ويسكن بها جماعة من الصلحاء الفضلاء المعروفين بمكارم الأخلاق يعرفون بأولاد شرف جهان، وكان جدهم قاضي القضاة بدولة آباد، وهو من المحسنين المتصدقين، وانتهت الرئاسة ببلاد الهند إليه.
وقد عزل مرة عن القضاء وكان له أعداء فادعى أحدهم عند القاضي الذي ولي بعده أن له عشرة آلاف دينار قبله، ولم تكن له بينة وكان قصده أن يحلفه، فبعث القاضي له، فقال لرسوله: بم ادعى علي؟ فقال: بعشرة آلاف دينار. فبعث إلى مجلس القاضي عشرة آلاف وسلمت للمدعي. وبلغ خبره السلطان علاء الدين وصحّ عنده بطلان تلك الدعوى فأعاده إلى القضاء وأعطاه عشرة آلاف. وأقمنا بهذه المدينة ثلاثاً ووصلنا فيها جواب السلطان في شأني بأنه إن لم يظهر لفلان أثر فيتوجه وجيه الملك قاضي دولة آباد عوضاً منه. ثم رحلنا من هذه المدينة فنزلنا بمنزل هنول، ثم بمنزل وزير بور، ثم بمنزل البجالصة، ثم وصلنا إلى مدينة مَوْري
стр. 457
"وضبط اسمها فتح الميم وواو وراء" وهي صغيرة، ولها أسواق حسنة. ولقيت بها الشيخ الصالح المعمر قطب الدين المسمى بحيدر الفرغاني، وكان بحال مرض فدعا لي وزودني رغيف شعير. وأخبرني أن عمره ينيف على مائة وخمسين. وذكر لي أصحابه أنه يصوم الدهر ويواصل كثيراً ويكثر الاعتكاف وربما أقام في خلوته أربعين يوماً يقتات فيها بأربعين تمرة في كل يوم واحدة. وقد رأيت بدهلي الشيخ المسمى برجب البرقعي دخل الخلوة بأربعين تمرة فأقام بها أربعين يوماً ثم خرج وفضل معه منها ثلاث عشرة تمرة. ثم رحلنا ووصلنا إلى مدينة مَرْه وضبط اسمها "بفتح وسكون الراء وهاء"، وهي مدينة كبيرة أكثر سكانها كفار تحت الذمة وهي حصينة وبها القمح الطيب الذي ليس له مثل بسواها ومنها يحمل إلى دهلي وحبوبه طوال شديدة الصفرة ضخمة ولم أر قمحاً مثله إلا بأرض الصين وتنسب هذه المدينة إلى المالوة وهي قبيلة من قبائل الهنود ضخام الأجسام عظام الخلق حسان الصور لنسائهم الجمال الفائق وهن مشهورات بطيب الخلوة ووفور الحظ من اللذة، وكذلك نساء المرهتة ونساء جزيرة ذيبة المهل. ثم سافرنا إلى مدينة عَلاَبُور "وضبط اسمها فتح العين ولام وألف وباء موحدة مضمومة وواو وراء" مدينة صغيرة أكثر سكانها الكفار تحت الذمة وعلى مسيرة يوم منها سلطان كافر اسمه قَتَم "بفتح القاف والتاء المعلوة" وهو سلطان جَنْبيل "بفتح الجيم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وياء مد ولام" الذي حاصر مدينة كيالير وقتل بعد ذلك.
وكان هذا السلطان الكافر قد حاصر مدينة رابري، وهي على نهر اللجون كثيرة القرى والمزارع وكان أميرها خطاب الأفغاني وهو أحد الشجعان. واستعان السلطان الكافر بسلطان كافر مثله يسمى رَجُو "بفتح الراء وضم الجيم" وبلده يسمى سلطان بور، وحاصر مدينة رابري فبعث خطاباً إلى السلطان يطلب منه الإغاثة فأبطأ عليه المدد وهو على مسيرة أربعين من الحضرة فخاف أن يتغلب الكفار عليه فجمع من قبيلة الأفغان نحو ثلاثمائة ومثلهم من المماليك ونحو أربعمائة من سائر الناس وجعلوا العمائم في أعناق خيلهم وهي عادة أهل الهند إذا أرادوا الموت وباعوا نفوسهم من الله تعالى وتقدم خطاب وقبيلته واتبعهم سائر الناس وفتحوا الباب عند الصبح وحملوا على الكفار حملة واحدة وكانوا نحو خمسة عشر ألفاً فهزموهم بإذن الله وقتلوا سلطانيهم:
стр. 458
قَتَم ورَجُو وبعثوا برأسهما إلى السلطان. ولم ينج من الكفار إلى الشريد.
وكان أمير علابور بدر الحبشي من عبيد السلطان، وهو من الأبطال الذين تضرب بهم الأمثال، وكان لا يزال يغير على الكفار منفرداً بنفسه، فيقتل ويسبي، حتى شاع خبره واشتهر أمره وهابه الكفار.
وكان طويلاً ضخماً يأكل الشاة عن آخرها في أكلة وأخبرت أنه كان يشرب نحو رطل ونصف من السمن بعد غذائه على عادة الحبشة ببلادهم، وكان له ابن يدانيه في الشجاعة. فاتفق أنه أغار مرة في جماعة من عبيده على قرية للكفار فوقع به الفرس في مطمورة، واجتمع عليه أهل القرية فضربه أحدهم بقُتَارة والقُتَارة "بقاف معقود وتاء معلوة" حديدة شبه سكة الحرث، يدخل الرجل يده فيها فتكسو ذراعه ويفضل منها مقدار ذراعين وضربتها لاتبقي، فقتله بتلك الضربة، وقاتل عبيده أشد القتال فتغلبوا على القرية وقتلوا رجالها وسبوا نساءها وما فيها. وأخرجوا الفرس من المطمورة سالماً فأتوا به ولده فكان من الاتفاق الغريب أنه ركب الفرس وتوجه إلى دهلي فخرج عليه الكفار فقاتلهم حتى قتل وعاد الفرس إلى أصحابه فدفعوه إلى أهله فركبه صهر له فقتله الكفار عليه أيضاً. ثم سافرنا إلى مدينة كالِيُور "وضبط اسمها بفتح الكاف المعقود وكسر اللام وضم الياء آخر الحروف وواو وراء" ويقال فيه أيضاً: كيالير، وهي مدينة كبيرة لها حصن منيع منقطع في رأس شاهق على بابه صورة فيل وفيال من الحجارة وقد مر ذكره في اسم السلطان قطب الدين وأمير هذه المدينة أحمد بن سيرخان فاضل كان يكرمني أيام إقامتي عنده قبل هذه السفرة. ودخلت عليه يوماً وهو يريد توسيط رجل من الكفار فقلت له: بالله لا تفعل ذلك فإني ما رأيت أحداً قط يقتل بمحضري فأمر بسجنه وكان ذلك سبب خلاصه. ثم رحلنا من مدينة كاليور إلى مدينة بَرْوَن "وضبط اسمها بفتح الباء المعقودة وسكون الراء وفتح الواو وآخره نون" مدينة صغيرة للمسلمين بين بلاد الكفار، أميرها محمد بن بيرم التركي الأصل. والسباع بها كثيرة، وذكر لي بعض أهلها أن السبع كان يدخل إليها ليلاً وأبوابها مغلقة فيفترس الناس حتى قتل من أهلها كثيراً وكانوا يعجبون في شأن دخوله.
وأخبرني محمد التوفيري من أهلها وكان جاراً لي بها أنه دخل داره ليلاً وافترس صبياً من فوق السرير. وأخبرني غيره أنه كان مع جماعة في دار عرس
стр. 459
فخرج أحدهم لحاجة فافترسه. فخرج أصحابه في طلبه فوجدوه مطرحاً بالسوق وقد شرب دمه ولم يأكل لحمه. وذكروا أنه كذلك فعله بالناس. ومن العجب أن بعض الناس أخبرني أن الذي يفعل ذلك ليس بسبع وإنما هو آدمي من السحرة المعروفين بالجوكية، يتصور في صورة سبع. ولما أخبرت بذلك أنكرته، وأخبرني به جماعة ولنذكر بعضا من أخبار هؤلاء السحرة.
فهؤلاء الطائفة تظهر منهم عجائب. منها: أن أحدهم يقيم الأشهر لا يأكل ولا يشرب وكثير منهم تحفر لهم حفر تحت الأرض وتبنى عليه فلا يترك له إلا موضع يدخل منه الهواء ويقيم به الشهور وسمعت أن بعضهم يقيم كذلك سنة. ورأيت بمدينة منجرور رجلاً من المسلمين ممن يتعلم منهم قد رفعت له طبلة وأقام بأعلاها لا يأكل ولا يشرب مدة خمسة وعشرين يوماً وتركته كذلك فلا أدري كم أقام بعدي. والناس يذكرون أنهم يركبون حبوباً يأكلون الحبة منها لأيام معلومة أو شهر فلا يحتاج في تلك المدة إلى طعام ولا شراب ويخبرون بأمور مغيبة، والسلطان يعظمهم ويجالسهم. ومنهم من يقتصر في أكله على البقل. ومنهم من لا يأكل اللحم وهم الأكثرون والظاهر من حالهم أنهم عودوا أنفسهم الرياضة ولا حاجة لهم في الدنيا وزينتها. ومنهم من ينظر إلى الإنسان فيقع ميتاً من نظرته وتقول العامة أنه إذا قتل بالنظر وشق عن صدر الميت وجد دون قلب ويقولون أكل قلبه وأكثر ما يكون هذا في النساء والمرأة التي تفعل ذلك تسمى كفتار.
ولما وقعت المجاعة العظمى ببلاد الهند بسبب القحط والسلطان ببلاد التلنك نفذ أمره أن يعطى لأهل دهلي ما يقوتهم بحساب رطل ونصف للواحد في اليوم فجمعهم الوزير ووزع المساكين منهم على الأمراء والقضاة ليتولوا إطعامهم فكان عندي منهم خمسمائة نفس فعمرت لهم سقائف في واد١ وأسكنتهم بها وكنت أعطيهم نفقة في خمسة أيام فلما كان في بعض الأيام أتوني بامرأة منهم وقالوا إنها كفتار وقد أكلت قلب صبي كان إلى جانبها وأتوا بالصبي ميتاً فأمرتهم أن يذهبوا إلى نائب السلطان فأمر باختبارها. وذلك بأن ملأوا أربع جرات بالماء وربطوها بيديها ورجليها وطرحوها في نهر
стр. 460
الجون فلم تغرق. فعلم أنها كفتار ولو لم تطف على الماء لم تكن بكفتار. فأمر بإحراقها بالنار. وأتى أهل البلد رجالاً ونساءً فأخذوا رمادها. وزعموا أنه من تبخّر به أمن في تلك السنة من سحر كفتار.
وقد بعث إلي السلطان يوماً وأنا عنده بالحضرة فدخلت عليه وهو في خلوة وعنده بعض خواصه ورجلان من هؤلاء الجوكية وهم يلتحفون بالملاحف ويغطون رؤوسهم لأنهم ينتفونها بالرماد كما ينتف الناس أباطهم فأمرني بالجلوس فجلست. فقال لهما: إن هذا العزيز من بلاد بعيدة فأرياه ما لم يره. فقالا: نعم. فتربع أحدهما ثم ارتفع عن الأرض حتى صار في الهواء فوقنا متربعاً. فعجبت منه وأدركني الوهم فوقعت إلى الأرض فأمر السلطان أن أسقى دواءا عنده فأفقت وقعدت وهو على حاله متربع فأخذ صاحبه نعلاً له من شكارة كانت معه فضرب بها الأرض كالمغتاظ فصعدت إلى أن علت فوق عنق المتربع وجعلت تضرب في عنقه وهو ينزل قليلاً قليلاً حتى جلس معنا. فقال السلطان: إن المتربع هو تلميذ صاحب النعل. ثم قال: لولا أني أخاف على عقلك لأمرتهم أن يأتوا بأعظم مما رأيت فانصرفت عنه وأصابني الخفقان ومرضت حتى أمر لي بشربة اذهبت ذلك عني.
ولنعد لما كنا بسبيله فنقول: سافرنا من مدينة برون إلى منزل أمواري. ثم منزل كجرا، وبه حوض عظيم طوله نحو ميل وعليه الكنائس فيها الأصنام قد مثل بها المسلمون وفي وسطه ثلاث قباب من الحجارة الحمر على ثلاث طباق وعلى أركانه الأبعة أربع قباب ويسكن هنالك جماعة من الجوكية وقد لبدوا شعورهم وطالت حتى صارت في طولهم وغلبت عليهم صفرة الألوان من الرياضة وكثير من المسلمين يتبعونهم ليتعلموا منهم ويذكرون أن من كانت به عاهة من برص أو جذام يأوي إليه مدة طويلة فيبرأ بإذن الله تعالى. وأول ما رأيت هذه الطائفة بمحلة السلطان طرمشيرين ملك تركستان وكانوا نحو خمسين فحفر لهم غار تحت الأرض وكانوا مقيمين به لا يخرجون إلا لقضاء حاجة ولهم شبه القرن١ يضربونه أول النهار وآخره وبعد العتمة وشأنهم كله عجب. ومنهم الرجل الذي صنع للسلطان غياث الدين الدامغاني