معلوم. وكانت عادته أن يطعم أصحابه عند الصباح خبزاً وفولاً فكان الخبازون والفوالون يستبقون إلى زاويته فيأخذ منهم مقدار ما يكفي الفقراء ويقول لمن أخذ منه ذلك: اقعد حتى يأخذ أول ما يفتح به عليه في ذلك اليوم قليلاً أو كثيراً. ومن حكاياته أنه لما وصل قازان ملك التتر إلى الشام بعساكره وملك دمشق ما عدا قلعتها وخرج الملك الناصر إلى مدافعته ووقع اللقاء على مسيرة يومين من دمشق بموضع يقال له قشحب والملك الناصر إذ ذاك حديث السن لم يعهد الوقائع وكان الشيخ العريان في صحبته فنزل وأخذ قيداً فقيد به فرس الملك الناصر لئلا يتزحزح عند اللقاء لحداثة سنه فيكون ذلك سبب هزيمة المسلمين فثبت الملك الناصر وهزم التتر هزيمة شنعاء قتل منهم فيها كثير وغرق كثير بما أرسل عليهم من المياه ولم يعد التتر إلى قصد بلاد الإسلام بعدها. وأخبرني الشيخ محمد العريان المذكور تلميذ هذا الشيخ أنه حضر هذه الوقيعة وهو حديث السن. ورحلنا من برج بوره ونزلنا على الماء المعروف بآب سياه، ثم رحلنا إلى مدينة قِنَوْج "وضبط اسمها بكسر القاف وفتح النون وواو ساكن وجيم" مدينة كبيرة حسنة العمارة حصينة رخيصة الأسعار كثيرة السكر ومنها يحمل إلى دهلي وعليها سور عظيم وقد تقدم ذكرها. وكان بها الشيخ معين الدين الباخرزي أضافنا بها، وأميرها فيروز البدخشاني من ذرية بهرام جور صاحب كسرى ويسكن بها جماعة من الصلحاء الفضلاء المعروفين بمكارم الأخلاق يعرفون بأولاد شرف جهان، وكان جدهم قاضي القضاة بدولة آباد، وهو من المحسنين المتصدقين، وانتهت الرئاسة ببلاد الهند إليه.
وقد عزل مرة عن القضاء وكان له أعداء فادعى أحدهم عند القاضي الذي ولي بعده أن له عشرة آلاف دينار قبله، ولم تكن له بينة وكان قصده أن يحلفه، فبعث القاضي له، فقال لرسوله: بم ادعى علي؟ فقال: بعشرة آلاف دينار. فبعث إلى مجلس القاضي عشرة آلاف وسلمت للمدعي. وبلغ خبره السلطان علاء الدين وصحّ عنده بطلان تلك الدعوى فأعاده إلى القضاء وأعطاه عشرة آلاف. وأقمنا بهذه المدينة ثلاثاً ووصلنا فيها جواب السلطان في شأني بأنه إن لم يظهر لفلان أثر فيتوجه وجيه الملك قاضي دولة آباد عوضاً منه. ثم رحلنا من هذه المدينة فنزلنا بمنزل هنول، ثم بمنزل وزير بور، ثم بمنزل البجالصة، ثم وصلنا إلى مدينة مَوْري
стр. 457
"وضبط اسمها فتح الميم وواو وراء" وهي صغيرة، ولها أسواق حسنة. ولقيت بها الشيخ الصالح المعمر قطب الدين المسمى بحيدر الفرغاني، وكان بحال مرض فدعا لي وزودني رغيف شعير. وأخبرني أن عمره ينيف على مائة وخمسين. وذكر لي أصحابه أنه يصوم الدهر ويواصل كثيراً ويكثر الاعتكاف وربما أقام في خلوته أربعين يوماً يقتات فيها بأربعين تمرة في كل يوم واحدة. وقد رأيت بدهلي الشيخ المسمى برجب البرقعي دخل الخلوة بأربعين تمرة فأقام بها أربعين يوماً ثم خرج وفضل معه منها ثلاث عشرة تمرة. ثم رحلنا ووصلنا إلى مدينة مَرْه وضبط اسمها "بفتح وسكون الراء وهاء"، وهي مدينة كبيرة أكثر سكانها كفار تحت الذمة وهي حصينة وبها القمح الطيب الذي ليس له مثل بسواها ومنها يحمل إلى دهلي وحبوبه طوال شديدة الصفرة ضخمة ولم أر قمحاً مثله إلا بأرض الصين وتنسب هذه المدينة إلى المالوة وهي قبيلة من قبائل الهنود ضخام الأجسام عظام الخلق حسان الصور لنسائهم الجمال الفائق وهن مشهورات بطيب الخلوة ووفور الحظ من اللذة، وكذلك نساء المرهتة ونساء جزيرة ذيبة المهل. ثم سافرنا إلى مدينة عَلاَبُور "وضبط اسمها فتح العين ولام وألف وباء موحدة مضمومة وواو وراء" مدينة صغيرة أكثر سكانها الكفار تحت الذمة وعلى مسيرة يوم منها سلطان كافر اسمه قَتَم "بفتح القاف والتاء المعلوة" وهو سلطان جَنْبيل "بفتح الجيم وسكون النون وكسر الباء الموحدة وياء مد ولام" الذي حاصر مدينة كيالير وقتل بعد ذلك.
وكان هذا السلطان الكافر قد حاصر مدينة رابري، وهي على نهر اللجون كثيرة القرى والمزارع وكان أميرها خطاب الأفغاني وهو أحد الشجعان. واستعان السلطان الكافر بسلطان كافر مثله يسمى رَجُو "بفتح الراء وضم الجيم" وبلده يسمى سلطان بور، وحاصر مدينة رابري فبعث خطاباً إلى السلطان يطلب منه الإغاثة فأبطأ عليه المدد وهو على مسيرة أربعين من الحضرة فخاف أن يتغلب الكفار عليه فجمع من قبيلة الأفغان نحو ثلاثمائة ومثلهم من المماليك ونحو أربعمائة من سائر الناس وجعلوا العمائم في أعناق خيلهم وهي عادة أهل الهند إذا أرادوا الموت وباعوا نفوسهم من الله تعالى وتقدم خطاب وقبيلته واتبعهم سائر الناس وفتحوا الباب عند الصبح وحملوا على الكفار حملة واحدة وكانوا نحو خمسة عشر ألفاً فهزموهم بإذن الله وقتلوا سلطانيهم:
стр. 458
قَتَم ورَجُو وبعثوا برأسهما إلى السلطان. ولم ينج من الكفار إلى الشريد.
وكان أمير علابور بدر الحبشي من عبيد السلطان، وهو من الأبطال الذين تضرب بهم الأمثال، وكان لا يزال يغير على الكفار منفرداً بنفسه، فيقتل ويسبي، حتى شاع خبره واشتهر أمره وهابه الكفار.
وكان طويلاً ضخماً يأكل الشاة عن آخرها في أكلة وأخبرت أنه كان يشرب نحو رطل ونصف من السمن بعد غذائه على عادة الحبشة ببلادهم، وكان له ابن يدانيه في الشجاعة. فاتفق أنه أغار مرة في جماعة من عبيده على قرية للكفار فوقع به الفرس في مطمورة، واجتمع عليه أهل القرية فضربه أحدهم بقُتَارة والقُتَارة "بقاف معقود وتاء معلوة" حديدة شبه سكة الحرث، يدخل الرجل يده فيها فتكسو ذراعه ويفضل منها مقدار ذراعين وضربتها لاتبقي، فقتله بتلك الضربة، وقاتل عبيده أشد القتال فتغلبوا على القرية وقتلوا رجالها وسبوا نساءها وما فيها. وأخرجوا الفرس من المطمورة سالماً فأتوا به ولده فكان من الاتفاق الغريب أنه ركب الفرس وتوجه إلى دهلي فخرج عليه الكفار فقاتلهم حتى قتل وعاد الفرس إلى أصحابه فدفعوه إلى أهله فركبه صهر له فقتله الكفار عليه أيضاً. ثم سافرنا إلى مدينة كالِيُور "وضبط اسمها بفتح الكاف المعقود وكسر اللام وضم الياء آخر الحروف وواو وراء" ويقال فيه أيضاً: كيالير، وهي مدينة كبيرة لها حصن منيع منقطع في رأس شاهق على بابه صورة فيل وفيال من الحجارة وقد مر ذكره في اسم السلطان قطب الدين وأمير هذه المدينة أحمد بن سيرخان فاضل كان يكرمني أيام إقامتي عنده قبل هذه السفرة. ودخلت عليه يوماً وهو يريد توسيط رجل من الكفار فقلت له: بالله لا تفعل ذلك فإني ما رأيت أحداً قط يقتل بمحضري فأمر بسجنه وكان ذلك سبب خلاصه. ثم رحلنا من مدينة كاليور إلى مدينة بَرْوَن "وضبط اسمها بفتح الباء المعقودة وسكون الراء وفتح الواو وآخره نون" مدينة صغيرة للمسلمين بين بلاد الكفار، أميرها محمد بن بيرم التركي الأصل. والسباع بها كثيرة، وذكر لي بعض أهلها أن السبع كان يدخل إليها ليلاً وأبوابها مغلقة فيفترس الناس حتى قتل من أهلها كثيراً وكانوا يعجبون في شأن دخوله.
وأخبرني محمد التوفيري من أهلها وكان جاراً لي بها أنه دخل داره ليلاً وافترس صبياً من فوق السرير. وأخبرني غيره أنه كان مع جماعة في دار عرس
стр. 459
فخرج أحدهم لحاجة فافترسه. فخرج أصحابه في طلبه فوجدوه مطرحاً بالسوق وقد شرب دمه ولم يأكل لحمه. وذكروا أنه كذلك فعله بالناس. ومن العجب أن بعض الناس أخبرني أن الذي يفعل ذلك ليس بسبع وإنما هو آدمي من السحرة المعروفين بالجوكية، يتصور في صورة سبع. ولما أخبرت بذلك أنكرته، وأخبرني به جماعة ولنذكر بعضا من أخبار هؤلاء السحرة.
فهؤلاء الطائفة تظهر منهم عجائب. منها: أن أحدهم يقيم الأشهر لا يأكل ولا يشرب وكثير منهم تحفر لهم حفر تحت الأرض وتبنى عليه فلا يترك له إلا موضع يدخل منه الهواء ويقيم به الشهور وسمعت أن بعضهم يقيم كذلك سنة. ورأيت بمدينة منجرور رجلاً من المسلمين ممن يتعلم منهم قد رفعت له طبلة وأقام بأعلاها لا يأكل ولا يشرب مدة خمسة وعشرين يوماً وتركته كذلك فلا أدري كم أقام بعدي. والناس يذكرون أنهم يركبون حبوباً يأكلون الحبة منها لأيام معلومة أو شهر فلا يحتاج في تلك المدة إلى طعام ولا شراب ويخبرون بأمور مغيبة، والسلطان يعظمهم ويجالسهم. ومنهم من يقتصر في أكله على البقل. ومنهم من لا يأكل اللحم وهم الأكثرون والظاهر من حالهم أنهم عودوا أنفسهم الرياضة ولا حاجة لهم في الدنيا وزينتها. ومنهم من ينظر إلى الإنسان فيقع ميتاً من نظرته وتقول العامة أنه إذا قتل بالنظر وشق عن صدر الميت وجد دون قلب ويقولون أكل قلبه وأكثر ما يكون هذا في النساء والمرأة التي تفعل ذلك تسمى كفتار.
ولما وقعت المجاعة العظمى ببلاد الهند بسبب القحط والسلطان ببلاد التلنك نفذ أمره أن يعطى لأهل دهلي ما يقوتهم بحساب رطل ونصف للواحد في اليوم فجمعهم الوزير ووزع المساكين منهم على الأمراء والقضاة ليتولوا إطعامهم فكان عندي منهم خمسمائة نفس فعمرت لهم سقائف في واد١ وأسكنتهم بها وكنت أعطيهم نفقة في خمسة أيام فلما كان في بعض الأيام أتوني بامرأة منهم وقالوا إنها كفتار وقد أكلت قلب صبي كان إلى جانبها وأتوا بالصبي ميتاً فأمرتهم أن يذهبوا إلى نائب السلطان فأمر باختبارها. وذلك بأن ملأوا أربع جرات بالماء وربطوها بيديها ورجليها وطرحوها في نهر
стр. 460
الجون فلم تغرق. فعلم أنها كفتار ولو لم تطف على الماء لم تكن بكفتار. فأمر بإحراقها بالنار. وأتى أهل البلد رجالاً ونساءً فأخذوا رمادها. وزعموا أنه من تبخّر به أمن في تلك السنة من سحر كفتار.
وقد بعث إلي السلطان يوماً وأنا عنده بالحضرة فدخلت عليه وهو في خلوة وعنده بعض خواصه ورجلان من هؤلاء الجوكية وهم يلتحفون بالملاحف ويغطون رؤوسهم لأنهم ينتفونها بالرماد كما ينتف الناس أباطهم فأمرني بالجلوس فجلست. فقال لهما: إن هذا العزيز من بلاد بعيدة فأرياه ما لم يره. فقالا: نعم. فتربع أحدهما ثم ارتفع عن الأرض حتى صار في الهواء فوقنا متربعاً. فعجبت منه وأدركني الوهم فوقعت إلى الأرض فأمر السلطان أن أسقى دواءا عنده فأفقت وقعدت وهو على حاله متربع فأخذ صاحبه نعلاً له من شكارة كانت معه فضرب بها الأرض كالمغتاظ فصعدت إلى أن علت فوق عنق المتربع وجعلت تضرب في عنقه وهو ينزل قليلاً قليلاً حتى جلس معنا. فقال السلطان: إن المتربع هو تلميذ صاحب النعل. ثم قال: لولا أني أخاف على عقلك لأمرتهم أن يأتوا بأعظم مما رأيت فانصرفت عنه وأصابني الخفقان ومرضت حتى أمر لي بشربة اذهبت ذلك عني.
ولنعد لما كنا بسبيله فنقول: سافرنا من مدينة برون إلى منزل أمواري. ثم منزل كجرا، وبه حوض عظيم طوله نحو ميل وعليه الكنائس فيها الأصنام قد مثل بها المسلمون وفي وسطه ثلاث قباب من الحجارة الحمر على ثلاث طباق وعلى أركانه الأبعة أربع قباب ويسكن هنالك جماعة من الجوكية وقد لبدوا شعورهم وطالت حتى صارت في طولهم وغلبت عليهم صفرة الألوان من الرياضة وكثير من المسلمين يتبعونهم ليتعلموا منهم ويذكرون أن من كانت به عاهة من برص أو جذام يأوي إليه مدة طويلة فيبرأ بإذن الله تعالى. وأول ما رأيت هذه الطائفة بمحلة السلطان طرمشيرين ملك تركستان وكانوا نحو خمسين فحفر لهم غار تحت الأرض وكانوا مقيمين به لا يخرجون إلا لقضاء حاجة ولهم شبه القرن١ يضربونه أول النهار وآخره وبعد العتمة وشأنهم كله عجب. ومنهم الرجل الذي صنع للسلطان غياث الدين الدامغاني
стр. 461
سلطان بلاد المعبر حبوباً يأكلها تقويه على الجماع، وكان من أخلاطها برادة الحديد، فأعجبه فعلها فأكل منها أزيد من مقدار الحاجة فمات. وولي ابن أخيه ناصر الدين فأكرم هذا لجوكي ورفع قدره.
ثم سافرنا إلى مدينة جَنْديِري "وضبط اسمها بفتح الجيم المعقود وسكون النون وكسر الدال المهمل وياء مد وراء" مدينة عظيمة لها أسواق حافلة يسكنها أمير أمراء تلك البلاد عز الدين البنتاني وهو المدعو بأعظم ملك وكان خيراً فاضلاً يجالس أهل العلم. وممن كان يجالسه الفقيه عز الدين الزبيري والفقيه العالم وجيه الدين البياني نسبة إلى مدينة بيانة، التي تقدم ذكرها، والفقيه القاضي المعروف بقاضي خاصة وإمامهم شمس الدين وكان النائب عنه على أمور المخزن يسمى قمر الدين ونائبه على أمور العسكر سعادة التلنكي من كبار الشجعان وبين يديه تعرض العساكر. وأعظم ملك لا يظهر إلا في يوم الجمعة أو في غيرها نادراً. ثم سرنا من جنديري إلى مدينة ظهار "وضبط اسمها بكسر الظاء المعجم" وهي مدينة المالوة أكبر عمالة تلك البلاد وزرعها كثير خصوصاً القمح. ومن هذه المدينة تحمل أوراق التنبول إلى دهلي وبينهما أربعة وعشرون يوماً وعلى الطريق بينهما أعمدة منقوش عليها عدد الأميال فيما بين كل عمودين فاذا أراد المسافر أن يعلم عدد ما سار في يومه وما بقي له إلى المنزل أو إلى المدينة التي يقصدها قرأ النقش الذي في الأعمدة فعرفه. ومدينة ظهار إقطاع للشيخ إبراهيم الذي من أهل ذيبة المهل.
وكان الشيخ إبراهيم قدم على هذه المدينة ونزل بخارجها فأحيا أرضاً مواتاً هنالك وصار يزرعها بطيخاً فتأتي في الغاية من الحلاوة ليس بتلك الأرض مثلها ويزرع الناس بطيخاً فيما يجاوره فلا يكون مثله وكان يطعم الفقراء والمساكين فلما قصد السلطان إلى بلاد المعبر أهدى إليه هذا الشيخ بطيخاً فقبله واستطابه وأقطعه مدينة ظهار وأمره أن يعمر زاوية بربوة يشرف عليها فعمرها أحسن عمارة وكان يعطم بها الوارد والصادر وأقام على ذلك أعواماً. ثم قدم على السلطان وحمل إليه ثلاثة عشر لكاً فقال هذا فضل مما كنت أطعمه الناس وبيت المال أحق به فقبضه منه ولم يعجب السلطان فعله لكونه جمع المال ولم ينفق جميعه في إطعام الطعام. وبهذه المدينة أراد ابن اخت الوزير خواجة جهان أن يفتك بخاله ويستولي على أمواله ويسير إلى القائم
стр. 462
ببلاد المعبر فنمى خبره إلى خاله فقبض عليه وعلى جماعة من الأمراء وبعثهم إلى السلطان فقتل الأمراء ورد ابن أخته إليه فقتله الوزير.
ولما رد ابن أخت الوزير إليه أمر به أن يقتل كما قتل أصحابه وكانت له جارية يحبها فاستحضرها وأطعمها التنبول وأطعمته وعانقها مودعاً، ثم طرح للفيلة وسلخ جلده ومليء تبناً. فلما كان من الليل خرجت الجارية من الدار فرمت بنفسها في بئر هنالك تقرب من الموضع الذي قتل فيه فوجدت ميتة من الغد فأخرجت ودفن لحمه معها في قبر واحد وسمى ذلك قبور "كور" عاشقان. وتفسير ذلك بلسانهم قبر العاشقين. ثم سافرنا من مدينة ظهار إلى مدينة أُجَين "وضبط اسمها بضم الهمزة وفتح الجيم وياء ونون" مدينة حسنة كثيرة العمارة وكان يسكنها الملك ناصر الدين بن عين الملك من الفضلاء الكرماء العلماء استشهد بجزيرة سندابور حين افتتاحها وقد زرت قبره هنالك وسنذكره. وبهذه المدينة كان سكنى الفقيه الطبيب جمال الدين المغربي الغرناطي الأصل. ثم سافرنا من مدينة أُجين إلى مدينة دولة آباد وهي المدينة الضخمة العظيمة الشأن الموازية لحضرة دهلي في رفعة قدرها واتساع خطتها وهي منقسمة ثلاثة أقسام: أحدها دولة آباد وهو مختص بسكنى السلطان وعساكره. والقسم الثاني اسمه الكَتكَة "بفتح الكافين والتاء المعلوة التي بينهما". والقسم الثالث: قلعتها التي لا مثل لها ولا نظير في الحصانة وتسمى الدويقير "بضم الدال المهمل وفتح الواو وسكون الياء وقاف معقود مكسور وياء مد وراء". وبهذه المدينة سكنى الخان الأعظم قطلوخان معلم السلطان وهو أميرها والنائب عن السلطان بها وببلاد صاغر وبلاد التلنك وما أضيف إلى ذلك. وعمالتها مسيرة ثلاثة أشهر عامرة كلها لحكمه ونوابه فيها. وقلعة الدويقير التي ذكرناها في قطعة حجر في بسيط من الأرض قد نحتت وبني بأعلاها قلعة يصعد إليها بسلم مصنوع من جلود ويرفع ليلاً ويسكن بها المفردون وهم الزماميون بأولادهم وفيها سجن أهل الجرائم العظيمة في جبوب بها. وبها فيران ضخام أعظم من القطوط والقطوط١ تهرب منها ولا تطيق مدافعتها لأنها تغلبها ولا تصاد إلا بحبل تدار عليها. وقد رأيتها هناك فعجبت منها.
стр. 463
وأخبرني الملك خطاب الأفغاني أنه سجن مرة في جب بهذه القلعة يسمى جب الفيران قال فكانت تجتمع عليّ ليلاً لتأكلني فأقاتلها وألقي من ذلك جهداً، ثم إني رأيت في النوم قائلاً يقول لي اقرأ سورة الاخلاص مائة ألف مرة ويفرج الله عنك. قال: فقرأتها فلما أتممتها أخرجت. وكان سبب خروجي أن ملك مل كان مسجوناً في جب يجاورني فمرض وأكلت الفيران أصابعه وعينيه فمات فبلغ ذلك السلطان فقال: اخرجوا خطاب لئلاّ يتفق له مثل ذلك. وإلى هذه القلعة لجأ ناصر الدين بن ملك مل المذكور والقاضي جلال حين هزمهما السلطان. وأهل بلاد دولة آباد هم قبيل المرهتة الذين خص الله نساءهم بالحسن وخصوصاً في الأنوف والحواجب. ولهن من طيب الخلوة والمعرفة بحركات الجماع ما ليس لغيرهن. وكفار هذه المدينة أصحاب تجارات وأكثر تجاراتهم في الجوهر وأموالهم طائلة وهم يسمون الساهة واحدهم ساه. وهم مثل الأكارم بديار مصر. وبدولة آباد العنب والرمان ويثمران مرتين في السنة وهي من أعظم البلاد مجبى وأكبرها خراجاً لكثرة عمارتها واتساع عمالتها. وأخبرت أن بعض الهنود التزم مغارمها وعمالتها جميعاً، وهي كما ذكرناه مسيرة ثلاثة أشهر بسبعة عشر كرورا والكرور مائة لكاً، والكّ مائة ألف دينار، ولكنه لم يف بذلك فبقي عليه بقية وأخذ ماله وسلخ جلده.
وبمدينة دولة آباد سوق للمغنين والمغنيات تسمى سوق طرب آباد من أجمل الأسواق وأكبرها، فيه الدكاكين الكثيرة كل دكان له باب يفضي إلى دار صاحبه وللدار باب سوى ذلك والحانوت مزيّن بالفرش وفي وسطه شكل مهد كبير تجلس فيه المغنية أو ترقد وهي متزينة بأنواع الحلي وجواريها يحرّكن مهدها وفي وسط السوق قبة عظيمة مفروشة مزخرفة يجلس فيها أمير المطربين بعد صلاة العصر من يوم كل خميس وبين يديه خدامه وممالكيه وتأتي المغنيات طائفة بعد أخرى فيغنين بين يديه ويرقصن إلى وقت المغرب ثم ينصرف. وفي تلك السوق المساجد للصلاة ويصلي الأئمة فيها التراويح في شهر رمضان وكان بعض سلاطين الكفار بالهند إذا مر بهذه السوق ينزل بقبتها ويغني المغنيات بين يديه وقد فعل ذلك بعض سلاطين المسلمين أيضاً. ثم سافرنا إلى مدينة نَذَرْبار "وضبط اسمها بنون وبذال معجم مفتوحين وراء مسكن وباء موحدة مفتوحة وألف وراء" مدينة صغيرة يسكنها المرهتة، وهم أهل الإتقان
стр. 464
في الصنائع والأطباء والمنجمون. وشرفاء المرهتة هم البراهمة، وهم الكتريون أيضاً وأكلهم الأرز والخضر ودهن السمسم ولا يرون بتعذيب الحيوان ولا ذبحه. ويغتسلون للأكل كغسل الجنابة ولا ينكحون في أقاربهم إلا فيمن كان بينهم وبينه سبعة أجداد ولا يشربون الخمر وهي عندهم أعظم المعائب، وكذلك هي ببلاد الهند عند المسلمين، ومن شربها من مسلم حد ثمانين جلدة وسجن في مطمورة ثلاثة أشهر لا تفتح عليه إلا حين طعامه.
ثم سافرنا من هذه المدينة إلى مدينة صَاغَر "وضبط اسمها بفتح الصاد المهمل وفتح الغين المعجم وآخره راء" وهي مدينة كبيرة على نهر كبير يسمى أيضاً صاغر كاسمها. وعليه النواعير والبساتين فيها العنب والموز وقصب السكر. وأهل هذه المدينة أهل صلاح ودين وأمانة وأحواله كلها مرضية. ولهم بساتين فيها الزوايا للوارد والصادر وكل من يبني زاوية يحبس البستان عليها ويجعل النظر فيه لأولاده فإن انقرضوا عاد النظر للقضاة. والعمارة بها كثيرة والناس يقصدونها للتبرك بأهلها ولكونها محررة من المغارم والوظائف.
ثم سافرنا من صاغر المذكورة إلى مدينة كِنْبَاية "وضبط اسمها بكسر الكاف وسكون النون وفتح الباء الموحدة وألف وياء آخر الحروف مفتوحة" وهي على خور من البحر وهو شبه الوادي تدخله المراكب وبه المد والجزر. وعاينت المراكب به مرساة في الوحل حين الجزر فإذا كان المد عامت في الماء. وهذه المدينة من أحسن المدني في إتقان البناء وعمارة المساجد. وسبب ذلك أن أكثر سكانها التجار الغرباء فهم أبداً يبنون بها الديار الحسنة والمساجد العجيبة ويتنافسون في ذلك. ومن الديار العظيمة بها دار الشريف السامري الذي اتفقت لي معه قضية الحلواء وكذّبه ملك الندماء. ولم أر قط أضخم من الخشب الذي رأيته بهذه الدار وبابها كأنه باب مدينة وإلى جانبها مسجد عظيم يعرف باسمه. ومنها دار ملك التجار الكازروني وإلى جانبها مسجده. ومنها دارشمس الدين كلاه وز١ ومعناه خياط الشواشي.
ولما وقع ما قدمناه من مخالفة القاضي جلال الأفغاني أراد شمس الدين
стр. 465
المذكور والناخوذة إلياس، وكان من كفار أهل هذه المدينة وملك الحكماء الذي تقدم ذكره، على أن يمتنعوا منه بهذه المدينة. وشرعوا في حفر خندق عليها إذ لا سور لها فتغلب عليهم ودخلها. واختفى الثلاثة المذكورون في دار واحدة وخافوا أن يتطلع عليهم فاتفقوا على أن يقتلوا أنفسهم فضرب كل واحد منهم صاحبه بقتارة، وقد ذكرنا صفتها. فمات اثنان منهم ولم يمت ملك الحكماء. وكان من كبار التجار أيضاً بها نجم الدين الجيلاني، وكان حسن الصورة كثير المال، وبنى بها داراً عظيمة ومسجداً. ثم بعث السلطان عنه وأمره عليها وأعطاه المراتب فكان ذلك سبب تلف نفسه وماله. وكان أمير كنباية حين وصلنا إليها مقبل التلنكي وهو كبير المنزلة عند السلطان وكان صحبته الشيخ زاده الأصبهاني نائباً عنه في جميع أمره وهذا الشيخ له أموال عظيمة وعنده معرفة بأمور السلطنة ولا يزال يبعث الأموال إلى بلاده ويتحيل في الفرار وبلغ خبره إلى السلطان وذكر عنه أنه يروم الهروب فكتب إلى مقبل أن يبعثه على البريد وأحضر بين يدي السلطان ووكل به. والعادة عنده أنه متى وكل بأحد فقلما ينجو فاتفق هذا الشيخ مع الموكل به على مال يعطيه إياه، وهربا جميعاً. وذكر لي أحد الثقات أنه رآه في ركن مسجد بمدينة قلهات وأنه وصل بعد ذلك إلى بلاده فحصل على أمواله وأمن مما كان يخافه.
وأضافنا الملك مقبل يوماً بداره فكان من النادر أن جلس قاضي المدينة وهو أعور العين اليمنى وفي مقابلته شريف بغداد شديد الشبه به في صورته وعوره إلا أنه أعور اليسرى. فجعل الشريف ينظر إلى القاضي ويضحك فزجره القاضي فقال له لا تزجرني، فإني أحسن منك. قال: كيف ذلك؟ قال: لأنك أعور اليمنى وأنا أعور اليسرى فضحك الأمير والحاضرون وخجل القاضي ولم يستطع أن يرد عليه، لأن الشرفاء ببلاد الهند معظمون أشد التعظيم. وكان بهذه المدينة من الصالحين الحاج ناصر من أهل ديار بكر وسكناه بقبة من قباب الجامع. دخلنا إليه وأكلنا من طعامه واتفق له لما دخل القاضي جلال مدينة كنباية حين خلافه أنه أتاه وذكر للسلطان أنه دعا له فهرب لئلا يقتل كما قتل الحيدري. وكان بها أيضاً من الصالحين التاجر خواجة إسحاق وله زاوية يطعم فيها الوارد والصادر وينفق على الفقراء والمساكين وماله على هذا ينمى ويزيد كثرة. وسافرنا من هذه المدينة إلى بلد كاوي، وهي
стр. 466
على خور فيه المد والجزر وهي بلاد الري جالنسي الكافر وسنذكره.
وسافرنا منها إلى مدينة قَنْدَهار "وضبط اسمها بفتح القاف وسكون النون وفتح الدال المهمل وهاء وألف وراء"، وهي مدينة كبيرة للكفار على خور من البحر.
وسلطان لقندهار سلطان كافر اسمه جَالَنْسي "بفتح الجيم واللام وسكون النون وكسر السين المهمل"، وهو تحت حكم الإسلام، ويعطي لملك الهند هدية كل عام. ولما وصلنا إلى قندهار خرج إلى استقبالنا وعظمنا أشد التعظيم وخرج عن قصره فأنزلنا به وجاء إلينا من عنده كبار المسلمين كأولاد خواجة بهرة ومنهم الناخوذة إبراهيم له ستة من المراكب مختصة له. ومن هذه المدينة ركبنا البحر وركبنا في مركب لإبراهيم المذكور يسمى الجاكر "بفتح الجيم والكاف المعقودة". وجعلنا فيه من خيل الهدية سبعين فرساً وجعلنا باقيها مع خيل أصحابنا في مركب لأخي إبراهيم المذكور يسمى مَنُورت "بفتح الميم ونون وواو مد وراء مسكن وتاء معلوة" وأعطانا جالنسي مركباً جعلنا فيه ظهير الدين وسنبل وأصحابهما وجهزه لنا بالماء والزاد والعلف. وبعث معنا ولده في مركب يسمى العُكَيْري "بضم العين المهمل وفتح الكاف وسكون الياء وراء"، وهو شبه الغراب إلا أنه أوسع منه، وفيه ستون مجذفاً ويسقف حين القتال حتى لا ينال الجذافين شيء من السهم ولا الحجارة. وكان ركوبي أنا في الجاكر وكان فيه خمسون رامياً وخمسون من المقاتلة الحبشة وهم زعماء هذا البحر وإذا كان بالمركب أحد منهم تحاماه لصوص الهنود وكفارهم. ووصلنا بعد يومين إلى جزيرة بَيْرم "وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة وسكون الياء وفتح الراء"، وهي خالية. وبينها وبين البر أربعة أميال فنزلنا بها واتقينا الماء من حوض بها. وسبب خرابها أن المسلمين دخلوها على الكفار فلم تعمر بعد. وكان ملك التجار الذي تقدم ذكره أراد عمارتها وبنى سورها وجعل بها المجانيق وأسكن بها بعض المسلمين. ثم سافرنا منها ووصلنا في اليوم الثاني إلى مدينة قُوقَة وهي "ضم القاف الأولى وفتح الثانية"، وهي مدينة كبيرة عظيمة الأسواق. فرسينا١ على أربعة أميال منها بسبب الجزر. ونزلت في عشاري مع بعض أصحابي حين الجزر
стр. 467
لأدخل إليها فوحل العشاري في الطين وبقي بيننا وبين البلد نحو ميل فكنت لما نزلنا في الوحل أتوكأ على رجلين من أصحابي وخوفني الناس من وصول المد قبل وصولي إليها وأنا لا أحسن السباحة ثم وصلت إليها وطفت بأسواقها ورأيت بها مسجداً ينسب للخضر وإلياس ﵉ صليت به المغرب ووجدت به جماعة من الفقراء الحيدرية مع شيخ لهم ثم عدت إلى المركب.
وكان لقوقة سلطان يسمى دُنْكُول "بضم الدال المهمل وسكون النون وضم الكاف وواو ولام" وكان يظهر الطاعة لملك الهند وهو في الحقيقة عاص. وبما أقعلنا عن هذه المدينة وصلنا بعد ثلاثة أيام إلى جزيرة سَنْدَابُور "وضبط اسمها بفتح السين المهمل وسكون النون وفتح الدال المهمل وألف وباء موحدة وواو مد وراء"وهي جزيرة في وسطها ست وثلاثون قرية، ويدور بها خور، واذا كان الجزر فماؤها عذب طيب وإذا كان المد فهو ملح أجاج. وفي وسطها مدينتان: إحداهما قديمة من بناء الكفار، والثانية بناها المسلمون عند استفتاحهم لهذه الجزيرة الفتح الأول، وفيها مسجد جامع عظيم يشبه مساجد بغداد عمره الناخوذة حسن والد السلطان جمال الدين محمد الهنوري وسيأتي ذكره. وذكر عند حضوري معه لفتح الجزيرة الفتح الثاني - إن شاء الله. وتجاوزنا هذه الجزيرة لما مررنا بها ورسينا على جزيرة صغيرة قريبة من البر فيها كنيسة وبستان وحوض ماء ووجدنا فيها أحد الجوكية.
ولما نزلنا بهذه الجزيرة الصغرى وجدنا بها جوكيا مستنداً إلى حائط بدخانة وهي بيت الأصنام وهو فيها بين صنمين منها وعليه أثر المجاهدة فكلمناه فلم يتكلم ونظرنا هل معه طعام فلم نر معه طعاماً، وفي حين نظرنا صاح صيحة عظيمة فسقطت عند صياحه جوزة من جوز النارجيل بين يديه ودفعها لنا فعجبنا من ذلك ودفعنا له دنانير ودراهم فلم يقبلها وأتيناه بزاد فرده وكانت بين يديه عباءة من صوف الجمال مطروحة فقبلتها بيدي فدفعها لي وكانت بيدي سبحة زيلع فقبلها في يدي فأعطيته إياها ففركها بيده وشمها وقبلها وأشار إلى السماء ثم إلى سمت القبلة فلم يفهم أصحابي إشارته وفهمت أنا عنه أنه أشار أنه مسلم يخفي إسلامه من أهل تلك الجزيرة ويتعيش من تلك الجوز. ولما وادعناه قبلت يده فأنكر أصحابي ذلك ففهم إنكارهم فأخذ يدي
стр. 468
وقبلها وتبسم وأشار لنا بالانصراف فانصرفنا.
وكنت آخر أصحابي خروجاً فجذب ثوبي فرددت رأسي إليه فأعطاني عشرة دنانير. فلما خرجنا عنه قال لي أصحابي لم جذبك فقلت لهم أعطاني هذه الدنانير. وأعطيت لظهير الدين ثلاثة منها، ولسنبل ثلاثة، وقلت لهما: الرجل مسلم ألا ترون كيف أشار إلى السماء يشير إلى أنه يعرف الله تعالى وأشار إلى القبلة يشير إلى معرفة الرسول ﵇ وأخذه السبحة يصدق ذلك فرجعا لما قلت لهما ذلك إليه فلم يجداه. وسافرنا تلك الساعة. وبالغد وصلنا إلى مدينة هنور "وضبط اسمها بكسر الهاء وفتح النون وسكون الواو وراء" وهي على خور كبير تدخله المراكب الكبار والمدينة على نصف ميل من البحر. وفي أيام البشكال وهو المطر يشتد هيجان هذا البحر وطغيانه فيبقى مدة أربعة اشهر لا يستطيع أحد ركوبه إلا للتصيد فيه. وفي يوم وصلنا إليها جاءني أحد الجوكية من الهنود في خلو وأعطاني ستة دنانير فأخذتها منه وأعطيته ديناراً منها فلم يقبله وانصرف. وأخبرت أصحابي بالقضية وقلت لهما إن شئتما فخذا نصيبكما منها فأبيا وجعلا يعجبان من شأنه، وقالا لي: إن الدنانير الستة التي أعطيتنا إياها جعلنا معها مثلها وتركناها بين الصنمين حيث وجدناه فطال عجبي من أمره واحتفظت بتلك الدنانير التي أعطانيها. وأهل مدينة هنور شافعية المذهب لهم صلاح ودين وجهاد في البحر وقوة وبذلك عرفوا حتى أذلهم الزمان بعد فتحهم لسندابور وسنذكر ذلك. ولقيت من المتعبدين بهذه المدينة الشيخ محمد الناقوري، أضافني بزاويته. وكان يطبخ الطعام بيده استقذاراً للجارية والغلام. ولقيت بها الفقيه إسماعيل معلم كتاب الله تعالى وهو ورع حسن الخلق كريم النفس، والقاضي لها نور الدين علي، والخطيب ولا أذكر اسمه. ونساء هذه المدينة وجميع هذه البلاد الساحلية لا يلبسن المخيط وإنما يلبسن ثياباً غير مخيطة تحتزم إحداهن بأحد طرفي الثوب وتجعل باقيه على رأسها وصدرها، ولهن جمال وعفاف، وتجعل إحداهن خرص ذهب في أنفها، ومن خصائصهن أنهن جميعا يحفظن القرآن الكريم. ورأيت بالمدينة ثلاثة عشر مكتباً لتعليم البنات وثلاثة وعشرين لتعليم الأولاد ولم أر ذلك في سواها. ومعاش أهلها من التجارة في البحر ولا زرع لهم. وأهل بلاد
стр. 469
المليبار يعطون للسلطان جمال الدين في كل عام شيئاً معلوماً خوفا منه لقوته في البحر، وعسكره نحو ستة آلاف بين فرسان ورجاله. وسلطان هنور هو السلطان جمال الدين محمد بن حسن من خيار السلاطين وكبارهم وهو تحت حكم سلطان كافر يسمى هريب سنذكره. والسلطان جمال الدين مواظب للصلاة في الجماعة وعادته أن يأتي إلى المسجد قبل الصبح فيتلو في المصحف حتى يطلع الفجر فيصلي أول الوقت، ثم يركب إلى خارج المدينة. ويأتي عند الضحى فيبدأ بالمسجد فيركع فيه ثم يدخل إلى قصره وهو يصوم الأيام البيض١. وكان أيام إقامتي عنده يدعوني للإفطار معه، فأحضر لذلك ويحضر الفقيه علي والفقيه إسماعيل فتوضع أربع كراسي صغار على الأرض، فيقعد على إحداها ويقعد كل واحد منا على كرسي.
وترتيبه أن يؤتى بمائدة نحاس يسمونها خونجة، ويجعل عليها طبق نحاس يسمونه الطالم "بفتح الطاء المهمل وفتح اللام"، وتأتي جارية حسنة ملتحفة بثوب حرير فتقدم قدور الطعام بين يديه ومعها مغرفة نحاس كبيرة فتغرف بها من الأرز مغرفة واحد وتجعلها في الطالم وتصب فوقها السمن وتجعل مع ذلك عناقيد الفلفل المملوح والزنجبيل الأخضر والليمون المملوح والعنبا٢، فيأكل الإنسان لقمة ويتبعها بشيء من تلك الموالح، فإذا تمت الغرفة التي جعلتها في الطالم غرفت غرفة أخرى من الأرز وأفرغت دجاجة مطبوخة في سكرجة فيؤكل بها الأرز أيضاً، فاذا تمت المغرفة الثانية غرفت وأفرغت لوناً آخر من الدجاج تؤكل به، فإذا تمت ألوان الدجاج، أتوا بألوان من السمك فيأكلون بها الأرز أيضاً، فإذا فرغت ألوان السمك أتوا بالخضر مطبوخة بالسمن والألبان فيأكلون بها الأرز، فإذا فرغ ذلك كله أتوا بالكوشان وهو اللبن الرائب وبهذا يختمون طعامهم، فإذا وضع علم أنه لم يبق شيء يؤكل بعده، ثم يشربون على ذلك الماء الساخن، لأن الماء البارد يضر بهم في فصل نزول المطر. ولقد أقمت عند هذا السلطان في كرة أخرى أحد عشر شهراً، لم
стр. 470
آكل خبزاً، إنما طعامهم الأرز وبقيت أيضاً بجزائر المهل وسيلان وبلاد المعبر والمليبار ثلاث سنين لا آكل فيها الأرز حتى كنت لا أستسيغه إلا بالماء. ولباس هذا السلطان ملاحف الحرير والكتان الرقاق يشد في وسط فوطة ويلتحف ملحفتين: إحداهما فوق الأخرى، ويقص شعره ويلف عليه عمامة صغيرة. وإذا ركب لبس قباء، والتحف بلمحفتين فوقه. وتضرب بين يديه طبول وأبواق يحملها الرجال. وكانت إقامتنا عنده في هذه المرة ثلاثة أيام. وزودنا وسافرنا عنه.
وبعد ثلاثة أيام وصلنا إلى بلاد المُلَيْبَار "بضم الميم وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة وألف وراء". وهي بلاد الفلفل. وطولها مسيرة شهرين على ساحل البحر من سندابور إلى كولم، والطريق في جميعها بين ظلال الأشجار. وفي كل نصف ميل بيت من الخشب فيه دكاكين يقعد عليها كل وارد وصادر من مسلم وكافر. وعند كل بيت منها بئر يشرب منها، ورجل كافر موكل بها، فمن كان كافراً سقاه في الأواني، ومن كان مسلماً سقاه في يديه، ولا يزال يصب له حتى يشير له أن يكف. وعادة الكفار ببلاد المليبار أن لا يدخل المسلم دورهم ولا يطعم في آنيتهم، فإن طعم فيها كسروها أو أعطوها للمسلمين. وإذا دخل المسلم موضعاً منها لا يكون فيه دار للمسلمين طبخوا له الطعام وصبوه له على أوراق الموز وصبوا عليه الأدام وما فضل عنه تأكله الكلاب والطير. وفي جميع المنازل بهذا الطريق ديار المسلمين ينزل عندهم المسلمون فيبيعون منهم جميع ما يحتاجون إليه ويطبخون لهم الطعام، ولولاهم لما سافر فيه مسلم، وهذا الطريق الذي ذكرنا أنه مسيرة شهرين، ليس فيه موضع شبر فما فوقه دون عمارة وكل إنسان له بستانه على حدة وداره في وسطه وعلى الجميع حائط خشب، والطريق يمر في البساتين فإذا انتهى إلى حائط بستان كان هنالك درج خشب يصعد عليها ودرج آخر ينزل عليها إلى البستان الآخر هكذا مسيرة الشهرين.
ولا يسافر أحد في تلك البلاد بدابة، ولا تكون الخيل إلا عند السلطان. وأكثر ركوب أهلها في دولة على رقاب العبيد أو المستأجرين. ومن لم يستطع أن يركب في
стр. 471
دولة١ مشي على قدميه كائنا من كان. ومن كان له رحل أو متاع من تجارة وسواها اكترى رجالاً يحملونه على ظهورهم، فترى هنالك التاجر ومعه المائة فما دونها أو فوقها يحملون أمتعته، وبيد كل واحد منهم عود غليظ له زج حديد، وفي أعلاه مخطاف حديد. فإذا أعيا ولم يجد دكانة يستريح عليها ركز عوده بالأرض وعلق حمله منه، فإذا استراح أخذ حمله من غير معين ومضى به. ولم أر طريقاً آمن من هذا الطريق. وهم يقتلون السارق على الجوزة الواحدة، فإذا سقط شيء من الثمار لم يلتقطه أحد حتى يأخذه صاحبه. وأخبرت أن بعض الهنود مروا على الطريق فالتقط أحدهم جوزة، وبلغ خبره إلى الحاكم فأمر بعود فركز في الأرض وبرى طرفه الأعلى وأدخل في لوح خشب حتى برز منه ومد الرجل على اللوح وركز في العود وهو على بطنه حتى خرج من ظهره وترك عبرة للناظرين. ومن هذه العيدان على هذه الصورة بتلك الطرق كثيراً ليراها الناس فيتعظوا. ولقد كنا نلقي الكفار بالليل في هذه الطريق فإذا رأونا تنحوا عن الطرق حتى نجوز. والمسلمون أعز الناس بها غير أنهم كما ذكرناه لا يؤاكلونهم ولا يدخلونهم دورهم. وفي بلاد المليبار اثنا عشر سلطانا من الكفار، منهم القوي الذي يبلغ عسكره خمسين ألفاً، ومنهم الضعيف الذي عسكره ثلاثة آلاف، ولا فتنة بينهم البتة ولا يطمع القوي منهم في انتزاع ما بيد الضعيف. وبين بلاد أحدهم وصاحبه باب خشب منقوش فيه اسم الذي هو مبدأ عمالته ويسمونه باب أمان فلان وإذا فر مسلم أو كافر بسبب جناية من بلاد أحدهم ووصل باب أمان الآخر أمن على نفسه ولم يستطع الذي هرب عنه أخذه وإن كان القوي صاحب العدد والجيوش. وسلاطين تلك البلاد يورثون ابن الأخت ملكهم دون أولادهم. ولم أر من يفعل ذلك إلا مسوفة أهل الثلم "اللثام" وسنذكرهم فيما بعد. فإذا أراد السلطان من أهل بلاد المليبار منع الناس من البيع والشراء أمر بعض غلمانه فعلّق على الحواتيت بعض أغصان الأشجار بأوراقها فلا يبيع أحد ولا يشتري ما دامت عليها تلك الأغصان.
وشجرات الفلفل شبيهة بدوالي العنب وهم يغرسونها إزاء النارجيل فتصعد فيها كصعود الدوالي إلا أنها ليس لها عسلوج، وهو الغزل كما للدوالي
стр. 472
وأوراق شجرة تشبه آذان الخيل. وبعضها يشبه أوراق العليق ويثمر عناقيد صغاراً حبها كحب أبي قنينة، اذا كانت خضراء. وإذا كان أوان الخريف قطفوه وفرشوه على الحصر في الشمس كما يصنع بالعنب عند تزبيبه، ولا يزالون يقلبونه حتى يستحكم يبسه ويسود ثم يبيعونه من التجار. والعامة ببلادنا يزعمون أنهم يغلونه بالنار وبسبب ذلك يحدث فيه التكريش وليس كذلك، وإنما يحدث ذلك فيه بالشمس. ولقد رأيته بمدينة قالقوط يصب للكيل كالذرة ببلادنا. وأول مدينة دخلناها من بلاد المليبار مدينة أبي سَرور "بفتح السين" وهي صغيرة على خور كبير كثيرة أشجار النارجيل. وكبير المسلمين بها الشيخ جمعة المعروف بأبي ستة، أحد الكرماء، أنفق أمواله على الفقراء والمساكين. وبعد يومين منها وصلنا إلى مدينة فاكَنَور "وضبط اسمها فتح الفاء والكاف والنون آخر الحروف" مدينة كبيرة على خور بها قصب السكر الكثير الطيب الذي لا مثل له بتلك البلاد. وبها جماعة من المسلمين يسمى كبيرهم بحسين السلاط، وبها قاض وخطيب وعمر بها حسين المذكور مسجداً لإقامة الجمعة.
وكان سلطان فاكنور كافر اسمه بَاسَدُو "بفتح الباء الموحد والسين المهمل والدال المهمل وسكون الواو" وله نحو ثلاثين مركباً حربية قائدها مسلم يسمى لولا، وكان من المفسدين يقطع بالبحر ويسلب التجار. ولما أرسينا على فاكنور بعث سلطانها إلينا ولده فأقام بالمركب كالرهينة، ونزلنا إليه فأضافنا ثلاثاً بأحسن ضيافة تعظيماً لسلطان الهند وقياماً بحقه ورغبة فيما يستفيده في التجارة مع أهل مراكبنا. ومن عادتهم هنالك أن كل مركب يمر ببلد فلا بد من إرسائه بها وإعطائه هدية لصاحب البلد يسمونها حق البندر. ومن لم يفعل ذلك خرجوا في اتباعه بمراكبهم وأدخلوه المرسى قهراً وضاعفوا عليه المغرم، ومنعوه عن السفر ما شاؤوا. وسافرنا منها فوصلنا بعد ثلاثة أيام مدينة مَنْجَرُور "وضبط اسمها بفتح الميم وسكون النون وفتح الجيم وضم الراء وواو واء ثانية". مدينة كبيرة على خور يسمى خور الدنب "بضم الدال المهمل وسكون النون وباء موحدة" وهو أكبر خور ببلاد المليبار. وبهذه المدينة ينزل معظم تجار فارس واليمن، والفلفل والزنجبيل بها كثير جداً. وسلطانها هو أكبر سلاطين تلك البلاد واسمه رَامْ دَوْ "بفتح الراء والميم والدال المهمل وسكون الواو" وبها نحو أربعة آلاف من المسلمين يسكنون ربضاً بناحية المدينة. ربما وقعت
стр. 473
الحرب بينهم وبين أهل المدينة فيصلح السلطان بينهم لحاجته إلى التجار. وبها قاض من الفضلاء الكرماء شافعي المذهب يسمى بدر الدين المعبري، وهو يقرئ العلم. صعد إلينا إلى المركب ورغب منا في النزول إلى بلده. فقلنا حتى يبعث السلطان ولده يقيم بالمركب، فقال: إنما فعل ذلك سلطان فاكنور لأنه لا قوة للمسلمين في بلده. وأما نحن فالسلطان يخافنا. فأبينا عليه إلا أن بعث السلطان ولده. فبعث ولده كما فعل الآخر. ونزلنا إليهم وأكرمونا إكراماً عظيماً، وأقمنا عنده ثلاثة ايام. ثم سافرنا إلى مدينة هِيلِي، فوصلناها بعد يومين "وضبط اسمها بهاء مكسورة وياء مد ولام مكسور". وهي كبيرة حسنة العمارة على خور عظيم تدخله المراكب الكبار. وإلى هذه المدينة تنتهي مراكب الصين ولا تدخل إلا مرساها ومرسى كولم قالقوط. ومدينة هيلي معظمة عند المسلمين والكفار بسبب مسجدها الجامع فإنه عظيم البركة مشرق النور وركاب البحر ينذرون له النذور الكثيرة، وله خزانة مال عظيمة تحت نظر الخطيب حسين وحسن الوزان كبير المسلمين. وبهذا المسجد جماعة من الطلبة يتعلمون العلم ولهم مرتبات من مال المسجد. وله مطبخة فيها الطعام للوارد والصادر ولإطعام الفقراء من المسلمين بها. ولقيت بهذا المسجد فقيهاً صالحاً من أهل مقدشو يسمى سعيداً حسن اللقاء والخلق يسرد الصوم. ويذكر لي أنه جاور بمكة أربع عشرة سنة، ومثلها بالمدينة. وأدرك الأمير بمكة أبا نمي والأمير بالمدينة منصور بن جماز. وسافر في بلاد الهند والصين. ثم سافرنا من هيلي إلى مدينة جُرْفَتَّن "وضبط اسمها بضم الجيم وسكون الراء وفتح الفاء وفتح التاء المعلوة وتشديدها وآخره نون" وبينه وبين هيلي ثلاثة فراسخ. ولقيت بها فقيهاً من أهل بغداد كبير القدر يعرف بالصرصري نسبه إلى بلدة على مسافة عشرة أميال من بغداد في طريق الكوفة، واسمها كاسم صرصر التي عندنا بالمغرب، وكان له أخ بهذه المدينة كثير المال له أولاد صغار أوصى إليه بهم. وتركته آخذاً في حملهم إلى بغداد. وعادة أهل الهند كعادة السودان لا يتعرضون لمال الميت ولو ترك الآلاف إنما يبقى ماله بيد كبير المسلمين حتى يأخذه مستحقه شرعًا. وسلطانها يسمى بِكُوَيل "بضم الكاف على لفظ التصغير" وهو من أكبر سلاطين المليبار. وله مراكب كثيرة تسافر إلى عمان وفارس واليمن ومن بلاده فتن وبدفتن وسنذكهما. وسرنا من جرفتن إلى مدينة دَهْ فَتّن "بفتح الدال المهمل وسكون الهاء"، وقد ذكرنا ضبط فتن. وهي مدينة كبيرة على خور، كثيرة البساتين. وبها النارجيل والفلفل
стр. 474
والفوفل والتنبول، وبها القلقاس الكثير، ويطبخون به اللحم. وأما الموز فلم أر في البلاد أكثر منه بها ولا أرخص ثمن، وفيها الباين الأعظم، طوله خمسمائة وعرضه ثلاثمائة خطوة وهو مطوي بالحجارة الحمر المنحوتة وعلى جوانبة ثمان وعشرون قبة من الحجر في كل قبة أربع مجالس من الحجر. وكل قبة يصعد إليها على درج حجارة وفي وسطه قبة كبيرة من ثلاث طبقات في كل طبقة أربع مجالس. وذكر لي أن والد هذا السلطان كويل هو الذي عمر هذا الباين وبإزائه مسجد للمسلمين، وله أدراج ينزل منها إليه فيتوضأ منه الناس ويغتسلون. وحدثني الفقيه حسين أن الذي عمر المسجد والباين أيضاً هو أحد أجداد كويل وأنه كان مسلماً، ولإسلامه خبر عجيب نذكره.
ورأيت بإزاء الجامع شجرة خضراء ناعمة تشبه أوراقها أوراق التين، إلا أنها لينة وعليها حائط يطيف بها وعندها محراب صليت فيه ركعتين. واسم هذه الشجرة عندهم درخت الشهادة ودَرَخْت "بفتح الدال المهمل والراء وسكون الخاء المعجم وتاء معلوة " وأخبرت هنالك أنه اذا كان زمان الخريف من كل سنة تسقط من هذه الشجرة ورقة واحدة بعد أن يستحيل لونها إلى الصفرة ثم إلى الحمرة ويكون فيها مكتوباً بقلم القدرة لا إله الا الله محمد رسول الله. وأخبرني الفقيه حسين وجماعة من الثقات أنهم عاينوا هذه الورقة وقرؤا المكتوب الذي فيها. وأخبرني أنه إذا كانت أيام سقوطها قعد تحتها الثقات من المسلمين والكفار فإذا سقطت أخذ المسلمون نصفها وجعل نصفها في خزانة السلطان الكافر وهم يستشفون بها للمرضى. وهذه الشجرة كانت سبب إسلام جد كويل الذي عمر المسجد والباين، فإنه كان يقرأ الخط العربي فلما قرأها وفهم ما فيها أسلم وحسن إسلامه. وحكايته عندهم متواترة. وحدثني الفقيه حسين أن أحد أولاده كفر بعد أبيه وطغى وأمر باقتلاع الشجرة من أصلها فاقتلعت ولم يترك لها أثر، ثم إنها نبتت بعد ذلك وعادت كأحسن ما كانت عليه وهلك الكافر سريعاً. ثم سافرنا إلى مدينة بدفتن وهي مدينة كبيرة على خور كبير وبخارجها مسجد بمقربة من البحر يأوي إليه غرباء المسلمين لأنه لا مسلم بهذه المدينة. ومرساها من أحسن المراسي وماؤها عذب والفوفل بها كثير ومنها يحمل للهند والصين وأكثر أهلها براهمة وهم معظمون عند الكفار مبغضون في المسلمين ولذلك ليس بينهم مسلم.
стр. 475
وقد أخبرت أن سبب تركهم هذا المسجد غير مهدوم أن أحد البراهمة خرب سقفه ليصنع منه سقفاً لبيته فاشتعلت النار في بيته فاحترق هو وأولاده ومتاعه فاحترموا هذا المسجد ولم يتعرضوا له بسوء بعدها وخدموه وجعلوا بخارجه الماء يشرب منه الصادر والوارد وجعلوا على بابه شبكة لئلا يدخله الطير. ثم سافرنا من مدينة بدفتن إلى مدينة فَنْدَرينا "وضبط اسمها بفاء مفتوحة ونون ساكن ودال مهمل وراء مفتوحة وياء آخر الحروف". مدينة كبيرة ذات بساتين وأسواق وبها للمسلمين ثلاث محلات وفي كل محلة مسجد والجامع بها على الساحل وهو عجيب له مناظر ومجالس على البحر وقاضيها وخطيبها رجل من أهل عمان وله أخ فاضل. وبهذا البلدة تشتو مراكب الصين. ثم سافرنا منها إلى مدينة قالقوط "وضبط اسمها بقافين وكسر اللام وضم القاف الثاني وآخره طاء مهمل" وهي إحدى البنادر العظام ببلاد المليبار يقصدها أهل الصين والجاوة وسيلان والمهل وأهل اليمن وفارس، ويجتمع بها تجار الآفاق. ومرساها من أعظم مراسي الدنيا وسلطانها كافر يعرف بالسامري شيخ مسن يحلق لحيته كما يفعل طائفة من الروم رأيته بها وسنذكره إن شاء الله. وأمير التجار بها إبراهيم شاه بندر من أهل البحرين فاضل ذو مكارم يجتمع إليه التجار ويأكلون في سماطه وقاضيها فخر الدين عثمان فاضل كريم وصاحب الزاوية بها الشيخ شهاب الدين الكازروني وله تعطى النذور التي ينذر بها أهل الهند والصين للشيخ أبي إسحاق الكازوني نفع الله به. وبهذه المدينة الناخوذة مثقال الشهير الاسم صاحب الأموال الطائلة والمراكب الكثيرة لتجارته بالهند والصين واليمن وفارس. ولما وصلنا إلى هذه المدينة خرج إلينا إبراهيم شاه بندر والقاضي والشيخ شهاب الدين وكبار التجار ونائب السلطان الكافر المسمى بقلاج "بضم القاف وآخره جيم" ومعهم الأطبال والأنفار والأبواق والأعلام في مراكبهم. ودخلنا المرسى في بروز عظيم ما رأيت مثله بتلك البلاد فكانت فرحة تتبعها ترحة. وأقمنا بمرساها وبه يومئذ ثلاثة من مراكب الصين. ونزلنا بالمدينة وجعل كل واحد منا في دار وأقمنا ننتظر زمان السفر إلى الصين ثلاثة أشهر ونحن في ضيافة الكافر، وبحر الصين لا يسافر فيه إلا بمراكب الصين ولنذكر ترتيبها.
ومراكب الصين ثلاثة أصناف: الكبار منها تسمى الجنوك، واحدها جُنْك
стр. 476
"بجيم معقود مضموم ونون ساكن" والمتوسطة تسمى الزَوَ "بفتح الزاي وواو" والصغار اسم أحدها الكَكَم "بكافين مفتوحتين" ويكون في المركب الكبير منها اثنا عشر قلعاً فما دونها إلى ثلاثة وقلعها من قضبان الخيزران منسوجة كالحصر لا تحط أبداً ويديرونها بحسن دوران الريح وإذا أرسوا تركوها واقفة في مهب. الريح ويخدم في المركب منها ألف رجل منهم البحرية ستمائة ومنهم أربعمائة من المقاتلة تكون فيهم الرماة وأصحاب الدرق والجرخية وهم الذين يرمون بالنفط ويتبع كل مركب كبير منها ثلاثة: النصفي والثلثي والربعي ولا تصنع هذه المراكب إلا بمدينة الزيتون من الصين، أو بصين كَلاَن وهي صين الصين. وكيفية إنشائها أنهم يصنعون حائطين من الخشب يصلون ما بينهما بخشب ضخام جدّاً موصولة بالعرض والطول بمسامير ضخام طول المسمار منها ثلاثة أذرع، فإذا التأم الحائطان بهذه الخشب صنعوا على أعلاهما فرش المركب الأسفل ودفعوهما في البحر وأتموا عمله وتبقى تلك الخشب والحائطان موالية للماء ينزلون إليها فيغتسلون ويقضون حاجتهم وعلى جوانب تلك الخشب تكون مجاذيفهم وهي كبار كالصواري يجتمع على أحدها العشرة والخمسة عشر رجلاً ويجذفون وقوفاً على أقدامهم ويجعلون للمركب أربعة ظهور ويكون فيه البيوت والمصاري والغرف للتجارة والمصرية منها يكون فيها البيوت والسنداس وعليها المفتاح يسدها صاحبها ويحمل معه الجواري والنساء وربما كان الرجل في مصريته فلا يعرف به غيره ممن يكون بالمركب حتى يتلاقيا إذا وصلا بعض البلاد والبحرية يسكنون فيها أولادهم ويزرعون الخضر والبقول والزنجبيل في أحواض خشب. ووكيل المركب كأنه أمير كبير. وإذا نزل إلى البر مشت الرماة والحبشة بالحراب والسيوف والأطبال والأبواق والأنفار أمامه. وإذا وصل إلى المنزل الذي يقيم به ركزوا رماحهم عن جانبي بابه ولا يزالون كذلك مدة إقامته. ومن أهل الصين من تكون له المراكب الكثيرة بعث بها وكلاءه إلى البلاد وليس في الدنيا أكثر أموالاً من أهل الصين.
ولما حان وقت السفر إلى الصين جهز لنا السلطان السامري جنكاً من الجنوك الثلاث عشرة التي بمرسى قالقوط. وكان وكيل الجنك يسمى بسليمان الصفدي الشامي وبيني وبينه معرفة. فقلت له: أريد مصرية لا يشاركني فيها أحد لأجل الجواري. ومن عادتي أن لا أسافر إلا بهن. فقال: إن تجار الصين قد اكتروا المصاري ذاهبين وراجعين. ولصهري مصرية أعطيكها لكنها لاسنداس فيها. وعسى أن تمكن معاوضتها. فأمرت أصحابي فأوسقوا ما عندي
стр. 477
من المتاع، وصعد العبيد والجواري إلى الجنك وذلك في يوم الخميس وأقمت لأصلي الجمعة وألحق بهم. وصعد الملك سنبل وظهير الدين مع الهدية. ثم إن فتى لي يسمى بهلال أتاني غدوة الجمعة فقال: إن المصرية التي أخذنا بالجنك ضيقة لا تصلح. فذكرت ذلك للناخودة، فقال: ليست في ذلك حيلة فإن أحببت أن تكون في الكَكَم ففيه المصاري على اختيارك. فقلت: نعم. وأمرت أصحابي فنقلوا الجواري والمتاع إلى الكَكَم واستقروا به قبل صلاة الجمعة. وعادة هذا البحر أن يشتد هيجانه كل يوم بعد العصر فلا يستطيع أحد ركوبه وكانت الجنوك قد سافرت ولم يبق منها إلا الذي فيه الهدية وجنك عزم أصحابه على أن يشتوا بفندرينا والكَكَم المذكور. فبتنا ليلة السبت على الساحل لا نستطيع الصعود إلى الكَكَم ولا يستطيع من فيه النزول إلينا ولم يكن بقي معي إلا بساط افترشه وأصبح الجنك والككم يوم السبت على بعد من المرسى ورمى البحر بالجنك الذي كان أهله يريدون فندرينا فتكسر ومات بعض أهله وسلم بعضهم. وكانت فيه جارية لبعض التجار عزيزة عليه فرغب في إعطاء عشرة دنانير ذهباً لمن يخرجها وكانت قد التزمت خشبة في مؤخرة الجنك فانتدب لذلك بعض البحرية الهرمزيين فأخرجها وأبى أن يأخذ الدنانير، وقال: إنما فعلت ذلك لله تعالى. ولما كان الليل رمى البحر بالجنك الذي كانت فيه الهدية فمات جميع من فيه. ونظرنا عند الصباح إلى مصارعهم ورأيت ظهير الدين قد انشق رأسه وتناثر دماغه. والملك سنبل قد ضرب مسمار في أحد صدغيه ونفذ من الآخر. وصلينا عليهما ودفناهما. ورأيت الكافر سلطان قالقوط وفي وسطه شقة بيضاء كبيرة قد لفها من سرته إلى ركبته وفي رأسه عمامة صغيرة وهو حافي القدمين والشطر بيد غلام فوق رأسه والنار توقد بين يديه في الساحل وزبانيته يضربون الناس لئلا ينتهبوا ما يرمي البحر. وعادة بلاد المليبار أنّ كل ما انكسر من مركب يرجع ما يخرج منه للمخزن إلا في هذا البلد خاصة فإن ذلك يأخذه أربابه. ولذلك عمرت وكثر تردد الناس إليها. ولما رأى أهل الكَكَم ما حدث على الجنك رفعوا قلعهم وذهبوا ومعهم جميع متاعي وغلماني وجواري وبقيت منفرداً على الساحل ليس معي إلا فتى كنت أعتقته. فلما رأى ما حل بي ذهب عني ولم يبق عندي إلا العشرة الدنانير التي أعطانيها الجوكي والبساط الذي كنت افترشه وأخبرني الناس أن ذلك الكَكَم لا بد له أن يدخل مرسى كولم فعزمت على السفر إليها وبينهما مسيرة عشر
стр. 478
في البر أو في النهر أيضاً لمن أراد ذلك، فسافرت في النهر واكتريت رجلاً من المسلمين يحمل لي البساط. وعادتهم إذا سافروا في ذلك النهر أن ينزلوا بالعشي فيبيتوا بالقرى التي على حافتيه ثم يعودوا إلى المركب بالغدو فكنا نفعل ذلك ولم يكن بالمركب مسلم إلا الذي اكتريته وكان يشرب الخمر عند الكفار إذا نزلنا ويعربد علي فيزيد تغير خاطري. ووصلنا في اليوم الخامس من سفرنا إلى كُنْجي كَري "وضبط اسمها بكاف مضموم ونون ساكن وجيم وياء مد وكاف مفتوح وراء مكسور وياء"، وهي بأعلى جبل هنالك. يسكنها اليهود، ولهم أمير منهم، ويؤدون الجزية لسلطان كولم.
وجميع الأشجار التي على هذا النهر أشجار القرفة والبقم وهي حطبهم هنالك. ومنها كنا نقد النار لطبخ طعامنا في ذلك الطريق. وفي اليوم العاشر وصلنا إلى مدينة كَوْلَم "وضبط اسمها بفتح الكاف واللام وبينهما واو"، وهي أحسن بلاد المليبار وأسواقها حسان وتجارها يعرفون بالصوليين لهم أموال عريضة يشتري أحدهم المركب بما فيه ويوسقه من داره بالسلع. وبها من التجار المسلمين جماعة كبيرهم علاء الدين الآوجي من أهل آوة من بلاد العراق، وهو رافضي ومعه أصحاب له على مذهبه وهم يظهرون ذلك. وقاضيها فاضل من أهل قزوين. وكبير المسلمين بها محمد شاه بندر وله أخ فاضل كريم اسمه تقي الدين. والمسجد الجامع بها عجيب عمره التاجر خواجة مهذب. وهذه المدينة أول ما يوالي الصين من بلاد المليبار وإليه يسافر أكثرهم. والمسلمون بها أعزة محترمون. وكان سلطان كولم كافراً يعرف بالتِيرَوَرِي "بكسر التاء المعلوة وياء مد وراء وواو مفتوحين وراء مكسورة وياء" وهو معظم المسلمين. وله أحكام شديدة على السراق والدعار.
ومما شاهدت بِكََولم أن بعض الرماة العراقيين قتل آخر منهم وفر إلى دار الآوجي وكان له مال كثير، وأراد المسلمون دفن المقتول، فمنعهم نواب السلطان من ذلك. وقالوا لا يدفن حتى تدفعوا لنا قاتله فيقتل به وتركوه في تابوته على باب الآوجي حتى أنتن وتغير. فمكنهم الآوجي من القاتل ورغب منهم أن يعطيهم أمواله ويتركوه حيا فأبوا ذلك وقتلوه. وحينئذ دفن المقتول.
أخبرت أن سلطان كولم ركب يوماً إلى خارجها وكان طريقة فيما بين البساتين ومعه صهره زوج بنته وهو من أبناء الملوك، فأخذ حبة واحدة من
стр. 479
العنبة سقطت من بعض البساتين. وكان السلطان ينظر إليه فأمر به عند ذلك فوسط وقسم نصفين وصلب نصفه عن يمين الطريق ونصفه الآخر عن يساره وقسمت حبة العنبة نصفين فوضع على كل نصف منها وترك عبرة للناظرين. ومما اتفق نحو ذلك بقالقوط أن ابن أخ للنائب عن سلطانها غصب سيفاً لبعض تجار المسلمين، فشكا بذلك إلى ابن عمه فوعده بالنظر في أمره وقعد على باب داره فإذا بابن أخيه متقلد ذلك السيف. فدعاه فقال: هذا سيف المسلم. قال: نعم. قال: اشتريته منه. قال لا فقال لأعوانه: أمسكوه ثم أمر به فضربت عنقه بذلك السيف. وأقمت بكولم مدة بزاوية الشيخ فخر الدين بن الشيخ شهاب الدين الكازورني شيخ قالقوط، فلم أتعرف للككم خبراً.
وفي أثناء مقامي بها دخل إليها أرسال ملك الصين الذين كانوا معنا وكانوا ركبوا في أحد تلك الجنوك فانكسر أيضا فكساهم تجار الصين وعادوا إلى بلادهم ولقيتهم بها بعد وأردت أن أعود من كولم إلى السلطان لأعلمه بما اتفق على الهدية. ثم خفت أن يتعقب فعلي ويقول: لم فارقت الهدية؟ فعزمت على العودة إلى السلطان جمال الدين الهنوري وأقيم عنده حتى أتعرف خبر الكَكَم. فعدت إلى قالقوط ووجدت بها بعض مراكب السلطان فبعث فيها أميراً من العرب يعرف السيد أبي الحسن وهو من البرددارية وهم خواص البوابين بعثه السلطان بأموال يستجلب بها من قدر عليه من العرب من أرض هرمز والقطيف لمحبته في العرب فتوجهت إلى هذا الأمير ورأيته عازماً على أن يشتو بقالقوط وحينئذ يسافر إلى بلاد العرب فشاورته في العودة إلى السلطان فلم يوافق على ذلك. فسافرت بالبحر من قالقوط وذلك آخر فصل السفر فيه فكنا نسير نصف النهار الأول ثم نرسو إلى الغد ولقينا في طريقنا أربعة أجفان غزوية فخفنا منها ثم لم يعرضوا لنا بشر. ووصلنا إلى مدينة هنور فنزلت إلى السلطان وسلمت عليه فأنزلني بدار ولم يكن لي خديم وطلب مني أن أصلي معه الصلوات فكان أكثر جلوسي في مسجده. وكنت أختم القرآن كل يوم ثم كنت أختم مرتين في اليوم أبتدئ القراءة بعد صلاة الصبح فأختم عند الزوال. وأجدد الوضوء وأبتدئ القراءة فأختم الختمة الثانية عند الغروب. ولم أزل كذلك مدة ثلاثة أشهر واعتكفت فيها أربعين يوماً.
стр. 480
وكان السلطان جمال الدين قد جهز اثنين وخمسين مركباً وسفرته برسم غزو سندابور وكان وقع بين سلطانها وولده خلاف فكتب ولده إلى السلطان جمال الدين أن يتوجه لفتح سندابور ويسلم الولد المذكور ويزوجه السلطان أخته. فلما تجهزت المراكب ظهر لي أن أتوجه فيها إلى الجهاد ففتحت المصحف أنظر فيه فكان في أول الصفح يذكر فيها اسم الله كثيراً: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١. فاستبشرت بذلك وأتى السلطان إلى صلاة العصر. فقلت له إني أريد السفر، فقال: فأنت إذا تكون أميرهم فأخبرته بما خرج لي في أول الصفح فأعجبه ذلك وعزم على السفر بنفسه ولم يكن ظهر له ذلك قبل فركب مركباً منها وأنا معه وذلك في يوم السبت، فوصلنا عشي الاثنين إلى سندابور ودخلنا خورها فوجدنا أهلها مستعدين للحرب وقد نصبوا المجانيق، فبِتْنا عليها تلك الليلة، فلما أصبح ضربت الطبول والأنفار والأبواق وزحفت المراكب ورموا عليها بالمجانيق فلقد رأيت حجراً أصاب بعض الواقفين بمقربة من السلطان، ورمى أهل المراكب أنفسهم في الماء وبأيديهم الترسة والسيوف ونزل السلطان إلى العكيري وهو شبه الشلير ورميت بنفسي في الماء في جملة الناس. وكان عندنا طريدتان مفتوحتي المواخر فيها الخيل وهي بحيث يركب الفارس فرسه في جوفها ويتدرع ويخرج ففعلوا ذلك وأذن الله في فتحها وأنزل النصر على المسلمين فدخلنا بالسيف ودخل معظم الكفار في قصر سلطانهم فرَمينا النار فيه فخرجوا وقبضنا عليهم، ثم أن السلطان أمنهم ورد لهم نساءهم وأولادهم وكانوا نحو عشرة آلاف وأسكنهم بربض المدينة وسكن السلطان القصر وأعطى الديار بمقربة منه لأهل دولته وأعطاني جارية منهن تسمى بلكي فسميتها مباركة، وأراد زوجها فداءها فأبيت. وكساني فرجية مصرية وجدت في خزائن الكافر. وأقمت عنده بسندابور من يوم فتحها وهو الثالث عشر لجمادى الأولى إلى منتصف شعبان، وطلبت منه الإذن في السفر فأخذ علي العهد في العودة إليه. وسافرت في البحر إلى هنور ثم إلى فاكنور ثم إلى منجرور ثم إلى هيلي ثم إلى جرفتن وده فتن وبدفتن وفندرينا وقالقوط، وقد تقدم ذكر جميعها، ثم إلى مدينة الشاليات
стр. 481
"وهي بالشين المعجم وألف ولام وياء آخر الحروف وألف وتاء معلوة"، مدينة من حسان المدن، تصنع بها الثياب المنسوبة لها. وأقمت بها فطال مقامي فعدت إلى قالقوط. ووصل إليها غلامان كانا لي بالككم فأخبراني أن الجارية التي كانت حاملاً، وبسببها كان تغير خاطري توفيت. وأخذ صاحب الجاوة سائر الجواري، واستولت الأيدي على المتاع وتفرق أصحابي إلى الصين والجاوة وبنجالة. فعدت لما تعرفت هذا إلى هنور ثم إلى سندابور، فوصلتها في آخر المحرم وأقمت بها إلى الثاني من شهر ربيع الآخر، وقدم سلطانهم الكافر الذي دخلنا عليه برسم أخذها وهرب إليه الكفار كلهم، وكانت عساكر السلطان متفرقة في القرى فانقطعوا عنا، وحصرنا الكفار وضيقوا علينا ولما اشتد الحال خرجت عنها وتركتها محصورة وعدت إلى قالقوط وعزمت على السفر إلى ذيبة المهل وكنت أسمع بأخبارها. فبعد عشرة أيام من ركوبنا البحر بقالقوط وصلنا جزائر ذيبة المَهَل، وذيبة على لفظ مؤنث الذيب، والمَهَل "بفتح الميم والهاء". وهذه الجزائر إحدى عجائب الدنيا وهي نحو ألفي جزيرة ويكون منها مائة فما دونها مجتمعات مستديرة كالحلقة لها مدخل كالباب لا تدخل المراكب إلا منه وإذا وصل المركب إلى إحداها فلا بد له من دليل من أهلها يسير به إلى سائر الجزائر وهي من التقارب بحيث تظهر رؤوس النخل التي بإحداها عند الخروج من الأخرى فإن أخطأ المركب سمتها لم يمكنه دخولها وحملته الريح إلى المعبر أو سيلان. وهذه الجزائر أهلها كلهم مسلمون ذوو ديانة وصلاح وهي منقسمة إلى أقاليم على كل إقليم وال يسمونه الكردوي. ومن أقاليمها إقليم بالبور "وهو ببائين معقودتين وكسر اللام وآخره راء"، ومنها كنَّلُوس "بفتح الكاف والنون مع تشديدها وضم اللام وواو وسين مهمل"، ومنها إقليم المهل وبه تعرف الجزائر كلها وبها يسكن سلاطينها، ومنها إقليم تَلاَديب "بفتح التاء المعلوة واللام وألف ودال مهمل وباء مد وباء موحدة"، ومنها إقليم كرايدوا "بفتح الكاف وسكون الياء المسفولة وضم الدال المهمل"، ومنها إقليم التيم "بفتح التاء المعلوة وسكون الياء المسفولة"، ومنها إقليم تَلْدُمَّتِي "بفتح التاء المعلوة الأول واللام وضم الدال المهمل وفتح الميم وتشديدها وكسر التاء الأخرى وياء"، ومنها إقليم هَلْدُمَّتي، وهو مثل اللفظ الذي قبله إلاّ أنّ الهاء أوله، ومنها إقليم بَرَوَيْدو "بفتح الباء الموحدة والراء وسكون الياء وضم الدال المهمل وواو"، ومنها إقليم كَندْكَل "بفتح الكافين والدال
стр. 482
المهمل ولام"، ومنها إقليم مُلوك "بضم الميم"، ومنها إقليم السويد "بالسين المهمل"، وهو أقصاها. وهذه الجزائر كلها لا زرع بها إلا أن في إقليم السويد منها زرعا يشبه أتلي ويجلب منه إلى المهل، وإنما أكل أهلها سمك يشبه الليرون، ويسمونه قُلب الماس "بضم القاف"، ولحمه أحمر ولا زفر له، إنما ريحه كريح لحم الأنعام، وإذا اصطادوه قطعوا السمكة منه أربع قطع وطبخوها يسيراً ثم جعلوه في مكاتيل من سعف النخل وعلقوه للدخان فإذا استحكم يبسه أكلوه، ويحمل منها إلى الهند والصين واليمن.
ومعظم أشجار هذه الجزائر النارجيل وهو من أقواتهم مع السمك وقد تقدم ذكره، وأشجار النارجيل شأنها عجيب وتثمر النخل منها اثنى عشر عذقا في السنة يخرج في كل شهر عذق فيكون بعضها صغيراً وبعضها كبيراً وبعضها يابسا وبعضها أخضر هكذا أبداً، ويصنعون منه الحليب والزيت والعسل حسبما ذكرنا ذلك في السفر الأول، ويصنعون من عسله الحلواء فيأكلونها مع الجوز اليابس منه. ولذلك كله وللسمك الذي يتغذون به قوة عجيبة في الباءة لا نظير لها. ولأهل هذه الجزائر عجب في ذلك. ولقد كان لي بها أربع نسوة وجوار سواهن فكنت أطوف على جميعهن كل يوم وأبيت عند من تكون ليلتها. وأقمت بها سنة ونصف أخرى على ذلك. ومن أشجارها الجموح١ والأترج والليمون والقلقاص، وهم يصنعون من أصوله دقيقاً يعملون منه شبه الأطرية ويطبخونها بحليب النارجيل وهي من أطيب الطعام كنت أستحسنها كثيراً وآكلها.
وأهل هذه الجزائر أهل صلاح وديانة وإيمان صحيح ونية صادقة أكلهم حلال ودعاؤهم مجاب. وإذا رأى الإنسان أحدهم قال له: الله ربي ومحمد نبيي وأنا أمي مسكين، وأبدانهم ضعيفة ولا عهد لهم بالقتال والمحاربة وسلاحهم الدعاء. ولقد أمرت مرة بقطع يد سارق بها فغشى علي جماعة منهم كانوا بالمجلس، ولا تطرقهم لصوص الهند ولا تذعرهم لأنهم جربوا أن من أخذ لهم شيئا أصابته مصيبة عاجلة. وإذا أتت أجفان العدو إلى ناحيتهم أخذوا من وجدوا من غيرهم ولم يعرضوا لأحد منهم بسوء. وإن أخذ أحد الكفار،
стр. 483
ولو ليمونة عاقبه أمير الكفار وضربه الضرب المبرح خوفاً من عاقبة ذلك. ولولا هذا لكانوا أهون الناس على قاصدهم بالقتال لضعف بنيتهم. وفي كل جزيرة من جزائرهم المساجد الحسنة وأكثر عمارتهم الخشب. وهم أهل نظافة وتنزه عن الأقذار وأكثرهم يغتسلون مرتين في اليوم تنظفا لشدة الحر بها وكثرة العرق ويكثرون من الأدهان العطرية كالصندلية وغيرها ويتلطخون بالغالية المجلوبة من مقدشو. ومن عادتهم أنهم إذا صلوا الصبح أتت كل امرأة إلى زوجها أو ابنها بالمكحلة وبماء الورد ودهن الغالية فيكحل عينيه ويدهن بماء الورد ودهن الغالية فتصقل بشرته وتزيل الشحوب عن وجهه. ولباسهم فوط يشدون الفوطة منها على أوساطهم عوض السراويل ويجعلون على ظهورهم ثياب الوليان "بكسر الواو وسكون اللام وياء" وهي شبه الأحاريم وبعضهم يجعل عمامة وبعضهم منديلاً صغيراً عوضا منها. وإذا لقي أحدهم القاضي أو الخطيب وضع ثوبه عن كتفيه وكشف ظهره ومضى معه كذلك حتى يصل إلى منزله. ومن عوائدهم أنه إذا تزوج الرجل منهم ومضى إلى دار زوجته بسطت له ثياب القطن من باب دارها إلى باب البيت وجعل عليها غرفات من الودع عن يمين طريقه إلى البيت وشماله وتكون المرأة واقفة عند باب البيت تنتظره فإذا وصل إليها رمت على رجليه ثوباً يأخذه خدامه. وإن كانت المرأة هي التي تأتي إلى منزل الرجل بسطت داره وجعل فيها الودع ورمت المرأة عند الوصول إليه الثوب على رجليه. وكذلك عادتهم في السلام على السلطان عندهم لا بد من ثوب يرمى عند ذلك وسنذكره.
وبنيانهم بالخشب ويجعلون سطوح البيوت مرتفعة عن الأرض توقياً من الرطوبات لأن أرضهم ندية. وكيفية ذلك أن ينحتوا حجارة يكون طول الحجر منها ذراعين أو ثلاثة ويجعلونها صفوفا ويعرضون عليها خشب النارجيل ثم يضعون الحيطان من الخشب ولهم صناعة عجيبة في ذلك. ويبنون في أسطوان الدار بيتاً يسمونه المالَم "بفتح اللام" يجلس الرجل به مع أصحابه ويكون له بابان أحدهما إلى جهة الأسطوان يدخل منه الناس والآخر إلى جهة الدار يدخل منه صاحبها. ويكون عند هذا البيت خابية مملوءة ماء ولها مستقى يسمونه الوالنج "بفتح الواو واللام وسكون النون وجيم" هو من قشر جوز النارجيل، وله نصاب طوله ذراعان. وبه يسقون الماء من الآبار لقربها. وجميعهم حفاة الأقدام من رفيع ووضيع، وأزقتهم مكنوسة نقية، تظللها
стр. 484
الأشجار. فالماشي بها كأنه في بستان ومع ذلك لا بد لكل داخل إلى الدار أن يغسل رجليه بالماء الذي في الخابية بالمالم، ويمسحها بحصير غليظ من الليف يكون هنالك، ثم يدخل بيته وكذلك يفعل كل داخل إلى المسجد.
ومن عوائدهم إذا قدم عليهم مركب أن تخرج إليه الكنادر وهي القوارب الصغار وإحداها كُنْدُرة "بضم الكاف والدال". وفيها أهل الجزيرة معهم التنبول أو الكرنبة وهي جوز النارجيل الأخضر، فيعطي الإنسان منهم ذلك لمن شاء من أهل المركب ويكون نزيله ويحمل أمتعته إلى داره كأنه بعض أقربائه. ومن أراد التزوج من القادمين عليهم تزوج فإذا حان سفره طلق المرأة لأنهن لا يخرجن عن بلادهن. ومن لم يتزوج فالمرأة التي ينزل بدارها تطبخ له وتخدمه وتزوّده إذا سافر وترضى منه في مقابلة بأيسر شيء من الإحسان. وفائدة المخزن ويسمونه البندر أن يشتري من كل سلعة بالمركب حظاً بسوم معلوم سواء كانت السلعة تساوي ذلك أو أكثر منه ويسمونه شرع البندر ويكون للبندر بيت في كل جزيرة من الخشب يسمونه البَجَنْصار "بفتح الباء الموحدة والجيم وسكون النون وفتح الصاد المهمل وآخره راء"، يجمع به الوالي وهو الكردوري جميع سلعه ويبيع بها ويشتري. وهم يشترون الفخار إذا جلب إليهم بالدجاج فتباع عندهم القدر بخمس دجاجات وست، وتحمل المراكب من هذه الجزائر السمك الذي ذكرناه وجوز النارجيل والفوط والوليان والعمائم وهي من القطن ويحملون منها أواني النحاس. فإنها عندهم كثيرة ويحملون الودع ويحملون القنبر وهو ليف جوز النارجيل وهم يدبغونه في حفر على الساحل ثم يضربونه بالمرازب ثم تغزله النساء وتصنع منه الحبال لخياطة المراكب وتحمل إلى الصين والهند واليمن وهو خير من القنب. وبهذه الحبال تخاط مراكب الهند واليمن لأن ذلك البحر كثير الحجارة، فإن كان المركب مسمراً بمسامير الحديد صدم الحجارة فانكسر وإذا كان مخيطاً بالحبال أعطى الرطوبة فلم ينكسر. وصرف أهل هذه الجزائر الودع وهو حيوان يلتقطونه في البحر ويضعونه في حفر هنالك فيذهب لحمه ويبقى عظمه أبيض ويسمون المائة منه سياه "بسين مهمل وياء آخر الحروف" ويسمونه السبعمائة منه الفال "بالفاء"، ويسمونه الاثنى عشر ألفاً منه الكتيّ "بضم الكاف وتشديد التاء
стр. 485
المعلوة"، ويسمون المائة ألف منه بُستُو "بضم الباء الموحدة والتاء المعلوة وبينهما سين مهمل"، ويباع بها بقيمة أربعة بساتي بدينار من الذهب وربما رخص حتى يباع عشر بساتي منه بدينار. ويبيعونه من أهل اليمن فيجعلونه عوض الرمل في مراكبهم. وهذا الودع أيضاً هو صرف السودان في بلادهم، رأيته يباع بمالي وجوجو بحساب ألف وخمسين للدينار الذهبي.
ونساؤها لا يغطين رؤسهن، ولا سلطانتهم تغطي رأسها. ويمشطن شعورهن ويجمعنها إلى جهة واحدة. ولا يلبس أكثرهن إلا فوطه واحدة تسترها من السرة إلى أسفل، وسائر أجسادهن مكشوفة، وكذلك يمشين في الأسواق وغيرها. ولقد جهدت لما وليت القضاء بها أن أقطع تلك العادة وآمرهن باللباس فلم أستطع ذلك. وكانت لا تدخل إلي منهن امرأة في خصومة إلا مستترة الجسد، وما عدا ذلك لم تكن لي عليهن قدرة. ولباس بعضهن قمص زائدة على الفوطة وقمصهن قصار الأكمام عراضها. وكان لي جوار كسوتهن لباس أهل دهلي تغطين رؤسهن فعابهن ذلك أكثر مما زانهن إذ لم يتعودونه. وحليهن الأساور وتجعل المرأه منها جملة في ذراعيها بحيث تملأ ما بين الكوع والمرفق وهي من الفضة. ولا تحمل أساور الذهب إلا نساء السلطان وأقاربه ولهن الخلاخيل ويسمونها البَايِل "بباء موحدة وألف وياء آخر الحروف مكسورة" وقلائد ذهب يجعلنها على صدورهن ويسمونها البَسْدرد "بالباء الموحدة وسكون السين المهمل وفتح الدال المهمل والراء". ومن عجيب أفعالهن أنهن يستأجرن أنفسهن للخدمة بالديار على عدد معلوم من خمسة دنانير فما دونها وعلى مستأجرهن نفقتهن ولا يرين ذلك عيباً، ويفعله أكثر بناتهم فتجد في دار الإنسان الغني منهم العشرة والعشرين. وكل ما تكسره من الأواني يحسب عليها قيمته. وإذا أرادت الخروج من دار إلى دار أعطاها أهل الدار التي تخرج إليها العدد الذي هي مرتهنة فيه فتدفعه لأهل الدار التي خرجت منها ويبقى عليها للآخرين. وأكثر شغل هؤلاء المستأجرات غزل القنبر. والتزوج بهذه الجزائر سهل لنزارة الصداق وحسن معاشرة النساء. وأكثر الناس لا يسمي صداقاً، إنما تقع الشهادة ويعطى صداق مثلها. وإذا قدمت المراكب تزوج أهلها النساء، فإذا أرادوا السفر طلقوهن، وذلك نوع من نكاح المتعة. وهن لا يخرجن
стр. 486
عن بلادهن أبداً. ولم أر في الدنيا أحسن معاشرة منهن. ولا تكل المرأة عندهم خدمة زوجها إلى سواها، بل هي تأتيه بالطعام وترفعه من بين يديه وتغسل يده وتأتيه بالماء للوضوء وتغم رجليه عند النوم. ومن عوائدهن أن لا تأكل المرأة مع زوجها ولا يعلم الرجل ما تأكله المرأة، ولقد تزوجت بها نسوة فأكل معي بعضهن بعد محاولة، وبعضهن لم تأكل معي ولا أستطعت أن أراها تأكل ولا نفعتني حيلة في ذلك.
وحدثني الثقات من أهلها كالفقية عيسى اليمني، والفقيه المعلم علي، والقاضي عبد الله، وجماعة سواهم، أن هذه الجزائر كانوا كفاراً وكان يظهر لهم في كل شهر عفريت من الجن يأتي ناحية البحر كأنه مركب مملوء بالقناديل. وكانت عادتهم إذا رأوه أخذوا جارية بكراً فزينوها وأدخلوها إلى بدخانة وهي بيت الأصنام وكان مبنياً على ضفة البحر وله طاق ينظر إليه، ويتركونها هنالك ليلة ثم يأتون عند الصباح فيجدونها مفتضة ميتة. ولا يزالون في كل شهر يقترعون بينهم فمن أصابته القرعة أعطى بنته، ثم أنه قدم عليهم مغربي يسمى بأبي البركات البربري وكان حافظاً للقرآن العظيم فنزل بدار عجوز منهم يجزيرة المهل فدخل عليها يوماً وقد جمعت أهلها وهن يبكين كأنهن في مأتم فساتفهمهن عن شأنهن فلم يفهمنه فأتى ترجمان فأخبره أن العجوز كانت القرعة عليها وليس لها إلا بنت واحدة يقتلها العفريب. فقال لها أبو البركات: أنا أتوجه عوضاً من بنتك بالليل. وكان سُناطاً لا لحية له، فاحتملوه تلك الليلة وأدخلوه إلى بدخانة، وهو متوضئ، وأقام يتلو القرآن ثم ظهر له العفريت من الطاق فداوم التلاوة فلما كان بحيث يسمع القراءة غاص في البحر وأصبح المغربي وهو يتلو على حاله فجاءت العجوز وأهلها وأهل الجزيرة ليستخرجوا البنت على عادتهم فيحرقوها فوجدوا المغرب يتلوا فمضو إلى ملكهم وكان يسمى شَنُورازة "بفتح الشين المعجم وضم النون وواو وراء وألف وزاي وهاء"، واعلموه بخبره فعجب منه وعرض المغربي عليه الإسلام ورغبه فيه، فقال له: أقم عندنا إلى الشهر الآخر فإن فعلت كفعلك ونجوت من العفريت أسلمت. فأقام عندهم وشرح الله صدر الملك للإسلام فأسلم قبل تمام الشهر وأسلم أهله وأولاده وأهل دولته، ثم حمل المغربي لما دخل الشهر إلى بدخانة ولم يأت العفريت فجعل يتلو حتى الصباح. وجاء
стр. 487
السلطان والناس معه فوجدوه على حاله من التلاوة فكسروا الأصنام وهدموا البدخانة وأسلم أهل الجزيرة وبعثوا إلى سائر الجزائر فأسلم أهلها. وأقام المغربي عندهم معظماً وتمذهبوا بمذهبه مذهب الإمام مالك ﵁ وهم إلى هذا العهد يعظمون المغاربة بسببه. وبنى مسجد هو معروف باسمه، وقرأت على مقصورة الجامع منقوشاً في الخشب أسلم السلطان أحمد شنورازة على يد أبي البركات البربري المغربي. وجعل ذلك السلطان ثلث مجابي الجزائر صدقة على أبناء السبيل إذ كان إسلامه بسببهم، فسمي على ذلك حتى الآن، وبسبب هذا العفريت خرب من هذه الجزائر كثير قبل الإسلام.
ولما دخلناها لم يكن لي علم بشأنه فبينا أنا ليلة في بعض شأني سمعت الناس يجهرون بالتهليل والتكبير ورأيت الأولاد وعلى رؤوسهم المصاحف والنساء يضربون في الطسوت وأواني النحاس فعجبت من فعلهم وقلت ما شأنكم؟ فقالوا: ألا تنظر إلى البحر فنظرت فإذا مثل المركب الكبير وكأنه مملوءٌ سرجاً ومشاعل، فقالوا ذلك العفريت وعادته أن يظهر مرة في الشهر فإذا فعلنا ما رأيت انصرف عنا ولم يضرنا.
ومن عجائبها أن سلطانتها امرأة وهي خديجة بنت السلطان جلال الدين عمر بن السلطان صلاح الدين صالح البنجالي. وكان الملك لجدها ثم لأبيها، فلما مات أبوها ولي أخوها شهاب الدين وهو صغير السن فتزوج الوزير عبد الله بن محمد الحضرمي أمه وغلب عليه وهو الذي تزوج أيضا هذه السلطانة خديجة بعد وفاة زوجها الوزير جمال الدين كما سنذكره. فلما بلغ شهاب الدين مبلغ الرجال أخرج ربيبة الوزير عبد الله ونفاه إلى جزائر السويد واستقل بالملك واستوزر أحد مواليه ويسمى علي كلكي ثم عزله بعد ثلاثة أعوام ونفاه إلى السويد. وكان يذكر عن السلطان شهاب الدين المذكور أنه يختلف إلى حرم أهل دولته وخواصه بالليل، فخلعوه لذلك ونفوه إلى إقليم هلدتني وبعثوا من قتله بها. ولم يكن بقي من بيت الملك إلا أخواته خديجة الكبرى ومريم وفاطمة، فقدموا خديجة سلطانة وكانت متزوجة لخطيبهم جمال الدين فصار وزيراً وغالباً على الأمر وقدم ولده محمدا للخطابة عوضا عنه. ولكن الأوامر إنما تنفذ باسم خديجة. وهم يكتبون الأوامر في سعف النخل بحديدة معوجة شبه السكين. ولا يكتبون في الكاغد إلا المصاحف وكتب العلم،
стр. 488
ويذكرها الخطيب يوم الجمعة وغيرها، فيقول: اللهم انصر أمتك التي اخترتها على علم على العالمين، وجعلتها رحمة لكافة المسلمين، ألا وهي السلطانة خديجة بنت السلطان جلال الدين بن السلطان صلاح الدين. ومن عادتهم إذا قدم الغريب عليهم ومضى إلى المشور وهم يسمونه الدار فلا بد له أن يستصحب ثوبين فيخدم لجهة هذه السلطانة ويرمي بأحدهما ثم يخدم لوزيرها وهو زوجها جمال الدين ويرمي بالثاني. وجندها نحو ألف نفرٍ من الغرباء وبعضهم بلديون. ويأتون كل يوم إلى الدار، فيخدمون وينصرفون. ومرتبهم الأرز يعطاهم من البندر في كل شهر، فإذا تم الشهر أتوا الدار وخدموا، وقالوا للوزير: بلغ عنا الخدمة، واعلم بأنا أتينا نطلب مرتبنا. فيؤمر لهم بها عند ذلك. ويأتي أيضا إلى الدار كل يوم القاضي وأرباب الخطط وهم الوزراء عندهم فيخدمون ويبلغ خدمتهم الفتيان وينصرفون.
وهم يسمون الوزير الأكبر النائب عن السلطانة كَلَكي "بفتح الكاف الأولى واللام" ويسمون القاضي فَنْدْيَار قَالُوَا "وضبط ذلك بفاء مفتوح ونون مسكن ودال مهمل مفتوح وياء آخر الحروف وألف وراء وقاف وألف ولام مضمومٌ) ، وأحكامهم كلها راجعة إلى القاضي، وهو أعظم عندهم من الناس أجمعين، وأمره كأمر السلطان وأشد ويجلس على بساط في الدار. وله ثلاثة جزائر يأخذ مجباها لنفسه عادة قديمة أجراها السطان أحمد شنورازة ويسمون الخطيب هَنْدِيجَرِي "بفتح الهاء وسكون النون وكسر الدال وياء مد وجيم ومفتوح وراء وياء". ويسمون صاحب الديوان الفَاملداري "بفتح الفاء والدال المهمل"، واسم صاحب الأشغال مَافَاكَلُو "بفتح الميم والكاف وضم اللام" واسم الحاكم فِتْنَايَك "بكسر الفاء وسكون التاء المعلوة وفتح النون وألف وياء آخر الحروف" واسم قائد البحر مَانَايَاك "بفتح الميم والنون والياء". وكل من هؤلاء يسمى وزيراً. ولا سجن عندهم بتلك الجزائر، إنما يحبس أرباب الجرائم في بيوت خشب هي معدة لأمتعة التجار ويجعل أحدهم في خشبة كما يفعل عندنا بأساري الروم.
ولما وصلت إليها نزلت منها بجزيرة كنلوس، وهي جزيرة حسنة فيها المساجد الكثيرة ونزلت بدار رجل من صلحائها وأضافني بها الفقيه علي وكان فاضلاً له أولاد من طلبة العلم. ولقيت بها رجلا اسمه محمد من أهل ظفار
стр. 489
الحموض، فأضافني وقال لي: إن دخلت جزيرة المهل أمسكك الوزير بها. فإنهم لا قاضي عندهم. وكان غرضي أن أسافر منها إلى المعبر وسرنديت وبنجالة ثم إلى الصين وكان قدومي عليها في مركب الناخوذة عمر الهنوري وهو من الحجاج الفضلاء.
ولما وصلنا كنلوس أقام بها عشراً ثم اكترى كندرة يسافر فيها إلى المهل بهدية للسلطانة وزوجها، فأردت السفر معه، فقال: لا تسعك الكندرة أنت وأصحابك فإن شئت السفر منفرداً عنهم فدونك فأبيت ذلك، وسافر فلعبت به الريح وعاد إلينا بعد أربعة أيام وقد لقي شدائد فاعتذر لي وعزم علي في السفر معه بأصحابي فكنا نرحل غدوة فننزل في وسط النهار لبعض الجزائر ونرحل فنبيت بأخرى.
ووصلنا بعد أربعة أيام إلى إقليم التيم. وكان الكردوي يسمى بها هلالاً، فسلم علي وأضافني وجاء إلي ومعه أربعة رجال وقد جعل اثنان منهم عوداً على أكتافهما وعلقا منه أربع دجاجات وجعل الآخران عوداً مثله وعلقا منه نحو عشر من جوز النارجيل فعجبت من تعظيمهم لهذا الشيء الحقير، فأخبرت أنهم صنعوه على جهة الكرامة والإجلال. ورحلنا عنهم فنزلنا في اليوم السادس بجزيرة عثمان وهو رجل فاضل من خيار الناس فأكرمنا وأضافنا. وفي اليوم الثامن نزلنا بجزيرة لوزير يقال له التلمذي. وفي اليوم العاشر وصلنا إلى جزيرة المهل حيث السلطانة وزوجها وأرسينا بمرساها. وعادتهم أن لا ينزل أحد من المرسى إلا بإذنهم فأذنوا لنا في النزول وأردت التوجه إلى بعض المساجد فمنعني الخدام الذين بالساحل وقالوا لا بد من الدخول إلى الوزير.
وكنت أوصيت الناخوذة أن يقول إذا سئل عني: لا أعرفه خوفاً من إمساكهم إياي. ولم أعلم أن بعض أهل الفضول قد كتب إليهم معرفاً بخبري، وأني كنت قاضياً بدهلي، فلما وصلنا إلى الدار وهو المشور نزلنا في سقائف على الباب الثالث منه وجاء القاضي عيسى اليمني فسلم علي وسلمت على الوزير وجاء الناخوذة إبراهيم بعشرة أثواب فخدم لجهة السلطانة ورمى بثوب منها ثم خدم للوزير ورمى بثوب آخر ورمى بجميعها. وسئل عني فقال: لا أعرفه. ثم أخرجوا إلينا التنبول وماء الورد وذلك هو الكرامة عندهم وأنزلنا بدار وبعث إلينا الطعام وهو قصعة كبيرة فيها الأرز،
стр. 490
وتدور بها صحاف فيها اللحم الخليع والدجاج والسمن والسمك. ولما كان بالغد مضيت مع الناخوذة والقاضي عيسى اليمني لزيارة زاوية في طرف الجزيرة عمرها الشيخ الصالح نجيب وعدنا ليلاً. وبعث الوزير إلي صبيحة تلك الليلة كسوة وضيافة فيها الأرز والسمن والخليع وجوز النارجيل والعسل المصنوع منها وهم يسمونه القُرْبَاني "بضم القاف وسكون الراء وفتح الباء الموحدة، وألف ونون وياء"، ومعنى ذلك ماء السكر. وأتوا بمائة ودعة للنفقة. وبعد عشرة أيام قدم مركب من سيلان فيه فقراء من العرب والعجم يعرفونني فعرفوا خدام الوزير بأمري فزاد اغتباطاً بي، وبعث عني عند استهلال رمضان فوجدت الأمراء والوزراء. وأحضر الطعام في موائد يجتمع على المائدة طائفة فأجلسني الوزير إلى جانبه ومعه القاضي عيسى والوزير الفاملداري والوزير عمر دهرد ومعناه مقدم العسكر. وطعامهم الأرز والدجاج والسمن والسمك والخليع والموز المطبوخ، ويشربون بعده عسل النارجيل مخلوطاً بالأفاويه، وهو يهضم الطعام. وفي التاسع من شهر رمضان مات صهر الوزير زوج بنته وكانت قبله عند السلطان شهاب الدين ولم يدخل بها أحد منهما لصغرها، فردها أبوها لداره وأعطاني دارها وهي من أجمل الدور. واستأذنته في ضيافة الفقراء القادمين من زيارة القدم١ فأذن لي في ذلك وبعث إلي خمساً من الغنم وهي عزيزة عندهم لأنها مجلوبة من المعبر والمليبار ومقدشو، وبعث الأرز والدجاج والسمن والأبازير، فبعثت ذلك كله إلى دار الوزير سليمان مانايك فطبخ لي بها فأحسن في طبخه وزاد فيه وبعث الفرش وأواني النحاس وأفطرنا على العادة بدار السلطانة مع الوزير. واستأذنته في حضور بعض الوزراء بتلك الضيافة فقال لي وأنا أحضر أيضاً فشكرته وانصرفت إلى داري، فإذا به قد جاء ومعه الوزراء وأرباب الدولة فجلس في قبة خشب مرتفعة وكان كل من يأتي من الأمراء والوزراء يسلم على الوزير ويرمي بثوب غير مخيط حتى اجتمع مائة ثوب أو نحوها، فأخذها الفقراء وقدم الطعام فأكلوا ثم قرأ القراء بالأصوات الحسان ثم أخذوا في السماع والرقص وأعددت النار فكان الفقراء يدخلونها ويطؤونها بالأقدام ومنهم من يأكلها كما تؤكل الحلواء إلى أن خمدت.
стр. 491
ولما تمت الليلة انصرف الوزير ومضيت معه، فمررنا ببستان للمخزن، فقال لي الوزير: هذا البستان لك وسأعمر لك فيه داراً لسكناك، فشكرت فعله ودعوت له. ثم بعث لي من الغد بجارية وقال لي خديمه: يقول لك الوزير: إن أعجبتك هذه فهي لك، وإلا بعثت لك جارية مرهتية، وكانت الجواري المرهتيات تعجبني، فقلت له: إنما أريد المرهتية، فبعثها لي، وكان اسمها قل استان، ومعناه زهر البستان، وكانت تعرف اللسان الفارسي فأعجبتني. وأهل تلك الجزائر لهم لسان لم أكن أعرفه ثم بعث إلي في غد ذلك بجارية معبرية تسمى عنبري. ولما كانت الليلة بعدها جاء الوزير إلي بعد العشاء الأخيرة في نفر من أصحابه فدخل الدار ومعه غلامان صغيران فسلمت عليه وسألني عن حالي فدعوت له وشكرته فألقى أحد الغلامين بين يديه لقشة "بقشة"١ وهي شبه السبنية وأخرج منها ثياب حرير وحُقّاً فيه جوهر وحلي فأعطاني ذلك، وقال لي: لو بعثته لك مع الجارية لقالت هو مالي جئت به من دار مولاي والآن هو مالك فأعطه إياه فدعوت له وشكرته وكان أهلاً للشكر ﵀.
وكان الوزير سليمان مانايك قد بعث إلي أن أتزوج بنته فبعثت إلى الوزير جمال الدين مستأذناً في ذلك. فعاد إلي الرسول وقال: لم يعجبه ذلك وهو يحب أن يزوجك بنته إذا انقضت عدتها. فأبيت أنا ذلك وخفت من شؤمها لأنه مات تحتها زوجان قبل الدخول وأصابتني أثناء ذلك حمى مرضت بها. ولا بد لكل من يدخل تلك الجزيرة أن يحم فقوي عزمي على الرحلة عنها. فبعت بعض الحلي بالودع واكتريت مركباً أسافر فيه لنجالة. فلما ذهبت لوداع الوزير خرج إلي القاضي فقال: الوزير يقول لك إن شئت السفر فأعطنا ما أعطيناك وسافر، فقلت له: إن بعض الحلي اشتريت به الودع فشأنكم وأياه، فعاد إلي فقال: يقول إنما أعطيناك الذهب ولم نعطك الودع، فقلت له: أنا أبيعه وآتيكم بالذهب. فبعثت إلى التجار ليشتروه مني فأمرهم الوزير أن لا يفعلوا وقصده بذلك كله أن لا أسافر عنه. ثم بعث إلي أحد خواصه وقال: الوزير يقول لك أقم عندنا ولك كل ما أحببت، فقلت في نفسي: أنا تحت حكمهم وإن لم أقم مختاراً أقمت مضطراً فالإقامة باختياري أولى. وقلت
стр. 492
لرسوله: نعم أنا أقيم معه. فعاد إليه ففرح بذلك واستدعاني فلما دخلت إليه قام إلي وعانقني، وقال: نحن نريد قربك وأنت تريد البعد عنا، فاعتذرت له فقبل عذري، وقلت له: إن أردتم مقامي فأنا أشترط عليكم شروطاً، فقال: نقبلها فاشترط. فقلت له: أنا لا أستطيع المشي على قدمي. ومن عادتهم أن لا يركب أحد هنالك إلا الوزير ولقد كنت لما أعطوني الفرس فركبته يتبعني الناس رجالاً وصبياناً يعجبون مني، حتى شكوت له فضربت الدنقرة وبرح١ في الناس أن لا يتبعني أحد والدُنْقُرة "بضم الدال المهمل وسكون النون وضم القاف وفتح الراء" شبه الطست من النحاس تضرب بحديدة فيسمع لها صوت على البعد. فإذا ضربوها حينئذ يبرح في الناس بما يراد، فقال لي الوزير: إن أردت أن تركب الدولة وإلا فعندنا حصان ورمكة٢ فاختر أيهما شئت، فاخترت الرمكة فأتوني بها في تلك الساعة وأتوني بكسوة، فقلت له: وكيف أصنع بالودع الذي اشتريته، فقال: ابعث أحد أصحابك ليبيعه لك ببنجالة، فقلت له: على أن تبعث أنت من يعينه على ذلك، فقال نعم. فبعثت حيئذ رفيقي أبا محمد بن فرحان وبعثوا معه رجلاً يسمى الحاج علياً، فاتفق أن هال٣ البحر فرموا بكل ما عندهم حتى الزاد والماء والصاري والقربة. وأقاموا ست عشرة ليلة لا قلع لهم ولا سكان ولا غيره. ثم خرجوا إلى جزيرة سيلان بعد جوع وعطش وشدائد وقدم عليّ صاحبي أبو محمد بعد سنة وقد زار القدم وزارها مرة ثانية مع.
ولما تم شهر رمضان بعث الوزير إليّ بكسوة وخرجنا إلى المصلى وقد زينت الطريق التي يمر الوزير عليها من داره إلى المصلى وفرشت الثياب فيها وجعلت كتاتي الودع يمنة ويسرة. وكل من له على طريقة دار من الأمراء والكبار قد غرس عندها النخل الصغار من النارجيل وأشجار الفوفل والموز، ومد من شجرة إلى أخرى شرائط، وعلّق منها الجوز الأخضر. ويقف صاحب الدار عند بابها، فإذا مرّ الوزير رمى على رجليه ثوباً من الحرير أو القطن،
стр. 493
فيأخذها عبيده مع الودع الذي يجعل على طريقه أيضاً، والوزير ماش على قدميه، وعليه فرجية مصرية من المرعز وعمامة كبيرة وهو متقلد فوطة حرير وفوق رأسه أربعة شطور وفي رجليه النعل وجميع الناس سواه حفاة. والأبواق والأنفار والأطبال بين يديه والعساكر أمامه وخلفه، وجميعهم يكبرون، حتى أتوا المصلى فخطب ولده بعد الصلاة. ثم أتى بمحفة فركب فيها الوزير وخدم الأمراء والوزراء ورموا بالثياب على العادة ولم يكن ركب في المحفة قبل ذلك لأن ذلك لا يفعله إلا الملوك، ثم رفعه الرجال وركبت فرسي ودخلنا القصر، فجلس بموضع مرتفع وعنده الوزراء والأمراء ووقف العبيد بالترسة والسيوف والعصي. ثم أتي بالطعام ثم بالفوفل والتنبول ثم أتى بصحيفة صغيرة فيها الصندل المقاصري فإذا أكلت جماعة من الناس تلطخوا بالصندل. ورأيت على بعض طعامهم يومئذ حوتاً من السردين مملوحاً غير مطبوخ، أهدي لهم من كولم وهو ببلاد المليبار كثير، فأخذ الوزير سردينة وجعل يأكلها، وقال لي: كل منه، فإنه ليس ببلادنا، فقلت: كيف آكله وهو غير مطبوخ، فقال: إنه مطبوخ، فقلت: أنا أعرف به فإنه ببلادي كثير.
وفي الثاني من شوال اتفقت مع الوزير سليمان ماناياك على تزوج بنته. فبعث إلى الوزير جمال الدين أن يكون عقد النكاح بين يديه بالقصر فأجاب إلى ذلك وأحضر التنبول على العادة والصندل وحضر الناس وأبطأ الوزير سليمان فاستدعي فلم يأت ثم استدعي ثانية فاعتذر بمرض البنت. فقال لي الوزير سراً: إن بنته امتنعت وهي مالكة أمر نفسها والناس قد اجتمعوا فهل لك أن تتزوج بربيبة السلطانة زوجة أبيها وهي التي ولده متزوج بنتها، فقلت له: نعم. فاستدعى القاضي والشهود ووقعت الشهادة ودفع الوزير الصداق. ورفعت إلي بعد أيام فكانت من خيار النساء وبلغ حسن معاشرتها أنها كانت إذا تزوجت عليها تطيبني وتبخر أثوابي وهي ضاحكة لا يظهر عليها تغير. ولما تزوجتها أكرهني الوزير على القضاء. وسبب ذلك اعتراضي على القاضي ولكونه كان يأخذ العشر من التركات إذا قسمها على أربابها، فقلت له: إنما لك أجرة تتفق بها مع الورثة ولم يكن يحسن شيئاً فلما وليت اجتهدت جهدي في إقامة رسوم الشرع وليست هنالك خصومات كما هي ببلادنا. فأول ما غيرت من عوائد السوء مكث المطلقات في ديار المطلقين. وكانت إحداهنّ لا
стр. 494
تزال في دار المطلق حتى تتزوج غيره. فحسمت علة ذلك وأتي إليّ بنحو خمسة وعشرين رجلاً ممن فعل ذلك فضربتهم وشهرتهم الأسواق وأخرجت النساء عنهم. ثم اشتددت في إقامة الصلوات وأمرت الرجال بالمبادرة إلى الأزقة والأسواق إثر صلاة الجمعة فمن وجدوه لم يصل ضربته وشهرته. وألزمت الأئمة والمؤذنين أصحاب المرتبات المواظبة على ما هم بسبيله وكتبت إلى جميع الجزائر بنحو ذلك. وجهدت أن أكسو النساء فلم أقدر على ذلك.
وكنت قد تزوجت ربيبة بنت زوجة الوزير عبد الله بن محمد الحضرمي وأحببتها حبا شديداً. ولما بعث الوزير عنه ورده إلى جزيرة المهل بعثت له التحف وتلقيته ومضيت معه إلى القصر فسلم على الوزير وأنزله في دار جيدة فكنت أزوره بها، واتفق أن اعتكفت في رمضان فزارني جميع الناس إلا هو، وزارني الوزير جمال الدين فدخل هو معه بحكم الموافقة فوقعت بيننا الوحشة. فلما خرجت من الاعتكاف شكا إلي أخوال زوجتي ربيبة أولاد الوزير جمال الدين السنجري فإن أباهم أوصى عليهم الوزير عبد الله وأنّ مالهم باق بيده وقد خرجوا عن حجره بحكم الشرع وطلبوا إحضاره بمجلس الحكم. وكانت عادتي إذا بعثت عن خصم من الخصوم أبعث له قطعة كاغد مكتوبة أو غير مكتوبة فعندما يقف عليها يبادر إلى مجلس الحكم الشرعي وإلا عاقبته، فبعثت إليه على العادة فأغضبه ذلك وحقدها لي وأضمر عداوتي ووكل من يتكلم عنه وبلغني عنه كلام قبيح. وكانت عادة الناس من صغير وكبير أن يخدموا له كما يخدمون للوزير جمال الدين، وخدمتهم أن يوصلوا السبابة إلى الأرض ثم يقبلونها ويضعونها على رؤوسهم. فأمرت المنادي فنادى بدار السلطان على رؤوس الأشهاد أنه من خدم للوزير عبد الله كما يخدم للوزير الكبير لزمه العقاب الشديد. وأخذت عليه أن لا يترك الناس لذلك فزادت عداوته، وتزوجت أيضاً زوجة أخرى بنت وزير معظم عندهم كان جده السلطان داود حفيد السلطان أحمد شنورازة، ثم تزوجت زوجة كانت تحت السلطان شهاب الدين. وعمرت ثلاث ديار بالبستان الذي أعطانيه الوزير. وكانت الرابعة هي ربيبه الوزير عبد الله تسكن في دارها وهي أحبهن إلي. فلما صاهرت من ذكرته هابني الوزير وأهل الجزيرة وتخوفوا مني لأجل ضعفهم، وسعوا بيني وبين الوزير بالنمائم، وتولى الوزير عبد الله كبر ذلك حتى تمكنت الوحشة.
стр. 495
واتفق في بعض الأيام أنّ عبداً من عبيد السلطان جلال الدين شكته زوجته إلى الوزير وأعلمته أنه عند سرية من سراري السلطان يزني بها، فبعث الوزير الشهود ودخلوا دار السرية فوجدوا الغلام نائماً معها في فراش واحد وحبسوهما، فلما أصبحت وعلمت بالخبر توجهت إلى المشور وجلست في موضع جلوسي ولم أتكلم في شيء من أمرها، فخرج إلي بعض الخواص فقال: يقول لك الوزير ألك حاجة؟ فقلت: لا. وكان قصده أن أتكلم في شأن السرية والغلام إذ كانت عادتي أن لا تقع قضية إلا حكمت فيها فلما وقع التغير والوحشة قصرت في ذلك فانصرفت إلى داري بعد ذلك. وجلست بموضع الأحكام، فإذا ببعض الوزراء فقال لي: الوزير يقول لك أنه وقع البارحة كيت وكيت لقضية السرية والغلام فاحكم فيهما بالشرع. فقلت له: هذه قضية لا ينبغي الحكم أن يكون فيها إلا بدار السلطان. فعدت إليها واجتمع الناس وأحضرت السرية والغلام فأمرت بضربهما للخلوة وأطلقت سراح المرأة وحبست الغلام وانصرفت إلى داري. فبعث الوزير إلي جماعة من كبراء ناسه في شأن تسريح الغلام، فقلت لهم: أتشفع في غلام زنجي يهتك حرمة مولاه؟ وأنتم بالأمس خلعتم السلطان شهاب الدين وقتلتموه بسبب دخوله لدار غلام له. وأمرت بالغلام عند ذلك فضرب بقضبان الخيزران وهي أشد وقعاً من السياط وشهرته بالجزيرة وفي عنقه حبل. فذهبوا إلى الوزير فأعلموه، فقام وقعد واستشاط غضباً، وجمع الوزراء ووجوه العسكر وبعث عني فجئته. وكانت عادتي أن أخدم فلم أخدم، وقلت: سلام عليكم. ثم قلت للحاضرين: اشهدوا علي أني قد عزلت نفسي عن القضاء لعجزي عنه. فكلمني الوزير فصعدت وقعدت بموضع أقابله فيه وجاوبته أغلظ جواب. وأذن مؤذن المغرب فدخل إلى داره وهو يقول: ويقولون أني سلطان. وهأناذا طلبته لأغضب عليه، فغضب علي، وإنما كان اعتزازي عليهم بسبب سلطان الهند لأنهم تحققوا مكانتي عنده وإن كانوا على بعد منه فخوفه في قلوبهم متمكّن. فلما دخل إلى داره بعث إليّ القاضي المعزول، وكان جريء اللسان فقال لي: إن مولانا يقول لك كيف هتكت حرمته على رؤوس الأشهاد ولم تخدم له؟ فقلت له: إنما كنت أخدم له حين كان قلبي له طيباً، فلما وقع التغير تركت ذلك وتحية المسلمين إنما هي السلام وقد سلمت. فبعثه إلي ثانية فقال: إنما