← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12009

رحلة ابن بطوطة ط دار الشرق العربي

ابن بطوطة

Полный текст (582 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عندنا، ولونه لون الطفل تأتي الفيلة بالأحمال منه فيقطعونه قطعاً على قدر قطع الفحم عندنا ويشعلون النار فيه فيقد كالفحم وهوأشد حرارة من نار الفحم، وإذا صار رماداً عجنوه بالماء ويبسوه وطبخوا به ثانية ولا يزالون يفعلون به كذلك إلى أن يتلاشى. ومن هذا التراب يصنعون أواني الفخار الصينني ويضيفون إليه حجارة سواه كما قلناه. وأهل الصين أعظم الأمم إحكاما للصناعات، وأشدهم إتقانا فيها، وذلك مشهور من حالهم قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه، وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم ولا سواهم. فإن لهم فيه اقتداراً عظيماً. ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قط مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلاّ ورأيت صورتي وصورة أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد موضوعة في الأسواق. ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فممرت على سوق النقاشين ووصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي ونحن على زي العراقيين فلما عدت من القصر عشياً مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط. فجعل الواحد منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطئ شيئاً من شبهه. وذكر لي أن السلطان أمرهم بذلك وأنهم أتوا إلى القصر ونحن به فجعلوا ينظرون إلينا ويصورون صورنا ونحن لم نشعر بذلك وتلك عادة لهم في تصوير كل من يمر بهم وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم بعثت صورته إلى البلاد وبحث عنه فحيثما وجد شبه تلك الصورة أخذ. قال ابن جزي: هذا مثل ما حكاه أهل التاريخ من قضية سابور ذي الأكتاف ملك الفرس حين دخل بلاد الروم متنكراً وحضر وليمة صنعها ملكهم وكانت صورته على بعض الأواني فنظر إليه بعض خدام قيصر فانطبعت على صورة سابور. فقال لملكه: إن هذه الصورة تخبرني أن كسرى معنا في هذا المجلس. فكان الأمر كما قاله، وجرى فيه ما هو مسطور في الكتب. وعادة أهل الصين إذا أراد جنك من جنوكهم السفر، صعد إليه صاحب

стр. 527

البحر وكتابه، وكتبوا من يسافر فيه من الرماة والخدام والبحرية وحينئذ يباح لهم السفر. فإذا عاد الجنك إلى الصين صعدوا إليه أيضاً وقابلوا ما كتبوه بأشخاص الناس فإن فقدوا أحدا مما قيدوه طلبوا صاحب الجنك به. فإما أن يأتي ببرهان على موته أو فراره أو غير ذلك مما يحدث عليه وإلا أخذ فيه. فإذا فرغوا من ذلك أمروا صاحب المركب أن يملي عليهم تفصيلاً بجميع ما فيه من السلع قليلها وكثيرها ثم ينزل من فيه ويجلس حفاظ الديوان لمشاهدة ما عندهم. فإن عثروا على سلعة قد كتمت عنهم عاد الجنك بجميع ما فيه مالاً للمخزن وذلك نوع من الظلم ما رأيته ببلاد من بلاد الكفار ولا المسلمين إلا بالصين، اللهم إلا أنه كان بالهند ما يقرب منه. وإذا قدم التاجر المسلم على بلد من بلاد الصين خيّر في النزول عند تاجر من المسلمين المتوطنين معين أو في الفندق، فإن أحب النزول عند التاجر حصر ماله وضمنه التاجر المستوطن وأنفق عليه منه بالمعروف. فإذا أراد السفر بحث عن ماله فإن وجد شيء منه قد ضاع أغرمه التاجر المستوطن الذي ضمنه، وإن أراد النزول بالفندق سلم ماله لصاحب الفندق وضمنه وهو يشتري له ما أحب ويحاسبه فإن أراد التسري اشترى له جارية وأسكنه بدار يكون بابها في الفندق وأنفق عليهما. والجواري رخيصات الأثمان؛ لأن أهل الصين أجمعين يبيعون أولادهم وبناتهم وليس ذلك عيباً عندهم غير أنهم لا يجبرون على السفر مع مشتريهم ولا يمنعون أيضاً منه إن اختاروه. وكذلك أن أراد التزوج تزوج. وأما إنفاق ماله في الفساد فشيء لا سبيل له إليه. ويقولون: لا نريد أن يسمع في بلاد المسلمين أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا، فإنها أرض ضلال. وبلاد الصين آمن البلاد وأحسنها حالاً للمسافرين. فإن الإنسان يسافر منفرداً مسيرة تسعة أشهر وتكون معه الأموال الطائلة فلا يخاف عليها. وترتيب ذلك أنّ لهم في كل منزل ببلادهم فندقاً عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد المغرب والعشاء جاء الحاكم إلى الفندق ومعه كاتبه فكتب أسماء جميع من يبيت به من المسافرين وختم عيها وأقفل باب الفندق عليهم. فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه كاتبه فدعا كل

стр. 528

إنسان باسمه وكتب به تفصيلا وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل الثاني له ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه. وإن لم يفعل طلبه بهم. وهكذا العمل في كل منزل ببلادهم من صين الصين إلى خان بالق. وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إلى المسافر من الأزواد وخصوصاً الدجاج والأوز. وأما الغنم فهي قليلة عندهم. ولنعد إلى ذكر سفرنا فنقول: لما قطعنا البحر كانت أول مدينة وصلنا إليها مدينة الزيتون. وهذه المدينة ليس بها زيتون ولا بجميع بلاد أهل الصين والهند ولكنه اسم وضع عليها وهي مدينة عظيمة كبيرة، تصنع بها ثياب الكمخا والأطلسـ وتعرف بالنسبة إليها وتفضل على الثياب الخنساوية والخنبالقية. ومرساها من أعظم مراسي الدنيا أو هو أعظمها رأيت به نحو مائة جنك كبار وأما الصغار فلا تحصى كثرة. وهو خور كبير من البحر يدخل في البر حتى يختلط بالنهر الأعظم. وهذه المدينة وجميع بلاد الصين يكون للإنسان بها البستان والأرض وداره في وسطها كمثل ما هي بلدة سجلماسة ببلادنا. وبهذا عظمت بلادهم. والمسلمون ساكنون بمدينة على حدة. وفي يوم وصولي إليها رأيت بها الأمير الذي توجه إلى الهند رسولاً بالهدية ومضى في صحبتنا وغرق به الجنك فسلم علي وعرف صاحب الديوان بي فأنزلني في منزل حسن. وجاء إلي قاضي المسلمين تاج الدين الأردويلي وهو من الأفاضل الكرماء وشيخ الإسلام كمال الدين عبد الله الأصفهاني وهو من الصلحاء وجاء إلي كبار التجار فيهم شرف الدين التبريزي أحد التجار الذي استدنت منهم حين قدومي على الهند وأحسنهم معاملة حافظ للقرآن مكثر للتلاوة. وهؤلاء التجار لسكناهم في بلاد الكفار إذا قدم عليهم المسلم فرحوا به أشد الفرح وقالوا جاء من أرض الإسلام وله يعطون زكوات أموالهم فيعود غنياً كواحد منهم. وكان بها من المشايخ الفضلاء برهان الدين الكازورني له زاوية خارج البلد وإليه يدفع التجار النذور التي ينذرونها للشيخ أبي إسحاق الكازروني. ولما عرف صاحب الديوان أخباري كتب إلى القان وهو ملكهم الأعظم يخبره بقدومي من جهة ملك الهند. فطلبت منه أن يبعث معي من يوصلني إلى بلاد الصين "صين الصين"، وهم يسمونها صين كلان لأشاهد تلك البلاد وهي في عمالته بخلال ما يعود جواب القان. فأجاب إلى ذلك وبعث معي من أصحابه من يوصلني. وركبت في النهر في مركب يشبه أجفان بلادنا الغزوية، إلا أن الجذافين يجذفون فيه قياماً، وحميعهم في وسط المركب،

стр. 529

والركاب في المقدم والمؤخر، ويظلون على المركب بثياب تصنع من نبات ببلادهم يشبه الكتان وليس به وهو أرق من القنب. وسافرنا في هذا النهر سبعة وعشرين يوماً. وفي كل يوم نرسو عند الزوال بقرية نشترى بها ما تحتاج إليه ونصلي الظهر ثم ننزل بالعشي إلى أخرى وهكذا إلى أن وصلنا مدينة صين كلان "بفتح الكاف" وهي مدينة صين الصين. وبها يصنع الفخار، وبالزيتون أيضاً، وهنالك يصب نهر آب حياة في البحر ويسمونه مجمع البحرين وهي من أكبر المدن وأحسنها أسواقاً ومن أعظم أسواقها سوق الفخار ومنها يحمل إلى سائر بلاد الصين والهند واليمن. وفي وسط هذه المدينة كنيسة عظيمة لها تسعة أبواب داخل كل باب أسطوان ومصاطب يقعد عليها الساكنون بها. وبين البابين الثاني والثالث منها موضع فيه بيوت يسكنها العميان وأهل الزمانات. ولكل واحد منهم نفقته وكسوته من أوقاف الكنيسة. وكذلك فيما بين الأبواب كلها. وفي داخلها المارستان للمرضى، والمطبخة لطبخ الأغذية، وفيها الأطباء والخدام. وذكر لي أن الشيوخ الذين لا قدرة لهم على التكسب، لهم نفقتهم وكسوتهم بهذه الكنيسة، وكذلك الأيتام والأرامل ممن لا مال لهم. وعمر هذه الكنيسة بعض ملوكهم وجعل هذه المدينة وما إليها من القرى والبساتين وقفاً عليها. وصورة ذلك الملك مصورة بالكنيسة المذكورة وهم يعبدونها. وفي بعض جهات هذه المدينة بلدة المسلمين لهم بها المسجد الجامع والزاوية والسوق ولهم قاض وشيخ ولا بد في كل بلد من بلاد الصين من شيخ الإسلام تكون أمور المسلمين كلها راجعة إليه وقاض يقضي بينهم. وكان نزولي عند أوحد الدين السنجاري وهو أحد الفضلاء الأكابر ذوي الأموال الطائلة، وأقمت عنده أربعة عشر يوماً وتحف القاضي وسائر المسلمين تتوالى علي. وكل يوم يصنعون دعوة جديدة ويأتون إليها بالعشارين الحسان والمغنين وليس وراء هذه المدينة مدينة، لا للكفار ولا للمسلمين. وبينها وبين سد يأجوج ومأجوج ستون يوماً فيما ذكر لي، يسكنها كفار رحالة يأكلون بني آدم إذا ظفروا بهم. ولذلك لا تسلك بلادهم ولا يسافر إليها ولم أر بتلك البلاد من رأى السد المذكور ولا من رأى من رآه. ولما كنت بصين كلان سمعت أن بها شيخاً كبيراً قد أناف على مائتي سنة وأنه لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث ولا يباشر النساء مع قوته التامة، وأنه

стр. 530

ساكن في غار بخارجها يتعبد فيه فتوجهت إلى الغار فرأيته على بابه وهو نحيف شديد الحمرة عليه أثر العبادة ولا لحية له فسلمت عليه فأمسك يدي وشمها. وقال للترجمان: هذا من طرف الدنيا كما نحن من طرفها الآخر. ثم قال لي: لقد رأيت عجباً. أتذكر قدومك الجزيرة التي فيها الكنيسة والرجل الذي كان بين الأصنام وأعطاك عشرة دنانير من الذهب؟ فقلت: نعم. فقال أنا هو فقبلت يده. وفكر ساعة ثم دخل الغار فلم يخرج إلينا وكأنه ظهر منه الندم على ما تكلم به فتجهمنا ودخلنا عليه فلم نجده. ووجدنا بعض أصحابه ومعه جملة بوالشت من الكاغد فقال: هذه ضيافتكم فانصرفوا. فقلنا له: ننتظر الرجل. فقال لو أقمتم عشر سنين لم تروه فإن عادته إذا أطلع أحد على سر من أسراره لا يراه بعده ولا تحسب أنه غاب عنك بل هو حاضر معك فعجبت من ذلك وانصرفت. فاعلمت القاضي وشيخ الإسلام وأوحد الدين السنجاري بقضيته، فقالوا: كذلك عادته مع من يأتي إليه من الغرباء ولا يعلم أحد ما ينتحله من الأديان والذي ظننتموه أحد أصحابه هو. وأخبروني أنه غاب عن هذه البلاد نحو خمسين سنة ثم قدم عليها منذ سنة. وكان السلاطين والأمراء والكبراء يأتونه زائرين فيعطيهم التحف على أقدارهم. ويأتيه الفقراء كل يوم فيعطي لكل احد على قدره. وليس في الغار الذي هو به ما يقع عليه البصر وأنه يحدث عن السنين الماضية ويذكر النبي ﷺ ويقول: لوكنت معه لنصرته ويذكر الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بأحسن الذكر ويثني عليهما. ويلعن يزيد بن معاوية ويقع في معاوية. وحدثوني عنه بأمور كثيرة. وأخبرني أوحد الدين السنجاري قال: دخلت عليه الغار فأخذ بيدي فخيل لي أني في قصر عظيم وأنه قاعد فيه على سرير وفوق رأسه تاج وعن جانبيه الوصائف الحسان والفواكه تتساقط في أنهار هنالك وتخيلت أني أخذت تفاحة لآكلها فإذا أنا بالغار وبين يديه وهو يضحك مني وأصابني مرض شديد لازمني شهوراً فلم أعد إليه. وأهل تلك البلاد يعتقدون أنه مسلم. لكن لم يره أحد يصلي وأما الصيام فهو صائم أبداً. وقال لي القاضي: ذكرت له الصلاة في بعض الأيام فقال لي أتدري أنت ما أصنع؟ أن صلاتي غير صلاتك. وأخباره جميعها غريبة. وفي

стр. 531

اليوم الثاني من لقائه سافرت راجعاً إلى مدينة الزيتون. وبعد وصولي إليها بأيام جاء أمر القان بوصولي إلى حضرته على البر والكرامة. إن شئت في النهر وإلا ففي البر، فاخترت السفر في النهر فجهزوا لي مركباً حسنا من المراكب المعدة لركوب الأمراء، وبعث الأمير معنا أصحابه، ووجه لنا الأمير والقاضي والتجار المسلمون أزوادا كثيرة. وسرنا في الضيافة نتغدى بقرية ونتعشى بأخرى فوصلنا بعد سفر عشرة أيام إلى مدينة قَنْجَنْفُو "وضبط اسمها بفتح القاف وسكون النون وفتح الجيم وسكون النون الآخر وضم الفاء وواو" وهي مدينة كبيبرة حسنة في بسيط أفيح، والبساتين محدقة بها فكأنها غوطة دمشق. وعند وصولنا خرج إلينا القاضي وشيخ الإسلام والتجار ومعهم الأعلام والطبول والأبواق والأنفار وأهل الطرب. وأتونا بالخيل فركبنا ومشوا بين أيدنيا لم يركب معنا غير القاضي والشيخ. وخرج أمير البلد وخدامه. وضيف السلطان عندهم معظم أشد التعظيم. ودخلنا المدينة ولها أربعة أسوار يسكن ما بين السور الأول والثاني عبيد السلطان من حراس المدينة وسمارها، يسمون البَصْوانان "الباسوانان" "بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهمل وواو وألف ونون"، ويسكن ما بين السور الثاني والثالث الجنود لمركبون، والأمير الحاكم على البلد، ويسكن داخل السور الثالث المسلمون. وهنالك نزلنا عند شيخهم ظهير الدين القُرْلاني "بضم القاف وسكون الراء" ويسكن داخل السور الرابع الصينيون، وهوأعظم المدن الأربعة. ومقدار ما بين كل باب منها والذي يليه ثلاثة أميال وأربعة ولكل إنسان كما ذكرناه بستانه وداره وأرضه. وبينا أنا يوماً في دار ظهير الدين القُرلاني إذا بمركب عظيم لبعض الفقهاء المعظمين عندهم فاستؤذن له علي، وقالوا: مولانا قوام الدين السبتي فعجبت من اسمه. ودخل إلي. فلما حصلت المؤانسة بعد التحية سنح لي أن أعرفه فأطلت النظر إليه، فقال: أراك تنظر إلي نظر من يعرفني. فقلت له: من أي البلاد أنت؟ فقال: من سبته. فقلت له: وأنا من طنجة. فجدد السلام علي وبكى حتى بكيت لبكائه. فقلت له: هل دخلت بلاد الهند؟ فقال لي: نعم دخلت حضرة دهلي. فلما قال لي ذلك تذكرت، وقلت له أأنت البشري؟ قال: نعم. وكان وصل إلى دهلي مع خاله أبي القاسم المرسي وهو يومئذ شاب لا نبات بعارضيه من حذاق الطلبة يحفظ الموطأ. وكنت أعلمت سلطان الهند

стр. 532

بأمره، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وطلب منه الإقامة عنده فأبى. وكان قصده في بلاد الصين فعظم شأنه بها، واكتسب الأموال الطائلة. أخبرني أن له نحو خمسين غلاماً ومثلهم من الجواري وأهدى إلي منهم غلامين وجاريتين وتحفاً كثيرة. ولقيت أخاه بعد ذلك ببلاد السودان فيا بعد ما بينهما. وكانت إقامتي بقنجنفو خمسة عشر يوماً. وسافرت منها. وبلاد الصين على ما فيها من الحسن لم تكن تعجبني، بل كان خاطري شديد التغير بسبب غلبة الكفر عليها. فمتى خرجت عن منزلي رأيت المناكير الكثيرة فأقلقني ذلك حتى كنت ألازم المنزل فلا أخرج إلا للضرورة وكنت إذا رأيت المسلمين بها فكأني لقيت أهلي وأقاربي. ومن تمام فضيلة هذا الفقيه البشري أن سافر معي لما رحلت عن قنجنفو أربعة أيام حتى وصلت إلى مدينة بَيْوَمقُطْلو "وهي بباء موحدة مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة ووواو مفتوحة وميم وقاف مضمومة وطاء مسكنة وطاء مسكنة ولام مضموم وواو" مدينة صغيرة يسكنها الصينيون من جند وسوقة وليس بها للمسلمين إلا أربعة من الدور أهلها من جهة الفقيه المذكور. نزلنا بدار أحدهم وأقمنا عنده ثلاثة أيام ثم ودعت الفقيه وانصرفت. فركبت النهر على العادة نتغدى بقرية ونتعشى بأخرى إلى أن وصلنا بعد سبعة عشر يوماً منها إلى مدينة الخنساء واسمها على نحو اسم الخنساء الشاعرة، ولا أدري أعربي هو أم وافق العربي. وهذه المدينة أكبر مدينة رأيتها على وجه الأرض. طولها مسيرة ثلاثة أيام يرحل المسافر فيها وينزل. وهي على ما ذكرناه من ترتيب عمارة الصين كل واحد له بستانه وداره وهي منقسمة إلى ست مدن سنذكرها. وعند وصولنا إليها خرج إلينا قاضيها فخر الدين وشيخ الإسلام بها وأولاد عثمان بن عفان المصري، وهم كبراء المسلمين بها، ومعهم علم أبيض والأطبال والأنفار والأبواق. وخرج أمير ها في موكبه ودخلنا المدينة. وهي ست مدن على كل مدينة سور ومحدق بالجميع سور واحد. فأول مدينة منها يسكنها حراس المدينة وأميرهم. حدثني القاضي وسواه انهم اثنا عشر ألفا في زمام العسكرية. وبتنا ليلة دخولنا في دار أميرهم. وفي اليوم الثاني دخلنا المدينة الثانية على باب يعرف بباب اليهود ويسكن بها اليهود والنصارى والترك عبدة الشمس وهم كثير. وأمير هذه المدينة من أهل الصين. وبتنا عنده الليلة الثانية.

стр. 533

وفي اليوم الثالث دخلنا المدينة الثالثة ويسكنها المسلمون ومدينتهم حسنة وأسواقهم مرتبة كترتيبها في بلاد الإسلام وبها المساجد والمؤذنون سمعناهم يؤذنون بالظهر عند دخولنا ونزلنا منها بدار أولاد عثمان بن عفان المصري وكان أحد التجار الكبار استحسن هذه المدينة فاستوطنها وعرفت بالنسبة إليه وأورث عقبه بها الجاه والحرمة وهم على ما كان عليه أبوهم من الإيثار على الفقراء والإعانة للمحتاجي. ن ولهم زاوية تعرف بالعثمانية حسنة العمارة لها أوقاف كثيرة وبها طائفة من الصوفية وبني عثمان المذكور المسجد الجامع بهذه لمدينة ووقف عليه وعلى الزاوية أوقاف عظيمة وعدد المسلمين بهذه المدينة كثير. وكانت إقامتنا عندهم خمسة عشر يوماً فكنا كل يوم وليلة في دعوة جديدة ولا يزالون يختلفون في أطعمتهم ويركبون معنا كل يوم للنزهة في أقطار المدينة، وركبوا معي يوماً فدخلنا إلى المدينة الرابعة وهي دار الإمارة وبها سكنى الأمير الكبير قرطي ولما دخلنا من بابها ذهب عني أصحابي. ولقيني الوزير وذهب بي إلى دار الأمير الكبير قرطي فكان من أخذه الفرجية التي أعطانيها ولي الله جلال الدين الشيرازي ما قد ذكرته. وهذه المدينة منفردة لسكنى عبيد السلطان وخدامه وهي أحسن المدن الست. ويشقها أنهار ثلاثة أحدها خليج يخرج من النهر الأعظم وتأتي فيه القوارب الصغار إلى هذه المدينة بالمرافق من الطعام وأحجار الوقود وفيه السفن للنزهة. والمشور في وسط هذه المدينة وهو كبير جداً. ودار الإمارة في وسطه وهو يحف بها من جميع الجهات. وفيه سقائف فيها الصناع يصنعون الثياب النفيسة وآلات الحرب. أخبرني الأمير قرطي أن عددهم ألف وستمائة معلم. كل واحد منهم يتبعه الثلاثة والأربعة من المتعلمين وهم أجمعون عبيد القان وفي أرجلهم القيود ومساكنهم خارج القصر. ويباح لهم الخروج إلى أسواق المدينة دون الخروج على بابها. ويعرضون كل يوم على الأمير مائة مائة، فإن نقص أحدهم طلب به أميره. وعادتهم أنه إذا خدم أحدهم عشر سنين فك عنه قيده وكان يخير في النظرين إما أن يقيم في الخدمة غير مقيد وإما أن يسير حيث شاء من بلاد القان ولا يخرج عنها. وإذا بلغ سنة خمسين عاماً أعتق من الأشغال وأنفق عليه وكذلك ينفق على من بلغ هذه السن أو نحوها من سواهم. ومن بلغ ستين

стр. 534

سنة عدوه كالصبي فلم تجر عليه الأحكام. والشيوخ بالصين يعظمون تعظيماً كثيراص ويسمى أحدهم آطا، ومعناه الوالد. وكان الأمير الكبير قُرْطيْ وضبط اسمه "بضم القاف وسكون والراء وفتح الطاء المهمل وسكون الياء" أمير أمراء الصين، أضافنا بداره وصنع الدعوة ويسمونها الطُّوى "بضم الطاء المهمل وفتح الواو" وحضرها كبار المدينة. وأتى بالطباخين المسلمين فذبحوا وطبخوا الطعام. وكان هذا الأمير على عظمته يناولنا الطعام بيده ويقطع اللحم بيده. وأقمنا في ضيافته ثلاثة أيام وبعث ولده معنا إلى الخليج. فركبنا في سفينة تشبه الحراقة، وركب ابن الأمير في أخرى، ومعه أهل الطرب وأهل الموسيقى وكانوا يغنون بالصيني وبالعربي وبالفارسي، وكان ابن الأمير معجباً بالغناء الفارسي، فغنوا شعرا منه. وأمرهم بتكريره مراراً حتى حفظته من أفواههم. وله تلحين عجيب وهو: تادل بمحنت داديم ... در بحر فكر افتاديم جن "جون در نماز استاديم ... قوي بمحراب اندرى "اندريم"١ واجتمعت بذلك الخليج من السفن طائفة كبيرة لهم القلاع الملونة ومظلات الحرير وسفنهم منقوشة أبدع نقش وجعلوا يتحاملون ويترامون بالنارنج والليمون. وعدنا بالعشي إلى دار الأمير فبتنا بها وحضر أهل الطرب فغنوا بأنواع من الغناء العجيب. وفي تلك الليلة حضر أحد المشعوذة، وهو من عبيد القان، فقال له الأمير: أرنا من عجائبك فأخذ كرة خشب لها ثقب فيها سيور طوال فرمى بها إلى الهواء فارتفعت حتى غابت عن الأبصار ونحن في وسط المشور أيام الحر الشديد فلما لم يبق من السير في يده إلا يسير أمر متعلما له فتعلق به وصعد في الهواء إلى أن غاب عن أبصارنا فدعاه فلم يجبه ثلاثاً، فأخذ سكيناً بيده كالمغتاظ وتعلق بالسير إلى أن غاب أيضاً، ثم رمى بيد الصبي إلى الأرض ثم رمى برجله ثم بيده الأخرى ثم برجله الأخرى ثم بجسده ثم برأسه، ثم هبط وهو ينفخ وثيابه ملطخة بالدم. فقبل الأرض بين يدي الأمير، وكلمه

стр. 535

بالصيني وأمر له الأمير بشيء. ثم أنه أخذ أعضاء الصبي فألصق بعضها ببعض وَرَكَلَهُ برجله فقام سوياً فعجبت منه. وأصابني خقفان القلب كمثل ما كان أصابني عند ملك الهند حين رأيت مثل ذلك فسقوني دواء أذهب عني ما وجدت. وكان القاضي فخر الدين إلى جانبي، فقال لي: والله ما كان من صعود ولا نزول ولا قطع عضو وإنما شعوذة. وفي غد تلك الليلة دخلنا من باب المدينة الخامسة وهي من أكبر المدن يسكنها عامة الناس وأسواقها حسان وبها الحذاق بالصنائع وبها تصنع الثياب الخنساوية. ومن عجيب ما يصنعون بها أطباقاً يسمونها الدست، وهي من القصب وقد ألصقت قطعة أبدع إلصاق ودهنت بصبغ أحمر مشرق وتكون هذه الأطباق عشرة واحداً في جوف آخر لرقتها تظهر لرائيها كأنها طبق واحد. ويصنعون غطاء يغطى جميعها ويصنعون من هذا القصب صحافاً. ومن عجائبها أن تقع من العلو فلا تنكسر ويجعل فيها الطعام السخن فلا يتغير صباغها ولا يحول. وتجلب من هنالك إلى الهند وخراسان وسواها. ولما دخلنا هذه المدينة بتنا ليلة في ضيافة أميرها. وبالغد دخلنا من باب يسمى كشتي وانان إلى المدينة السادسة. ويسكنها البحرية والصيادون والجلافطة والنجارون، ويدعون دودكاران "درودكران" والأصباهية وهم الرماة، والبيادة وهم الرجالة، وجميعهم عبيد السلطان. ولا يسكن معهم سواهم وعددهم كثير. وهذه المدينة على ساحل النهر الأعظم بتنا بها ليلة في ضيافة أميرها وجهز لنا الأمير قُرْطَي مركبا بما يحتاج إليه من زان وسواه وبعث معنا أصحابه برسم التضييف. وسافرنا من هذه المدينة وهي آخر أعمال الصين ودخلنا إلى بلاد الخطا "بكسر الخاء المعجم وطاء مهمل"، وهي أحسن بلاد الدنيا عمارة. ولايكون في جميعها موضع غير معمور فإنه أن بقي موضع غير معمور طلب أهله أو من يواليهم بخراجه. والبساتين والقرى والمزارع منتظمة بجانبي هذا النهر من مدينة الخنسا إلى مدينة خان بالق وذلك مسيرة أربعة وستين يوماً. وليس بها أحد من المسلمين إلا من كان خاطراً غير مقيم، لأنها ليست بدار مقام وليس بها مدينة مجتمعة إنما هي قرى وبسائط فيها الزرع والفواكه والسكر ولم أر في الدنيا

стр. 536

مثلها غير مسيرة أربعة أيام من الأنبار إلى عانة. وكنا كل ليلة ننزل بالقرى لأجل الضيافة حتى وصلنا إلى مدينة خان بالق "ضبط اسمها بخاء معجم وألف ونون مسكن وباء معقود وألف ولام مكسور وقاف"، وتسمى أيضاً خانِقو "بخاء معجم ونون مكسور وقاف وواو"، وهي حضرة القان، والقان هو سلطانهم الأعظم الذي مملكته بلاد الصين والخِطا. ولما وصلنا إليها أرسينا على عشرة أميال منها على العادة عندهم. وكتب إلى أمراء البحر بخبرنا فأذنوا لنا في دخول مرساها فدخلناه ثم نزلنا إلى المدينة، وهي من أعظم مدن الدنيا وليست على ترتيب بلاد الصين في كون البساتين داخلها. إنما هي كسائر البلاد والبساتين بخارجها، ومدينة السلطان في وسطها كالقصبة حسبما نذكره. ونزلت عند الشيخ برهان الدين الصاغرجي وهو الذي بعث إليه ملك الهند بأربعين ألف دينار واستدعاه فأخذ الدنانير وقضى بها دينه وأبى أن يسير إليه وقدم على بلاد الصين فقدمه القان على جميع المسلمين الذين ببلاده وخاطبه بصدر الجهان. والقان عندهم سمة لكل من يلي الملك ملك الأقطار كمثل ما يسمى كل من ملك بلاد اللور بأتابك واسمه بَاشَاي "بفتح الباء المعقودة والشين المعجمة وسكون الياء". وليس للكفار على وجه الأرض مملكه أكبر من مملكته. وقصره في وسط المدينة المختصة بسكناه وأكثر عمارته بالخشب المنقوش وله ترتيب عجيب. وعليه سبعة أبواب: فالباب الأول منها يجلس به الكتوال وهو أمير البوابين وله مصاطب مرتفعة عن يمين الباب ويساره فيها المماليك البرددارية وهم حفاظ باب القصر وعددهم خمسمائة رجل. وأخبرت أنهم كانوا فيما تقدم ألف رجل. والباب الثاني يجلس عليه الأصباهية وهم الرماة وعددهم خمسمائة. والباب الثالث يجلس عليه النزدارية "بالنون والزاي" وهم أصحاب الرماح وعددهم خمسمائة. والباب الرابع يجلس عليه التغدارية "بالتاء المثناة والغين المعجم"، وهم أصحاب السيوف والترسة. والباب الخامس فيه ديوان الوزارة، وبه سقائف كثيرة. فالسقيفة العظمى يقعد بها الوزير على مرتبة هائلة مرتفعة، ويسمون ذلك الموضع المسند. وبين يدي الوزير دواة عظيمة من الذهب. وتقابل هذه السقيفة سقيفة كاتب السر. وعن يمينها شقيفة كُتّاب الرسائل، وعن يمين سقيفة الوزير سقيفة كُتّاب الأشغال.

стр. 537

وتقابل هذه الساقئف سقائف أربع. إحداها تسمى ديوان الأشراف، يقعد بها المشرف، والثانية سقيفة ديوان المستخرج، وأميرها من كبار الأمراء، والمستخرج هو ما يبقى قبل العمال وقبل الأمراء من إقطاعاتهم، والثالثة ديوان الغوث، ويجلس فيها أحد الأمراء الكبار ومعه الفقهاء والكتاب. فمن لحقته مظلمة استغاث بهم. والرابعة ديوان البريد، يجلس فيها أمير الإخباريين. والباب السادس من أبواب القصر يجلس عليه الجندارية، وأميرهم الأعظم، والباب السابع يجلس عليه الفتيان ولهم ثلاثة سقائف: إحداهما سقيفة الحبشان منهم، والثانية سقيفة الهنود، والثالثة سقيفة الصينيين. لكل طائفة منهم أمير من الصينيين. ولما وصلنا حضرة خان بالق وجدنا القان غائباً عنها إذ ذاك وخرج للقاء ابن عمه فيروز القائم عليه بناحية قراقرم وبش بالغ من بلاد الخطا. وبينها وبين الحضرة مسيرة ثلاثة أشهر عامرة. وأخبرني صدر الجهان برهان الدين الصاغرجي أن القان لما جمع الجيوش وحشد الحشود اجتمع عليه من الفرسان مائة فوج، كل فوج منها من عشرة آلاف فارس. وأميرهم يسمى أمير طومان وكان خواص السلطان وأهل دخلته خمسين ألفاً زائداً إلى ذلك. وكانت الرجالة خمسمائة ألف. ولما خرج خالف عليه أكثر الأمراء واتفقوا على خلعه. لأنه كان قد غير أحكام اليساق وهي الأحكام التي وضعها تنكيز خان جدهم الذي خرب بلاد الإسلام. فمضوا إلى ابن عمه القائم وكتبوا إلى القان أن يخلع نفسه وتكون مدينة الخنسا إقطاعاً له فأبى ذلك وقاتلهم فانهزم وقتل. وبعد أيام من وصولنا إلى حضرته ورد الخبر بذلك فزينت المدينة وضربت الطبول والأبواق والأنفار واستعمل اللعب والطرب مدة شهر. ثم جيء بالقان المقتول، وبنحو مائة من المقتولين بني عمه وأقاربه وخواصه. فحفر للقان ناووس عظيم، وهو بيت تحت الأرض، وفرش بأحسن الفرش وجعل فيه القان بسلاحه وجعل معه ما كان في داره من أواني الذهب والفضة وجعل معه أربع من الجواري وستة من خواص المماليك معهم أواني الشراب وبني باب البيت وجعل فوقه التراب حتى صار كالتل العظيم. ثم جاءوا بأربعة أفراس فأجروها عند قبره حتى وقفت، ونصبوا خشباً على القبر وعلقوها عليه. بعد أن دخلوا في دبر كل فرس خشبة حتى خرجت من

стр. 538

فمه، وجعل أقارب القان المذكورون في نواويس ومعهم سلاحهم وأواني دورهم وصلبوا على قبور كبارهم. وكانوا عشرة: ثلاثة من الخيل على كل قبر وعلى قبور الباقين فرساً فرساً. وكان هذا اليوم يوما مشهوداً لم يتخلف عنه أحد من الرجال ولا النساء والمسلمين والكفار وقد لبسوا أجمعون ثياب العزاء وهي الطيالسة البيض للكفار والثياب البيض للمسلمين. وأقام خواتين القان وخواصه في الأخبية على قبره أربعين يوماً وبعضهم يزيد على ذلك إلى سنة. وصنعت هنالك سوق يباع فيها ما يحتاجون إليه من طعام وسواه. وهذه الأفعال لا أذكر أن أمة تفعلها سواهم في هذا العصر. فأما الكفار من الهنود وأهل الصين فيحرقون موتاهم وسواهم من الأمم يدفنون الميت ولا يجعلون معه أحداً لكن أخبرني الثقات ببلاد السودان أن الكفار منهم إذا مات ملكهم صنعوا له ناووسا وأدخلوا معه بعض خواصه وخدامه وثلاثين من أبناء كبارهم وبناتهم بعد أن يكسروا أيديهم وأرجلهم ويجعلون معهم أواني الشراب. وأخبرني بعض كبار مسوفة ممن يسكن بلاد كوبر مع السودان واختصة سلطانهم أنه كان له ولد. فلما مات سلطانهم أرادوا أن يدخلوا ولده مع من أدخلوه من أولادهم، قال: فقلت لهم كيف تفعلون ذلك وليس على دينكم ولا من ولدكم؟ ثم فديته منهم بمال عريض. ولما قتل القان كما ذكرناه واستولى ابن عمه فيروز على الملك اختار أن تكون حضرته مدينة قَرَاقُرُم "وضبطها بفتح القاف الأول والراء وضم الثانية وضم الراء الثانية"، لقربها من بلاد بني عمه ملوك تركستان وما وراء النهر. ثم خالفت عليه الأمراء ممن لم يحضر لقتل القان وقطعوا الطرق وعظمت الفتن. ولما وقع الخلاف وتسعرت الفتن أشار علي الشيخ برهان الدين وسواه أن أعود إلى الصين قبل تمكن الفتن، ووقفوا معي إلى نائب السلطان فيروز، فبعث معي ثلاثة من أصحابه وكتب لي بالضيافة. وسرنا منحدرين في النهر إلى الخنسا ثم إلى قنجفو ثم إلى الزيتون. فلما وصلتها وجدت الجنوك على السفر إلى الهند وفي جملتها جنك للملك الظاهر صاحب الجاوة وأهله مسلمون. وعرفني وكيله وسر بقدومي. وصادفنا الريح الطيبة عشرة أيام، فلما قاربنا بلاد طوالسي تغيرت الريح، وأظلم الجو وكثر المطر، وأقمنا عشرة أيام لا نرى الشمس. ثم دخلنا بحراً لا نعرفه وخاف أهل الجنك فأرادوا الرجوع

стр. 539

لى الصين فلم يتمكن ذلك. وأقمنا اثنين وأربعين يوماً نعرف في أي البحار نحن. ولما كان في اليوم الثالث والأربعين، ظهر لنا بعد طلوع الفجر جبل في البحر، بيننا وبينه نحو عشرين ميلاً، والريح تحملنا إلى صوبه. فعجب البحرية وقالوا: لسنا بقرب من البر ولا يعهد في البحر جبل وإن اضطرتنا الريح إليه هلكنا فلجأ الناس إلى التضرع والإخلاص، وجددوا التوبة، وابتهلنا إلى الله بالدعاء وتوسلنا بنبيه ﷺ ونذر التجار الصدقات الكثيرة وكتبتها لهم في زمام بخطي وسكنت الريح بعض سكون، ثم رأينا ذلك الجبل عند طلوع الشمس قد ارتفع في الهواء وظهر الضوء فيما بينه وبين البحر فعجبنا من ذلك. ورأيت البحرية يبكون ويودع بعضهم بعضاً، فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: إن الذي تخيلناه جبلاً هو الرخ. وإن رآنا أهلكنا. وبيننا وبينه إذ ذاك أقل من عشرة أميال. ثم إن الله تعالى منّ علينا بريح طيبة صرفتنا عن صوبه فلم نره ولا عرفنا حقيقة صورته. وبعد شهرين من ذلك اليوم وصلنا الجاوة ونزلنا إلى سمطرة فوجدنا سلطانها الملك الظاهر قد قدم من غزوة له وجاء بسبي كثير فبعث لي جاريتين وغلامين وأنزلني على العادة وحضرت إعراس ولده مع بنت أخيه. وشاهدت يوم الجلوة فرأيتهم قد نصبوا في وسط المشور منبراً كبيراً وكسوه بثياب الحرير وجاءت العروس من داخل القصر على قدميها بادية الوجه ومعها نحو أربعين من الخواتين يرفعن أذيالها من نساء السلطان وأمرائه ووزارئه وكلهن باديات الوجوه ينظر إليهن كل من حضر من رفيع أو وضيع وليست تلك بعادة لهن إلا في الأعراس خاصة. وصعدت العروس المنبر وبين يديها أهل الطرب رجالاً ونساء يلعبون ويغنون. ثم جاء الزوج على فيل مزيّن على ظهره سرير وفوقه قبة شبيه البوجة، والتاج على رأس العروس المذكور، وعن يمينه ويساره نحو مائة من أبناء الملوك والأمراء قد لبسوا البياض وركبوا الخيل المزينة وعلى رؤوسهم الشواشي المرصعة وهم أتراب العروس ليس فيهم ذو لحية. ونثرت الدنانير والدراهم على النسا عند دخوله. وقعد السلطان بمنظرة له يشاهد ذلك. ونزل ابنه فقبل رجله وصعد المنبر إلى العروس فقامت إليه وقبلت يده وجلس إلى جانبها والخواتين يروحون عليها، وجاءوا بالفوفل والتنبول. فأخذه الزوج بيده وجعل منه في فمها. ثم أخذت

стр. 540

هي بيديها وجعلت في فمه. ثم أخذ الزوج بفمه ورقة تنبول وجعلها في فمها وذلك كله على أعين الناس ثم فعلت هي كفعله، ثم وضع عليها الستر، ورفع المنبر وهما فيه إلى داخل القصر. وأكل الناس وانصرفوا. ثم لما كان من الغد جمع الناس وأجرى له أبوه ولاية العهد وبايعه الناس وأعطاهم العطاء الجزل من الثياب والذهب. وأقمت بهذه الجزيرة شهرين ثم ركبت في بعض الجنوك. وأعطاني السلطان كثيراً من العود والكافور والقرنفل والصندل وزودني. وسافرت عنه فوصلت بعد أربعين يوماً إلى كولم فنزلت بها في جوار القزويني قاضي المسلمين وذلك في رمضان. وحضرت بها صلاة العيد في مسجدها الجامع. وعادتهم أن يأتوا المسجد ليلاً فلا يزالون يذكرون الله إلى الصبح ثم يذكرون إلى حين صلاة العيد ثم يصلون ويخطب الخطيب وينصرفون. ثم سافرنا من كولم إلى قالقوط وأقمنا بها أياماً. وأردت العودة إلى دهلي ثم خفت من ذلك. فركبت البحر فوصلت بعد ثمان وعشرين ليلة إلى ظفار وذلك في محرم سنة ثمان وأربعين ونزلت بدار خطيبها عيسى بن طأطأ. وكان سلطان ظفار في هذه الكرة الملك الناصر بن الملك المغيث، الذي كان ملكاً بها حين وصولي إليها فيما تقدم، ونائبه سيف الدين عمر أمير جندر، التركي الأصل. وأنزلني هذا السلطان، وأكرمني. ثم ركبت البحر، فوصلت إلى مَسْقط "بفتح الميم" وهي بلدة صغيرة بها السمك الكثير المعروف بقُلب الماس. ثم سافرنا إلى مرسى القُرَيات "وضبطها بضم القاف وفتح الراء والياء آخر الحروف وألف وتاء مثناة". ثم سافرنا إلى مرسى شَبَّه "وضبط اسمها بفتح الشين المعجم وفتح الباء الموحدة وتشديدها" ثم إلى مرسى كَلْبَة، ولفظها على لفظ مؤنث الكلب. ثم إلى قلهات، وقد تقدم ذكرها. وهذه البلاد كلها من عمالة هرمز وهي محسوبة من بلاد عمان. ثم سافرنا إلى هرمز وأقمنا بها ثلاثاً. وسافرنا في البر إلى كورستان ثم إلى اللار ثم إلى خنج بال، وقد تقدم ذكر جميعها. ثم سافرنا إلى كَارْزِي وأقمنا بها ثلاثاً. ثم سافرنا إلى جَمَكَان "وضبط اسمها بفتح الجيم والميم والكاف وآخره نون"، ثم سافرنا منها إلى مَيْمَن "وضبط اسمها بفتح الميمين وبينهما ياء آخر

стр. 541

الحروف مسكنة وآخره نون"، ثم سافرنا إلى بَسّا "وضبط اسمها بفتح الباء الموحدة والسين المهمل مع تشديدها"، ثم إلى مدينة شيراز. فوجدنا سلطانها أبا إسحاق على ملكه إلا أنه كان غائباً عنها. ولقيت بها شيخنا الصالح العالم مجد الدين قاضي القضاة وهو قد كف بصره نفعه الله ونفع به. ثم سافرت إلى ماين، ثم إلى يزدخاص، ثم إلى كليل، ثم إلى كشك زر، ثم إلى أصبهان، ثم إلى تستر، ثم إلى الحويزا، ثم إلى البصرة، وقد تقدم ذكر جميعها. وزرت بالبصرة القبور الكريمة التي بها وهي قبر الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وحليمة السعدية وأبي بكرة وأنس بن ملك والحسن البصري وثابت البناني ومحمد بن سيرين ومالك بن دينار ومحمد بن واسع وحبيب العجمي وسهل بن عبد الله التستري رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ثم سافر من البصرة، فوصلنا إلى مشهد علي بن أبي طالب ﵁، وزرناه. ثم توجهنا إلى الكوفة فزرنا مسجدها المبارك، ثم إلى الحلة حيث مشهد صاحب الزمان، واتفق في بعض تلك الأيام أن وليها بعض الأمراء فمنع أهلها من التوجه على عادتهم إلى مسجد صاحب الزمان، وانتظاره هنالك. ومنع عنهم الدابة التي كانوا يأخذونها كل ليلة من الأمير، فأصابت ذلك الوالي علة مات منها سريعاً فزاد ذلك في فتنة الرافضة وقالوا إنما أصابه ذلك لأجل منعه الدابة فلم تمنع بعد. ثم سافرت إلى صرصر، ثم إلى مدينة بغداد. وصلتها في شوال سنة ثمان وأربعين، ولقيت بها بعض المغاربة فعرفني بكائنة طريف، واستيلاء الروم على الخضراء. جبر الله صدع الإسلام في ذلك. وكان سلطان بغداد والعراق في عهد دخولي إليها في التاريخ المذكور الشيخ حسن بن عمة السلطان أبي سعيد ﵀. ولما مات أبو سعيد استولى على ملكه بالعراق وتزوج زوجته دلشاد بنت دمشق خواجة بن الأمير الجوبان حسبما كان فعله السلطان أبو سعيد من تزوج زوجة الشيخ حسن. وكان السلطان حسن غائباً عن بغداد في هذه المدة متوجها لقتال السلطان أتابك افراسياب صاحب بلاد اللور. ثم رحلت من بغداد فوصلت إلى مدينة الأنبار ثم إلى هيت ثم إلى الحديثة ثم إلى عانة. وهذه البلاد من أحسن البلاد وأخصبها. والطريق فيما بينها كثيرة العمارة كأن الماشي في سوق من الأسواق وقد ذكرنا أنا لم نر ما يشبه البلاد التي على نهر الصين إلا هذه البلاد. ثم

стр. 542

وصلت إلى مدينة الرحبة، وهي التي تنسب إلى مالك بن طوق. ومدينة الرحبة أحسن بلاد العراق، وأول بلاد الشام. ثم سافرنا إلى السخنة وهي بلدة حسنة، أكثر سكانها الكفار من النصارى. وإنما سميت السخنة لحرارة مائها وفيه بيوت للرجال وبيوت للنساء يستحمون فيها ويستقون الماء ليلاً ويجعلونه في السطوح ليبرد. ثم سافرنا إلى تدمر، مدينة نبي الله سليمان ﵇ التي بنتها له الجن، كما قال النابغة: يبنون تدمر بالصُّفَّاحِ والعَمَد ثم سافرنا منها إلى مدينة دمشق الشام، وكانت مدة مغيبي عنها عشرين سنة كاملة. وكنت تركت بها زوجة لي حاملاً وتعرفت وأنا ببلاد الهند أنها ولدت ولداً ذكراً فبعثت حينئذ إلى جده للأم وكان من أهل مكناسة المغرب أربعين ديناراً ذهباً هندياً. فحين وصولي إلى دمشق في هذه الكرة لم يكن لي هم إلا السؤال عن ولدي. فدخلتُ المسجد فوفق لي نور الدين السخاوي إمام المالكية وكبيرهم فسلمت عليه فلم يعرفني فعرفته بنفسي، وسألته عن الولد فقال: مات منذ ثنتي عشر سنة. وأخبرني أنّ فقيهاً من أهل طنجة يسكن بالمدرسة الظاهرية، فسرت إليه لأسأله عن والدي وأهلي فوجدته شيخاً كبيراً فسلمت عليه وانتسبت له فأخبرني أنّ والدي توفي منذ خمس عشرة سنة، وأن الوالدة بقيد الحياة. وأقمت بدمشق الشام بقية العام والغلاء شديد والخبز قد انتهى إلى قيمة سبع أواقي بدرهم نقرة وأوقيتهم أربع أواقي مغربية. وكان قاضي قضاة المالكية إذ ذاك جمال الدين المسلاتي وكان من أصحاب الشيخ علاء الدين القونوي وقدم معه دمشق فعرف بها. ثم ولي القضاء وقاضي قضاة الشافعية تقي الدين بن السبكي، وأمير دمشق ملك الأمراء أرغون شاه. ومات في تلك الأيام بعض كبراء دمشق، وأوصى بمال للمساكين. فكان المتولي لإنفاذ الوصية يشتري الخبز ويفرقه عليهم كل يوم بعد العصر. فاجتمعوا في بعض الليالي وتزاحموا واختطفوا الخبز الذي يفرق عليهم، ومدوا أيديهم إلى خبز الخبازين. وبلغ ذلك الأمير أرغون شاه فأخرج زبانيته فكانوا حيث ما لقوا أحدا من المساكين قالوا له: تعال نأخذ الخبز فاجتمع منهم عدد كثير. فحبسهم تلك الليلة وركب من الغد وأحضرهم تحت القلعة وأمر بقطع أيديهم وأرجلهم. وكان أكثرهم براء عن ذلك. وأخرج طائفة الحرافيش عن

стр. 543

دمشق فانتقلوا إلى حمص وحماة وحلب. وذكر لي أنه لم يعش بعد ذلك إلا قليلاً وقتل. ثم سافرت من دمشق إلى حمص ثم حماة ثم المعرة ثم سرمين ثم إلى حلب. وكان أمير حلب في هذا العهد الحاج رُغْطَي "بضم الراء وسكون الغين المعجم وفتح الطاء المهمل وياء آخر الحروف مسكنة". واتفق في تلك الأيام أنّ فقيراً يعرف بشيخ المشايخ وهو ساكن في جبل خارج مدينة عينتاب والناس يقصدونه هم يتبركون به. وله تلميذ ملازم له وكان متجرداً عزباً لا زوجة له، قال في بعض كلامه: إن النبي ﷺ كان لا يصبر عن النساء وأنا أصبر عنهن. فشهد عليه بذلك، وثبت عند القاضي ورفع أمره إلى ملك الأمراء وأتي به وبتلميذه الموافق له على قوله، فأفتى القضاة الأربعة وهم: شهاب الدين المالكي، وناصر الدين العديم الحنفي، وتقي الدين بن الصائغ الشافعي، وعز الدين الدمشقي الحنبلي، بقتلهما معا فقتلاَ. وفي أوائل شهر ربيع الأول عام تسعة وأربعين بلغنا الخبر في حلب أن الوباء وقع بغزة وأنه انتهى عدد الموتى فيها إلى زائد على الألف في يوم واحد. فسافرت إلى حمص فوجدت الوباء قد وقع بها ومات يوم دخولي إليها نحو ثلثمائة إنسان. ثم سافرت إلى دمشق ووصلتها يوم الخميس وكان أهلها قد صاموا ثلاثة أيام وخرجوا يوم الجمعة إلى جامع الأقدام حسبما ذكرناه في السفر الأول. فخفف الله الوباء عنهم، فانتهى عدد الموتى عندهم إلى ألفين وأربعمائة في اليوم، ثم سافرت إلى عجلون ثم إلى بيت المقدس ووجدت الوباء قد ارتفع عنهم، ولقيت خطيبه عز الدين بن جماعة ابن عم عز الدين القضاة بمصر وهو من الفضلاء الكرماء ومرتبه على الخطابة ألف درهم في الشهر. وصنع الخطيب عز الدين يوماً دعوة ودعاني فيمن دعاه إليها فسألته عن سببها فأخبرني أنه نذر أيام الوباء أنه إن ارتفع ذلك، ومر عليه يوم لا يصلي فيه على ميت، صنع الدعوة. ثم قال لي: ولما كان بالأمس لم أصل على ميت فصنعت الدعوة التي نذرت. ووجدت من كنت أعهده من جميع الأشياخ بالقدس قد انتقلوا إلى جوار الله تعالى ﵏. فلم يبق منهم إلا القليل مثل المحدث العالم الإمام صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي، ومثل الصالح شرف الدين الخشي شيخ زاوية المسجد الأقصى، ولقيت الشيخ سليمان الشيرازي فأضافني. ولم ألق بالشام ومصر من وصل إلى قدم آدم عليه السلام

стр. 544

سواه. ثم سافرت عن القدس ورافقني الواعظ المحدث شرف الدين سليمان المليانين وشيخ المغاربة بالقدس الصوفي الفاضل طلحة العبد الوادي. فوصلنا إلى مدينة الخليل ﵇ وزرناه ومن معه من الأنبياء ﵈. ثم سرنا إلى غزة فوجدنا معظمها خاليا من كثرة من مات بها في الوباء. وأخبرنا قاضيها أن العدول بها كانوا ثمانين، فبقي منهم الربع، وأن عدد الموتى بها انتهى إلى ألف ومائة في اليوم. ثم سافرنا في البر فوصلت إلى دمياط ولقيت بها قطب الدين النفشواني وهو صائم الدهر، ورافقني منها إلى فارسكور وسمنود ثم إلى أبي صير "بكسر الصاد المهمل وياء وراء"، ونزلنا في زاوية لبعض المصريين بها. وبينما نحن بتلك الزاوية إذ دخل علينا أحد الفقراء فسلم وعرضنا عليه الطعام فأبى وقال إنما قصدت زيارتكم ولم يزل ليلته تلك ساجداً وراكعاً، ثم صلينا الصبح واشتغلنا بالذكر والفقير بركن الزاوية فجاء الشيخ بالطعام ودعاه فلم يجبه. فمضى إليه فوجده ميتاً فصلينا عليه ودفناه رحمة الله عليه. ثم سافرت إلى المحلة الكبيرة ثم إلى نحرارية ثم إلى أبيار ثم إلى دمنهور ثم إلى الإسكندرية. فوجدت الوباء قد خف بها بعد أن بلغ عدد الموتى إلى ألف وثمانين في اليوم. ثم سافرنا إلى القاهرة وبلغني أن عدد الموتى أيام الوباء انتهى فيها إلى واحد وعشرين ألفاً في اليوم. ووجدت جميع من كان بها من المشايخ الذين أعرفهم قد ماتوا، رحمهم الله تعالى. وكان ملك ديار مصر في هذا العهد الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون وبعد ذلك خلع عن الملك وولي أخوه الملك الصالح. ولما وصلت القاهرة وجدت قاضي القضاة عز الدين بن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة قد توجه إلى مكة في ركب عظيم يسمونه الرجبي لسفرهم في شهر رجب, وأخبرت أن الوباء لم يزل معهم حتى وصلوا إلى عقبة أيلة فارتفع عنهم. ثم سافرت من القاهرة إلى بلاد الصعيد وقد تقدم ذكرها، إلى عيذاب. وركبت منها البحر فوصلت إلى جدة. ثم سافرت منها إلى مكة شرفها الله تعالى وكرمها فوصلتها في الثاني والعشرين لشعبان سنة تسع

стр. 545

وأربعين. ونزلت في جوار إمام المالكية الصالح الولي الفاضل أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المدعو بخليل. فصمت شهر رمضان بمكة، وكنت أعتمر كل يوم على مذهب الشافعي. ولقيت ممن أعهده من أشياخها شهاب الدين الحنفي، وشهاب الدين الطبري، وأبا محمد اليافعي، ونجم الدين الأصفوني، والحرازي. وحججت في تلك السنة. ثم سافرت مع الركب الشامي إلى طيبة مدينة رسول الله ﷺ . وزرت قبره المكرم، زاده الله طيباً وتشريفاً. وصليت في المسجد الكريم طهره الله وزاده تعظيماً، وزرت من بالبقيع من أصحاب الرسول ﷺ ورضي عنهم. ولقيت من الأشياخ أبا محمد بن فرحون. ثم سافرنا من المدينة الشريفة إلى العلا وتبوك ثم إلى بيت المقدس ثم إلى مدينة الخليل ﷺ ثم إلى غزة ثم إلى منازل الرمل وقد تقدم ذكر ذلك كله. ثم إلى القاهرة وهنالك تعرفنا أن مولانا أمير المؤمنين وناصر الدين المتوكل على رب العالمين أبا عنان أيده الله تعالى. قد ضم الله به نشر الدولة المرينية، وشفى ببركته بعد إشفائها البلاد المغربية، وأفاض الإحسان على الخاص والعام وغمر جميع الناس بسابغ الإنعام. فتشوقت النفوس إلى المثول ببابه وأملت لثم ركابه. فعند ذلك قصدت القدوم على حضرته العلية، مع ما شاقني من تذكر الأوطان، والحنين للأهل والخلان، والمحبة إلى بلادي التي لها الفضل عندي على البلدان. بلاد بها نيطت علي تمائمي وأول أرض مس جلدي تُرابَها فركبت البحر في قرقورة لبعض التونسيين صغيرة، وذلك في صفر سنة خمسين. وسرت حتى نزلت بجربة. وسافرت المركب المذكور إلى تونس فاستولى العدو عليه. ثم سافرت في مركب صغير إلى قابس، فنزلت في ضيافة الأخوين الفاضلين أبي مروان وأبي العباس بني مكي أميري جربة وقابس. وحضرت عندهما مولد رسول الله ﷺ ، ثم ركبت في مركب إلى سفاقس، ثم توجهت في البحر إلى بليانة، ومنها سرت في البر مع العرب، فوصلت بعد مشقات إلى مدينة تونس، والعرب محاصرون لها. وكانت تونس في أيالة مولانا أمير المسلمين، وناصر الدين المجاهد في سبيل رب العالمين، علم الأعلام وأوحد الملوك الكرام، أسد الأساد وجواد الأجواد القانت الأواب، الخاشع العادل، أبي الحسن ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، ناصر دين الإسلام، الذي سارت

стр. 546

الأمثال بجوده وشاع في الأقطار أثر كرمه وفضله، ذي المناقب والمفاخر والفضائل والمآثر، الملك العادل الفاضل أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين وناصر الدين المجاهد في سبيل رب العالمين، قاهر الكفار ومبيدها، ومبدي آثار الجهاد ومعيدها، ناصر الإيمان، الشديد السطوة في ذات الرحمان، العابد الزاهد الراكع الساجد الخاشع الصالح، أبي يوسف بن عبد الحق ﵃ أجمعين، وأبقى الملك في عقبهم إلى يوم الدين. ولما وصلت تونس قصدت الحاج أبا الحسن الناميسي لما بيني وبينه من مودات القرابة البلدية. فأنزلني بداره، وتوجه معي إلى المشور فدخلت المشور الكريم وقبلت يد مولانا أبي الحسن ﵁ وأمرني بالقعود فقعدت. وسألني عن الحجاز الشريف وسلطان مصر فأجبته وسألني عن ابن تيفراجين فأخبرته بما فعلت المغاربة معه. وإرداتهم قتله بالإسكندرية وما لقي من أذيتهم انتصاراً منهم لمولانا أبي الحسن ﵁، وكان في مجلسه من الفقهاء الإمام أبو عبد الله السطي والإمام أبو عبد الله محمد بن الصباغ ومن أهل تونس قاضيها أبو علي عمر بن عبد الرفيع وأبو عبد الله بن هارون. وانصرفت عن المجلس الكريم. فلما كان بعد العصر استدعاني مولانا أبو الحسن وهو ببرج يشرف على موضع القتال ومعه الشيوخ الأجلة أبو عمر عثمان بن عبد الواحد التنالفتي وأبو حسون زيان بن أمريون العلوي وأبو زكريا يحيى بن سليمان العسكري والحاج أبو الحسن الناميسي. فسألني عن ملك الهند فأجبته عما سأل. ولم أزل أتردد إلى مجلسه الكريم أيام إقامتي بتونس وكانت ستة وثلاثين يوماً. ولقيت بتونس إذا ذاك الشيخ الإمام خاتمة العلماء وكبيرهم أبا عبد الله الأبلّي وكان في فراش المرض، وباحثني عن كثير من أمور رحلتي. ثم سافرت من تونس في البحر مع القطلانيين، فوصلنا إلى جزيرة سردانية من جزر الروم، ولها مرسى عجيب عليه خشب كبار دائرة به. وله مدخل كأنه باب لا يفتح إلا بإذن منهم، وفيها حصون. دخلنا أحدها وبه أسواق كثيرة ونذرت لله تعالى إن خلصنا الله منها صوم شهرين متتابعين لأننا تعرفنا أن أهلها عازمون على اتباعنا إذا خرجنا عنها ليأسرونا. ثم خرجنا عنها فوصلنا بعد عشر إلى مدينة تنس، ثم إلى مازونة، ثم إلى مستغانم، ثم إلى تلمسان. فقصدت العباد، وزرت الشيخ أبا مدين رضي الله عنه

стр. 547

ونفع به، ثم خرجت عنها على طريق مدرومة وسلكت طريق أخندقان. وبت بزاوية الشيخ إبراهيم. ثم سافرنا منها فبينما نحن بقرب أزغنغان، إذا خرج علينا خمسون راجلاً وفارسان. وكان معي الحاج ابن قريعات الطنجي وأخوه محمد المستشهد بعد ذلك في البحر. فعزمنا على قتالهم، ورفعنا علماً، ثم سالمونا وسالمناهم، والحمد لله، ووصلت إلى مدينة تازي، وبها تعرفت خبر موت والدتي بالوباء رحمها الله تعالى. ثم سافرت عن تازي، فوصلت يوم الجمعة في أواخر شهر شعبان المكرم من عام خمسين وسبعمائة إلى حضرة فاس، فمثلت بين يدي مولانا الأعظم، الإمام الأكرم، أمير المؤمنين، المتوكل على رب العالمين، أبي عنان، وصل الله علوه، وكبت عدوه، فأنستني هيبته هيبة سلطان العراق، وحسنه حسن ملك الهند، وحسن أخلاقه حسن خلق ملك اليمن، وشجاعته شجاعة ملك الترك، وحلمه حلم ملك الروم، وديانته ديانة ملك تركستان، وعلمه علم ملك الجاوة. وكان بين يديه وزيره الفاضل ذو المكارم الشهيرة والمآثر الكثيرة أبو زيان بن ودرار، فسألني عن الديار المصرية إذ كان قد وصل إليها فأجبته عما سأل، وغمرني من إحسان مولانا أيده الله تعالى بما أعجزني شكره. والله ولي مكافأته. وألقيت عصى التسيار ببلاده الشريفة، بعد أن تحققت بفضل الإنصاف أنها أحسن البلدان. لأن الفواكه بها متيسرة، والمياه والأقوات غير متعذرة. وقلّ إقليم يجمع ذلك، ولقد أحسن من قال: الغرب أحسن أرض ... ولي دليل عليه البدر يرقب منه ... والشمس تسعى إليه ودارهم الغرب صغيرة وفوائدها كثيرة، وإذا تأملت أسعاره مع أسعار ديار مصر والشام ظهر لك الحق في ذلك ولاح فضل بلاد المغرب. فأقول: إن لحوم الأغنام بديار مصر تباع بحساب ثمان عشرة أوقية بدرهم نقرة، والدرهم النقرة ستة دراهم من دراهم المغرب، وبالمغرب يباع اللحم إذا غلا سعره ثمانية عشر أوقية بدرهمين، وهما ثلث النقرة. وأما السمن فلا يوجد بمصر في أكثر الأوقات. والذي يستعمله أهل مصر من أنواع الإدام لا يلتفت إليه بالمغرب، ولأن أكثر ذلك العدس والحمص يطبخونه في قدور راسيات، ويجعلون عليه السيرج والبسلا، وهو صنف من الجلبان، يطبخونه ويجعلون عليه الزيت،

стр. 548

والقرع يطبخونه ويخلطونه باللبن، والبقلة الحمقاء يطبخونها كذلك، وأعين أغصان اللوز يطبخونها ويجعلون عليها اللبن، والقلقاس يطبخونه. وهذا كله متيسر بالمغرب، لكن أغنى الله عنه بكثرة اللحم والسمن والزبد والعسل وسوى ذلك. وأما الخضر فهي أقل الأشياء ببلاد مصر، وأما الفواكه فأكثرها مجلوبة من الشام، وأما العنب فإذا كان رخيصاً بيع عندهم ثلاثة أرطال من أرطالهم بدرهم نقرة، ورطلهم ثلاثة أرطال مغربية، وإذا رخص ثمنه بيع بحساب رطلين بدرهم نقرة، والإجاص يباع بحساب عشر أوراق بدرهم نقرة، وأما الرمان والسفرجل فتباع الحبة منه بثمانية فلوس وهي درهم من دارهم المغرب. وأما الخضر فيباع بالدرهم النقرة منها أقل مما يباع في بلادنا بالدرهم الصغير. وأما اللحم فيباع فيها الرطل منه من أرطالهم بدرهمين ونصف درهم نقرة. فإذا تأملت ذلك كله تبين لك أن بلاد المغرب أرخص البلاد أسعاراً، وأكثرها خيرات وأعظمها مرافق وفوائد. ولقد زاد الله بلاد المغرب شرفاً إلى شرفها وفضلاً إلى فضلها بإمامه مولانا أمير المؤمنين الذي مد ظلال الأمن في أقطارها وأطلع شمس العدل في أرجائها، وأفاض سحاب الإحسان في باديتها وحاضرتها، وطهرها من المفسدين وأقام بها رسوم الدنيا والدين. وأنا أذكر ما عاينته وتحققته من عدله وحلمه وشجاعته، واشتغاله بالعلم وتفقهه وصدقته الجارية ورفع المظالم. أما عدله فأشهر من أن يسطر في كتاب. فمن ذلك جلوسه للمشتكين من رعيته وتخصيصه يوم الجمعة للمساكين منهم، وتقسيمه ذلك اليوم بين الرجال والنساء وتقديمه النساء لضعفهن. فتقرأ قصصهن بعد صلاة الجمعة إلى العصر ومن وصلت نوبتها نودي باسمها ووقفت بين يديه الكريمتين يكلمها دون واسطة. فإن كانت متظلمة عجل إنصافها أو طالبة إحسان وقع إسعافها. ثم إذا صليت صلاة العصر قرأت قصص الرجال، وفعل مثل ذلك فيها. ويحضر المجلس الفقهاء والقضاة فيرد إليهم ما تعلق بالأحكام الشرعية وهذا شيء لم أر في الملوك من يفعله على هذا التمام ويظهر فيه مثل هذا العدل. فإن ملك الهند عين بعض أمرائه لأخذ القصص من الناس وتخليصها ورفعها إليه دون حضور

стр. 549

أربابها بين يديه. وأما حمله فقد شاهدت منه العجائب. فإنه أيده الله عفا عن الكثير ممن تعرض لقتال عساكره والمخالفة عليه وعن أهل الجرائم الكبار التي لا يعفو عن جرائمهم إلا من وثق بربه. وعلم علم اليقين معنى قوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ ١. قال ابن جزي: من أعجب ما شاهدته من حلم مولانا أيده الله أني منذ قدومي على بابه الكريم في آخر عام ثلاثة وخمسين إلى هذا العهد وهو أوائل عام سبعة وخمسين، لم أشاهد أحداً أمر بقتله إلا من قتلة الشرع في حد من حدود الله تعالى قصاص أو حرابة، وهذا على اتساع المملكة وانفساح البلاد واختلاف الطوائف. ولم يسمع بمثل ذلك فيما تقدم من الأعصار، ولا فيما تباعد من الأقطار. وأما شجاعته فقد علم ما كان منه في المواطن الكريمة من الثبات والإقدام مثل يوم قتال بني عبد الوادي وغيرهم. ولقد سمعت خبر ذلك اليوم ببلاد السودان، وذكر ذلك عند سلطانهم فقال: هكذا وإلا فلا. قال ابن جزي: لم يزل الملوك الأقدمون تتفاخر بقتل الآساد وهزائم الأعادي، ومولانا أيده الله كان قتل الأسد عليه أهون من قتل الشاة على الأسد، فإنه لما خرج الأسد على الجيش بوادي النجارين من المعمورة بحوز سلا، وتحامته الأبطال، وفرت أمامه الفرسان والرجال، برز إليه مولانا أيده الله غير محتفل به، ولا متهيب منه فطعنه بالرمح ما بين عينيه طعنة خر بها صريعاً لليدين وللفم. وأما هزائم الأعادي فإنما اتفقت للملوك بثبوت جيوشهم وإقدام فرسانهم، فيكون حظ الملوك الثبوت والتحريض على القتال. وأما مولانا أيده الله فإنه أقدم على عدوه منفرداً بنفسه الكريمة، بعد علمه بفرار الناس، وتحققه أنه لم يبق معه من يقاتل. فعند ذلك وقع الرعب في قلوب الأعداء، وانهزموا أمامه. فكان من العجائب فرار الأمم أمام واحد. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والعاقبة للمتقين، وما هو إلا ثمرة ما يمتن به أعلى الله مقامه من التوكل على الله والتفويض إليه. وأما اشتغاله بالعلم فها هو أيده الله تعالى يعقد مجالس العلم في كل يوم بعد صلاة الصبح، ويحض لذلك أعلام الفقهاء ونجباء الطلبة بمسجد قصره الكريم، فيقرأ بين يديه تفسير القرآن العظيم، وحديث المصطفى ﷺ ،

стр. 550

وفروع مذهب مالك ﵁، وكتب المتصوفة. وفي كل علم منها له القدح المعلى ويجلو مشكلاته بنور فهمه ويلقى نكته الرائقة من حفظه. وهذا شأن الأئمة المهتدين والخلفاء الراشدين. ولم أر من ملوك الدنيا من بلغت عنايته بالعلم إلى هذه النهاية. فقد رأيت ملك الهند يتذاكر بين يديه بعد صلاة الصبح في العلوم الصبح في العلوم المعقولات خاصة، ورأيت ملك الجاوة يتذاكر بين يديه بعد صلاة الجمعة في الفروع على مذهب الشافعي خاصة، وكنت أعجب من ملازمة ملك تركستان لصلاتي العشاء الآخرة والصبح في الجماعة، حتى رأيت ملازمة مولانا أيده الله في الصلوات كلها في الجماعة ولقيام رمضان: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ١. قال ابن جزي: لو أن عالماً ليس له شغل إلا بالعلم ليلاً ونهاراً، لم يكن يصل إلى أدنى مراتب مولانا أيده الله في العلوم، مع اشتغاله بأمور الأمة، وتديبره لسياسة الأقاليم النائية، ومباشرته من حال ملكه ما لم يباشره أحد من الملوك، ونظره بنفسه في شكايات المظلومين. ومع ذلك كله فلا تقع بمجلسه الكريم مسألة علم في أي علم كان إلا جلا مشكلها، وباحث في دقائقها واستخرج غوامضها واستدرك على علماء مجلسه ما فاتهم من مغلقاتها. ثم سما أيده الله إلى العلم الشريف التصوفي، ففهم إشارات القوم وتخلق بأخلاقهم. وظهرت آثار ذلك في تواضعه مع رفعته وشفقته على رعيته ورفقه على أمره كله وأعطى الآداب حظاً جزيلاً من نفسه فاستعمل أحسنها منزعاً وأعظمها موقعاً وصارت عنه الرسالة الكريمة والقصيدة اللتان بعثهما إلى الروضة الشريفة المقدسة الطاهرة روضة سيد المرسلين وشفيع المذنبين رسول الله ﷺ وكتبهما بخط يده الذي يخجل الروض حسناً. وذلك شيء لم يتعاط أحد من ملوك الزمان إنشاءه ولا رام إدراكه. ومن تأمل التوقيعات الصادرة عنه أيده الله تعالى وأحاط علماً بمحصولها لاح له فضل ما وهب الله لمولانا من البلاغة التي فطره عليها وجمع له بين الطبيعي والمكتسب منها. وأما صدقاته الجارية وما أمر به من عمارة الزوايا بجميع بلاده لإطعام الطعام، للوارد والصادر، فذلك ما لم يفعله أحد من الملوك، غير

стр. 551

السلطان أتابك أحمد. وقد زاد عليه مولانا أيده الله بالتصدق على المساكين بالطعام كل يوم والتصدق بالزرع على المتسترين من أهل البيوت. قال ابن جزي: اخترع مولانا أيده الله في الكرم والصدقات أموراً لم تخطر في الأوهام، ولا اهتدت إليها السلاطين. فمنها إجراء الصدقة على المساكين بكل بلد من بلاده على الدوام، ومنها تعيين الصدقة الوافرة للمسجونين في جميع البلاد أيضاً، ومنها كون تلك الصدقات خبزا مخبوزاً متيسراً للانتفاع به، ومنها كسوة المساكين والضعفاء والعجائز والمشائخ والملازمين للمساجد بجميع بلاده، ومنها تعيين الضحايا لهؤلاء الأصناف في عيد الأضحى، ومنها التصدق بما يجتمع في مجابي أبواب بلاده يوم سبعة وعشرين من رمضان إكراماً لذلك اليوم الكريم وقياماً بحقه، ومنها إطعام الناس في جميع البلاد ليلة المولد الكريم واجتماعهم لإقامة رسمه، ومنها إعذار اليتامى من الصبيان وكسوتهم يوم عاشوراء، ومنها صدقته على الزمني والضعفاء بأزواج الحرث، يقيمون بها أودهم ومنها صدقته على المساكين بحضرته بالطنافس الوثيرة والقطائف الجياد يفترشونها عند رقادهم. وتلك مكرمة لا يعلم لها نظير. ومنها بناء المرستانات في كل بلد من بلاده، وتعيين الأوقاف الكثيرة لمؤن المرضى، وتعيين الأطباء لمعالجتهم والتصرف في طبهم، إلى غير ذلك مما أبدع من أنواع المكارم وضروب المآثر كافأ الله أياديه وشكر نعمه. وأما رفعه للمظالم عن الرعية فمنها الرتب التي كانت تؤخذ بالطرقات، أمر أيده الله بمحو رسمها وكان لها مجبى عظيم فلم يلتفت إليه وما عند الله خير وأبقى، وأما كفه أيدي الظلام فأمر مشهور وقد سمعته أيده الله يقول لعماله لا تظلموا الرعية ويؤكد تلك الوصية. قال ابن جزي: ولم لم يكن من رفق مولانا أيده الله برعيته إلا رفعه التضييف الذي كانت عمال الزكاة وولاة البلاد تأخذه من الرعايا، لكفى ذلك أثرا في العدل ظاهرا ونورا في الرفق باهرا، فكيف وقد دفع من المظالم وبسط من المرافق ما لا يحيط به الحصر. وقد صدر في أيام تصنيف هذا من أمره الكريم في الرفق بالمسجونين ورفع الوظائف الثقيلة التي كانت تؤخذ منهم ما هو اللائق بإحسانه والمعهود من رأفته، وشمل الأمر بذلك جميع الأقطار، وكذلك صدر من التنكيل بمن ثبت جوره من القضاة والحكام ما فيه زاجر الظلمة وردع

стр. 552

المعتدين. وأما فعله في معاونة أهل الأندلس على الجهاد ومحافظته على إمداد الثغور بالأموال والأقوات والسلاح وفته في عضد العدو بإعداد العدد وإظهار القوة فذلك أمر شهير، لم يغب علمه عن أهل المغرب والمشرق ولا سبق إليه أحد من الملوك. قال ابن جزي: حسب المتشوف إلى علم ما عند مولانا أيده الله من سداد القطر إلى المسلمين ودفاع القوم الكافرين ما فعله في فداء مدينة طرابلس إفريقية. فإنها لما استولى العدو عليها ومد يد العدوان إليها، ورأى أيده الله أن بعث الجيوش إليها لا يتأتى لبعد الأقطار، كتب إلى خدامه ببلاد أفريقية أن يفدوها بالمال. ففديت بخمسين ألف دينار من الذهب العين. فلما بلغه خبر ذلك قال: الحمد لله الذي استرجعها من أيدي الكفار بهذا النذر اليسير. وأمر للعين ببعث ذلك العدد إلى إفريقية، وعادت المدينة إلى الإسلام على يده. ولم يخطر في الأوهام أن أحدا تكون عنده خمسة قناطير من الذهب نذراً يسيراً حتى جاء بها مولانا أيده الله مكرمة بعيدة ومآثرة فائقة، قل في الملوك أمثالها وعز عليهم مثالها. ومما شاع من أفعال مولانا أيده الله في الجهاد إنشاؤه الأجفان بجميع السواحل واستكثاره من عدد البحر وهذا في زمان الصلح والمهادنة إعداداً لأيام الغزاة. وأخذ بالعزم في قطع أطماع الكفار، وأكد ذلك بتوجهه أيده الله بنفسه إلى جبال جاناته في العام الفارط ليباشر قطع الخشب للإنشاء، ويظهر قدر ماله بذلك من الاعتناء، ويتولى بذاته أعمال الجهاد مترجياً ثواب الله تعالى، وموقنا بحسن الجزاء. ومن أعظم حسناته أيده الله عمارة المسجد الجديد بالمدينة البيضاء دار ملكه العلي، وهو الذي امتاز بالحسن واتقان البناء وإشراق النور وبديع الترتيب، وعمارة المدرسة الكبرى بالموضع المعروف بالقصر، مما يجاور قصبة فاس، ولا نظير لها في المعمورة اتساعاً وحسناً وإبداعاً وكثرة ماء وحسن وضع. ولم أر في مدارس الشام ومصر والعراق وخراسان ما يشبهها. وعمارة الزاوية العظمى على غدير الحمص خارج المدينة البيضاء فلا مثل لها أيضاً في عجب وضعها وبديع صنعها. وأبدع زاوية رأيتها بالشرق زاوية سرياقص "سرياقس" التي بناها الملك الناصر. وهذه أبدع منها وأشد إحكاما وإتقاناً. والله سبحانه

стр. 553

ينفع مولانا أيده الله بمقاصده الشريفة، ويكافئ فضائله المنيفة، ويديم للإسلام والمسلمين أيامه وينصر ألويته المظفرة وأعلامه. ولنعد إلى ذكر الرحلة فنقول: ولما حصلت لي مشاهدة هذا المقام الكريم، وعمني فضل إحسانه العميم قصدت زيارة قبر الوالدة. فوصلت إلى بلدة طنجة وزرتها، وتوجهت إلى مدينة سبته فأقمت بها أشهراً، وأصابني المرض ثلاثة أشهر، ثم عافاني الله فأردت أن يكون لي حظ من الجهاد والرباط، فركبت البحر من سبتة في شطي لأهل أصيلا، فوصلت إلى بلاد الأندلس حرسها الله تعالى، حيث الأجر موفور للساكن، والثواب مذخور للمقيم والظاعن. وكان ذلك إثر موت طاغية الروم ألفونس، وحصاره الجبل عشرة أشهر، وظنه أنه يستولي على ما بقي من بلاد الأندلس للمسلمين. فأخذه الله من حيث لم يحتسب، ومات بالوباء الذي كان أشد الناس خوفاً منه. وأول بلد شاهدته من البلاد الأندلسية جبل الفتح. فلقيت به خطيبه الفاضل أبا زكريا يحيى بن السراج الرندي، وقاضيه عيسى البربري، وعنده نزلت وتطوفت معه على الجبل، فرأيت عجائب ما بنى به مولانا أبا الحسن ﵁ وأعد فيه من العدد وما زاد على ذلك مولانا أيده الله. ووددت أن لو كنت ممن رابط به إلى نهاية العمر. قال ابن جزي: جبل الفتح هو معقل الإسلام المعترض شجىً في حلوق عبدة الأصنام، حسنه مولانا أبي الحسن ﵁ المنسوبة إليه وقربته التي قدمها نوراً بين يديه، محل عدد الجهاد، ومقر آساد الأجناد، والثغر الذي افتر عن نصر الإيمان، وأذاق أهل الأندلس بعد مرارة الخوف حلاوة الأمان، ومنه كان مبدأ الفتح الأكبر وبه نزل طارق بن زياد مولى موسى بن نصير عند جوازه فنسب إليه، فيقال له: جبل طارق، وجبل الفتح، لأن مبدأه كان منه. وبقايا السور الذي بناه ومن معه باقية إلى الآن، تسمى بسور العرب. شاهدتها أيام إقامتي به عند حصار الجزيرة أعادها الله، ثم فتحه مولانا أبوالحسن رضوان الله عليه واسترجعه من أيدي الروم بعد تملكهم له عشرين سنة ونيفاً، وبعث إلى حصاره ولده الأمير الجليل أبا مالك، وأيده بالأموال الطائلة والعساكر الجرارة. وكان فتحه بعد حصار ستة أشهر، وذلك في عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، ولم يكن حينئذ على ما هو الآن عليه. فبنى به مولانا أبوالحسن،

стр. 554

رحمة الله عليه، المأثرة العظمى بأعلى الحصن، وكانت قبل ذلك برجاً صغيراً، تهدم بأحجار المجانيق، فبناها مكانه، وبنى به دار الصناعة، ولم يكن به دار صنعة وبنى السور الأعظم المحيط بالتربة الحمراء الآخذ من دار الصنعة إلى القرمدة، ثم جدد مولانا أمير المؤمنين أبو عنان أيده الله عهد تحصينه وتحسينه، وزاد بناء السور بطرف الفتح وهو أعظم أسواره غناء وأعمها نفعاً وبعث إليه العدد الوافرة والأقوات والمرافق العامة وعامل الله تعالى فيه بحسن النية وصدق الإخلاص. ولما كان في الأشهر الأخيرة من عام ستة وخمسين وقع بجبل الفتح ما ظهر فيه أثر يقين مولانا أيده الله وثمرة توكله في أموره على الله وبان مصداق ما اطرد له من السعادة الكافية. وذلك أن عامل الجبل الخائن الذي ختم له بالشقاء عيسى بن أبي منديل نزع يده المغلولة عن الطاعة، وفارق عصمة الجماعة وأظهر النفاق وجمح في الغدر والشقاق وتعاطى ما ليس من رجاله وعمى عن مبدأ حاله السيء ومآله، وتوهم الناس أن ذلك مبدأ فتنة تنفق على إطفائها كرائم الأموال، ويستعد لاتقائها بالفرسان والرجال. فحكمت سعادة مولانا أيده الله ببطلان هذا التوهم وقضى صدق يقينه بانخراق العادة في هذه الفتنة فلم تكن إلا أيام يسيرة وراجع أهل الجبل بصائرهم وثاروا على الثائر وخالفوا الشقي المخالف وأقاموا بالواجب من الطاعة وقبضوا عليه وعلى ولده المساعد له في النفاق وأتي بها مصفدين إلى الحضرة العلية، فنفذ فيهما حكم الله في المحاربين وأراح الله من شرهما. ولما خمدت نار الفتنة أظهر مولانا أيده الله من العناية ببلاد الأندلس مالم يكن في حساب أهلها وبعث إلى جبل الفتح ولده الأسعد المبارك الأرشد أبا بكر المدعو من السمات السلطانية بالسعيد أسعده الله تعالى وبعث معه أنجاد الفرسان ووجوه القبائل وكفاة الرجال وأدر عليهم الأرزاق ووسع لهم الأقطاع وحرر بلادهم من الغرائم وبذل لهم جزيل الإحسان. وبلغ من اهتمامه بأمور الجبل أن أمر أيده الله بناء شكل يشبه شكل الجبل المذكور فمثل فيه أشكال أسواره وأبراجه وحصنه وأبوابه ودار صنعته ومساجده ومخازن عُدَده وأهربة زرعه وصورة الجبل وما اتصل به من التربة الحمراء. فصنع ذلك بالمشور السعيد فكان شكلاً عجيباً أتقنه الصناع اتقاناً يعرف قدره من شاهد الجبل وشاهد هذا المثال وما ذلك إلا لتشوقه أيده الله إلى استطلاع أحواله وتهممه بتحصينه وإعداده. والله تعالى يجعل نصر الإسلام بالجزيرة الغربية على

стр. 555

يديه، ويحقق ما يؤمله في الفتح بلاد الكفار، وشتّ شمل عباد الصليب. وتذكرت حين هذا التقييد قول الأديب البليغ المفلق أبي عيد الله محمد بن غالب الرصافي البلنسي، ﵀، في وصف هذا الجبل المبارك من قصيدته الشهيرة في مدح عبد المؤمن بن علي١ التي أولها: لو جئت نار الهدى من جانب الطور ... قبست ما شئت من علم ومن نور وفيها يقول في وصف الجبل وهو من البديع الذي لم يسبق إليه بعد وصفه السفن وجوازها: حتى رمت جبل الفتحين من٢ جبل ... معظم القدر في الأجيال مذكور٣ من شامخ الأنف في سحنائه طلس٤ ... له من الغيم جيب غير مزرور تمسي النجوم على تكليل مفرقه ... في الجو حائمة مثل الدنانير فربما مسحته من ذوائبها ... بكل فضل على فوديه مجرور وادردٍ٥ من ثناياه بما أخذت ... منه معاجم أعواد الدهارير محنك حلب الأيام أشطرها ... وساقها سَوق حادي العير للعير مقيد الخطو جوّال الخواطر في ... عجيب أمر به من ماض ومنظور قد واصل الصمت والإطراق مفتكراً ... بادي السكينة مُغْبَرَّ الأسارير

стр. 556

كأنه مكمد مما تعبده ... خوف الوعيدين١ من دك وتسيير أخلق به وجبال الأرض راجفة ... أن يطمئن غدا من كل محذور ثم استمرّ في قصيدته على مدح عبد المؤمن بن علي. قال ابن جزي: ولنعد إلى كلام الشيخ أبي عبد الله قال: ثم خرجت من جبل الفتح إلى مدينة رندة، وهي من أمنع معاقل المسلمين وأجملها وضعاً، وكان قائدها إذ ذاك الشيخ أبو الربيع سليمان بن داود العسكري، وقاضيها ابن عمي الفقيه أبو القاسم محمد بن يحيى بن بطوطة. ولقيت بها الفقيه القاضي الأديب أبا الحجاج يوسف بن موسى المنتشاقري، وأضافني بمنزله، ولقيت بها أيضاً خطيبها الصالح الحاج الفاضل أبا إسحاق إبراهيم المعروف بالشندرخ، المتوفى بعد ذلك بمدينة سلا من بلاد المغرب، ولقيت بها جماعة من الصالحين منهم عبد الله الصفّار وسواه. وأقمت بها خمسة أيام. ثم سافرت منها إلى مدينة مربلة، والطريق فيما بينهما صعب شديد الوعورة، ومربلة حسنة خصبة. ووجدت بها جماعة من الفرسان متوجهين إلى مالقه، فأردت التوجه في صحبتهم. ثم أن الله تعالى عصمني بفضله فتوجهوا قبلي فأسروا في الطريق كما سنذكره. وخرجت في أثرهم، فلما جاورت حوز مربلة ودخلت في حوز سهيل مررت بفرس ميت في بعض الخنادق ثم مررت بقفة حوّات٢ مطروحة بالأرض فرابني ذلك، وكان أمامي برج الناظور. فقلت في نفسي: لو ظهر ها هنا عدوّ لأنذر به صاحب البرج، ثم تقدمت إلى دار هنالك فوجدت عليه فرساً مقتولاً. فبينما أنا هنالك، سمعت الصياح من خلفي وكنت قد تقدمت أصحابي فعدت إليهم فوجدت معهم قائد حصن سهيل فأعلمني أن أربعة أجفان للعدو ظهرت هنالك، ونزل بعض

стр. 557

عمارتها إلى البر. ولم يكن الناظور بالبرج، فمر بهم الفرسان الخارجون من مربلة وكانوا اثني عشر فقتل النصارى أحدهم وفر واحد وأسر العشرة. وقتل معهم رجل حوّات وهو الذي وجدت قفته مطروحة بالأرض وأشار علي ذلك القائد بالمبيت في موضعه ليوصلني منه إلى مالقه فبت بحصن الرابطة المنسوبة إلى سهيل. والأجفان المذكورة مرساة عليه. وركب معي بالغد فوصلنا إلى مدينة مالقه إحدى قواعد الأندلس، وبلادها الحسان جامعة بين مرافق البر والبحر، كثيرة الخيرات والفواكه. رأيت العنب يباع في أسواقها بحساب ثمانية أرطال بدرهم صغير. ورمانها المرسي الياقوتي لا نظر له في الدنيا، وأما التين واللوز فيجلبان منها ومن أحوازها إلى بلاد المشرق والمغرب. قال ابن جزي: وإلى ذلك أشار الخطيب أبو محمد بن عبد الوهاب بن علي المالقي في قوله، وهو من مليح التجنيس: مالقة حييت ياتينها ... فالفلك من أجلك يأتينها نهى طبيبي عنك في علة ... ما لطبيبي عن حياتي نهى وذيلها قاضي الجماعة أبو عبد الله بن عبد الملك بقوله في قصد المجانسة: وحمص لا تنسى لها تينها ... واذكر مع التين زياتينها١ وبمالقة يصنع الفخار المذهب العجيب ويجلب منها إلى أقاصي البلاد. ومسجدها كبير الساحة شهير البركة وصحنه لا نظير له في الحسن فيه أشجار النارنج البعيدة. ولما دخلت مالقة وجدت قاضيها الخطيب الفاضل أبا عبد الله ابن خطيبها الفاضل أبي جعفر بن خطيبها ولي الله تعالى أبي عبد الله الطنجالي قاعداً بالجامع الأعظم، ومعه الفقهاء ووجوه الناس يجمعون مالاً برسم فداء الأساري الذي تقدم ذكرهم، فقلت له: الحمد لله الذي عافاني ولم يجعلني منهم. وأخبرته بما اتفق لي بعدهم، فعجب من ذلك، وبعث إلي

стр. 558

بالضيافة ﵀. وأضافني أيضاً خطيبها أبو عبد الله الساحلي المعروف بالمعمم١. ثم سافرت منها إلى مدينة بلّش وبينهما أربعة وعشرون ميلاً. وهي مدينة حسنة بها مسجد عجيب، وفيها الأعناب والفواكه والتين، كمثل ما بمالقة. ثم سافرنا منها إلى الحمة وهي بلدة صغيرة لها مسجد بديع الوضع عجيب النباء. وبها العين الحارة على ضفة واديها، وبينها وبين البلد ميل أو نحوه. وهنالك بيت لاستحمام الرجال، وبيت لاستحمام النساء. ثم سافرت منها إلى غرناطة قاعدة بلاد الأندلس٢ وعروس مدنها وخارجها لانظير له في بلاد الدنيا، وهو مسيرة أربعين ميلاً يخترقه نهر شنيل المشهور وسواه من الأنهار الكثيرة والبساتين والجنات والرياض والقصور. والكروم محدقة بها من كله جهة. ومن عجيب مواضعها عين الدمع وهو جبل فيه الرياض والبساتين لا مثل له بسواها. قال ابن جزي: لولا خشية أن أنسب إلى العصبية لأطلت القول في وصف غرناطة فقد وجدت مكانه. ولكن ما اشتهر كاشتهارها لا معنى لإطالة القول فيه. ولله در شيخنا أبي بكر محمد بن أحمد بن شيرين البستي نزيل غرناطة، حيث يقول: رعى الله من غرناطة مُتَنوّأً ... يَسُرُّ حزينا أو يجير طريدا تبرّم منها صاحبي عندما رأى ... مسارحها بالثلج عُدن جليدا هي الثغر، صان الله من أَهِلَت به ... وما خير ثغر لا يكون برودا. وكان ملك غرناطة في عهد دخولي إليها السلطان أبو الحجاج يوسف بن السلطان أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر. ولم ألقه بسبب مرض كان به. وبعثت إلي والدته الحرة الصالحة الفاضلة بدنانير ذهب ارتفقت بها. ولقيت بغرناطة جملة من فضلائها منهم قاضي الجماعة بها الشريف البليغ أبو القاسم محمد بن أحمد ابن محمد الحسيني السبتي، ومنهم فقيههاً المدرس الخطيب العالم أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم البياني، ومنهم عالمها ومقرئها الخطيب أبو سعيد بن فرج بن قاسم الشهير بابن لب،

стр. 559

ومنهم قاضي الجماعة نادرة العصر وطرفة الدهر أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم السلمي البعلبعي. قدم عليها من المرية في تلك الأيام فوقع الاجتماع به في بستان الفقيه أبي القاسم محمد بن الفقيه الكاتب الجليل أبي عبد الله بن عاصم. وأقمنا هنالك يومين وليلة. قال ابن جزي: كنت معهم في ذلك البستان وأمتعنا الشيخ أبو عبد الله١ بأخبار رحلته وقيدت عنه أسماء الأعلام الذين لقيهم فيها واستفدنا منه الفوائد العجيبة. وكان معنا جملة من وجوه أهل غرناطة منهم الشاعر المجيد الغريب الشأن أبو جعفر أحمد بن رضوان بن عبد العظيم الجذامي. وهذا الفتى أمره عجيب فإنه نشأ بالبادية ولم يطلب العلم ولا مارس الطلبة ثم إنه نبغ بالشعر الجيد الذي يندر وقوعه من كبار البلغاء وصدور الطلبة مثل قوله: يا من اختار فؤادي منزلاً ... بابُه العينُ التي تَرْمُقه فَتحَ البابَ سُهادي بَعدَكم ... فابعثوا طيفَكم يُغْلِقُهُ ولقيت بغرناطة الشيوخ والمتصوفين منهم: الفقيه أبا علي عمر بن الشيخ الصالح الولي أبي عبد الله محمد بن المحروق، وأقمت أياما بزاويته التي بخارج غرناطة وأكرمني أشد الإكرام. وتوجهت معه إلى زيارة الزاوية الشهيرة البركة المعروفة برابطة العقاب، والعقاب جبل مطل على خارج غرناطة، وبينهما نحو ثمانية أميال، وهو مجاور لمدينة البيرة الخربة. ولقيت أيضاً ابن أخيه الفقيه أبا الحسن علي بن أحمد بن المحروق بزاويته المنسوبة للجام بأعلى ربض نجد من خارج غرناطة المتصل بجبل السبيكة، وهو شيخ المنتسبين من الفقراء. وبغرناطة جملة من فقراء العجم، استوطنوها لشبهها ببلادهم منهم الحاج أبو عبد الله السمرقندي والحاج أحمد التبريزي والحاج إبراهيم القونوي والحاج حسين الخراساني والحاجان علي ورشيد الهنديان وسواهم. ثم رحلت من غرناطة إلى الحمة ثم إلى بلش ثم إلى مالقة ثم إلى حصن ذكوان، وهو حصن حسن كثير المياه والأشجار والفواكه، ثم سافرت منه

стр. 560

إلى رندة، ثم إلى قرية بني رياح. فانزلني شيخها أبو الحسن علي سليمان الرياحي، وهو أحد كرماء الرجال وفضلاء الأعيان يطعم الصادر والوارد وأضافني ضيافة حسنة. ثم سافرت إلى جبل الفتح وركبت البحر في الجفن الذي جزت فيه أولاً وهو لأهل أصيلاً، فوصلت إلى سبتة. وكان قائدها إذ ذاك الشيخ أبو المهدي عيسى بن سليمان ابن منصور، وقاضيها الفقيه أبو محمد الزجندري. ثم سافرت منها إلى أصيلاَ وأقمت بها شهوراً. ثم سافرت منها إلى مدينة سلا، ثم سافرت من سلا فوصلت إلى مدينة مراكش. وهي من أجمل المدن فسيحة الأرجاء متسعة الأقطار كثيرة الخيرات، بها المساجد الضخمة كمسجدها الأعظم المعروف بمسجد الكتبيين، وبها الصومعة الهائلة العجيبة صعدتها وظهر لي جميع البلد منها. وقد استولى عليه الخراب. فما شبهته إلا ببغداد، إلا أن أسواق بغداد أحسن. وبمراكش المدرسة العجيبة التي تميزت بحسن الوضع وإتقان الصنعة وهي من بناء الإمام مولانا أمير المسلمين أبي الحسن رضوان الله عليه. قال ابن جزي: في مراكش يقول قاضيها الإمام التاريخي أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الأوسي: لله مراكش الغراء من بلد ... وحبذا أهلها السادات من سكن إن حلها نازح الأوطان مغترب ... أسلوه بالأنس عن أهل وعن وطن بين الحديث بها أو العيان لها ... ينشأ التحاسد بين العين والأذن. ثم سافرت من مراكش صحبة الركاب العلي، ركاب مولانا أيده الله فوصلنا إلى مدينة سلا، ثم إلى مدينة مكناسة العجيبة الخضرة النضرة ذات البساتين والجنات المحيطة بها بحائر الزيتون من جميع نواحيها. ثم وصلنا إلى حضرة فاس حرسها الله تعالى فوادعت بها مولانا أيده الله وتوجهت برسم السفر إلى بلاد السودان، فوصلت إلى مدينة سجلماسة. وهي من أحسن المدن، وبها التمر الكثير الطيب وتشبهها مدينة البصرة في كثرة التمر. لكن تمر سجلماسة أطيب، وصنف أيران منه لا نظير له في البلاد. ونزلت منها عند الفقيه أبي محمد البشري وهو الذي لقيت أخاه بمدينة قنجنفو من بلاد الصين. فيا شدّ ما تباعدا، فأكرمني غاية الإكرام واشتريت بها الجمال وعلفتها أربعة أشهر. ثم سافرت في غرة شهر الله المحرم سنة ثلاث وخمسين في رفقة مقدمها

стр. 561

أبو محمد يندكان المسوفي رحمه الله تعالى وفيها من تجار سجلماسة وغيرهم. فوصلنا بعد خمسة وعشرين يوماً إلى تَغَازَى، وضبط اسمها "بفتح التاء المثناة والغين المعجم وألف وزاي مفتوح أيضاً"، وهي قرية لا خير فيها. ومن عجائبها أن بناء بيوتها ومسجدها من حجارة الملح وسقفها من جلود الجمال. ولا شجر بها إنما هي رمل فيه معدن الملح يحفر عليه في الأرض فيوجد منه ألواح ضخام متراكبة كأنها قد نحتت ووضعت تحت الأرض يحمل الجمل منها لوحين. ولا يسكنها إلا عبيد مسوفة الذين يحفرون على الملح ويتعيشون بما يجلب إليهم من تمر درعة وسجلماسة ومن لحوم الجمال ومن أنلي المجلوب من السودان، ويصل السودان من بلادهم فيحملون منها الملح. ويباع الحمل منه بأيوالاتن بعشرة مثاقيل إلى ثمانية، وبمدينة مالي بثلاثين مثقالاً إلى عشرين، وربما انتهى إلى أربعين مثقالاً. وبالملح يتصارف السودان، كما يتصارف بالذهب والفضة. يقطعونه قطعاً ويتبايعون به. وقرية تغازي على حقارتها يتعامل فيها بالقناطير المقنطرة من التبر. وأقمنا بها عشرة أيام في جهد لأن ماءها زعاق وهي أكثر المواضع ذباباً، ومنها يرفع الماء لدخول الصحراء التي بعدها. وهي مسيرة عشرة لا ماء فيها إلا في النادر. ووجدنا نحن بها ماء كثيراً في غدران أبقاها المطر ولقد وجدنا في بعض الأيام غديراً بين تلين من حجارة ماؤه عذب فتروينا منه وغسلنا ثيابنا. والكمأة بتلك الصحراء كثير ويكثر القمل بها حتى يجعل الناس في أعناقهم خيوطا فيها الزئبق فيقتلها. وكنا في تلك الأيام نتقدم أمام القافلة فإذا وجدنا مكانا يصلح للرعي رعينا الدواب به. ولم نزل كذلك حتى ضاع في الصحراء رجل يعرف بابن زيري فلم أتقدم بعد ذلك ولا تأخرت. وكان ابن زيري وقعت بينه وبين ابن خاله ويعرف بابن عدي منازعة ومشاتمة فتأخر عن الرفقة فضل. فلما نزل الناس لم يظهر له خبر فأشرت على ابن خاله بأن يكتري من مسوفة من يقص أثره لعله يجده فأبى، وانتدب في اليوم الثاني رجل من مسوفة دون أجرة لطلبه فوجد أثره وهو يسلك الجادة طوراً ويخرج عنها تارة ولم يقع له على خبر. ولقد لقينا قافلة في طريقنا فأخبرونا أن بعض رجال انقطعوا عنهم فوجدنا أحدهم ميتا تحت شجيرة من أشجار الرمل، وعليه ثيابه، وفي يده

стр. 562

سوط. وكان الماء على نحو ميل منه. ثم وصلنا إلى تاسرهلا "بفتح التاء المثناة والسين المهمل والراء وسكون الهاء"، وهي أحساء ماء تنزل القوافل عليها، ويقيمون ثلاثة أيام. فيستريحون ويصلحون أسقيتهم ويملؤونها بالماء ويخيطون عليها التلاليس خوف الريح، ومن هنالك يبعث التكشيف. والتكشيف اسم لكل رجل من مسوفة يكتريه أهل القافلة فيتقدم إلى أيوالاتن يكتب الناس إلى أصحابهم بها ليكتروا لهم الدور ويخرجون للقائهم بالماء مسيرة أربع. ومن لم يكن له صاحب بأيوالاتن كتب إلى من شهر بالفضل من التجار بها فيشاركه في ذلك. وربما هلك التكشيف في هذه الصحراء فلا يعلم أهل أيوالاتن بالقافلة فيهلك أهلها أو الكثير منهم. وتلك الصحراء كثيرة الشياطين فإن كان التكشيف منفرداً لعبت به واستهوته حتى يضل عن قصده فيهلك إذ لا طريق يظهر بها ولا أثر إنما هي رمال تسفيها الريح فترى جبالاً من الرمل في مكان ثم تراها قد انتقلت إلى سواه والدليل هنالك من كثر تردده وكان له قلب ذكي. ورأيت من العجائب أن الدليل الذي كان لنا هو أعور العين الواحدة مريض الثانية وهو أعرف الناس بالطريق. واكترينا التكشيف في هذه السفرة بمائة مثقال من الذهب وهو من مسوفة. وفي ليلة اليوم السابع رأينا نيران الذين خرجوا للقائنا فاستبشرنا بذلك. وهذه الصحراء منيرة مشرقة ينشرح الصدر فيها وتطيب النفس وهي آمنة من السراق والبقر الوحشية بها كثير يأتي القطيع منها حتى يقرب من الناس فيصطادونه بالكلاب والنشاب لكن لحمها يولد أكله العطش فيتحاماه كثير من الناس لذلك. ومن العجائب أن هذه البقر إذا قتلت وجد في كروشها الماء. ولقد رأيت أهل مسوفة يعصرون الكرش منها ويشربون الماء الذي فيه. والحيات أيضاً بهذه الصحراء كثير. وكان في القافلة تاجر تلمساني يعرف بالحاج زيان. ومن عادته أن يقبض على الحيات ويعبث بها وكنت أنهاه عن ذلك فلا ينتهي. فلما كان ذات يوم أدخل يده في جحر ضب ليخرجه فوجد مكانه حية فأخذها بيده. وأراد الركوب فلسعته في سبابته اليمنى وأصابه وجع شديد فكويت يده وزاد ألمه عشي النهار فنحر جملاً وأدخل يده في كرشه وتركها كذلك ليلة ثم تناثر لحم أصبعه فقطعها من الأصل. وأخبرنا أهل مسوفة أن تلك الحية كانت قد شربت

стр. 563

الماء قبل لسعه ولو لم تكن شربت لقتلته. ولما وصل إلينا استقبلونا بالماء شربت خيلنا. ودخلنا صحراء شديدة الحر ليست كالتي عهدنا. وكنا نرحل بعد صلاة العصر ونسري الليل كله وننزل عند الصباح. وتأتي الرجال من مسوفة وبردامة وغيرهم بأحمال الماء للبيع. ثم وصلنا إلى مدينة أيوالاتن في غرة شهر ربيع الأول بعد سفر شهرين كاملين من سجلماسة. وهي أول عمالة السودان ونائب السلطان بها فَرْبا حسين وفربا "بفتح الفاء وسكون الواو وفتح الباء الموحدة" معناه النائب. ولما وصلنا جعل التجار أمتعتهم في رحبة وتكفل السودان بحفظها وتوجهوا إلى الفربا وهو جالس على بساط في سقيف وأعوانه بين يديه بأيديهم الرماح والقسي وكبراء مسوفة من ورائه. ووقف التجار بين يديه وهو يكلمهم بترجمان على قربهم منه احتقاراً لهم، فعند ذلك ندمت على قدومي بلادهم لسوء أدبهم، واحتقارهم للأبيض. وقصدت دار ابن بداء وهو رجل فاضل من أهل سلا، كنت كتبت له أن يكتري لي داراً ففعل ذلك. ثم إن مشرف أيوالاتن ويسمى مَنْشَاجو "بفتح الميم وسكون النون وفتح الشين المعجم وألف وجيم مضموم وواو" استدعى من جاء في القافلة إلى ضيافته، فأبيت من حضور ذلك فعزم الأصحاب علي أشد العزم فتوجهت فيمن توجه. ثم أتي بالضيافة وهي جريش أنلي مخلوطاً بيسير عسل ولبن قد وضعوه في نصف قرعة صيروه شبه الجفنة فشرب الحاضرون وانصرفوا، فقلت لهم: ألهذا دعانا الأسود؟ قالوا: نعم، وهو الضيافة الكبيرة عندهم. فأيقنت حينئذ أن لا خير يرتجى منهم، وأردت أن أسافر مع حجاج أيوالاتن ثم ظهر لي أن أتوجه لمشاهدة حضرة ملكهم. وكانت إقامتي بإيوالاتن نحو خمسين يوماً. وأكرمني أهلها وأضافوني، منهم: قاضيها محمد بن عبد الله بن ينومر، وأخوه الفقيه المدرس يحيى. وبلدة إيوالاتن شديدة الحر، وفيها يسير نخيلات، يزرعون في ظلالها البطيخ. وماؤهم من أحساء بها، ولحم الضأن كثير بها وثياب أهلها حسان مصرية وأكثر السكان بها من مسوفة. ولنسائها الجمال الفائق، وهن أعظم شأنا من الرجال. وشأن هؤلاء القوم عجيب وأمرهم غريب، فأما رجالهم فلا غيرة لديهم ولا ينتسب أحدهم إلى أبيه بل ينتسب لخاله ولا يرث الرجل إلا أبناء أخته دون بنيه. وذلك شيء ما رأيته في الدنيا إلا عند كفار بلاد المليبار من الهنود.

стр. 564

وأما هؤلاء فهم مسلمون محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن. وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات. ومن أراد التزوج منهن تزوج، لكنهن لا يسافرون مع الزوج، ولو أرادت إحداهن ذلك لمنعها أهلها. والنساء هنالك يكون لهن الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب، وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ومعها صاحبها فلا ينكر ذلك. ودخلت يوماً على القاضي بإيوالاتن بعد إذنه في الدخول، فوجدت عنده امرأة صغيرة السن بديعة الحسن، فلما رأيتها ارتبت وأردت الرجوع، فضحكت مني ولم يدركها خجل. وقال لي القاضي: لم ترجع؟ إنها صاحبتي. فعجبت من شأنهما فإنه من الفقهاء الحجاج وأخبرت أنه استأذن السلطان في الحج في ذلك العام مع صاحبته لا أدري أهي هذه أم لا؟ فلم يأذن له. ودخلت يوما على أبي محمد بن يندكان المسوفي الذي قدمنا في صحتبه، فوجدته قاعداً على بساط وفي وسط داره سرير مظلل، عليه امرأة معها رجل قاعد وهما يتحدثان. فقلت له: ما هذه المرأة؟ فقال: هي زوجتي. فقلت: وما الرجل الذي معها؟ فقال: هو صاحبها. فقلت له: أترضى بهذا وأنت قد سكنت بلادنا وعرفت أمور الشرع. فقال لي: مصاحبة النساء للرجال عندنا على خير وحسن طريقة لا تهمة فيها، ولسن كنساء بلادكم. فعجبت من رعونته وانصرفت عنه فلم أعد إليه بعدها. واستدعاني مرات فلم أجبه. ولما عزمت على السفر إلى مالي وبينها وبين أيوالاتن مسيرة أربعة وعشرين يوماً للمجد اكتريت دليلاً من مسوفة إذ لا حاجة إلى السفر في رفقة لأمن تلك الطريق وخرجت في ثلاثة من أصحابي. وتلك الطريق كثيرة الأشجار وأشجارها عادية ضخمة تستظل القافلة بظل الشجرة منها وبعضها لا أعصان لها ولا ورق ولكن ظل جسدها بحيث يستظل به الإنسان وبعض تلك الأشجار قد استأسن داخلها واستنقع فيه ماء المطر فكأنها بئر ويشرب الناس من الماء الذي فيها. ويكون في بعضها النخل والعسل فيشتاره الناس منها. ولقد مررت بشجرة منها فوجدت في داخلها رجلاً حائكا قد نصب بها مرمته وهو ينسج فعجبت منه. قال ابن جزي: إن ببلاد الأندلس شجرتان من شجر القسطل في جوف كل واحدة منهما حائك ينسج الثياب وإحداهما بسندا وادي

стр. 565

آش والآخرى ببشارة غرناطة. وفي أشجار هذه الغابة التي بين إيوالاتن ومالي ما يشبه شجرة الإجاص والتفاح والخوخ والمشمش وليست بها. وفيها أشجار تثمر شبه الفقوس فإذا طاب انفلق عن شيء شبه الدقيق فيطبخونه ويأكلونه ويباع بالأسواق ويستخرجون من هذه الأرض حبات كالفول فيقلونها ويأكلونها وطعمها كطعم الحمص المقلو. وربما طحنوها وصنعوا منها شبه الإسفنج وقلوه بالغرتي، والغرتي "بفتح الغين المعجم وسكون الراء وكسر التاء المثناة" هو ثمر كالإجاص شديد الحلاوة مضر بالبيضان إذا أكلوه، ويدق عظمه فيستخرج منه زيت لهم فيه منافع، فمنها أنهم يطبخون به ويسرجون السرج ويقلون به هذا الإسفنج ويدهنون به ويخلطونه بتراب عندهم ويسطحون به الدور كما تسطح بالجير. وهو عندهم كثير متيسر ويحمل من بلد إلى بلد في قرع كبار تسع القرعة منها قدر ما تسعه القلة ببلادنا. والقرع ببلاد السودان يعظم ومنه يصنعون الجفان. يقطعون القرعة نصفين فيصنعون منها جفنتين وينقشونها نقشاً حسناً. وإذا سافر أحدهم يتبعه عبيده وجواريه يحملون فرشه وأوانيه التي يأكل ويشرب فيها وهي من القرع. والمسافر في هذه البلاد لا يحمل زاداً ولا إداماً ولا ديناراً ولا درهماً. إنما يحمل قطع الملح وحلي الزجاج الذي يسميه الناس النظم وبعض السلع العطرية. وأكثر ما يعجبهم منها القرنفل والمصطكى وتاسر غنت وهو بخورهم. فإذا وصل قرية جاء نساء السودان بأنلي واللبن والدجاج ودقيق النبق والأرز والفوني، وهو كحب الخردل يصنع منه الكسكسو والعصيدة ودقيق اللوبيا فيشتري منهن ما أحب من ذلك. إلا أن الأرز يضر أكله بالبيضان، والفوني خير منه. وبعد مسيرة عشرة أيام من أيوالاتن وصلنا إلى قرية زَاغري "وضبطها بفتح الزاي والغين المعجم وكسر الراء"، وهي قرية كبيرة يسكنها تجار السودان ويسمون وَنْجَرَاته "بفتح الواو وسكون النون وفتح الجيم والراء وألف وتاء مثناة وتاء تأنيث". ويسكن معهم جماعة من البيضان يذهبون مذهب الإباضية من الخوارج، ويسمون صَغَنَغُو "بفتح الصاد المهمل والغين المعجم الأول والنون وضم الغين الثاني وواو" والسنيون المالكيون من البيض يسمون عندهم تُوُرِي "بضم التا المثناة وواو وراء مكسورة". ومن هذه القرية يجلب أنلي إلى
следующие страницы →