ولما تمت الليلة انصرف الوزير ومضيت معه، فمررنا ببستان للمخزن، فقال لي الوزير: هذا البستان لك وسأعمر لك فيه داراً لسكناك، فشكرت فعله ودعوت له. ثم بعث لي من الغد بجارية وقال لي خديمه: يقول لك الوزير: إن أعجبتك هذه فهي لك، وإلا بعثت لك جارية مرهتية، وكانت الجواري المرهتيات تعجبني، فقلت له: إنما أريد المرهتية، فبعثها لي، وكان اسمها قل استان، ومعناه زهر البستان، وكانت تعرف اللسان الفارسي فأعجبتني. وأهل تلك الجزائر لهم لسان لم أكن أعرفه ثم بعث إلي في غد ذلك بجارية معبرية تسمى عنبري. ولما كانت الليلة بعدها جاء الوزير إلي بعد العشاء الأخيرة في نفر من أصحابه فدخل الدار ومعه غلامان صغيران فسلمت عليه وسألني عن حالي فدعوت له وشكرته فألقى أحد الغلامين بين يديه لقشة "بقشة"١ وهي شبه السبنية وأخرج منها ثياب حرير وحُقّاً فيه جوهر وحلي فأعطاني ذلك، وقال لي: لو بعثته لك مع الجارية لقالت هو مالي جئت به من دار مولاي والآن هو مالك فأعطه إياه فدعوت له وشكرته وكان أهلاً للشكر ﵀.
وكان الوزير سليمان مانايك قد بعث إلي أن أتزوج بنته فبعثت إلى الوزير جمال الدين مستأذناً في ذلك. فعاد إلي الرسول وقال: لم يعجبه ذلك وهو يحب أن يزوجك بنته إذا انقضت عدتها. فأبيت أنا ذلك وخفت من شؤمها لأنه مات تحتها زوجان قبل الدخول وأصابتني أثناء ذلك حمى مرضت بها. ولا بد لكل من يدخل تلك الجزيرة أن يحم فقوي عزمي على الرحلة عنها. فبعت بعض الحلي بالودع واكتريت مركباً أسافر فيه لنجالة. فلما ذهبت لوداع الوزير خرج إلي القاضي فقال: الوزير يقول لك إن شئت السفر فأعطنا ما أعطيناك وسافر، فقلت له: إن بعض الحلي اشتريت به الودع فشأنكم وأياه، فعاد إلي فقال: يقول إنما أعطيناك الذهب ولم نعطك الودع، فقلت له: أنا أبيعه وآتيكم بالذهب. فبعثت إلى التجار ليشتروه مني فأمرهم الوزير أن لا يفعلوا وقصده بذلك كله أن لا أسافر عنه. ثم بعث إلي أحد خواصه وقال: الوزير يقول لك أقم عندنا ولك كل ما أحببت، فقلت في نفسي: أنا تحت حكمهم وإن لم أقم مختاراً أقمت مضطراً فالإقامة باختياري أولى. وقلت
стр. 492
لرسوله: نعم أنا أقيم معه. فعاد إليه ففرح بذلك واستدعاني فلما دخلت إليه قام إلي وعانقني، وقال: نحن نريد قربك وأنت تريد البعد عنا، فاعتذرت له فقبل عذري، وقلت له: إن أردتم مقامي فأنا أشترط عليكم شروطاً، فقال: نقبلها فاشترط. فقلت له: أنا لا أستطيع المشي على قدمي. ومن عادتهم أن لا يركب أحد هنالك إلا الوزير ولقد كنت لما أعطوني الفرس فركبته يتبعني الناس رجالاً وصبياناً يعجبون مني، حتى شكوت له فضربت الدنقرة وبرح١ في الناس أن لا يتبعني أحد والدُنْقُرة "بضم الدال المهمل وسكون النون وضم القاف وفتح الراء" شبه الطست من النحاس تضرب بحديدة فيسمع لها صوت على البعد. فإذا ضربوها حينئذ يبرح في الناس بما يراد، فقال لي الوزير: إن أردت أن تركب الدولة وإلا فعندنا حصان ورمكة٢ فاختر أيهما شئت، فاخترت الرمكة فأتوني بها في تلك الساعة وأتوني بكسوة، فقلت له: وكيف أصنع بالودع الذي اشتريته، فقال: ابعث أحد أصحابك ليبيعه لك ببنجالة، فقلت له: على أن تبعث أنت من يعينه على ذلك، فقال نعم. فبعثت حيئذ رفيقي أبا محمد بن فرحان وبعثوا معه رجلاً يسمى الحاج علياً، فاتفق أن هال٣ البحر فرموا بكل ما عندهم حتى الزاد والماء والصاري والقربة. وأقاموا ست عشرة ليلة لا قلع لهم ولا سكان ولا غيره. ثم خرجوا إلى جزيرة سيلان بعد جوع وعطش وشدائد وقدم عليّ صاحبي أبو محمد بعد سنة وقد زار القدم وزارها مرة ثانية مع.
ولما تم شهر رمضان بعث الوزير إليّ بكسوة وخرجنا إلى المصلى وقد زينت الطريق التي يمر الوزير عليها من داره إلى المصلى وفرشت الثياب فيها وجعلت كتاتي الودع يمنة ويسرة. وكل من له على طريقة دار من الأمراء والكبار قد غرس عندها النخل الصغار من النارجيل وأشجار الفوفل والموز، ومد من شجرة إلى أخرى شرائط، وعلّق منها الجوز الأخضر. ويقف صاحب الدار عند بابها، فإذا مرّ الوزير رمى على رجليه ثوباً من الحرير أو القطن،
стр. 493
فيأخذها عبيده مع الودع الذي يجعل على طريقه أيضاً، والوزير ماش على قدميه، وعليه فرجية مصرية من المرعز وعمامة كبيرة وهو متقلد فوطة حرير وفوق رأسه أربعة شطور وفي رجليه النعل وجميع الناس سواه حفاة. والأبواق والأنفار والأطبال بين يديه والعساكر أمامه وخلفه، وجميعهم يكبرون، حتى أتوا المصلى فخطب ولده بعد الصلاة. ثم أتى بمحفة فركب فيها الوزير وخدم الأمراء والوزراء ورموا بالثياب على العادة ولم يكن ركب في المحفة قبل ذلك لأن ذلك لا يفعله إلا الملوك، ثم رفعه الرجال وركبت فرسي ودخلنا القصر، فجلس بموضع مرتفع وعنده الوزراء والأمراء ووقف العبيد بالترسة والسيوف والعصي. ثم أتي بالطعام ثم بالفوفل والتنبول ثم أتى بصحيفة صغيرة فيها الصندل المقاصري فإذا أكلت جماعة من الناس تلطخوا بالصندل. ورأيت على بعض طعامهم يومئذ حوتاً من السردين مملوحاً غير مطبوخ، أهدي لهم من كولم وهو ببلاد المليبار كثير، فأخذ الوزير سردينة وجعل يأكلها، وقال لي: كل منه، فإنه ليس ببلادنا، فقلت: كيف آكله وهو غير مطبوخ، فقال: إنه مطبوخ، فقلت: أنا أعرف به فإنه ببلادي كثير.
وفي الثاني من شوال اتفقت مع الوزير سليمان ماناياك على تزوج بنته. فبعث إلى الوزير جمال الدين أن يكون عقد النكاح بين يديه بالقصر فأجاب إلى ذلك وأحضر التنبول على العادة والصندل وحضر الناس وأبطأ الوزير سليمان فاستدعي فلم يأت ثم استدعي ثانية فاعتذر بمرض البنت. فقال لي الوزير سراً: إن بنته امتنعت وهي مالكة أمر نفسها والناس قد اجتمعوا فهل لك أن تتزوج بربيبة السلطانة زوجة أبيها وهي التي ولده متزوج بنتها، فقلت له: نعم. فاستدعى القاضي والشهود ووقعت الشهادة ودفع الوزير الصداق. ورفعت إلي بعد أيام فكانت من خيار النساء وبلغ حسن معاشرتها أنها كانت إذا تزوجت عليها تطيبني وتبخر أثوابي وهي ضاحكة لا يظهر عليها تغير. ولما تزوجتها أكرهني الوزير على القضاء. وسبب ذلك اعتراضي على القاضي ولكونه كان يأخذ العشر من التركات إذا قسمها على أربابها، فقلت له: إنما لك أجرة تتفق بها مع الورثة ولم يكن يحسن شيئاً فلما وليت اجتهدت جهدي في إقامة رسوم الشرع وليست هنالك خصومات كما هي ببلادنا. فأول ما غيرت من عوائد السوء مكث المطلقات في ديار المطلقين. وكانت إحداهنّ لا
стр. 494
تزال في دار المطلق حتى تتزوج غيره. فحسمت علة ذلك وأتي إليّ بنحو خمسة وعشرين رجلاً ممن فعل ذلك فضربتهم وشهرتهم الأسواق وأخرجت النساء عنهم. ثم اشتددت في إقامة الصلوات وأمرت الرجال بالمبادرة إلى الأزقة والأسواق إثر صلاة الجمعة فمن وجدوه لم يصل ضربته وشهرته. وألزمت الأئمة والمؤذنين أصحاب المرتبات المواظبة على ما هم بسبيله وكتبت إلى جميع الجزائر بنحو ذلك. وجهدت أن أكسو النساء فلم أقدر على ذلك.
وكنت قد تزوجت ربيبة بنت زوجة الوزير عبد الله بن محمد الحضرمي وأحببتها حبا شديداً. ولما بعث الوزير عنه ورده إلى جزيرة المهل بعثت له التحف وتلقيته ومضيت معه إلى القصر فسلم على الوزير وأنزله في دار جيدة فكنت أزوره بها، واتفق أن اعتكفت في رمضان فزارني جميع الناس إلا هو، وزارني الوزير جمال الدين فدخل هو معه بحكم الموافقة فوقعت بيننا الوحشة. فلما خرجت من الاعتكاف شكا إلي أخوال زوجتي ربيبة أولاد الوزير جمال الدين السنجري فإن أباهم أوصى عليهم الوزير عبد الله وأنّ مالهم باق بيده وقد خرجوا عن حجره بحكم الشرع وطلبوا إحضاره بمجلس الحكم. وكانت عادتي إذا بعثت عن خصم من الخصوم أبعث له قطعة كاغد مكتوبة أو غير مكتوبة فعندما يقف عليها يبادر إلى مجلس الحكم الشرعي وإلا عاقبته، فبعثت إليه على العادة فأغضبه ذلك وحقدها لي وأضمر عداوتي ووكل من يتكلم عنه وبلغني عنه كلام قبيح. وكانت عادة الناس من صغير وكبير أن يخدموا له كما يخدمون للوزير جمال الدين، وخدمتهم أن يوصلوا السبابة إلى الأرض ثم يقبلونها ويضعونها على رؤوسهم. فأمرت المنادي فنادى بدار السلطان على رؤوس الأشهاد أنه من خدم للوزير عبد الله كما يخدم للوزير الكبير لزمه العقاب الشديد. وأخذت عليه أن لا يترك الناس لذلك فزادت عداوته، وتزوجت أيضاً زوجة أخرى بنت وزير معظم عندهم كان جده السلطان داود حفيد السلطان أحمد شنورازة، ثم تزوجت زوجة كانت تحت السلطان شهاب الدين. وعمرت ثلاث ديار بالبستان الذي أعطانيه الوزير. وكانت الرابعة هي ربيبه الوزير عبد الله تسكن في دارها وهي أحبهن إلي. فلما صاهرت من ذكرته هابني الوزير وأهل الجزيرة وتخوفوا مني لأجل ضعفهم، وسعوا بيني وبين الوزير بالنمائم، وتولى الوزير عبد الله كبر ذلك حتى تمكنت الوحشة.
стр. 495
واتفق في بعض الأيام أنّ عبداً من عبيد السلطان جلال الدين شكته زوجته إلى الوزير وأعلمته أنه عند سرية من سراري السلطان يزني بها، فبعث الوزير الشهود ودخلوا دار السرية فوجدوا الغلام نائماً معها في فراش واحد وحبسوهما، فلما أصبحت وعلمت بالخبر توجهت إلى المشور وجلست في موضع جلوسي ولم أتكلم في شيء من أمرها، فخرج إلي بعض الخواص فقال: يقول لك الوزير ألك حاجة؟ فقلت: لا. وكان قصده أن أتكلم في شأن السرية والغلام إذ كانت عادتي أن لا تقع قضية إلا حكمت فيها فلما وقع التغير والوحشة قصرت في ذلك فانصرفت إلى داري بعد ذلك. وجلست بموضع الأحكام، فإذا ببعض الوزراء فقال لي: الوزير يقول لك أنه وقع البارحة كيت وكيت لقضية السرية والغلام فاحكم فيهما بالشرع. فقلت له: هذه قضية لا ينبغي الحكم أن يكون فيها إلا بدار السلطان. فعدت إليها واجتمع الناس وأحضرت السرية والغلام فأمرت بضربهما للخلوة وأطلقت سراح المرأة وحبست الغلام وانصرفت إلى داري. فبعث الوزير إلي جماعة من كبراء ناسه في شأن تسريح الغلام، فقلت لهم: أتشفع في غلام زنجي يهتك حرمة مولاه؟ وأنتم بالأمس خلعتم السلطان شهاب الدين وقتلتموه بسبب دخوله لدار غلام له. وأمرت بالغلام عند ذلك فضرب بقضبان الخيزران وهي أشد وقعاً من السياط وشهرته بالجزيرة وفي عنقه حبل. فذهبوا إلى الوزير فأعلموه، فقام وقعد واستشاط غضباً، وجمع الوزراء ووجوه العسكر وبعث عني فجئته. وكانت عادتي أن أخدم فلم أخدم، وقلت: سلام عليكم. ثم قلت للحاضرين: اشهدوا علي أني قد عزلت نفسي عن القضاء لعجزي عنه. فكلمني الوزير فصعدت وقعدت بموضع أقابله فيه وجاوبته أغلظ جواب. وأذن مؤذن المغرب فدخل إلى داره وهو يقول: ويقولون أني سلطان. وهأناذا طلبته لأغضب عليه، فغضب علي، وإنما كان اعتزازي عليهم بسبب سلطان الهند لأنهم تحققوا مكانتي عنده وإن كانوا على بعد منه فخوفه في قلوبهم متمكّن. فلما دخل إلى داره بعث إليّ القاضي المعزول، وكان جريء اللسان فقال لي: إن مولانا يقول لك كيف هتكت حرمته على رؤوس الأشهاد ولم تخدم له؟ فقلت له: إنما كنت أخدم له حين كان قلبي له طيباً، فلما وقع التغير تركت ذلك وتحية المسلمين إنما هي السلام وقد سلمت. فبعثه إلي ثانية فقال: إنما
стр. 496
غرضك الرحيل عنا فأعط صدقات النساء وديون الناس وانصرف إذا شئت. فخدمت له على هذا القول وذهبت إلى داري فخلصت مما علي من الدين. وكان قد أعطاني في تلك الأيام فرش دار وجهازها من أواني نحاس وسواها وكان يعطيني كل ما أطلبه ويحبني ويكرمني ولكنه غير خاطره وخوف مني. فلما عرف أني قد خلصت الدين وعزمت على السفر ندم على ما قاله وتلكأ في الإذن لي في السفر فحلفت بالإيمان المغلظة أن لا بد من سفري ونقلت ما عندي إلى مسجد على البحر وطلقت إحدى الزوجات وكانت إحداهن حاملاً فجعلت لها أجلاً تسعة أشهر إن عدت فَبِها، وإلا فأمرها بيدها. وحملت معي زوجتي التي كانت امرأة السلطان شهاب الدين لأسلمها لأبيها بجزيرة ملوك وزوجتي الأولى التي بنتها أخت السلطان. وتوافقت مع الوزير عمر دهرد والوزير حسن قائد البحر على أن أمضي إلى بلاد المعبر وكان ملكها سلفي فأبى مدها بالعساكر لترجع الجزائر إلى حكمه، وأنوب أنا عنه فيها. وجعلت بيني وبينهم علامة رفع أعلام بيض في المراكب فإذا رأوها ثاروا في البر ولم أكن حدثت نفسي بهذا قط حتى وقع ما وقع من التغير. وكان الوزير خائفاً مني يقول للناس: لا بد لهذا أن يأخذ الوزارة: إما في حياتي أو بعد موتي. ويكثر السؤال عن حالي، ويقول: سمعت أن ملك الهند بعث إليه الأموال ليثور بها علي وكان يخاف من سفري لئلا آتي بالجيوش من بلاد المعبر فبعث إلي أن أقيم حتى يجهز لي مركبا فأبيت. وشكت أخت السلطانة إليها بسفر أمها معي فأرادت منعها فلم تقدر على ذلك فلما رأت عزمها على السفر قالت لها أن جميع ما عندك من الحلي هو من مال البندر فإن كان لك شهود بأن جلال الدين وهبه لك وإلا فرده. وكان حليا له خطر فردته إليهم. وأتاني الوزراء والوجوه وأنا بالمسجد وطلبوا مني الرجوع، فقلت لهم: لولا أني حلفت لعدت. فقالوا: تذهب إلى بعض علماء الجزائر ليبر قسمك وتعود. فقلت لهم: نعم إرضاء لهم. فلما كانت الليلة التي سافرت فيها أتيت لوداع الوزير فعانقني وبكى حتى قطرت دموعه على قدمي. وبات تلك الليلة يحترس الجزيرة بنفسه خوفاً أن يثور عليه أصهاري وأصحابي. ثم سافرت ووصلت إلى جزيرة الوزير علي فأصابت زوجتي أوجاع عظيمة وأحبت الرجوع فطلقتها وتركتها هنالك. وكتبت للوزير بذلك لأنها أم زوجة ولده وطلقت التي كنت ضربت لها الأجل وبعثت عن جارية كنت أحبها وسرنا في تلك الجزائر من
стр. 497
إقليم إلى إقليم.
وفي بعض تلك الجزائر رأيت امرأة لها ثدي واحد في صدرها ولها بنتان إحداهما كمثلها ذات ثدي واحد والأخرى ذات ثديين إلا أن أحدهما كبير فيه اللبن والآخر صغير لا لبن فيه فعجبت من شأنهن. ووصلنا إلى جزيرة من تلك الجزائر صغيرة ليس لها إلا دار واحدة فيها رجل حائك له زوجه وأولاد ونخيلات نارجيل وقارب صغير يصطاد فيه السمك ويسير به إلى حيث أراد من الجزائر وفي جزيرته أيضا شجيرات موز، ولم نر فيها من طيور البر غير غرابين خرجا إلينا لما وصلنا الجزيرة وطافا بمركبنا. فغبطت والله ذلك الرجل ووددت أن لو كانت تلك الجزيرة لي فانقطعت فيها إلى أن يأتيني اليقين. ثم وصلت إلى جزيرة ملوك حيث المركب الذي للناخوذة إبراهيم وهو الذي عزمت على السفر فيه إلى المعبر فجاء إلي ومعه أصحابه وأضافوني ضيافة حسنة وكان الوزير قد كتب لي أن أعطى بهذه الجزيرة مائة وعشرين بستوا من الكودة وهي الودع وعشرين قدحاً من الأطوان وهو عسل النارجيل وعدداً معلوماً من التنبول والفوفل والسمك في كل يوم. وأقمت بهذه الجزيرة سبعين يوماً، وتزوجت بها امرأتين وهي من أحسن الجزائر خضرة ونضرة. رأيت من عجائبها أن الغصن يقتطع من شجرها ويركز في الأرض أو الحائط فيورق ويصير شجرة ورأيت الرمان بها لا ينقطع له ثمر بطول السنة. وخاف أهل هذه الجزيرة من الناخوذة إبراهيم أن ينهبهم عند سفره فأرادوا إمساك ما في مركبه من السلاح حتى يوم سفره فوقعت المشاجرة بسبب ذلك. وعدنا إلى المَهَل ولم ندخلها وكتبت إلى الوزير معلماً بذلك فكتب أن لا سبيل لأخذ السلاح. وعدنا إلى ملوك. وسافرنا منها في نصف ربيع الثاني عام خمسة وأربعين. وفي شعبان من هذه السنة توفي الوزير جمال الدين ﵀ وكانت السلطانة حاملاً منه فولدت أثر وفاته، وتزوجها الوزير عبد الله. وسافرنا ولم يكن معنا رئيس١ عارف ومسافة ما بين الجزائر والمعبر ثلاثة أيام فسرنا نحن تسعة أيام وفي التاسع منها خرجنا إلى جزيرة سيلان ورأينا جبل سرنديب فيها ذاهباً في السماء كأنه عمود دخان. ولما وصلناها قال
стр. 498
البحرية أن هذا المرسى ليس في بلاد السلطان الذي يدخل التجار إلى بلاده آمنين إنما هذا مرسى في بلاد السلطان أَيْري شكروتي، وهو من العتاة المفسدين وله مراكب تقطع في البحر فخفنا أن ننزل بمرساه، ثم اشتدت الريح فخفنا الغرق. فقلت للناخوذة: نزلني إلى الساحل وأنا آخذ لك الأمان من هذا السلطان، ففعل ذلك. وأنزلني بالساحل. فأتانا الكفار، فقالوا: ما أنتم؟ فأخبرتهم أني سلف سلطان المعبر وصاحبه جئت لزيارته وأن الذي في المركب هدية له فذهبوا إلى سلطانهم فأعلموه بذلك فاستدعاني فذهبت له إلى مدينة بطالة وهي حضرته مدينة صغيرة حسنة عليها سور خشب وأبراج خشب وجميع سواحلها مملوءة بأعواد القرفة تأتي بها السيول فتجتمع بالساحل كأنها الروابي ويحملها أهل المعبر والمليبار دون ثمن إلا أنهم يهدون للسلطان في مقابلة ذلك الثوب ونحوه. وبين بلاد المعبر وهذه الجزيرة مسيرة يوم وليلة. وبها أيضاً من خشب البقم كثير ومن العود الهندي المعروف بالكلخي إلا أنه ليس كالقمارى والقاقُلّي١ وسنذكره.
واسم سلطان سيلان أيري شكروتي "بفتح الهمزة وسكون الياء وكسر الراء ثم ياء وشين معجم مفتوح وكاف مثله وراء مسكنة وواو ممفتوح وتاء معلوة مكسورة وياء"، وهو سلطان قوي في البحر. رأيت مرة وأنا بالمعبر مائة مركب من مراكبه بين صغار وكبار. وصلت إلى هنالك وكانت بالمرسى ثمانية مراكب للسلطان برسم السفر إلى اليمن فأمر السلطان بالاستعداد وحشد الناس لحماية أجفانه فلما يئسوا من انتهاز الفرصة فيها قالو: إنما جئنا في حماية مراكب لنا تسير أيضاً إلى اليمن. ولما دخلت على هذا السلطان الكافر قام إلي وأجلسني في جانبه وكلمني بأحسن كلام. وقال ينزل أصحابك على الأمان ويكونون في ضيافتي إلى أن يسافروا، فإن سلطان المعبر بيني وبينه الصحبة. ثم أمر بإنزالي فأقمت عنده ثلاثة أيام في إكرام عظيم متزايد في كل يوم. وكان يفهم اللسان الفارسي ويعجبه ما أحدثه به عن الملوك والبلاد. ودخلت عليه يوماً وعنده جواهر كثيرة أتي بها من مغاص الجوهر الذي ببلاده وأصحابه يميزون
стр. 499
النفيس منها من غيره، فقال لي هل رأيت مغاص الجوهر في البلاد التي جئت منها؟ فقلت له: نعم رأيته بجزيرة قيس وجزيرة كش التي لابن السواملي. فقال: سمعت بها. ثم أخذ حبات منه فقال: أيكون في تلك الجزيرة مثل هذه؟ فقلت له: رأيت ما هو دونها. فأعجبه ذلك، وقال هي لك. وقال لي: لا تستحي واطلب مني ما شئت. فقلت له: ليس مرادي منذ وصلت هذه الجزيرة إلا زيارة القدم الكريمة قدم آدم ﵇ وهم يسمونه "بابا" ويسمون حواء "ماما". فقال: هذا هين نبعث معك من يوصلك. فقلت: ذلك أريد. ثم قلت له: وهذا المركب الذي جئت فيه يسافر آمناً إلى المعبر. وإذا عدت أنا بعثتني في مراكبك. فقال: نعم. فلما ذكرت ذلك لصاحب المركب قال لي لا أسافر حتى تعود ولو أقمت سنة بسببك فأخبرت السلطان بذلك. فقال: يقيم في ضيافتي حتى تعود. فأعطاني دولة يحملها عبيده على أعناقهم وبعث معي أربعة من الجوكية الذين عادتهم السفر كل عام إلى زيارة القدم وثلاثة من البراهمة وعشرة من سائر أصحابه وخمسة عشر رجلاً يحملون الزاد. وأما الماء فهو بتلك الطريق كثير. ونزلنا ذلك اليوم على واد جزناه في معدية مصنوعة من قصب الخيزران. ثم رحلنا من هنالك إلى مَنَارمَنْدلي "وضبط ذلك بفتح الميم والنون وألف وراء مسكنة وميم مفتوحة ونون مسكن ودال مهمل مفتوح ولام مكسور وياء"، مدينة حسنة هي آخر عمالة السلطان. أضافنا أهلها ضيافة حسنة وضيافتهم عجول الجواميس يصطادونها بغابة هنالك ويأتون بها أحياء ويأتون بالأرز والسمن والحوت والدجاج واللبن. وليس بالمدينة مسلمٌ غير رجل خراساني انقطع بسبب مرضه فسافر معنا. ورحلنها إلى بَنْدَرْسَلاَوَات "وضبطه بفتح الباء الموحدة وسكون النون وفتح الدال المهمل وسكون الراء وفتح السين المهمل واللام وألف وتاء معلوة"، بلدة صغيرة. وسافرنا في أوعار كثيرة المياه بها الفيلة الكثيرة إلا أنها لا تؤذي الزوار والغرباء، وذلك ببركة الشيخ أبي عبد الله بن خفيف ﵀، وهو أول من فتح هذا الطريق إلى زيارة القدم. وكان هؤلاء الكفار يمنعون المسلمين من ذلك ويؤذونهم ولا يؤاكلونهم ولا يبايعونهم. فلما اتفق للشيخ أبي عبد الله ما ذكرناه في السفر الأول من قتل الفيلة لأصحابه وسلامته من بينهم وحمل الفيل له على ظهره صار الكفار من ذلك العهد يعظّمون المسلمين ويدخلونهم دورهم ويطعمون معهم ويطمئنون لهم بأهلهم وأولادهم وهم إلى الآن يعظمون الشيخ المذكور أشد
стр. 500
تعظيم ويسمونه الشيخ الكبير. ثم وصلنا بعد ذلك إلى مدينة كُنكار "وضبط اسمها بضم الكاف الأول وفتح النون والكاف الثانية وآخره راء"، وهي حضرة السلطان الكبير بتلك البلاد وبناؤها في خندق بين جبلين على خور كبير يسمى خور الياقوت، لأن الياقوت يوجد به. وبخارج هذه المدينة مسجد الشيخ عثمان الشيرازي المعروف بِشاوُش "بشينين معجمين بينهما واو مضموم" وسلطان هذه المدينة وأهلها يزورونه ويعظمونه، وهو كان الدليل إلى القدم. فلما قطعت يده ورجله صار الأدلاء أولاده وغلمانه. وسبب قطعه أنه ذبح بقرة وحكم كفار الهنود أنه من ذبح بقرة ذبح كمثلها أو جعل في جلدها وحرق. وكان الشيخ عثمان معظماً عندهم فقطعوا يده ورجله وأعطوه مجبى بعض الأسواق.
وكان سلطان كنكنار يعرف بالكُنار "بضم الكاف وفتح النون وألف وراء"، وعنده الفيل الأبيض. ولم أر في الدنيا فيلا أبيض سواه، يركبه في الأعياد ويجعل على جبهته أحجار الياقوت العظيمة. واتفق له أن قام عليه أهل دولته وكحلوا عينيه وولوا ولده وهو هنالك أعمى.
والياقوت العجيب البهرمان إنما يكون بهذه البلدة. فمنه ما يخرج من الخور وهو عزيز عندهم ومنه ما يحفر عنه. وفي جزيرة سيلان يوجد الياقوت في جميع مواضعها وهي متملكة فيشتري الإنسان القطعة منها ويحفر عن الياقوت فيجد أحجاراً مشعبة وهي التي يتكون الياقوت في أجوافها فيعطيها الحكاكين فيحكونها حتى تنفلق عن أحجار الياقوت. فمنه الأحمر ومنه الأصفر ومنه الأزرق ويسمونه النَيْلم "بفتح النون واللام وسكون الياء آخر الحروف". وعادتهم أن ما بلغ ثمنه من أحجار الياقوت إلى مائة فنَم "بفتح الفاء والنون" فهو للسلطان يعطي ثمنه ويأخذه وما نقص عن تلك القيمة فهو لأصحابه. وصرف مائة فنم ستة دنانير من الذهب. وجميع النساء بجزيرة سيلان لهن القلائد من الياقوت الملون ويجعلنه في أيديهن وأرجلهن عوضاً من الأسورة والخلاخيل. وجواري السلطان يصنعن منه شبكة يجعلنا على رؤوسهن. ولقد رأيت على جبهة الفيل الأبيض سبعة أحجار منه كل حجر أعظم من بيضة الدجاج. ورأيت عند السلطان إيري شكروتي سكرجة على مقدار الكف من الياقوت، فيها دهن العود. فجعلت أعجب منها فقال أن عندنا ما هو أضخم من ذلك. ثم سافرنا من كنكار فنزلنا بمغارة تعرف باسم أسطا محمود
стр. 501
اللُوري "بضم اللام"، وكان من الصالحين واحتفر تلك المغارة في سفح جبل، عند خور صغير هنالك. ثم رحلنا عنها ونزلنا بالخور المعروف بخور بُوزنة "بالباء الموحدة وواو وزاي ونون وهاء"، وبوزنة هي القرود.
والقرود بتلك الجبال كثيرة جداً وهي سود الألوان لها أذناب طوال ولذكورها لحى كما هي للآدميين. وأخبرني الشيخ عثمان وولده وسواهما أن هذه القرود لها مقدم تتبعه كأنه سلطان يشد على رأسه عصابة من أوراق أشجار ويتوكأ على عصا ويكون عن يمينه ويساره أربعة من القرود لها عصي بأيديها. وأنه إذا جلس القرد المقدم تقف القرود الأربعة على رأسه وتأتي أنثاه وأولاده فتقعد بين يديه كل يوم وتأتي القرود فتقعد على بعد منه ثم يكلمها أحد القرود الأربعة فتنصرف القرود كلها. ثم يأتي كل قرد منها بموزة أو ليمونه أو شبه ذلك فيأكل القرد المقدم وأولاده والقرود الأربعة. وأخبرني بعض الجوكية أنه رأى القرود الأربعة بين يدي مقدمها وهي تضرب بعض القرود بالعصي ثم نتفت وبره بعد ضربه. وذكر لي الثقات أنه إذا ظفر قرد من هذه القرود بصبية لا تستطيع الدفاع عن نفسها جامعها. وأخبرني بعض أهل هذه الجزيرة أنه كان بداره قرد منها فدخلت بنت له بعض البيوت فدخل عليها فصاحت به فغلبها قال ودخلنا عليها وهو بين رجليها فقتلناه. ثم كان رحيلنا إلى خور الخيزران. ومن هذا الخور أخرج أبو عبد الله بن خفيف الياقوتتين اللتين أعطاهما لسلطان هذه الجزيرة حسبما ذكرناه في السفر الأول. ثم رحلنا إلى موضع يعرف ببيت العجوز وهو آخر العمارة. ثم رحلنا إلى مغارة بابا طاهر وكان من الصالحين. ثم رحلنا إلى مغارة السبيك "بفتح السين المهمل وكسر الباء الموحدة وياء مد وكاف"، وكان السبيك من سلاطين الكفار، وانقطع للعبادة هنالك.
وبهذا الموضع رأينا العلق الطيار ويسمونه الزُّلّو "بضم الزاي واللام"، ويكون بالأشجار والحشائش التي تقرب من الماء. فإذا قرب الإنسان منه وثب عليه. فحيثما وقع من جسده خرج منه الدم الكثير. والناس يعدون له الليمون، يعصرونه عليه، فيسقط عنهم ويحردون الموضع الذي يقع عليه بسكين خشب معدّ لذلك. ويذكر أن بعض الزوار مر بذلك الموضع فتعلقت به العلق فأظهر الجلد ولم يعصر عليها الليمون فنزف دمه ومات وكان اسمه بابا خوزي
стр. 502
"بالخاء المعجم المضموم والزاي"، وهنالك مغارة تنسب إليه. ثم رحلنا إلى السبع مغارات ثم إلى عقبة اسكندر، ثم مغارة الاصفهاني، وعين ماء، وقلعة غير عامرة تحتها خور يعرف بغوطة كاه عارفان وهنالك مغارة النارنج، ومغارة السلطان وعندها دروازة الجبل أي بابه وهو من أعلى جبال الدنيا رأيناه من البحر وبيننا وبينه مسيرة تسع. ولما صعدناه كنا نرى السحاب أسفل منا قد حال بيننا وبين رؤية أسفله، وفيه كثير من الأشجار التي لا يسقط لها ورق، والأزاهير الملونة والورد الأحمر على قدر الكف ويزعمون أن في ذلك الورد كتابة يقرأ منها اسم الله تعالى واسم رسوله ﵊. وفي الجبل طريقان إلى القدم أحدهما يعرف بطريق "بابا" والآخر بطريق "ماما" يعنون آدم وحواء ﵉. فأما طريق ماما فطريق سهل عليه يرجع الزوار إذا رجعوا ومن مضى عليه فهو عندهم كمن لم يزر. وأما طريق بابا فصعب وعر المرتقى. وفي أسفل الجبل حيث دروازته مغارة تنسب أيضا للاسكندر. وعين ماء ونحت الأولون في الجبل شبه درج يصعد عليها وغرزوا فيها أوتاد الحديد وعلقوا منها السلاسل ليتمسك بها من يصعده وهي عشر سلاسل ثنتان في أسفل الجبل إلى حيث الدروازة وسبع متوالية بعدها والعاشرة هي سلسلة الشهادة لأن الإنسان إذا وصل إليها ونظر إلى أسفل الجبل أدركه الوهم فيتشهد خوف السقوط ثم إذا جاوزت هذه السلسلة وجدت طريقاً مهملاً. ومن السلسلة العاشرة إلى مغارة الخضر سبعة أميال. وهي في موضع فسيح عندها عين ماء تنسب إليه أيضا ملأى بالحوت ولا يصطاده أحد. وبالقرب منها حوضان منحوتان في الحجارة عن جنبتي الطريق. وبمغارة الخضر يترك الزوار ما عندهم ويصعدون منها ميلين إلى أعلى الجبل حيث القدم.
وأثر القدم الكريمة قدم أبينا آدم ﷺ في صخرة سوداء مرتفعة بموضع فسيح. وقد غاصت القدم الكريمة في الصخرة حتى عاد موضعاً منخفضاً وطولها أحد عشر شبراً وأتى إليها أهل الصين قديماً فقطعوا من الصخرة موضع الإبهام وما يليه وجعلوه في كنيسة بمدينة الزيتون يقصدونها من أقصى البلاد. وفي الصخرة حيث القدم تسع حفر منحوتة يجعل الزوار من الكفار فيها الذهب واليواقيت والجواهر. فترى الفقراء إذا وصلوا مغارة الخضر يتسابقون منها لأخذ ما بالحفر، ولم نجد نحن بها إلا يسير
стр. 503
حجيرات وذهب أعطيناها الدليل. والعادة أن يقيم الزوار بمغارة الخضر ثلاثة أيام يأتون فيها إلى القدم غدوةً وعشياً وكذلك فعلنا.
ولما تمت الأيام الثلاثة، عدنا على طريق ماما. فنزلنا بمغارة شيم وهو شيث بن آدم ﵉، ثم إلى خور السمك، ثم إلى قرية كُرْمُله "بضم الكاف وسكون الراء وضم الميم" ثم إلى قرية جَبَرْكَاوان "بفتح الجيم والباء الموحدة وسكون الراء وفتح الكاف والواو وآخره نون" ثم إلى قرية دل دينوة "بدالين مهملين مكسورين بينهما لام مسكن وياء مد ونون مفتوح وواو مفتوح وتاء تأنيث"، ثم إلى قرية آت قلنجة "بهمزة مفتوحة وتاء مثناة مسكنة وقاف ولام مفتوحين ونون مسكن وجيم مفتوح"، وهنالك "كان" يشتو الشيخ أبو عبد الله بن خفيف. وكل هذه القرى والمنازل هي بالجبل. وعند أصل الجبل في هذا الطريق دَرَخْت رَوان وروان "بفتح الراء والواو وألف نون"، وهي شجرة عادية لايسقط لها ورق. ولم أر من رأى ورقها١ ويعرفونها أيضاً بالماشية لأن الناظر إليها من أعلى الجبل يراها بعيدة منه قريبة من أسفل الجبل والناظر إليها من أسفل الجبل يراها بعكس ذلك. ورأيت هنالك جملة من الجوكيين ملازمين أسفل الجبل ينتظرون سقوط ورقها وهي بحيث لا يمكن التوصل إليها البتة. ولهم أكاذيب في شأنها من جملتها أنّ من أكل من أوراقها عاد له الشباب إن كان شيخاً. وذلك باطل. وتحت هذا الجبل الخور العظيم الذي يخرج منه الياقوت، وماؤه يظهر في رأي العين شديد الزرقة.
ورحلنا من هنالك يومين إلى مدينة دِينَوَر "وضبط اسمها بدال مهمل مكسور وياء مد ونون وواو مفتوحين وراء"، مدينة عظيمة على البحر، يسكنها التجار. وبها الصنم المعروف بدينور، في كنيسة عظيمة فيها نحو الألف من البراهمة والجوكية ونحو خمسمائة من النساء بنات الهنود ويغنين كل ليلة عند الصنم ويرقصن. والمدينة ومجابيها وقف على الصنم. وكل من بالكنيسة ومن يرد عليها يأكلون من ذلك. والصنم من ذهب على قدر الآدمي وفي موضع العينين منه ياقوتتان عظيمتان أخبرت أنهما تضيئان بالليل كالقنديل. ثم رحلنا إلى مدينة
стр. 504
قَالِِي "بالقاف وكسر اللام"، وهي صغيرة على ستة فراسخ من دينور، وبها رجل من المسلمين يعرف بالناخوذة إبراهيم أضافنا بموضعه. ورحلنا إلى مدينة كَلَنْبُو "بفتح الكاف واللام وسكون النون وضم الباء الموحدة وواو"، وهي من أحسن بلاد سرنديب وأكبرها، وبها يسكن الوزير حاكم البحر، جالسني، ومعه نحو خمسمائة من الحبشة. ثم رحلنا فوصلنا بعد ثلاثة أيام إلى بطالة وقد تقدم ذكرها ودخلنا إلى سلطانها الذي تقدم ذكره ووجدت الناخوذة إبراهيم في انتظاري، فسافرنا بقصد بلاد المعبر. وقويت الريح وكاد الماء يدخل في المركب ولم يكن لنا رائس عارف ثم وصلنا إلى حجارة كاد المركب ينكسر فيها. ثم دخلنا بحراً قصيراً فتجلّى المركب ورأينا الموت عياناً ورمى الناس بما معهم وتوادعوا. وقطعنا صاري المركب فرمينا به وصنع البحرية معدية من الخشب. وكان بيننا وبين البر فرسخان فأردت أن أنزل في المعدية وكان لي جاريتان وصاحبان من أصحابي، فقالا: أتنزل وتتركنا فآثرتهما على نفسي وقلت: انزلا أنتما والجارية التي أحبها. فقالت الجارية: إني أحسن السباحة فأتعلق بحبل المعدية وأعوم معهم. فنزل رفيقاي وأحدهما محمد بن فرحان التوزري والآخر رجل مصري والجارية معهم والأخرى تسبح وربط البحرية في المعدية حبالاً وسبحوا بها. وجعلت معهم ما عز علي من المتاع والجواهر والعنبر فوصلوا إلى البر سالمين، لأن الريح كانت تساعدهم. وأقمت بالمركب ونزل صاحبه إلى البر على الدفة وشرع البحرية في عمل أربع من المعادي فجاء الليل قبل تمامها ودخل معنا الماء فصعدت إلى المؤخر وأقمت به حتى الصباح. وحينئذ جاء إلينا نفر من الكفار في قارب لهم ونزلنا معهم إلى الساحل ببلاد المعبر فأعلمناهم أنا من أصحاب سلطانهم وهم تحت ذمته. فكتبوا إليه بذلك وهو على مسيرة يومين في الغزو. وكتبت أنا إليه أعلمه بما اتفق علي. وأدخلنا أولئك الكفار إلى غيضة عظيمة فأتوا بفاكهة تشبه البطيخ يثمرها شجرة المقل. وفي داخلها شبه قطن فيه عسلية يستخرجونها ويصنعون منها حلواء يسمونها التل، وهي تشبه السكر. وأتو بسمك طيب. وأقمنا ثلاثة أيام ثم وصل من جهة السلطان أمير يعرف بقمر الدين معه جماعة فرسان ورجال وجاؤا بالدولة وبعشرة خيول فركبت وركب أصحابي وصاحب المركب وإحدى الجاريتين، وحملت الأخرى في الدولة. ووصلنا إلى حصن هَرْكَاتُو "وضبط اسمه بفتح الهاء وسكون الراء وفتح الكاف وألف وتاء معلوة
стр. 505
مضمومة وواو" وبِتْنا به وتركت فيه الجواري وبعض الغلمان والأصحاب. ووصلنا في اليوم الثاني إلى محلة السلطان. وسلطان بلاد المعبر هو غياث الدين الدامغاني وكان أول أمره فارساً من فرسان الملك مجير بن أبي الرجا، أحد خدام السلطان محمد، ثم خدم الأمير حاجي بن السيد السلطان جلال الدين ثم ولي الملك. وكان يدعى سراج الدين قبله فلما ولي تسمى غياث الدين. وكانت بلاد المعبر تحت حكم السلطان محمد ملك دهلي، ثم ثار بها صهري الشريف جلال الدين أحسن شاه وملك بها خمسة أعوام ثم قتل. وولي أحد أمرائه وهو علاء الدين أُدَيْجِي "بضم الهمزة وفتح الدال المهمل وسكون الياء آخر الحروف وكسر الجيم" فملك سنة ثم خرج إلى غزو الكفار فأخذ لهم أموالاً كثيرة وغنائم واسعة وعاد إلى بلاده. وغزاهم في السنة الثانية فهزمهم وقتل منهم مقتلة عظيمة. واتفق يوم قتله لهم أن رفع المغفر عن رأسه ليشرب فأصابه سهم غرب، فمات من حينه. فولوا صهره قطب الدين. ثم لم يحمدوا سيرته فقتلوه بعد أربعين يوماً. وولي بعده السلطان غياث الدين وتزوج بنت السلطان الشريف جلال الدين التي كنت متزوجا أختها بدهلي.
ولما وصلنا إلى قرب من منزل السلطان غياث الدين بعث بعض الحجاب لتلقينا وكان قاعداً في برج خشب. وعادتهم بالهند كلها أن لا يدخل أحد على السلطان دون خف ولم يكن عندي خف فأعطاني بعض الكفار خفاً. وكان هنالك من المسلمين جماعة فعجبت من كون الكفار كان أتم مروءة منهم. ودخلت على السلطان فأمرني بالجلوس ودعا القاضي الحاج صدر الزمان بهاء الدين وأنزلني في جواره في ثلاثة من الأخبية وهم يسمونها الخيام وبعث بالفرش وبطعامهم وهو الأرز واللحم. وعادتهم هنالك أن يسقوا اللبن الرائب على الطعام كما يفعل ببلادنا. ثم اجتمعت به بعد ذلك وألقيت له أمر جزائر ذيبة المهل وأن يبعث الجيش إليها فأخذ في ذلك بالعزم وعين المراكب لذلك وعين الهدية لسلطانتها والخلع للوزراء والأمراء والعطايا لهم وفوض إلي في عقد نكاحه مع أخت السلطانة وأمر بوثق ثلاثة مراكب بالصدقة لفقراء الجزائر. وقال لي: يكون رجوعك بعد خمسة أيام. فقال له قائد البحر خواجة سرلك: لا يمكن السفر إلى الجزائر إلا بعد ثلاثة أشهر من الآن. فقال لي السلطان: أما إذا كان الأمر هكذا فامض إلى فتن حتى تقضي هذه الحركة وتعود إلى حضرتنا مترة،
стр. 506
ومنها تكون الحركة. فأقمت معه بخلال ما بعثت عن الجواري والأصحاب.
وكانت الأرض التي نسلكها غيضة واحدة من الأشجار والقصب بحيث لا يسلكها أحد فأمر السلطان أن يكون لكل واحد ممن في الجيش من كبير وصغير قَدوم لقطع ذلك. فإذا نزلت المحلة ركب إلى الغابة والناس معه فقطعوا تلك الأشجار من غدوة النهار إلى الزوال. ثم يؤتى بالطعام فيأكل جميع الناس طائفة بعد أخرى. ثم يعودون إلى قطع الأشجار إلى العشي وكل من وجدوه من الكفار في الغيضة أسروه وصنعوا خشبة محددة الطرفين فجعلوها على كتفيه يحملها ومعه امرأته وأولاده ويؤتى بهم إلى المحلة. وعادتهم أن يصنعوا على المحلة سوراً من خشب يكون له أربعة أبواب ويسمونه الكَتْكَر "بفتح الكافين وسكون التاء المعلوه وآخره راء"، ويصنعون على دار السلطان كَتْكراً ثانياً، ويصنعون خارج الكَتكَْر الأكبر مصاطب، ارتفاعها نحو نصف قامة، ويوقدون عليها النار بالليل ويبيت عندها العبيد والمشاؤن ومع كل واحد منهم حزمة من رقيق القصب. فإذا أتى أحد من الكفار ليضربوا على المحلة ليلاً أوقد كل واحد منهم الحزمة التي بيده فعاد الليل شبه النهار لكثرة الضياء وخرجت الفرسان في اتباع الكفار. فإذا كان عند الصباح قسم الكفار المأسورون بالأمس أربعة أقسام. وأتي إلى كل باب من أبواب الكَتْكَر بقسم منهم فركزت الخشب التي كانوا يحملونها بالأمس عنده ثم ركزوا فيها حتى تنفذهم ثم تذبح نساؤهم ويربطن بشعورهن إلى تلك الخشبات ويذبح الأولاد الصغار في حجورهن ويتركون هنالك. وتنزل المحلة ويشتغلون بقطع غيضة أخرى ويصنعون بمن أسروه كذلك. وذلك أمر شنيع، ما علمته لأحد من الملوك. وبسببه عجل الله حينه. ولقد رأيته يوماً والقاضي عن يمينه وأنا عن شماله وهو يأكل معنا وقد أتي بكافر معه امرأته وولده سنه سبع فأشار إلى السيافين بيده أن يقطعوا رأسه. ثم قال لهم: وزن أو بسر أو، معناه: وابنه وزوجته. فقطعت رقابهم وصرفت بصري عنهم. فلما قمت وجدت رؤسهم مطروحة بالأرض. وحضرت عنده يوماً وقد أتي برجل من الكفار فتكلم بما لم أفهمه فإذا بجماعة من الزبانية قد استلوا سكاكينهم. فبادرت القيام فقال لي: إلى أين؟ فقلت أصلي العصر. ففهم عني وضحك وأمر بقطع يديه ورجله فلما عدت وجدته متشحطاً في دمائه.
стр. 507
وكان فيما يجاور بلاده سلطان كافر يسمى بَلال دِيُو "بفتح الباء الموحدة ولام وألف ولام ثانية ودال مهمل مكسور وياء آخر الحروف مفتوحة واو مسكن" وهو من كبار سلاطين الكفار، يزيد عسكره على مائة ألف. ومعه نحو عشرين ألفاً من المسلمين أهل الدعارة وذوي الجنايات والعبيد الفارين، فطمع في الاستيلاء على بلاد المعبر، وكان عسكر المسلمين بها ستة آلاف، منهم النصف من الجياد والنصف الثاني لا خير فيهم ولا غناء عندهم. فلقوه بظاهر مدينة كُبّان فهزمهم ورجعوا إلى حضرة مترة ونزل الكافر على كُبان وهي من أكبر مدنهم وأحصنها وحاصرها عشرة أشهر ولم يبق لهم من الطعام إلا قوت أربعة عشر يوماً. فبعث لهم الكافر أن يخرجوا على الأمان ويتركوا له البلد. فقالوا له: لا بد من مطالعة سلطاننا بذلك فوعدهم إلى تمام أربعة عشر يوماً. وكتبوا إلى السلطان غياث الدين بأمرهم. فقرأ كتابهم على الناس يوم الجمعة فبكوا، وقالوا: نبيع أنفسنا من الله. فإنّ الكافر أن أخذ تلك المدينة انتقل إلى حصارنا فالموت تحت السيوف أولى بنا. فتعاهدوا على الموت وخرجوا من الغد، ونزعوا العمائم عن رؤوسهم وجعلوها في أعناق الخيل وهي علامة من يريد الموت. وجعلوا ذوي النجدة والأبطال منهم في المقدمة، وكانوا ثلاثمائة. وجعلوا على الميمنة سيف الدين بهادور وكان فقيهاً ورعاً شجاعاً، وعلى الميسرة الملك محمد السلحدار. وركب السلطان في القلب ومعه ثلاث آلاف. وجعل الثلاثة آلاف الباقين ساقة لهم وعليهم أسد الدين كيخسرو الفارسي. وقصدوا محلة الكافر عند القائلة وأهلها على غرة وخيلهم في المرعى فأغاروا عليها وظن الكفار أنهم سراق فخرجوا إليهم على غير تعبية وقاتلوهم فوصل السلطان غياث الدين فانهزم الكفار شر هزسمة وأراد سلطانهم أن يركب وكان ابن ثمانين فأدركه ناصر الدين بن أخي السلطان الذي ولي الملك بعده فأراد قتله ولم يعرفه. فقال له أحد غلمانه: هو السلطان فأسره وحمله إلى عمه، فأكرمه في الظاهر حتى جبى منه الأموال والفيلة والخيل، وكان يعده السراح. فلما استصفى ما عنده ذبحه وسلخه وملئ جلده بالتبن فعلق على سور مترة ورأيته بها معلقاً. ولنعد إلى كلامنا فنقول ورحلت عن المحلة فوصلت إلى مدينة فتَّن "بفتح الفاء والتاء والمثناة المشددة ونون" وهي كبيرة حسنة على الساحل، ومرساها عجيب قد صنعت فيه قبة
стр. 508
من الخشب كبيرة قائمة على الخشب الضخام يصعد إليها على طريق خشب مسقف، فإذا جاء العدو ضموا إليها الأجفان التي تكون بالمرسى وصعدها الرجال والرماة فلا يصيب العدو فرصة. وبهذه المدينة مسجد حسن مبني بالحجارة، وبها العنب الكثير والرمان الطيب. ولقيت الشيخ الصالح محمد النيسابوي أحد الفقراء المولهين الذين يسدلون شعورهم على أكتافهم، ومعه سبع ربّاه، يأكل مع الفقراء ويقعد معهم وكان معه نحو ثلاثين فقيراً لأحدهم غزالة تكون مع الأسد في موضع واحد فلا يعرض لها. وأقمت بمدينة فتن، وكان السلطان غياث الدين قد صنع له أحد الجوكية حبوباً للقوة على الجماع. وذكروا أن من جملة أخلاطها برادة الحديد فأكل منها فوق الحاجة فمرض ووصل إلى فتّن. فخرجت إلى لقائه وأهديت له هدية فلما استقر بها بعث عن قائد البحر خواجة سرور، فقال له: لا تشتغل بسوى المراكب المعينة للسفر إلى الجزائر. وأراد أن يعطيني قيمة الهدية فأبيت ثم ندمت لأنه مات فلم آخذ شيئاً. وأقام بفتن نصف شهر ثم رحل إلى حضرته. وأقمت أنا بعده نصف شهر ثم رحلت إلى حضرته وهي مدينة مُتْرة "بضم الميم وسكون التاء المعلوة وفتح الراء" مدينة كيرة متسعة الشوارع. وأول من اتخذها حضرة صهري السلطان الشريف جلال الدين أحسن شاه وجعلها شبيهة بدهلي وأحسن بناءها. ولما قدمتها ووجدت بها وباء يموت منه الناس موتاً سريعاً فمن مرض مات من ثاني يوم مرضه أو ثالثه، وإن أبطأ موته فإلى الرابع. فكنت إذا خرجت لا أرى إلا مريضاً أو ميتاً. واشتريت بها جارية على أنها صحيحة فماتت في يوم آخر. ولقد جاءت إلي في بعض الأيام امرأة كان زوجها من وزراء السلطان أحسن شاه ومعها ابن لها سنه ثمانية أعوام نبيل كيس فطن. فشكت ضعف حالها فأعطيتهما نفقة وهما صحيحان سويان. فلما كان من الغد جاءت تطلب لولدها المذكور كفناً وإذا به قد توفي من حينه. وكنت أرى بمشور السلطان حين مات المئين من الخدم اللاتي أتي بهم لدق الأرز المعمول منه الطعام لغير السلطان، وهن مريضات قد طرحن أنفسهن في الشمس. ولما دخل السلطان مُتْرَة وجد أمه وامرأته وولده مرضى. فأقام بالمدينة ثلاثة أيام ثم خرج إلى نهر على فرسخ منها كانت عليه كنيسة الكفار وخرجت إليه في يوم خميس فأمر بإنزالي إلى جانب القاضي فلما ضربت لي الأخبية رأيت الناس يسرعون ويموج بعضهم في بعض. فمن قائل: إن السلطان مات، ومن قائل: إن ولده هو الميت. ثم تحققنا ذلك فكان الولد
стр. 509
هو الميت ولم يكن له سواه. فكان موته مما زاد في مرضه. وفي الخميس بعده توفيت أم السلطان.
وفي الخميس الثالث توفي السلطان غياث الدين، وشعرت بذلك فبادرت الدخول إلى المدينة خوف الفتنة. ولقيت ناصر الدين ابن أخيه الوالي بعده خارجاً إلى المحلة قد وجه عنه إذ ليس للسلطان ولد. فطلبني بالرجوع معه فأبيت وأثر ذلك في قلبه وكان ناصر الدين هذا خديماً بدهلي قبل أن يملك عمه. فلما ملك عمه هرب في زي الفقراء إليه فكان من القدر ملكه بعده. ولما بويع مدحته الشعراء فأجزل لهم العطاء، وأول من قام منشداً القاضي صدر الزمان فأعطاه خمسمائة دينار وخلعة، ثم الوزير المسمى بالقاضي فأعطاه ألفي دينار دراهم، وأعطاني أنا ثلاثمائة دينار وخلعة، وبث الصدقات في الفقراء والمساكين. ولما خطب الخطيب أول خطبة خطبها باسمه نثرت عليه الدنانير والدراهم في أطباق الذهب والفضة. وعمل عزاء السلطان غياث الدين فكانوا يختمون القرآن على قبره كل يوم ثم يقرأ العشارون ثم يؤتى بالطعام فيأكل الناس ثم يعطون الدراهم كل إنسان على قدره وأقاموا على ذلك أربعين يوماً ثم يفعلون ذلك في مثل يوم وفاته من كل سنة. وأول ما بدأ به السلطان ناصر الدين أن عزل وزير عمه وطلبه بالأموال وولي الوزارة الملك بدر الدين الذي بعثه عمه إلي وأنا بفتن ليتلقاني فتوفي سريعاً، فولي الوزارة خواجه سرور قائد البحر وأمر أن يخاطب بخواجة جهان كما يخاطب الوزير بدهلي ومن خاطبه بغير ذلك غرم دنانير معلومة. ثم إن السلطان ناصر الدين قتل ابن عمته المتزوج بنت السلطان غياث الدين وتزوجها بعده. وبلغه أن الملك مسعوداً زاره في محبسه قبل موته فقتله أيضا، وقتل الملك بهادور وكان من الشجعان الكرماء الفضلاء، وأمر لي بجميع ما كان عينه عمه من المراكب برسم الجزائر. ثم أصابتني الحمى القاتلة هنالك فظننت أنها القاضية. وألهمني الله إلى التمر الهندي، وهو هنالك كثير فأخذت نحو رطل منه وجعلته في الماء ثم شربته فأسهلني ثلاثة أيام وعافاني الله من مرضي، فكرهت تلك المدينة وطلبت الإذن في السفر. فقال لي السلطان: كيف تسافر ولم يبق لأيام السفر إلى الجزائر غير شهر واحد؟ أقم حتى نعطيك جميع ما أمر لك به خوند عالم. فأبيت وكتب لي إلى فتن لأسافر في أي مركب أردت.
стр. 510
وعدت إلى فتن، فوجدت ثمانية من المراكب تسافر إلى اليمن، فسافرت في أحدها ولقينا أربعة أجفان فقاتلتنا يسيراً ثم انصرفت. ووصلنا إلى كولم وكان فيّ بقية مرض فأقمت ثلاثة أشهر. ثم ركبت في مركب بقصد السلطان جمال الدين الهنوري، فخرج علينا الكفار بين هنور وفاكنور.
ولما وصلنا إلى الجزيرة الصغرى بين هنور وفاكنور خرج علينا الكفار في اثنى عشر مركباً حربية وقاتلونا قتالاً شديداً وتغلبوا علينا، فأخذوا جميع ما عندي مما كنت أدخره للشدائد، وأخذوا الجواهر واليواقيت التي أعطانيها ملك سيلان، وأخذوا ثيابي والزوادات التي كانت عندي مما أعطانيه الصالحون والأولياء، ولم يتركوا لي ساتراً خلا السراويل، وأخذوا ما كان لجميع الناس وأنزلونا بالساحل. فرجعت إلى قالقوط فدخلت بعض المساجد فبعث إلي أحد الفقهاء بثوب، وبعث القاضي بعمامة، وبعث بعض التجار بثوب آخر. وتعرفت هنالك بتزوج الوزير عبد الله بالسلطانة خديجة بعد موت الوزير جمال الدين وبأن زوجتي التي تركتها حاملاً ولدت ولدا ذكراً، فخطر لي السفر إلى الجزائر. وتذكرت العداوة التي بيني وبين الوزير عبد الله ففتحت المصحف فخرج لي ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ ١. فاستخرت الله وسافرت. فوصلت بعد عشرة أيام إلى جزائر ذيبة المهل ونزلت منها بكنلوس فأكرمني واليها. عبد العزيز المقدشاوي وأضافني وجهز لي كندرة. ووصلت بعد ذلك إلى هللي، وهي الجزيرة التي تخرج السلطانة وخواتها إليها برسم التفرج والسياحة، ويسعون ذلك التتجر. ويلعبون في المراكب ويبعث لها الوزراء والأمراء بالهدايا والتحف متى كانت بها. ووجدت بها أخت السلطانة وزوجها الخطيب محمد بن الوزير جمال الدين وأمها التي كانت زوجتي. فجاء الخطيب إلي وأتوا بالطعام. ومر بعض أهل الجزيرة إلى الوزير عبد الله فأعلموه بقدومي. فسأل عن حالي، وعمن قدم معي. وأخبر أني جئت برسم حمل ولدي وكانت سنه نحو عامين وأتته أمه تشكو من ذلك. فقال لها: أنا لا أمنعه من حمل ولده. وصادرني في دخول الجزيرة وأنزلني بدار تقابل برج قصره ليتطلع على حالي. وبعث إلي بكسوة كاملة وبالتنبول وماء الورد على عادتهم. وجئت بثوبي
стр. 511
حرير للرمي عند السلام فأخذوهما ولم يخرج الوزير إلي ذلك اليوم. وأتى إلي بولدي فظهر لي أن إقامته معهم خير له. فرددته إليهم، وأقمت خمسة أيام وظهر لي أن تعجيل السفر أولى. فطلبت الإذن في ذلك، فاستدعاني الوزير ودخلت عليه وأتوني بالثوبين اللذين أخذوهما مني فرميتهما عند السلام على العادة. وأجلسني إلى جانبه وسألني عن حالي وأكلت معه الطعام وغسلت يدي معه في الطست، وذلك شيء لا يفعله مع أحد. وأتوا بالتنبول وانصرفت، وبعث إلي بأثواب وبساتي من الودع وأحسن أفعاله وأجمل. وسافرت، فأقمنا على ظهر البحر ثلاثاً وأربعين ليلةً ثم وصلنا إلى بلاد بَنْجالة "وضبطها بفتح الباء الموحدة وسكون النون وجيم معقود، وألف ولام مفتوح"، وهي بلاد متسعة كثيرة الأرز. ولم أر في الدنيا أرخص أسعاراً منها لكنها مظلمة. وأهل خراسان يسمونها دوزخست "دوزخ" بور "بر" نعمة، معناه: جهنم ملأى بالنعم. رأيت الأرز يباع في أسواقها خمسة وعشرين رطلاً دهلية بدينار فضي والدينار الفضي هو ثمانية دراهم ودرهمهم كالدرهم النقرة سواء والرطل الدهلي عشرون رطلاً مغربية، وسمعتهم يقولون إن ذلك غلاء عندهم. وحدثني محمد المصمودي المغربي وكان من الصالحين وسكن هذا البلد قديماً ومات عندي بدهلي، أنه كانت له زوجة وخادم فكان يشتري قوت ثلاثتهم في السنة بثمانية دراهم وأنه كان يشتري الأرز في قشره بحساب ثمانين رطلا دهلية بثمانية دراهم فإذا دقه خرج منه خمسون رطلاً صافية وهي عشرة قناطير. ورأيت البقرة تباع بها للحلب بثلاثة دنانير فضة وبقرهم الجواميس، ورأيت الدجاج السمان تباع بحساب ثمان بدرهم واحد، وفراخ الحمام يباع خمسة عشر منها بدرهم، ورأيت الكبش السمين يباع بدرهمين. ورطل السكر بأربعة دراهم وهو رطل دهلي، ورطل الجلاب بثمانية دراهم، ورطل السمن بأربعة دراهم، ورطل السيرج بدرهمين، ورأيت ثوب القطن الرقيق الجيد الذي ذرعه ثلاثون ذراعاً يباع بدينارين، ورأيت الجارية المليحة للفراش تباع بدينار من الذهب واحد، وهو ديناران ونصف دينار من الذهب المغربي. واشتريت بنحو هذه القيمة جارية تسمى عاشورة وكان لها جمال بارع. واشترى بعض أصحابي غلاماً صغير السن حسناً اسمه لؤلؤ بدينارين من الذهب. وأول مدينة دخلناها من بلاد بنجالة مدينة سُدْكاوَان، وضبط اسمها "بضم السين وسكون الدال المهملين وفتح الكاف والواو وآخره نون"، وهي
стр. 512
مدينة عظيمة على ساحل البحر الأعظم، ويجتمع بها نهر الكنك الذي يحج إليه الهنود ونهر الجون ويصبان في البحر. ولهم في النهر مراكب كثيرة يقاتلون بها أهل بلاد للكنوتي.
وكان سلطان بنجالة هو السلطان فخر الدين الملقب بفَخْره "بالفاء والخاء المعجم والراء"، وهو سلطان فاضل محب في الغرباء وخصوصاً الفقراء والمتصوفة. وكانت مملكة هذه البلاد للسلطان ناصر الدين بن السلطان غياث الدين بلبن وهو الذي ولي ولده معز الدين الملك بدهلي فتوجه لقتاله والتقيا بالنهر وسمي لقاؤهما لقاء السعدين وقد ذكرنا ذلك وأنه ترك الملك لولده وعاد إلى بنجالة فأقام بها إلى أن توفي. وولي ابنه شمس الدين إلى أن توفي فولي ابنه شهاب الدين إلى أن غلب عليه أخوه غياث الدين بهادور بور فاستنصر شهاب الدين بالسلطان غياث الدين تغلق فنصره وأخذ بهادور بور أسيراً ثم أطلقه ابنه محمد لما ملك على أن يقاسمه ملكه فنكث عليه فقاتله حتى قتله. وولي على هذه البلاد صهراً له فقتله العسكر واستولى على ملكها علي شاه وهو إذ ذاك ببلاد اللكنوتي فلما رأى فخر الدين أن الملك قد خرج عن أولاد السلطان ناصر الدين وهو مولى لهم، خالف بسدكاوان وبلاد بنجالة، واستقل بالملك واشتدت الفتنة بينه وبين علي شاه فإذا كانت أيام الشتاء والوحل أغار فخر الدين على بلاد اللكنوتي في البحر لقوته فيه وإذا عادت الأيام التي لا مطر فيها أغار علي شاه على بنجالة في البر لقوته فيه.
وانتهى حب الفقراء بالسلطان فخر الدين إلى أن جعل أحدهم نائباً عنه في الملك بسدكاوان، وكان يسمى شَيْدا "بفتح الشين المعجم والدال المهمل بينهما ياء آخر الحروف"، وخرج إلى قتال عدو له. فخالف عليه شَيْدا وأراد الاستبدد بالملك وقتل ولداً للسلطان فخر الدين لم يكن له ولد غيره، فعلم بذلك فكّر عائداً إلى حضرته ففر شيدا ومن اتبعه إلى مدينة سُنُرْهكاوان، وهي منيعة. فبعث السلطان بالعساكر إلى حصاره فخاف أهلها على أنفسهم فقبضوا على شَيْدا وبعثوه إلى عسكر السلطان فكتبوا إليه بأمره فأمرهم أن يبعثوا له رأسه فبعثوه. وقتل بسببه جماعة كبيرة من الفقراء. ولما دخلت سدكاوان لم أر سلطانها ولا لقيته، وعلمت أنه مخالف على ملك الهند. فخفت عاقبة ذلك،
стр. 513
وسافرت من سدكاوان بقصد جبال كَامَرو، وهي "بفتح الكاف والميم وضم الراء" وبينها وبين سدكاوان مسيرة شهر. وهي جبال متسعة متصلة بالصين وتتصل أيضا ببلاد التبت حيث غزلان المسك. وأهل هذا الجبل يشبهون الترك ولهم قوة على الخدمة. والغلام منهم يساوي أضعاف ما يساويه الغلام من غيرهم وهم مشهورون بمعاناة السحر والاشتغال به. وكان قصدي بالمسير إلى هذه الجبال لقاء ولي من الأولياء بها وهو الشيخ جلال الدين التبريزي. وكان الشيخ من كبار الأولياء وأفراد الرجال له الكرامات الشهيرة والمآثر العظيمة وهو من المعمرين، أخبرني ﵀ أنه أدرك الخليفة المستعصم بالله العباسي ببغداد وكان بها حين قتله، وأخبرني أصحابه بعد هذه المدة أنه مات وهو ابن مائة وخمسين، وأنه كان له نحو أربعين سنة يسرد الصوم ولا يفطر إلا بعد مواصلة عشر، وكانت له بقرة يفطر على حليبها ويقوم الليل كله وكان نحيف الجسم طوالاً خفيف العارضين. وعلى يديه أسلم أهل تلك الجبال، ولذلك أقام بينهم.
وقد أخبرني بعض أصحابه أنه استدعاهم قبل موته بيوم واحد وأوصاهم بتقوى الله وقال لهم إني أسافر عنكم غداً إن شاء الله وخليفتي عليكم الله الذي لا إله إلا هو، فلما صلى الظهر من الغد قبضه الله في آخر سجدة منها ووجدوا في جانب الغار الذي كان يسكنه قبراً محفوراً عليه الكفن والحنوط فغلسوه وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه به رحمه الله تعالى.
ولما قصدت زيارة هذا الشيخ لقيني أربعة من أصحابه على مسيرة يومين من موضع سكناه، فأخبروني أن الشيخ قال للفقراء الذين معه: قد جاءكم سائح من المغرب فاستقبلوه، وأنهم أتوا لذلك بأمرالشيخ. ولم يكن عنده علم من أمري وإنما كوشف به وسرت معهم إلى الشيخ فوصلت زاويته خارج الغار ولا عمارة عندها. وأهل تلك البلاد من مسلم وكافر يقصدون زيارته ويأتون بالهدايا والتحف فيأكل منها الفقراء والواردون. وأما الشيخ فقد اقتصر على بقرة يفطر على حليبها بعد عشر كما قدمناه. ولما دخلت عليه قام إلي وعانقني وسألني عن بلادي وأسفاري، فأخبرته. فقال لي: أنت مسافر العرب. فقال له من حضر من أصحابه والعجم: يا سيدنا. فقال: والعجم، فأكرموه. فاحتملوني إلى الزاوية وأضافوني ثلاثة أيام.
стр. 514
ولما كان يوم دخولي إلى الشيخ رأيت عليه فرجية مرعز فأعجبني وقلت في نفسي ليت الشيخ أعطانيها، فلما دخلت عليه للوداع قام إلى جانب الغار وجرد الفرجية وألبسنيها مع طاقية من رأسه ولبس مرقعة فأخبرني الفقراء أن الشيخ لم تكن عادته أن يلبس تلك الفرجية وإنما لبسها عند قدومي وأنه قال لهم هذه الفرجية يطلبها المغربي ويأخذها منه سلطان كافر ويعطيها لأخينا برهان الدين الصاغرجي وهي له وبرسمه كانت. فلما أخبرني الفقراء بذلك قلت لهم: قد حصلت لي بركة الشيخ بأن كساني لباسه، وأنا لا أدخل بهذه الفرجية على سلطان كافر ولا مسلم وانصرفت عن الشيخ. فاتفق لي بعد مدة طويلة أني دخلت بلاد الصين وانتهيت إلى مدينة الخنسا فافترق مني أصحابي لكثرة الزحام وكانت الفرجية علي فبينما أنا في بعض الطرق إذا بالوزير في موكب عظيم فوقع بصره علي فاستدعاني وأخذ بيدي وسألني عن مقدمي ولم يفارقني حتى وصلت إلى دار السلطان معه فأردت الانفصال فمنعني، وأدخلني على السلطان فسألني عن سلاطين الإسلام فأجبته ونظر إلى الفرجية فاستحسنها. فقال لي الوزير: جردها. فلم يمكنني خلاف ذلك فأخذها وأمر لي بعشر خلع وفرس مجهز ونفقة. وتغير خاطري لذلك ثم تذكرت قول الشيخ أنه يأخذها سلطان كافر فطال عجبي من ذلك. ولما كان في السنة الأخرى دخلت دار ملك الصين بخان بالق، فقصدت زاوية الشيخ برهان الدين الصاغرجي فوجدته يقرأ والفرجية عليه بعينها فعجبت من ذلك وقلبتها بيدي، فقال لي: لم تقلبها وأنت تعرفها؟ فقلت له: نعم هي التي أخذها مني سلطان الخنسا. فقال لي: هذه الفرجية صنعها أخي جلال الدين برسمي وكتب إلي أن الفرجية تصلك على يد فلان ثم أخرج لي الكتاب فقرأته وعجبت من صدق يقين الشيخ وأعلمته بأول الحكاية: فقال لي: أخي جلال الدين أكبر من ذلك كله هو يتصرف في الكون، وقد انتقل إلى رحمة الله.
ثم قال: بلغني أنه كان يصلي الصبح كل يوم بمكة، وأنه يحج كل عام لأنه كان يغيب عن الناس يومي عرفة والعيد فلا يعرف أين ذهب. ولما ودعت الشيخ جلال الدين سافرت إلى مدينة حَنَنْق "ضبط اسمها بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة. وسكون النون وقاف"، وهي من أكبر المدن وأحسنها. يشقها النهر الذي ينزل من جبال كامرو، ويسمى النهر الأزرق ويسافر فيه إلى بنجالة
стр. 515
وبلاد اللكنوتي وعليه النواعير والبساتين والقرى يمنة ويسرة كما هي على نيل مصر. وأهلها كفار تحت الذمة يؤخذ منهم نصف ما يزدرعون ووظائف سوى ذلك. وسافرنا في هذا النهر خمسة عشر يوماً بين القرى والبساتين، فكنا نمشي في سوق من الأسواق وفيه من المراكب مالا يحصى كثرة وفي كل مركب منها طبل فإذا التقى المركبان ضرب كل واحد طبله وسلم بعضهم على بعض وأمر السلطان فخر الدين المذكور أن لا يؤخذ بذلك النهر من الفقراء نول وأن يعطي الزاد لمن لا زاد له منهم. وإذا وصل الفقير إلى مدينة أعطي نصف دينار. وبعد خمسة عشر يوماً من سفرنا في النهر كما ذكرناه وصلنا إلى مدينة سُنْرُكاوان وسنر "بضم السين المهمل والنون وسكون الراء"، وهي المدينة التي قبض أهلها على الفقير شيدا عندما لجأ إليها ولما وصلناها وجدنا بها جنكا يريد السفر إلى بلاد الجاوة وبينهما أربعون يوماً من بنجالة إلى الجاوة. فركبنا فيه ووصلنا بعد خمسة عشر يوماً إلى بلاد البَرَهْنكَار الذين أفواههم كأفواه الكلاب "وضبطها بفتح الباء الموحدة والراء والنون والكاف وسكون الهاء"، وهذه الطائفة من الهمج لا يرجعون إلى دين الهنود ولا إلى غيره، وسكناهم في بيوت قصب مسقفة بحشيش الأرض على شاطئ البحر. وعندهم من أشجار الموز والفوفل والتنبول كثير. ورجالهم على مثل صورتنا إلا أن أفواههم كأفواه الكلاب. وأما نساؤهم فلسن كذلك، ولهن جمال بارع. ورجالهم عرايا لا يستترون. إلا أن الواحد منهم يجعل ذكره وأنثييه في جعبه من القصب منقوشة معلقة في بطنه، ويستتر نساؤهم بأوراق الشجر. ومعهم جماعة من المسلمين من أهل بنجالة والجاوة ساكنون في حارة على حدة. أخبرونا أنهم يتناكحون كالبهائم، لا يستترون بذلك. ويكون للرجل منهم ثلاثون امرأةً فما دون ذلك أو فوقه، وأنهم لا يزنون. وإذا زنا رجل منهم فحد الرجل أن يصلب حتى يموت أو يؤتي صاحبه أو عبده فيصلب عوضاً منه ويسرح هو. وحد المرأة أن يأمر السلطان جميع خدامه فينكحونها واحداً بعد واحد بحضرته حتى تموت، ويرمون بها في البحر. ولأجل ذلك لا يتركون أحداً من أهل المراكب ينزل إليهم إلا أن كان من المقيمين عندهم. وإنما يبايعون الناس ويشارونهم على الساحل ويسوقون إليهم الماء على الفيلة لأنه بعيد من الساحل. ولا يتركونهم لاستقائه خوفاً على نسائهم لأنهن يطمحن إلى الرجال الحسان. والفيلة كثيرة عندهم، ولا يسعها أحد غير سلطانهم. ثم يشتري منهم بالأثواب ولهم كلام غريب لا يفقهها إلا من ساكنهم وأكثر التردد إليهم.
стр. 516
ولما وصلنا إلى ساحلهم أتوا إلينا في قوارب صغار كل قارب من خشبة واحدة منحوتة وجاءوا بالموز والأرز والتنبول والفوفل والسمك.
وأتى إلينا سلطانهم راكباً على فيل عليه شبه بردعة من الجلود ولباس السلطان ثوب من جلود المعزى وقد جعل الوبر إلى خارج فوق رأسه ثلاث عصائب من الحرير ملونات وفي يده حربة من القصب ومعه نحو عشرين من أقاربه على الفيلة فبعثنا إليه هدية من الفلفل والزنجبيل والقرفة والحوت الذي يكون بجزائر ذيبه المهل وأثواباً من بنجالة وهم لا يلبسونها إنما يكسونها الفيلة في أيام عيدهم. ولهذا السلطان على كل مركب ينزل ببلاده جارية ومملوك وثياب لكسوة الفيل وحلي ذهب تجعله زوجته في محزمها وأصابع رجليها. ومن لم يعط هذه الوظيفة صنعوا له سحراً يهيج به البحر فيهلك أو يقارب الهلاك.
واتفق في ليلة من ليالي إقامتنا بمرماهم أن غلاماً لصاحب المركب ممن تردد إلى هؤلاء الطائفة نزل من المركب ليلاً وتواعد مع امرأة أحد كبرائهم إلى موضع شبه الغار على الساحل وعلم بذلك زوجها فجاء في جميع من أصحابه إلى الغار فوجدهما به. فحملا إلى سلطانهم فأمر بالغلام فقطعت أنثياه وصلب. وأمر بالمرأة فجامعها الناس حتى ماتت. ثم جاء السلطان إلى الساحل فاعتذر عما جرى، وقال: إنا لا نجد بداً من إمضاء أحكامنا ووهب لصاحب المركب غلاماً عوض الغلام المصلوب، ثم سافرنا عن هؤلاء. وبعد خمسة وعشرين يوماً وصلنا إلى جزيرة الجاوة "بالجيم" وهي التي ينسب إليها اللبان الجاوي. رأيناها على مسيرة نصف يوم وهي خضرة نضرة وأكثر أشجارها النارجيل والفوفل والقرنفل والعود الهندي والشكي والبركي والعنبة والجمون والنارنج الحلو وقصب الكافور. وبيع أهلها وشراؤهم بقطع قصدير وبالذهب الصيني التبر غير المسبوك. والكثير من أفاويه الطيب التي بها إنما هو ببلاد الكفار منها، وأما ببلاد المسلمين فهو أقل من ذلك. ولما وصلنا المرسى خرج إلينا أهلها في مراكب صغار ومعهم جوز النارجيل والموز والعنبة والسمك. وعادتهم أن يهدوا ذلك للتجار فيكافئهم كل إنسان على قدره، وصعد إلينا أيضا نائب صاحب البحر وشاهد من معنا من التجار وأذن لنا في النزول إلى البر. فنزلنا إلى البندر وهي قرية كبيرة على ساحل البحر، بها دور اسمها السَرْحَى
стр. 517
"بفتح السين المهمل وسكون الراء وفتح الحاء المهمل"، وبينها وبين البلد أربعة أميال. ثم كتب بهروز نائب صاحب البحر إلى السلطان فعرفه بقدومي، فأمر الأمير دولسة بلقائي والقاضي الشريف أمير سيد الشيرازي وتاج الدين الأصبهاني وسواهم من الفقهاء، فخرجوا لذلك وجاءوا بفرس من مراكب السلطان وأفراس سواه فركبت وركب أصحابي، ودخلنا إلى حضرة السلطان وهي مدينة سُمَطْرة "بضم السين المهمل والميم وسكون الطاء وفتح الراء" مدينة حسنة كبيرة عليها سور خشب وأبراج خشب.
وكان سلطان الجاوة الملك الظاهر من فضلاء الملوك وكرمائهم، شافعي المذهب محب في الفقهاء يحضرون مجلسه للقراءة والمذاكرة، وهو كثير الجهاد والغزو ومتواضع يأتي إلى صلاة الجمعة ماشياً على قدميه وأهل بلاده شافعيه محبون في الجهاد يخرجون معه تطوعاً وهم غالبون على من يليهم من الكفار والكفار يعطونهم الجزية على الصلح.
ولما قصدنا دار السلطان وجدنا بالقرب منه رماحاً مركوزة على جانبي الطريق هي علامة على نزول الناس فلا يتجاوزها من كان راكباً. فنزلنا عندها ودخلنا المشور، فوجدنا نائب السلطان وهو يسمى عمدة الملك فقام إلينا وسلم علينا وسلامهم بالمصافحة وقعدنا معه وكتب بطاقة إلى السلطان يعلمه بذلك وختمها ودفعها لبعض الفتيان فأتاه الجواب على ظهرها ثم جاء أحد ببُقْشة والبقشة "بضم الباء الموحدة وسكون القاف وفتح الشين المعجم"، هي السبنية، فأخذها النائب بيده وأخذ بيدي وأدخلني إلى دويرة يسمونها فردخانة على وزن زردخانة "إلاّ أن أولها فاء" وهي موضع راحته بالنهار فإن العادة أن يأتي نائب السلطان إلى المشور بعد الصبح ولا ينصرف إلا بعد العشاء الآخر. وكذلك الوزراء والأمراء الكبار. وأخرج من البقشة ثلاث فوط إحداهما من خالص الحرير والأخرى حرير وقطن والأخرى حرير وكتان. وأخرج ثلاثة أثواب يسمونها التحتانيات من جنس الفوط، وأخرج ثلاثة من الثياب مختلفة الأجناس تسمى الوسطانيات، وأخرج ثلاثة أثواب من الأرمك، أحدها أبيض. وأخرج ثلاث عمائم. فلبست فوطة منها عوض عن السراويل على عادتهم وثوباً من كل جنس. وأخذ أصحابي ما بقي منها.
ثم جاءوا بالطعام أكثره الأرز ثم أتوا بنوع من الفقاع ثم أتوا بالتنبول،
стр. 518
وهو علامة الانصراف، فأخذناه وقمنا، وقام النائب لقيامنا وخرجنا عن المشور، فركبنا وركب النائب معنا. وأتوا بنا إلى بستان عليه حائط خشب وفي وسطه دار بناؤها بالخشب مفروشة بقطائف قطن يسمونها المخملات "بالميم والخاء المعجم"، منها مصبوغ وغير مصبوغ.
وفي البيت أسرة من الخيزران فوقها مضربات من الحرير ولحف خفاف ومخاد يسمونها البوالشت. فجلسنا بالدار ومعنا النائب ثم جاء الأمير دولسة بجاريتين وخادمين، وقال لي: يقول لك السلطان هذه على قدرنا لا على قدر السلطان محمد. ثم خرج النائب وبقي الأمير دولسة عندي. وكانت بيني وبينه معرفة لأنه كان ورد رسولاً على السلطان بدهلي. فقلت له: متى تكون رؤية السلطان؟ فقال لي؛ أن العادة عندنا أن لا يسلم القادم على السلطان إلا بعد ثلاث، ليذهب عنه تعب السفر ويثوب إليه ذهنه. فأقمنا ثلاثة أيام يأتي إلينا الطعام ثلاث مرات في اليوم وتأتينا الفواكه والطرف مساءً وصباحاً. فلما كان اليوم الرابع وهو يوم الجمعة أتاني الأمير دولسة فقال لي: يكون سلامك على السلطان بمقصورة الجامع بعد الصلاة. فأتيت الجامع وصليت به الجمعة مع حاجبه قَيْران "بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف والراء" ثم دخلت إلى السلطان فوجدت القاضي أمير سيد والطلبة عن يمينه وشماله. فصافحني وسلمت عليه وأجلسني عن يساره، وسألني عن السلطان محمد وعن أسفاري فأجبته. وعاد إلى المذاكرة في الفقه على مذهب الإمام الشافعي ولم يزل كذلك إلى صلاة العصر، فلما صلاها دخل بيتاً هنالك فنزع الثياب التي كانت عليه وهي ثياب الفقهاء، وبها يأتي الجامع يوم الجمعة ماشياً، ثم لبس ثياب الملك وهي الأقبية من الحرير والقطن.
ولما خرج من الجامع وجد الفيلة والخيل على بابه. والعادة عندهم أنه إذا ركب السلطان الفيل ركب من معه الخيل. وإذا ركب الفرس ركبوا الفيلة. ويكون أهل العلم عن يمينه فركب ذلك اليوم على الفيل. وركبنا الخيل وسرنا معه إلى المشور فنزلنا حيث العادة ودخل السلطان راكباً وقد اصطف في المشور الوزراء والأمراء والكتاب وأرباب الدولة ووجوه العسكر صفوفاً، فأول الصفوف صف الوزراء والكتاب ووزراؤه أربعة فسلموا عليه وانصرفوا إلى موضع وقوفهم، ثم صف الأمراء فسلموا ومضوا إلى مواقفهم. وكذلك تفعل كل
стр. 519
طائفة ثم صف الشرفاء والفقهاء ثم صف الندماء والحكماء والشعراء ثم صف وجوه العسكر ثم صف الفتيان والمماليك ووقف السلطان على فيله إزاء قبة الجلوس ورفع فوق رأسه شطر مرصع
وجعل عن يمينه خمسون فيلاً مزينة وعن شماله مثلها وعن يمينه أيضا مائة فرس وعن شماله مثلها وهي خيل النوبة ووقف بين يديه خواص الحجاب. ثم أتى أهل الطرب من الرجال فغنوا بين يديه وأتي بخيل مجللة بالحرير لها خلاخيل ذهب وأرسان حرير مزركشة فرقصت الخيل بين يديه فعجبت من شأنها وكنت رأيت مثل ذلك عند ملك الهند. ولما كان عند الغروب دخل السلطان إلى داره. وانصرف الناس إلى منازلهم.
وكان له ابن أخ متزوج ببنته، فولاه بعض البلاد. وكان الفتى يتعشق بنتاً لبعض الأمراء ويريد تزوجها. والعادة هنالك أنه إذا كانت لرجل من الناس أمير أو سوقي أو سواه بنت قد بلغت مبلغ النكاح فلا بد أن يستأمر للسلطان في شأنها ويبعث السلطان من النساء من تنظر إليها فإن أعجبته صفتها تزوجها وإلا تركها يزوجها أولياؤها ممن يشاءوا. والناس هنالك يرغبون في تزوج السلطان بناتهم لما يحوزون به من الجاه والشرف. ولما استأمر والد البنت التي تعشقها ابن أخي السلطان بعث السلطان من نظر إليها وتزوجها. واشتد شغف الفتى بها ولم يجد سبيلاً إليها. ثم إن السلطان خرج إلى الغزو وبينه وبين الكفار مسيرة شهر، فخالفه ابن أخيه إلى سمطرة ودخلها إذ لم يكن عليها سور حينئذ وادعى الملك وبايعه بعض الناس وامتنع آخرون وعلم عمه بذلك فقفل عائداً إليها فأخذ ابن أخيه ما قدر عليه من الأموال والذخائر وأخذ الجارية التي تعشقها وقصد بلاد الكفار بِمُل جاوة. ولهذا بنى عمه السور على سمطرة. وكانت إقامتي عنده بسمطرة خمسة عشر يوماً، ثم طلبت منه السفر إذا كان أوانه إذ لا يتهيأ السفر إلى الصين في كل وقت فجهز لنا جنكاً، وزودنا وأحسن وأجمل جزاه الله خيراً. وبعث معنا من أصحابه من يأتي لنا بالضيافة إلى الجنك. وسافرنا بطول بلاده إحدى وعشرين ليلة. ثم وصلنا إلى مُل جاوة "بضم الميم" وهي بلاد الكفار وطولها مسيرة شهرين، وبها الأفاوية العطرة والعود الطيب القاقلي والقماري وقاقلة وقمارة من بعض بلادها، وليس ببلاد السلطان الظاهر بالجاوة إلا اللبان والكافور وشيء من الفرنفل وشيء من العود الهندي وإنما معظم ذلك بمل جاوة. ولنذكر ما شاهدناه منها، ووقفنا على أعيانه
стр. 520
وحققناه.
أما شجرة اللبان فصغيرة تكون بقدر قامة الإنسان إلى ما دون ذلك وأغصانها كأغصان الخرشف وأوراقها صغار رقاق، وربما سقطت فبقيت الشجرة منها دون ورقة. واللبان صمغية تكون في أغصانها. وهي في بلاد المسلمين أكثر منها في بلاد الكفار.
وأما شجر الكافور فهي قصب كقصب بلادنا، إلا أن الأنابيب منها أطول وأغلظ ويكون الكافور داخل الأنابيب فإذا كسرت القصبة وجد في داخل الأنبوب مثل شكله من الكافور. والسر العجيب فيه أنه لا يتكون في تلك القصب حتى يذبح عند أصولها شيء من الحيوان وإلا لم يتكون شيء منه. والطيب المتناهي في البرودة الذي يقتل منه وزن الدرهم بتجميد الروح وهو المسمى عندهم الحردالة هو الذي يذبح عند قصبة الآدمي ويقوم مقام الآدمي في ذلك الفيلة الصغار.
وأما العودة الهندي فشجره يشبه شجر البلوط إلا أن قشره رقيق وأوراقه كأوراق البلوط سواء ولا ثمر له وشجرته لا تعظم كل العظم وعروقه طويلة ممتدة وفيها الرائحة العطرة وأما عيدان شجرته وورقها فلا عطرية فيها وكل ما ببلاد الإسلام من شجره فهو متملك. وأما الذي في بلاد الكفار فأكثره غير متملك منه. والمتملك منه ما كان بقاقلة وهو أطيب العود. وكذلك القماري هو أطيب أنواع العود ويبيعونه لأهل الجاوة بالأثواب. ومن القماري صنف يطبع عليه كالشمع. وأما العطاس فإنه يقطع العرق منه ويدفن في التراب أشهراً فتبقى فيه قوته وهو من أعجب أنواعه.
وأما أشجار القرنفل فهي عادية ضخمة وهي ببلاد الكفار أكثر منها ببلاد الإسلام وليست بمتملكة لكثرتها والمجلوب إلى بلادنا منها هو العيدان والذي يسميه أهل بلادنا نوّار القرنفل هو الذي يسقط من زهره وهو شبيه بزهر النارنج وثمر القرنفل هو جوز بوا المعروفة في بلادنا بجوزة الطيب والزهر المتكون فيها هو البساسة رأيت ذلك كله وشاهدته. ووصلنا إلى مرسى قاقلة فوجدنا به جملة من الجنوك معد للسرقة ولمن يستعصي عليهم من الجنوك فإن لهم على كل جنك وظيفة. ثم نزلنا من الجنك إلى مدينة قَاقُلة "وهي بقافين
стр. 521
آخرها مضموم ولامها مفتوح"، وهي مدينة حسنة، عليها سور من حجارة منحوتة عرضه بحيث تسير فيه ثلاثة من الفيلة. وأول ما رأيت بخارجها الفيلة عليها الأحمال من العود الهندي يوقدونه في بيوتهم وهو بقيمة الحطب عندنا أو أرخص ثمناً هذا إذا ابتاعوا فيما بينهم. وأما التجار فيبيعونه الحمل منه بثوب من ثياب القطن وهي أغلى عندهم من ثياب الحرير. والفيلة بها كثيرة جداً عليها يركبون ويحملون وكل إنسان يربط فيلته على بابه، وكل صاحب حانوت يربط فيله عنده يركبه إلى داره ويحمل له. وكذلك جميع أهل الصين والخطا على مثل هذا الترتيب.
وكان سلطان مُل جاوة كافراً، رأيته خارج قصره جالساً على قبة ليس بينه وبين الأرض بساط، ومعه أرباب دولته. والعساكر يعرضون عليه مشاة ولا خيل هنالك إلا عند السلطان وإنما يركبون الفيلة وعليها يقاتلون. فعرف شأني فاستدعاني فجئت، وقلت: السلام على من ابتع الهدى، فلم يفقهوا إلا لفظ السلام. فرحب بي وأمر أن يفرش لي ثوب أقعد عليه، فقلت للترجمان: كيف أجلس على الثوب والسلطان قاعد على الأرض؟ فقال: هكذا عادته يقعد على الأرض تواضعاً، وأنت ضيف، وجئت من عند سلطان كبير فيجب إكرامك، فجلست وسألني عن السلطان فأوجز في سؤاله، وقال لي: تقيم عندنا في الضيافة ثلاثة أيام وحينئذ يكون انصرافك.
ورأيت في مجلس هذا السلطان رجلاً بيده سكين شبه سكين المسعر قد وضعه على رقبة نفسه وتكلم بكلام كثير لم أفهمه ثم أمسك السكين بيديه معاً وقطع عنف نفسه فوقع رأسه لحدة السكين وشدة إمساكه بالأرض فعجبت من شأنه وقال لي السلطان: أيفعل أحد هذا عندكم؟ فقلت له: ما رأيت هذا قط. فضحك، وقال: هؤلاء عبيدنا يقتلون أنفسهم في محبتنا. وأمر به فرفع وأحرق وخرج لإحراقة النواب وأرباب الدولة والعساكر والرعايا وأجرى الرزق الواسع على أولاده وأهله وإخوانه وعظموا لأجل فعله. وأخبرني من كان حاضراً في ذلك المجلس أن الكلام الذي تكلم به كان تقريراً لمحبته في السلطان وأنه يقتل نفسه في حبه كما قتل أبوه نفسه في حب أبيه وجده نفسه في حب جده ثم انصرفت عن المجلس وبعث إلي بضيافة ثلاثة أيام. وسافرنا في البحر فوصلنا بعد أربعة وثلاثين يوماً في البحر الكاهل، وهو الراكد وفيه حمرة زعموا
стр. 522
أنها من تربة أرض تجاوره. ولا ريح فيه ولا موج ولا حركة مع اتساعه. ولأجل هذا البحر تتبع كل جنك من جنوك الصين ثلاثة من مراكب، كما ذكرناه، تجذف به فتجره. ويكون في الجنك مع ذلك نحو عشرين مجذافاً كبار كالصواري، يجتمع على المجذاف منها ثلاثون رجلاً أو نحوها ويقومون قياماً صفين كل صف يقابل الآخر. وفي المجذاف حبلان عظيمان كالطوابيس. فتجذف إحدى الطائفتين الحبل ثم تتركه وتجذف الطائفة الأخرى. وهم يغنون عند ذلك بأصواتهم الحسان، وأكثر ما يقولون: لعلى لعلى. وأقمنا على ظهر هذا البحر سبعة وثلاثين يوماً وعجبت البحرية من التسهيل فيه فإنهم يقيمون فيه خمسين يوماً إلى أربعين وهي أنهى ما يكون التيسير عليهم. ثم وصلنا إلى بلاد طوالسي وهي "بفتح الطاء المهمل والواو وكسر السين المهمل" وملكها هو المسمى بطوالسي. وهي بلاد عريضة وملكها يضاهي ملك الصين. وله الجنوك الكثيرة يقاتل بها أهل الصين حتى يصالحوه على شيء. وأهل هذه البلاد عبدة أوثان حسان الصورة أشبه الناس بالترك في صورهم والغالب على ألوانهم الحمرة ولهم شجاعة ونجدة. ونساؤهم يركبن الخيل ويحسن الرماية ويقاتلن كالرجال سواء. وأرسينا من مراسيهم بمدينة كَيْلُوكِري "وضبطها بكاف مفتوح وياء آخر الحروف مسكنة ولام مضموم وراء مكسور"، وهي من أحسن مدنهم وأكبرها وكان يسكن بها ابن ملكهم. فلما أرسينا بالمرسى جاءت عساكرهم ونزل الناخوذة إليهم ومعه هدية لابن الملك فسألهم عنه فأخبروه أن أباه ولاه بلداً غيره وولى بنته بتلك المدينة واسمها أُرْدُجا "بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال المهمل وجيم".
ولما كان اليوم الثاني من حلولنا بمرسى كيلوكري، استدعت هذه الملكة الناخوذة صاحب المركب والكراني وهو الكاتب والتجار والرؤساء والتنديل وهو مقدم الرجال وسباه سالار وهو مقدم الرماة لضيافة صنعتها لهم على عادتها. ورغب الناخوذة مني أن أحضر معهم. فأبيت لأنهم كفار لا يجوز أكل طعامهم. فلما حضروا عندها قالت لهم: هل بقي أحد منكم لم يحضر؟ فقال لها الناخوذة: لم يبق إلى رجل واحد بَخْشِي، وهو القاضي بلسانهم، وبخشي "بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء وكسر الشين المعجمة"، وهو لا يأكل طعامكم. فقالت: ادعوه. فجاء جنادرتها وأصحاب الناخوذة، فقالوا: أجب
стр. 523
الملكة. فأتيتها وهي بمجلسها الأعظم وبين يديها نسوة بأيديهن الأزمة يعرضن ذلك عليها. وحولها النساء القواعد وهن وزيراتها وقد جلسن تحت السرير على كراسي الصندل وبين يديها الرجال. ومجلسها مفروش بالحرير وعليه ستور حرير وخشبة من الصندل وعليه صفائح الذهب. وبالمجلس مساطب خشب منقوش عليها أواني ذهب كثيرة من كبار وصغار كالخوابي والقلال والبواقيل. أخبرني الناخوذة أنها مملوؤة بشراب مصنوع من السكر مخلوط بالأفاوية يشربونه بعد الطعام وإنه عطر الرائحة حلو المطعم يفرح ويطيب النكهة ويهضم ويعين على الباءة، فلما سلمت على الملكة قالت لي بالتركية: حسن مسن يخشى مسن "خوشميسن يخشميسن" معناه: كيف حالك؟ كيف أنت؟ وأجلستني على قرب منها وكانت تحسن الكتاب العربي، فقالت لبعض خدامها: دواة وبتك كاتور "كتور" معناه: الدواة والكاغد. فأتى بذلك فكتبت بسم الله الرحمن الرحيم. فقالت: ما هذا؟ فقلت لها: تنضري "تنكري" نام. وتَنْضَري "بفتح التاء المعلوة وسكون النون وفتح الضاد وراء وياء"، ونام "بنون وألف وميم" ومعنى ذلك اسم الله. فقالت: خشن "خوشن"، ومعناه جيد. ثم سألتني من أي البلاد قدمت. فقلت لها من بلاد الهند. فقالت: بلاد الفلفل. فقلت: نعم. فسألتني عن تلك البلاد وأخبارها فأجبتها.
فقالت: لا بد أن أغزوها وآخذها لنفسي فإني يعجبني أكثر ما لها وعساكرها. فقلت لها: افعلي. وأمرت لي بأثواب وحمل فيلين من الأرز وبجاموستين وعشر من الضأن وأربعة أرطال جلاب وأربعة مرطبانات وهي أوان ضخمة مملوءة بالزنجبيل والفلفل والليمون والعنبا. كل ذلك مملوح مما يستعد للبحر، وأخبرني الناخوذة أن هذه الملكة لها في عسكرها نسوة وخدم وجوار يقاتلن كالرجال وأنها تخرج في العساكر من رجال ونساء فتغير على عدوها وتشاهد القتال وتبارز الأبطال. وأخبرني أنها وقع بينها وبين بعض أعدائها قتال شديد وقتل كثير من عسكرها وكادوا ينهزمون فدفعت بنفسها وخرقت الجيوش حتى وصلت إلى الملك الذي كانت تقاتله فطعنته طعنة كان فيها حتفه فمات وانهزمت عساكره. وجاءت برأسه على رمح فافتداه أهله منها بمالٍ كثير. فلما عادت إلى أبيها ملكها تلك المدينة التي كانت بيد أخيها. وأخبرني أن أبناء الملوك يخطبونها فتقول: لا أتزوج إلا من يبارزني فيغلبني.
стр. 524
فيتحامون مبارزتها خوف المعرة إن غلبتهم. ثم سافرنا عن بلاد طوالسي فوصلنا بعد سبعة عشر يوماً والريح مساعدة لنا ونحن نسير بها أشد السير وأحسنه إلى بلاد الصين. وإقليم الصين متسع كثير الخيرات والفواكه والزرع والذهب والفضة لا يضاهيه في ذلك إقليم من أقاليم الأرض. ويخترقه النهر المعروف بآب حياة، معنى ذلك ماء الحياة ويسمى أيضا نهر السبر "السرو" كاسم النهر بالهند ومنبعه من جبال بقرب مدينة خان بالق تسمى كوه بوزنه، معناه: جبل القرود ويمر في وسط الصين مسيرة ستة أشهر إلى أن ينتهي إلى صين الصين. وتكتنفه القرى والمزارع والبساتين والأسواق كنيل مصر، إلا أن هذا أكثر عمارة وعليه النواعير الكثيرة.
وببلاد الصين السكر الكثير مما يضاهي المصري بل يفضله والأعناب والإجاص. وكنت أظن أن الإجاص العثماني الذي بدمشق لا نظير له حتى رأيت الإجاص الذي بالصين. وبها البطيخ العجيب يشبه بطيخ خوارزم وأصفهان. وكل ما ببلادنا من الفواكه فإن بها ما هو مثله وأحسن منه. والقمح بها كثير جداً ولم أر قمحاً أطيب منه، وكذلك العدس والحمص.
وأما الفخار الصيني فلا يصنع منه إلا بمدينة الزيتون وبصين كلان. وهو من تراب جبال هنالك تقد فيه النار كالفحم وسنذكر ذلك، ويضيفون إليه حجارة عندهم. ويوقدون النار عليها ثلاثة أيام ثم يصبون عليها الماء فيعود الجميع تراباً ثم يخمرونه، فالجيد منه ما خمر شهراً كاملاً ولا يزاد على ذلك. والدون ما خمر عشرة أيام. وهو هنالك بقيمة الفخار ببلادنا أو أرخص ثمناً ويحمل إلى الهند وسائر الأقاليم حتى يصل إلى بلاد بالمغرب وهو أبدع أنواع الفخار.
ودجاج الصين وديوكها ضخمة جداً أضخم من الأوز عندنا وبيض الدجاج عندهم أضخم من بيض الأوز عندنا، وأما الأوز عندهم فلا ضخامة لها. ولقد اشترينا دجاجة فأردنا طبخها فلم يسع لحمها في برمة واحدة فجعلناه في برمتين. ويكون الديك بها على قدر النعامة. وربما انتتف ريشه فيبقى بضعة حمراء. وأول ما رأيت الديك الصيني بمدينة كولم فظننته نعامة وعجبت منه، فقال لي صاحبه: إن ببلاد الصين ما هو أعظم منه. فلما وصلت إلى الصين رأيت مصداق ما أخبرني به من ذلك.
стр. 525
وأهل الصين كفار يعبدون الأصنام ويحرقون موتاهم كما تفعل الهنود. وملك الصين تتري من ذرية تنكيزخان. وفي كل مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون بسكناهم. ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعات وسواها. وهم معظمون محترمون. وكفار الصين يأكلون لحوم الخنازير والكلاب ويبيعونها في أسواقهم. وهم أهل رفاهية وسعة عيش إلا أنهم لا يحتفلون في مطعم ولا ملبس. وترى التاجر الكبير منهم الذي لا تحصى أمواله كثرة وعليه جبة قطن خشنة. وجميع أهل الصين إنما يحتفلون في أواني الذهب والفضة. ولكل واحد منهم عكاز يعتمد عليه في المشي ويقولون هو الرجل الثالثة. والحرير عندهم كثير جداً لأن الدود تتعلق بالثمار وتأكل منها فلا تحتاج إلى كثير مؤنة ولذلك كثر وهو لباس الفقراء والمساكين بها ولولا التجار لما كانت له قيمة. ويباع الثوب الواحد من القطن عندهم بالأثواب الكثيرة من الحرير. وعادتهم أن يسبك التاجر ما يكون عنده من الذهب والفضة قطعاً تكون القطعة منها من قنطار فما فوقه وما دونه ويجعل ذلك على باب داره. ومن كان له خمس قطع منها جعل في أصبعه خاتماً ومن كانت له عشر جعل خاتمين ومن كان له خمس عشرة سموه السّتي "بفتح السين المهمل وكسر التاء المعلوة" وهو بمعنى الكارمي بمصر. ويسمون القطعة الواحدة منها بَرْكالة "بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الكاف واللام".
وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم. وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعا كما ذكرناه وإنما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغد كل قطعة منها بقدر الكف مطبوعة بطابع السلطان وتسمى الخمس والعشرون قطعة منها بَالِشْت "بباء موحدة وألف ولام مكسور وسين معجم مسكن وتاء معلوة"، وهو بمعنى الدينار عندنا. وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكة عندنا فأخذ عوضها جدداً ودفع تلك ولا يعطى على ذلك أجرة ولا سواها لأن الذين يتولون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان، وقد وكل بتلك الدار أمير من كبار الأمراء وإذا مضى الإنسان إلى السوق بدرهم فضة أو دينار يريد شراء شيء لم يأخذ منه ولا يلتفت إليه حتى يصرفه بِالبَالِشت ويشتري به ما أراد.
وجميع أهل الصين والخطا، إنما فحمهم تراب عندهم منعقد كالطفل
стр. 526
عندنا، ولونه لون الطفل تأتي الفيلة بالأحمال منه فيقطعونه قطعاً على قدر قطع الفحم عندنا ويشعلون النار فيه فيقد كالفحم وهوأشد حرارة من نار الفحم، وإذا صار رماداً عجنوه بالماء ويبسوه وطبخوا به ثانية ولا يزالون يفعلون به كذلك إلى أن يتلاشى. ومن هذا التراب يصنعون أواني الفخار الصينني ويضيفون إليه حجارة سواه كما قلناه.
وأهل الصين أعظم الأمم إحكاما للصناعات، وأشدهم إتقانا فيها، وذلك مشهور من حالهم قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه، وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه من الروم ولا سواهم. فإن لهم فيه اقتداراً عظيماً. ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قط مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلاّ ورأيت صورتي وصورة أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد موضوعة في الأسواق.
ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فممرت على سوق النقاشين ووصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي ونحن على زي العراقيين فلما عدت من القصر عشياً مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط. فجعل الواحد منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطئ شيئاً من شبهه.
وذكر لي أن السلطان أمرهم بذلك وأنهم أتوا إلى القصر ونحن به فجعلوا ينظرون إلينا ويصورون صورنا ونحن لم نشعر بذلك وتلك عادة لهم في تصوير كل من يمر بهم وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم بعثت صورته إلى البلاد وبحث عنه فحيثما وجد شبه تلك الصورة أخذ. قال ابن جزي: هذا مثل ما حكاه أهل التاريخ من قضية سابور ذي الأكتاف ملك الفرس حين دخل بلاد الروم متنكراً وحضر وليمة صنعها ملكهم وكانت صورته على بعض الأواني فنظر إليه بعض خدام قيصر فانطبعت على صورة سابور. فقال لملكه: إن هذه الصورة تخبرني أن كسرى معنا في هذا المجلس. فكان الأمر كما قاله، وجرى فيه ما هو مسطور في الكتب.
وعادة أهل الصين إذا أراد جنك من جنوكهم السفر، صعد إليه صاحب
стр. 527
البحر وكتابه، وكتبوا من يسافر فيه من الرماة والخدام والبحرية وحينئذ يباح لهم السفر. فإذا عاد الجنك إلى الصين صعدوا إليه أيضاً وقابلوا ما كتبوه بأشخاص الناس فإن فقدوا أحدا مما قيدوه طلبوا صاحب الجنك به. فإما أن يأتي ببرهان على موته أو فراره أو غير ذلك مما يحدث عليه وإلا أخذ فيه. فإذا فرغوا من ذلك أمروا صاحب المركب أن يملي عليهم تفصيلاً بجميع ما فيه من السلع قليلها وكثيرها ثم ينزل من فيه ويجلس حفاظ الديوان لمشاهدة ما عندهم. فإن عثروا على سلعة قد كتمت عنهم عاد الجنك بجميع ما فيه مالاً للمخزن وذلك نوع من الظلم ما رأيته ببلاد من بلاد الكفار ولا المسلمين إلا بالصين، اللهم إلا أنه كان بالهند ما يقرب منه.
وإذا قدم التاجر المسلم على بلد من بلاد الصين خيّر في النزول عند تاجر من المسلمين المتوطنين معين أو في الفندق، فإن أحب النزول عند التاجر حصر ماله وضمنه التاجر المستوطن وأنفق عليه منه بالمعروف. فإذا أراد السفر بحث عن ماله فإن وجد شيء منه قد ضاع أغرمه التاجر المستوطن الذي ضمنه، وإن أراد النزول بالفندق سلم ماله لصاحب الفندق وضمنه وهو يشتري له ما أحب ويحاسبه فإن أراد التسري اشترى له جارية وأسكنه بدار يكون بابها في الفندق وأنفق عليهما. والجواري رخيصات الأثمان؛ لأن أهل الصين أجمعين يبيعون أولادهم وبناتهم وليس ذلك عيباً عندهم غير أنهم لا يجبرون على السفر مع مشتريهم ولا يمنعون أيضاً منه إن اختاروه. وكذلك أن أراد التزوج تزوج. وأما إنفاق ماله في الفساد فشيء لا سبيل له إليه. ويقولون: لا نريد أن يسمع في بلاد المسلمين أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا، فإنها أرض ضلال.
وبلاد الصين آمن البلاد وأحسنها حالاً للمسافرين. فإن الإنسان يسافر منفرداً مسيرة تسعة أشهر وتكون معه الأموال الطائلة فلا يخاف عليها. وترتيب ذلك أنّ لهم في كل منزل ببلادهم فندقاً عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد المغرب والعشاء جاء الحاكم إلى الفندق ومعه كاتبه فكتب أسماء جميع من يبيت به من المسافرين وختم عيها وأقفل باب الفندق عليهم. فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه كاتبه فدعا كل
стр. 528
إنسان باسمه وكتب به تفصيلا وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل الثاني له ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه. وإن لم يفعل طلبه بهم. وهكذا العمل في كل منزل ببلادهم من صين الصين إلى خان بالق. وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إلى المسافر من الأزواد وخصوصاً الدجاج والأوز. وأما الغنم فهي قليلة عندهم. ولنعد إلى ذكر سفرنا فنقول: لما قطعنا البحر كانت أول مدينة وصلنا إليها مدينة الزيتون. وهذه المدينة ليس بها زيتون ولا بجميع بلاد أهل الصين والهند ولكنه اسم وضع عليها وهي مدينة عظيمة كبيرة، تصنع بها ثياب الكمخا والأطلسـ وتعرف بالنسبة إليها وتفضل على الثياب الخنساوية والخنبالقية. ومرساها من أعظم مراسي الدنيا أو هو أعظمها رأيت به نحو مائة جنك كبار وأما الصغار فلا تحصى كثرة. وهو خور كبير من البحر يدخل في البر حتى يختلط بالنهر الأعظم. وهذه المدينة وجميع بلاد الصين يكون للإنسان بها البستان والأرض وداره في وسطها كمثل ما هي بلدة سجلماسة ببلادنا. وبهذا عظمت بلادهم. والمسلمون ساكنون بمدينة على حدة. وفي يوم وصولي إليها رأيت بها الأمير الذي توجه إلى الهند رسولاً بالهدية ومضى في صحبتنا وغرق به الجنك فسلم علي وعرف صاحب الديوان بي فأنزلني في منزل حسن. وجاء إلي قاضي المسلمين تاج الدين الأردويلي وهو من الأفاضل الكرماء وشيخ الإسلام كمال الدين عبد الله الأصفهاني وهو من الصلحاء وجاء إلي كبار التجار فيهم شرف الدين التبريزي أحد التجار الذي استدنت منهم حين قدومي على الهند وأحسنهم معاملة حافظ للقرآن مكثر للتلاوة. وهؤلاء التجار لسكناهم في بلاد الكفار إذا قدم عليهم المسلم فرحوا به أشد الفرح وقالوا جاء من أرض الإسلام وله يعطون زكوات أموالهم فيعود غنياً كواحد منهم. وكان بها من المشايخ الفضلاء برهان الدين الكازورني له زاوية خارج البلد وإليه يدفع التجار النذور التي ينذرونها للشيخ أبي إسحاق الكازروني. ولما عرف صاحب الديوان أخباري كتب إلى القان وهو ملكهم الأعظم يخبره بقدومي من جهة ملك الهند. فطلبت منه أن يبعث معي من يوصلني إلى بلاد الصين "صين الصين"، وهم يسمونها صين كلان لأشاهد تلك البلاد وهي في عمالته بخلال ما يعود جواب القان. فأجاب إلى ذلك وبعث معي من أصحابه من يوصلني. وركبت في النهر في مركب يشبه أجفان بلادنا الغزوية، إلا أن الجذافين يجذفون فيه قياماً، وحميعهم في وسط المركب،
стр. 529
والركاب في المقدم والمؤخر، ويظلون على المركب بثياب تصنع من نبات ببلادهم يشبه الكتان وليس به وهو أرق من القنب.
وسافرنا في هذا النهر سبعة وعشرين يوماً. وفي كل يوم نرسو عند الزوال بقرية نشترى بها ما تحتاج إليه ونصلي الظهر ثم ننزل بالعشي إلى أخرى وهكذا إلى أن وصلنا مدينة صين كلان "بفتح الكاف" وهي مدينة صين الصين. وبها يصنع الفخار، وبالزيتون أيضاً، وهنالك يصب نهر آب حياة في البحر ويسمونه مجمع البحرين وهي من أكبر المدن وأحسنها أسواقاً ومن أعظم أسواقها سوق الفخار ومنها يحمل إلى سائر بلاد الصين والهند واليمن. وفي وسط هذه المدينة كنيسة عظيمة لها تسعة أبواب داخل كل باب أسطوان ومصاطب يقعد عليها الساكنون بها. وبين البابين الثاني والثالث منها موضع فيه بيوت يسكنها العميان وأهل الزمانات. ولكل واحد منهم نفقته وكسوته من أوقاف الكنيسة. وكذلك فيما بين الأبواب كلها. وفي داخلها المارستان للمرضى، والمطبخة لطبخ الأغذية، وفيها الأطباء والخدام. وذكر لي أن الشيوخ الذين لا قدرة لهم على التكسب، لهم نفقتهم وكسوتهم بهذه الكنيسة، وكذلك الأيتام والأرامل ممن لا مال لهم. وعمر هذه الكنيسة بعض ملوكهم وجعل هذه المدينة وما إليها من القرى والبساتين وقفاً عليها. وصورة ذلك الملك مصورة بالكنيسة المذكورة وهم يعبدونها. وفي بعض جهات هذه المدينة بلدة المسلمين لهم بها المسجد الجامع والزاوية والسوق ولهم قاض وشيخ ولا بد في كل بلد من بلاد الصين من شيخ الإسلام تكون أمور المسلمين كلها راجعة إليه وقاض يقضي بينهم. وكان نزولي عند أوحد الدين السنجاري وهو أحد الفضلاء الأكابر ذوي الأموال الطائلة، وأقمت عنده أربعة عشر يوماً وتحف القاضي وسائر المسلمين تتوالى علي. وكل يوم يصنعون دعوة جديدة ويأتون إليها بالعشارين الحسان والمغنين وليس وراء هذه المدينة مدينة، لا للكفار ولا للمسلمين. وبينها وبين سد يأجوج ومأجوج ستون يوماً فيما ذكر لي، يسكنها كفار رحالة يأكلون بني آدم إذا ظفروا بهم. ولذلك لا تسلك بلادهم ولا يسافر إليها ولم أر بتلك البلاد من رأى السد المذكور ولا من رأى من رآه.
ولما كنت بصين كلان سمعت أن بها شيخاً كبيراً قد أناف على مائتي سنة وأنه لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث ولا يباشر النساء مع قوته التامة، وأنه
стр. 530
ساكن في غار بخارجها يتعبد فيه فتوجهت إلى الغار فرأيته على بابه وهو نحيف شديد الحمرة عليه أثر العبادة ولا لحية له فسلمت عليه فأمسك يدي وشمها. وقال للترجمان: هذا من طرف الدنيا كما نحن من طرفها الآخر. ثم قال لي: لقد رأيت عجباً. أتذكر قدومك الجزيرة التي فيها الكنيسة والرجل الذي كان بين الأصنام وأعطاك عشرة دنانير من الذهب؟ فقلت: نعم. فقال أنا هو فقبلت يده. وفكر ساعة ثم دخل الغار فلم يخرج إلينا وكأنه ظهر منه الندم على ما تكلم به فتجهمنا ودخلنا عليه فلم نجده. ووجدنا بعض أصحابه ومعه جملة بوالشت من الكاغد فقال: هذه ضيافتكم فانصرفوا. فقلنا له: ننتظر الرجل. فقال لو أقمتم عشر سنين لم تروه فإن عادته إذا أطلع أحد على سر من أسراره لا يراه بعده ولا تحسب أنه غاب عنك بل هو حاضر معك فعجبت من ذلك وانصرفت. فاعلمت القاضي وشيخ الإسلام وأوحد الدين السنجاري بقضيته، فقالوا: كذلك عادته مع من يأتي إليه من الغرباء ولا يعلم أحد ما ينتحله من الأديان والذي ظننتموه أحد أصحابه هو. وأخبروني أنه غاب عن هذه البلاد نحو خمسين سنة ثم قدم عليها منذ سنة. وكان السلاطين والأمراء والكبراء يأتونه زائرين فيعطيهم التحف على أقدارهم. ويأتيه الفقراء كل يوم فيعطي لكل احد على قدره. وليس في الغار الذي هو به ما يقع عليه البصر وأنه يحدث عن السنين الماضية ويذكر النبي ﷺ ويقول: لوكنت معه لنصرته ويذكر الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بأحسن الذكر ويثني عليهما. ويلعن يزيد بن معاوية ويقع في معاوية. وحدثوني عنه بأمور كثيرة. وأخبرني أوحد الدين السنجاري قال: دخلت عليه الغار فأخذ بيدي فخيل لي أني في قصر عظيم وأنه قاعد فيه على سرير وفوق رأسه تاج وعن جانبيه الوصائف الحسان والفواكه تتساقط في أنهار هنالك وتخيلت أني أخذت تفاحة لآكلها فإذا أنا بالغار وبين يديه وهو يضحك مني وأصابني مرض شديد لازمني شهوراً فلم أعد إليه.
وأهل تلك البلاد يعتقدون أنه مسلم. لكن لم يره أحد يصلي وأما الصيام فهو صائم أبداً. وقال لي القاضي: ذكرت له الصلاة في بعض الأيام فقال لي أتدري أنت ما أصنع؟ أن صلاتي غير صلاتك. وأخباره جميعها غريبة. وفي