← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

سعود الإسلامية بالرياض -يحفظه الله- ونشرته مكتبة الرشد بالرياض. والمطالع في هذه الطبعة يلمس الجهد المشكور الذي بذله المحقق في تصحيح النص ومقابلته على النسخ المخطوطة والمطبوعة للكتاب، مع تخريج شواهد الكتاب على أحدث طرق التحقيق، فجزاه الله عن هذا العمل خير الجزاء، ونفع بعلمه وعمله بقدر إخلاصه لله تعالى. فهذه الأعمال المختلفة، وتلكم الجهود المتكررة حول كتاب "الروضة" خير شاهد على دعوانا: من أن لهذا الكتاب أهمية خاصة، ومكانة مرموقة بين أهل العلم، عبر العصور المختلفة. وفي تصوري أن هذه العناية بهذا الكتاب بصفة خاصة، دون غيره من الكتب ترجع إلى إخلاص هذا الرجل في عمله، وأنه ما أراد به إلا وجه الله -تعالى- ورضاه. ولذلك هيأ الله -تعالى- من يقوم بخدمة الكتاب ونشره بين أبناء العلم. ما يؤخذ على الكتاب: العمل البشري -دائمًا- يعتريه القصور، ويرد عليه الخطأ والنسيان وما من عمل يعمله الإنسان، ثم ينظر فيه -بعد ذلك- إلا ويجد نفسه قد قصّر في بعض الأمور، كما قال العماد الأصفهاني: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يوم إلا قال في غده: لو غيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر". وكتاب "الروضة" وإن كان يعتبر موسوعة علمية في أصول الفقه،

стр. 37

خاصة في ذكر آراء علماء المذاهب المختلفة، والمقارنة بينها، والاستدلال لكل مذهب، وبيان الراجح منها بالدليل، وإبراز مذهب الحنابلة على وجه الخصوص، إلا أنه يؤخذ عليه ما يلي: ١- أحيانًا يعنون للشئ ولا يذكره، مثل ما جاء في الحكم وأقسامه. عنون له بقوله: "حقيقة الحكم وأقسامه..... ثم قال: أقسام أحكام التكليف خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور ... ". فلم يذكر شيئًا عن تعريف الحكم لغة واصطلاحًا، ولا عن تقسيمه إلى حكم تكليفي وحكم وضعي إلى آخر ما هو معروف في هذا المجال. كما أنه عبر بقوله "واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور" وهو خلاف ما عليه المحققون من العلماء، من أن خطاب التكليف هو: الإيجاب، والندب، والإباحة، والكراهة، والحرمة. أما الواجب والمندوب، إلى آخره، فهو فعل المكلف الذي تعلق به الإيجاب أو الندب أو الكراهة أو الحرمة. والوجوب: هو أثر الخطاب الشرعي، وهو الصفة التي تثبت للفعل. فهناك فرق بين التعبيرات الثلاثة: الإيجاب، والواجب، والوجوب١. كما أنه أهمل بعض تقسيمات الواجب، فلم يذكر شيئًا عن الواجب العيني والواجب الكفائي، وما يتعلق بهما من أحكام.

стр. 38

٢- أحيانًا لا يصرح بالمذهب ولا بالقائلين به، وإنما كان يكتفي بعبارة: "فإن قيل" فيستفاد منها المذهب والقائلون به. وكثيرًا ما يورد هذه العبارة عند ذكر أدلة المخالفين، الأمر الذي يجعل طالب العلم، أو الباحث يرجع إلى أصل الكتاب، وهو "المستصفى" لمعرفة المقصود بهذه العبارة، أو إلى بعض المراجع الأخرى. والأمثلة على ذلك لا تخفى على من طالع الكتاب. ٣- غالبًا ما تكون عبارة الكتاب غامضة تحتاج إلى شرح وتوضيح. ومن أسباب هذا الغموض: أن المؤلف -رحمه الله تعالى- كثيرًا ما يختصر عبارة "المستصفى" فيحذف عبارة يتوقف عليها فهم المعنى، فيحصل الغموض. ومن أمثلة ذلك: أ- ما جاء في المرتبة الخامسة من مراتب رواية الحديث بالنسبة للصحابة ﵃ وهي: "أن يقول: "كنا نفعل، أو كانوا يفعلون كذا.... ثم قال: مثل قول ابن عمر ﵁ كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ فنقول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره". وأصل الرواية -كما في المستصفى-: "كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ فنقول: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان ... إلى آخره". وقال في مثال آخر -في نفس المسألة-: "وقال: -أي: عبد الله بن عمر- كنا نخابر أربعين سنة" وهي في الأصل: كنا نخابر على عهد

стр. 39

رسول الله ﷺ وبعده أربعين سنة، حتى روى لنا رافع بن خديج.... الحديث". ب- في مسألة: إفادة الخبر المتواتر العلم وإن لم يدل عليه دليل آخر، كما هو رأي جمهور العلماء.... حكى رأي "السمنية" في أنهم خالفوا في ذلك وحصروا العلم في الحواس الخمس ... ثم رد عليهم بقوله: "ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد، وبلدة تسمى مكة". والأصل في المستصفى "ولا يستريب عاقل في أن في الدنيا بلدة تسمى بغداد وإن لم يدخلها". ومحل الشاهد هنا في عبارة "وإن لم يدخلها" ومعناه: أن العلم بوجود هذه البلدة لم يتوقف على الحواس عن المشاهدة مثلًا، وإلا لكان موافقا للسمنية في حصر العلم على الحواس، فابن قدامة حذف عبارة "وإن لم يدخلها" ووضع مكانها "وبلدة تسمى مكة" فكرر المثال، وحذف محل الشاهد، ومثل ذلك كثير. ٤- أحيانًا يتساهل في نسبة الآراء إلى المذاهب المختلفة، فيقول: يرى الحنفية كذا، بينما هو رأي البعض منهم، أو لا يمثل المذهب. ومن أمثلة ذلك: ما نقله عن الحنفية في مسألة: تكليف الكفار بفروع الإسلام فقال: "واختلفت الرواية: هل الكفار مخاطبون بفروع الإسلام؟ فروي أنهم لا يخاطبون منها بغير النواهي؛ إذ لا معنى لوجوبها، مع استحالة فعلها في الكفر، وانتفاء قضائها في الإسلام، فكيف يجب ما لا يمكن امتثاله، وهذا قول أكثر أصحاب الرأي". وهذا القول مخالف لما في كتب الحنفية أنفسهم، حيث حكموا

стр. 40

على هذا الرأي بالشذوذ، وأن الصحيح عندهم أنهم غير مكلفين مطلقا١. وهو الذي ذكره الغزالي في المستصفى حيث قال: "مسألة: ليس من شرط الفعل المأمور به أن يكون شرطه حاصلًا حالة الأمر. بل يتوجه الأمر بالمشروط والشرط، ويكون مأمورًا بتقديم الشرط. فيجوز أن يخاطب الكفار بفروع الإسلام، كما يخاطب المحدث بالصلاة بشرط تقديم الوضوء، والملحد بتصديق الرسول، بشرط تقديم الإيمان بالمرسل. وذهب أهل الرأي إلى إنكار ذلك"٢. ٥- أحيانًا يورد في المسألة عدة آراء، ويستدل لها، ويترك أهم الآراء فيها فلا يشير إليه. ومن أمثلة ذلك: ما جاء في مسألة دلالة الأمر المطلق، هل يقتضي التكرار أو لا؟ حكى الآراء المختلفة، واستدل لما رآه راجحًا، وأغفل أهم الآراء، وهو: أنه يدل على مجرد تحصيل الماهية، من غير نظر إلى المرة أو التكرار، وهو الرأي الذي رجحه المحققون من علماء الأصول. ٦- عدم تحريره لمحل النزاع فكثيرًا ما يطلق القول في المسألة، ويحكم عليها حكمًا عامًّا، مع أنه قد يكون هناك محال اتفاق ومحال خلاف وهذا قد يوقع القارئ في خطأ، وبالأخص المبتدئ.

стр. 41

٧- وأخيرًا -كما هي عادة أغلب المؤلفين القدامي- لا يذكر عنوانًا لأي مسألة، بل يقول: فصل..... ثم يبدأ مباشرة في نقل الآراء في الموضوع، وهكذا....، بل أحيانًا يجعل المسألة الواحدة في فصلين، فيجعل رأي بعض العلماء فصلا، والبعض الأخر فصلًا مستقلا، الأمر الذي يوهم أنه موضوع مستقل. ومن أمثلة ذلك: ما جاء في مسألة التعبد بخبر الواحد عقلًا، قال: "فصل: وأنكر قوم جواز التعبد بخبر الواحد عقلا؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، والعمل به عمل بالشك، وإقدام على الجهل، فتقبح الحوالة على الجهل ... " إلى آخر الأدلة التي أوردها لهذا المذهب، ثم بعد أن ناقشها قال: "فصل: وقال أبو الخطاب: العقل يقتضي وجوب قبول خبر الواحد؛ لأمور ثلاثة....". فمع أن الكلام لا يزال موصولًا بموضوع التعبد بخبر الواحد عقلًا، إلا أنه فصل بين الآراء كما هو واضح. وأقول: ومع ذلك كله، فإن قيمة الكتاب العلمية لا ينكرها إلا جاهل أو معاند، وهذه الملحوظات التي أشرت إليها، أغلبها راجع إلى اختلاف المنهج بين المتقدمين والمتأخرين. فالذي سلكه ابن قدامة لا يعتبر غريبًا ولا شاذًّا بمقتضى العصر الذي عاش فيه وكتب له، فهذه كانت طريقتهم التي ألفوها ودرجوا عليها. وللعصور المتأخرة طريقتهم ومنهجهم الذي يسلكونه، فلا خلاف في المعنى، وإن اختلفت الطرق والسبل التي توصل إليه.

стр. 42

عملي في الكتاب: بعد أن شرفت بالعمل في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة أم القرى بمكة المكرمة، زادها الله شرفًا وتعظيمًا، وأسند إلى تدريس مادة "أصول الفقه" من كتاب "الروضة" لمست مدى الصعوبة التي يواجهها الطلاب في فهم الكتاب، بسبب الملاحظات التي أشرت إليها آنفًا. فكنت أقرأ عبارة الكتاب أكثر من مرة، وأراجعها على "المستصفى" وأسجل الفوارق التي بينهما -إن وجدت- أو أضيف عبارة يكون تمام المعنى متوقفًا عليها، وقبل ذلك أحرر محل النزاع، ثم أدخل المحاضرة وأقول لأبنائي الطلبة: درس اليوم في الموضوع الفلاني، والذي يحتوي على العناصر الآتية.... ثم أشرحها شرحًا وافيًا، ثم أقول لهم: تعالوا نستخرج ذلك من الكتاب، فكان البعض منهم يستغرب ذلك في أول الأمر، ويقول: أين تحرير محل النزاع في الكتاب، ولم يذكره المصنف، فأقول لهم: إن المصنف قد ذكره، لكن بطريق الإشارة، وليس بصريح العبارة. ومن أمثلة ذلك قوله في باب الأوامر: "الأمر المطلق لا يقتضي التكرار في قول أكثر الفقهاء والمتكلمين". فقوله: "الأمر المطلق" فيه إشارة إلى أن الأمر المقيد بمرة واحدة، أو مرات لا يدخل تحت موضوع المسألة، فهذا تحرير لمحل النزاع وإن لم يصرح به. ولما وجدتني أسجل في كل مسألة بعض الملاحظات، أو أضطر إلى توضيح عبارة الكتاب بأسلوب مبسط، استخرت الله -تعالى- في أن يتم ذلك على الكتاب كله -إن شاء الله تعالى- وتمثل ذلك في: ١- توضيح ما هو غامض من عبارات الكتاب، إما توضيح كلمة

стр. 43

بكلمة، إن كانت لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، وإما تلخيص لمجمل كلام المصنف في فصل كامل، أو أدلة لمذهب، بحيث أشير إلى بدايات الأدلة للمذهب الفلاني، وإلى بداية الرد على المذهب المخالف وهكذا، بحيث إذا تعذر على الطالب فهم ما يريده المصنف، وجد في الهامش ما يبين له المراد بأسلوب مبسط. ٢- إضافة الموضوعات التي يتركها المصنف، وهي من لب الموضوع المتحدث عنه، كتعريف الحكم وبيان أقسامه، والفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي، وتقسيم الواجب إلى عيني وكفائي وما أشبه ذلك. ٣- تصحيح النص -على قدر الإمكان- ومراجعته على "المستصفى" فإذا وجدت عبارة حذفها المصنف، والمقام يحتاج إليها أضفتها بين معقوفين وأشرت إلى ذلك في الهامش. وأحيانًا أصحح العبارة من كتب أخرى، كالعدة لأبي يعلى، والتمهيد لأبي الخطاب، وغيرهما، إلا أن ذلك يكون في الهامش. ٥- خرجت شواهد الكتاب المختلفة، من عزو الآيات القرآنية إلى سورها، وتخريج الأحاديث النبوية والآثار المختلفة، مع الحكم عليها، والتعريف بالأعلام والفرق، ونسبة الأبيات الشعرية إلى قائليها، وإذا كانت هناك مسائل تحتاج إلى زيادة شرح وبسط، أحلت القارئ إلى المصادر التي يمكن الاستفادة منها. ٥- ولما كان..... لا يضع عناوين لموضوعات الكتاب، فإني قد وضعت عناوين لجزئيات المسائل، وذلك لسائر الفصول، إعانة للطالب والباحث على استخراج ما يريده بأيسر الطرق.

стр. 44

وحتى يتضح أن هذه العناوين ليست من عمل المؤلف، وضعتها بين معقوفين، كما هو المتبع في قواعد التأليف والتحقيق. وقد اعتمدت في نسخ الكتاب على النسخة التي عليها تعليقات الشيخ عبد القادر بن مصطفى بدران، وإذا كان هناك خطأ صححته من نسختي: الدكتور عبد العزيز بن عثمان السعيد، والدكتور عبد الكريم النملة -يحفظهما الله-، أو من المستصفى، وأشرت إلى ذلك في الهامش. وأسأل الله -تعالى- أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به على قدر إخلاصي فيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد وآله وصحبه وسلم. شعبان بن محمد إسماعيل مكة المكرمة، المحرم ١٤١٦هـ.

стр. 45

مقدمة المجلد الأول مدخل ... روضة الناظر وجنة المناظر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب زدني علمًا وفهمًا الحمد لله العلي الكبير، العليم القدير، الحكيم الخبير، الذي جلّ عن الشبيه والنظير، وتعالى عن الشريك والوزير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١. وصلى الله على رسوله محمد البشير النذير، السراج المنير، المخصوص بالمقام المحمود٢، والحوض المورود٣، في اليوم العبوس القمطرير٤، وعلى آله وأصحابه الأطهار النجباء الأخيار، وأهل

стр. 46

بيته الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس، وخصهم بالتطهير، وعلى التابعين لهم بإحسان، والمقتدين بهم في كل زمان. أما بعد١. فهذا الكتاب نذكر فيه "أصول الفقه" والاختلاف فيه، ودليل كل قول على المختار، ونبيّن من ذلك ما نرتضيه، ونجيب [على] من خالفنا فيه. بدأنا بمقدمة لطيفة في أوله، ثم أتبعناها ثمانية أبواب: الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه. الثاني: في تفصيل الأصول، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاستصحاب. الثالث: في بيان الأصول المختلف فيها. الرابع: في تقاسيم الكلام والأسماء. الخامس: في الأمر والنهي، والعموم، والاستثناء، والشرط، وما يقتبس من الألفاظ، من إشارتها وإيمائها. السادس: في "القياس" الذي هو فرع للأصول.

стр. 47

السابع: في حكم "المجتهد" الذي يستثمر الحكم من هذه الأدلة، و"المقلد". الثامن: في ترجيحات الأدلة المتعارضة. ونسأل الله -تعالى- أن يعيننا فيما نبتغيه، ويوفقنا في جميع الأحوال لما يرضيه، ويجعل عملنا صالحًا، ويجعله لوجهه خالصًا، بمنّه ورحمته. [معنى الفقه والأصول] واعلم أنك لا تعلم معنى "أصول الفقه" قبل معرفة معنى "الفقه". والفقه في أصل الوضع١: الفهم. قال الله تعالى: -إخبارًا عن موسى ﵇: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ٢.

стр. 48

وفي عرف الفقهاء: العلم بأحكام الأفعال الشرعية، كالحل والحرمة، والصحة والفساد ونحوها١. فلا يطلق اسم "الفقيه" على متكلم، ولا محدّث، ولا مفسر، ولا نحوي٢. وأصول الفقه: أدلته الدالة عليه من حيث الجملة لا من حيث التفصيل٣ فإن الخلاف يشتمل على أدلة الفقه، لكن من حيث التفصيل،

стр. 49

كدلالة حديث خاص على مسألة "النكاح بلا ولي"١. والأصول لا يتعرض فيها لآحاد المسائل، إلا على طريق ضرب المثال، كقولنا: الأمر يقتضي الوجوب ونحوه. فبهذا يخالف أصول الفقه فروعه٢. ونظر الأصولي في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية، والمقصود: اقتباس الأحكام من الأدلة.

стр. 50

ال مقدمة ١: اعلم أن مدارك العقول تنحصر في الحد والبرهان؛ وذلك لأن إدراك العلوم على ضربين: إدراك الذوات المفردة، كعلمك بمعنى العالَم، والحادث، والقديم. والثاني: إدراك نسبة هذه المفردات بعضها إلى بعض، نفيًا وإثباتًا. فإنك تعلم أولًا معنى: العالَم، والحادث، والقديم، مفردة، ثم تنسب مفردًا إلى مفرد، فتنسب الحادث إلى العالم بالإثبات، فتقول: العالم حادث، وتنسب القديم إليه بالنفي، فتقول: العالم ليس بقديم. والضرب الأول: يستحيل التصديق والتكذيب فيه، إذ لا يتطرق إلا

стр. 51

إلى خبر وأقل ما يتركب منه الخبر مفردان. والضرب الثاني: يتطرق إليه التصديق والتكذيب. وقد سمى قوم الضرب الأول تصوّرًا، والثاني تصديقًا وسمى آخرون الأول. معرفة، والثاني علمًا. وسمى النحويون الأول: مفردًا والثاني جملة. وينبغي أن يعرف البسيط قبل مركبه١، فإن من لا يعرف المفرد كيف يعرف المركب، ومن لا يعرف معنى "العالَم" و"الحادث" كيف يعرف أن "العالم حادث"؟ ومعرفة المفردات قسمان: أوّلي: وهو الذي يرتسم معناه في النفس من غير بحث وطلب، كالموجود، والشيء. ومطلوب: وهو الذي يدل اسمه على أمر جُملي غير مفصّل. والثاني: قسمان أيضًا: أولي: كالضروريات. ومطلوب: كالنظريات٢.

стр. 52

فالمطلوب من المعرفة لا يقتنص١ إلا بالحد. والمطلوب من العلم لا يقتنص إلا بالبرهان. فلذلك قلنا: مدارك العقول تنحصر فيهما.

стр. 53

فصل: "في أقسام الحد " والحد ينقسم ثلاثة أقسام: حقيقي، ورسمي، ولفظي٢. [الحد الحقيقي، وشروطه] فالحقيقي: هو القول الدال على ماهية الشيء. والماهية: ما يصلح جوابًا للسؤال بصيغة "ما هو". فإنّ صيغ السؤال التي تتعلق بأمهات المطالب أربعة: أحدها: "هل" يطلب بها إما أصل الوجود، وإما صفته. والثاني: "لِمَ" سؤال عن العلة، جوابه بالبرهان. والثالث: "أيّ" يطلب بها تمييز ما عرف جملته.

стр. 54

والرابع: "ما" وجوابه بالحد. وسائر صيغ السؤال كمتى، وأيان، وأين، يدخل في مطلب "هل"؛

стр. 55

إذ المطلوب به صفة الوجود. والكيفية: ما يصلح جوابًا للسؤال بكيف؟ والماهية تتركب من الصفات الذاتية. والذاتي١: كل وصف يدخل في حقيقة الشيء دخولًا لا يتصور فهم معناه بدون فهمه، كالجسمية للفرس، واللونية للسواد، إذ من فهم "الفرس" فهم جسمًا مخصوصًا، فالجسمية داخلة في ذات الفرسية، دخولًا به قوامها في الوجود، والعقل لو قدَّر عدمها بطل وجود الفرس، ولو خرجت عن الذهن بطل فهم الفرس. والوصف اللازم: ما لا يفارق الذات، لكن فهم الحقيقة غير موقوف عليه، كالظل للفرس عند طلوع الشمس، فإنه لازم غير ذاتي؛ إذ فهم حقيقة الفرس غير موقوف على فهمه، وكون الفرس مخلوقة، أو موجودة، أو طويلة، أو قصيرة، كلها لازمة لها غير ذاتية، فإنك تفهم حقيقة الشيء وإن لم تعلم وجوده. وأما الوصف العارض: فيما ليس من ضرورته أن يلازم، بل تتصور مفارقته، إما سريعًا كحمرة الخجل، أو بطيئًا كصفرة الذهب. والصبا، والكهولة٢ والشيخوخة، أوصاف عرضية؛ إذ لا يقف فهم الحقيقة على فهمها، وتتصور مفارقتها.

стр. 56

[تقسيم الأوصاف الذاتية] ثم الأوصاف الذاتية تنقسم إلى جنس وفصل: فالجنس: هو الذاتي المشترك بين شيئين فصاعدًا مختلفين بالحقيقة. ثم هو منقسم إلى عام، لا أعم منه، كالجوهر١، ينقسم إلى جسم وغير جسم. والجسم ينقسم إلى نام وغيره. والنامي ينقسم إلى حيوان وغيره. والحيوان ينقسم إلى آدمي وغيره. وإلى خاص، لا أخص منه، كالإنسان. ولا عم من الجوهر إلا الموجود، وليس بذاتي٢.

стр. 57

ولا أخص من الإنسان إلا الأحوال العرضية، من الطول، والقصر، والشيخوخة ونحوها. والفصل: ما يفصله عن غيره، ويميزه به، كالإحساس في الحيوان، فإنه يشارك الأجسام في الجسمية، والإحساس يفصله عن غيره. [شروط الحد] فيشترط في الحد: أن يذكر الجنس والفصل معًا. وينبغي أن يذكر الجنس القريب، ليكون أدل على الماهية، فأنك إن اقتصرت على ذكر البعيد بعدت، وإن ذكرت القريب معه كررت، فلا تقل -في حد الآدمي-: "جسم ناطق" بل حيوان ناطق، وقل -في حد الخمر- "شراب مسكر" ولا تقل "جسم مسكر". ثم ينبغي أن يقدم ذكر الجنس على الفصل، فلا تقل -في حد الخمر-: "مسكر شراب"، بل العكس. وهذا لو ترك لشوّش النظم، ولم يخرج عن الحقيقة. وإذا كان للمحدود ذاتيات متعددة فلا بد من ذكر جميعها؛ ليحصل بيان الماهية. وينبغي أن يفصل بالذاتيات، ليكون الحد حقيقيًّا، فإن عسر ذلك عليك فاعدل إلى اللوازم، لكي يصير رسميًّا، وأكثر الحدود رسمية، لعسر درك الذاتيات١.

стр. 58

واحترزْ من إضافة الفصل إلى الجنس، فلا تقل في حد الخمر: "مسكر الشراب" فيصير الحد لفظيًّا غير حقيقي. وأبعد من هذا: أن تجعل مكان الجنس شيئًا كان وزال، فتقول في الرماد: "خشب محترق" فإن الرماد ليس بخشب١. [الحد الرسمي وشروطه] وأما الحد الرسمي: فهو اللفظ الشارح للشيء بتعديد أوصافه الذاتية واللازمة، بحيث يطرد وينعكس، كقوله، -في حد الخمر-: "مائع يقذف

стр. 59

بالزبد، يستحيل إلى الحموضة، ويحفظ في الدَّن"١. تجمع من عوارضه ولوازمه ما يساوي بجملته الخمر، بحيث لا يخرج منه خمر، ولا يدخل فيه غير خمر. واجتهد أن يكون من اللوازم الظاهر المعروفة. ولا يحد الشيء بأخفى منه. ولا بمثله في الخفاء. ولا تحد شيئًا بنفي ضده، فتقول في الزوج: "ما ليس بفرد" وفي الفرد: "ما ليس بزوج" فيدور الأمر، ولا يحصل بيان. واجتهد في الإيجاز -ما استطعت- فإن احتجت فاطلب منها ما هو أشد مناسبة للغرض٢.

стр. 60

[الحد اللفظي وشرطه] وأما الحد اللفظي: فهو شرح اللفظ بلفظ أشهر منه: كقولك: في العقار١: "الخمر"، وفي الليث: "الأسد". ويشترط: أن يكون الثاني أظهر من الأول. واسم الحد شامل لهذه الأقسام الثلاثة٢، لكن الحقيقي هو الأول؛ فإن معنى "الحد" يقرب من معنى حد الدار، وللدار جهات متعددة إليها ينتهي الحد، فتحديدها بذكر جهاتها المختلفة المتعددة التي الدار محصورة بها مشهورة. وإذا سأل عن حد الشيء فكأنه يطلب المعاني والحقائق التي بائتلافها تتم حقيقة ذلك الشيء، وتتميز به عما سواه، فلذلك لم يسم "اللفظي" و"الرسمي" حقيقيًّا، وسمى الجميع باسم "الحد" لأنه جامع مانع؛ إذ هو مشتق من المنع، ولذلك سمى البواب حدّادًا؛ لمنعه من الدخول والخروج. فحدُّ الحدِّ إذا: الجامع المانع [تعريف الحد الحقيقي] واختلف في حد الحد الحقيقي:

стр. 61

فقيل: هو اللفظ المفسر لمعنى المحدود على وجهٍ يجمع ويمنع. وقيل: القول الدال على ماهية الشيء١. وحدّه قوم: بأنه نفس الشيء وذاته٢. وهذا لا معارضة بينه وبين ما ذكرناه؛ لكون المحدود ههنا غير المحدود ثَمَّ، وإنما يقع التعارض بعد التوارد على شيء واحد٣. بيانه: أن الموجود له في الوجود أربع مراتب: الأولى: حقيقته في نفسه.

стр. 62

الثانية: ثبوت مثال حقيقته في الذهن، وهو المعبر عنه بالعلم١. الثالثة: اللفظ المعبّر عما في النفس٢. الرابعة: الكناية عن اللفظ. وهذه الأربعة متوازية متطابقة. فإذًا: المحدود في أحد الجانبين غير المحدود في الآخر، فلا معارضة بينهما والله أعلم.

стр. 63

فصل: [في أن تعذر البرهان على الحد لا يمنع صحته] وزعم أهل هذا العلم١ أن الحد لا يمنع لتعذر البرهان على

стр. 64

صحته، فإن الحد أقل ما يتركب من مفردين، فيحتاج في البرهان عن كل مفرد إلى حد يشتمل على مفردين، ثم يتسلسل ذلك إلى أن يصير إلى الأوليات المعلومة ضرورة، لكن قل ما يمكن إنهاؤه إليها، والنظر وضع للتعاون على إظهار الحق، فلا يوضع على وجه لا يمكن إثباته أو يعسر، بل طريق الاعتراض عليه بالنقض أو المعارضة١، بحد آخر. فإن عجز المستدل عن نقض حد المعترض كان منقطعًا، وإن أبطله صح حده. مثاله: قولنا -في حد الغصب-: "إثبات اليد العادية على مال الغير". فربما قال الحنفي: لا نسلم أن هذا هو الحد الغصب. قلنا: هو مطرد منعكس، فما الحد عندك؟ فيقول: "إثبات اليد العادية المزيلة لليد المحقّة". قلنا: يبطل بالغاصب من الغاصب، فإنه غاصب يضمن للمالك، ولم يُزل اليد المحقة، فإنها كانت زائلة.

стр. 65

فصل: في البرهان ١ وهو الذي يتوصل به إلى العلوم التصديقية المطلوبة بالنظر. وهو عبارة عن أقاويل مخصوصة، ألفت تأليفًا مخصوصًا بشرط يلزم منه رأي هو مطلوب الناظر، وتسمى هذه الأقاويل مقدمات٢. ويتطرق الخلل إلى البرهان من جهة المقدمات تارة، ومن جهة التركيب تارة، ومنهما تارة، على مثال البيت المبني: تارة يختل لعوج

стр. 66

الحيطان، وانخفاض السقف إلى قرب من الأرض، وتارة لشعث١ اللبنات، أو رخاوة الجذوع، وتارة لهما جميعًا. فمن يريد نظم البرهان يبتدئ أولًا بالنظر في الأجزاء المفردة، ثم في المقدمات التي فيها النظم والترتيب. وأقل ما يحصّل منه المقدمة: مفردان. وأقل ما يحصّل منه البرهان: مقدمتان، ثم يجمع المقدمتين فيصوغ منهما برهانًا، وينظر كيفية الصياغة٢.

стр. 67

فصل: في كيفية دلالة الألفاظ على المعنى ... فصل: [في كيفية دلالة الألفاظ على المعاني] واعلم أن دلالة الألفاظ على المعنى تنحصر في: المطابقة، والتضمن، واللزوم.

стр. 68

فالمطابقة: كدلالة لفظ "البيت" على معنى البيت. والتضمن: كدلالته على السقف، ودلالة لفظ "الإنسان" على الجسم. واللزوم: كدلالة لفظ "السقف" على الحائط؛ إذ ليس جزءًا من السقف، لكنه لا ينفك عنه، فهو كالرفيق الملازم، ولا يستعمل في نظر العقل ما يدل بطريق اللزوم؛ لأن ذلك لا ينحصر في حد؛ إذ السقف يلزم الحائط، والحائط: الأس١، والأس الأرض، فلا ينحصر، بل اقتصرْ على الأولين: المطابقة والتضمن٢. [تقسيم اللفظ، من حيث التعيين وعدمه] ٣ ثم اللفظ ينقسم إلى ما يدل على معين كزيد وهذا الرجل.

стр. 69

وحدّه: اللفظ الذي لا يمكن أن يكون مفهومه إلا ذلك الواحد. وإلى ما يدل على واحد من أشياء كثيرة، تتفق في معنى واحد، يسمى "مطلقًا" كقولنا: فرس، ورجل. فإن دخلت عليه الألف واللام صار عامًا١ يتناول جميع ما يقع عليه ذلك. فإن قيل: فالسماء، والأرض، والإله، والشمس، والقمر، مدلولها مفرد مع الألف واللام؟ قلنا: امتناع الشركة لم يكن لوضع اللفظ، بل لاستحالة وجود المشارك؛ إذ الشمس في الوجود واحدة، ولو فرضنا عوالم في كل واحد شمس، كان قولنا: الشمس شاملًا للكل. [تقسيم الألفاظ المتعددة المعاني باعتبار مسمياتها] ثم تنقسم الألفاظ إلى: مترادفة، ومتباينة، ومتواطئة، ومشتركة. فالمترادفة: أسماء مختلفة لمسمّى واحد، كالليث والأسد، والعقار والخمر.

стр. 70

فإن كان أحدهما يدل على المسمى مع زيادة لم يكن من المترادفة، كالسيف، والمهنّد، والصارم؛ فإن المهنّد يدل على السيف مع زيادة نسبته إلى الهند، والصارم يدل عليه مع صفة الحدَّة، فخالف إذا مفهومه مفهوم السيف١. والمتباينة: الأسماء المختلفة للمعاني المختلفة، كالسماء والأرض، وهي الأكثر. وأما المتواطئة: فهي الأسماء المنطلقة على أشياء متغايرة بالعدد، متفقة في المعنى الذي وضع الاسم عليها، كالرجل: ينطلق على زيد، وعمرو، والجسم: ينطلق عليهما وعلى السماء والأرض، لاتفاقهما في معنى الجسمية. وأما المشتركة: فهي الأسماء المنطلقة على مسميات مختلفة بالحقيقة، كالعين للعضو الناظر، والذهب٢. وقد يقع على المتضادين: كالجليل، للكبير والصغير، والجون: للأسود والأبيض، والقرء: للحيض والطهر، والشفق: للبياض والحمرة. وقد يقرب المشترك من المتواطئ، كالحي، يقع على الحيوان والنبات، فيظن أنه من المتواطئ، وهو من المتشرك؛ إذ المراد من حياة

стр. 71

النبات: الذي يحصل به نماؤه، ومن الحيوان: الذي يحس به ويتحرك بالإرادة، فيسمى هذا مشتبهًا. والمختار: يطلق على القادر على الفعل وتركه، فلذلك يصح تسمية المكره مختارًا، ويطلق على من تخلَّى في استعمال قدرته ودواعي ذاته١. فلا تحرك دواعيه من خارج، وهذا غير موجود في المكره، فليفهم هذا. وله نظائر في النظريات تاهت فيها عقول كثير من الضعفاء، فليستدل بالقليل على الكثير.

стр. 72

فصل: في النظر في المعاني سبب الإدراك يسمى قوة١. المعاني المدركة ثلاثة: محسوسة، ومتخيلة، ومعقولة.

стр. 73

ففي حدقتك١ معنى تميزت به عن الجبهة حتى صرت تبصر بها، تسمى قوة باصرة. وشرط البصر: وجود المبصَر، فإذا أبصرت شيئًا فهو محسوس بحاسة البصر، فإذا انعدم المبصَر انعدم الإبصار، وبقيت صورته في دماغك كأنك تنظر إليها، فيسمى ذلك تخيّلًا، فغيبة الشيء تنفي الإبصار، ولا تنفي التخيل. ولما كنت تحس التخيل في دماغك، فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة تهيؤ للتخيل، تباين بها بقية الأعضاء، كمباينة العين لها. وهذه القوة٢ يشارك فيها الإنسان البهيمة، فمهما رأى الفرسُ الشعير تذكر صورته، فيعرف أنه موافق له مستلذ لديه، ولو لم تثبت الصورة في خياله لم يبادر إليه، ما لم يجرّبه بالذوق مرة أخرى. ثم فيك قوة ثالثة تباين البهيمة بها، تسمى "عقلًا" محلها القلب٣، تباين قوة التخيل، أشد من مباينة قوة التخيل قوة الإبصار.

стр. 74

ثم فيك قوة رابعة: تسمى "المفكّرة" شأنها أن تقدر على تفصيل الصورة التي في الخيال، وتقطيعها وتركيبها، وليس لها إدراك شيء آخر، بل إذا خطر في الخيال صورة إنسان قدر أن يجعلها نصفين: نصفٌ إنسان، ونصفٌ فرس، وربما صوّر إنسانًا يطير إذا ثبت في الخيال صورة الإنسان والطيران مفردين، والمفكرة تجمع بينهما، كما تفرق بين نصفي الإنسان، وليس لها أن تخترع صورة لا مثل لها.

стр. 75

فصل: في تأليف مفردات المعاني ١ والتأليف بين مفردين لا يخلو: إما أن ينسب أحدهما إلى الآخر بنفي أو إثبات، كقولنا: "العلم حادث" و"العالم ليس بقديم". يسمي النحويون الأول: مبتدأ، والثاني خبرًا٢. ويسميه الفقهاء:
следующие страницы →