← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

النبات: الذي يحصل به نماؤه، ومن الحيوان: الذي يحس به ويتحرك بالإرادة، فيسمى هذا مشتبهًا. والمختار: يطلق على القادر على الفعل وتركه، فلذلك يصح تسمية المكره مختارًا، ويطلق على من تخلَّى في استعمال قدرته ودواعي ذاته١. فلا تحرك دواعيه من خارج، وهذا غير موجود في المكره، فليفهم هذا. وله نظائر في النظريات تاهت فيها عقول كثير من الضعفاء، فليستدل بالقليل على الكثير.

стр. 72

فصل: في النظر في المعاني سبب الإدراك يسمى قوة١. المعاني المدركة ثلاثة: محسوسة، ومتخيلة، ومعقولة.

стр. 73

ففي حدقتك١ معنى تميزت به عن الجبهة حتى صرت تبصر بها، تسمى قوة باصرة. وشرط البصر: وجود المبصَر، فإذا أبصرت شيئًا فهو محسوس بحاسة البصر، فإذا انعدم المبصَر انعدم الإبصار، وبقيت صورته في دماغك كأنك تنظر إليها، فيسمى ذلك تخيّلًا، فغيبة الشيء تنفي الإبصار، ولا تنفي التخيل. ولما كنت تحس التخيل في دماغك، فاعلم أن في الدماغ غريزة وصفة تهيؤ للتخيل، تباين بها بقية الأعضاء، كمباينة العين لها. وهذه القوة٢ يشارك فيها الإنسان البهيمة، فمهما رأى الفرسُ الشعير تذكر صورته، فيعرف أنه موافق له مستلذ لديه، ولو لم تثبت الصورة في خياله لم يبادر إليه، ما لم يجرّبه بالذوق مرة أخرى. ثم فيك قوة ثالثة تباين البهيمة بها، تسمى "عقلًا" محلها القلب٣، تباين قوة التخيل، أشد من مباينة قوة التخيل قوة الإبصار.

стр. 74

ثم فيك قوة رابعة: تسمى "المفكّرة" شأنها أن تقدر على تفصيل الصورة التي في الخيال، وتقطيعها وتركيبها، وليس لها إدراك شيء آخر، بل إذا خطر في الخيال صورة إنسان قدر أن يجعلها نصفين: نصفٌ إنسان، ونصفٌ فرس، وربما صوّر إنسانًا يطير إذا ثبت في الخيال صورة الإنسان والطيران مفردين، والمفكرة تجمع بينهما، كما تفرق بين نصفي الإنسان، وليس لها أن تخترع صورة لا مثل لها.

стр. 75

فصل: في تأليف مفردات المعاني ١ والتأليف بين مفردين لا يخلو: إما أن ينسب أحدهما إلى الآخر بنفي أو إثبات، كقولنا: "العلم حادث" و"العالم ليس بقديم". يسمي النحويون الأول: مبتدأ، والثاني خبرًا٢. ويسميه الفقهاء:

стр. 76

حكمًا ومحكومًا عليه. ويسمى الجميع قضية. والقضايا أربع: قضية في عين نحو: "زيد عالم". وقضية مطلقة نحو: "بعض الناس عالم". وقضية عامة كقولنا: "كل جسم متحيز". وقضية مهملة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾

стр. 77

وربما وضع بعض المغالطين المهملة موضع العامة، كقول الشافعية: "المطعوم ربوي" دليله: البر والشعير. فيقال: إن أردت كل مطعوم فما دليله؟ والبر والشعير ليس كل المطعومات. وإن أردت البعض لم تلزم النتيجة؛ إذ يحتمل أن السفرجل من البعض ليس بربوي١.

стр. 78

فصل: [في مقدمتي البرهان وأضربه] وقد ذكرنا أن البرهان مقدمتان يتولد منهما نتيجة، ولا يسمى برهانًا إلا إذا كانت المقدمتان قطعية، فإن كانت مظنونة سميت قياسًا فقهيًا، وإن

стр. 79

كانت مسلمة سميت قياسًا جدليًّا، وتسميتها قياسًا مجاز؛ إذ حاصله: إدراج خصوص تحت عموم: والقياس تقدير شيء بشيء آخر١. والبرهان على خمسة أضرب: الأول٢: قولنا: كل نبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فيلزم منه أن كل نبيذ حرام ضرورة، متى سلمت المقدمتان؛ إذ كل عقل صدّق بالمقدمتين صدّق بالنتيجة مهما أحضرهما في الذهن. ووجه دلالته: أنا جعلنا المسكر صفة للنبيذ، ثم حكمنا على الصفة بالتحريم، فبالضرورة يدخل الموصوف فيه. ولو بطل قولنا "النبيذ حرام" مع كونه مسكرًا، بطل قولنا: "كل مسكر حرام".

стр. 80

ثم اعلم أن كل واحدة من المقدمتين تشتمل على جزئين: مبتدأ وخبر. فتصير أجزاء البرهان أربعة أمور، منها واحد مكرر في المقدمتين، فتعود إلى ثلاثة؛ إذ لو بقيت أربعة لم تشترك المقدمتان في شيء واحد١. مثل قولنا: "النبيذ مسكر" و"المغصوب مضمون" لم ترتبط إحداهما بالأخرى. ويسمى المكرر علة، فإنه لو قيل لك: لم حرمت النبيذ؟ قلت: لأنه مسكر. ويسمى ما جرى مجرى النبيذ محكومًا عليه. وما جرى مجرى الحرام حكمًا. وما يشتمل على المحكوم عليه: المقدمة الأولى. وما يشتمل على الحكم: المقدمة الثانية. ولهذا الضرب شرطان٢:

стр. 81

أحدهما: أن تكون الأولى مثبتة، ولو كانت منفية لم تنتج. والثاني: أن تكون الثانية عامة، ليدخل فيها المحكوم عليه بسبب عمومها. فلو قلت: "النبيذ مسكر، وبعض المسكر حرام" لم يلزم تحريم النبيذ. الضرب الثاني: أن تكون العلة حكمًا في المقدمتين، كقولنا: "لا يقتل المسلم بالكافر"١؛ لأن الكافر غير مكافئ، وكل من يقتل به مكافء. فهذه ثلاثة معان: "مكافء" و"يقتل به" والثالث: "الكافر".

стр. 82

والمكرر: "المكافئ" فهو العلة، وهو الحكم في المقدمة الأولى. وخاصية هذا النظم: أنه لا ينتج إلا قضية نافية١. ولهذا الضرب شرطان: أحدهما: أن تختلف المقدمتان في النفي والإثبات٢. والثاني: أن تكون الثانية عامة. الضرب الثالث: أن تكون العلة مبتدأ بها في المقدمتين٣. وتسميه الفقهاء نقضًا، وينتج نتيجة خاصة، كقولنا: كل سواد عرض، وكل سواد لون، فيلزم منه: أن بعض العرض لون. ومن الفقه٤: كل بر مطعوم، وكل بر ربوي، فيلزم منه أن بعض المطعوم ربوي.

стр. 83

الضرب الرابع: التلازم١: ومثاله: إن كانت هذه الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن الصلاة صحيحة، فيلزم أن المصلي متطهر. أو نقول: إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن المصلي غير متطهر، فيلزم أن الصلاة غير صحيحة. ووجه دلالة هذه الجملة: أنه جعل الطهارة شرطًا لصحة الصلاة، فيلزم من وجود المشروط وجود الشرط، ومن انتفاء الشرط انتفاء المشروط، ولا يلزم العكس٢. فلو قال: إن كانت الصلاة صحيحة فالمصلي متطهر، ومعلوم أن المصلي متطهر لم يصح؛ إذ قد تفسد الصلاة بأمر آخر. وكذلك لو قال: "ومعلوم أن الصلاة غير صحيحة" لا يلزم منه شيء؛ إذ لا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، ولا من انتفاء المشروط انتفاء الشرط. وتحقيقه: أنه متى جعل شيء لازمًا لشيء، فيجب أن يكون اللازم أعم من الملزوم، أو مساويًا له، إذ ثبوت الأخص يوجب ثبوت الأعم ضرورة، وانتفاء الأعم يوجب انتفاء الأخص، ولا يلزم من ثبوت الأعم ثبوت الأخص، ولا من انتفاء الأخص انتفاء الأعم. ومثاله: إذا قلنا: كل حيوان جسم، فيلزم من ثبوت الحيوان ثبوت الجسم، ومن انتفاء الحيوان، ولم يلزم العكس٣.

стр. 84

فذلك قلنا: إنه يلزم من صحة الصلاة التطهر، ومن انتفاء التطهر انتفاء الصلاة، ولم يلزم من نفي صحة الصلاة انتفاء التطهر؛ ولا من وجود التطهر وجود الصحة، لكون التطهر أعم من الصلاة. أما إذا كان أحدهما مساويًا للآخر، فيلزم الوجود بالوجود، والانتفاء بالانتفاء؛ لاستحالة تفارقهما، وهذا ظاهر. كقولنا: إن كان زنا المحصن موجودًا فالرجم واجب، ومعلوم أن الرجم واجب، فيكون الزنا موجودًا، ولكنه غير واجب، فلا يكون الزنا موجودًا، لكن الزنا غير موجود، فلا يكون الرجم واجبًا. وكذا كل معلول له علة واحدة١. الضرب الخامس: السبر والتقسيم٢: كقولنا: العالم إما حادث وإما قديم، لكنه حادث، فليس بقديم، أو لكنه قديم فليس بحادث، أو لكنه ليس بحادث، فهو قديم.

стр. 85

وفي الجملة: كل نقيضين ينتج إثبات أحدهما نفي الآخر، ونفيه إثبات الآخر. ولا يشترط انحصار القضية في قمسين، لكن من شرطه: استفياء أقسامه١. أما إذا لم يحصر: احتمل أن الحق في قسم آخر. فإن كانت ثلاثة، كقولنا: العدد مساو، أو أقل، أو أكثر، فإثبات واحد ينتج نفي الآخرين، ونفي الآخرين ينتج إثبات الثالث، وإبطال واحد ينتج: انحصار الحق في الآخرين.

стр. 86

فصل: [في أسباب مخالفة البرهان أو القياس] وجميع الأدلة في أقسام العلوم ترجع إلى ما ذكرناه. وحيث تذكر لا على هذا النظم فهو: إما لقصور، وإما لإهمال إحدى المقدمتين٢.

стр. 87

ثم إهمالهما إما لوضوحهما، وهو الغالب في الفقهيات. كقول القائل: هذا يجب رجمه؛ لأنه زنا وهو محصن، وترك المقدمة الأولى لاشتهارها، وهي: كل١ من زنا وهو محصن فعليه الرجم. وأكثر أدلة القرآن على هذا. قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢. فترك: أنهما لم تفسدا للعلم به٣. وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ ٤. ثم قد يكون الإهمال للمقدمة الأولى، وقد يكون للثانية. وقد تترك إحدى المقدمتين للتلبيس على الخصم، وذلك بترك المقدمة التي يعسر إثباتها، أو ينازعه الخصم فيها، استغفالًا للخصم واستجالًا له، خشية أن يصرح بها فيتنبه ذهن خصمه لمنازعته فيها. وعادة الفقهاء إهمال إحدى المقدمتين، فيقولون في تحريم النبيذ:

стр. 88

النبيذ مسكر، فكان حرامًا كالخمر١، ولا تنقطع المطالبة عنه ما لم يردّ إلى النظم الذي ذكرناه -والله أعلم-.

стр. 89

فصل: [في اليقين ومداركه] اليقين: ما أذعنت النفس إلى التصديق به، وقطعت به، وقطعت بأن قطعها به صحيح، بحيث لو حُكي لها عن صادق خلافه لم تتوقف في تكذيب الناقل١. كقولنا: الواحد أقل من الاثنين، وشخص واحد لا يكون في مكانين٢، ولا يتصور اجتماع ضدين٣.

стр. 90

ولنا حالة ثانية، وهي: أن تصدق بالشيء تصديقًا جزميًّا لا تتمارى فيه، ولا تشعر بنقيضه البتَّة، ولو شعرت بنقيضه عسر إذعانها للإصغاء، لكن لو ثبتت وأصغت وحكى لها نقيضه عن صادق أورث ذلك توقفًا عندها. وهذا اعتقاد أكثر الخلق، وكافة الخلق يسمون هذا يقينًا، إلا آحادًا من الناس. فأما ما للنفس سكون إليه وتصديق به، وهي تشعر بنقيضه أو لا تشعر، لكن إن شعرت به لم ينفر طبعها عن قبوله، فهو يسمى ظنًّا١.

стр. 91

وله درجات في الميل إلى النقصان والزيادة لا تحصى، فمن سمع من عدل شيئًا سكنت نفسه إليه، فإن انضاف إليه ثان زاد السكون حتى يصير يقينًا، وبعض الناس يسمي هذا يقينًا أيضًا١. [مدارك اليقين] ومدارك النفس خمسة: الأول- الأوليات: وهي: العقليات المحضة التي قضى العقل بمجرده بها، من غير استعانة بحس وتخيل٢، كعلم الإنسان بوجود نفسه، وأن القديم ليس بحادث، واستحالة اجتماع الضدين، فهذه القضايا تصادف مرتسمة في النفس٣، حتى يظن أنه لم يزل عالمًا بها، ولا يدري متى تجدد، ولا يقف حصولها على أمر سوى مجرد العقل.

стр. 92

الثاني- المشاهدات الباطنة: كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وسائر أحواله الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس، فليست حسية، ولا هي عقلية؛ إذ تدركها البهيمة والصبي. والأوليات لا تكون للبهائم. الثالث- المحسوسات الظاهرة: وهي: المدركة بالحواس الخمس، وهي: البصر، والسمع، والذوق، والشم، واللمس. فالمدرك بواحد منها يقيني، كقولنا: الثلج أبيض، والقمر مستدير، وهذا واضح. لكن يتطرق الغلط إليها لعوارض: كتطرق الغلط إلى الإبصار، لبعد أو قرب مفرط، أو ضعف في العين وخفاء في المرئي. وكذلك ترى الظل ساكنًا وهو متحرك، وكذلك الشمس، والقمر، والنجوم، والصبي، والنبات، هو في النمو لا يتبين ذلك. وأسباب الغلط في الأبصار المستقيمة١ منها: الانعكاس كما في المرآة، والانعطاف، كما يرى ما وراء البلور والزجاج وغير ذلك. الرابع- التجريبيات: ويعبر عنها باطراد العادات: ككون النار محرقة، والخبز مشبع، والماء مرو، والخمر مسكر، والحجر هاو، وهي يقينية عند من جربها.

стр. 93

وليست هذه محسوسة؛ فإن الحس شاهد حجرًا يهوي بعينه، أما أن كل حجر هاو، فقضية عامة لم يشاهدها، وليس للحس إلا قضية في عين. الخامس- المتواترات: كالعلم بوجود مكة وبغداد. وليس هو بمحسوس، إنما للحس أن يسمع، أما صدق المخبر فذلك إلى العقل. فهذه الخمسة مدارك اليقين. فأما ما يتوهم أنه منها وليس منها: فالوهميات١، والمشهورات. وهي آراء محمودة توجب التصديق بها٢، إما شهادة الكل، أو الأكثر، أو جماعة من الأفاضل، كقولك: الكذب قبيح، وكفران المنعم، وإيلام البريء قبيح، والإنعام، وشكر المنعم، وإنقاذ الهلكى حسن.

стр. 94

فصل: في لزوم النتيجة من المقدمتين اعلم أنك إذا جمعت بين مفردين، ونسبت أحدهما إلى الآخر، كقولك: "النبيذ حرام" فلم يصدق بينهما العقل، فلا بد من واسطة بينهما تنسب إلى المحكوم عليه، فتكون حكمًا له، وتنسب إلى الحكم فتصير حكمًا له، فيصدق العقل به، فليزم -ضروة- التصديق بنسبة الحكم إلى المحكوم عليه. بيانه: إذا قال: "النبيذ حرام" فمنع وطلب واسطة ربما صدّق العقل

стр. 95

بوجودها في النبيذ، وصدق بوصف الحرام لتلك الواسطة، فيقول: النبيذ مسكر؟ فيقول: نعم. إذا كان قد علم ذلك بالتجربة. فيقول: وكل مسكر حرام؟ فيقول: نعم إذا كان حصل ذلك بالسماع، فيلزم التصديق بأن النبيذ حرام١. فإن قيل: فهذه القضية ليست خارجة عن القضيتين٢؟ قلنا: هذا غلط؛ فإن قولك: "النبيذ حرام" غير قولك: "النبيذ مسكر" وغير قولك: "المسكر حرام"، بل هذه ثلاث مقدمات مختلفات لا تكرير فيها. لكن قولك: "المسكر حرام" شمل "النبيذ" بعمومه، فدخل "النبيذ" فيه بالقوة، لا بالفعل؛ إذ قد يخطر العام في الذهن، ولا يخطر الخاص، فمن قال: "الجسم متحيز" قد لا يخطر بباله ذكر القطب، فضلًا عن أن يخطر بباله -مع ذلك- أنه متحيز، فالنتيجة موجودة في إحدى المقدمتين بالقوة القريبة، لا تخرج إلى الفعل بمجرد العلم بالمقدمتين، ما لم يحضر المقدمتين في الذهن، ويخطر بباله وجه وجود النتيجة في المقدمتين بالقوة. ولا يبعد أن ينظر الناظر إلى بغلة منتفخة البطن فيظن أنها حامل. فيقال: هل تعلم أن هذه البغلة عاقر؟ فيقول: نعم. فيقال: وهل تعلم أن

стр. 96

هذه بغلة؟ فيقول: نعم. فيقال: فكيف توهمت حملها؟ فتعجب من توهمه مع علمه بالمقدمتين١. فإن قيل: فالمطلوب بالنظر معلوم أم مجهول؟ إن كان معلومًا كيف تطلبه وأنت واجد؟ وإن كان مجهولًا فبم تعلم مطلوبك؟ قلت: هذا تقسيم غير حاصر، بل ثَمَّ قسم آخر، وهو أني أعرفه من وجه دون وجه، فإني أفهم المفردات، وأعلم جملة النتيجة المطلوبة بالقوة، ولا أعلمها بالفعل، فهو كطلب الآبق في البيت، فإني أعرفه بصورته وأجهله بمكانه، وكونه في البيت أفهمه مفردًا، فهو معلوم لي بالقوة, وأطلب حصوله من جهة حاسة البصر، فإن رأيته في البيت صدقت بكونه فيه.

стр. 97

فصل: [في تقسيم البرهان: إلى برهان علة وبرهان دلالة] ١ وإذا استدللت بالعلة على المعلول فهو: برهان علة: كالاستدلال بالغيم على المطر. وإن استدللت بالمعلول على العلة، أو بأحد المعلولين على الآخر:

стр. 98

فهو برهان دلالة، كالاستدلال بالمطر على الغيم. والاستدلال بأحد المعلولين على الآخر، كقولنا: كل من صح طلاقه صح ظهاره، والذمي يصح طلاقه فيصح ظهاره، فإن إحدى النتيجتين تدل على الأخرى بواسطة العلة؛ فإنها١ تلازم علتها، والأخرى٢ تلازم علتها، وملازم الملازم ملازم.

стр. 99

فصل: [في الاستدلال بالاستقراء] فأما الاستدلال بالاستقراء: فهو عبارة عن تصفح أمور جزئية ليحكم بحكمها على مثلها، كقولنا -في الوتر-: ليس بفرض؛ لأنه يؤدى على الراحلة، والفرض لا يؤدى عليها. فيقال: لِمَ قلتم: إن الفرض لا يؤدى عليها؟ قلنا: بالاستقراء؛ إذ رأينا القضاء والنذر والأداء لا تؤدى عليها، فهذا مختل١ يصلح للظنيات دون القطعيات، فإن حكمه بأن كل فرض لا يؤدى على الراحلة يمنعه الخصم؛ إذ الوتر عنده واجب يؤدى عليها. فنقول: هل استقرأت حكم الوتر في تصفحك، وكيف وجدته؟ فإن قال: وجدته لا يؤدى على الرحلة فباطل إجماعًا.

стр. 100

ثم هو مبطل المقدمة الأخرى على نفسه؛ إذ١ الوتر يؤدى على الراحلة. وإن قال: لم أتصفحه، فلم يبين إلا بعض الأجزاء، فخرجت المقدمة عن أن تكون عامة، فإذًا لا يصلح ذلك إلا في الفقهيات. فلنشرع الآن في ذكر الأصول فنقول:

стр. 101

الباب الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه معنى الحكم ... الباب الأول: في حقيقة الحكم وأقسامه١ أقسام أحكام التكليف خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ومحظور. وجه هذه القسمة: أن خطاب الشرع إما أن يرد باقتضاء الفعل أو الترك أوالتخيير بينهما. فالذي يرد باقتضاء الفعل أمر، فإن اقترن به إشعار بعدم العقاب على الترك فهو ندب، وإلا فيكون إيجابًا. والذي يرد باقتضاء الترك نهي، فإن أشعر بعدم العقاب على الفعل فكراهة، وإلا فحظر.

стр. 102

..................................................................................

стр. 103

..................................................................................

стр. 104

...............................................................................

стр. 105

..................................................................................................

стр. 106

[الواجب وتقسيماته] وحد الواجب: ما توعد بالعقاب على تركه. وقيل: ما يعاقب تاركه. وقيل: ما يذم تاركه شرعًا١.

стр. 107

والفرض هو الواجب على إحدى الروايتين١؛ لاستواء حدهما٢، وهو قول الشافعي٣.

стр. 108

والثانية: الفرض آكد. فقيل: هو١ اسم لما يقطع بوجوبه، كمذهب أبي حنيفة٢. وقيل: ما لا يتسامح في تركه عمدًا ولا سهوًا، نحو: أركان الصلاة، فإن الفرض في اللغة: التأثير، ومنه فُرضة النهر والقوس٣. والوجوب: السقوط، ومنه: "وجبت الشمس والحائط" إذا سقطا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ ٤ فاقتضى تأكد الفرض على الواجب شرعا؛ ليوافق معناه لغة.

стр. 109

ولا خلاف في انقسام الواجب إلى، مقطوع ومظنون، ولا حجر في الاصطلاحات بعد فهم المعنى١.

стр. 110

فصل: [في تقسيم الواجب باعتبار ذاته] والواجب ينقسم إلى معين، وإلى مبهم في أقسام محصورة، فيسمى واجبًا مخيرًا، كخصلة من خصال الكفارة. وأنكرت المعتزلة ذلك وقالوا: لا معنى للوجوب مع التخيير. ولنا: أنه جائز عقلًا وشرعًا: أما العقل٢: فإن السيد لو قال لعبده: أوجبت عليك خياطة هذا القميص، أو بناء هذا الحائط في هذا اليوم، أيهما فعلت اكتفيت به، وإن تركت الجميع عاقبتك، ولا أوجبهما عليك معًا، بل أحدهما لا بعينه، أيهما شئت، كان كلامًا معقولًا. ولا يمكن دعوى إيجاب الكل؛ لأنه
следующие страницы →