← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12010

روضة الناظر وجنة المناظر - ت شعبان

ابن قدامة

Полный текст (1 205 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فصل: [مراتب الجنسية] ثم الجنسية مراتب، بعضها أعم من بعض: فإن أعم الأوصاف كونه حكمًا. ثم ينقسم إلى: إيجاب، وندب، وتحريم، وإباحة، وكراهية. ثم الواجب ينقسم إلى: عبادة، وغير عبادة. والعبادة تنقسم إلى: صلاة وغيرها. فما ظهر تأثيره في الصلاة الواجبة أخص مما ظهر في العبادة، وما ظهر في العبادة أخص مما ظهر في الواجب، وما ظهر في الواجب أخص مما ظهر في الأحكام. وفي المعاني أعم أوصافه: أنه وصف يناط الحكم بجنسه حتى يدخل فيه الاشتباه.

стр. 912

وأخص منه: كونه مصلحة، وأخص منه: كونه مصلحة خاصة، كالردع، أو سد الحاجة. فلأجل تفاوت درجات الجنسية -في القرب والبعد- تتفاوت درجات الظن، والأعلى مقدمًا على ما دونه١.

стр. 913

[تعريف آخر للملائم والغريب] وقيل: بل الملائم: ما ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم، كتأثير المشقة في التخفيف١. والغريب: الذي لم يظهر تأثيره، ولا ملائمته لجنس تصرفات الشرع٢، كقولنا: الخمر إنما حرم لكونه مسكرًا، وفي معناه: كل مسكر، ولم يظهر أثر السكر في موضع آخر، لكنه مناسب اقترن الحكم به. وقولنا: المبتوتة في مرض الموت ترث؛ لأن الزوج قصد الفرار من الميراث، فعورض بنقيض قصده، قياسًا على القاتل٣ -لما استعجل

стр. 914

الميراث- عورض بنقيض قصده، فإنا لم نر الشارع التفت إلى مثل هذا في موضع آخر، فتبقى مناسبة مجردة غريبة. وقد قصر قوم القياس على المؤثر١؛ لأن الجزم بإثبات الشارع الحكم رعاية لهذا المناسب تحكّم، إذ يحتمل أن يكون الحكم ثبت تعبدًا، كتحريم الميتة، والخنزير، والدم والحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، مع إباحة الضب والضبع.

стр. 915

ويحتمل أن يكون لمعنى آخر مناسب، لم يظهر لنا. "ويحتمل أن يكون حكم الشرع بتحريم الخمر تعبدًا وتحكمًا"١ ويحتمل أن يكون للإسكار. فهذه ثلاث احتمالات. فالتعيين تحكم بغير دليل، ووهم مجرد مستنده: أنه لم يظهر إلا هذا. وهذا غلط، فإن عدم العلم ليس علمًا بعدم سبب آخر. وبمثل هذا القول بطل القول بالمفهوم. وهذا لا ينقلب في المؤثر؛ فإنه عرف كونه علة بإضافة الحكم إليه نصًّا، أو إجماعًا٢. قلنا: لا يصح ما ذكروه لوجهين: أحدهما: أنا قد علمنا من أقيسة الصحابة ﵃ في

стр. 916

اجتهاداتهم أنهم لم يشترطوا في كل قياس كون العلة معلومة بنص أو إجماع. والثاني: أن المطلوب غلبة الظن، وقد حصل، فإن إثبات الشرع الحكم على وفقه يشهد لملاحظة الشرع له١. وهذا الاحتمال راجح على احتمال التحكم بما رددنا به مذهب منكري القياس، كما في المؤثر، فإن العلة إذا أضيف إليها الحكم في محل: احتمل اختصاصها به. وبه اعتصم نفاة القياس٢. لكن قيل لهم: عُلم من الصحابة اتباع العلل، واطّراح التعبد٣، مهما أمكن، فكذا ههنا، ولا فرق. وقولهم: "يحتمل أن ثم مناسبًا آخر، فهو وهم محض". [فنقول] ٤: غلبة الظن في كل موضع تستند إلى مثل هذا الوهم،

стр. 917

ويعتمد انتفاء الظهور في معنى آخر لو ظهر لبطل الظن. ولو فتح هذا الباب لم يستقم قياس، فإن المؤثر إنما يغلب على الظن، لعدم ظهور الفرق، ولعدم ظهور معارض. وصيغ العموم والظواهر إنما تغلب على الظن بشرط: انتفاء قرينة مخصصة، لو ظهرت لزال الظن، وإذا لم تظهر جاز التعويل عليه.

стр. 918

ولم يظهر لنا من الصحابة إلا اتباع الرأي الأغلب، ولم يضبطوا أجناسه، ولم يميزوا جنسًا عن جنس، فمهما سلمتم غلبة الظن: وجب اتباعه. وقولهم: "هذا وهم": لا يصح؛ فإن الوهم ميل النفس من غير سبب، والظن: ميلها بسبب. وهذا الفرق بينهما. ومن بنى أمره في المعاملات على الظن: كان معذورًا، ومن بناه على الوهم سُفِّه. ولو تصرف في مال اليتيم بالظن: لم يضمن، ولو تصرف بالوهم ضمن. وقد بينا الظن ههنا فيجب البناء عليه. والله أعلم. النوع الثاني في إثبات العلة. السبر١ قال أبو الخطاب: "ولا يصح إلا أن تجمع الأمة على تعليل أصل، ثم يختلفون في علته، فيبطل جميع ما قالوه إلا واحدة، فيعلم صحتها،

стр. 919

كي لا يخرج الحق عن أقاويل الأمة"١. فنقول: الحكم معلل، ولا علة إلا كذا أو كذا، وقد بطل أحدهما فيتعين الآخر. مثاله: الربا يحرم في البر بعلة، والعلة: "الكيل، أو القوت، أو الطعم" وقد بطل التعليل بالقوت والطعم، فثبت أن العلة: الكيل.

стр. 920

صحتها؛ لجواز أن يكون الحكم ثابتًا تعبدًا، إذ لم يوجد من الدليل على صحتها إلا خلو المحل عما سواها. والوجود المجرد لا يكفي في التعليل١. وقول المستدل: بحثت في المحل فلم أعثر على ما يصلح للتعليل: ليس بأولى من قول خصمه: بحثت في الوصف الذي ذكرته، فلم أعثر فيه على مناسبة، أو ما يصلح به التعليل، فيتعارض الكلامان. الأمر الثاني: أن يكون سبره حاصرًا لجميع ما يعلل به: إما بموافقة خصمه، وإما بأن يسير حتى يعجز عن إبراز غيره٢.

стр. 921

فإن كان مناظرًا: كفاه أن يقول: هذا منتهى قدرتي في السبر، فإن شاركتني في الجهل بغيره: لزمك ما لزمني، وإن اطلعت على علة أخرى فيلزمك إبرازها في صحتها، فإن كتمانها -حينئذ- عناد، وهو محرم، وصاحبها إما كاذب، وإما كاتم لدليل مست الحاجة إلى إظهاره، وكلاهما محرم. الثالث١: إبطال أحد القسمين: وله في ذلك طريقان: أحدهما: أن يبين بقاء الحكم بدون ما يحذفه، فيبين أنه ليس من العلة، إذ لو كان منها: لم يثبت الحكم بدونه. الثاني: أن يبين أن ما يحذفه من جنس ما عهدنا من الشارع عدم الالتفات إليه في إثبات الأحكام، كالطول والقصر، والسواد والبياض، أو عهد منه الإعراض عنه في جنس الأحكام المختلف فيها كالذكورية، والأنوثية في سراية العتق٢.

стр. 922

فصل: [أمور لا تكفي لإفساد علة الخصم] ولا يكفيه في إفساد علة خصمه: النقض؛ لاحتمال أن يكون جزءًا من العلة، أو شرطًا فيها، فلا يستقل بالحكم، ولا يلزم من عدم استقلاله: صحة علة المستدل بدونه. ولا يكفيه، أيضًا أن يقول: بحثت في الوصف الفلاني فما عثرت فيه على مناسبة، فيجب إلغاؤه، فإن الخصم يعارض بمثل كلامه فيفسد. فإن بيّن -مع ذلك- صلاحية ما يدّعيه علة، أو سلم له ذلك بموافقة خصمه: فذلك يكفيه ابتداء، بدون السبر، فالسبر إذًا تطويل طريق غير مفيد، فلنصطلح على ردّه. وقال بعض أصحاب الشافعي: يكفيه ذلك. وقال بعض المتكلمين: إذا اتفق خصمان على فساد تعليل مَن

стр. 923

سواهما، ثم أفسد أحدهما علة صاحبه: كان ذلك دليلًا على صحة علته. وليس بصحيح؛ فإن اتفاقهما ليس بدليل على فساد قول من خالفهما. والذي فسدت علته منهما يعتقد فساد علة خصمه الحاضر، كاعتقاد فساد علة الغائب، فيتساوى عنده الأمر فيهما. فلا يتعين عنده صحة إحداهما، ما لم يكن الحكم مجمعًا على تعليله، ويبطل ما قيل: إنه علة١. والله أعلم.

стр. 924

[إثبات العلة بالدوران] النوع الثالث- في إثبات العلة: أن يوجد الحكم بوجودها، ويعدم بعدمها١.

стр. 925

كوجود التحريم بوجود الشدة في الخمر، وعدمه لعدمها، فإنه دليل على صحة العلة العقلية، وهي موجبة، فأولى أن يكون دليلًا على الشرعية وهي أمارة١. ولأنه يغلب على الظن ثبوت الحكم مستندًا إلى ذلك الوصف، فإننا لو رأينا رجلًا جالسًا، فدخل رجل فقام عند دخوله، ثم جلس عند خروجه، وتكرر منه، غلب على ظننا: أن العلة في قيامه: دخوله٢. فإن قيل: الوجود عند الوجود طرد محض، وزيادة العكس لا تؤثر، إذ ليس بشرط في العلل الشرعية. ولأن الوصف يحتمل أن يكون ملازمًا لعلة أو جزءًا من أجزائها،

стр. 926

فيوجد الحكم عند وجوده، لكون العلة ملازمة، وينتفي بانتفائه. ويحتمل ما ذكرتم. ومع التعارض لا معنى للتحكم. ثم لو كان ذلك علة؛ لأمكن كل واحد من المختلفين في علة الربا أن يثبت الحكم بثبوتها، وينفيه بنفيها. ثم يبطل هذا المعنى برائحة الخمر المخصوصة به مقرنة بالشدة، يزول التحريم بزوالها، ويوجد بوجودها، وليس بعلة١. قلنا: قد بينا أن الطرد والعكس يؤثران في غلبة الظن. وكون كل واحد من "الطرد" لا يؤثر منفردًا. لا يمنع من تأثيرهما مجتمعين، فإن العلة إذا كانت ذات وصفين لا يحصل الأثر من أحدهما.

стр. 927

واحتمال شيء آخر لا ينفي الظن، ولا يمنع من التمسك بما ظنناه علة، ما لم يظهر الأمر الآخر، فيكون معارضًا. والنقض برائحة الخمر: غير لازم، فإن صلاحية الشيء للتعليل لا يلزم أن يعلل به، إذ قد يمتنع ذلك، لمعارضة ما هو أولى منه١. وقال قوم: إنما يصح التعليل به مع السبر، فيقول: علة الحكم أمر حادث، ولا حادث إلا كذا وكذا، ويبطل ما سواه٢. والسبر إذا تم بشروطه: استغني عما سواه، مع أنه لا يلزم أن يكون علة الحكم أمرًا حادثًا، إذ يجوز أن تكون العلة سابقة، ويقف ثبوت الحكم على شرط حادث، كالحول في الزكاة. أو يكون الحادث جزءًا تمت العلة به. أو يكون الحكم غير معلل. والله أعلم.

стр. 928

فصل: [هل تثبت العلة بشهادة الأصول] ومما يشبه هذا- شهادة الأصول١. كقولهم في الخيل: ما لا تجب الزكاة في الذكور منفردة: لم تجب في الذكور والإناث٢.

стр. 929

ويستدل على صحتها بالاطراد والانعكاس في سائر ما تجب فيه الزكاة، وما لا تجب. وقولهم: من صح ظهاره: صح طلاقه كالمسلم. ذهب القاضي وبعض الشافعية إلى صحته، لشبهه بما ذكرنا، وتغليبه على الظن. ومنع منه بعضهم. والله أعلم.

стр. 930

................................................................................................

стр. 931

فصل: [في المسالك الفاسدة] فأما الدلالة على صحة العلة باطرادها ففاسد؛ إذ لا معنى له إلا سلامتها عن مفسد واحد هو: النقض. وانتفاء المفسد ليس بدليل على الصحة، فربما لم يسلم من مفسد آخر. ولو سلمت من كل مفسد: لم يكن دليلًا على صحتها، كما لو سلمت شهادة المجهول من جارح: لم تكن حجة ما لم تقم بينة معدلة مزكية: فكذلك لا يكفي للصحة انتفاء المفسد، بل لا بد من قيام دليل على الصحة. وفي الجملة: فنصب العلة مذهب يفتقر إلى دليل كوضع الحكم، ولا يكفي في إثبات الحكم بأنه لا مفسد له، فكذلك العلة. ويعارضه: أنه لا دليل على الصحة. واقتران الحكم بها ليس بدليل على أنها علة، فقد يلازم الخمر لون وطعم ورائحة يقترن به التحريم، ويطرد وينعكس، والعلة: الشدة واقترانه بما ليس بعلة كاقتران الأحكام بطلوع كوكب أو هبوب ريح. ثم للمعترض في إفساده المعارضة بوصف مطرد يختص بالأصل فلا يجد إلى التقصي عنه طريقًا. ومثال ذلك: قولهم، في الخل: مائع لا يصاد من جنسه السمك، ولا تبنى عليه القناطر، فلا تزال به النجاسة كالمرق.

стр. 932

وكذلك لو استدل على صحتها بسلامتها عن علة تفسدها، لم يصح؛ لما ذكرنا. فإن قيل: دليل صحتها: انتفاء المفسد. قلنا: بل دليل الفساد: انتفاء المصحح، ولا فرق بين الكلامين١.

стр. 933

فصل: [في حكم العلة إذا استلزمت مفسدة] متى لزم من الوصف المتضمن للمصلحة مفسدة مساوية للمصلحة، أو راجحة عليها.

стр. 934

فقيل: إن المناسبة تنتفي؛ فإن تحصيل المصلحة على وجه يتضمن فوات مثلها أو أكبر منها ليس من شأن العقلاء، لعدم الفائدة على تقدير التساوي، وكثرة الضرر على تقدير الرجحان، فلا يكون مناسبًا، إذ المناسب: ما إذا عرض على العقول السليمة تلقته بالقبول. فيعلم أن الشارع لم يرد بالحكم تحصيلًا للمصلحة في ضمن الوصف المعين١. وهذا غير صحيح٢، فإن المناسب [هو] المتضمن للمصلحة. والمصلحة أمر حقيقي لا ينعدم بمعارض، إذ ينتظم من العاقل أن يقول:

стр. 935

إلى مصلحة في كذا، يصدني عنه ما فيه من الضرر من وجه آخر". وقد أخبر الله. تعالى. أن في الخمر والميسر منافع، وأن إثمهما أكبر من نفعهما١، فلم ينف منافعهما مع رجحان إثمهمها.

стр. 936

والمصلحة: جلب المنفعة، أو دفع المضرة، ولو أفردنا النظر إليها: غلب على الظن ثبوت الحكم من أجلها. وإنما يختل ذلك الظن مع النظر إلى المفسدة اللازمة من اعتبار الوصف الآخر، فيكون هذا معارضًا؛ إذ هذا حال كل دليل له معارض. ثم ثبوت الحكم مع وجود المعارض لا يعد بعيدًا. ونظيره: ما لو ظفر الملك بجاسوس لعدوه، فإنه يتعارض في النظر اقتضاءان: أحدهما: قلته؛ دفعًا لضرره.

стр. 937

والثاني: الإحسان إليه استمالة له ليكشف حال عدوه فسلوكه إحدى الطريقين لا يعد عبثًا، بل يعد جريًا على موجب العقل. ولذلك ورد الشرع بالأحكام المختلفة في الفعل الواحد، نظرًا إلى الجهات المختلفة، كالصلاة في الدار المغصوبة؛ فإنها سبب للثواب من حيث إنها صلاة، وللعقاب من حيث إنها غصب، نظرًا إلى المصلحة والمفسدة، مع أنه لا يخلو: إما أن يتساويا، أو يرجح أحدهما: فعلى تقدير التساوي: لا تبقى المصلحة مصلحة، ولا المفسدة مفسدة، فيلزم انتفاء الصحة والحرمة. وعلى تقدير رجحان المصلحة: يلزم انتفاء الحرمة. وعلى تقدير رجحان المفسدة: يلزم انتفاء المصلحة. فلا يجتمع الحكمان معًا١، ومع ذلك اجتمعا. فدل على بطلان ما ذكروه٢. ثم لو قدرنا توقف المناسبة على رجحان المصلحة، فدليل الرجحان: أنا لم نجد في محل الوفاق مناسبًا سوى ما ذكرناه. فلو قدرنا الرجحان: يكون الحكم ثابتًا معقولًا. وعلى تقدير عدمه: يكون تعبدًا. واحتمال التعبد أبعد وأندر، فيكون احتمال الرجحان أظهر. ومثال ذلك: تعليلنا وجوب القصاص على المشتركين في القتل،

стр. 938

بحكمة الردع والزجر؛ كي لا يفضي إسقاطه إلى فتح باب الدماء. فيعارض الخصم بضرر إيجاب القتل الكامل على من لم يصدر منه ذلك. فيكون جوابه: ما ذكرناه١، والله أعلم.

стр. 939

فصل: في قياس الشَّبه ١. واختلف في تفسيره. ثم في: أنه حجة.

стр. 940

فأما تفسيره: فقال القاضي يعقوب: هو أن يتردد الفرع بين أصلين: حاظر ومبيح، ويكون شبهه بأحدهما أكثر١. نحو: أن يشبه المبيح في ثلاثة أوصاف ويشبه الحاظر في أربعة، فنلحقه بأشبههما به. ومثاله: تردد العبد بين الحر وبين البهيمة في أنه يملك. فمن لم يملكه قال: حيوان يجوز بيعه، ورهنه، وهبته، وإجارته، وإرثه، أشبه الدابة.

стр. 941

ومن يملّكه قال: يثاب ويتعاقب، وينكح ويطلق، ويكلف، أشبه الحر. فيلحق بما هو أكثرهما شبهًا١. وقيل: الشبه: الجمع بين الأصل والفرع بوصف يوهم اشتماله على حكمة الحكم: من جلب المصلحة، أو دفع المفسدة٢. وذلك أن الأوصاف تنقسم ثلاثة أقسام: قسم يعلم اشتماله على المناسبة لوقوفنا عليها بنور البصيرة، كمناسبة الشدة للتحريم٣. وقسم لا يتوهم فيه مناسبة أصلًا، لعدم الوقوف عليها بعد البحث التام، مع إِلْفِنَا من الشارع: أنه لا يلتفت إليه في حكم ما، كالطول والقصر، والسواد والبياض٤، وكون المائع لا تبنى عليه القناطر.

стр. 942

وقسم ثالث -بين القسمين الأولين- وهو: ما يتوهم اشتماله على مصلحة الحكم، ويظن أنه مظنتها وقالبها من غير اطلاع على عين المصلحة، مع عهدنا، اعتبار الشارع له في بعض الأحكام، كالجمع بين مسح الرأس ومسح الخف في نفي التكرار، بوصف كونه مسحًا، والجمع بينه وبين الأعضاء المغسولة في التكرار، بكونه أصلًا في الطهارة، فهذا قياس الشبه. فالقسم الأول: قياس العلة، وهو صحيح. والقسام الثاني: باطل. والثالث: الشبه. وهو مختلف فيه. وكل قياس فهو مشتمل على شبه واطّراد. لكن قياس العلة عرف بأشبه صفاته وأقواها. وقياس الشبه كان أشرف صفاته المشابهة، فعرف به وكذلك القياس الطردي عرف بخاصيته، وهو: الاطراد؛ إذ لم يكن له ما يعرف به سواه. وكل وصف ظهر كونه مناطًا للحكم فاتباعه من قبيل قياس العلة، لا من قبيل قياس الشبه. واختلفت الرواية عن أحمد ﵀ في قياس الشبه: فروي: أنه صحيح. والأخرى: أنه غير صحيح، اختارها القاضي٢.

стр. 943

وللشافعي قولان كالروايتين١. [دليل القائلين بحجيته] ووجه كونه حجة: هو أنه يثير ظنًّا غالبًا يبنى على الاجتهاد، فيجب أن يكون متبعًا كالمناسب. فلا يخلو: إما أن يكون الحكم لغير مصلحة. أو لمصلحة في الوصف الشبهي. أو لمصلحة في ضمن الأوصاف الأخر. لا يجوز أن يكون لغير مصلحة، فإن حكم الشارع لا يخلو عن الحكمة. واحتمال كونه لمصلحة وعلى ظاهرة أرجح من احتمال التعبد واحتمال اشتمال الوصف الشبهي على المصلحة أغلب وأظهر من اشتمال الأوصاف الباقية عليها. فيغلب على الظن ثبوت الحكم به، فتعدى الحكم بتعديه٢.

стр. 944

.....................................................................................

стр. 945

فصل: في قياس الدلالة وهو: أن يجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة، ليدل اشتراكهما فيه على اشتراكهما في العلة، فيلزم اشتراكهما في الحكم ظاهرًا١.

стр. 946

ومثاله: قولنا، في جواز إجبار البكر: جاز تزويجها وهي ساكتة، فجاز وهي ساخطة كالصغيرة؛ فإن إباحة تزويجها مع السكوت، يدل على عدم اعتبار رضاها، إذ لو اعتبر، لاعتبر دليله وهو النطق. أما السكوت: فمحتمل متردد. وإذا لم يعتبر رضاها أبيح تزويجها حال السخط. وكذا قولنا، في منع إجبار العبد على النكاح: لا يجبر على إبقائه، فلا يجبر على ابتدائه كالحر، فإن عدم الإجبار على الإبقاء يدل على خلوص حقه في النكاح، وذلك يقتضي المنع من الإجبار في الابتداء.

стр. 947

باب: أركان القياس مدخل ... باب: أركان القياس وهي أربعة: أصل، وفرع، وعلة، وحكم١.

стр. 948

فصل: [الركن الأول: الأصل وشروطه] فالأول له شرطان: أحدهما: أن يكون ثابتًا بنص، أو اتفاق من الخصمين١. فإن كان مختلفًا فيه، ولا نص فيه: لم يصح التمسك به، لأنه ليس بناء أحدهما على الآخر بأولى من العكس. ولو أراد إثبات حكم الأصل بالقياس على محل آخر لم يجز، فإن العلة التي يجمع بها بين الأصل الثاني والأول، إن كانت موجودة في الفرع: فليقس على هذا الأصل الثاني ويكفيه، فذكر الأول تطويل غير مفيد، فليصطلح على رده. وإن كان الجامع بين الأصلين غير موجود في الفرع: لم يصح قياسه على الأصل الأول؛ لأنه قد تبين ثبوت حكمه بعلة غير موجودة في الفرع، ومن شرط القياس: التساوي في العلة٢.

стр. 949

ولا يمكن تعليل الحكم في الأصل الأول بغير ما علله به في قياسه إياه على الأصل الثاني، فإنه إنما يعرف كون الجامع علة بشهادة الأصل له، واعتبار الشرع له بإثبات الحكم على وفقه. ولا يعرف اعتبار الشرع للوصف إلا أن يقترن الحكم به عريًا عما يصلح أن يكون علة، أو جزءًا من أجزائها، فإنه متى اقترن بوصفين يصلح التعليل بهما مجتمعين، أو بكل واحد منهما منفردًا، احتمل أن يكون ثبوت الحكم بهما جميعًا، أو بأحدهما غير معين، فالتعيين تحكم. ولذلك كانت المعارضة في الأصل سؤالًا صحيحًا١.

стр. 950

وقال بعض أصحابنا: يجوز القياس على ما ثبت بالقياس؛ لأنه لما ثبت صار أصلًا في نفسه، فجاز القياس عليه كالمنصوص. ولعله أراد: ما ثبت بالقياس، واتفق عليه الخصمان١. وقال قوم: من شرطه: أن يكون متفقًا عليه بين الأمة٢، فإنه إذا لم يكن مجمعًا عليه فللخصم أن يعلل الحكم في الأصل بمعنى مختص به لا يتعدى إلى الفرع.
следующие страницы →