فلو قال الزوج: "فسخت النكاح، ورفعت علاقة الحل بيني وبين زوجتي" لم يقع الطلاق، إلا أن ينويه.
وإذا أتى بلفظ الطلاق: وقع وإن لم ينوه.
وإذا لم تحصل الأحكام بجميع الألفاظ فكيف تحصل بمجرد الإرادة١؟
على أن القياس مفهوم في اللغة، فإنه لو قال: "لا تأكل الأهليلج٢؛ لأنه مسهل"، و"لا تجالس فلانًا؛ لأنه مبتدع" فهم منه التعدي بتعدي العلة، وهذا مقتضى اللغة، وهو مقتضاه في العتق، لكن التعبد منع منه.
وعلى أن هذا الذي ذكروه قياس لكلام الشارع على كلام المكلفين في امتناع قياس ما وجدت العلة التي علل بها فيه عليه، فيكون رجوعًا إلى القياس الذي أنكروه.
ثم إن قياس كلام الشارع على كلام غيره أبعد من قياس أحكام الشرع بعضها على بعض.
فإن قيل: فلعل الشرع علل الحكم بخاصية المحل، فتكون العلة في تحريم الخمر: شدة الخمر، وفي تحريم الربا بطعم البر، لا بالشدة.
стр. 877
المجردة١. [ولا بالطعم المجرد] ٢.
ولله أسرار في الأعيان: فقد حرم الخنزير والدم والميتة لخواص لا يطلع عليها، فلم يبعد أن يكون لشدة الخمر من الخاصية ما ليس لشدة النبيذ، فبماذا يقع الأمن عن هذا؟ ٣.
قلنا: قد نعلم ضرورة سقوط اعتبار خاصية المحل كقوله: "أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ المَتاع أَحَقُّ بِمَتاعِهِ" ٤ يعلم أن المرأة في معناه.
وقوله: "مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الْبَاقِي" ٥ فالأمة في معناه.
стр. 878
لأنا١ عرفنا بتصفّح أحكام العتق، والبيع، وبمجموع أمارات وتكريرات، وقرائن: أنه لا مدخل للذكورية٢ في العتق والبيع.
وقد يظن ذلك ظنًّا يسكن إليه٣.
وقد ٤ عرفنا أن الصحابة عولوا على الظن، فعلمنا أنهم فهموا من رسول الله ﷺ قطعًا، إلحاق الظن بالقطع.
وقد اختلف الصحابة في مسائل، فلو كانت قطعية: لما اختلفوا فيها، فعلمنا أن الظن كالعلم.
فإن انتفى العلم والظن: فلا يجوز الإقدام على القياس.
стр. 879
فصل: [في مذهب النظام في الإلحاق بالعلة المنصوصة]
قال النظام: العلة المنصوص عليها توجب الإلحاق بطريق اللفظ والعموم، لا بطريق القياس، إذ لا فرق في اللغة بين قوله: "حرّمت الخمر لشدتها" وبين: "حرّمت كل مشتد"١.
стр. 880
وهذا خطأ، إذ لا يتناول قوله: "حرمت الخمر لشدتها" من حيث الوضع إلا تحريمها خاصة.
ولو لم يرد التعبد بالقياس: لاقتصرنا عليه، كما لو قال: "أعتقت غانمًا لسواده"١.
وكيف يصح هذا ولله تعالى -أن ينصب شدة الخمر- خاصة- علة، ويكون فائدة التعليل: زوال التحريم عند زوال الشدة.
ويتجه عليه: ما ذكره نفاة القياس٢، والله أعلم.
стр. 881
فصل: [في أوجه تطرق الخطأ إلى القياس]
ويتطرق الخطأ إلى القياس من خمسة أوجه:
أحدها: أن لا يكون الحكم معللًا١.
стр. 882
والثاني: أن لا يصيب علته عند الله تعالى١
والثالث: أن يقصر في بعض أوصاف العلة٢.
الرابع: أن يجمع إلى العلة وصفًا ليس منها٣
الخامس: أن يخطئ في وجودها في الفرع، فيظنها موجودة، ولا يكون كذلك.
فالمقطوع ضربان:
أحدهما: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، وهو المفهوم١
ولا يكون مقطوعًا حتى يوجد فيه المعنى الذي في المنطوق وزيادة، كقولنا: إذا قبل شهادة اثنين، فثلاثة أولى، فإن الثلاثة: اثنان وزيادة.
وإذا نهى عن التضحية بالعوراء٢: فالعمياء أولى، فإن العمى: عوَر مرتين.
فأما قولهم: "إذا وجبت الكفارة في القتل الخطأ، ففي العمد أولى" و"إذا ردت شهادة الفاسق، فالكافر أولى"٣: فهذا يفيد الظن
стр. 885
لبعض المجتهدين، وليس من الأول؛ لأن العمد نوع يخالف الخطأ، فيجوز أن لا تقوى الكفارة على رفعه، بخلاف الخطأ.
والكافر يحترز من الكذب لدينه، والفاسق متهم في الدين.
الضرب الثاني:
أن يكون المسكوت مثل المنطوق، كسراية العتق في العبد١، والأمة مثله، وموت الحيوان في السمن٢، والزيت مثله.
وهذا يرجع إلى العلم بأن الفارق لا أثر له في الحكم، وإنما يعرف ذلك باستقراء أحكام الشرع في موارده ومصادره في ذلك الجنس.
وضابط هذا الجنس: أن لا يحتاج فيه إلى التعرض للعلة الجامعة، بل بنفي الفارق المؤثر، ويعلم أنه ليس ثم فارق مؤثر قطعًا.
стр. 886
فإن تطرق إليه احتمال: لم يكن مقطوعًا به، بل يكون مظنونًا١
وقد اختلف في تسمية هذا قياسًا٢.
وما عدا هذا من الأقيسة: فمظنون٣.
وفي الجملة، فالإلحاق له طريقان:
أحدهما: أنه لا فارق إلا كذا، وهذه مقدمة٤.
ولا مدخل لهذا الفارق في التأثير، وهذه مقدمة أخرى٥.
فيلزم منه نتيجة، وهو أن لا فرق بينهما في الحكم٦.
وهذا إنما يحسن إذا ظهر التقارب بين الفرع والأصل، فلا يحتاج إلى التعرض للجامع لكثرة ما فيه من الاجتماع.
стр. 887
الثاني: أن يتعرض للجامع فيبينه، ويبين وجوده في الفرع١. وهذا المتفق على تسميته قياسًا٢.
وهذا٣ يحتاج إلى مقدمتين، أيضًا:
أحدهما: أن السكر-مثلًا- علة التحريم في الخمر.
والثانية: أنه موجود في النيبذ.
فهذه المقدمة الثانية يجوز أن تثبت بالحس، ودليل العقل، والعرف، وأدلة الشرع٤.
стр. 888
وأما الأولى: فلا تثبت إلا بدليل شرعي، فإن كون الشدة علامة التحريم وضع شرعي، كما أن نفس التحريم كذلك، وطريقه طريقه، فالشدة التي جعلت علامة للتحريم يجوز أن يجعلها الشارع علامة للحل، فليس إيجابها لذاتها.
[أدلة إثبات العلة] ١
وأدلة الشرع ترجع إلى "نص" أو "إجماع" أو "استنباط" فهذه ثلاثة أقسام:
القسم الأول: إثبات العلة بأدلة نقلية٢، وهو ضربان٣:
стр. 889
الأول- الصريح١:
وذلك أن يرد فيه لفظ التعليل كقوله تعالى: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً﴾ ٢ ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ ٣، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٥
وكذلك إن ذُكر المفعول له، فهو صريح في التعليل؛ لأنه يذكر للعلة والعذر، كقوله تعالى: ﴿ ... لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ ١، ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ ٢.
وما جرى هذا المجرى من صيغ التعليل.
فإن قام دليل على أنه لم يقصد التعليل نحو: أن يضاف إلى ما لا يصلح علة: فيكون مجازًا، كما لو قيل: "لم فعلت هذا"؟ قال: "لأني أردتُ"، فهذا استعمال اللفظ في غير محله٣.
فأما لفظة "إنّ" مثل قوله، ﵇، لما ألقى الروثة: إِنَّها رِجْسٌ"٤، وقال، في الهرة: "إِنَّها لَيْسَتْ بِنَجسٍ، إِنَّها مِنَ الطَّوَّافِينَ
стр. 892
عَلَيكُمْ"١ و "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِها وَلَا عَلَى خَالَتِهَا؛ إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ" ٢.
فإن انضم إلى "إنّ" حرف الفاء: فهو آكد، نحو قوله، ﵇: "لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا" ٣.
قال أبو الخطاب: هذا صريح في التعليل.
وقيل: بل هذا من طريق التنبيه والإيماء إلى العلة، لا من طريق الصريح٤. والله أعلم.
стр. 893
الضرب الثاني، التنبيه والإيماء إلى العلة١:
وهو أنواع ستة:
أحدها: أن يذكر الحكم عقيب وصف بالفاء، فيدل على التعليل بالوصف
стр. 894
كقوله تعالى: ﴿ ... قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ ١، و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ٢ وقول النبي، ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" ٣، و "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فهِيَ له" ٤.
فيدل ذلك على التعليل؛ لأن الفاء في اللغة للتعقيب، فيلزم من ذكر الحكم مع الوصف بالفاء: ثبوته عقيبه، فيلزم منه السببية، إذ لا معنى للسبب إلا ما ثبت الحكم عقيبه.
стр. 895
ولهذا يفهم منه السببية وإن انتفت المناسبة، نحو قوله: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوضَّأْ" ١.
ويلحق بهذا القسم٢: ما رتبه الراوي بالفاء، كقوله: "سَهَى رَسُولُ الله ﷺ فَسَجَدَ"٣ و"رَضَخَ يَهُودِيٌّ رَأْسَ جَارِيَةٍ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ"٤. يفهم منه السببية فلا يحل نقله.
стр. 896
من غير فهم السببية؛ لكونه تلبيسًا١ في دين الله.
والظاهر أن الصحابي يمتنع مما يحرم عليه في دينه، لا سيما إذا علم عموم فساد، فيظهر أنه فهم منه التعليل.
والظاهر أنه مصيب في فهمه، إذ هو عالم بمواقع الكلام ومجاري اللغة، فلا يعتقد السببية إلا بما يدل عليها، واللفظ مشعر به. ولا يحتاج إلى فقه الراوي، فإن هذا مما يقتبس من اللغة، دون الفقه٢.
الثاني:
ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الجزاء يدل على التعليل به.
كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ٣. ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ٤، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ٥. أي: لتقواه.
وقول النبي، ﷺ : "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطَانِ" ٦.
стр. 897
وكذلك ما أشبهه؛ فإن الجزاء يتعقب شرطه ويلازمه.
فلا معنى للسبب إلا ما يستعقب الحكم ويوجد بوجوده.
النوع الثالث:
أن يسأل النبي ﷺ عن أمر حادث، فيجيب بحكم، فيدل على أن المذكور في السؤال علة.
كما روي أن أعرابيًّا أتى النبي ﷺ فقال: هلكت وأهلكت. قال: "مَاذَا صَنَعْتَ"؟ قال: واقعت أهلى في رمضان. فقال، ﵇: "أعْتِقْ رَقَبَة" ١ فيدل على أن الوقاع سبب؛ لأنه ذكره جوابًا له، والسؤال كالمعاد في الجواب، فكأنه قال: "وَاقَعْتَ أَهْلَكَ فَاعْتِق رَقَبَة".
واحتمال أن يكون المذكور منه ليس بجواب: ممتنع، إذ يفضي ذلك إلى خلو محل السؤال عن الجواب، فيتأخر البيان عن وقت الحاجة، وهو ممتنع بالاتفاق.
النواع الرابع:
أن يُذكر مع الحكم شيء، لو لم يقدر التعليل به: لكان لغوًا غير مفيد.
فيجب تقدير الكلام على وجه مفيد، صيانة لكلام النبي ﷺ عن اللغو.
стр. 898
وهو قسمان:
أحدهما: أن يُستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود، ثم يذكر الحكم عقيبه، كما سئل ﷺ عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ"؟ قالوا: نعم. قال "فَلَا إِذَنْ" ١.
فلو لم يقدر التعليل له: كان الاستكشاف عن نقصان الرطب غير مفيد لظهوره٢.
الثاني أن يعدل في الجواب على نظير محل السؤال: كما روي أنه لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين، فقال، ﵇: "أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَنْفَعُهَا"؟ قالت: نعم. قال: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالقَضاءِ" ٣.
فيفهم منه: التعليل بكونه دينًا تقريرًا لفائدة التعليل.
стр. 899
النوع الخامس: أن يذكر في سياق الكلام شيء لو لم يعلل به: صار الكلام غير منتظم
كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ....﴾ ١ فإنه يعلم منه التعليل للنهي عن البيع بكونه مانعًا من السعي إلى الجمعة؛ إذ لو قدرنا النهي عن البيع مطلقًا من غير رابطة الجمعة يكون خبطًا٢ في الكلام.
وكذا قوله، ﵇: "لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان" تنبيه على التعليل بالغضب، إذ النهي عن القضاء مطلقًا من غير هذه الرابطة لا يكون منتظمًا.
النوع السادس: ذكر الحكم مقرونًا بوصف مناسب، فيدل على التعليل به كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ... ﴾ ٤. و ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ، أي: لبرهم وفجورهم، فإنه يسبق إلى الأفهام التعليل به، كما لو قال: "أكرم العلماء وأهن الفسّاق" يفهم منه: أن إكرام العلماء لعلمهم، وإهانة الفساق لفسقهم.
فكذلك في خطاب الشارع، فإن الغالب منه: اعتبار المناسبة.
بل قد نعلم أنه لا يرد الحكم إلا لمصلحة: فمتى ورد الحكم مقرونًا بمناسب: فهمنا التعليل به.
стр. 900
ففي هذه المواضع يدل على أن الوصف معتبر في الحكم، لكنه يحتمل: أن يكون اعتباره لكونه علة في نفسه.
ويحتمل أن اعتباره لتضمنه للعلة نحو: نهيه عن القضاء مع الغضب، ينبه على أن الغضب علة لا لذاته، بل لما يتضمنه من الدهشة المانعة من استيفاء الفكر، حتى يلتحق به الجائع والحاقن.
ويحتمل: أن ترتيبه فساد الصوم على الوقاع؛ لتضمنه إفساد الصوم، حتى يتعدى إلى الأكل والشرب.
والظاهر: الإضافة إلى الأصل، فصرفه عن ذلك إلى ما يتضمنه يحتاج إلى دليل١.
القسم الثاني. ثبوت العلة بالإجماع:
كالإجماع على تأثير "الصغر" في الولاية١.
وكالإجماع على أن علة منع القاضي من القضاء وهو غضبان اشتغال قلبه عن الفكر والنظر في الدليل والحكم، وتغير طبعه عن السكون والتلبث للاجتهاد.
وكتأثير تلف المال تحت اليد العادية٢ في الضمان؛ فإنه يؤثر في الغصب إجماعًا، فقيس السارق -وإن قُطع- على الغاضب، لاتفاقهما في العلة المؤثرة في محل الوفاق إجماعًا.
فلا تصح المطالبة بتأثير العلة في الأصل، للاتفاق عليها.
стр. 903
وإن طولب بتأثيرها في الفرع، فجوابه أن يقال: القياس لتعدية حكم العلة من موضع إلى موضع.
وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال، فلا يفتح هذا الباب، بل يكلف المعترض الفرق، أو التنبيه على مثار خيار الفرق١.
وكذلك لو قال: الأخوّة من الأبوين أثرت في التقديم في الميراث إجماعًا، فلتؤثر في التقديم في النكاح.
أو قال: الصغر أثر في ثبوت الولاية على البكر: فكذلك على الثيب.
стр. 904
القسم الثالث: ثبوت العلة بالاستنباط.
وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: إثبات العلة بالمناسبة.
وهو: أن يكون الوصف المقرون بالحكم مناسبًا١.
стр. 905
ومعناه: أن يكون في إثبات الحكم عقيبه مصلحة.
ولا يعتبر أن يكون منشأ للحكمة، كالسفر مع المشقة، بل متى كان في إثبات الحكم عقيب الوصف مصلحة فيكون مناسبًا، كالحاجة مع
стр. 906
البيع، والشكر مع النعمة، فيدل ذلك على التعليل به، إذ قد علمنا أن الشارع لا يثبت حكمًا إلا لمصلحة.
فإذا رأينا الحكم مفضيًا إلى مصلحة في محل، غلب على ظننا أنه قصد بإثبات الحكم تحصيل تلك المصلحة، فيعلل بالوصف المشتمل عليها١.
стр. 907
فصل: تقسيم المناسب من حيث تأثيره في الحكم أو عدم تأثيره
...
[تقسيم المناسب من حيث تأثيره في الحكم أو عدم تأثيره]
إذا ثبت هذا: فالمناسب ثلاثة أنواع:
مؤثر، وملائم، وغريب.
فالمؤثر: ما ظهر تأثيره في الحكم بنص أو إجماع١.
وهو شيئان:
أحدهما: ما يظهر تأثير عينه في عين الحكم، كقياس الأمة على الحرة في سقوط الصلاة بالحيض، لما فيه من مشقة التكرار، إذ قد يظهر تأثير عينه في عين الحكم بالإجماع، لكن في محل مخصوص، فعدّيناه إلى محل آخر٢.
وهذا لا خلاف في اعتباره عند القائلين بالقياس.
ومن خاصيته: أنه لا يحتاج إلى نفي ما عداه في الأصل.
ولو ظهر في الأصل مؤثر آخر: لم يضر، بل يعلل بهما، فإن
стр. 908
"الحيض" و"العدة" و"الردة" قد تجتمع في امرأة، ويعلل تحريم الوطء بالجميع١.
وهو قسمان:
أحدهما: أن يظهر أثر عينه في عين ذلك الحكم، فهو الذي يقال: إنه في معنى الأصل.
وربما يقرّ به منكرو القياس؛ إذ لا يبقى بين الفرع والأصل مباينة إلا تعدد المحل، كقولنا: "إذا ثبت أن الكيل علة في تحريم الربا في البر، فالزبيب ملحق به".
ويكون هذا كظهور أثر الوقاع في إيجاب الكفارة على الأعرابي، فالتركي والهندي في معناه٢.
الرتبة الثانية: أن يظهر أثر عينه في جنس ذلك الحكم:
كظهور أثر الأخوة من الأبوين في التقديم في الميراث، فيقاس عليه ولاية النكاح، فإن الولاية في النكاح ليست هي عين الميراث، لكن بينهما مجانسة٣.
стр. 909
النوع الثاني: الملائم١:
وهو: ما ظهر تأثير جنسه في عين الحكم.
كظهور أثر المشقة في إسقاط الصلاة عن الحائض، فإنه ظهر تأثير جنس الحرج في إسقاط قضاء الصلاة، كتأثير مشقة السفر في إسقاط الركعتين الساقطتين بالقصر٢.
стр. 910
النوع الثالث، الغريب:
وهو: ما ظهر تأثير جنسه في جنس ذلك الحكم.
كتأثير جنس المصالح في جنس الأحكام١.
стр. 911
فصل: [مراتب الجنسية]
ثم الجنسية مراتب، بعضها أعم من بعض:
فإن أعم الأوصاف كونه حكمًا.
ثم ينقسم إلى: إيجاب، وندب، وتحريم، وإباحة، وكراهية.
ثم الواجب ينقسم إلى: عبادة، وغير عبادة.
والعبادة تنقسم إلى: صلاة وغيرها.
فما ظهر تأثيره في الصلاة الواجبة أخص مما ظهر في العبادة، وما ظهر في العبادة أخص مما ظهر في الواجب، وما ظهر في الواجب أخص مما ظهر في الأحكام.
وفي المعاني أعم أوصافه: أنه وصف يناط الحكم بجنسه حتى يدخل فيه الاشتباه.
стр. 912
وأخص منه: كونه مصلحة، وأخص منه: كونه مصلحة خاصة، كالردع، أو سد الحاجة.
فلأجل تفاوت درجات الجنسية -في القرب والبعد- تتفاوت درجات الظن، والأعلى مقدمًا على ما دونه١.
стр. 913
[تعريف آخر للملائم والغريب]
وقيل: بل الملائم: ما ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم، كتأثير المشقة في التخفيف١.
والغريب: الذي لم يظهر تأثيره، ولا ملائمته لجنس تصرفات الشرع٢، كقولنا: الخمر إنما حرم لكونه مسكرًا، وفي معناه: كل مسكر، ولم يظهر أثر السكر في موضع آخر، لكنه مناسب اقترن الحكم به.
وقولنا: المبتوتة في مرض الموت ترث؛ لأن الزوج قصد الفرار من الميراث، فعورض بنقيض قصده، قياسًا على القاتل٣ -لما استعجل
стр. 914
الميراث- عورض بنقيض قصده، فإنا لم نر الشارع التفت إلى مثل هذا في موضع آخر، فتبقى مناسبة مجردة غريبة.
وقد قصر قوم القياس على المؤثر١؛ لأن الجزم بإثبات الشارع الحكم رعاية لهذا المناسب تحكّم، إذ يحتمل أن يكون الحكم ثبت تعبدًا، كتحريم الميتة، والخنزير، والدم والحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، مع إباحة الضب والضبع.
стр. 915
ويحتمل أن يكون لمعنى آخر مناسب، لم يظهر لنا. "ويحتمل أن يكون حكم الشرع بتحريم الخمر تعبدًا وتحكمًا"١ ويحتمل أن يكون للإسكار.
فهذه ثلاث احتمالات.
فالتعيين تحكم بغير دليل، ووهم مجرد مستنده: أنه لم يظهر إلا هذا.
وهذا غلط، فإن عدم العلم ليس علمًا بعدم سبب آخر. وبمثل هذا القول بطل القول بالمفهوم.
وهذا لا ينقلب في المؤثر؛ فإنه عرف كونه علة بإضافة الحكم إليه نصًّا، أو إجماعًا٢.
قلنا: لا يصح ما ذكروه لوجهين:
أحدهما: أنا قد علمنا من أقيسة الصحابة ﵃ في