← Тараджим

Тараджим · id 12012

دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب وسياسته الإدارية

عبد السلام بن محسن آل عيسى

Полный текст (1 168 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة معالي مدير الجامعة الإسلامية الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن أشرف ما تتجه إليه الهمم العالية هو طلب العلم، والبحث والنظر فيه، وتنقيح مسائله، وسلوك طريقه، لأن ذلك هو الذي يوصل إلى السعادة، كما قال الرسول ﷺ : "من سلك طريقًا يلتمس به علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة". وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وأول ما بدئ به رسول الله ﷺ هو وحي الله إليه بالعلم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وقال تعالى يخاطبه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ … ﴾ وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. وما قامت الحياة السعيدة في الحياة الدنيا والآخرة إلَّا بالعلم النافع. ولذا كان التعليم هو الهدف الأعظم المؤسس المملكة العربية السعودية الملك عبد العزيز ﵀، ولأبنائه كذلك من بعده، ففي عهد خادم الحرمين الشريفين، أول وزير للمعارف بلغت مسيرة التعليم مستوى عالية، وازدهر التعليم العالي وارتقت الجامعات، ومن هذه الجامعات العملاقة، الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، فهي صرح شامخ، يشرف بأن

стр. 2

يكون إحدى المؤسسات العلمية والثقافية، التي تعمل على هدي الشريعة الإسلامية، وتقوم بتنفيذ السياسة التعليمية بتوفير التعليم الجامعي والدراسات العليا، والنهوض بالبحث العلمي والقيام بالتأليف والترجمة والنشر، وخدمة المجتمع في نطاق اختصاصها. ومن هنا، فعمادة البحث العلمي بالجامعة تضطلع بنشر البحوث العلمية، ضمن واجباتها، التي تمثل جانبا هاما من جوانب رسالة الجامعة ألا وهو النهوض بالبحث العلمي والقيام بالتأليف والترجمة والنشر. ومن ذلك كتاب: "دراسات نقديّة في المروّيات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب له وسياسته الإدارية"، تأليف: الدكتور عبدالسلام بن محسن آل عيسى. نفع الله بذلك ونسأله سبحانه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. معالي مدير الجامعة الإسلامية د/ صالح بن عبد الله العبود

стр. 3

مقدمة إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهير الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أمّا بعد: فإن دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين أمر في غاية الأهمية وذلك لما للخلفاء الراشدين من منزلة رفيعة في الدين، فهم من أجلَّة صحابة النبي ﷺ الذين أثنى الله عليهم في كتابه. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).

стр. 4

وهم أيضًا ممن شهد لهم النبي ﷺ بالفوز في الآخرة برضوان الله ودخول جنته (١). وأمرنا النبي ﷺ بالاقتداء بهم، قال ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ" (٢). قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فقرن سنة خلفائه بسنته، وبالغ في الأمر بها حتى أمر أن يعض عليها بالنواجذ، وهذا يتناول ما أفتوا به وسنوه للأمة، وإن لم يتقدم فيه من نبيهم شيء، وإلا كان ذلك سنة ويتناول ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم، لأنه علق ذلك بما سنه الخلفاء الراشدون، ومعلوم أنهم لم يسنوا ذلك وهم خلفاء في آن واحد، فعلم أن ما سنه كل واحد منهم في وقته فهو سنة الخلفاء الراشدين" (٣). كلّ هذا يعطي الفترة التاريخية التي عاش فيها أولئك الخلفاء الراشدون مزية ومكانة هامة ليست للفترات التاريخية التي تليها. ثم إن دراسة خلافة عمر بن الخطاب ﵁ لها أهمية أخرى فعمر ﵁ أفضل هذه الأمة بعد النبي ﷺ وأبي بكر.

стр. 5

قال عمرو بن العاص ﵁: "أتيت النبي ﷺ ، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة". قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها"، قلت: ثم من؟ قال: "عمر" … الحديث (١). وقال عبد الله بن عمر ﵄: كنا نخير بين الناس زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان بن عفان (٢). وشهد النبي ﷺ لعمر ﵁ بسعة علمه وصوابه وصدق حدسه. قال ﷺ : "بينما أنا نائم إذ أتيت بقدح لبن، فقيل لي: اشرب، فشربت منه حتى إني لأرى الري يجري في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر". قالوا: فما أولت ذلك؟ قال: "العلم" (٣). قال ابن القيم: ومن أبعد الأشياء أن يكون الصواب مع من خالفه في فتيا أو حكم لا يعلم أحدا من الصحابة خالفه فيه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بهذه الشهادة (٤).

стр. 6

وقال ﷺ : "إن الله وضع الحق على لسان عمر وقلبه" (١). وقال ﵊: "إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحدِّثُون (٢)، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم، فإنه عمر بن الخطاب (٣). ولمكانة عمر ﵁ الدينية والعلمية وكثرة الآثار المروية عنه في فترة خلافته والتي تتناول جوانب هامة من حياة المسلم في علاقته بر به وعلاقته بولاة الأمر وعلاقته بإخوانه، وأهل بيته، وكانت هذه الآثار موضع القدوة والأسوة الحسنة، كان لا بد من التحقيق والتدقيق في ثبوتها وصحة نسبتها لعمر ﵁. وإن مما ساعد على حفظ هذه الآثار وتخليصها من الكذب والدس وبيان حقيقة ثبوتها من عدمه أن سلفنا الصالح من المحدِّثين والمؤرخين نقلوها إلينا مسندة، وكانوا ﵏ ورضي عنهم، لا يقبلون شيئا من الأخبار إلَّا مسندًا.

стр. 7

ومن أقوالهم في ذلك: ١ - قول محمّد بن سيرين (١) ﵀: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم (٢). ٢ - قول شعبة (٣) بن الحجاج ﵀: كل حديث ليس فيه حدثنا وحدثنا فهو مثل الرجل بالفلاة معه البعير ليس له خطام (٤) ٣ - قول عبد الله (٥) بن المبارك ﵀: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء (٦). وقال: إن بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد (٧). ٤ - قول بهز (٨) بن أسد ﵀: لا تأخذوا الحديث عمن لا يقول ثنا (٩).

стр. 8

فبالإسناد يعرف حال نقلة الخبر من القوة والضعف، فيؤخذ ما نقله أهل الصدق والأمانة والعدالة ويترك ما نقله الضعفاء والمتروكون. قال ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (١). ولقد كان كبار المؤرِّخين من كبار علماء الحديث، وممن تكلموا في الرجال كعروة بن الزبير، والزهري، وابن سعد، وخليفة بن خياط، وابن أبي شيبة، وابن شبة، والفسوي، وابن أبي خيثمة، وأبي زرعة والطيري، وابن عساكر، والذهبي، وابن كثير، وممن عنوا بسرد الأخبار التاريخية بأسانيدها، إبراء لعهدتهم من المسؤولية عن صحة ما ينقلونه من عدمها، لأن من أسند لك فقد أحالك. ولا يعني إيرادهم للأخبار الباطلة والضعيفة قبولهم لها واعتقادهم ثبوتها. قال الطبري ﵀: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يوت في ذلك من

стр. 9

قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا (١). وقد انتقد أهل العلم من لم يتحر من المؤرِّخين في نقله للأخبار وروايته لها، وقبوله إياها وبينوا أن كتب التاريخ تحتوي على الحق والباطل، والصدق والكذب، وأنها مشتملة على الأخبار الموضوعة التي وضعها الكذابون من أجل مصالحهم. قال السخاوي رحمه الله تعالى: وبالجملة فالمؤرخون كغيرهم من سائر المصنفين في كلامهم الحمير العفين … نعم قد ظهر الكثير من الخلل، وانتشر من المناكير ما اشتمل على أقبح العلل، حيث انتدب لهذا الفن الشريف من اشتمل على التحريف، والتصحيف لعدم إتقانهم شروط الرواية والنقل، وائتمانهم من لا يوصف بأمانة ولا عقل، بل صاروا يكتبون السمين مع الهزيل، والمكين مع المزلزل العليل (٢). وقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀ عند كلامه على خبر التحكيم بين علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃: هذا كله كذب صراح ما جرى منه حرف قط، وإنما هو شيء أخبر عنه

стр. 10

المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانية والمهارة بمعاصي الله والبدع (١). وإن مما يستنكر ويستغرب ظهور بعض من يدعو في وقتنا الحاضر المقاومة الدراسات النقدية للتاريخ الإسلامي والتي تهدف لتمحيصه وتخليصه من كذب الضالين، وافتراء الحاقدين بدعوى أن ذلك يؤدي الرفض الكثير من الأخبار التاريخية وبالتالي فقدان الأمة لتراثها وتاريخها، وهذه دعوي باطلة فإن الدراسات النقدية والتي تتبع فيها طرق الحبير من مصادر متعددة حديثية وتاريخية وأدبية، وغيرها تؤدي لزيادة توثيق الخبر. وإبراز معلومات جديدة لم تكن معروفة من قبل، وقد تؤدي إلى دفع التعارض والإشكال الذي يقع فيه كثير من المؤرِّخين الذين لا يتحرون صحة الخبر من عدمه بدراسة الإسناد، فيكون أحد الخبرين ضعيفًا وباطلًا فيترك ويؤخذ الصحيح والثابت، ودراسة الأخبار دراسة نقدية لا تعني تطبيق المنهج الحديثي على جميع الأخبار التاريخية بل إن هناك من الأخبار ما تعتبر دراسته دراسة نقدية من قبيل العمل الذي لا فائدة فيه، ولا طائل من ورائه ولذلك تساهل في قبوله السلف الصالح، ومن أمثلة ذلك:

стр. 11

تحديد أماكن الغزوات والمعارك، وعدد الجند، وعدد القتلى والجرحى، وتحديد زمان المعركة، و كيفية سيرها والتخطيط لها، وما شابه ذلك. ولكن هناك من الأخبار التاريخية ما يجب التحري في قبوله ومعرفة ثبوته من عدمه وذلك مماله تعلق بالعقيدة والأحكام والحلال والحرام وعدالة الصحابة، وقادة الأمة وعلمائها، وكذلك ما نقل عن السلف الصالح، وهو موضع الأسرة والقدوة في شتى المجالات. إذ كيف يبيح للمسلم دينه وورعه نسبة قول أو فعل لحليفة من الخلفاء أو لأمير من الأمراء أو حتى لأي أحد من الناس دون توثق وتحقق؛ فإن الله قد نهانا عن ذلك، قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (١). وقال ﷺ : "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" (٢). قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إذا روينا عن رسول الله ﷺ في الحلال والحرام، والسنن والأحكام، تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن

стр. 12

النبي ﷺ في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد (١). وإن مما يطيب الخاطر ويحيي الأمل دعوة بعض مفكري الأمة وعلمائها لتطبيق المنهج النقدي الحديثي على الروايات التاريخية. يقول الدكتور محمد رشاد خليل: وما فتئ العلماء المدققون ينبهون إلى مراعاة المنهج العلمي الفريد في الجرح والتعديل المعروف لدى علماء الحديث في علاج الروايات التاريخية، وفي مصر كتب الأستاذان الجليلان محب الدين الخطيب، ومحمود شاكر فصولا متعددة يدعوان في حرارة وأمانة للأخذ بهذا المنهج العلمي السلفي الدقيق (٢). ويقول الدكتور فتحي عثمان: إن من أعظم المفارقات في دينا أن نكون أغنى الأمم بالنصوص السليمة التي نستطيع أن نصحح بها تاريخنا، فنبنية على أساس قويم من الحقائق العلمية التي لا يتطرق الشك إليها، وأن نكون مع ذلك أشد أمم الأرض إهمالًا للإفادة من ذلك ليبقي تاريخنا مضطربًا كما أراده الذين دسوا فيه ما ليس منه، وشوهوا جماله مما جعل المسلمين يسيئون الظن بأمحد صفحات ماضيهم، ويجهلون أن الجيل المثالي

стр. 13

الوحيد الذي عرفته الإنسانية في تاريخها منذ وجد الإنسان في الأرض إلى الآن هو الجيل الذي شوه المغرضون سيرته، بما دسوه من باطل وما اختزلوه من حق (١). ويقول الأستاذ محب الدين الخطيب: إنما ينتفع بأخبار الطبري من يرجع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل … ، ولا نعرف أمة عني مؤرخوها بتمحيص الأخبار، وبيان درجتها، وشروط الانتفاع بها كما عني بذلك علماء المسلمين، وإن العلم بذلك من لوازم الاشتغال بالتاريخ الإسلامي، أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم، ولا يتعرفون إلى رواتها، ويكتفون بأن يشيروا في ذيل الخبر إلى الطبري رواه في صفحة كذا من جزئه الفلاني، ويظنون أن مهمتهم انتهت بذلك، فهؤلاء من أبعد الناس عن الانتفاع بما حفلت به كتب التاريخ الإسلامي من ألوف الأخبار، ولو أنهم تمكنوا من علم مصطلح الحديث، وأنسوا بكتب الجرح والتعديل، واهتموا برواة كل خبر اهتمامهم بذلك الخبر لاستطاعوا أن يعيشوا في جو التاريخ الإسلامي، ولتمكنوا من التمييز بين غث الأخبار وسمينها، ولعرفوا للأخبار قدرها بوقوفهم على قدر أصحابها (٢).

стр. 14

بهذا تتبيَّن أهمية ودراسة الأخبار التاريخية من ناحية السند، وأهمية مراعاة منهج المحدِّثين في ذلك. ومما لا شكّ فيه أن مما تتحقق به أيضًا معرفة صحيح الأخبار من سقيمها تطبيق الشق الآخر من منهج المحدِّثين في دراسة الأخبار التاريخية وهو نقد المتن أو النص وكذلك الاستفادة من منهج المؤرِّخين في ذلك. يقول الدكتور مسفر الدميني وهو يعرض لذكر نقد المحدِّثين للنصوص وعدم اقتصارهم على نقد الأسانيد: "اعتناء المحدِّثين بالإسناد ليس لذاته بل لمصلحة المتن فمتي كان رواة الحديث من الثقات الأثبات كان الاطمئنان إلى صحّة ما نقلوه أكثر، وهذا أمر طبيعي في البشر أن يقع الخبر الذي ينقله الصادق من أنفسهم موقعا حسنا، وما ينقله الكاذب المستهتر موقع الشكّ والريبة، وعلى هذا فاعتناء المحدِّثين بالإسناد هو من صميم اعتنائهم بالمتن" (١). ويقول: "ليس ما صحَّ سنده صحّ متنه هذه قاعدة للمحدثين أكَّدوها جميعًا، وعملوا بها في نقد الحديث من جهة متنه حيث لم يلههم عن صحة الإسناد غرابة المتن أو شذوذة ونكارته، ولم أجد واحدًا منهم يخالفها أو ينكر العمل بها".

стр. 15

ثم ذكر من كلام علماء الحديث ما يدلّ على تلك القاعدة ومن ذلك: قول الإمام ابن الصلاح ﵀: "قد يقال هذا حديث صحيح الإسناد ولا يصحّ لكونه شاذًا أو معلَّلًا". وقول النووي ﵀: "لأنه قد يصح أو يحسن الإسناد دون المعين لشذوذ أو علّة" وقول الصنعاني ﵀: "إعلم أن من أساليب أهل الحديث أن يحكموا بالصحة والحسن والضعف على الإسناد دون متن الحديث فيقولون: (إسناد صحيح دون حديث صحيح) ونحو ذلك، أي: حسن أو ضعيف لأنه قد يصح الإسناد لثقة رجاله ولا يصح الحديث لشذوذ أو علّة" وقوله: "والحاصل أنه لا تلازم بين الإسناد والمتن إذ قد يصح السند أو يحسن لاستجماع شرائطهما، ولا يصح المتن لشذوذ أو علّة وقد لا يصح السند ويصح المتن من طرق أخرى" (١). ويقول الدكتور مصطفى الأعظمي: "ويبدو للوهلة الأولى أن جهود المحدِّثين كانت منصبة حول الأسانيد وقلما تكلموا على المتون أو

стр. 16

بمعنى آخر قلما استعملوا عقولهم في نقد المتون والأمر على عكس ذلك، إذ ما من عملية نقد النص إلَّا وقد استعمل فيها العقل لكن ما كان اعتمادهم على العقل فقط في قبول الحديث أو رده إلَّا في أقل النادر، ولا يمكن أن يكون المنهج العملي في نقد الأحاديث إلَّا هكذا إذ من المستحيل استعمال العقل من الناحية العقلية نفسها في تقويم كل حديث" (١). وقال في موضع آخر: "ومن ناحية أخرى إن المحدِّثين لم يقفوا على الأسانيد فقط وأصدروا أحكامهم على الأحاديث بل دائمًا كانوا ينظرون إلى المتن، حتى حكموا على الأحاديث بالبطلان بالرغم من نظافة الأسانيد. ومن أمثلة ذلك: قول الذهبي: "محمد بن الفضل البخاري الواعظ عن حاشد بن عبد الله روي بإسناد نظيف مرفوع: قيام الليل فرض على حامل القرآن. فكذا فليكن الكذب". ثم قال الأعظمي في ضوء هذه النصوص: "يفهم بوضوح أن المحدِّثين راعوا العقل وأعطوه حقه في كافة منازل الرواية والراوي، وعلى هذا يمكن القول بكل وثوق أن منهجهم علمي بكل معنى الكلمة، ولا يبدو أن منهج النقد في العالم تمكن حتى الآن أن يضيف إليه شيئا قيمًا"

стр. 17

لكن الذين يرون عكس ذلك يدعون إلى الاستفادة من مناهج المؤرِّخين وتطبيق قواعدهم" (١). أما منهج المؤرِّخين في نقد النصوص فقد لخصه ابن خلدون ﵀ في مقدمته، ومن ذلك قوله: "إعلم أن فنّ التاريخ فنّ عزيز المذهب، جمّ الفوائد إذ يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم حتّى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا، فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق، وينكبان به عن المزلات والمغالط. لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة، وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد، والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم، والحديث عن جادة الصدق وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها محرد النقل غثًا أو سمينًا لم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات و تحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط

стр. 18

سيما في إحصاء الأعداد من الأحوال والعساكر إذا عرضت في الحكايات، إذ هي مظنة الكذب ومطية الحذر، ولا بدّ من ردها إلى الأصول وعرضها على القواعد" (١). وقد جاءت كتابات المتأخرين من المتخصصين في الدراسات التاريخية موضحة ومفصلة لمنهج المؤرِّخين، ومما ذكروه في ذلك أنهم قسموا النقد التاريخي للنصوص التاريخية إلى قسمين: نقد ظاهر، ونقد باطن. وقسموا النقد الباطن إلى قسمين: نقد إيجابي، ونقد سبي. فأما النقد الظاهر فهو الذي يتناول عدة أمور هي: ١ - إثبات صحّة الأصل أو الكتاب أو النص التاريخي لمؤلفه، وسلامته من التزوير والانتحال، ومما يساعد في ذلك معرفة نوع الورق والقلم والخط الذي خط به، ولغة الكتاب، وهل هذه الأمور - وهي الورق، والخط، والقلم، واللغة - مما كان سائدا في عصر المؤلف؟ وهل هو خطه الذي عرف به من خلال كتبه الأخرى إن وجدت؟ ٢ - التعرف على شخصية المؤلف ومنزلته العلمية، ومكانته الاجتماعية، وكونه ثقة مأمونًا فيما ينقله، ومدى مقدرته على تصوير الحديث التاريخي، بحيث لا يبعد عن الحقيقة.

стр. 19

٣ - معرفة زمان ومكان الكتابة، فتدوين المؤرّخ الحدث التاريخي بعد وقوفه عليه، وقربه منه زمانًا ومكانًا يجعل كتابته أكثر قبولًا وأكثر مطابقة للواقع، بخلاف فيما لو كان التدوين عن ناقل للحدث التاريخي بحيث لم يعاصر الكاتب الحدث بنفسه بل كان بعيدا عنه زمانًا أو مكانًا، فإن هذا يجعل خيره أكثر عرضة لتطرق الوهم والمبالغة ومخالفة الحقيقة وبالتالي فقدان الكتاب أهميته ومكانته العلمية. ثانيًا: النقد الباطن: أوَّلا: النقد الباطني الإيجابي: وهو عبارة عن تحليل الأصل أو النص التاريخي بقصد تفسيره وإدراك معناه ويمر في مرحلتين: ١ - تفسير ظاهر النص وتحديد المعنى الحرفي له. ٢ - إدراك المعنى الحقيقي للنص ومعرفة غرض المؤلف مما كتبه لذلك يجب الإلمام بلغة الكتاب وأسلوبه، ومعرفة لغة عصر المؤلف ويمكن الاستعانة بمؤلفات المؤرّخ الأخرى أو مؤلفات عصره، ومعرفة البيئة التي عاش فيها أيضًا، وينبغي دراسة المعنى في جزئيات النص لفهم معناه العام كما أنه لا بد من دراسة معناه العام لفهم جزئياته. ولا بد من معرفة غرض المؤلف من مؤلفه، والمعنى الحقيقي الذي يريده من كتابه، فمن الجائز أنه كتب بعض الأساليب والتراكيب غير الواضحة وفي هذه الحالة لا يؤدي ظاهر النص إلى المعنى المقصود،

стр. 20

وتعرض المؤرّخ حالات كثيرة من هذا النوع تحتوي على تشبيه أو محاز أو استعارة أو كنية أو رمز أو هزل أو مداعبة أو تلميح أو تعريض وعلى ذلك فإن فهم المعاني الحقيقة للعبارات الغامضة في الأصول التاريخية هو من أهم واجبات النقد التفسيري الإيجابي. ثانيًا: النقد الباطني السلبي: وفيه يتحقق المؤرّخ من أمرين: ١ - التثبت من صدق المؤلف فيما نقله وهل كذب فيه أم لم يكذب؟ ٢ - التثبت من صدق المعلومات التي أوردها و مبلغ دقتها، وهل أخطأ في نقله أو خدع بشأنها. لأن المؤلِّف قد يكذب طمعًا في نوال فائدة شخصية فيعمد بالكذب إلى خداع القارئ لكي يسوقه إلى استنتاج خاطئ، وأشد أنواع الكذب تأثيرًا في النفس ما احتوى على عنصر من الحقيقة، واحتوى على تبديل وتغيير وعرض بأسلوب خاص. وقد يكذب المؤرّخ ويخالف الحقيقة لوجوده في ظروف اضطرته لذلك كالظروف السياسية أو الحربية أو الوطنية. وقد يذكر جزء من الحقيقة حسب ما تقتضيه المصلحة، وقد يكره المؤلف أو يحب فئة معينة أو أسرة أو حزبًا أو طبقة اجتماعية خاصة أو شعبا أو دولة، وقد يكون من أنصار مبدأ أو مذهب معين، فيتصرف في الخبر ويصوره بما يوافق هواه.

стр. 21

وقد يغيِّر المؤرّخ الحقيقة التاريخية لغروره الشخصي أو مباهاته بأهله وعشيرته، فيصور نفسه أو أهله أو عشيرته بأنهم أهل للتقدير والثناء والتبجيل، وذلك بأن ينسب إليهم ما لم يفعلوا أو يقولوا من الأفعال والأقوال الحميدة، ويعطيهم دورًا في التاريخ ليسوا أهلًا له. وقد يذكر المؤرّخ أخبارًا مخالفة للحقيقة أو فيها نوع من المبالغة والخيال والنوادر والعجائب لشد أسماع الناس إليه والاهتمام بأخباره. وقد يذكر المؤرّخ أخبار مخالفة للحقيقة لعدم مقدرته على نقل الحقيقة كما وقعت لعدم تمتعه بحواس ونفسية سليمة، أو لعدم مقدرته على التعبير وتصوير الحدث كما وقع. وقد لا يصف المؤرّخ الحقيقة التاريخية كما وقعت لعدم وقوفه عليها وإن كان قريبا من الحدث زمان ومكان ولكنه تصوره وتخيله ونقل ذلك كخبر تاريخي (١). وقد ظهر مما تقدم من عرض منهج المحدِّثين والمؤرخين في نقد النصوص اشتراك المنهجين ظاهريا في نقد المتن وعدم قبول أي نصّ من غير تحليله وبيان إمكانية مطابقته للواقع من عدمها و تحكيم العقل في ذلك ويستثنى من ذلك نصوص الوحي التي لا يمكن تحكيم العقل فيها كأمور المغيّبات وما شابهها.

стр. 22

وقد تميز المحدّثون بصرامتهم في نقد أسانيد الأخبار وعدم اعتبار أي وثيقة أو حديث أو كتاب قابل للبحث والاعتناء ما لم ينقل بالسند المتصل لقائله، ثم لا يمكن الاعتماد على النص أو الكتاب إذا لم يكن جميع الأشخاص الوارد ذكرهم في سلسة الإسناد من المعروفين بالصدق والعدالة ولا شك أن هذه الصرامة في نقل الأسانيد تزيد القلب طمأنينة بصحة ما نقل من أخبار بهذه الأسانيد. ثم إن المحدِّثين لم يكونوا يقبلون الخير لمجرد صدق الراوي وورعه وتدينه بل كانو يخبرون أحاديثه ويزنونها ثم ينزلون كلًّا منزلته، قال أبو (١) الزناد ﵀: "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم الحديث يقال: ليس من أهله". وقال مطرف (٢): أشهد لسمعت مالكًا يقول: "أدركت بهذه البلاد مشيخة من أهل الصلاح والعبادة يحدثون ما سمعت من واحد منهم حديثا قط، قيل: فلم يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكونوا يعرفون ما يُحدِّثُون".

стр. 23

أما منهج المؤرِّخين فإنه لا يشترط معرفة رجال السند وعدالتهم بل يكتفي المورخ بصدق راوي الخبر وعدالته فيما روي ثم لا ينظرون إلى حاله فيما عدا ذلك هل يكذب أم يصدق؟ (١). وإنه بتطبيق منهج المحدِّثين على الروايات التاريخية سندًا ومتنًا، والاستفادة من منهج المؤرِّخين في نقد المتون خاصة فيما لا يمكن تطبيق المنهج الحديثي عليه من الروايات لوروده مثلا من غير إسناد وهو مما يتساهل فيه، تكمل الفائدة، وتستجلي الحقيقة، وتكون النصوص التاريخية أقرب إلى الحقيقة والصواب وأبعد عن الوهم والخرافة والأساطير. والله أعلم

стр. 24

أسباب اختيار الموضوع: ١ - الرغبة في جمع وتحقيق النصوص الواردة في شخصية عمر ﵁ وأحداث خلافته، وذلك للخروج بصورة أكثر واقعية ووضوحًا يمكن الاعتماد عليها في دراسة هذه الفترة المباركة من تاريخ الأمة الإسلامية. فإني لم أقف على كتاب متخصص يعني بدراسة شخصية عمر ﵁ وأحداث خلافته بشكل موسع وشامل مع دراسة النصوص الواردة بطرقها وأسانيدها دراسة نقدية حديثية يتبين بها ثبوت النص من عدمه. ٢ - أن هذه الدراسة إكمال للدراسة التي قمت بها في مرحلة الماجستير، والتي تناولت فيها دراسة المرويات المتعلقة بالنواحي المالية في خلافة عمر ﵁. منهجي في البحث: ١ - قمت بجمع المادة العلمية لهذا البحث باستقراء ما يزيد على مائي مصدر من مصادر السنة والتاريخ المسندة، وبعض المصادر في العقيدة، والأنساب والرجال والأدب، وكانت في غالبها من القسم المطبوع. وفيها بعض المصادر المخطوطة.

стр. 25

٢ - قمت بدراسة الآثار الواردة عن عمر ﵁ بعد جمع طرق كل أثر إن وجد له طرق، ودراسة كل طريق على حدة، ثم الحكم على الأثر بالصحة أو الحسن أو الضعف أو الوضع بعد اجتهادي في تطبيق قواعد المحدِّثين وأسأل الله أن يغفر لي خطأي. ٣ - قد يتبين لي بعد جمع طرق الأثر ودراسة بعضها عدم الحاجة الدراسة جميع طرقه لوروده بسند صحيح من أحد تلك الطرق، فأقتصر على هذا الطريق وألتزم إيراد نص الأثر الذي ورد بها، وأقول صحيح من طريق الحاكم مثلا، وذلك بعد ذكر من خرج هذا الأثر، ولا أعني بقولي هذا عدم ورود الأثر صحيحًا من طرق أخرى. أما إذا لم أقف على طريق صحيح من تلك الطرق، فإني أقوم بدراسة جميع طرقه التي قمت بحصرها، فإن كان يرتقي لدرجة الحسن لغيره بينت ذلك، وإن كان مما لا يتقوى حكمت بضعفه. ٤ - لم أورد عند دراسة الأسانيد أسانيد الطرق التي رويت بها الآثار، وذلك لكثرة هذه الطرق والتي سيطول بذكر أسانيدها تخريج الآثار كثيرًا، إلَّا إن رأيت أن الحاجة ماسة لذكر الأسناد تتضح الدراسة للقارئ فإني أذكرها.

стр. 26

٥ - إن غالب الطرق التي رويت بها الآثار في هذا البحث والتي قد يتقوى بها الأثر لدرجة الصحة أو الحسن لغيره هي من الشواهد وما كان من المتابعات صرحت به. ٦ - توقفت في الحكم على بعض الآثار التي لم يترجح لي في الحكم عليها شيء أو لورودها من غير إسناد. ٧ - حاولت بقدر المستطاع تتبع أقوال أئمة الجرح والتعديل في رجال السند الذي أقوم بدراسته وغالبًا ما أعتمد على قول ابن حجر، إلَّا إذا ترجح لي أن الصواب في قول غيره من أئمة الجرح والتعديل. ٨ - إذا كان الأثر في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بذلك عن دراسة طرق الأثر. ٩ - قمت بالتخلي عن عدد ليس بالقليل من الآثار الواردة عن عمر ﵁ بأسانيد ضعيفة بعد دراستها، وذلك لوجود ما يغني عنها، وخشية الإطالة بذكرها. أو لورودها من طرق الكذابين والوضاعين. ١٠ - راعيت في سرد أسماء من خرج الأثر الترتيب الزمني، فقدمت الأسبق وفاة إلَّا أن يكون الأثر في الصحيحين أو أحدهما فإني أقدمه.

стр. 27

١١ - لم أستخدم في هذا البحث سوي رمز واحد وهو (تق) التقريب التقريب لابن حجر. ١٢ - اعتمدت في بعض المصادر على أكثر من تحقيق أو طبعة لأن في كل تحقيق أو طبعة ما ليس في الآخر من الآثار التي أخرجها مصنف المصدر، وهذه المصادر هي: ١ - سنن سعيد بن منصور. بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي. وأيضًا بتحقيق الدكتور سعد بن عبدالله آل حميد. فإن كان الأثر في الأوَّل أشرت له بقولي: سعيد بن منصور السنن / الأعظمي. وإن كان في الثاني أطلقت. ٢ - شعب الإيمان للبيهقي. تحقيق الدكتور علي عبدالحميد حامد. وأيضًا بتحقيق محمد بسيوني زغلول. فإن كان الأثر في الأوَّل أطلقت، وإن كان في الثاني أشرت له بقولي: البيهقي / شعب الإيمان / زغلول. ٣ - تاريخ دمشق لابن عساكر. جزء خاص بترجمة عمر بن الخطاب ﵁ تحقيق سكينة الشهابي.

стр. 28

وطبعة محققة بتحقيق محب الدين عمر العمروي. فإن كان الأثر في الأوَّل أشرت له بذكر الصفحة فقط لأنه جزء واحد، وإن كان الأثر في الثاني أذكر الجزء والصفحة لتعدد أجزائه. وقد اعتمدت في موضع واحد فقط على النسخة المخطوطة التاريخ ابن عساكر، وقد ذكرت هذا في ذلك الموضع. ١٣ - استدللت في إثبات المسائل والقضايا الواردة في البحث على الآثار الثابتة الصحيحة والحسنة، وقد يرد فيها آثار ضعيفة تؤيد المعنى الثابت فإني أوردها مع بيان ضعفها. وقد لا يكون في المسألة التي أتناولها سوى آثار ضعيفة، فإن كانت تدل بمجموعها على المعنى المراد إثباته وتجعل له أصلا ويرتقي إلى درجة الحسن لغيره فإني أستدل بها مع بيان ضعف كل منها، بناء على قاعدة تقوية الحديث الضعيف الذي يكون ضعفه يسيرا وليس فيه متروك أو كذاب، واعتمادًا على قاعدة تقوية الخبر المنقطع إذا تعددت مخارجه، كما قال الإمام البيهقي ﵀: "ونحن لا نقول بالمنقطع إذا كان مفردا، فإذا انضم إليه غيره أو انضم إليه قول بعض الصحابة، أو ما يتأكد به المراسيل ولم يعارضه ما هو أقوى منه، فإنا نقول به" (١).

стр. 29

وكما تقدم في هذه المقدّمة (١) من بيان منهج المحدِّثين في عدم التشدد في الأمور التي لا علاقة لها بالأحكام والحلال والحرام، ولا تمسّ عدالة الصحابة ﵃، فإني أتساهل في الاحتجاج بها وقد سلكت منهج المؤرِّخين في النقد التحليلي لبعض النصوص التي لم تثبت من الناحية الحديثية. ١٤ - ترجمت للأعلام غير المشهورين في أول مرة يرد فيها ذكر العلم، فإن تكرر ذكره بعد ذلك فإني أحيل إلى مكان ترجمته بذكر الصفحة وقد لا أحيل اعتمادًا على وضعي فهرسًا للأعلام، وعرفت بأسماء الأماكن، والقبائل، وشرحت معنى الغريب من الكلمات والألفاظ.

стр. 30

خطة البحث: قسمت البحث إلى مقدمة وتمهيد وبابين وخاتمة. أمّا المقدّمة فقد ذكرت فيها شيئًا من أهمية دراسة تاريخ الخلفاء الراشدين دراسة نقدية تميز فيها الأخبار الثابتة من الباطلة، وأهمية دراسة خلافة عمر ﵁ خاصة. وذكرت فيها سبب اختياري لموضوع هذه الرسالة، وذكرت أيضًا منهجي في كتابة الرسالة. وذكرت في نهاية المقدمة نبذة عن أهم الدرسات السابقة التي تناولت الحديث عن شخصية عمر بن الخطاب ﵁ وأحداث خلافته أو المرويات الواردة عنه. أمّا التمهيد فإني تكلمت فيه عن منزلة أهل عمره وعشيرته في مكة قبل الإسلام. أمّا بابا الرسالة فهما: الباب الأوَّل: في شخصية عمر بن الخطاب ﵁، وفيه ثلاثة فصول. الفصل الأوَّل: نشأته، وصفاته الخلقية والخلقية. وفيه مبحثان: المبحث الأوَّل: نشأته، وفيه أربعة مطالب: المطلب الأوَّل: اسمه، نسبه، لقبه، ولادته، وصفاته الخلقية. المطلب الثاني: حياته في الجاهلية.

стр. 31

المطلب الثالث: إسلامه وهجرته. المطلب الرابع: أحواله المعيشية. المبحث الثاني: صفاته الخلقية، وفيه ثلاثة مطالب. المطلب الأوَّل: صفاته الخلقية الدالة على قوة إيمانه. المطلب الثاني: صفاته الخلقية الدالة على عزمه، وقوة إرادته وكمال شخصيته. المطلب الثالث: صفاته الخلقية الدالة على سماحته ولين جانبه. الفصل الثاني: فضائله، وفيه مبحثان. المبحث الأوَّل: شهادة النبي ﷺ له بالفضل، وفيه مطالبان. المطلب الأوَّل: الأحاديث الدالة على علو منزلته، ورفعة مكانته. المطلب الثاني: الأحاديث الدالة على كمال دينه وسعة علمه. المبحث الثاني: شهادة الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين ومن بعدهم له بالفضل، وفيه مطلبان. المطلب الأوَّل: شهادة الصحابة ﵃ له بالفضل. المطلب الثاني: شهادة التابعين ومن بعدهم له بالفضل.

стр. 32

الفصل الثالث: حياة عمر ﵁ مع النبي ﷺ وأبي بكر الصديق ﵁ وفيه مبحثان. المبحث الأوَّل: حياته ﵁ مع النبي ﷺ وعنايته به، وتوقيره له وفيه مطلبان: المطلب الأوَّل: حياته مع النبي ﷺ وعنايته به، وتوقيره له. المطلب الثاني: أهم أعماله ومشاركاته في حياته مع النبي ﷺ . المبحث الثاني: حياته مع أبي بكر الصديق ﵁، وفيه مطلبان: المطلب الأوَّل: توقير عمر ﵁ لأبي بكر ﵁ ومعرفته لفضله. المطلب الثاني: مواقفه ومشاركاته في خلافة أبي بكر ﵁. الباب الثاني: السياسة الإدارية للدولة في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وفيه فصلان. الفصل الأوَّل: الجهاز الإداري للدولة، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأوَّل: الخليفة، وفيه مطلبان. المطلب الأوَّل: خلافته وما ورد فيها، وكيفية استخلافه. المطلب الثاني: حقوقه على رعيته، وواجباته نحوهم. المبحث الثاني: الولاة، وفيه أربعة مطالب.

стр. 33

المطلب الأوَّل: سياسة عمر ﵁ في تولية الولاة وعزلهم. المطلب الثاني: علاقة الخليفة بالولاة. المطلب الثالث: حقوق الولاة على الرعية وواجباتهم نحوها. المطلب الرابع: ولاة عمر ﵁ على الأمصار. المبحث الثالث: القضاة، وفيه ثلاثة مطالب. المطلب الأوَّل: قضاة عمر في الأمصار. المطلب الثاني: كيفية القضاء وآدابه. المطلب الثالث: شروط القاضي وصفاته [¬*]. الفصل الثاني: التنظيمات الإدارية العامة في المجتمع، وفيه ستة مباحث: المبحث الأوَّل: الاهتمام بالنواحي الدينية والعلمية، وفيه أربعة مطالب. المطلب الأوَّل: العناية بالكتاب والسنة. المطلب الثاني: العناية بالعقيدة. المطلب الثالث: الاهتمام بإقامة شعائر الدين. المطلب الرابع: الاهتمام بالعلم والعلماء. المبحث الثاني: الاهتمام بالنواحي الأخلاقية، وفيه أربعة مطالب.

стр. 34

المطلب الأوَّل: الحث على مكارم الأخلاق، والبعد عن مساوئها. المطلب الثاني: إزالة أسباب الفتنة وانتشار الرذيلة. المطلب الثالث: معاملة الفساق والعصاة. المطلب الرابع: إقامة الحدود. المبحث الثالث: الاهتمام بالنواحي الاجتماعية، وفيه ثلاثة مطالب. المطلب الأوَّل: العناية بالنكاح والعلاقة الزوجية. المطلب الثاني: الحث على التكافل الاجتماعي وإزالة أساب الفرقة، والاختلاف. المطلب الثالث: الاهتمام بالأنساب والأسماء. المبحث الرابع: الاهتمام بالحياة المعيشية، وفيه مطلبان. المطلب الأوَّل: الاهتمام بالكسب وطلب الرزق. المطلب الثاني: الاهتمام بالمصالح الشخصية، وفيه أربعة مسائل. المسألة الأولى: الاهتمام بالأطعمة والأشربة. المسألة الثانية: الاهتمام بالألبسة. المسألة الثالثة: الاهتمام بالمساكن. المسألة الرابعة: الاهتمام بالصحة. المبحث الخامس: معاملة العبيد والإماء وأهل الذمة، وفيه مطلبان. المطلب الأوَّل: معاملة العبيد، والإماء. المطلب الثاني: معاملة أهل الذمة.

стр. 35

المبحث السادس: الاهتمام بالنواحي الجهادية والقتالية، وفيه مطلبان. المطلب الأوَّل: التعبئة القتالية، والإعداد العسكري. المطلب الثاني: أصول القتال وآدابه. وقد ذكرت عقب هذا الفصل وفاة عمر ﵁ واستشهاده. وأمّا الخاتمة فقد ذكرت فيها أهم نتائج البحث. وقد ألحقت بهذا البحث بعض الفهارس المساعدة وهي: ١ - فهرس الآيات القرآنية. ٢ - فهرس الأحاديث النبوية. ٣ - فهرس الآثار. ٤ - فهرس الأعلام. ٥ - فهرس رجال السند المتكلم فيهم. ٦ - فهرس الأماكن. ٧ - فهرس الموضوعات كلمة تقدير وشكر هذا وأخيرا فإني أحمد الله أولًا وآخرًا الذي منَّ عليَّ بإتمام هذا البحث، ووفقني للقيام بهذا العمل الجليل، أسأله أن يتقبله مني، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به أهل العلم.

стр. 36

كما أني أشكر القائمين على هذه المؤسسة العلمية المنيفة؛ الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، أسأل الله أن يجزل لهم المثوبة على ما قدموه من خدمة للعلم وطلبته، وأن يمدهم بالقوة لبذل المزيد من العمل من أجل رفعة هذا الصرح العلمي الكبير. كما أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان لمشرفي على هذا البحث فضيلة الشيخ الجليل الدكتور عمر بن حسن بن عثمان فلاته، الذي أفادني بجميل خلقه وعظيم تواضعه، قبل أن يفيدني بفريد توجيهاته وإرشاداته، وبذل لي الكثير من ثمين وقته، أسأل الله العلي القدير أن يثيبه على ذلك الثواب الجزيل، وأن ينفعني بتوجيهاته وإرشاداته، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته. كما أشكر فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري المشرف السابق على هذا البحث الذي أفدت كثيرًا من توجيهاته السديدة في وضع الخطوط العريضة لهذا البحث، أسأل الله العلي القدير أن يجعل ذلك امتدادا لحسناته وذخرا له في دنياه وأخراه. كما أشكر كل من أعاني على إتمام هذا البحث وإنجاز هذه الرسالة العلمية بإعارة لكتاب أو بنصيحة أو توجيه أو مشورة، وأخص منهم الشيخ الدكتور صالح بن حامد الرفاعي، والأخ الدكتور طلال بن سعود الدعجاني حفظهما الله، وأسأل الله للجميع عظيم الأجر والمثوبة في الدنيا والآخرة. وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

стр. 37

نبذة مختصرة عن أهم الدراسات السابقة التي تناولت خلافة عمر ﵁ أو الحديث عن شخصيته والآثار الواردة عنه ﵁ -. لقد تعددت الدراسات التي كتبت في خلافة عمر ﵁ أو تحدثت عن شخصيته ﵁ أو الآثار الواردة عنه ﵁، وتنقسم هذه الدراسات إلى قسمين هما: أوَّلًا: دراسات اهتم أصحابها ببيان حال النصوص والآثار المنسوبة إلى عمر ﵁ من حيث الصحة والحسن والضعف، ومعرفة ثبوتها عنه من عدمه ومن تلك الدراسات: ١ مسند الفاروق عمر بن الخطاب ﵁. تحقيق الدكتور مطر بن أحمد الزهراني. والكتاب جزء من جامع المسانيد للحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. وقد قام الدكتور بتحقيق الأحاديث والآثار الواردة في الكتاب ودراسة أسانيدها دراسة حديثية نقدية، والحكم عليها في رسالته المقدمة للدكتوراة بجامعة أم القرى.

стр. 38

والكتاب مرتب على الأبواب الفقهية، وهو ألصق بكتب السنة والفقه منه بكتب التاريخ، وقد اشتمل على عدد كبير من الآثار الواردة عن عمر ﵁ والتي يتعلق أكثرها بالمسائل الفقهية، واشتمل أيضًا على عدد من الأحاديث التي أسندها عمر ﵁ عن النبي ﷺ . وقد طبع هذا الكتاب في جزئين بتحقيق الدكتور عبدالمعطي قلعجي، والتحقيق الأوَّل أكثر دقة وشمو"، ولم أقف عليه مطبوعًا. ٢ - فصل الخطاب في فضائل عمر بن الخطاب لابن عبدالهادي الدمشقي ﵀. ت ٩٠٩ هـ. دراسة وتحقيق الدكتور عبدالعزيز بن محمد الفريح، وإشراف فضيلة الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري. وهي رسالة تقدم بها الباحث لنيل درجة الدكتواره بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام ١٤١٥ هـ. والكتاب كما يظهر من عنوانه مؤلف لإبراز فضائل عمر ﵁، ولم يحرص مؤلفه على ذكر أحداث خلافة عمر ﵁ وسردها تاريخيًا أو استقصاء أو حصر المرويات والأخبار الواردة في ذلك، أو في شخصية عمر ﵁، لذلك فإنه لم يذكر مسائل هامة في خلافة عمر ﵁ وحياته، وإن كان قد أورد ما يزيد على الألف

стр. 39

أثر مما يتعلق بشخصية عمر ﵁، وأقواله في العقيدة والفقه والأخلاق، والمعاملات، وقد تطرق لذكر الفتوحات في عهده ﵁، وأسماء قضاته بشكل سريع وموجز. وقد أكثر المؤلف من تكرار الآثار التي يوردها عن عمر ﵁ في أبواب الكتاب ومسائله كما أشار إلى ذلك المحقق. وقد بذل المحقق جهدًا مشكورًا في تحقيق النصوص والآثار الواردة عن عمر ﵁، فخرج الآثار وعزاها إلى مصادرها في الغالب، ولم يلتزم بالحكم على الأسانيد، وإن كان قد قام بذلك غالبًا، ونقل أقوال العلماء إن وجدت في الحكم على الأسانيد. ٣ - عصر الخلافة الراشدة للدكتور أكرم ضياء العمري. وهو كتاب مختصر شامل لتاريخ الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. واهتم فيه المؤلف بتوثيق النصوص والآثار وتخريجها وعزوها إلى مصادرها، وحاول فيه تطبيق منهج المحدِّثين في نقد الروايات المتعلقة بالقضايا الهامة في خلافة الخلفاء الراشدين، وقام بالتوفيق بين الروايات المتعارضة أو ترجيح بعضها على بعض معتمدًا في ذلك على منهج النقد الحديثي والمنهج النقدي التاريخي للمتون.

стр. 40

وقد رتب المؤلف كتابه ترتيبًا موضوعيًا فقد تكلم على التعريف بالخلفاء الأربعة في بداية الكتاب ثم تكلم على بيعة الخلفاء الأربعة، وكيف تمت وسار على هذا في بقية الكتاب فهو يجمع النصوص الواردة في فترة الخلفاء الأربعة في كل موضوع على حده، كالولاة في عهدهم والفتوحات في عهدهم، والإصلاحات الداخلية، والفتن الداخلية. وقدم المؤلف لفصول الكتاب مقدمات قيمة وهامة. ثانيًا: دراسات عن أصحابها بدراسة خلافة عمر ﵁ وأخباره والآثار الواردة عنه، وأخذ الفوائد والعبر منها دون التحقق في الغالب من ثبوت تلك الأخبار والآثار عن عمر ﵁ من ناحية السند. وهذه الدراسات منها التاريخي، ومنها الفقهي التي عينيّ أصحابها بأخذ الأحكام الفقهية من الآثار الواردة عن عمر ﵁. أما الدراسات التاريخية فمنها ما هو شامل لفترة الخلفاء الراشدين، ومنها ما هو خاص بخلافة عمر ﵁. ومن الدراسات الشاملة لفترة الخلفاء الراشدين: ١ - جولة تاريخية في عصر الخلفاء الراشدين. تأليف الدكتور: محمد السيد الوكيل.
следующие страницы →