ولمكانة عمر ﵁ العلمية العالية فقد كان من أهل الفتوى من أصحاب النبي ﷺ ، قال مسروق بن الأجدع (١) ﵀: كان أصحاب الفتوى من أصحاب النبي ﷺ عمر وعلي، وابن مسعود، وزيد، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري ﵃ (٢).
وجاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ قوله: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة، رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه، قالوا: ومن ذاك؟ قال: عمر بن الخطاب، قال: وأمير لا يخاف، أو أحمق متكلف (٣).
وكان ﵁ شديد الحذر في الفتوى، قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: لم يكن أحد بعد النبي ﷺ أهيب لما لا يعلم من أبي بكر،
стр. 177
ولم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من عمر (١).
ومن العلوم التي كان عمر ﵁ يجيدها علم القراءة والكتابة وهما فنان لم يكن يجيدهما إلا القلائل من العرب في الجاهلية وأوائل الإسلام. ففي قصة همرة عمر ﵁ مع عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص أنه كتب بيده قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآية (٢). وبعثها إلى هشام بن العاص بمكة (٣).
وإن كانت قريش من أكثر قبائل العرب كتابة راءة وذلك لتحضرها وانشغالها بالتجارة التي تسلتزم ذلك (٤).
ومن العلوم التي نقل عن عمر ﵁ اهتمامه بها. ومعرفته لها الشعر. والشعر هو: ديوان العرب وصحيفة مفاخرهم، وسجل مناقبهم، وشاهد صوابهم وخطئهم، وأصل يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم، به يفتخرون، وبنابغيه يعتزون، لم تخل قبيلة من قبائلهم من شاعر يحمى
стр. 178
ذمارها، ويفاخر بأمجادها، ويصور عواطفها، وكانت القبيلة تزهو ويرتفع شأنها إذا نبغ منها شاعر ينافح عنها، ويشيد بمفاخرها، وكان للشعر تأثير كبير في نفوسهم يدلّ على ذلك أن الشاعر قد يخض بشعره شأن قبيلة ويرفع شأن قبيلة أخرى. ومن أمثلة ذلك:
قول جرير (١) في بني نمير من عامر بن صعصعة:
فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعباً بلغت ولا كلاباً
جعل هذا البيت كلّ نميري إذا سئل عن نسبه قال: إنه عامري.
وعكس ذلك قول الحطيئة (٢):
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم … ومن يساوى بأنف الناقة الذنبا
стр. 179
فقد رفع هذا البيت شأن بني أنف الناقة وجعلهم يفاخرون بقبيلتهم بعد أن كان الواحد منهم إذا سئل عن نسبه قال: من بني قريع. وهو نسب آخر لهم.
وبعد مجئي الإسلام كان النبي ﷺ يعلم مدى تأثير الشعر في نفوس العرب. فيأمر حسان (١) بن ثابت ﵁ أن يدافع وينافح عنه وعن صحابته، وأن يهجو المشركين. فيقول له ﷺ : "اهجهم وهاجهم وجبريل معك" (٢). ودعا له ﷺ فقال: "اللهم أيده بروح القدس" (٣).
وقد أوجد الإسلام الكثير من المعاني والأغراض بما جد من شؤون وأحداث لم تكن عند العرب من قبل، وكان من أهم هذه الأغراض الدعوة للجهاد وتحميس الجند وحضّهم على الاستبال والاستشهاد في
стр. 180
سبيل الله (١).
ومما جاء عن عمر ﵁ في بيان أهمية الشعر ما روي من قوله ﵁: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه" (٢).
وقد روي عنه ﵁ آثار فيها دلالة على حبّه سماع الشعر الذي لا لغو فيه. ومن ذلك أنه ﵁ سمع رجلاً يتغنى بفلاة من الأرض، فقال عمر ﵁: "الغناء زاد الراكب" (٣).
стр. 181
وروي عن خوات (١) بن جبير ﵁ قال: خرجنا حجاجاً مع عمر ابن الخطاب، فسرنا في ركب فيهم أبو (٢) عبيدة بن الجراح وعبد الرحمن (٣) بن عوف ﵄، فقال القوم: غننا يا خوات، فغناهم، فقالوا: غننا من شعر ضرار (٤). فقال عمر ﵁: "دعوا أبا عبد الله يتغنى من بنيات فؤاده". يعنى: من شعره. قال: فما زلت أغنيهم
стр. 182
حتى إذا كان السحر قال عمر ﵁: "ارفع لسانك يا خوات فقد أسحرنا" (١).
وروي أن عمر ﵁ بينما هو يسير في طريق مكّة في خلافته، ومعه المهاجرون والأنصار فترنم عمر ببيت. فقال له رجل من أهل العراق ليس معه عراقي غيره: "غيرك فليقلها يا أمير المؤمنين". فاستحيا عمر ﵁ من ذلك وضرب راحلته حتى انقطعت من الموكب (٢).
وكان عمر ﵁ كثيراً ما يتمثل بأبيات الشعر لذلك روي أنه كان
стр. 183
لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر (١).
ومن الأخبار الواردة عنه في ذلك:
ما روي من أنه ﵁ خرج في الجاهلية مع عمارة (٢) بن الوليد بن المغيرة إلى الشّام، فشذت ناقة له فلحقها عمر بعد طلب، فاعتقلها وطرحها لجنبها يسيراً فحسده عمارة على ما رأى من قوته، فقال: انحرها وهي لنا طعاماً، فاختبز عمر وطبخ وقدم إلى عمارة طعاماً، فقال له: الشحم الحار على الخبز الحار في اليوم الحار، ما تريد إلا قتلي، ثم وثب إليه يضربه، فبادر عمر إليه بالسيف، فهرب عمارة من بين يديه وعمر يقول:
والله لولا شعبة الكرم … وسبطة (٣) في الحي من خال وعم
لضمني الشر إلى مضم … وما أساء مطعم ولا ظلم
стр. 184
إذ خلط الخبز بلحم ودسم (١)
ومما قال عمر ﵁ يتمثل به من الشعر وهو محرم:
إليك تعدو قلقاً وضينها (٢) … معرضاً في بطنها جنينها
مخلفاً دين النصارى دينها (٣)
وروي أنه ﵁ كان يتمثل أيضاً وهو محرم وقد ركب راحلته، فتدلت فجعلت تقدم يداً وتؤخر أخرى بهذا البيت:
стр. 185
كأن راكبها غصن بمروحةٍ (١) إذا تدلت به أو شارب ثمل (٢).
وروي عن أسلم مولى عمر ﵁ أنه قال: خرجنا مع عمر بن
стр. 186
الخطاب إلى الشام، فاستيقظنا به ليلة، وقد رحّل (١) رواحلنا، وهو يرحل لنفسه ويقول:
لا يأخذ الليل عليك بالهم … والبس له القميص واعتم
وكن شريك رافع وأسلم (٢) … واخدم القوم حتى تخدم
فقال أسلم: فقلت - رحمك الله - يا أمير المؤمنين لو أيقظتنا كفيناك (٣).
وروي أنه ﵁ كان يعظ نفسه ويتمثل بهذا البيت:
لا يغرنك عشاء ساكن … فقد توافى بالمنيات السحر (٤).
стр. 187
ومما ثبت تمثله به من الشعر ما تقدم ذكره من أنه ﵁ مرّ بشعب ضجنان وذكر ما كان عليه في طفولته من الشيء وما هو عليه من النعمة والرخاء والخلافة فتمثل بهذا البيت:
لا شيء من الدنيا تبقى بشاشته … يبقى الإله ويفنى المال والولد (١).
ومما روي تمثله به قوله:
هون عليك فإن الأمور … بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك مَنْهِيُّها … ولا حاضر عنك مأمورها (٢).
وكان عمر ﵁ مع حبّه للشعر وتمثله به في مناسبات عديدة فإنه أثر عنه أنه كان ناقداً للشعر وعالماً بمعانيه.
فال الجاحظ: قال العائشي: كان عمر بن الخطاب أعلم الناس بالشعر (٣).
وقال ابن رشيق: كان عمر من أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة (٤).
стр. 188
ومن الأخبار التي جاءت عنه ﵁ والدالة على علمه بمعاني الشعر، وأغراضه، وأهدافه، ونقده لذلك، وثنائه ومدحه للشعر المشتمل على المعاني والأغراض الخيرة الحسنة، ونقده وذمّه للشعر ذي المعاني السيئة ومعاقبته لمن قاله:
١ - موقف عمر ﵁ من شعر النابغة الذبياني (١).
روي أن ربعي بن خراش قال: لما أتينا عمر بن الخطاب في نفر من غطفان قال: من أشعر شعرائكم؟
قلنا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين.
قال: من الذي يقول:
أتيتك عارياً خلقاً ثيابي … على خوف تظن بي الظنون
فألفيت الأمانة لم تخنها … كذلك كان نوح لا يخون (٢)
стр. 189
قلنا: النابغة.
قال: فمن الذي يقول:
كن كسليمان إذ قال الإله له … قم في البرية فاحجزها عن الفند (١)
قلنا: النابغة.
قال فمن الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة … وليس وراء الله للمرء مذهب (٢)
قلنا: النابغة.
قال: هذا أشعر شعرائكم حين ذهب إلى هذا المذهب (٣).
стр. 190
٢ - موقفه من هجاء الحطيئة (١) للزبرقان بن بدر التميمي (٢).
فقد جاء أن الحطيئة هجا الزبرقان بن بدر فشكاه إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إنه هجاني. فقال عمر ﵁: وما قال لك؟ فقال: قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال عمر ﵁: ما أسمع هجاء ولكنها معاتبة جميلة.
فقال الزبرقان: وما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس، والله يا أمير المؤمنين ما هُجيت ببيت قط أشدّ عليّ منه. سل ابن الفريعة يعنى حسان ابن ثابت (٣).
فقال عمر ﵁: علي بحسان. فجيئ به، فسأله عمر ﵁. فقال: لم يهجه ولكن سَلَح (٤) عليه. فأمر به عمر ﵁ فجعل في نقير
стр. 191
بئر (١) ثم ألقى عليه حفصة (٢). فقال الحطيئة:
ما ذا تقول لأفراخ (٣) بذي مرخ (٤) … حمر الحواصل (٥) لا ماء ولا شجر
стр. 192
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة … فاغفر عليك سلام الله يا عمر
فأخرجه عمر وقال: إياك وهجاء الناس. قال: إذن تموت عيالي جوعاً، هذا كسبي ومنه معاشي. قال: فإياك والمقذع من القول. قال: وما المقذع؟ قال: أن تخاير بين الناس فتقول: فلان خير من فلان، وآل فلان خير من آل فلان. قال: أنت والله أهجى مني. ويقال إن عمر ﵁ قال: والله لولا أن تكون سنة لقطعت لسانك (١).
قال ابن سلام الجمحي ﵀ في سؤال عمر ﵁ لحسان: ما تقول أهجاه؟ قال: وعمر يعلم من ذلك ما يعلم حسان ولكنه أراد الحجة على الحطيئة (١).
وقال العقاد ﵀: في قول عمر ﵁ للزبرقان بن بدر ﵁: ما أسمع هجاء ولكنها معاقبة. قال: فنسي أنه الأديب الراوية ولم يذكر إلا أنه القاضي الذي يدرأ الحدود بالشبهات، ولا يحكم بما يعلم ون ما يعلمه
стр. 196
أهل الصناعة (١).
٣ - ما روي من نقد عمر ﵁ لشعر الحطيئة وتكذيبه فيه.
روي الأصفهاني أن النبيّ ﷺ سبق على فرس له فجثا (٢) على ركبته وقال: إنه لبحر (٣).
فقال عمر ﵁: كذب الحطيئة يقول:
وإن جياد الخيل لا تستفزنا (٤) … ولا جاعلات
стр. 197
الريط (١) فوق المعاصم (٢)
لو ترك هذا أحد لتركه رسول الله ﷺ (٣).
стр. 198
ورى أن عمر ﵁ أنشد قول الحطيئة:
متى تأته تعشو (١) إلى ضوء ناره … تجد خير نارٍ عندها خير موقد
فقال عمر: كذب بل تلك نار موسى نبيّ الله ﷺ (٢).
стр. 199
٤ - موقفه من شعر زهير (١) بن أبي سلمى.
فال الجاحظ: قال العائشي: ولقد أنشدوه أي: عمر بن الخطاب ﵁ شعراً لزهير، وكان شعره مقدماً فلما انتهوا إلى قوله:
وإن الحقّ مقطعه ثلاث
يمين (٢) أو نفار (٣) أو جلاء (٤)
قال عمر ﵁ كالمعتجب من علمه بالحقوق وتفصيله بينها وإقامته أقسامها -:
وإن الحقّ مقطعه ثلاث: يمين أو نفار أو جلاء
стр. 200
يردِّد البيت من التعجب (١).
وذكر أن عمر ﵁ قال لابنة زهير: ما فعلت حلل هرم (٢) بن سنان التي كساها أباك؟
قالت: أبلاها الدهر. قال: لكن ما كساه أبوك هرماً لم يبله الدهر.
وقيل: إنه ﵁ قال لبعض ولد هرم بن سنان: أنشدني ما قال فيكم زهير. فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن. قال: يا أمير المؤمنين: إنا كنا نعطيه فنجزل. قال عمر: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم (٣).
стр. 201
وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال عمر بن الخطاب ليلة مسيره إلى الجابية: أين ابن عباس؟ قال: فأتيته … ثم قال: هل تروي لشاعر الشعراء؟ قلت: ومن هو؟ قال الذي يقول:
ولو أن حمداً يخلد الناس أخلدوا ولكن حمد الناس ليس بمخلد
قلت: ذاك زهير. قال فذاك شاعر الشعراء. قلت: وبم كان شاعر الشعراء؟ قال: لأنه كان لا يعاظل في الكلام، وكان يتجنب وحشي الشعر ولم يمدح أحداً إلا بما فيه.
قال الأصمعي: يعاظل بين الكلام: يداخل فيه، ويقال: يتبع حَوشِيَّ الكلام وَوَحْشِيَّ الكلام والمعنى واحد (١).
٥ - موقفه ﵁ من هجاء النجاشي (١) لبني العجلان قوم تميم (٢) بن مقبل.
روي أن بني العجلان كان يفخرون بهذا الاسم لقصة كانت لصاحبه في تعجيل قرى الأضياف إلى أن هجاهم به النجاشي فضجروا منه وسبوا به فاستعدوا عليه عمر بن الخطاب ﵁ فقالوا: يا أمير المؤمنين، هجانا فقال: وما قال؟ فأنشدوه:
إذا الله عادى أهل لؤم وَرِقَّةٍ … فعادى بني عجلان رهط ابن مقبل
فقال عمر بن الخطاب ﵁: إنما دعا عليكم ولعله لا يجاب، فقالوا: إنه قال:
قبيلة لا يغدرون بذمة … ولا يظلمون الناس حبة خردل
فقال عمر: ليتني من هؤلاء أو قال: ليت آل الخطاب كذلك أو كلاماً يشبه هذا. قالوا: فإنه قال:
стр. 204
ولا يردون الماء إلا عشية … إذا صدر الوُرَّاد عن كلّ منهل
فقال عمر: ذلك أقل للسكاك. يعني: الزحام، قالوا فإنه قال:
تعاف الكلاب الضاريات لحومهم … وتأكل من كعب بن عوف ونهشل
فقال عمر: كفى ضياعاً من تأكل الكلاب لحمه. قالوا: فإنه قال:
وما سمي العجلان إلا لقولهم … خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل
فقال عمر: كلنا عبد وخير قوم خادمهم. فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا فقال: ما أسمع ذلك. فقالوا: فاسأل حسان بن ثابت. فسأله فقال: ما هجاهم ولكن سلح (١) عليهم (٢).
قال ابن رشيق: وكان عمر ﵁ أبصر الناس بما قال النجاشي
стр. 205
ولكن أراد أن يدرأ الحد بالشبهات. فلما قال حسان ما قال، سجن عمر النجاشي وقيل: إنه حده.
وقال: كان عمر ﵁ عالماً بالشعر، قليل التعرض لأهله، استعداه رهط تميم بن أبي مقبل على النجاشي لما هجاهم، فأسلم النظر في أمرهم إلى حسان بن ثابت، فراراً من التعرض لأحدهما، فلما حكم حسان أنفذ عمر حكمه على النجاشي كالمقلد من جهة الصناعة، ولم يكن حسان على علمه بالشعر أبصر من عمر ﵁ بوجه الحكم (١).
ولما ذكر من حبّ عمر ﵁ لسماع الشعر وتمثله بأبيات منه في مناسبات عديدة ونقده له وعلمه بمعانيه روي أنه ﵁ كان شاعراً.
قال الشعبي (٢) ﵀: "كان أبو بكر شاعراً، وكان عمر شاعراً، وكان عليّ بن أبي طالب شاعراً (٣). أي: عالماً بالشعر وبمعانيه
стр. 206
وأغراضه متذوقاً له".
لأن أهل النقد والأدب والشعر قديماً وحديثاً لم يذكروا عمر ﵁ في الشعراء ولم تثبت عنه قصائد وأبيات من نظمه (١)، بل روي عنه ﵁ أنه قال لمتمم بن نويرة أخي مالك (٢) بن نويرة: "لو كنت شاعراً أثنيت على أخي (٣) كما أثنيت على أخيك متمم". فقال: لو كان مهلك أخي
стр. 207
كمهلك أخيك لتعزيت عنه. فقال عمر: "ما رأيت تعزية أحسن من هذه" (١).
وكان لعمر ﵁ اهتمام بأخبار الجاهلية وخاصة ما له تعلق بالإسلام وأحكام الدين، فقد أرسل عمر ﵁ إلى شيخ من بني زهرة كان قد أدرك الجاهلية فجاء الشيخ إلى عمر وهو في حِجر الكعبة، فسأله عمر رضي لله عنه عن أولاد من أولاد الجاهلية فقال
стр. 208
الشيخ: أما النطفة فمن فلان، وأما الولد فعلى فراش فلان، فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله ﷺ قضى بالفراش، فلما ولى الشيخ دعاه عمر، فقال: أخبرني عن بناء الكعبة، فقال: إن قريشاً تقربت لبناء الكعبة، فعجزوا واستقصروا فتركوا بعضاً في الحجر، فقال عمر: صدقت (١).
ومما اختص به عمر ﵁ من العلم صدق الحدس، وهو علم جِبلِّي خلقي، وقد أخبر ﷺ بذلك عن عمر حيث قال: إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم مُحَدَّثُون (٢)، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب (٣).
стр. 209
ومن الأخبار الدالة على اختصاص عمر ﵁ بذلك، ما رواه ابن عمر ﵁ قال: ما سمعت عمر ﵁ يقول لشيء قط: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن (١).
وقال علي ﵁: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر (٢).
وقال ابن مسعود ﵁: ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكاً يسدده (٣).
стр. 210
وقال عبد الله بن سلمة المرادي (١) ﵀: دخلنا على عمر معاشر مذحج (٢)، وكنت من أقربهم منه مجلساً، فجعل عمر ينظر إلى الأشتر (٣) ويصرف بصره، فقال: أمنكم هذا؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ماله قاتله الله، كفى الله أمة محمد ﷺ شره، والله إني لأحسب أن للناس منه يوماً عصيباً (٤).
ولعلّ مما يلتحق بذلك وهو من كرامات عمر ﵁ ما رواه عبد الله ابن عمر أنّ عمر بن الخطاب ﵄ بعث جيشاً وأمّر
стр. 211
عليهم رجلاً يدعى سارية (١)، فبينما عمر يخطب الناس يوماً فجعل يصيح وهو على المنبر: "يا ساري الجبل يا ساري الجبل". قال: فقدم رسول الجيش، فسأله فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمناهم، فإذا بصائح يصيح: "يا ساري الجبل" فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله (٢).
وجاء في رواية أن عمر ﵁ قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال ابن من؟ قال ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحرقه، قال: أين مسكنك؟ قال: الحرة، قال بأيها؟ قال: بذات لظى، قال: أدرك أهلك فقد
стр. 212
احترقوا، فرجع الرجل، فوجد أهله قد احترقوا (١).
وقال طارق بن شهاب (٢) رحمه الله تعالى: كان رأي عمر كيقين
стр. 213
آخر (١).
وجاء عنه أنه قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حدث به أنه كذب فهو عمر (٢).
стр. 214
ومن العلوم التي وهبها الله تعالى لعمر وعرف بها علم القيافة، قال الحكم بن أبي العاص (١): كنت قاعداً مع عمر بن الخطاب، فأتاه رجل فسلم عليه، فقال له عمر: بينك وبين أهل نجران (٢) قرابة؟ قال الرجل: لا، قال عمر: بلى، قال الرجل: لا، قال عمر: بلى والله، أنشد الله كل رجل من المسلمين يعلم أن بين هذا وبين أهل نجران قرابة لما تكلم. فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين بلى بينه وبين أهل نجران قرابة من قبل كذا وكذا، فقال له عمر: مه فإنا نقفو الآثار (٣).
стр. 215
وروي أن عمر ﵁ مر به رجل ضخم طويل سبط (١)، ثم اتبعه رجل نحيف جعد أسود، فقال عمر: هما أخوان، فنظر فإذا هما أخوان، وكان عمر قائفاً (٢).
المسألة الثالثة: أسرته وحياته المعيشية.
أولاً: أسرته.
١ - زوجاته ﵁:
كان عدد من تزوج بهن عمر بن الخطاب ﵁ أربع عشرة امرأة وهن:
١ - أم كلثوم بنت جرول الخزاعية، كانت زوجته ﵁ في الجاهلية.
٢ - قريبة بنت أبي أمية المخزومية وكانت أيضاً زوجة له قبل الإسلام، وهاتان الزوجتان طلقهن عمر ﵁ لما نزل قوله تعالى ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٣)، وذلك بعد صلح