وهم على الباطل، فخرج عمر، فطاف بالبيت ثم مر بقريش وهي تنتظره، فقال أبو جهل: زعم فلان إنك صبوت، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فوثب المشركون إليه، فوثب على عتبة بن ربيعة، فبرك عليه، فجعل يضربه، وأدخل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فخرج رسول الله ﷺ وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطلب حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلناً، ثم انصرف رسول الله ﷺ (١).
وكانت تلك العزة بإسلام عمر استجابة من الله لدعوة نبيه ﷺ أن يعز الله دينه وينصره بأحب الرجلين إليه بأبي جهل أو عمر بن الخطاب ﵁ (٢).
وجاء في رواية ضعيفة أنه ﷺ قال: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو عامر (١)
стр. 148
ابن الطفيل (١).
وروي أن النبي ﷺ دعا لعمر ﵁ بعد إسلامه، وقال: "اللهم أخرج ما في صدره من غل، وابدله له إيماناً، ثلاث مرات، وضرب صدره بيده" (٢).
ثانياً: هجرته.
تقدم أن عمر ﵁ تعرض بعد إسلامه للإيذاء من قبل مشركي قريش وذلك بعد أن أعلن إسلامه ولم يكف عنه المشركون حتى أجاره العاص بن وائل السهمي، فلما أذن الله لرسوله ﷺ بالهجرة إلى المدينة كان ﵁ من المهاجرين الأولين على الرغم من منزلته ومكانته بمكة التي تنكر لها القرشيون بعد إسلامه، قال ابن عمر ﵄: لما قدم المهاجرون الأولون من مكة إلى المدينة نزلوا
стр. 149
بالعصبة (١) إلى جنب قباء، فأمهم سالم مولى أبي حذيفة لأنه كان أكثرهم قرآناً، فيهم عمر بن الخطاب، وأبو سلمة بن عبدالأسد (٢).
وهاجر ﵁ مستخفياً كالمهاجرين قبله والمهاجرين بعده ومنهم رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁.
قال ﵁ وهو يحكي قصة هجرته: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة (٣)، وهشام بن العاص بن وائل
стр. 150
السهمي (١) التناضب من أضاة بني غفار (٢)، فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه، قال: فأصبحت أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنا هشام، ففتن فافتتن (٣).
ولحق بعمر ﵁ عدد من قرابته وحلفائهم وعددهم عشرون.
стр. 151
قال البراء بن عازب (١) ﵁: أول من قدم علينا - يعني المدينة - مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي ﷺ (٢).
وممن هاجر مع عمر ﵁ ابنه عبد الله، فلما فرض عمر ﵁ العطاء فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟ فقال: إنما هاجر به أبواه، يقول: ليس هو كمن هاجر بنفسه (٣).
стр. 152
ولما وصل عمر ﵁ المدينة نزل ومن معه العُصبة (١) وهي من منازل الأوس، وجاء في رواية أنه نزل على رفاعة (٢) بن عبد المنذر. ولا تعارض في ذلك فرفاعة من الأوس سكان العصبة.
وجاء في رواية أن عمر ﵁ هاجر علانية وهي رواية مشهورة ولكنها لم تأت من طرق ثابته، وفيها أن عمر ﵁ لما هم بالهجرة، تقلد سيفه، وتنكب قوسه، وانتضى (٣) في يده أسهماً،
стр. 153
واختصر عنزته (١) ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعاً متمكناً ثم أتى المقام فصلى متمكناً، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة وقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس (٢)، من أراد ان تثكله أمه ويؤتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي، قال علي: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه (٣).
стр. 154
وكان وصول عمر ﵁ المدينة قبل وصوله ﷺ كما في حديث البراء بن عازب المتقدم الذكر (١) حيث ذكر وصوله ﷺ بعد قدوم عمر وروي عن عمر ﵁ أنه قال وهو يصف حال المسلمين بالمدينة قبل مقدم النبي ﷺ إليهم: كنا قد استبطأنا رسول الله ﷺ في القدوم علينا، وكانت الأنصار يغدون إلى ظهر الحرة، فيجلسون حتى يرتفع النهار، فإذا ارتفع النهار وحميت الشمس رجعت إلى منازلها، قال عمر: وكنا ننتظر رسول الله ﷺ إذا رجل من اليهود قد أومأ على أطم من آطامهم، فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا صاحبكم الذي تنتظرون، قال عمر: وسمعت الوجبة في بني عمرو بن عوف فأخرج من الباب، وإذا المسلمون قد لبسوا السلاح، فانطلقت مع القوم عند الظهر، فأخذ رسول الله ﷺ ذات اليمين، حتى نزل في بني عمرو بن عوف (٢).
стр. 155
وبعد وصول النبيّ ﷺ المدينة شرع الله له المؤخاة بين المهاجرين والأنصار في السنة الأولى من الهجرة، وذلك بسبب ما لقيه المهاجرون من فقد أموالهم، وهجرهم لأوطانهم وأهليهم وإصابتهم بالحمى. فأصبح لكلّ مهاجري أخاً من الأنصار. وترتب على المؤخاة حقوق خاصة كالمواساة والتعاون على أعباء الحياة بين الاثنين وكذلك توارثهما دون ذوي الرحم. فلما ألف المهاجرون الحياة في المدينة، وعوضهم عن بعض ما فقدوه من أموالهم بعد موقعة بدر ألغى الله تعالى التوارث بنزول قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ … ﴾ الآية (١).
وقد جاءت روايات متعددة في ذكر من أخى النبيّ ﷺ بينه وبين عمر بن الخطاب ﵁.
فروي أن النبي ﷺ آخى بين عمر ﵁ وبين بعض الصحابة فروي أنه ﷺ آخى بين عمر وبين أبي بكر الصديق ﵄ (٢)، وروي أنه آخى بينه وبين عتبان بن
آخى بينه وبين معاذ بن عفراء (١) ﵁ فالله أعلم.
وقد ذكر ابن حجر ﵀ أنه كانت هناك مؤاخاة أولى بين المهاجرين بعضهم بعضاً، لأن بعضهم كان أقوى بالمال والعشيرة، فعلى هذا يحمل ما ورد من مؤخاة النبيّ ﷺ مع أبي بكر، وهي مؤاخاة أولى (٢).
وأمّا أخو عمر ﵁ من الأنصار فلم يرد في تحديده نصّ ثابت. ولا شكّ أن النبيّ ﷺ آخى بينه وبين أحد الأنصار، والذي أرجحه - والله أعلم - أنه عتبان بن مالك، لأنه ثبت عن عمر ﵁ أنه كان له جار من الأنصار يتناوب معه النزول إلى النبيّ ﷺ (٣)، ووضح العلماء أن هذا الجار هو عتبان بن مالك، وذكر ابن حجر أنه ورد في كتاب الصلاة من صحيح البخاري أن عمر قال: كان لي أخ من الأنصار (٤).
وهذا هو الذي رجّحه ابن كثير وتابعه ابن أسحاق فيه (٥).
стр. 158
المطلب الرابع: حياته في الإسلام وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: التزامه الديني.
١ - قوة إيمانه: لقد كان عمر ﵁ من صحابة رسول الله ﷺ المقربين وممن شهد لهم النبي ﷺ بكمال الإيمان وصدق اليقين وذلك ثابت بالأحاديث الصحيحة التي سوف يأتي الكلام عليها في ذكر فضائل عمر ﵁ بمشيئة الله تعالى.
ومن أقواله وأفعاله ﵁ الدالة على صدق إيمانه واتباعه وتحقيقه التوحيد:
قوله ﵁ وهو يستلم الحجر الأسود ويقبله: "أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي ﷺ يقبلك ما قبلتك" (١).
стр. 159
وهو ﵁ بقوله هذا يعلن براءته من الإشراك بالله وعبادة الأحجار والأوثان والتبرك بها، ويظهر طاعته وانقياده لأوامر الله ورسوله والتسليم لها.
وروي عنه ﵁ أنه كان يقول عند استلام الحجر: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت (١).
ومن ذلك قوله ﵁: فيما الرملان الآن والكشف عن
стр. 160
المناكب، وقد أطأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ (١).
стр. 161
وهو ﵁ بين أن اتباعه للنبي ﷺ ليس مقيداً بمعرفة الحكمة والسؤال عنها في الأمر المتبع، ولكنه اتباع وطاعة مطلقة مصدرها
стр. 162
الإيمان المطلق بكل ما جاء عن رسول الله ﷺ وهذا هو الواجب على كل مؤمن ومؤمنه.
وقرأ ﵁ قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ (١) فقال: ما االأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب (٢).
ومن الأخبار الدالة على تحقيقه ﵁ التوحيد وبعده عن الشرك دقيقة وجليلة، ما ثبت من أن النبي ﷺ أدرك عمر ﵁ في ركب وعمر يحلف بأبيه، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"، قال عمر ﵁: فوالله ما حلفت بها ذاكراً ولا آثراً (٣).
стр. 163
ومما روي عن عمر ﵁ في الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به قوله: ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره (١).
٢ - اجتهاده في الطاعات:
كان عمر ﵁ كثير فعل الطاعات والقربات من الصلاة والصيام والصدقة كثير التضرع والدعاء لله ، فكان ﵁ يداوم على قيام الليل وهي خصلة أثنى الله على من اتصف بها وداوم عليها ووصف الله بها عباده المقربين، قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٢). سأل النبي ﷺ أبا بكر فقال: متى توتر؟ فقال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: أخذ هذا بالحزم، وقال لعمر:
فكان ﵁ يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا خشي الفجر أيقظ أهله فصلوا ما شاء الله (١).
وجاء عنه ﵁ أنه كان يتهيأ لصلاة الليل فإذا صلى العشاء أمر أهله أن يضعوا عند رأسه إناء فيه ماء ثم يرقد، فإذا تعار (٢) من الليل وضع يده في الماء ومسح به وجهه وذكر الله ثم ينام حتى تأتي الساعة التي يقوم فيها لصلاة الليل (٣).
стр. 166
وروي عنه ﵁ أنه ربما فاتته الصلاة من الليل فيقضيها من النهار، فقد روي أن رجلاً استأذن على عمر بالهاجرة، فحجبه طويلاً ثم أذن له، فقال: إني كنت نمت عن حزبي فكنت أقضيه (١).
وجاء عنه أنه كان يأتي مسجد قباء فيصلي فيه كل يوم اثنين وخميس (٢).
стр. 167
وكان عمر ﵁ يصوم من التطوّع ما شاء الله فكان يصوم الأيام البيض من كل شهر (١).
وجاء في رواية صحيحة أن عمر ﵁ سرد الصوم قبل موته بسنتين (٢).
وروي عنه أنه كان يجهد نفسه وهو صائم في الحر ويقول: أبشري بالري (٣).
стр. 168
وقال زياد بن حدير (١): رأيت عمر بن الخطاب ﵁ أكثر الناس صياماً وأكثر الناس سواكاً (٢).
وكان ﵁ كثير الصدقات فقد قال ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ يوماً أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله.
قال: وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً (٣).
стр. 169
وأتى عمر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها"، فتصدق بها عمر أنه لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول (١).
قال ابن عمر ﵄: تصدق عمر بمال له على عهد رسول الله ﷺ وكان يقال له ثمغ وكان نخلاً (٢). وقد بين عمر مصدر هذا المال فقال: يا رسول الله ﷺ إني أصبت مالاً لم أصب مثله قط كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها، وإني قد أردت أن أتقرب بها إلى الله … الحديث (٣).
стр. 170
وكان عمر ﵁ كثير الدعاء والتضرع إلى الله ، فكان يدعو الله بجوامع الدعاء ومن دعائه ما رواه أبو العاليه (١) ﵀ قال: أكثر ما كنت أسمع عمر يقول: اللهم عافنا واعف عنا (٢).
وكان يسأل الله المغفرة وأن يبدل الله سيئاته حسنات.
قال عبد الرحمن بن مل أبو عثمان النهدي (٣): سمعت عمر بن الخطاب يقول: اللهم إن كنت كتبت علي ذنباً أو إثماً أو ضغناً فاغفره لي، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب (٤).
стр. 171
المسألة الثانية: في علمه وفقهه ﵁
كان عمر ﵁ ممن أوتي علماً كبيراً وفقهاً عظيماً. ولا شكّ أن ما اتصف به عمر ﵁ من صدق الإيمان بالله واليقين التام
стр. 172
وخلوص العقيدة من الشرك بأنواعه والبدع والشبهات وما اتصف به كذلك من حسن الالتزام بشعائر الدين والتقرب إلى الله تعالى بأنواع القربات من أسباب سعة علمه وفقهه ﵁. فقد شهد له بذلك رسول الله ﷺ فقال: "بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب"، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: "العلم" (١).
ومن شهادة الصحابة رضوان الله عليهم له بالعلم قول عبد الله ابن مسعود ﵁: لو وضع علم الناس في كفة ميزان، وعلم عمر في كفة لرجح علم عمر (٢).
وقال: إن عمر كان أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في
стр. 173
دين الله (١).
وروي عنه ﵁ أنه قال: إن كنا نحسب أن عمر قد انفرد بتسعة أعشار العلم (٢).
وروي عن حذيفة بن اليمان (٣) أنه قال: كأن علم الناس مدسوس
стр. 174
في حجر مع علم عمر (١).
وشهد له بذلك التابعون ومن بعدهم، قال مسروق بن الأجدع (٢) ﵀: انتهى علم أصحاب النبي ﷺ إلى هؤلاء النفر الستة: عمر وعلي وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء (٣)، وزيد بن ثابت (٤).
стр. 175
وقال قبيصة بن جابر (١): ما رأيت رجلاً أعلم بالله، ولا أقرأ لكتاب الله وأفقه في دين الله من عمر (٢).
وروي عن أيوب السختياني (٣) أنه قال: إذا بلغك اختلاف عن أصحاب النبي ﷺ ، فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر فشد يدك به فهو الحق وهو السنة (٤).
وعن رجل من أهل المدينة قال: دفعت إلى عمر بن الخطاب، فإذا الفقهاء عنده مثل الصبيان قد استعلى عليهم في فقهه وعلمه (٥).
стр. 176
ولمكانة عمر ﵁ العلمية العالية فقد كان من أهل الفتوى من أصحاب النبي ﷺ ، قال مسروق بن الأجدع (١) ﵀: كان أصحاب الفتوى من أصحاب النبي ﷺ عمر وعلي، وابن مسعود، وزيد، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري ﵃ (٢).
وجاء عن حذيفة بن اليمان ﵁ قوله: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة، رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه، قالوا: ومن ذاك؟ قال: عمر بن الخطاب، قال: وأمير لا يخاف، أو أحمق متكلف (٣).
وكان ﵁ شديد الحذر في الفتوى، قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: لم يكن أحد بعد النبي ﷺ أهيب لما لا يعلم من أبي بكر،
стр. 177
ولم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من عمر (١).
ومن العلوم التي كان عمر ﵁ يجيدها علم القراءة والكتابة وهما فنان لم يكن يجيدهما إلا القلائل من العرب في الجاهلية وأوائل الإسلام. ففي قصة همرة عمر ﵁ مع عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص أنه كتب بيده قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ … ﴾ الآية (٢). وبعثها إلى هشام بن العاص بمكة (٣).
وإن كانت قريش من أكثر قبائل العرب كتابة راءة وذلك لتحضرها وانشغالها بالتجارة التي تسلتزم ذلك (٤).
ومن العلوم التي نقل عن عمر ﵁ اهتمامه بها. ومعرفته لها الشعر. والشعر هو: ديوان العرب وصحيفة مفاخرهم، وسجل مناقبهم، وشاهد صوابهم وخطئهم، وأصل يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم، به يفتخرون، وبنابغيه يعتزون، لم تخل قبيلة من قبائلهم من شاعر يحمى
стр. 178
ذمارها، ويفاخر بأمجادها، ويصور عواطفها، وكانت القبيلة تزهو ويرتفع شأنها إذا نبغ منها شاعر ينافح عنها، ويشيد بمفاخرها، وكان للشعر تأثير كبير في نفوسهم يدلّ على ذلك أن الشاعر قد يخض بشعره شأن قبيلة ويرفع شأن قبيلة أخرى. ومن أمثلة ذلك:
قول جرير (١) في بني نمير من عامر بن صعصعة:
فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعباً بلغت ولا كلاباً
جعل هذا البيت كلّ نميري إذا سئل عن نسبه قال: إنه عامري.
وعكس ذلك قول الحطيئة (٢):
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم … ومن يساوى بأنف الناقة الذنبا
стр. 179
فقد رفع هذا البيت شأن بني أنف الناقة وجعلهم يفاخرون بقبيلتهم بعد أن كان الواحد منهم إذا سئل عن نسبه قال: من بني قريع. وهو نسب آخر لهم.
وبعد مجئي الإسلام كان النبي ﷺ يعلم مدى تأثير الشعر في نفوس العرب. فيأمر حسان (١) بن ثابت ﵁ أن يدافع وينافح عنه وعن صحابته، وأن يهجو المشركين. فيقول له ﷺ : "اهجهم وهاجهم وجبريل معك" (٢). ودعا له ﷺ فقال: "اللهم أيده بروح القدس" (٣).
وقد أوجد الإسلام الكثير من المعاني والأغراض بما جد من شؤون وأحداث لم تكن عند العرب من قبل، وكان من أهم هذه الأغراض الدعوة للجهاد وتحميس الجند وحضّهم على الاستبال والاستشهاد في
стр. 180
سبيل الله (١).
ومما جاء عن عمر ﵁ في بيان أهمية الشعر ما روي من قوله ﵁: "كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه" (٢).
وقد روي عنه ﵁ آثار فيها دلالة على حبّه سماع الشعر الذي لا لغو فيه. ومن ذلك أنه ﵁ سمع رجلاً يتغنى بفلاة من الأرض، فقال عمر ﵁: "الغناء زاد الراكب" (٣).