← Тараджим

Тараджим · id 120145

إنباء الأمراء بأنباء الوزراء

ابن طولون

Полный текст (119 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدّمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على سيد المرسلين وبعد؛ فهذه رسالة «إنباء الأمراء بأبناء الوزراء» لابن طولون الدمشقي تنشر لأول مرة بعد أن كانت مغيبة في خزائن الكتب، وهذه الرسال لها خصوصيتها وأهميتها وذلك للأسباب التالية: ١ - أنها واحدة من مصنفات ابن طولون الدمشقي وهو من المكثرين في التأليف حتى تجاوزت كتبه ورسائله السبعمائة والخمسين مؤلفا ولا يضارعه في كثرة التأليف سوى الإمام السيوطي ﵀. ٢ - هي إضافة مهمة إلى كتب تراجم الوزراء التي لم ينشر منها إلاّ أقل القليل فضلا عن ندرة تلك الكتب التي تناولت حياة الوزراء مثل «الإشارة إلى من نال الوزارة» لابن الصيرفي و «الوزراء والكتاب» للجهشياري و «الوزراء» للثعالبي فإن ما نشر منها لا يتجاوز عددها أصابع اليدين (١). ٣ - ومما يزيد في أهميتها أنها نسخة وحيدة-حسب علمي- وبخط المؤلف مما يوضح مدى الحاجة إلى بذل جهد مضاعف في

стр. 2

تحقيقها؛ لصعوبة خط ابن طولون كما هو معروف، وعدم اطلاعي على نسخة أخرى يقابل عليها عند التحقيق. ٤ - المدى الزمني التي غطته المخطوطة، فلم تقف عند عهد معين كالعصر العباسي أو الأيوبي، بل تجاوزته إلى العصر المملوكي والأيوبي، كذلك لم يكتف ابن طولون في عرض تراجم وزراء المشرق بل تعداها إلى الأندلس مثل ترجمة لسان الدّين ابن الخطيب. لهذا ولكل ما سبق رأيت من نشر هذا الكتاب المهم وأود أن ألفت نظر القارىء أنني لم أتوسع في ترجمة المؤلف، واقتصرت على ما لا يسع القارىء جهله اكتفاء مني بما نشر من مؤلفاته السابقة التي قام محققوها مشكورين بتتبع حياة ابن طولون العلمية والاجتماعية كما فعل العلامة محمد أحمد دهمان ﵀، كما أن المؤلف ألف في ترجمة حياته كتابا مفصلا وهو «الفلك المشحون في أحوال محمد بن طولون» الذي نشر ثانيه منذ عهد قريب. ***

стр. 3

ترجمة المؤلف اسمه ونسبه ومولده: هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ علاء الدين علي ابن الخواجه شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي الصالحي الحنفي. ولد بصالحية دمشق في ربيع الأول سنة ٨٨٠ هـ تقريبا. شيوخه: أخذ العلم عن علماء عصره وأشهرهم: ١ - القاضي ناصر الدين أبو البقاء محمد بن أبي بكر بن عبد الرحمن العمري القرشي المعروف بابن زريق (٨١٢ - ٩٠٠) كان عالما بالحديث النبوي. ترجمته في الأعلام للزركلي ٦/ ٥٨، والضوء اللامع للسخاوي ٧/ ١٦٩، والجوهر المنضد لابن المبرد ص ١٢٦ (١٤٢). ٢ - الخطيب سراج الدين عمر بن علي بن عثمان بن صالح الصيرفي (٨٢٤ - ٩١٧ هـ)، كان خطيب دمشق ومن علماء الحديث بها. ترجمته في الكواكب السائرة ١/ ٢٨٦، وشذرات الذهب (ط القدس) ١٠/ ٨٤.

стр. 4

٣ - جمال الدين يوسف بن حسن بن أحمد بن عبد الهادي المبرد الصالحي الحنبلي (٨٤٠ - ٩٠٩)، وقد ألف ابن طولون في ترجمته مؤلفا ضخما كما ذكره ابن العماد. ترجمته في الأعلام ٨/ ٢٢٥، وشذرات الذهب ٨/ ٤٣. ٤ - أبو الفتح شمس الدين محمد بن محمد بن علي بن عطية العوفي السكندري المزي (٨١٨ - ٩٠٦ هـ). ترجمته في الأعلام ٧/ ٥٣ والشذرات ٨/ ٣٠. ٥ - عبد القادر بن محمد ابن النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ. ترجمته في الأعلام ٤/ ٤٣، والكواكب السائرة للغزي ١/ ٢٥٠. ٦ - أخذ عن الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة ٩١١ هـ. أجازه مكاتبة. مؤلفاته: لقد ذكرت في المقدمة أنه من المكثرين من التصنيف حتى أن ثبت مؤلفاته حوى ذكر ثلاثة وخمسين وسبعمائة كتابا بعضها في مجلدات ك «مفاكهة الخلان» و «القلائد الجوهرية» وبعضها رسائل صغيرة لا تتعدى الكراس، ولم يطبع من هذا التراث الغني إلاّ أقله، فمن كتبه المطبوعة: ١ - الفلك المشحون في أحوال محمد بن طولون. ٢ - قيد الشريد في أخبار يزيد (ابن معاوية). ٣ - أعلام الورى بمن ولى نائبا من الأتراك بدمشق الشام الكبرى.

стр. 5

٤ - القلائد الجوهرية في تاريخ الصالحية. ٥ - إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين. ٦ - نقد الطالب لزغل المناصب. ٧ - المعزة فيما قيل في المزة. ٨ - اللمعات البرقية. ٩ - فص الخواتم فيما قيل في الولائم. ١٠ - مفاكهة الخلان في حوادث الزمان. ١١ - ضرب الحوطة على جميع الغوطة. . . . وغيرها كثير. انظر ذخائر التراث العربي ١/ ١٦٢. تلاميذه: ١ - شهاب الدين أحمد بن أحمد الطيبي الشافعي المتوفى سنة ٩٨١ هـ. ترجمته في الأعلام ١/ ٩١. ٢ - نجم الدين وقيل شمس الدين محمد بن محمد بن رجب البهنسي المتوفى سنة ٩٨٦ هـ. ترجمته في شذرات الذهب ٨/ ٤١٠. ٣ - علاء الدين علي بن عماد الدين إسماعيل بن موسى الشهير بابن ألوس المتوفى سنة ٩٧١ هـ. ترجمته في الشذرات (ط الأرناؤوط) ١٠/ ٥٣٠، ومعجم المؤلفين (ط الرسالة) ٢/ ٤٠٦.

стр. 6

٤ - شيخ الإسلام إسماعيل بن أحمد بن إبراهيم النابلسي الشافعي مفتي الشافعية المتوفى سنة ٩٩٣ هـ. ٥ - زين الدين عمر بن محمد بن أبي اليمن المعروف بابن سلطان المتوفى سنة ٩٩٧ هـ. ترجمته في الكواكب السائرة ٣/ ١٩٦، وعرف البسام ص ٣٧. ٦ - شيخ الإسلام أحمد بن شرف الدين يونس بن عبد الوهاب العيتاوي الشافعي المتوفى سنة ١٠٢٥ هـ. ترجمته في خلاصة الأثر ١/ ٣٦٩، وكحالة (ط الرسالة) ١/ ٣٣١. ٧ - شيخ الإسلام شهاب الدين أحمد بن أبي الوفاء علي بن إبراهيم المفلحي الصالحي ثم الدمشقي المتوفى سنة ١٠٣٥ هـ وقيل سنة ١٠٣٨ هـ. ترجمته في النعت الأكمل للكمال ابن الغزي ص ١٩٨، وخلاصة الأثر ١/ ١٦٥. ٨ - القاضي أكمل الدين محمد بن إبراهيم بن عمر بن مفلح المتوفى سنة ١٠١١ هـ. ترجمته في خلاصة الأثر ٣/ ٣١٤، والأعلام ٥/ ٣٠٣. مكانته العلمية وأراء العلماء فيه: لقد كان ابن طولون من العلماء الذين رسخت أقدامهم في العلم وبلغوا فيه شأوا بعيدا مما دعا الكثير من العلماء إلى وصفه بالعلم والحفظ وهاك أقوال بعضهم:

стр. 7

فقد قال عنه الغزي في كواكبه: الإمام العلامة المسند المفنن الفهامة. وقال عنه ابن العماد الحنبلي في شذراته: الإمام العلامة المسند المؤرخ. ووصفه العلامة محمد بن جعفر الكتاني في الرسالة المستطرفة: مسند الشام في عصره. وترجمه الكتاني الآخر في فهرس الفهارس بقوله: الإمام العلامة المحدث مسند الشام ومفخرته وحافظه. بعض الأمور المتصلة بحياته: وكما اشتهر الإمام ابن طولون بالعلم والحفظ في عصره فقد عرف عنه نظم الشعر ولكنه قليل ومن جيّده قوله ملمّحا بالحديث المسلسل بالأولية: ارحم محبك يا رشا ... ترحم من الله العلي فحديث دمعي من جفا ... ك مسلسل بالأولي ومن شعره: ميلوا عن الدنيا ولذاتها ... فإنها ليست بمحموده واتبعوا الحق كما ينبغي ... فإنها الأنفاس معدوده فأطيب المأكول من نحلة ... وأفخر الملبوس من دوده كذلك كانت له مشاركة في سائر العلوم حتى في التعبير والطب ومما يروى عنه أن الشيخ أحمد بن سليمان الشلاح قال: كنت عند والدي

стр. 8

فدخل عليه الشيخ شمس الدين ابن طولون زائرا فلما جلس تقدم رجل من الفقراء فقص على الوالد أنه رأى في منامه النبي ﷺ وأنه أسود اللون فقال الشيخ سليمان: هذا مولانا الشيخ شمس الدين يعبّر لك هذه الرؤيا فقال الشيخ شمس الدين: هذه الرؤيا تدل على أن الرائي مبتدع مخالف لسنّة النبي ﷺ ؛ لأن السواد غير صفة النبي ﷺ ، والرؤيا تدل على حال الرائي فالظاهر أنه على غير السّنّة فقال الرجل: ليس في عقيدتي شيء، لكني ربما تشاغلت عن الصلاة. فقال ابن طولون: وأي مخالفة أعظم من الصلاة. فأخذ عليه العهد بالتوبة. هذا بعض من أحواله ﵀ فقد قضى حياته في العلم والدرس. وتوفي ﵀ يوم الأحد حادي عشر أو ثاني عشر جمادى الأول سنة ثلاث وخمسين وتسعمائة، ودفن بتربتهم عند عمه القاضي جمال الدين بالسفح قبلي الكهف والخوارزمين ولم يعقب أحد ولم يكن له زوجة حين مات. ***

стр. 9

وصف المخطوطة اعتمدت في تحقيقها على نسخة وحيدة بخط المؤلف، والأصل موجود في خزانة برلين تحت رقم (٩٨٨٠)، وهي من المجموعة التي أهداها (لاند برج) ورقمها في المجموعة (٤٠٩ - ٧٠٤) وتتكون من (٢٠) ورقة في كل ورقة (٢٢) سطرا بالخط الدقيق، وهي مصورة عند أستاذي العالم الفاضل الدكتور محمد عيسى صالحين، وقد أهداني هذه المصورة لتحقيقها، فله مني جزيل الشكر ودوام العرفان. وفي الختام أود أن أشكر أخوين فاضلين فلولا الله ثم إلحاحهما لم تنشر هذه المخطوطة، وهما الشيخ الفاضل محمد بن ناصر العجمي، والشيخ الفاضل رمزي دمشقية، فجزاهما الله خير الجزاء في الدنيا والآخرة. وكتبه مهنّا حمد المهنّا الكويت-العمرية في ٥ من ذي الحجة سنة ١٤١٧ هـ الموافق ١٢/ ٤/١٩٩٧ م

стр. 10

صورة الصفحة الأولى من المخطوط صورة الصفحة الأخيرة من المخطوط

стр. 11

إنباء الأمراء بأنباء الوزراء تأليف شمس الدّين محمّد بن عليّ بن طولون المتوفى سنة ٩٥٣ تحقيق مهنّا حمد المهنّا

стр. 12

[مقدمة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي لا شريك له في ملكه ولا نظير ولا وزير، أحمده على كثرة نعمه علينا وقبل منّا اليسير، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده السميع البصير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله السراج المنير، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه كبيرهم والصغير، وبعد: فهذا تعليق سميته (إنباء الأمراء لأنباء الوزراء) (١) لم يشر عليّ بجمعه مشير وإنما ألهمني لذلك المولى القدير، وبه أستعين فإنه نعم المعين والنّصير، وبالإجابة لكل دعاء جدير. فنقول: قال الله تعالى: وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنابَصِيراً (٣٥) [طه:٢٩ - ٣٥] يعني قال موسى ﵇: يا رب اجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، يعينني على ما كلّفتني. واشتقاق الوزير إما من الوزر لأنه يحمل ثقل أميره أو من الوزر وهو

стр. 13

الملجأ لأن الأمير يعتصم برأيه ويلتجىء إليه في أموره، ومنه الموازرة، وقيل أصله من أزير من الأزر بمعنى القوة فعيل بمعنى فاعل، كالعشير والجليس قلبت همزتها كقلبها في موازن. وقال أبو البقاء (١): وزيرا الواو أصل لأنه من الوزر والموازرة، وقيل: هي بدل من الهمزة لأن الوزير يشد أزر الموازر وهو قليل، وفعيل هنا بمعنى الفاعل كالخليط. وفي الصحاح (٢): الوزير: الموازر كالأكيل والمواكل لأنه يحمل عنه (٣) وزره. والوزارة لغة في الوزارة. انتهى. وفي مفعولي اجعل ثلاثة أوجه: أحدها: أنهما وزير وهارون، ولكن قدّم المفعول الثاني للعناية، فعلى هذا يجوز أن يتعلق (لي) ب (اجعل) وأن يكون حالا من وزير. الثاني: أن يكون، «وزيرا»، مفعولا أول و «لي» الثاني و «هارون» بدل أو عطف بيان و «أخي» كذلك. والثالث: أن يكون المفعول الثاني «من أهلي» و «لي» تبيين، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص]، و «هارون أخي» على ما تقدم ويجوز أن ينتصب «هارون» بفعل محذوف، أي اضمم

стр. 14

إليّ هارون «اشدد» يقرأ بقطع الهمزة، «وأشركه» بضمها وجزمها على جواب الدعاء وهي قراءة ابن عامر (١) ويقرآن على لفظ الأمر «كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا» أي تسبيحا كثيرا [أ] (٢) ووقتا كثيرا فإن التعاون يهيّج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده، «إنك كنت بنا بصيرا» أي عالما بأحوالنا فإن التعاون مما يصلحنا وأن هارون نعم الولي لي فيما أمرتني به. ...

стр. 15

ومن أعيان الوزراء: ١ - أبو المواهب القميّ (١) وكان يدّعي أنه شريف علوي، وكان وزيرا للإمام الناصر/وكتب إليه نجم الدين يعقوب بن صابر المنجنيقي يعرّض بهذا الوزير: خليليّ قولا للخليفة أحمد (٢) ... توقّ وقيت الشرّ ما أنت صانع وزيرك هذا بين أمرين فيهما ... صنيعك يا خير البرية ضائع فإن كان حقّا من سلالة أحمد ... فهذا وزير في الخلافة طامع وإن كان فيما يدّعي غير صادق ... فأضيع ما كانت لديه الصنايع فلما وقف الناصر عليها كانت سبب تغيّره عليه وأمر فخرج إليه مملوكان مسرعين فهجما على الوزير في داره وضرباه بدواته على رأسه

стр. 16

وحملاه إلى المطبق (١) فكتب إلى الخليفة: إلقني في لظى فإن غيّرتني (٢) ... فتيقن أن لست بالياقوت عرف (٣) النسج كلّ من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت (٤) فكتب إليه الخليفة الجواب: نسج داود لم يفد صاحب (٥) الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السّمند في لهب النا ... ر يزيل (٦) فضيلة الياقوت اخترناك فصرفناك، واختبرناك فعرفناك والسّلام. ومن ها هنا أخذ المعنى ناصر الدين حسن بن النقيب: ودود القزّ إن نسجت حريرا ... يجمل لبسه في كلّ شيّ فإن العنكبوت أجلّ منها ... بما نسجت على رأس النبيّ وعلى ذكر العنكبوت ودود القز ذكرت قول محمد بن أبي الحسن المعروف بالأردخل: أقول إذا قالوا نراك مقطّبا ... إذا ما ادّعى دين الهوى غير أهله

стр. 17

يحقّ لدود القزّ يقتل نفسه ... إذا جاء بيت العنكبوت بمثله (١) وقال الآخر وهو أبو محمد القاسم بن القاسم بن عمر بن منصور الواسطي شارح «المقامات»: حق دود القزّ يبني ... فوقه ثم يموت بعد ما سدّى وقد صا ... ر يسدّي العنكبوت (٢) ...

стр. 18

ومن أعيانهم: ٢ - الوزير أبو الحسن القاسم ابن عبيد الله بن سليمان بن وهب (١) وزير الإمام المعتضد كان عظيم الهيبة، شديد الإقدام، سفاكا للدماء، الصغير والكبير منه على وجل لا يعرف أحد من أرباب الأموال معه نعمة. ذكر ابن خلّكان (٢): في ترجمة أبي الحسن علي بن الرومي الشاعر المشهور أن له في الهجاء كل معنى طريف، وكان الوزير أبو الحسن ابن وهب يخاف من هجوه وفلتات لسانه بالفحش، فدس عليه ابن فراس فأطعمه خشكنانه (٣) مسمومة وهو في مجلسه فلما أكلها وأحس بالسم قام، فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟ فقال: إلى الموضع الذي بعثتني

стр. 19

إليه (١). فقال له: سلّم لي على والدي. فقال: ما طريقي على النار. فخرج من مجلسه وأتى منزله فأقام أياما ومات يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وقيل أربع وثمانين وقيل ست وسبعين ومائتين ببغداد، ودفن في مقبرة باب البستان. قال: وكان الطبيب يتردد إليه ويعالجه بالأدوية النافعة للسم فزعم أنه غلط عليه في بعض العقاقير. قال إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي المعروف بنفطويه، رأيت ابن الرومي وهو يجود بنفسه، فقلت: ما حالك؟ فأنشد: غلط الطبيب عليّ غلطة مورد ... عجزت موارده عن الإصدار والناس يلحون الطبيب وإنّما ... غلط الطبيب إصابة المقدار وقال أبو عثمان الناجم الشاعر: دخلت على ابن الرومي أعوده فوجدته يجود بنفسه، فلما قمت من عنده قال لي: أبا عثمان أنت حميد قومك ... وجودك للعشيرة دون لومك (٢) تزوّد من أخيك فما أراه ... يراك ولا تراه بعد يومك وتوفي الوزير المذكور عشية الأربعاء لعشر خلون من شهر ربيع الأول (٣) سنة إحدى وتسعين ومائتين في خلافة المكتفي وعمره نيّف وثلاثون سنة وفي ذلك يقول عبد الله بن الحسن بن سعد:

стр. 20

شربنا عشية مات الوزير ... سرورا ونشرب في ثالثه فلا رحم الله تلك العظام ... ولا بارك الله في وارثه قلت وفي معنى هذين البيتين قول بعضهم: أقول وقد مرّ بي نعشه ... إلى سقر الله روح الشّقي فلا رحم الله من قد مضى ... ولا رضي الله عمن بقي قال ابن خلكان (١): وكان لهذا الوزير أخ يقال [له] (٢) أبو محمد الحسن، فمات في حياة أبيه وحياة الوزير فعمل أبو الحارث النوفلي وقيل -البسّامي-وهو الأصح ثم رأيت في (الذيل) (٣) للسمعاني في ترجمة علي بن المقلد بن عبد الله بن كرامة البواب، أن أبا الحارث النوفلي قال: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لمكروه نالني منه فلما مات أخوه الحسن كتبت على لسان البسّامي، وأنشد هذه الأبيات، وقال السمعاني قبل هذا الكلام: وقال أبو بكر الصولي النديم: وقد رأيت أبا الحارث هذا وكان رجلا صدوقا: قل لأبي القاسم المرزّا ... قابلك الدهر بالعجائب مات لك ابن وكان زينا ... وعاش ذو الشّين والمعايب

стр. 21

حياة هذا كموت هذا ... فلست تخلو من المصايب قال: وعمل آخر في المعنى ولا أعرفه. قل لأبي القاسم المرزّا ... وناد يا ذا المصيبتين مات لك ابن وكان زينا ... وعاش شين وابن (١) شين حياة هذا كموت هذا ... فالطم على الرأس باليدين انتهى كلام ابن خلكان. ويقرب من هذا المعنى قول الشيخ شمس الدين محمد بن الصايغ الحنفي يرثي الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي: أتيت يا موت بخطب عظيم ... وجئت بالأمر المرّ الجسيم الجاهل الناقص أبقيته ... و/رحت بالفاضل عبد الرحيم ونسج الشمس النواجي على هذا فقال: كأن جمالا درّ لفظة ألفاظه ... من فوق جيد الدهر عقد نظيم لهفي عليه إذا غدا راحلا ... وصار ذاك الدرّ درّا يتيم قلت: ورأيت بخط هذا الوزير [أن] (٢) موسى صلوات الله عليه لما أمره الله تعالى بالرسالة إلى فرعون لدعوته إلى الإيمان سأل الله تعالى أن يكون أخوه هارون معه قال الله تعالى: وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) (٣) [طه:٢٩،٣٢]، وقال

стр. 22

النبي ﷺ : إذا أراد الله بملك خيرا، قيّض له وزيرا صالحا، إن نسي ذكره، وإن نوى خيرا أعانه، وإن أراد شرا كفه عنه (١). وكان أنوشروان يقول: لا يستغني أجود السيف عن الصقل، ولا أكرم الدواب عن السوط، ولا أعلم الملوك عن الوزير. قلت: ولو لم يكن في الوزير إلاّ المشورة لكان كافيا، قال الله تعالى فيما أدب به رسول الله ﷺ : وَشاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ [آل عمران:١٥٩]، وقال الصلاح الصفدي: وما أحسن قول الشاعر: إذا عنّ أمر فاستشر به صاحبا ... وإن كنت ذا رأي تشير على الصّحب فإني رأيت العين تجهل نفسها ... وتدرك ما قد جلّ في موضع الشّهب وقلت أنا في المشورة: لا تسع في أمر ولا تعمل به ... ما لم يزنه لديك عقل ثاني فالشعر معتدل بوزن عروضه ... وكذا اعتدال الشمس بالميزان ...

стр. 23

ومنهم ٣ - يحيى بن خالد بن برمك (١) كان من محاسنه أنه خرج يوما من دار الخلافة قاصدا داره فرأى على باب داره رجلا فلما قرب منه نهض وسلم عليه وقال: يا يحيى إنا نحتاج إلى ما في يدك وقد جعلت الله وسيلتي إليك. فأمر أن يفرد له مكان بجانب داره وأن يحمل إليه في كل يوم ألف درهم وأن يكون طعامه من خاص طعامه، فبقي الرجل كذلك شهرا، فلما انقضى الشهر أخذ الرجل ثلاثين ألف درهم وانصرف فقيل ليحيى ذلك فقال: والله لو أقام مدة عمره لما منعته صلتي ولا قطعت عنه ضيافتي. وقيل إن ولده قال له (٢) وهو في السجن: يا أبه بعد الأمر والنهي والأموال صرنا إلى هذا! فقال: يا بني دعوة مظلوم غفلنا عنها. مات يحيى سنة تسعين ومائة في حبس الرقّة بعد قتل ولده جعفر، وله سبعون سنة. ...

стр. 24

ومنهم: ٤ - الفضل بن يحيى بن خالد (١) وكان كأبيه في السخاء والجود. قال سعيد الباهلي: انكسرت عليّ دينة (٢) عجزت منها ولزمتني (٣) أصحابها، فقصدت الفضل بن يحيى وشكوت له حالي فقال: أعانك الله، وقام لك بالكفاية. فخرجت وأنا لا أعرف الطريق من الخجل والهم، فقصدت بعض أصحابي فقعدت عنده وأنا مهموم، وإذا بغلامي قد أقبل فقال: يا سيدي ببابنا بغال كثيرة ومعهم شخص يقول: أنا وكيل الفضل، فقمت وإذا بوكيل الفضل فسلم عليّ ودفع إلي ورقة فيها مكتوب: إنك حين جئت إلي توجهت إلى الرشيد وأعلمته حالك، فأمر لك بألف ألف درهم، فقلت: يا مولانا! هذه لديونه فما الذي ينفق عليه وعلى عياله؟ فأمر لك (٤) بثمانمائة

стр. 25

ألف درهم أخرى، وقد حملت إليك (١) من خاص مالي مائتي ألف درهم لتكملة ألف ألف درهم فخذها بارك الله لك فيها. مات الفضل بن يحيى وهو أيضا في حبس الرشيد سنة اثنتين وتسعين ومائة ﵀. ...

стр. 26

ومنهم: ٥ - جعفر بن يحيى بن خالد (١) أخو الفضل، كان أصلهم من الفرس، وكان جعفر جليلا، لسنا، أديبا، بليغا، عالما، يضرب بجوده المثل، وكان مسرفا على نفسه، غارقا في بحر الملذات، تمكن من الرشيد حتى بلغ من الجاه والرفعة ما لا مزيد عليه، وتولى هو وأبوه وإخوته الأعمال الجليلة. يقال أن جعفر وقّع في ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ونظر في جميعها فلم يخرج شيئا عن موجب الفقه. وكان أبوه يحيى قد ضم جعفر إلى القاضي أبي يوسف وكان مثل أخيه في السخاء وأعظم، قال إسحاق: لما حج الرشيد حججنا معه، فلما دخلنا مكة قال لي (يا) (٢) جعفر: أبصر جارية مغنية، فطفت على حاجته حتى وجدتها فرجعت إليه وقلت: يا سيدي قد وجدت حاجتك، قال:

стр. 27

فامض بنا حتى نراها، فأخذته وتوجهنا إلى بيت سيد الجارية فأخرجها لنا فجلست وغنت فأعجب جعفر جمالها وغناؤها فاشتراها من مولاها بأربعين ألف دينار فلما حضر المال قالت الجارية لسيدها: يا مولاي لو كنت أنا ما بعتك بملء الأرض فبكت، فقال سيدها: أشهدكم أنها حرّة لوجه الله تعالى، فقمنا وحمل الغلام المال معنا، فقال له جعفر: إلى أين تذهب بمالي؟ أعطه لهما يستعينان به (١) على شدتهما، فأعطى الأربعين ألف دينار لسيد الجارية وانصرفنا. وقيل كان أبو علقمة الثقفي صاحب الغريب عند جعفر، فقال-وقد أقبلت إليه خنفساء-: أليس يقال أن الخنفساء إذا أقبلت إلى الرجل جاءت بخير، قالوا: بلى، فقال جعفر: يا غلام أعط الشيخ [ألف] (٢) دينار. ثم نحّوها عنه، فأقبلت الخنفساء، فقال: يا غلام أعطه ألفا أخرى. وقال الحافظ الذهبي (٣) -في ترجمة جعفر: عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي-صاحب صلاة الكوفة، قال: دخلت على أمي يوم النحر وعندها امرأة في أثواب رثّة، فقالت لي: أتعرف هذه؟ قلت: لا، قالت: هذه إيادة (٤) أم جعفر البرمكي فسلمت عليها ورحبت بها ثم قلت: يا فلانة حدثينا ببعض أمرك؟ قالت: أذكر لك جملة فيها عبرة/: لقد

стр. 28

هجم عليّ مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة جارية، وأنا أزعم أن ابني جعفر عاق لي وقد أتيتكم يقنعني جلد شاتين أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا. وفي سنة سبع وثمانين ومائة أوقع الرشيد بهم فقتل جعفر وصلبه على الجسر، وسنّه سبع وثلاثون سنة، وكان قتله في أول صفر ولم يعلم لأي شيء قتل جعفر المذكور وقد كثر الكلام في ذلك (١). وقتل بعده جماعة من البرامكة. ...

стр. 29

ومنهم: ٦ - الحسن بن سهل (١) الوزير أبو محمد، أخو ذي الرياستين [و] (٢) الفضل بن سهل الوزير أيضا، كانا من بيت رئاسة في المجوس فأسلما مع أبيهما في أيام الرشيد، واتصلوا بالبرامكة فضم يحيى البرمكي الأخوين الحسن والفضل ولدا سهل إلى ولديه الفضل وجعفر، فضم جعفر الفضل بن سهل إلى المأمون ابن الرشيد وهو ولي عهد فغلب عليه واتصل به، ولم يزل معه إلى أن قتل الفضل بن سهل (٣) فكتب المأمون بمنصبه وهو الوزارة إلى أخيه الحسن بن سهل المذكور، فاتصل أيضا به ولم تزل رتبته في ارتفاع عند المأمون إلى أن تزوج المأمون بنته بوران، وانحدر المأمون إلى فم الصّلح (٤) للدخول

стр. 30

بها وذلك سنة عشر ومائتين، وحكى صاحب (الاكتفا في تواريخ الخلفا) (١)، فقال: سار المأمون إلى فم الصّلح ونزل بسكن الحسن بن سهل الوزير وزفت إليه بوران فلما دخل إليها المأمون كان عندها حمدونة بنت الرشيد وأم جعفر وهي زبيدة أم الأمين وجدتها أم أبيها الحسن، فلما دخل بها المأمون نثرت جدتها عليه ألف لؤلؤة من أنفس ما يكون. وقيل: إنه لما دخل بها جلس يحادثها، وقد فرش لهما حصير منسوج بالذهب ونثرت جدتها عليها ألف ألف وثلاثمائة جوهرة كبارا وصغارا فنظر المأمون إلى الجواهر وهي على الحصير [و] (٢) قال: قاتل الله أبو نواس كأنه كان حاضرا هذا المجلس حيث يقول (٣): كأن صغرى، وكبرى في فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب فأمر المأمون بذلك فجمع ودفعه لبوران ثم قال لها: سلي حاجتك؟ فأمسكت بوران، فقالت لها جدتها: سلي سيدك فقد أمرك فسألته الرضى

стр. 31

عن إبراهيم [ابن] (١) المهدي فأنعم لها وسألته الإذن لأم جعفر زبيدة في الحج فأذن لها، فألبستها أم جعفر البذلة الأموية الملؤلؤة وكان عليها من الجواهر ما لم ير مثله في الدنيا، وأقام المأمون عند الحسن بن سهل سبعة عشر يوما يعدّ له كل يوم ولجميع من معه ما يحتاج إليه. وخلع الحسن بن سهل على جميع القواد على قدر مراتبهم وحملهم ووصلهم وكان مبلغ ما لزمه في هذا المهر خمسين ألف ألف درهم. وقيل: إن الحسن بن سهل كتب أسماء ضياع وأملاك له في رقاع فنثرها على القواد وقت عقد النكاح فمن وقعت في يده رقعة فيها اسم ملك أو ضيعة بعث فتسلم ذلك. وقيل: إن جميع ما أوقد من الأحطاب في أيام هذا المهم (٢) كان من العود القاقلّة (٣).

стр. 32

ومن لطيف ما حكي أن المأمون لما خلى بها أخذها ما يأخذ النساء من الحيض فأنشدت تقول: فارس ماض بحربته ... طاعن بالرمح في الظلم رام أن يدمي فريسته ... فاتّقته من دم بدم وقيل إن جميع المال الذي أنفقه الحسن بن سهل في وليمة بنته بوران كان مبلغ أربعة آلاف ألف دينار، ولم يزل الحسن وافر الحرمة إلى أن توفي بسرخس في ذي القعدة سنة ست وثلاثين ومائتين عن سبعين سنة بشرب دواء أفرط به. ***

стр. 33

ومنهم: ٧ - الوزير حامد بن العباس (١) كان قديما على نظر فارس ثم أضيف إليها نظر البصرة ثم آل أمره إلى وزارة المقتدر، وكان كثير الأموال والحشم بحيث أن له أربعمائة مملوك يحملون السلاح وفيهم جماعة أمراء. استوزره الخليفة المقتدر سنة ست وثلاثمائة بعد عزل ابن الفرات (٢) فجلس في دست الوزارة أياما فظهر منه سوء تدبير وقلة خبرة بأعباء الوزارة ثم جرت له أمور، وآخر الحال أنه وقع بينه وبين أهل بغداد فتنة عظيمة انتصر فيها أهل بغداد وهرب حامد في نحو أربعين مركبا فرجموه (٣) العامة. وكان مع ظلمه وفسقه جوادا ممدّحا معطاء من أوسع الناس نفسا وأكثرهم نعمة. كان ينصب في داره كل يوم عدة موائد ويطعم من حضر حتى العامة، فيكون في بعض الأيام أربعين مائدة.

стр. 34

وحكي (١) أن حامدا ركب قبل الوزارة بواسط إلى بستان له ليتنزه به فرأى بالطريق شيخا وحوله نساء وصبيان يبكون فسأل عن خبرهم فقيل: احترق منزله وقماشه وافتقر، فرقّ حامد الوزير له، فطلب وكيله-وكان حامد سفيه اللسان-فقال له بعد أن شتمه: أريد منك أن تضمن لي أن لا أرجع عشية اليوم هذا من النزهة إلاّ وداره مجصّصة وبها القماش والمتاع وكسوة عياله مثل ما كان قبل. فتوجه الوكيل، وأسرع في طلب الصناع وصبّ لهم الدراهم وأضعف لهم الأجرة فدأبوا في العمل وفرغوا من الجميع بعد العصر من يومه، فلما رد الوزير حامد وقت العتمة شاهدها مفروغة بآلاتها وأمتعتها الجدد وازدحم الخلق يتفرجون وضجوا لحامد بالدعاء، ونال التاجر من المال فوق ما ذهب له ثم أنعم على التاجر فوق ذلك كله بخمسة آلاف درهم. وحكي عنه أيضا أن رجلا دخل واسط في شغل له فاشترى خبزا بدينار ليتصدق به وجلس يراعي فقيرا، فقال له الخباز: إنك لا تجد أحدا لأن جميع فقراء البلد في جراية (٢) الوزير حامد. وتوفي/حامد المذكور سنة اثنى عشر وثلاثمائة (٣) من سم دس له فشربه، ﵀. ...

стр. 35

ومنهم: ٨ - الوزير أبو علي محمد بن علي بن مقلة (١) صاحب الخط المنسوب. ولي بعض أعمال فارس ثم تنقلت به الأحوال حتى وزر للمقتدر سنة ست عشرة وثلاثمائة ثم قبض عليه عامين وصادره وعاقبه ثم نفاه إلى فارس ثم استوزره أمير المؤمنين القاهر بالله ثم نكبه ثم استوزره الراضي بالله قليلا ثم مسكه سنة أربع وعشرين وضربه وعلقه وصادره وأخذ خطه بألف ألف دينار وأحرقت داره مرتين قبل هذه المرة. وكان ابن مقلة قبل أن يمسك في هذه المرة بقليل أحرق دار سليمان بن الحسن فكتب بعض الناس على باب الوزير ابن مقلة يقول: حسّنت ظنك بالأيام إذا حسنت ... ولم تخف شرّ ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر وكانت دار ابن مقلة التي احترقت من أحسن ما بني في الإسلام. كان تحت شبابيك قصره بستان فأخذ من البستان قطعة كبيرة كالشابورة (٢) وعمل

стр. 36

عليها إبريسم وعمل في الحائط بيوتا تأوي إليها وتفرخ فيها الطيور المسموعة ثم أطلق فيها القمّاري والدباسي والقطايط (١) والنوبيات والشّحرور والزّرياب والهزار والفواخت وبقية الطيور المجلوبة من أقصى البلاد مما لا يكسر بعضه بعضا، فوقع بعضها على بعض وتوالدت. ثم عمد إلى يمين (٢) البستان فطرح فيه الطيور التي لا تطير كالطواويس والحجل والبط وغير ذلك. وجعل من خلف البستان الغزلان والنعام والإبل وحمر الوحش. ولكل صحن أبواب تفتح إلى الصحن الآخر فيرى من مجلسه سائر ذلك. وقال الهمذاني في (تاريخه) (٣): لما أراد ابن مقلة بناء داره التي في البستان المعروف بالزاهر على الدجلة جمع ستين منجما؛ حتى اختاروا وقتا لبنائها فكتب بعض الشعراء يقول: قل لابن مقلة مهلا لا تكن عجلا ... واصبر فإنك في أضغاث أحلام تبني بأنقاض دور الناس مجتهدا ... دارا ستهدم (٤) أيضا بعد أيام قيل: إن فاكهة ابن مقلة كانت تشترى له في كل جمعة بخمسمائة دينار ولا بد أن تشترى له بعد الصلاة يوم الجمعة ثم يصطبح يوم السبت في هذه الدار، فلما مسكه الراضي الثانية وحبسه ولّى ابن الرائق الوزارة

стр. 37

فعظم أمره عند الراضي فاستولى ابن الرائق على ضياع ابن مقلة، فأخذ ابن مقلة في السعي على ابن الرائق فبلغ ابن الرائق فتكلم في ابن مقلة عند الراضي وطلب منه قطع يد ابن مقلة فقطعت في الملأ العام ثم ندم الراضي على قطع يده وصار ينادمه ويستشيره فطمع ابن مقلة أيضا في الوزارة وصار يشد على زنده القلم ويكتب مثل كتابته قبل قطع يده فبلغ ذلك الراضي فمنعه الطعام حتى مات سنة ثمان وعشرين (١) وثلاثمائة. ومولده في سنة اثنتين وتسعين (٢) ومائتين. قال الذهبي (٣) في ترجمته: قال الصولي: ما رأيت وزيرا منذ توفي القاسم بن عبيد الله أحسن حركة ولا أطرف إشارة ولا أملح خطا ولا أسلط قلما ولا أقصد بلاغة ولا آخذ بقلوب الخلفاء من ابن مقلة، وله علم بالإعراب واللغة والأدب، من ذلك كتب إلى بعض أصدقائه: ترى حرّمت كتب الأخلاء بينهم ... [أبن] (٤) لي أم القرطاس أصبح غاليا فما كان لو ساءلتنا (٥) كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا صديقك من راعاك عند شديدة ... وكل تراه في الرخاء مراعيا فهبك عدوي لا صديقي فربما ... تكاد الأعادي يرحمون الأعاديا ولم تفرج له ضائقة حتى مات ﵀. ...

стр. 38

ومنهم: ٩ - الوزير محمد بن بقيّة (١) ابن علي، نصير الدولة (٢)، أبو الطاهر وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة. كان أحد الأجواد والرؤساء، أهله من أوانا (٣) من عمل بغداد، أستوزر سنة اثنتين وستين (٤)، وقد تقلب به الدهر ألوانا حتى بلغ الوزارة فإن أباه كان فلاحا، وآل أمره إلى ما آل، ثم استوزره المطيع لله أيضا ولقبه الناصح مضافا إلى ناصر الدولة (٥) فصار له لقبان. وكان قليل العربية ولكن السّعد والإقبال غطى ذلك وله أخبار في

стр. 39

الجود والأفضال، وكان كثير التنعم والرفاهية وله أخبار في ذلك. وقبض عليه بواسط في آخر سنة ست وستين وسملوا عينيه، وكان يؤلّب (١) لعز الدولة على عضد الدولة (فلما قتل عز الدولة باختيار الملك عضد الدولة أهلكه) (٢). ويقال: إنه ألقاه تحت أرجل الفيلة ثم [صلب] (٣) عند البيمارستان العضدي في شوال سنة سبع. ويقال: إنه خلع أيام وزارته في عشرين يوما عشرين ألف خلعة. وقال بعضهم: رأيته شرب ليلة فخلع مائة خلعة على أهل المجلس. وعاش نيفا وخمسين سنة. ورثاه أبو الحسن محمد بن عمر الأنباري بتائيته السائرة حيث يقول: علوّ في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات كأنّ الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك (٤) أيام الصلات (٥) كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام للصلاة ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضمّ علاك من بعد (٦) الممات

стр. 40

أصار [وا] (١) الجوّ قبرك واستنابوا ... عن الأكفان/ثوب السافيات (٢) لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحفاظ (٣) وحراس ثقات ولم أر قبل جذعك قطّ جذعا ... تمكن من عناق المكرمات وبقي مصلوبا إلى أن مات عضد الدولة، ولما بلغ عضد الدولة هذا الشعر قال: عليّ بقائله فاختفى وسافر بعد عام إلى الصاحب إسماعيل بن عباد، فقال: أنشدني القصيد فلما أتى هذا البيت الأخير (٤) قام وعانقه وقبّل فاه وأنفذه إلى عضد الدولة فلما مثل بين يديه، قال: ما الذي حملك على مرثية عدوي؟ قال: حقوق سلفت وأياد مضت فجاش الحزن في قلبي فرثيته، فقال: هل يحضرك شيء في الشموع [وهي] (٥) تزهو بين يديه، فقال: كأن الشموع وقد أظهرت ... من النار في [كلّ] رأس سنانا أصابع أعدائك الخائفين ... تضرّعن تطلب منك الأمانا قال: فأعطاه بدرة وفرسا وهو من المقلين في الشعر. ...
следующие страницы →