← Тараджим

Тараджим · id 120145

إنباء الأمراء بأنباء الوزراء

ابن طولون

Полный текст (119 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

عليها إبريسم وعمل في الحائط بيوتا تأوي إليها وتفرخ فيها الطيور المسموعة ثم أطلق فيها القمّاري والدباسي والقطايط (١) والنوبيات والشّحرور والزّرياب والهزار والفواخت وبقية الطيور المجلوبة من أقصى البلاد مما لا يكسر بعضه بعضا، فوقع بعضها على بعض وتوالدت. ثم عمد إلى يمين (٢) البستان فطرح فيه الطيور التي لا تطير كالطواويس والحجل والبط وغير ذلك. وجعل من خلف البستان الغزلان والنعام والإبل وحمر الوحش. ولكل صحن أبواب تفتح إلى الصحن الآخر فيرى من مجلسه سائر ذلك. وقال الهمذاني في (تاريخه) (٣): لما أراد ابن مقلة بناء داره التي في البستان المعروف بالزاهر على الدجلة جمع ستين منجما؛ حتى اختاروا وقتا لبنائها فكتب بعض الشعراء يقول: قل لابن مقلة مهلا لا تكن عجلا ... واصبر فإنك في أضغاث أحلام تبني بأنقاض دور الناس مجتهدا ... دارا ستهدم (٤) أيضا بعد أيام قيل: إن فاكهة ابن مقلة كانت تشترى له في كل جمعة بخمسمائة دينار ولا بد أن تشترى له بعد الصلاة يوم الجمعة ثم يصطبح يوم السبت في هذه الدار، فلما مسكه الراضي الثانية وحبسه ولّى ابن الرائق الوزارة

стр. 37

فعظم أمره عند الراضي فاستولى ابن الرائق على ضياع ابن مقلة، فأخذ ابن مقلة في السعي على ابن الرائق فبلغ ابن الرائق فتكلم في ابن مقلة عند الراضي وطلب منه قطع يد ابن مقلة فقطعت في الملأ العام ثم ندم الراضي على قطع يده وصار ينادمه ويستشيره فطمع ابن مقلة أيضا في الوزارة وصار يشد على زنده القلم ويكتب مثل كتابته قبل قطع يده فبلغ ذلك الراضي فمنعه الطعام حتى مات سنة ثمان وعشرين (١) وثلاثمائة. ومولده في سنة اثنتين وتسعين (٢) ومائتين. قال الذهبي (٣) في ترجمته: قال الصولي: ما رأيت وزيرا منذ توفي القاسم بن عبيد الله أحسن حركة ولا أطرف إشارة ولا أملح خطا ولا أسلط قلما ولا أقصد بلاغة ولا آخذ بقلوب الخلفاء من ابن مقلة، وله علم بالإعراب واللغة والأدب، من ذلك كتب إلى بعض أصدقائه: ترى حرّمت كتب الأخلاء بينهم ... [أبن] (٤) لي أم القرطاس أصبح غاليا فما كان لو ساءلتنا (٥) كيف حالنا ... وقد دهمتنا نكبة هي ما هيا صديقك من راعاك عند شديدة ... وكل تراه في الرخاء مراعيا فهبك عدوي لا صديقي فربما ... تكاد الأعادي يرحمون الأعاديا ولم تفرج له ضائقة حتى مات ﵀. ...

стр. 38

ومنهم: ٩ - الوزير محمد بن بقيّة (١) ابن علي، نصير الدولة (٢)، أبو الطاهر وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة. كان أحد الأجواد والرؤساء، أهله من أوانا (٣) من عمل بغداد، أستوزر سنة اثنتين وستين (٤)، وقد تقلب به الدهر ألوانا حتى بلغ الوزارة فإن أباه كان فلاحا، وآل أمره إلى ما آل، ثم استوزره المطيع لله أيضا ولقبه الناصح مضافا إلى ناصر الدولة (٥) فصار له لقبان. وكان قليل العربية ولكن السّعد والإقبال غطى ذلك وله أخبار في

стр. 39

الجود والأفضال، وكان كثير التنعم والرفاهية وله أخبار في ذلك. وقبض عليه بواسط في آخر سنة ست وستين وسملوا عينيه، وكان يؤلّب (١) لعز الدولة على عضد الدولة (فلما قتل عز الدولة باختيار الملك عضد الدولة أهلكه) (٢). ويقال: إنه ألقاه تحت أرجل الفيلة ثم [صلب] (٣) عند البيمارستان العضدي في شوال سنة سبع. ويقال: إنه خلع أيام وزارته في عشرين يوما عشرين ألف خلعة. وقال بعضهم: رأيته شرب ليلة فخلع مائة خلعة على أهل المجلس. وعاش نيفا وخمسين سنة. ورثاه أبو الحسن محمد بن عمر الأنباري بتائيته السائرة حيث يقول: علوّ في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات كأنّ الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك (٤) أيام الصلات (٥) كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام للصلاة ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضمّ علاك من بعد (٦) الممات

стр. 40

أصار [وا] (١) الجوّ قبرك واستنابوا ... عن الأكفان/ثوب السافيات (٢) لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحفاظ (٣) وحراس ثقات ولم أر قبل جذعك قطّ جذعا ... تمكن من عناق المكرمات وبقي مصلوبا إلى أن مات عضد الدولة، ولما بلغ عضد الدولة هذا الشعر قال: عليّ بقائله فاختفى وسافر بعد عام إلى الصاحب إسماعيل بن عباد، فقال: أنشدني القصيد فلما أتى هذا البيت الأخير (٤) قام وعانقه وقبّل فاه وأنفذه إلى عضد الدولة فلما مثل بين يديه، قال: ما الذي حملك على مرثية عدوي؟ قال: حقوق سلفت وأياد مضت فجاش الحزن في قلبي فرثيته، فقال: هل يحضرك شيء في الشموع [وهي] (٥) تزهو بين يديه، فقال: كأن الشموع وقد أظهرت ... من النار في [كلّ] رأس سنانا أصابع أعدائك الخائفين ... تضرّعن تطلب منك الأمانا قال: فأعطاه بدرة وفرسا وهو من المقلين في الشعر. ...

стр. 41

ومنهم: ١٠ - الوزير إسماعيل بن عبّاد (١) ابن عباس الصاحب أبو القاسم وزير مؤيد الدولة أصله من الطالقان وكان نادرة دهره (٢) وأعجوبة عصره في الفضائل والمكارم، أخذ الأدب عن الوزير أبي الفضل ابن العميد وأبي الحسين أحمد بن فارس، وهو أول من سمي بالصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة من الصّبا وسماه الصاحب. وفيه يقول الأستاذ أبو سعيد الرّستمي (٣): ورث الوزارة كابرا عن كابر ... موصولة الإسناد بالإسناد يروي عن العباس عباد وزا ... رته إسماعيل عن عباد (٤)

стр. 42

ولما توفي مؤيد الدولة بويه بجرجان في سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة ولي بعده أخوه فخر الدولة أبو الحسن فأقره على الوزارة وبالغ في تعظيمه. وكان ابن ذي الكفايتين قد قصد الصاحب بن عباد وأزاله عن الوزارة ثم نصر المذكور عليه وعاد إلى الوزارة وبقي متوليها ثمانية عشر عاما وفتح خمسين قلعة وسلمها إلى فخر الدولة لم يجتمع منها عشرة لأبيه، وكان عالما بفنون كثيرة من العلم لم يدانيه في ذلك وزير. وكان أفضل وزراء الدولة الديلمية (١) وأعزهم وأغزرهم علما وأوسعهم أدبا وأوفرهم محاسنا. أملى عدة مجالس في الحديث وله ديوان شعر مشهور ومصنفات عديدة في علوم شتى. يتصدق من خمسين ألف دينار إلى ما دونها. ولد بإصطخر وقيل بالطالقان في سنة ست وعشرين وثلاثمائة. والطالقان اسم لناحية من أعمال قزوين وهو غير الطالقان التي بخراسان (٢). توفي الصاحب ليلة الجمعة من صفر سنة خمس وثمانين وثلاثمائة. ومن نظمه الرائق إلى الغاية قوله: تبسم إذ تبسّم عن أقاح ... وأسفر حين أسفر عن صباح

стр. 43

وأتحفني (١) بكأس من رضاب ... وكأس من جنى ورد الأقاح (٢) له وجه يدلّ به وطرف ... يمرضه فيسكر كلّ صاح جبينك والمقبلة (٣) والثنايا ... صباح في صباح في صباح وله أيضا: رقّ الزجاج ورقّت الخمر ... فتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر وله أيضا: الحب سكر خماره التلف ... يحسن فيه الذلول (٤) والدنف عابوه (٥) إذ زاد في تصلفه ... والحسن ثوب طرازه الصّلف ومدحه الشعراء ومنهم أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الخازن (٦) الشاعر المشهور بقصيدته المشهورة ومنها: هذا فؤادك نهبى بين أهواء ... وذاك رأيك ساوى (٧) بين آرائي هواك بين العيون النجل مقتسم ... داء لعمري ما أبلاه (٨) من داء

стр. 44

وكان الصاحب المذكور يلقب بكافي الكفاة (١) أيضا. وكانت وفاته بالري ونقل إلى أصبهان ودفن بمحلة باب دريّة وأغلقت له مدينة الرّي واجتمع الناس على باب قصره وحضر مخدومه فخر الدولة وسائر الأمراء وقد غيروا لباسهم، فلما خرج نعشه صاحت الناس صيحة واحدة وقبلوا الأرض ومشى فخر الدولة بن بويه أمام نعشه ﵀. ...

стр. 45

ومنهم: ١١ - الوزير الأفضل بن بدر الجمالي (١) وزير المستعلي العلوي بمصر المعروف بأمير الجيوش بن شاهين، بلغ في الوزارة مبلغا عظيما وجمع من الأموال ما لم يجمعه أحد قبله وكانت داره دار الملك بمصر التي هي الآن عند رحبة الخرّوب، وقتل بين مصر والقاهر وثب عليه اثنان من الباطنية فقتلوه، ولما قتلوه وجد عنده أموال عظيمة وذلك في سنة خمس عشرة وخمسمائة، وقيل غير ذلك. فكان ما وجد له من الذهب خمسمائة ألف ألف دينار عينا، ومن الفضة مائتين وخمسين إردب دراهم نقد مصر وخمسة وسبعين ألف ثوب ديباج أطلس وثلاثين حمل أحقاق (٢) ذهب ومائة مسمار ذهب زنة كل مسمار مائة مثقال في عشرة مخايش (٣) في كل مخيش عشرة مسامير على

стр. 46

كل مسمار منديل مشدود من ذهب بلون يخالف الآخر وألف شاش وخمسمائة صندوق للكسوة خاصة وصندوقين ملآنين من أبرد ذهب للنساء ومن الرقيق والخيل والدواب والمراكب والطيب والحلي ما لا يقدره إلاّ الله تعالى وخلّف خارجا عن ذلك كل من البقر والجواميس والأغنام ما ضمان ألبانها في كل سنة ثلاثين ألف دينار فحمل للخليفة جميع ذلك. ***

стр. 47

ومنهم: ١٢ - الوزير المهلّبي (١) وهو أبو محمد الحسن بن محمد بن عبد الله (٢) وزير معز الدولة/ ابن بويه، وكان له مع ارتفاع القدر، واتساع الصدر وعلو الهمة وقبض (٣) الكف ما هو مشهور عنه. وكان قبل اتصاله بمعز الدولة في شدة عظيمة من الفاقة حتى أنه سافر مرة مجردا مع رفيق له واشتهى اللحم فلم يقدر عليه فقال في الحين: ألا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش ما لا خير فيه ألا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلصني من العيش (٤) الكريه إذا أبصرت قبرا من بعيد ... وددت لو أنني قد صرت فيه (٥)

стр. 48

ألا رحم المهيمن نفس حر ... تصدق بالوفاء (١) على أخيه فلم سمع رفيقه الأبيات راح فباع أحد قميصيه واشترى بدرهم لحما وطبخه وأحضره إليه فأكل وشكره. ثم تنقلت بالمهلبي الأحوال والأيام حتى ولي الوزارة لمعز الدولة ببغداد وضاق الحال برفيقه الذي اشترى له اللحم وسمع به فقصده ودخل عليه وهو جالس في دست الوزارة فكتب إليه رقعة فيها: ألا قل للوزير فدته نفسي ... مقالة تذكره (٢) ما قد نسيه أتذكر إذ تقول لضيق (٣) عيش ... ألا موت يباع فأشتريه قال: فلما قرأها تذكر ذلك وهزته رياح الكرم فأبدله بسبعمائة ألف (٤) درهم وكتب على ظهر الورقة ﴿مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١] وخلع عليه وولاه عملا يقوى به. توفي سنة خمسين وثلاثمائة (٥) تقريبا. ...

стр. 49

ومنهم: ١٣ - الوزير ابن هبيرة (١) وهو عون الدين يحيى بن محمد، أبو (٢) المظفّر وزير المقتفي وكان متمكنا عند مخدومه هذا تمكنا عظيما حتى أنه كان يقول عنه: لم يتوزر لبني العباس مثله. حكى عون الدين المذكور قال: ضاق حالي قبل الوزارة وأصابني فاقة عظيمة حتى عدمت القوت أياما فأشار عليّ بعض أصحابي أن أسأل الله عند قبر الشيخ معروف الكرخي فتوضأت وجئت إلى قبره فصليت ركعتين ودعوت الله ثم رجعت إلى بغداد فمررت بمسجد مهجور فدخلت لأصلي فيه ركعتين فإذا فيه مريض ملقى على حصير فجلست عند رأسه ووانسته بالحديث ثم قلت له: ما تشتهي؟ فقال: سفرجل، فخرجت إلى بقال هناك فرهنت مئزري على سفرجلتين وتفاحة وأتيته بهن فأكل من السفرجل ثم قال: أغلق الباب فغلقت الباب فقام عن الحصير وقال: احفر هنا فحفرت فطلع كوز ملآن من ذهب فيه خمسمائة دينار، وقال لي:

стр. 50

خذها فأنت أحق بها، فأخذتها وقلت له: أما لك وارث، فقال: كان لي أخ اسمه محمد وعهدي به بعيد وقد بلغني أنه مات، فقلت: وما اسمك أنت؟ فقال: عبد الله وأنا من الرّصافة، فبينما هو يحدثني وإذا هو قد مات فغسلته وكفنته وصليت عليه وجئت لأدخل بغداد فلما قصدت الركوب في الدجلة إذا بملاح في سفينة عتيقة وعليه ثياب رثة فقال لي: يا سيدي معي معي فنزلت معه فإذا هو أشبه بذلك الرجل الذي مات فقلت له: من أين أنت؟ فقال: من الرّصافة فقلت: وما اسمك؟ فقال: محمد وأنا صعلوك وعندي عائلة كثيرة، وقد ساءت حالتنا من الفقر، فقلت له: أما لك أحد؟ فقال: كان لي أخ اسمه عبد الله وعهدي به بعيد وما أدري ما فعل الله به، فقلت له: ابسط حجرك فبسط حجره فصببت له الذهب في حجره، فبهت الرجل فحدثته الحديث فسألني أن آخذ منه نصفه فقلت: لا والله لا يصحبني منه شيء (١). ثم صعدت إلى دار الخليفة وكتبت قصّة فوقّع لي بمشارفه بيت المال، ثم تنقلت حتى صرت إلى الوزارة. توفي المذكور في حدود سنة خمسين (٢) وخمسمائة. ...

стр. 51

ومنهم: ١٤ - الوزير أبو الفرج يعقوب ابن كلّس (١) وزير العزيز بن المعز صاحب مصر. وكان له من الهمة والتمكن وكثرة الأموال ما يعجز الواصف عن وصفه. وكان في ابتداء أمره يهوديا ذو دهاء وفطنة ومكر وحيل، وخرج إلى الشام فنزل الرّملة وصار بها وكيلا وكسر أموال التجار وهرب إلى مصر فرآه كافور الإخشيدي فرأى فطنته ومعرفته فقال: لو كان هذا مسلما لصلح للوزارة فطمع يعقوب المذكور في الوزارة فأسلم فبلغ الوزير (٢) في ذلك الوقت فطلبه فهرب إلى المغرب واتصل بالمعز وحضر معه إلى مصر ولم يزل يتنقل إلى أن ولي الوزارة للعزيز بن المعز وتمكن من الدولة تمكنا عظيما. ولما مرض مرض الموت نزل إليه العزيز وعاده، ولما

стр. 52

مات (١) حزن عليه حزنا عظيما وحضر جنازته ودفنه في داره التي هي داخل باب النصر وهي دار الوزارة التي هي الآن خانقاه لبيبرس الجاشنكير، وصلى عليه العزيز وألحده بيده وانصرف حزينا عليه وأمر أن تغلق الدواوين أياما. وكانت جامكيته (٢) من العزيز في كل سنة مائة ألف دينار وكان له من العبيد والمماليك أربعة آلاف غلام ووجد له من الجواهر ما قيمته أربعمائة ألف دينار وثمانمائة سرية خارجا عن جواري الخدمة ووجد عليه للتجار/ خمسة عشر ألف دينار دينا فقضاها عنه العزيز. ...

стр. 53

ومنهم: ١٥ - الوزير مؤيد الدين الطغرائي (١) وهو العميد فخر الكتّاب أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد بن عبد الصمد الأصبهاني المعروف بالطغرائي-بضم الطاء المهملة وسكون الغين المعجمة وفتح الراء-نسبة إلى من يكتب الطغراء وهي الطرّة التي تكتب في أعلى (٢) الكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ تتضمن نعوت الملك وألقابه، وهي لفظة أعجمية. ذكره أبو البركات [ابن] (٣) المستوفي في (تاريخ إربل) (٤) وقال: إنه

стр. 54

ولي الوزارة بها. وذكره العماد الكاتب في كتاب (نصرة الفطرة وعصرة القطرة) (١) وهو تاريخ الدولة السلجوقية، وقال أنه كان ينعت بالأستاذ، وكان وزير السلطان مسعود بن محمد السلجوقي بمدينة الموصل وأنه لما جرى بينه وبين أخيه السلطان محمود المصاف بالقرب من همذان والرّي فكانت النصرة لمحمود فأول من أخذ الأستاذ وزير مسعود فقال عنه وزير محمود أنه ملحد فقتل ظلما، وقد كانوا خافوا منه لفضله فاعتمدوا قتله بهذه الحجة. وكان قتله سنة أربع عشرة (٢) وخمسمائة بعد الوقعة بسنة، وفي شعره ما يدل على أنه بلغ سبعا وخمسين لأنه قال وقد جاءه ولد: هذا الصغير الذي وافى على كبر (٣) ... أقرّ عيني ولكن زاد في فكري سبع وخمسون لو مرّت على حجر ... لبان تأثيرها في ذلك (٤) الحجر

стр. 55

والظاهر أنه جاوز الستين، وكان لطيف الطبع. فاق أهل عصره بصنعة النظم والنثر وله ديوان شعر، ومن محاسن شعره قصيدته المعروفة (بلامية العجم) (١). وقال ابن الأثير في (الكامل) (٢): وكانت وزارته سنة وشهرا، وكان حسن الكتابة يميل إلى صناعة الكيمياء وله فيها تصانيف قد ضيعت من الناس أموالا لا تحصى. انتهى. ومنها كتاب (مفاتيح الرحمة ومصابيح الحكمة)، وكتاب (جامع الأسرار)، وكتاب (تراكيب الأنوار)، ورسالة (ذات الفوائد)، وكتاب (حقائق الاستشهادات) (٣) بيّن فيه إثبات هذه الصنعة. وذكر الشمس بن ساعد (٤): أن الطغرائي لما عزم أخو مخدومه على قتله أمر به أن يشد إلى شجرة وأن يقف تجاهه جماعة ليرموه بالسهام ففعل ذلك، وأوقف إنسانا خلف الشجرة من غير أن يشعر به الطغرائي وأمره أن يسمع ما يقول وقال لأرباب السهام: لا ترموه إلاّ إذا أشرت إليكم فوقفوا والسهام في أيديهم مفوّقة لرميه، فأنشد الطغرائي في تلك الحالة:

стр. 56

ولقد أقول لمن يسدد سهمه ... نحوي وأطراف (١) المنية شرّع والموت في لحظات أخزر طرفه ... دوني وقلبي دونه يتقطّع بالله فتّش عن فؤادي هل ترى ... [فيه] (٢) لغير جوى الأحبة موضع أهون به لو لم يكن في طيّه ... مهد الحبيب وسرّه المستودع فرقّ له وأمر بإطلاقه في ذلك الوقت، ثم إن الوزير عمل على قتله فيما بعد فقتل، ﵀. ...

стр. 57

ومنهم: ١٦ - إبراهيم الوزير الصاحب شمس الدين المعروف بكاتب أرنان (١) وزير الديار المصرية تعلق بخدمة الملك الظاهر برقوق وهو أمير فولاه نظر ديوانه ثم فوّض إليه الوزارة لما تسلطن فنفذ الأمور ومشّى الأحوال أحسن تمشية إلى الغاية مع وفور الخدمة ونفوذ الكلمة والتقلل في الملبس وسائر أسبابه بحيث أنه كان كبقية (٢) أوساط الناس. ودخل في الوزارة وليس للدولة حاصل من عين ولا غلة وقد استأجر

стр. 58

الأمراء النواحي بأجرة قليلة فكف أيدي الأمراء عن النواحي وضبط المتحصل ومشى على القواعد القديمة والقوانين المعروفة فهابه الخاص والعام وجدد مطابخ السكر ومات والحاصل ألف ألف درهم فضة وثلاثمائة ألف وستون ألف إردب غلة وستة وثلاثون ألف رأس من الغنم ومائة ألف طائر من الإوز والدجاج وألفا قنطار من الزيت وأربعمائة قنطار ماء ورد قيمة ذلك خمس مائة ألف دينار. انتهى ما وجدته (١). ثم رأيت قاضي القضاة بدر الدين محمود العيني (٢) قال ذلك بمعناه إلاّ أنه زاد: وكان وزيرا ناهضا عارفا مديرا لم يأت بعد ابن قرونيه (٣) مثله بل كان يفوقه. وأنه قبل أن يتولى الوزارة لم يرض أحد من القبط بالوزارة لعدم كون الحاصل تحت حكم الأمراء (٤) انتهى. ومع هذا كان لا يسلم من الملك الظاهر برقوق بل كان كل قليل يجعل له مندوحة ويأخذ منه ما شاء الله أن يأخذ لما يرى من مكارمه بخلاف زماننا هذا فإن فيه من الوزراء بل وبقية المباشرين من هو أكثر حالا من [ابن] (٥) كاتب أرنان وهو يشكو إلى السلطان الفقر مع كثرة عمايره

стр. 59

وعظيم بركه (١) الذي لا يزيد والسلطان يدعو له بالبركة والتوسعة في الرزق مع علمه بذلك فهذا أعجب وأغرب. وتوفي الصاحب شمس الدين في ليلة الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة تسع وثمانين وسبعمائة بالقاهرة. ونسبه بعضهم إلى البرامكة وهو غلط، فقد قال الشيخ تقي الدين المقريزي (٢): كان أصله من نصارى مصر وأظهر الإسلام وخدم في دواوين الأمراء إلى أن ترقى إلى الوزارة ولا نعلم الآن من تأخّر من البرامكة إلى هذه الأعصار إلاّ قاضي القضاة شمس الدين بن خلّكان (٣) / أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان بن باوك (٤) -بفتح الواو-بن شاكل-بفتح الكاف-بن الحسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك الإمام العلاّمة أبو العباس البلخي الأصل الإربلي المولد الدمشقي الدار والوفاة الشافعي، قاضي قضاة دمشق وعالمها ومؤرخها. مولده يوم الخميس حادي عشر ربيع الآخر سنة ثمان وستمائة وأمه

стр. 60

من نسل خلف بن أيوب صاحب أبي حنيفة-رضي الله [عنه] (١) -ونشأ بإربل وتفقه بالموصل ثم قدم دمشق في عنفوان شبيبته فأقام بها مدة وتوجه إلى مصر واشتغل بها وحصّل من كل علم طرفا جيدا. وبرع في الفقه والأصول والعربية ودرس وأفتى ونظم ونثر ثم ولي قضاء دمشق من القاهرة في سابع عشري ذي الحجة سنة ست وستين وستمائة، ثم توجه إلى دمشق فباشرها مدة عشر سنين ثم صرف عنه فذهب إلى القاهرة وأقام بها نحو من سبع سنين وتولى الحكم بها نيابة عن قاضي القضاة بدر الدين السّنجاري (٢)، وصنّف ثم أعيد إلى دمشق قاضيا بعد القاضي عز الدين بن الصايغ، فلما وصل إليها خرج نائبها الأمير عز الدين أبدمر بجمع الموكب لتلقيه، وأما رؤساء دمشق فإنهم تلقوه من عدة مراحل وهنأه الشعراء ومنهم الرشيد الفارقي بقوله: أنت في الشام مثل يوسف في مصـ ... ـر وعندي أن الكرام جناس ولكل سبع شداد وبعد السّبـ ... ـع عام فيه يغاث (٣) الناس وقصد بذلك مدة مفارقته للحكم في دمشق ودام إلى سنة ثمانين وستمائة ثم صرف فلزم داره إلى أن توفي في يوم السبت سادس عشري رجب سنة إحدى وثمانين وستمائة بالمدرسة النجيبيّة بدمشق ودفن

стр. 61

بقاسيون، وكان إماما متقنا كثير الفضائل أديبا مؤرخا، تاريخه (وفيات الأعيان) (١) مشهور وهو في غاية الحسن اقتصر فيه على المشهورين من كل فن. وكان جوادا ممدّحا مدحه شعراء عصره بغرر القصائد وكان يجيز عليها الجوائز السنيّة. وذكره الحافظ أبو محمد البرزالي (٢) في معجمه وقال: سمع من ابن المكرّم الصوفي سمع منه البخاري عن أبي الوقت ومن ابن الجمّيزي وأجازه المؤيد الطوسي وجماعة من نيسابور وله يد طولى في علم اللغة لم ير في وقته من يعرف ديوان المتنبي كمعرفته. وكان مجلسه كثير الفوائد والتحقيق والبحث، وقال الشهاب محمود (٣) في تاريخه: كنت كثير الاجتماع به للاقتباس من فوائده. ومن نظمه قوله: تمثلتم لي والبلاد بعيدة ... فخيّل لي أنّ الفؤاد مغنى

стр. 62

وناجاكم قلبي على البعد والنّوى ... فآنستم لفظا وأوحشتم (١) معنى وله أيضا: يا جيرة الحي هل من عودة فعسى ... يفيق من سكرات الوجد مخمور (٢) إذا ظفرت من الدنيا بقربكم ... فكل ذنب جناه الحب (٣) مغفور وله أيضا: يا رب إن العبد يخفي عيبه ... فاستر بحلمك ما بدا من عيبه ولقد أتاك وما له من شافع ... من ذنوبه فاقبل شفاعة شيبه ...

стр. 63

ومنهم: ١٧ - عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الوزير الصاحب علم الدين بن تاج الدين الشهير بابن زنبور (١) القبطي المصري، كان وزيرا بالديار المصرية ثم ولي نظر جيشها أيضا، ونظر الخاص. اجتمعت له هذه الوظائف الثلاث (٢) معا ولم تجتمع لأحد قبله. قلت: ولا من بعده أعني بذلك في وقت واحد على أن سعد الدين بن غراب وليهم غير مرة في أوقات متعددة وكذلك الصاحب بدر الدين حسن بن نصر الله الفوّي، وكذلك جمال الدين يوسف البيري الاستادار ما خلا الجيش. انتهى. ولما اجتمعت هذه الوظائف لابن زنبور عظم في الدولة وضخم

стр. 64

ونالته السعادة وكان سكنه بالبندقيين (١) داخل القاهرة وهو صاحب السبع قاعات وما بينهم ولا زال في عزه حتى وقع بينه والأمير صرغتمش الناصري صاحب المدرسة بالصليبة (٢) وحشة ولا زال صرغتمش به حتى قبض عليه ونكبه وكان القبض عليه في يوم الخميس سابع عشري شوال سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. واعتقله صرغتمش عنده تسعين يوما وأجرى عليه أنواع العقوبة كالمقارع وغيره ثم نفي إلى قوص بعد أخذ سائر موجوده وذخائره وحواصله وكان شيئا كثيرا إلى الغاية، فمن جملة ما أخذ له إردبان لؤلؤا وألفا ألف دينار وقس على ذلك من القماش وغيره. واستقر في وظائفه من بعده جماعة فاخلع على القاضي الموفق كاتب الأرداني بالوزارة وعلى تاج الدين ابن الغنام ناظر الجيوش المنصورة وعلى البدري كاتب يلبغا اليحياوي نائب الشام ناظر الخواص. واستمر ابن زنبور معتقلا بقوص إلى أن توفي سنة خمس وخمسين (٣) وسبعمائة.

стр. 65

وكان ابن زنبور هذا عنده رئاسة وكرم على ذويه وكان جماعا للأموال والأملاك حتى صار يضرب بسعادته المثل ومع هذا كان عنده تواضع وحشمة وعلم. قيل إن العماد قال: ذا ابن زنبور الصاحب ... في الناس يا ما أقوى إسمو ترى/زنبور إيش كان ... زنبور أبوه والاّ أمّو (١) فبلغ ابن زنبور ذلك فقال: ما قال وحش ثم أنعم عليه فقطع لسانه. ...

стр. 66

ومنهم: ١٨ - الوزير الأجل جلال الإسلام الحسن ابن القاضي ثقة الدين ابن أبي كدينة (١) كان على قضية بني عبد الحاكم (٢) في التردد بين الوزارة والقضاء وتولى الوزارة خمس دفعات ودخل أمير الجيوش بدر من عكّا في سنة ست وستين وأربعمائة واسم الوزارة واقع عليه. وكان أول ولايته إياها في شعبان سنة خمس وخمسين وصرف في ذي الحجة منها وتنقل في الوزارة الدفعات المذكورة وكان سيّىء الخلق قاسي القلب. ويقال: إنه من ولد عبد الرحمن بن ملجم-لعنه الله- وسيّره أمير الجيوش إلى دمياط فقتله بها وقتل ولده معه. وحكي أنه لما قدم للقتل ضرب بسيف كليل كان لأحدى العسكرية إحدى عشرة ضربة قبل أن يقع رأسه وهذه عدة الدفعات التي ولي فيها الوزارة والقضاء وهذا من عجيب الاتفاق.

стр. 67

ومنهم: ١٩ - وزير الوزراء ذو الرئاستين قطب الدولة أبو الحسن علي بن جعفر بن فلاح (١) من أوفى (٢) الكتاميين بيتا وأجلهم قدرا وكان أبوه من الأجواد وهو أحد الجعفرين اللذين أرشد ابن هانىء الشاعر الأندلسي إليهما فإنه لما امتدح جوهرا أعطاه مائتي درهم فاستقلها وسأل عن كريم يمدحه فقيل له: عليك بأحد الجعفرين جعفر بن فلاح أو جعفر بن حمدون (٣) المعروف بالأندلسية فمدح جعفر بن فلاح فأعطاه مائتي دينار ثم انتقل عنه إلى جعفر ابن الأندلسية وهو يومئذ والي الزاب (٤) ولم يزل عنده إلى أن استدعاه الإمام المعز لدين الله فبعث به إليه في جملة تحف وطرائف. وكان أوجه الأمراء في الدولة الحاكمية وقاد الجيوش إلى الشام

стр. 68

ومرض في سنة ست وأربعمائة فركب الإمام الحاكم إلى داره لعيادته وحمل إليه مرتبة ديباج وخمسة آلاف دينار وكانت هذه عادته إذا عاد أحدا. وفي رجب سنة ثمان وأربعمائة بعث بما تقدم ذكره وكتب له سجل بالنظر في جميع رجال الدولة وجعل له في سجله ولاية الإسكندرية وتنّيس (١) ودمياط والشرطتين (٢) العليا والسفلى والسيّارتين (٣) والحسبة والعرض والإثبات. ولما هرب ابن الدابقية قال الحاكم لمن حضره: متى تهربون؟ فقال له وزير الوزراء: هذا يا أمير المؤمنين نهرب إليك لا عنك، وفي شوال سنة تسع وأربعمائة ركب على سمة من داره إلى القاهرة فلقيه فارسان متنكران فرماه أحدهما برمح فجرحه فعاد إلى داره ومات غد يومه. ذكره ابن منجب الصيرفي (٤) في كتاب (الإشارة إلى من نال الوزارة). ...

стр. 69

ومنهم: ٢٠ - محمد بن علي الوزير بن الأمير علاء الدين الملقب بسعد الدين السّاوجي العجمي (١) قتله خرابندا (٢)، وقتل معه الوزير مبارك شاه والملك الناصر يحيى بن إبراهيم صاحب سنجار، والرئيس تاج الدين الآوي الشيعي كبير الأشراف.

стр. 70

ولما أراد خرابندا قتل الوزير سعد الدين هذا ذبح ابنيه قبله ثم قدمه غير مروّع للقتل وخلع فرجيّته (١) على قاتله فباس (٢) القاتل يده واستجعل منه في حل ثم طيّر رأسه وذلك في سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وكان غير مشكور السيرة فإنه كان جبارا ظالما استولى على غالب أموال الناس ثم عمّر الجامع الذي ببغداد غرم عليه ألف ألف درهم وله عدة عماير أخر. ...

стр. 71

ومنهم: ٢١ - محمد بن عبد الله بن سعيد ابن عبد الله بن سعيد بن أحمد بن علي الوزير البليغ الشاعر لسان الدين أبو عبد الله ابن الخطيب (١) الّلوشي (٢) الأصل الغرناطي الأندلسي المغربي أصله من لوشة (٣) إحدى قرى غرناطة. وخدم [أبوه] بني الأحمر على مخازن الطعام ونشأ ابنه محمد هذا بغرناطة وتفقه وتأدب على علمائها وأدبائها واختص بصحبة الحكيم يحيى بن الهذيل وأخذ عنه العلوم الفلسفية، ومهر في الطب وبرع

стр. 72

في الأدب وصار إماما بليغا في الشعر والترسل والإنشاء ومدح السلطان أبا الحجاج فأكثر من مدائحه فرقّاه في خدمته وجعله في ديوان الكتاب من تحت يد أبي الحسن ابن الجيّاب (١)، فلما مات ابن الجياب في طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة ولاه السلطان أبو الحجاج رئاسة الكتاب والوزارة فصدرت عنه غرائب من الترسل في مكاتباته ملوك العدوة ثم داخله السلطان في تولية العمال على يده بالمال فجمع له بها أموال جمة وبلغ في الخصوصية ما لم يفته أحد قبله ثم وجّه في الرسالة إلى السلطان أبي عنان بفاس فلما مات السلطان أبو الحجاج قتيلا في سنة خمس وخمسين وسبعمائة وقام من بعده ابنه محمد و [لما] (٢) قام رضوان واستبد بالدولة أفرد لسان الدين بن الخطيب هذا بوزارته كما كان لأبيه واتخذ لكتابه غيره ثم بعث به إلى السلطان أبي عنان مستمدا به على الطاغية فلما مثل بين يديه تقدم من قعد معه من الفقهاء واستأذن في الإنشاد فأذن له فأنشد: خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح في الدّجى قمر ودافعت عنك كفّ قدرته ... ما ليس يستطيع دفعه بشر وجهك في النائبات بدر دجى ... لنا وفي المحل كفك المطر والناس طرا بأرض أندلس ... لولاك ما وطنوا ولا عمروا ومن به مذ وصلت حبلهم ... ما جحدوا نعمة ولا كفروا

стр. 73

وقد أهمّتهم نفوسهم ... فوجهوني إليك وانتظروا/ فلما سمع أبو عنان هذه الأبيات اهتز له وأذن له بالجلوس وقال له قبل أن يجلس: ما ترجع إليهم إلاّ بجميع طلباتهم وأفاض عليه من الإحسان شيئا كثيرا ثم أعاده بجميع ما طلبه فاستمر إلى أن ثار الريّس محمد وقتل رضوان ونصب إسماعيل بن السلطان أبي الحجاج في السلطنة فحبس الوزير لسان الدين المذكور وفر السلطان محمد إلى وادياش (١) فاستدعاه السلطان أبو سالم بن أبي الحسن وقد ملك بعد أخيه أبي عنان وبعث يشفع في لسان الدين بن الخطيب هذا فأفرج عنه وقدم مع سلطانه على أبي سالم بفاس فركب إلى لقائه وأجلسه بإزاء كرسيه وأنشده لسان الدين بن الخطيب قصيدته الرائية التي أولها: سلا هل لديها من مخبرة ذكر (٢) فأجزل السلطان صلاته ثم سار لسان الدين إلى مرّاكش فأتحفه العمال بما يليق به ولما مر بسلا دخل مقبرة الملوك بشالّة (٣) ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشده قصيدة منها: إن بان منزله وشطت داره ... قامت مقام عيانه أخباره قسّم زمانك عبرة أو عبرة (٤) ... هذا ثراه وهذه آثاره

стр. 74

ثم كتب أبو سالم في رد ضياعه بغرناطة إلى ابن الأحمر فقبل شفاعته وردها عليه فلما عاد المخلوع محمد إلى ملكه في سنة ثلاثة وستين وسبعمائة لحق به لسان الدين ابن الخطيب فرده إلى منزلته. وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة متمسكا من ابن الأحمر فتنكر له لسان الدين وما زال بسلطانه حتى نكبه في رمضان سنة أربع وستين وسجنه فخلا لابن الخطيب وجه السلطان وغلب على هواه حتى دفع إليه تدبير دولته وجعله من خواص ندمائه وأهل خلوته وصار العقد والحل بيده وعلقت به الآمال فحسده الناس وسعوا فيه فعزم على التخلي عما هو فيه فدسّ إلى سلطان فاس من بني مرين في اللحاق به وخرج من غرناطة على أنه يتفقد الثغور حتى حاذى جبل الفتح ركب البحر إلى سبتة ودخل فاس سنة ثلاثة وسبعين وسبعمائة فبالغ السلطان في إكرامه ولبث يطلب أهله وعياله فقدموا عليه وأجريت له الرواتب السنية والإقطاعات فاستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن وغرس البساتين فتمكن منه عداه بالأندلس وأثبتوا على القاضي كلمات منسوبة إلى الزندقة تكلم بها لسان الدين هذا فسجل القاضي بثبوت زندقته وحكم بإراقة دمه وأرسل بها إلى السلطان عبد العزيز ليقتله بمقتضاها، فامتنع السلطان وقال: هلاّ انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه، وأما أنا فلا أقتل بهذا من كان في جواري. فلما مات السلطان اختص لسان الدين بعده بالوزير أبي بكر بن غازي (١) فلم يقدر عليه إلى أن تسلطن أبو العباس أحمد فقبض عليه بإغراء

стр. 75

أعدائه ومنهم سليمان بن داود بن غراب (١) كبير بني عسكر وسجن فبعث ابن الأحمر وزيره أبا عبد الله بن زمرك فأخرج لسان الدين وعرض عليه في مجلس السلطان كلمات رفعت له في كتابه فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد الملأ من الناس ثم أعيد إلى الحبس واشتوروا في قتله بمقتضى المقالات المسجلة عليه وأفتى فيه بعض الفقهاء بالقتل، فدس سليمان بن داود بعض الأوغاد من حاشيته عليه وطرقوا الحبس معهم عدة من الغوغاء في لفيف من الخدم، وقتلوه خنقا في محبسه وأخرجوا رمته من الغد، فدفنت بالمقبرة فأصبح من غد دفنه طريحا على شفير قبره وقد ألقيت عليها الأحطاب وأضرم فيها النار فاحترق شعره واسودت بشرته ثم أخذ وأعيد إلى حفرته وكان قتله في سنة ست وسبعين وسبعمائة. ومن شعره وهو بالسجن قصيدة أولها: بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن نموت ومنها: وكنا عظاما فصرنا عظاما ... وكنا نقوت فها نحن قوت وكنا شموس سماء العلا ... غربن فناحت عليها السّموت ومن كان منتظر الزوال ... فكيف يؤمّل منها الثبوت وقل للعداة مضى ابن الخطيب وفا ... ت، فمن ذا الذي لا يفوت ومن كان يفرح منهم له ... فقل: يفرح اليوم من لا يموت وكان لسان الدين هذا إماما بليغا بارعا مترسلا عالما ناظما ناثرا ولديه فضيلة تامة ومشاركة في كثير من العلوم وله تصانيف كثيرة منها
следующие страницы →