ومنهم:
٢١ - محمد بن عبد الله بن سعيد
ابن عبد الله بن سعيد بن أحمد بن علي
الوزير البليغ الشاعر لسان الدين أبو عبد الله ابن الخطيب (١) الّلوشي (٢) الأصل الغرناطي الأندلسي المغربي أصله من لوشة (٣) إحدى قرى غرناطة. وخدم [أبوه] بني الأحمر على مخازن الطعام ونشأ ابنه محمد هذا بغرناطة وتفقه وتأدب على علمائها وأدبائها واختص بصحبة الحكيم يحيى بن الهذيل وأخذ عنه العلوم الفلسفية، ومهر في الطب وبرع
стр. 72
في الأدب وصار إماما بليغا في الشعر والترسل والإنشاء ومدح السلطان أبا الحجاج فأكثر من مدائحه فرقّاه في خدمته وجعله في ديوان الكتاب من تحت يد أبي الحسن ابن الجيّاب (١)، فلما مات ابن الجياب في طاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة ولاه السلطان أبو الحجاج رئاسة الكتاب والوزارة فصدرت عنه غرائب من الترسل في مكاتباته ملوك العدوة ثم داخله السلطان في تولية العمال على يده بالمال فجمع له بها أموال جمة وبلغ في الخصوصية ما لم يفته أحد قبله ثم وجّه في الرسالة إلى السلطان أبي عنان بفاس فلما مات السلطان أبو الحجاج قتيلا في سنة خمس وخمسين وسبعمائة وقام من بعده ابنه محمد و [لما] (٢) قام رضوان واستبد بالدولة أفرد لسان الدين بن الخطيب هذا بوزارته كما كان لأبيه واتخذ لكتابه غيره ثم بعث به إلى السلطان أبي عنان مستمدا به على الطاغية فلما مثل بين يديه تقدم من قعد معه من الفقهاء واستأذن في الإنشاد فأذن له فأنشد:
خليفة الله ساعد القدر ... علاك ما لاح في الدّجى قمر
ودافعت عنك كفّ قدرته ... ما ليس يستطيع دفعه بشر
وجهك في النائبات بدر دجى ... لنا وفي المحل كفك المطر
والناس طرا بأرض أندلس ... لولاك ما وطنوا ولا عمروا
ومن به مذ وصلت حبلهم ... ما جحدوا نعمة ولا كفروا
стр. 73
وقد أهمّتهم نفوسهم ... فوجهوني إليك وانتظروا/
فلما سمع أبو عنان هذه الأبيات اهتز له وأذن له بالجلوس وقال له قبل أن يجلس: ما ترجع إليهم إلاّ بجميع طلباتهم وأفاض عليه من الإحسان شيئا كثيرا ثم أعاده بجميع ما طلبه فاستمر إلى أن ثار الريّس محمد وقتل رضوان ونصب إسماعيل بن السلطان أبي الحجاج في السلطنة فحبس الوزير لسان الدين المذكور وفر السلطان محمد إلى وادياش (١) فاستدعاه السلطان أبو سالم بن أبي الحسن وقد ملك بعد أخيه أبي عنان وبعث يشفع في لسان الدين بن الخطيب هذا فأفرج عنه وقدم مع سلطانه على أبي سالم بفاس فركب إلى لقائه وأجلسه بإزاء كرسيه وأنشده لسان الدين بن الخطيب قصيدته الرائية التي أولها:
سلا هل لديها من مخبرة ذكر (٢)
فأجزل السلطان صلاته ثم سار لسان الدين إلى مرّاكش فأتحفه العمال بما يليق به ولما مر بسلا دخل مقبرة الملوك بشالّة (٣) ووقف على قبر السلطان أبي الحسن وأنشده قصيدة منها:
إن بان منزله وشطت داره ... قامت مقام عيانه أخباره
قسّم زمانك عبرة أو عبرة (٤) ... هذا ثراه وهذه آثاره
стр. 74
ثم كتب أبو سالم في رد ضياعه بغرناطة إلى ابن الأحمر فقبل شفاعته وردها عليه فلما عاد المخلوع محمد إلى ملكه في سنة ثلاثة وستين وسبعمائة لحق به لسان الدين ابن الخطيب فرده إلى منزلته.
وكان عثمان بن يحيى بن عمر شيخ الغزاة متمسكا من ابن الأحمر فتنكر له لسان الدين وما زال بسلطانه حتى نكبه في رمضان سنة أربع وستين وسجنه فخلا لابن الخطيب وجه السلطان وغلب على هواه حتى دفع إليه تدبير دولته وجعله من خواص ندمائه وأهل خلوته وصار العقد والحل بيده وعلقت به الآمال فحسده الناس وسعوا فيه فعزم على التخلي عما هو فيه فدسّ إلى سلطان فاس من بني مرين في اللحاق به وخرج من غرناطة على أنه يتفقد الثغور حتى حاذى جبل الفتح ركب البحر إلى سبتة ودخل فاس سنة ثلاثة وسبعين وسبعمائة فبالغ السلطان في إكرامه ولبث يطلب أهله وعياله فقدموا عليه وأجريت له الرواتب السنية والإقطاعات فاستكثر من شراء الضياع وتأنق في بناء المساكن وغرس البساتين فتمكن منه عداه بالأندلس وأثبتوا على القاضي كلمات منسوبة إلى الزندقة تكلم بها لسان الدين هذا فسجل القاضي بثبوت زندقته وحكم بإراقة دمه وأرسل بها إلى السلطان عبد العزيز ليقتله بمقتضاها، فامتنع السلطان وقال: هلاّ انتقمتم منه وهو عندكم وأنتم عالمون بما كان عليه، وأما أنا فلا أقتل بهذا من كان في جواري.
فلما مات السلطان اختص لسان الدين بعده بالوزير أبي بكر بن غازي (١) فلم يقدر عليه إلى أن تسلطن أبو العباس أحمد فقبض عليه بإغراء
стр. 75
أعدائه ومنهم سليمان بن داود بن غراب (١) كبير بني عسكر وسجن فبعث ابن الأحمر وزيره أبا عبد الله بن زمرك فأخرج لسان الدين وعرض عليه في مجلس السلطان كلمات رفعت له في كتابه فوبخ ونكل وامتحن بالعذاب بمشهد الملأ من الناس ثم أعيد إلى الحبس واشتوروا في قتله بمقتضى المقالات المسجلة عليه وأفتى فيه بعض الفقهاء بالقتل، فدس سليمان بن داود بعض الأوغاد من حاشيته عليه وطرقوا الحبس معهم عدة من الغوغاء في لفيف من الخدم، وقتلوه خنقا في محبسه وأخرجوا رمته من الغد، فدفنت بالمقبرة فأصبح من غد دفنه طريحا على شفير قبره وقد ألقيت عليها الأحطاب وأضرم فيها النار فاحترق شعره واسودت بشرته ثم أخذ وأعيد إلى حفرته وكان قتله في سنة ست وسبعين وسبعمائة.
ومن شعره وهو بالسجن قصيدة أولها:
بعدنا وإن جاورتنا البيوت ... وجئنا بوعظ ونحن نموت
ومنها:
وكنا عظاما فصرنا عظاما ... وكنا نقوت فها نحن قوت
وكنا شموس سماء العلا ... غربن فناحت عليها السّموت
ومن كان منتظر الزوال ... فكيف يؤمّل منها الثبوت
وقل للعداة مضى ابن الخطيب وفا ... ت، فمن ذا الذي لا يفوت
ومن كان يفرح منهم له ... فقل: يفرح اليوم من لا يموت
وكان لسان الدين هذا إماما بليغا بارعا مترسلا عالما ناظما ناثرا ولديه فضيلة تامة ومشاركة في كثير من العلوم وله تصانيف كثيرة منها
стр. 76
تاريخ غرناطة سماه (الإحاطة (١))، وكتاب: (روضة التعريف بالحب الشريف) (٢) بديع في معناه، وكتاب: (الغيرة على أهل الحيرة)، وكتاب:
(حمل الجمهور على السّنن المشهور)، وكتاب: (الاكتاب على اختصار الكتاب) (٣) اختصر فيه كتاب صحاح الجوهري. ومن شعره:
يا من أدار من الصبابة بيننا ... قدحا ينمّ المسك من رباه
وأتى بريحان الحديث فكلما ... صحّ الحديث براحة حيّاه
أنا لا أهيم بذكر من قتل الهوى ... لكن أهيم بذكر من أحياه
...
стр. 77
ومنهم:
٢٢ - محمد بن عثمان بن أبي الرجاء
الصاحب شمس الدين التّنوخي الدمشقي
التاجر المعروف بابن السّلعوس (١)
وزير السلطان الملك الأشرف خليل بن قلاوون ونديمه. قال البارع خليل بن أيبك (٢): كان في شبيبته يسافر في التجارة وكان أشقرا/سمينا أبيضا معتدل القامة فصيح العبارة حلو المنطق وافر الهيبة كامل الأدوات خليقا للوزارة تام الخبرة زائد الإعجاب عظيم التية، وكان جارا للصاحب تقي الدين بن البيّع فصاحبه ورأى ما فيه من الكفاءة فأخذ له حسبة دمشق ثم إنه ذهب إلى مصر وتوكل للملك الأشرف خليل في دولة أبيه فجرى عليه نكبة من السلطان فشفع فيه مخدومه الأشرف وأطلقه من الاعتقال وحجّ فتملك الأشرف في غيبته وكان محبا فيه فكتب إليه بين الأسطر:
يا شقير يا وجه الخير قدّم السّير. فلما قدم وزّره.
стр. 78
وكان إذا ركب يمشي الأمراء [و] (١) الكبار في خدمته ودخل دمشق بعد قدومهم من عكا في دست عظيم وكان الشّجاعي ومن دونه يقفون بين يديه وجميع أمور المملكة منوطة به (٢).
فارق السلطان وتوجه إلى الإسكندرية في خدمة الأمير علم الدين الدواداري فصادر متولي الثغر وعاقبه، فلم ينشب أن جاءه الخبر بقتل مخدومه الأشرف فركب لليلته منها هو وكاتبه الشرف القيسراني، وقال للوالي: افتح الباب لزيارة القبّاري (٣) وجاء إلى المقس ليلا ونزل بزاوية ابن الظاهري ولم ينم معظم الليل واستشار الشيخ في الاختفاء، فقال: أنا قليل الخبرة بهذه (٤) الأمور، فقوّى نفسه وقال: هذا لا أفعله ولو فعله عامل من عمالنا كان قبيحا وهم محتاجون إلينا وما أنا محتاج إليهم ثم ركب بكرة ودخل بأبهة الوزارة إلى داره فاستمر بها خمسة أيام ثم طلب في السادس (٥) إلى القلعة فأنزله الشّجاعي ماشيا وسلمه من الغد إلى عدوه الأمير بهاء الدين قراقوش مشد الصحبة فقيل إنه ضربه ألفا ومائة مقرعة ثم سلّمه إلى الأمير بدر الدين المسعودي مشد مصر حتى يستخلص الأموال منه فعاقبه وعذبه وحمل جمله وكتب تذكرة إلى دمشق بسبعة آلاف دينار
стр. 79
مودوعة عند أناس فأخذت منهم ومات في العقوبة في تاسع صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة وقد أنتن جسمه وقطع عنه اللحم الميت.
ولما تولى الوزارة كتب إليه بعض من يحبه من الشام يحذره من الشّجاعي:
تنبّه يا وزير الأرض واعلم ... بأنك قد وطئت على الأفاعي
وكن بالله معتصما فإني ... أخاف عليك من نهش الشّجاعي
فبلغا الشّجاعي فلما جرى ما جرى قيل له عن هذا الناظم فقال:
لا أؤذيه لأنه نصحه فيّ وما انتصح. ولما توفّي القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر كاتب الإنشاء بمصر طلب الوزير شمس الدين العلاّمة شهاب الدين محمود من الشام ورتبه عوضه في الديار المصرية فامتدحه بقصيدة منها:
أجد له شوقا إلى ساكن مصر ... هواي من به تاهت على البرّ والبحر
من أصبحت بغداد من بعد تيهها ... وقد حل عليا مصر ممن خدم القصر
فشاق هوى (١) التقوى بها القلب لا هوى ... عيون المها بين الرّصافة والجسر
وكم رام يحكي النيل نيل بنانه ... فأغنى ولكن فرد قطر عن القطر
وذاك يعم الأرض شرقا ومغربا ... سواء لديه ساكن القفر والمصر
...
стр. 80
ومنهم:
٢٣ - محمد بن علي بن [محمد] (١) بن سليم
الوزير الصاحب فخر الدين أبو (٢) عبد الله بن
الوزير الصاحب بهاء الدين بن القاضي السديد
المصري الشافعي المعروف بابن حنّا (٣)
كان فقيها بارعا محدثا سمع الحديث ودرس بمدرسة والده وكان ديّنا خيرا محبا لفعل الخير وفيه بر وصدقة. وعمر رباطا كبيرا بالقرافة ووقف عليه وقفا. وهو والد الصاحب تاج الدين وكان له نظم ونثر وروى عنه الحافظ شرف الدين الدمياطي. توفي سنة ثمان وستين وستمائة. ومن شعره:
أنا مرسل للعاشقين جميعهم ... من مات منهم وافيا من أمّتي
стр. 81
فله الشهادة كلها ولي الهنا ... إذ كان ممّن غدا في زمرتي (١)
وبخطه للعلاّمة أمين الدين محمد بن علي المحلي النحوي مصنف كتاب (مفتاح الإعراب):
عليك بأرباب الصدور فمن غدا ... مضافا (٢) لأرباب الصدور تصدّرا
وإياك أن ترضى صحابة ناقص ... فتنحط قدرا من علاك وتحقرا
فرفع أبو من ثم خفض مزمل ... يحقق قولي معزيا ومحذّرا
قلت: أراد بقوله فرفع أبو من أن من الاستفهامية لها صدر الكلام فلما أضيف إليها أبو قدم عليها ورفع ولو كان عامله ناصبا نحو علمت أبو من زيدا وما ذاك إلاّ لإضافة إليها وأشار بقوله: ثم خفض مزمل إلى قول امرىء القيس:
كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمّل (٣)
وذلك لأن مزملا صفة لكبير فكان حقه الرفع ولكنه خفض للمجاورة، يعني: من اتصف بهذه الأوصاف الذميمة عليك الحذر من مصاحبته لئلا يعديك بطبعه في معاشرته وهذا مثل قول ابن حزم الظاهري:
стр. 82
تجنب صديقا مثل ما واحذر الذي ... يكون كعمرو بين عرب وأعجم
فإن صديق السوء يردي وشاهدي ... كما سرقت صدر القناة من الدّم
مراد ابن حزم بما: الكناية عن الرجل الناقص كنقص ما الموصولة لاحتياجها إلى صلة وعائد. وبعمرو: الكناية عن الرجل المتزيد الآخذ ما ليس له كأخذ عمرو الواو في الخط.
وأشار بقوله: وشاهدي كما سرقت صدر القناة من الدم. . . إلى قول سيبويه:
ويسرق بالقول الذي قد أذعته ... كما سرقت صدر القناة من الدم
يعني أن الاسم قد يكتسب بالإضافة أمورا:
أحدها: التأنيث لأن (صدر) مذكر فلما أضيف إلى القناة أنّث.
وثانيها: وجوب التصدير كما قدمنا في أبو من.
***
стр. 83
ومنهم:
٢٤ - محمد بن محمد بن/علي بن محمد بن سليم
الصاحب تاج الدين أبو عبد الله ابن الصاحب
فخر الدين ابن الصاحب بهاء الدين بن حنّا (١) المصري
وزير الديار المصرية، مولده في سنة أربعين وستمائة وتفقه وبرع ونظم ونثر وسمع من سبط السّلفي جزء الذهلي ومن الشرف المرسي وبدمشق من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر. وحدّث بدمشق ومصر وسمع عليه جماعة، وانتهت إليه الرئاسة في عصره بالقاهرة.
وكان ذا سؤدد ومكارم وشكل حسن وبزة فاخرة إلى الغاية يتناهى في الطعام والشراب واللباس ومع ذلك كانت صدقاته كثيرة وتواضعه وافر وصحبته للفقراء والصلحاء زائدة وهو الذي اشترى الآثار النبوية (٢) على ما قيل بستين ألف درهم وجعلها في مكانه وهو المكان المنسوب إليه بالديار المصرية على شاطىء النيل.
стр. 84
قال ابن أيبك (١): حكى لي شهاب الدين محمود وغير واحد: أن الصاحب فخر الدين ابن الخليلي لما لبس تشريف الوزارة توجه من القلعة بالخلعة إلى عند الصاحب تاج الدين وجلس بين يديه وقبّل يده فأراد أن يجيزه (٢) ويعظم قدره فالتفت إلى بعض خدمه وطلب منه توقيعا بمرتب يختص بذلك الشخص فأخذه وقال: مولانا يعلم على هذا التوقيع فأخذه وقبّله وكتب عليه قدّامه. قال الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس: وهذه الحركة من الصاحب تاج الدين بمنزلة الإجازة والإمضاء لوزارة ابن الخليلي.
ومن أحسن حركة اعتمدها ما حكاه القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: اجتزت بتربته فدخلت فلقيت في داخلها مكتّبا للأيتام وهم يكتبون القرآن في ألواحهم فإذا أرادوا مسحها غسلوا الألواح وسكبوا ذلك على قبره فسألت عن ذلك فقيل لي: هكذا شرط في هذا الوقف وكان مقصدا حسنا وذو عقيدة صحيحة.
وكان الصاحب بهاء الدين جده يؤثره على أولاده لصلبه ويعظمه.
قال قاضي القضاة القزويني: وقفت على أقوال الصاحب بهاء الدين أنه في ذمته للصاحب تاج الدين ولأخيه مبلغ ستين ألف مصرية، ومن وجاهته وعظمته في النفوس أنه لما نكب على يد الشجاعي جرده من ثيابه وضربه مقرعة واحدة ولم يدعه الناس يصل إلى أكثر من ذلك مع جبروت الشجاعي وعتوه وتمكنه من السلطان. وكانت له مهابة في النفوس وله شعر رائق. انتهى.
وكان عظيم الهمة كريم النفس يتعاطى الفروسية ويحضر الغزوات
стр. 85
والحروب ويركب ويتصيد بالجوارح والكلاب، وكان جوادا ممدحا ومدحه الشهاب محمود بقصيدة طويلة أولها:
أعليّ في ذكر الديار ملام ... أم هل تذكّرها عليّ حرام (١)
وتوفي سنة سبع وسبعمائة.
ومن شعره ما كتبه السراج الورّاق يعزيه في حمار سقط في بئر فنفق-من أبيات:
يفديك جحشك إذ مضى مترديا ... بتالد يفدي الأديب وطارف
عدم الشعير فلم يجده ولا رأى ... تبنا وراح من الظما كالتالف
ورأى البويرة غير صاف ماؤها ... فرمى حشاشة نفسه لمخاوف
فهو الشهيد لكم بوافر فضلكم ... هذي المكارم لا حمامة خاطف
قوم يموت حمارهم عطشا لقد ... أزروا بحاتم في الزمان السالف (٢)
قوله: (لا حمامة خاطف) أشار إلى بيتي ابن عنين اللذين مدح بهما الإمام فخر الدين الرازي، وقد جاءت حمامة فدخلت حجره هربا من جارح وكان خلفها، وهما:
جاءت سليمان الزمان حمامة ... والموت يلمع من جناحي خاطف
من نبّأ الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف (٣)
انتهى. فأجابه السّراج الوراق بقصيدة أولها:
أدنت قطوف ثمارها للقاطف ... وثنت بأنفاس النسيم معاطفي
стр. 86
ومنها فيما يتعلق بذكر الحمار:
ولكم بكيت عليه عند مرابع ... ومراتع رشّت بدمع الذارف
يمسي على عهدي ويسري صابرا ... بمعارف تلهيه دون معالف
وقد استمرّ على القناعة يقتدي ... بي وهي في ذا الوقت جلّ وظائفي
ودعاه للبئر (١) الصدى فأجابه ... وأعتاقه صرف الحمام الآزف
وهو المدلّ بألفة طالت وما ... أنسى حتوف مرابعي ومآلفي
وموافقي في كل ما حاولته ... في الدهر غير موافقي ومخالفي
دوران ساقية لطاحون نقل ... الماء في شات ويوم صائف
لكن بماء البئر راح بنقلة ... قتلته شامات بموت جارف (٢)
ومن شعر الصاحب تاج الدين أيضا:
توهم واشينا بليل مزارنا ... فجاء ليسعى بيننا بالتباعد
فعانقته حتى اتحدنا تلازما ... فلم ير واشينا سوى فرد واحد (٣)
ونظم يوما في الفائزي فقال:
توفي الجمال الفائزي وإنه ... لخير صديق كان في زمن العسر
ثم أمر السراج الوراق بإجازته فقال السراج الوراق:
فيا رب عامله بألطافك التي ... يكون بها في الفائزين لدى الحشر
...
стр. 87
ومنهم:
٢٥ - محمد بن محمد بن علي الوزير الكبير
مؤيد الدين أبو طالب العلقمي (١) البغدادي الرافضي
وزير المستعصم بالله، مولده في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وخمسمائة وترقى إلى أن ولي الوزارة نحو أربع عشرة سنة. وكان في أول وزارته مناصرا للخليفة وعنده إظهار للرفض قليلا، وكان عارفا عاقلا خيرا يتدبر الملك إلى أن وقع بينه وبين دوادار (٢) الخليفة، وهو أن الدوادار كان يتغالى في السنة وعضده ابن الخليفة فحصل عند الوزير من الضغن ما أوجب له أنه سعى في دمار الإسلام وخراب بغداد لأنه ضعف جانبه وقويت شوكة/الدوادار بحاشية الخليفة فتعادين (٣) لابن الخليفة وظهر ذلك وفشى بين الجند حتى أنه لم يبق للوزير من الأمراء إلاّ القليل
стр. 88
حتى قال العلقمي هذا في نفسه:
وزير رضي من بأسه وانتقامه ... بطيّ رقاع حشوها النظم والنثر
كما تسجع الورقاء وهي حمامة ... وليس لها نهي يطاع ولا أمر (١)
ثم إنه أخذ يدبر على الخليفة ويكاتب التتار إلى أن طمع هلاكو في أخذ بغداد. وقرر مع هلاكو أمورا انعكست عليه لما أخذ هلاكو بغداد، وقتل الخليفة. ثم ندم الوزير هذا حيث لا ينفع الندم وصار لما انقلب عليه تدبيره يقول:
وجرى القضاء بعكس ما أمّلته
قيل أنه لما أخذ هلاكو بغداد وقتل الخليفة وفعل في المسلمين ما هو مشهور من الأفعال القبيحة كالسّبي والقتل والنهبي والإحراق كل ذلك والوزير هذا في منصبه، فلما كان جالسا في بعض الأيام في الديوان دخل عليه بعض التتار ممن لا وجاهة له راكبا فرسه فساق إلى أن وقف بفرسه (٢) على بساط الوزير هذا وخاطبه بما أراد وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثياب الوزير وهو صابر لهذا الهوان والصّغار ويظهر قوة النفس والفرح وأنه بلغ مراده-عليه من الله ما يستحقه-وأقام على ذلك مدة إلى أن أمسكه هلاكو بعد قتل الخليفة ووبخه بألفاظ شنيعة معناها أنه لم يكن له خير في مخدومه ولا في دينه فكيف يكون له خير في هلاكو ثم أمر به فقتل أشر قتلة.
قلت: إلى سقر لا دنيا ولا أخرى.
стр. 89
وكان قتله في أوائل سنة سبع وخمسين وستمائة (١). وكان من الفضلاء البلغاء العلماء إلاّ أنه كان رافضيا خبيثا سفك بسبب فتنته من الدماء ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى وخرب العراق بأجمعه من يومئذ، وكانت دار السّلام أحسن بلاد الله فكأنها لم تكن.
وقال في كتاب (مجلا اللطافة) (٢): ولما دخل التتار إلى بغداد بذلوا السيف في أهلها ولم يرحموا شيخا كبيرا ولا طفلا صغيرا وأخذ المستعصم أسيرا هو وولده فأحضرين يدي هلاكو فأخرجه إلى ظاهر بغداد وأنزله في خيمة صغيرة هو وولده ثم أنه بعد العصر وضع الخليفة هو وولده في عدلين وأمر التتار برفسهما إلى أن ماتا رحمهما الله ونهبوا دار الخلافة ومدينة بغداد وقتل أكثر أهل بغداد حتى قيل أن عدة من قتل يزيد على مائتي ألف ألف وثلاثمائة ألف وثلاثون إنسانا (!!!) وانقضت الخلافة ببغداد وزالت أيامهم (٣) من تلك البلاد وتحولت الخلافة إلى القاهرة يقال:
خلت المنابر والأسرّة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام
...
стр. 90
ومنهم:
٢٦ - محمد بن محمد بن الحسن
العلاّمة نصير الدين أبو عبد الله الطوسي (١)
العجمي الفيلسوف، صاحب العلوم الرياضية والرصد. كان رأسا في علوم الأوائل لا سيما في الأرصاد (٢) والمجسطي.
قرأ على العين سالم بن بدران المصري المعتزلي الرافضي وعلى الشيخ كمال الدين بن يونس الموصلي، وكان يعمل الوزارة لهلاكو من غير أن يدخل يده في الأموال. واحتوى على عقل هلاكو حتى صار لا يسافر ويركب إلاّ في وقت يأمره به، وكان ذا حرمة وافرة ومنزلة عالية عند هلاكو.
قيل: إن سبب اتصاله بهلاكو، أن هلاكو كان ينكر هذا العلم ويحط
стр. 91
عليه وقبض على نصير الدين هذا وأمر بقتله بعد أن قال له: أنت تطلع إلى السماء؟ فقال له: لا، فقال: ينزل عليك ملك يخبرك؟ فقال له: لا، فقال هلاكو: فمن أين تعرف؟ قال نصير الدين: بالحساب، فقال: تكذب، أرني من معرفتك ما أصدقك به. وكان هلاكو جاهلا قليل المعرفة فقال له نصير الدين: في الليلة الفلانية في الوقت الفلاني يخسف القمر فقال هلاكو: احبسوه، إن صدق أطلقناه وأحسنّا إليه وإن كذب قتلناه. فحبس إلى الليلة المذكورة فخسف القمر خسوفا بالغا فاتفق أن هلاكو تلك الليلة غلب عليه السّكر فنام ولم يجسر أحد على انتباهه فقيل لنصير الدين ذلك فقال نصير الدين: إن لم ير القمر بعينه وإلاّ فغدا أنا مقتول لا محالة وفكر ساعة ثم قال للمغل: دقوا على الطاسات وإلاّ يذهب قمركم إلى يوم القيامة فشرع كل واحد يدق على طاسته فعظمت الغوغاء فانتبه هلاكو بهذه الحيلة ورأى القمر قد خسف فصدق وآمن به وكان ذلك سببا لاتصاله بهلاكو.
قلت: ومن ثم صار الدق على النحاس إذا خسف القمر ولم يكن له سبب غير ما ذكرناه. انتهى.
وكان نصير الدين هذا ذا عقل وحدس صائب وهو الذي عمل الرصد العظيم بمدينة مراغة واخذ في ذلك قبّة وخزانة عظيمة وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة حتى تجمع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد وقرر بالرصد المنجمين والفلاسفة والفضلاء. وكان حسن الصورة سمحا كريما جوادا حسن العشرة غزير الفضائل جليل القدر ذا هيبة.
стр. 92
قال ابن كثير (١): حكي أنه لما أراد العمل للرصد رأى هلاكو ما يصرف عليه فقال له: هذا العلم المتعلق بالنجوم أيدفع ما قدر أن يكون؟ فقال له الطوسي: أنا أضرب لمنفعته مثلا، القان يأمر من يطلع إلى أعلا هذا المكان ويدعه يرمي من أعلاه طست نحاس كبير من غير أن يعلم به أحد ففعل ذلك فلما وقع كان له وقعة هائلة روّعت كل من هناك وكاد بعضهم يصعق، وأما هو وهلاكو فإنهما ما تغيّر عليهما شيء/لعلمهما بأن ذلك يقع، فقال له: هذا العلم النجومي له هذه الفائدة يعلم فيه المحدث فيه ما يحدث فلا يحصل له من الروعة ولا الاكتراث ما يحصل للذاهل الغافل عنه، فقال هلاكو: لا بأس بهذا وأمره بالشروع فيه انتهى.
وقال غيره: ومن عقله وعلمه ما وقع له بأن حضرت إليه من شخص من جمله ما فيها: يقول له (٢) يا كلب يا ابن كلب!! فكان جواب الطوسي له: وأما قوله كذا فليس بصحيح لأن الكلب من ذوات الأربع وهو نابح طويل الأظفار، وأما أنا فمنتصب القامة بادي البشرة، عريض الأظفار ناطق ضاحك فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص وأطال في نقض ما قاله بتأن غير منزعج، ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة.
وكان كثير الخير لا سيما للشيعة والعلويين وغيرهم، وكان يبرهم ويقضي أشغالهم ويحمي أوقافهم من أعوان هلاكو فإنه كان هو المشار إليه
стр. 93
في مملكة هلاكو وهو المتكلم في جميع الأمور وكان مع ذلك فيه تواضع وحسن ملتقى. انتهى.
وقال الشيخ شمس الدين (١): قال حسن بن أحمد الحكيم: سافرت إلى مراغة وتفرجت في هذا الرصد ومتوليه صدر الدين علي بن الخواجا نصير الدين الطوسي، وكان شابا فاضلا في التنجيم والشعر الفارسي وصادفت شمس الدين محمد بن المؤيد الفرضي وشمس الدين الشيرواني والشيخ كمال الدين الأيكي وحسام الدين الشامي فرأيت فيه من آلات الرصد شيئا كثيرا منها ذات الحلق وهي خمس دوائر متخذة من نحاس الأولى دائرة نصف النهار وهي مركوزة على الأرض، والثانية [د] (٢) ائرة معدل النهار، والثالثة دائرة منطقة البروج، والرابعة دائرة العرض، والخامسة دائرة الليل، ورأيت الدائرة الشمسية يعرف بها سمت الكواكب وأسطرلابا يكون سعة قطره ذراعا، وأسطرلابان أخر. قلت: وقد فعل ألوغ بك بن شاه رخ بن تيمور رصدا بسمرقند، وحكم عليه قبل موته في حدود الخمسين وثمانمائة. انتهى.
ومن مصنفات الطوسي: كتاب (المتوسطات (٣) بين الهندسة والهيئة) وهو جيد إلى الغاية ومقدم في الهيئة، وكتاب وضعه للنصيرية، واختصر (المحصل) للإمام فخر الدين (٤) وزاد فيه، وشرح (الإشارات) ورد فيه
стр. 94
على الإمام فخر الدين في شرحه، وقال: هذا جرح ما هو شرح، وقال فيه: إني حررته في عشرين سنة، وناقض فخر الدين كثيرا.
وله (التجريد في أصول الدين)، و (أوصاف الأشراف) و (قواعد العقائد) و (التلخيص في علم الكلام)، و (شرح الثمرة لبطليوس)، وكتاب (مجسطي) و (جامع الحساب في التخت والتراب)، و (الكرة والأسطوانة) (١)، و (المعطيات والظاهرات)، و (المناظر)، و (الليل والنهار)، و (الكرة المتحركة)، و (الطلوع والغروب بالقطاع)، و (الجواهر)، و (الأسطوانة)، و (الفرائض على مذهب أهل البيت)، و (تسطيح الكرة)، و (المطالع)، و (تربيع الدائرة)، و (المخروطات)، و (تعديل المعيار في نقد (٢) تنزيل الأفكار)، و (بقاء النفس بعد بوار البدن)، و (الجبر والمقابلة)، و (إثبات العقل الفعال)، و (شرح مسألة العلم ومسألة الإمامة)، و (رسالة إلى نجم الدين الكاتبي في إثبات واجب الوجود)، و (حواشي على كليات القانون)، و (رسالة ثلاثون فصلا في معرفة النفوس) (٣) وغير ذلك.
وله نظم بالفارسية، وتوفي في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وستمائة ببغداد وقد أناف على الثمانين، ودفن بمشهد الكاظم.
...
стр. 95
ومنهم:
٢٧ - عبد الله بن علي بن الحسين بن عبد
الخالق بن الحسين بن الحسن بن منصور
الصاحب الوزير الكبير صفي الدين
أبو محمد الشيبي المصري الدّميري
المالكي المعروف بابن شكر (١)
قال الذهبي في تاريخ الإسلام (٢): ولد سنة ثمان وأربعين وخمسمائة وتفقه على الفقيه أبي بكر عتيق البجائي (٣) وبه تخرج، ورحل إلى الإسكندرية وتفقه بها على شمس الإسلام أبي القاسم مخلوف بن جاره وسمع منه ومن السّلفي إنشاء وأجاز له وسمع من أبي الطاهر إسماعيل بن عوف وأبي الطيب عبد المنعم بن يحيى بن الخلوف وأجاز له أبو محمد بن برّي، وأبو الحسين أحمد بن حمزة بن الموازين وجماعة وحدّث بدمشق ومصر، روى عنه الزكي المنذري والشهاب القوصي وأثنيا عليه.
стр. 96
قال الزكي (١): كان مؤثرا للعلماء الصالحين كثير البر بهم والتفقد لهم لا يشغله ما هو فيه من كثرة الأشغال عن مجالستهم ومباحثتهم وأنشأ مدرسة قبالة داره بالقاهرة، وقال أبو المظفر ابن الجوزي (٢): كان الملك العادل قد نفاه فلما مات قدم من آمد يطلب من السلطان الملك الكامل.
قال أبو شامة (٣): وكان خليقا بالوزارة لم يتولها بعده مثله، كان متواضعا يسلم على الناس وهو راكب ويكرم العلماء ويدر عليهم فمضى إلى مصر.
وقال القوصي: هو الذي كان السبب فيما وليته وأوليته في الدولة الأيوبية من الإنعام وهو الذي أنشأني وأنساني الأوطان، ولقد أحسن إلى الفقهاء والعلماء مدة ولايته وبنى مصلى العيد بدمشق وبلط الجامع وأنشأ الفوّارة وعمّر جامع المزّة، وجامع حرستا. ومولده بالدّميرة سنة أربعين.
وكذا قال ابن الجوزي (٤) في مولده، وقول المنذري أصح فإنه قال (٥):
стр. 97
سمعته يقول: ولدت في تاسع صفر سنة ثمان وأربعين، قال: وتوفي بمصر في ثامن شعبان سنة اثنتين وعشرين وستمائة.
وقال الموفق عبد اللطيف (١): هو رجل طوال تام القصب فعمها (٢) درّي اللون مشرب (٣) بحمرة له طلاقة محيّا وحلاوة لسان، وحسن هيئة، وصحة بنية (٤)، ذو دهاء في هوج وخبث مع طيش مع/رعونة مفرطة وحقد لا تخبو ناره، ينتقم ويظن أنه لم ينتقم فيعود ينتقم، لا ينام عن عدوه (٥) ولا يقبل منه معذرة ولا إنابة، ويجعل الرؤساء كلهم أعداءه ولا يرضى لعدوه بدون الإهلاك، لا تأخذه في نقماته رحمة ولا يتفكر في آخرة.
وهو من دميرة ضيعة بديار مصر واستولى على العادل ظاهرا وباطنا ولم يمكن أحدا من الوصول إليه حتى الطبيب والحاجب والفراش عليهم عيون فلا يتكلم أحد منهم فضل كلمة خوفا منه، ولما عزل دخل الطبيب وغيره فانبسطوا وحكوا وضحكوا فأعجب السلطان بذلك وقال: ما منعكم أن تفعلوا هذا فيما مضى؟ قالوا: خوفا من ابن شكر، قال: فإذا قد كنت في حبس وأنا لا أشعر.
стр. 98
وكان غرضه إبادة أرباب البيوتات ويقرّب الأراذل وشرار الفقهاء مثل الجمال المصري الذي صار قاضي دمشق ومثل ابن كسا البلبيسي والمجد البهنسي الذي وزر للأشرف وكان هؤلاء يجتمعون حوله ويوهمونه أنه أكتب من القاضي الفاضل بل ومن ابن العميد والصابي، وفي الفقه أفضل من مالك وفي الشعر أكمل من المتنبي وأبي تمام، ويحلفون على ذلك بالطلاق وأغلظ الأيمان.
وكان لا يأكل من الدولة ولا فلسا ويظهر أمانة مفرطة فإذا لاح له مال عظيم احتجنه وعملت له قبسة العجلان (١) فأمر كاتبه أن يكتبها ويردها وقال: لا نستحل أن نأخذ منك ورقا، وكان له في كل بلد من بلاد السلطان ضيعة أو أكثر في مصر والشام إلى خلاط (٢) وبلغ مجموع ذلك مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار يعني ثمن مغله (٣).
وكان يكثر الإدلال على العادل ويسخط أولاده وخواصه والعادل يترضاه بكل ما يقدر عليه وتكرر ذلك منه إلى أن غضب منه على حرّان، فلما صار إلى مصر غاضبه على عادته فأقره العادل على الغضب وأعرض عنه ثم ظهر منه فساد وكثرة كلام فأمر بنفيه عن مصر والشام فسكن آمد وأحسن إليه صاحبها فلما مات العادل عاد إلى مصر ووزر للكامل وأخذ في المصادرات وكان قد عمي ورأيت منه جلدا عظيما أنه لا يستكين للنوائب ولا يخضع للنكبات، فمات أخوه ولم يتغيّر ومات أولاده وهو
стр. 99
على ذلك، وكان يحم حمّى قوية ويأخذه النافض وهو في مجلس السلطان ينفّذ الأشغال ولا يلقي جنبه إلى الأرض.
وكان يقول: ما في قلبي حسرة إلاّ أن ابن البيساني (١) ما تمرغ على عتباتي-يعني القاضي الفاضل-وكان يشتمه وابنه حاضر فلا يظهر منه تغيّر وداراه أحسن مداراة وبذل له أموالا جمّة في السرّ.
وعرض له إسهال دموي وزحير فأنهكه حتى انقطع ويئس منه الأطباء فاستدعى من حبسه عشرة من شيوخ الكتّاب فقال: أنتم تشمتون بي، وركب عليهم المعاصير وهو يزحر وهم يصيحون إلى أن أصبح وقد خفّ ما به وركب في ثالث يوم.
وكان يقف الرؤساء والناس على بابه من نصف الليل ومعهم المشاعل فيركب عند الصباح فلا يراهم ولا يرونه لأنه إما أن يرفع رأسه إلى السماء تيها، وإما أن يعرج على طريق أخرى والجنادرة تطرد الناس.
وكان له بوّاب اسمه سالم يأخذ من الناس أموالا عظيمة ويهينهم إهانة مفرطة واقتنى عقارا وقرى (٢).
وكان هذا الوزير معاصرا للوزير أبي الحسن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن برز مؤيد الدين القمّيّ (٣) وقد ابتدأنا به مختصرا (٤).
стр. 100
قال ابن النجار (١): قدم القمي بغداد في صحبة الوزير ابن القصّاب وكان خصيصا به ويقال إنه وصفه للناصر لدين الله، فحصلت له مكانة بذلك. ولما رتّب ابن مهدي في نيابة الوزارة، ونقابة الطالبيين، اختص به وتقدم عنده، وكانا جارين في قم، ومتصاحبين هناك، ولما مات أبو طالب بن زبارة، كاتب الإنشاء، رتب القمي مكانه في سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ولم يغيّر هيئة القميص والشربوش على قاعدة العجم، ثم ناب أبو البدر بن أمسينا في الوزارة وعزل في سنة ست وستمائة، فردت النيابة وأمور الديوان إلى القمي وولي الوزارة ونقل إلى دارها، وحضر عنده الدولة، ولم يزل في علو من شأنه، وقرب وارتفاع حتى أن الناصر لدين الله كتب بخطه ما قرىء في مجلس عام: «القميّ نائبنا في البلاد والعباد، فمن أطاعه فقد أطاعنا (٢)، ومن عصانا فقد عصى الله»، ولم يزل إلى أن ولي الظاهر بأمر الله فأقرّه على ولايته، وزاد في مرتبته، وكذلك المستنصر بالله قربه ورفع قدره وحكمه في العباد ولم يزل في ارتقاء إلى أن كبا به جواد سعده فعزل، وسجن بدار الخلافة، وخبت
стр. 101
ناره وذهبت آثاره، وانقطعت عن الخلق أخباره.
قال (١): وكان كاتبا سديدا بليغا وحيدا، فاضلا، أديبا، عاقلا، لبيبا، كامل المعرفة بالإنشاء مقتدرا على الارتجال، متصرفا في الكلام، متمكنا من أدوات الكتابة، حلو الألفاظ، متين العبارة، يكتب بالعربي والعجمي كيف أراد، ويحل التراجم المغلقة، وكان متمكنا من السياسة وتدبير الممالك، مهيبا، وقورا، شديد الوطأة تخافه الملوك وترهبه الجبابرة.
وكان ظريفا لطيفا حسن الأخلاق حلو الكلام مليح الوجه محبا للفضلاء وله يد باسطة في النحو واللغة ومداخلة في جميع العلوم.
ولد في سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وقبض عليه في شوال تسع وعشرين (٢) وعلى ولده أحمد، وسجنا بدار الخلافة فهلك الابن أولا ومات أبوه بعده سنة ثلاثين. انتهى.
أخبرنا أبو الفتح محمد بن محمد المزّي مشافهة، عن الشهاب أحمد بن عثمان الحنفي، عن العز عبد العزيز بن محمد بن جماعة، عن أبي العباس أحمد بن الظاهري، أنبأنا أبو عبد الله محمد [ابن] (٣) محمود، أنشدني عبد العظيم بن عبد القوي المنذري-ح- (٤) وكتب إليّ عاليا الشمس محمد بن أحمد بن أبي عمر، عن أم محمد عائشة بنت
стр. 102
محمد المحتسب، عن أبي النون يونس بن إبراهيم الدّبابيسي، عن الزكي المنذري، أخبرنا (١) علي بن ظافر/الأزدي أنشدني الوزير مؤيد الدين القمي، أنشدني جمال الدين النّحوي لنفسه في قينة:
سمّيتها شجرا صدقت لأنها ... كم أثمرت طربا لقلب الواجد
يا حسن زهرتها وطيب ثمارها ... لو أنها تسقى بماء واحد
قال: وأنشدنا لنفسه:
يشتهي الإنسان في الصيف الشّتا ... فإذا ما جاءه أنكره
فهو لا يرضى بعيش واحد ... قتل الإنسان ما أكفره (٢)
...
стр. 103
ومنهم:
٢٨ - ابن حديدة الوزير (١)
واسمه سعيد بن علي بن أحمد أبو المعالي
ولقبه معز الدين وهو من ولد قطبة بن عامر بن حديدة الأنصاري الصحابي-﵁-ولد بكرخ سامرّاء سنة ست وثلاثين وخمسمائة، ونشأ ببغداد، وكان أحد الموسرين، له مال كثير وجاه عريض، واستوزره الإمام الناصر في سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وخلع عليه خلعة الوزارة الكاملة: القميص الأطلس والفرجيّة المموج (٢) والعمامة القصب الكحليّة بأعلام الذهب وقلّد سيفا محلاّ (٣) وقدم له فرس من خيل الخليفة فركبه وخرج وأرباب الدولة
стр. 104
يمشون بين يديه من باب حجرة الخليفة إلى دار الوزارة وهو الذي كان الشيخ أبو الفرج بن الجوزي يجلس في داره ويمدحه، ولم يزل على الوزارة حتى ولي ابن مهدي نقابة العلويين فشرع فيه، وما زال بالخليفة حتى عزله واعتقله وطالبه بمال، فالتجأ (١) إلى التربة الأخلاطية فلم تنفعه وأدّى المال وأقام في بيته إلى أن ولي ابن مهدي الوزارة فسلم إليه فاعتقله في داره بدرب المطبخ وعزم على تعذيبه فواطأ الموكلين به وحلق رأس نفسه ولحيته وخرج في زي النساء إلى مراغة فأقام بها حتى توفي في جمادى الأولى سنة عشر وستمائة، وحمل إلى الكوفة فدفن بمشهد أمير المؤمنين.
وكان جوادا سمحا كثير الصدقات والمعروف، متواضعا. وفي أيامه سنة تسعين وخمسمائة كانت محنة أبي الفرج بن الجوزي الواعظ، وشى به إلى الخليفة الناصر أحمد بن المستضيء بأمر الله [و] (٢) اختلفوا فيه: قيل أنه تكلم في نسب الشيخ عبد القادر الكيلاني، وكان الزمان صيفا، فبينما هو جالس في السرداب يكتب جاءه من أسمعه غليظ الكلام وختم على كتبه وداره وشتّت عياله، فلما كان أول الليل حملوه في سفينة وحدروه (٣) إلى واسط فأقام خمسة أيام ما أكل طعاما إلى واسط، وكان قد قارب ثمانين سنة، فأقام في دار بدرب الديوان وعلى بابه بواب فكان يخدم نفسه، يغسل ثوبه
стр. 105
ويطبخ ويستقي الماء من البئر، ولم يدخل الحمام مدة خمس سنين مقامه بواسط.
ولما عاد إلى بغداد كان يقول: قرأت بواسط مدة مقامي كل يوم ختمة ما قرأت فيها سورة يوسف من حزني على ولدي يوسف.
وكان يكتب إلى بغداد أشعارا كثيرة (١).
...
стр. 106
ومنهم:
٢٩ - الوزير أبو المظفّر
عبيد الله بن يونس بن أحمد الحنبلي (١)
ولقبه جلال الدين، كان في بدء أمره أحد العدول ببغداد ثم خدم في ديوان الأبنية، ولما مات أبوه يونس توكل لأم الخليفة ثم ولي صاحب الديوان ثم استوزره الخليفة وبعثه إلى طغريل فكسر على ما ذكر وعاد إلى بغداد فولاه الخليفة الديوان والمخزن ثم ولاه أستاذدار ثم عزله. وكان قد قرأ القرآن على صدقة بن الحدّاد وغيره وتفقه على أبي حكيم النهرواني وسمع أبا الوقت وغيره.
ولما سافر إلى همذان سمع من أبي العلاء الهمذاني الحافظ وكان فاضلا في الأصلين والحساب والهندسة وله تصنيف في الأصول غير أنه شان فضله بمقاصده السيئة ورأيه الفاسد وحقده وحسده وكسر عسكر
стр. 107
الخليفة بلجاجه ومخالفته للأمراء وكونه استعجل على لقاء طغريل وأخرب بيت الشيخ عبد القادر وشتت أولاده، ويقال إنه بعث في الليل من نبش الشيخ عبد القادر ورمى عظامه في اللجّة وقال: هذا وقف ما يحل أن يدفن فيه أحد.
ولما اعتقله الخليفة كتب فتوى بأنه كان سبب هزيمة عسكر الخليفة وذكروا أشياء أخر فأفتوا بإباحة دمه فسلم إلى أحمد ابن الوزير بن القصّاب فبقي في داره فلما مات ابن القصّاب اعتقل في التاج وأخرج في سابع عشر صفر سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة ميتا ودفن بالسرداب.
وفي هذا العام توفي الشاعر أحمد بن الغريق الهاشمي الظاهري (١).
ومن شعره ما اعتذر به عن الاكتحال يوم عاشوراء:
لم أكتحل في صباح يوم ... أريق فيه دم الحسين
إلاّ لحزني وذاك إني ... سوّدت حتى بياض عيني
وأما صدقة بن الحدّاد (٢) الذي قرأ عليه ابن يونس القرآن فهو صدقة بن الحسين بن الحسن أبو الفتح الناسخ الحنبلي يعرف بابن الحداد.
حفظ القرآن وتفقه وأفتى وناظر لكنه قرأ الشفا لابن سينا وكتب الفلاسفة فتغيّر اعتقاده وكان يبدر من فلتات لسانه ما يدل على سوء عقيدته وتارة يشفق من حبس الراوندي وتارة يشير إلى عدم بعث الأجساد وتارة يعترض على القضاء والقدر وله أشعار تتضمن شيئا من ذلك، توفي سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة.
...
стр. 108
ومنهم:
٣٠ - الوزير ناصر بن مهدي (١)
كان وزيرا ببغداد، وقبض عليه الخليفة ليلا في سنة أربع وستمائة في جمادى الآخرة منها. بعث إليه من أغلق بابه فأقام أياما ثم نقله في رجب إلى دار طاشتكين في دار الخلافة التي مات بها القاضي شريح ونقل أهله وأولاده وذخائره ووجد له من ذلك ما لم يوجد في ذخائر الخلفاء فلم يتعرض له الخليفة وفوّض الأمر إلى المكين محمد القمّي كاتب/الإنشاء بين يدي ابن مهدي، واختلفوا في سبب عزل الوزير ابن مهدي فقال قوم:
كان ظالما جبارا قاسيا قليل الرحمة قل أن حبس أحدا فتخلص منه.
قال أبو شامة (٢): حكى لي خالي أبو محمد يوسف قال: شفعت إليه يوما في محبوس فقال: وكم له في الحبس؟ فقلت (٣): خمس سنين، قال: ليس هذا بمحبوس! المحبوس عندنا في العجم من يمضي عليه خمسون سنة.
стр. 109
وقال آخرون: إن المكين القمي سعى به إلى الخليفة وقال إنه قد طمع في الخلافة ويقول إنه علوي ونحن أحق به فإنه (١) ينفذ الأموال إلى العجم في قواصر التمر إلى أهله بخراسان ليجندوا (٢) العساكر ويقيموا ملكا يقصد بغداد، وقال آخرون: إنه اتفق مع ابن ساوا النصراني على قتل علاء الدين أيتامش مملوك الخليفة في هذه السنة ولما ظهر تجبره واستقلاله بالأمور هجاه أهل بغداد وكتبوا الأشعار وأوصلوها للخليفة، منها ما كتب يعقوب بن صابر المنجنيقي:
خليليّ قولا للخليفة أحمد ... توقّ وقيت السوء ما أنت صانع
وزيرك هذا بين أمرين فيهما ... صنيعك يا خير البرية ضائع
فإن كان حقا من سلالة حيدر ... فهذا وزير في الخلافة طامع
وإن كان فيما يدّعي غير صادق ... فأضيع ما كانت لديه الصنائع (٣)
وجلس يوما في الديوان فوقعت بين يديه ورقة مختومة فلم يتجاسر على فتحها فبعث بها إلى الخليفة وكان فيها:
إن صحّ ما تزعم يا مدّعي ... إلى نبيّ لست من نسله
لا قاتل الله يزيدا ولا ... مدّ يد السوء إلى نعله
لأنه كان ذا قدرة ... على اجتثاث العود من أصله
وإنما أبقاك أحدوثة ... للناس كي يعذر في فعله (٤)
стр. 110
فكانت سبب حتفه لأن الخليفة قال: ما كتبوا هذه إلاّ وقد أهلك الحرث والنسل.
ثم مات في دار طاشتكين في جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة وفتح له جامع القصر ومشى بين يديه أرباب الدولة ودفن بمقبرة موسى بن جعفر، وقيل: إنه ولي الوزارة ببركة دعاء الشيخ أبي علي الحسن بن مسلّم الفارسي (١) -نسبة إلى الفارسيّة بنهر عيسى (٢) -كان من الأبدال لازما لطريق السلف أقام أربعين سنة لم يكلم أحدا من الناس وكان صائم الدهر، قائم الليل، يقرأ كل ليلة ختمة مع يومها، ذكره ابن الجوزي في كتابه (صفوة الصفوة) (٣).
وكان زاهد زمانه تأوي إلى زوايته السّباع وكان الخليفة وأرباب الدولة، يمشون إلى زيارته.
وحكى عنه جماعة: أنه إذا خرج أحد من القرية ليلا إلى نهر عيسى لم تتعرض السّباع له، وأن فقيرا نام في الزاوية في ليلة باردة فاحتلم فنزل إلى النهر ليغتسل فجاء السّبع فنام على جبّته فكاد الفقير يموت من البرد والخوف فخرج الشيخ حسن وجاء إلى السبع وضربه بكمه. وقال:
يا مبارك قد قلنا لك لا تتعرض لضيفنا فقام السبع يهرول (٤).