← Адаб

Адаб · id 120146

أنس المسجون وراحة المحزون

صفي الدين الحلبي

Полный текст (256 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٧٠ - وقيل: الشّكر أكثر من النّعمة؛ لأنّ النّعمة تفنى والشّكر يبقى. ٧١ - لا يغلونّ عليك الشّكر في ثمن ... فليس شكر وإن أقصرت بالغالي الشّكر يبقى على الأيام ما بقيت ... ويذهب الدّهر والأيّام بالمال ٧٢ - وقيل: سمع ثلاثة أنفس كلاما بليغا، فقال أحدهم: حقّ هذا الكلام أن يكتب بالغوالي على خدود الغواني. وقال الآخر: حقّ هذا الكلام أن يكتب بأنامل الحور في ورق النّور. وقال الآخر: حقّ هذا الكلام [أن] يكتب بقلم الشّكر في ورق النّعم. ٧٣ - وقال بعضهم: إنّ الشّكر من الله بأحسن المواضع، فازدد منه تزدد به، وحافظ عليه تحفظ له. ٧٤ - وقيل: من أنعم الله عليه، وأنعم [هو] على الناس فقد شكر النّعمة وأمن من المحنة. ٧٥ - وقيل: اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك. ٧٦ - وقال الحسن البصري: لا زوال للنّعم إذا شكرتها، ولا إقامة لها إذا كفرتها، والشّكر زيادة في النّعم، وأمان من النّقم. ٧٧ - منصور الفقيه (١): أعارك ما له لتقوم فيه ... بطاعته وتعرف فضل حقّه فلم تشكر لنعمته ولكن ... قويت على معاصيه برزقه

стр. 37

٧٨ - ولأبي إسحاق هلال الصابئ (١) ابتداء رسالة: أمّا بعد، فإنّ لله قضايا نافذة وأقدارا ماضية فيهنّ النّعم السّوابغ والنّقم الدّوامغ، فأمّا النّعم فإنه يؤتيها عباده أجمعين بادئة، ثمّ يجزي بها الشّاكرين عائدة؛ وأمّا النّقم فلا تقع سلفا وابتداء لكن قصاصا وجزاء بعد إمهال وإنظار، وتحذير وإنذار؛ وإذا حلّت بالقوم الظّالمين فقد طوي في إثباتها صنع لآخرين معتبرين. ٧٩ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: الشّكر أمنة من الزّوال، وجنّة من الانتقال. ٨٠ - وقيل: الشّكر يتمّ النّعم. ٨١ - وقال الصّابئ: الشّكر قيد النّعم وشكالها (٢)، وحبسها وعقالها. ٨٢ - وقال: موضع الشّكر من النّعمة موضع القرى من الضّيف، إن وجدته لم ترم، وإن فقدته لم تقم. ٨٣ - وقال إسحاق الموصلي (٣): العفاف زينة الفقر، والشّكر زينة

стр. 38

الغنى. ٨٤ - وشكا رجل إلى بشر بن الحارث (١) كثرة العيال، فقال: فرّغك فلم تشكره، فعاقبك بالشّغل. ٨٥ - وكتب محمد بن عبد الملك (٢) إلى عبد الله بن طاهر (٣): لو لم يكن من فضل الشّكر إلاّ أنّه يرى بين نعمة عليه مقصورة أو زيادة منتظرة. فقال عبد الله لكاتبه: كيف تسمع هذه (٤) الكلمتين؟ فقال: كلاهما قرطان بينهما وجه حسن. ٨٦ - وقال الفضل بن سهل (٥): من أحبّ الازدياد من النّعمة فليشكر، ومن أحبّ المنزلة عند سلطانه فليكفه، ومن أحبّ بقاء عزّه فليسقط الدّالة،

стр. 39

ومن أحبّ السّلامة فليلزم الحذر. ٨٧ - وقال الحسن البصري لفرقد (١): بلغني يا أبا يعقوب أنّك لا تأكل الفالوذج. فقال: يا أبا سعيد، أخاف [أ] لاّ أؤدي شكره. فقال الحسن: يا لكع، فهل تؤدّي شكر الماء البارد؟!. ٨٨ - وقال يحيى بن أكثم (٢): كنت عند المأمون يوما وقد أتي برجل ترعد فرائصه، فلمّا مثل بين يديه، قال له: كفرت نعمتي، ولم تشكر معروفي. فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شكري في جنب ما أنعم الله بك (٣) عليّ. فنظر المأمون، وأنشد متمثّلا ببيتين-تقدّم (٤) ذكرهما-: فلو كان يستغني عن الشّكر ماجد وأطلق سبيله. ٨٩ - وقيل: لو لم يعذّب الله على معصية، لكان ينبغي ألاّ يعصى في شكر نعمة. ٩٠ - وكان يقال: احذروا ثلاثا (٥): النّعمة تقول: يا ربّ، كفرت؛

стр. 40

والأمانة تقول: يا ربّ، أكلت، والرّحم تقول: يا ربّ، قطعت. ٩١ - وقال عمر بن عبد العزيز: تذاكر النّعمة شكر. ٩٢ - وقال أبو حازم (١): إذا رأيت ربّك يتابع نعمة عليك، وأنت تعصيه، فاحذره. ٩٣ - وقال الرّبيع بن خثيم (٢): نظرت ما خير لا شرّ فيه فما وجدته إلاّ أن يعافى رجل فيشكر. ٩٤ - وكان يقال: حسب من منعه عدم القدرة عن الجزاء أن يبسط خدّه للشّكر والثّناء. ٩٥ - وقيل لأعرابي: إنّك لجيد الكدنة (٣). قال: ذلك عنوان نعم الله عندي. ٩٦ - وكان يقال: نعمة لا تشكر لسيئة. ٩٧ - وكان يقال: الشّكر ثلاثة منازل منها: ضمير القلب، وثناء اللّسان، والمكافآت بالعقل، والضمير مع خفائه أعظم ذلك وأجدر أن يكمل بنفسه، ولا يكمل غيره إلاّ به، وفي الثّناء وفاء لا يطاق إلاّ باللّسان، والمكافآت غاية الشّكر.

стр. 41

٩٨ - وكان يقال: من كفر النّعمة استوجب السّلب، ومنع المزيد. ٩٩ - وكتب رجل إلى أخيه: أمّا بعد، فليكن افتخارك بذكر الشّكر إذا ذكرته أعظم من استحيائك لذكره بخمول صاحبه؛ فإن الشّكر يرفعك إن كنت وضيعا، والكفر يضعك إن كنت شريفا. ١٠٠ - وعن أنس بن عياض (١) عن هشام (٢) عن محمد بن كعب القرظي (٣): أن نوحا ﵇ كان إذا أكل قال: الحمد لله، وإذا شرب قال: الحمد لله. وإذا لبس قال: الحمد لله، فسمّاه الله: عَبْداً شَكُوراً (٤). ١٠١ - وكان العتابي (٥) يقول: سبحان الله الذي جعل معرفة العارفين بالتّقصير عن شكره شكرا لهم، كما جعل علم العالمين بأنّهم لا يدركونه إيمانا به.

стр. 42

١٠٢ - وقيل: للطّاعم الشّاكر أجر الصّائم القائم. ١٠٣ - وكان يقال: من بذل بعض عنايته لك فابذل له جميع شكرك. ١٠٤ - وكان الحسن (١) يقول: معرفة النّعمة [شكر (٢)] والحمد زيادة. ١٠٥ - وقال عمر بن الخطاب ﵁: أهل الشّكر في مزيد من الله تعالى. ****

стр. 43

الفصل الثاني في الصّبر والرّضا والتّسليم والعزا ١٠٦ - قال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: عليكم بالصبر؛ فإنّه لا إيمان لمن لا صبر له. ١٠٧ - وكان يقال: أفضل الصّبر التّصبّر. ١٠٨ - وقيل: الكمال في ثلاث: الثّبات في الدّين، وإصلاح المال، والصّبر على النوائب. ١٠٩ - وقيل: كتب بزرجمهر (١) إلى أبرويز الملك (٢) لما سخط عليه وحبسه: أمّا إذ كان معي الجدّ فقد كنت أنتفع بثمرة عقلي، وأمّا الآن إذ لا جدّ معي فقد أنتفع بثمرة الصّبر، وإن فقدت كثيرا من الخير لقد استرحت من كثير من الشّرّ.

стр. 44

١١٠ - وقيل: الصّبر مفتاح النّجاح. ١١١ - وقيل: من علامة حسن النّيّة الصّبر على الرّزيّة. ١١٢ - وقال عليّ بن الجهم (١): سهّل على نفسك الأمورا ... وكن على مرّها صبورا وإن ألمّت صروف دهر ... فاستعن الواحد القديرا فكم رأينا أخا هموم ... أعقب من بعدها سرورا وربّ عسر أتى بيسر ... فصار معسوره يسيرا ١١٣ - وقال بعض الرّهبان: من احتمل المحنة وصبر، ورضي بتدبير الله وشكر، كشف الله له عن منفعتها حتّى يقف على المستور عنه من مصلحتها. ١١٤ - وكان يقال: لا تلقى العاقل إلاّ نافيا للهمّ عن قلبه بأحد أمرين منهما؛ إن كان لما أتاه من المكروه مدفع فاحتال له بعقل مشغول بحزن، وإن لم يكن لما أتاه مدفع كان الحيلة فيه الصّبر. ١١٥ - وقيل: الصّبور يدرك أحمد الأمور، ومع العسر يكون اليسر، والصّبر على المصيبة مصيبة الشّامت بها. ١١٦ - وقيل: من اتّبع الصّبر اتّبعه النّصر.

стр. 45

١١٧ - وقال أحمد بن الليث الرقي (١): هي حالان شدّة وبلاء ... وسجالان نعمة ورخاء والفتى الحازم اللبيب إذا ما ... خانه الصّبر لم يخنه العزاء إن ألمّت ملمّة بي فإنّي ... في الملمّات صخرة صمّاء صابر للبلاء طبّ (٢) بأن لي ... س على أهله يدوم البلاء عالم أنّ كلّ خير وشرّ ... لهما حدّ مدّة وانقضاء فالتداني يتلو التنائي والإعدا ... م يأتي من بعده الإثراء وإذا ما الرّجاء أسقط بين ... -م-النّاس فالنّاس كلّهم أكفاء حكمة ١١٨ - وقيل: يتعزّى العاقل فيما ينزل به من المكروه بأمرين [الأول] منهما: السّرور بما يبقى له من الأجر، والآخر رجاء الفرج. ويجزع الجاهل فيما ينزل به لأمرين: خوف الشّماتة، وضيق الحال (٣). [ويخاف التقي] فيما ينزل به بأمرين [الأول] منهما: في مصيبته استكباره ما أتى به، والآخر خوف ما هو أشدّ منه. ١١٩ - وقيل: للمحن أوقات، ولأوقاتها غايات. ١٢٠ - عليّ بن الجهم: هي النّفس ما حمّلتها تتحمّل ... وللدّهر أيام تجور وتعدل

стр. 46

وعاقبة الصّبر الجميل جميلة ... وأفضل أخلاق الرّجال التّفضّل ولا عار إن زالت عن المرء نعمة ... ولكنّ عارا (١) أن يزول التّجمّل ١٢١ - وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور. ١٢٢ - وعزّى رجل المهديّ (٢) عن ابنة له جزع عليها جزعا شديدا فقال: يا أمير المؤمنين، ما عند الله خير (٣) لها مما عندك، وثواب الله خير لك منها. وإنّ أولى ما يجب أن تصبر عليه ما لا تستطيع ردّه. فتعزّى عنها. ١٢٣ - وكان يقال: إنّكم ما تدركون ما تأملون إلاّ بالصّبر على ما تكرهون. ١٢٤ - وقال عبد الله بن ثابت (٤): الصّبر من كرم الطّبيعة ... والمّنّ مفسدة الصّنيعه والحرّ أمنع جانبا ... من ذروة الجبل المنيعه

стр. 47

ترك التعاهد للصّدي ... ق يجرّ أسباب القطيعه ١٢٥ - وقيل: لن يبلغ المرء ما يأمل إلاّ بالصّبر على ما يكره. ١٢٦ - وقال المدائني (١) أخبرني شيخ من أهل البصرة، قال: شهدت امرأة من أهل البادية وبين يديها ابن يجود بنفسه، فلمّا خرجت نفسه، قامت إليه فغمّضت عينيه وعصّبته، وترّحمت عليه، ثمّ تنحّت عنه، وقالت: يا بني (٢)، ما أحقّ من ألبس النّعمة، وأطيلت له النّظرة ألاّ يعجز عن التوفيق (٣) لنفسه، والاستعداد ليوم ظعنه قبل نزول الموت بعقوته (٤)، وحلوله بساحته وقبل أن يحال بينه وبين نفسه، فيندم حين لا تنفعه النّدامة. قال: وقال لها رجل من حيّها: إنّا كنّا نسمع أنّ الجزع للنّساء، ورأيتك قد حسن صبرك عن ابنك، وما أشبهت النّساء. فقالت: ما ميّز مميّز بين صبر وجزع إلاّ رأى بينهما منهجين متفاوتين، أمّا الصّبر فحسن العلانية، محمود العاقبة؛ وأمّا الجزع فغير معوض صاحبه عوضا مع الذي يكسبه من المأثم، ولو كانا رجلين في الصّورة لكان الصّبر أولاهما بغلبة في حسن الصّورة وكرم الطّبيعة لما في عاجله من الزّين، وفي آجله من الثّواب.

стр. 48

١٢٧ - وقيل: عدّة المكروه عدّتان: الصّبر على ما لا يدفع مثله إلاّ بالصبر. والصّبر على ما لا يجدي عليه الجزع. ١٢٨ - عثمان بن عفان ﵁: خليليّ لا والله ما من ملمّة ... تدوم على حيّ وإن هي جلّت فإن نزلت يوما فلا تخضعن لها ... ولا تكثر الشّكوى إذا النّعل زلّت ١٢٩ - وقال الأصمعيّ: رأيت امرأة تتبع ميتا على شرجع (١) وهي تقول: رحمك الله يا هيثم، فلقد كان مالك لغيرك، وأمرك لغير عرسك (٢)، وكنت كما قال الشاعر: رحيب ذراع بالذي لا يشينه ... وإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا (٣) فقلت: يا أمّ الهيثم، هل لك من الهيثم خلف؟ وأنا أعني ولد. فقالت: نعم، ثواب الله، وهو أجلّ العوض وأحسن الخلف. ١٣٠ - وقيل: انتظار الفرج بالصّبر عبادة. ١٣١ - ونظر رجل إلى روح بن قبيصة بباب المنصور، فقال له: قد طال وقوفك في الشّمس. قال: ليطول جلوسي في الظّلّ.

стр. 49

١٣٢ - وحكي عن زوجة فتح الموصلي (١) بأنّها عثرت، فانقطع ظفرها فضحكت. فقيل لها: ويحك، أما تجدين ألم الوجع، وأنت تضحكين؟ فقالت: إنّ لذّة الثّواب أزالت عنيّ مرارة الوجع. ﵂. ١٣٣ - عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إنّي أقول لنفسي وهي ضيّقة ... وقد أناخ عليها الدّهر بالعجب صبرا على شدّة الأيام إنّ لها ... عقبى وما الصّبر إلاّ عند ذي حسب سيفتح الله عن قرب يعقّبه (٢) ... فيها لمثلك راحات من التّعب ١٣٤ - وقيل: إذا ما عرى خطب من الدّهر فاصطبر ... فإنّ الليالي بالخطوب حوامل وكلّ الذي يأتي به الدّهر زائل ... سريعا فلا تجزع لما هو زائل ١٣٥ - حدّث بعض تجّار المدينة قال: كنت أختلف إلى جعفر بن محمد (٣) و [كنت] (٤) له خليطا، وكان يعرفني بحسن الحال. فتغيّرت

стр. 50

حالي، فأتيته أشكو إليه سوء حالي، فرقّ لي، ثم أنشدني: ولا تجزع وإن أعسرت يوما ... فقد أيسرت في الزّمن الطّويل ولا تيأس فإنّ اليأس كفر ... لعلّ الله يغني عن قليل ولا تظنن بربّك ظنّ سوء ... فإنّ الله أولى بالجميل قال: فخرجت من عنده وأنا أغنى النّاس. ١٣٦ - وقيل: إن وزيرا لملك نفاه لموجدة وجدها عليه، فاغتمّ لذلك غمّا شديدا، فبينما هو ذات ليلة في مسيره إذ لقيه رجل، فأنشده: أحسن الظّنّ بربّ عوّدك ... حسنا أمس وسوّى أودك إنّ ربّا كان يكفيك الذي ... كان منك الأمس يكفيك غدك ١٣٧ - وقيل: ما من مصيبة إلاّ ومعها أعظم منها: إن جزعت فالوزر، وإن صبرت فالأجر. ١٣٨ - وقيل: ثمرة القناعة الرّاحة، وثمرة التّواضع المحبّة، وثمرة الصّبر الظّفر. ١٣٩ - أما والذي لا خلد إلاّ لوجهه ... ومن ليس في العزّ المبين له كفو لئن كان طعم الصّبر مرّ مذاقه ... لقد يجتنى من غبّه (١) الثّمر الحلو

стр. 51

١٤٠ - وكان ابن المقفّع (١) يقول: إذا نزل بك أمر مكروه إن كان لك حيلة فلا تجزع، وإن كان ممّا لا حيلة فيه فلا تجزع. ١٤١ - لا تجزعنّ لصرف حادثة ... حكمت عليك به يد الدّهر واصبر إذا نابتك نائبة ... فالصّبر خير عواقب الأمر ١٤٢ - وقال بعض الحكماء: من شكا ضرّا نزل، فإنّما يكشو الله. ١٤٣ - وقال الحسن البصري: وجدت خير الدّنيا والآخرة صبر ساعة. ١٤٤ - وقال بعض الحكماء: بالصّبر على ما تكره تنال ما تحبّ، وبالصّبر عمّا تحبّ تنجو ممّا تكره. ١٤٥ - فلا جزع إن راب دهر بصرفه ... وبدّل حال فالخطوب كذلك فما العيش إلاّ مدّة ثم تنقضي ... وما المال إلاّ هالك في الهوالك ١٤٦ - واعتلّ ذو الرّيا ستين (٢) بخراسان مدّة طويلة، ثم أبلّ واستقلّ، وجلس للنّاس، فدخلوا عليه وهنّوه بالعافية فأنصت لهم حتى انقضى كلامهم، ثم اندفع فقال: إنّ في العلل نعما لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها منها: تمحيص للذّنب، وتعريض (٣) للثّواب ثواب الصبر،

стр. 52

وإيقاظ (١) من الغفلة، وإذكار بالنّعمة في حال الصّحّة، واستدعاء للتوبة (٢)، وحضّ على الصّدقة، وفي قضاء الله وقدره يعدّ الخيار (٣). فانصرف النّاس بكلامه، ونسوا ما قال غيره. ****

стр. 53

الفصل الثالث في الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب ١٤٧ - وللنّفوس وإن كانت على وجل ... من المنيّة آمال تقوّيها فالمرؤ يبسطها والدّهر يقبضها ... والنّفس تنشرها والموت يطويها ١٤٨ - وقيل: إن الحسن نظر إلى رجل يجود بنفسه، فقال: إنّ أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوّله، وإنّ أمرا هذا أوّله لجدير أن يخاف من آخره. ١٤٩ - وقال بعض الرّهبان: من صوّر الموت بين عينيه كفاه الله مؤونة الاهتمام بالأرضيّات. ١٥٠ - وقيل: كفى بالتّجارب تأدبا، وبتقلّب الأيام عظة، وبذكر الموت زاجرا. ١٥١ - وقال الحسن بن عليّ: ما رأيت يقينا لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت.

стр. 54

١٥٢ - وقالت الهند: لو علمت البهائم بالموت ما وجد فيها سمين. ١٥٣ - علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه. تراع لذكر الموت ساعة ذكره ... وتعترض الدّنيا فتلهو وتلعب يقين كأنّ الشّكّ أغلب أمره ... عليه وعرفان إلى الجهل ينسب وقد ذمّت الدّنيا إليّ صروفها ... وخاطبني أعجامها (١) وهو معرب ولكننّي منها خلقت لغيرها ... وما كنت منه فهو شيء محبّب (٢) وفي كلّ يوم يفقد المرء بعضه ... ولا شكّ أنّ الكلّ منه سيذهب ١٥٤ - وقال بعض الرّهبان: أبلغ العظات النّظر إلى محلّ الأموات. ١٥٥ - وقال أبو محرز: كفتك القبور مواعظ الأمم السّالفة. ١٥٦ - وقال المزني (٣): دخلت على الشّافعي غداة وفاته، فقلت: كيف

стр. 55

أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، [ولسوء أفعالي ملاقيا] (١) وبكأس المنيّة شاربا، ولا أدري إلى الجنّة تصير روحي فأهنّيها، أم إلى النّار فأعزّيها؟ ثم قال: ولمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرّجا منّي لعفوك سلّما تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته ... بعفوك ربّي كان عفوك أعظما (٢) ١٥٧ - وقيل: لما حضر بشر بن مروان (٣) الموت فرح، فقيل له: أتسرّ بالموت؟ فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق أخافه؟ ١٥٨ - وقال سهل بن هارون (٤): من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه رزقه فيها (٥)، ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها. ١٥٩ - أبو العتاهية: نسيت الموت فيما قد نسيت ... كأنّي لا أرى أحدا يموت أليس الموت غاية كلّ حيّ ... فما لي لا أبادر ما يفوت ١٦٠ - وقيل لأبي بكر ﵁ في مرضه الذي مات فيه: لو أرسلت إلى الطّبيب؟ قال: قد رآني. قيل له: فما قال لك؟ قال: إني فعّال لما أريد.

стр. 56

١٦١ - وروي عن ابن عبّاس ﵁ قال: دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر، فقلت له: يا أبا عبد الله، كنت تقول: أشتهي أرى رجلا عاقلا يموت حتّى أسأله كيف يجد، وقد نزل بك، فأخبرني كيف تجدك؟ فقال: أجد السّماء كأنّها مطبقة على الأرض وأنا بينهما وأراني كأنّما أتنفّس من خرت إبرة. ثم قال: اللهمّ، خذ منّي حتّى ترضى. ثم رفع يده، وقال: اللهمّ، أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا، فلا بريء فأعتذر، ولا قويّ فأنتصر، ولكن مذنب أستغفر. ١٦٢ - وقال أبو بكر بن أبي الفرات: قرأت على قبر: يا من أبطرهم الغنى، وأسكرتهم شهوات الدنيا، استعدوا للسّفرة العظمى، فقد دنا نزولكم على أهل البلاء. ١٦٣ - لبعضهم: يوشك من فرّ من منيّته ... في بعض غرّاته يوافقها من لا يمت عبطة يمت هرما ... الموت كأس والمرء ذائقها (١) ١٦٤ - وقيل: لما مات المهديّ لبست جاريته حسنة (٢) وغيرها من حشمه

стр. 57

المسوح السّود جزعا عليه، فقال أبو العتاهية (١) في ذلك: رحن في الوشي وأصبح ... ن عليهنّ المسوح كلّ نطّاح وإن عا ... ش له يوما نطوح (٢) لست بالباقي ولو عمّر ... ت ما عمّر نوح فعلى نفسك نح إن ... كنت لا بدّ تنوح ١٦٥ - وقيل: اجتاز النّعمان (٣) على مقبرة، فقال له عديّ بن زيد (٤): أتدري ما يقولون؟ قال: لا. قال: إنّهم يقولون: أيّها الرّكب المخبّو ... ن على الأرض مجدّون فكما أنتم كنّا ... وكما نحن تكونون ١٦٦ - وقيل: وجد على قبر مكتوب: من أمّل البقاء وقد رأى مصارعنا فهو مغرور. ١٦٧ - وقيل لرجل من أشراف العجم في علّته التي مات فيها: ما بك؟ قال: فكر عجيب، وحسرة طويلة. فقيل: ممّ ذاك؟. فقال: ما ظنّكم بمن يقطع سفرا قفرا بلا زاد، ويسكن قبرا موحشا بلا مؤنس، ويقدم على حكم عدل بلا حجّة.

стр. 58

١٦٨ - قسّ بن ساعدة (١): في الذّاهبين الأوّلي ... ن من القرون لنا بصائر لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... يمضي الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر أيقنت أنّي لا محا ... لة حيث صار القوم صائر ١٦٩ - وقال بعض الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر (٢): لقد حرّكنا بسكونه. ١٧٠ - أبو العتاهية: يا عليّ بن ثابت بان منّي ... صاحب جلّ فقده يوم بنتا قد (٣) لعمري حكيت لي غصص المو ... ت وحرّكتني لها وسكنتا ١٧١ - وروي عن الأصمعي قال: دخلت على الرّشيد ودموعه تنحدر على خدّيه، وهو ينظر في كتاب، فظللت قائما حتى سكن، فحانت منه التفاتة فقال: اجلس يا أصمعيّ. فجلست، فقال: أرأيت ما كان؟ فقلت:

стр. 59

نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: أما إنه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ثمّ رمى بالقرطاس إليّ، فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخطّ جليل: هل [أنت] معتبر بمن خربت ... منه غداة قضى دساكره (١) وبمن أذلّ الموت مصرعه ... فتبرّأت منه عشائره وبمن خلت منه أسرّته ... وبمن خلت منه منابره درست محاسن وجهه ونفى ... عنه السّرور كرى يباشره (٢) أين الملوك وأين عزّهم ... صاروا مصيرا أنت صائره يا مؤثر الدّنيا بلذّته ... والمستعدّ لمن يفاخره (٣) نل ما بدا لك أن تنال من الدّ ... نيا فإنّ الموت آخره ثم قال: كأنّي والله أنا المخاطب بذلك دون النّاس. ولم يلبث بعد ذلك إلاّ قليلا حتى مات. ١٧٢ - أبو حيّة النّميريّ (٤): وإن تمس وحشا داره فلربّما ... تناطح أفواجا بهنّ الرّكائب وما غائب من كان يرجى إيابه ... ولكنّه من ضمّن القبر غائب

стр. 60

١٧٣ - وقيل: خرج عمر بن عبد العزيز مع جماعة من أصحابه، فمرّ بالمقبرة فقال: قفوا حتّى أرى قبور الأحبّة. فلمّا توسطها، وقف فسلّم، وتكلّم وانصرف إلى أصحابه، فقال: ألا تسألوني ماذا قلت، وماذا قيل لي؟ فقالوا: ماذا؟ فقال: مررت بقبور الأحبّة، فسلّمت فلم يردّوا، ودعوت فلم يجيبوا، فبينما أنا كذلك إذ نوديت: يا عمر، أتعرفني؟ أنا الذي غيّر محاسن وجوههم [أنا] التّراب (١)، ومزّقت الأكفان عن جلودهم، وقطعت أيديهم، وابتتتّ [أكفهم] (٢) من سواعدهم. ثمّ بكى حتى كادت نفسه تطفأ. فو الله ما مضت الأيام حتّى لحق بهم. ١٧٤ - أبو العتاهية: وعظتك أجداث صمت ... وبكتك ساكنة خفت وتكلّمت عن أعظم ... تبلى وعن صور سبت وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حيّ لم تمت ١٧٥ - وحدّث الفضل بن الرّبيع (٣) قال: كنت مع المنصور في السّفرة

стр. 61

التي مات فيها، فنزل منزلا في بعض المواضع، فبعث إليّ وهو في قبته ووجهه إلى الحائط، فقال: ألم أنهكم [أن] تدعوا العامّة يدخلوا هذه المنازل فيكتبوا ما لا خير فيه؟ فقلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: ألا ترى ما على الحائط مكتوب: أبا جعفر جاءت عليك ونقّصت ... سنوك وأمر الله لا بدّ نازل (١) أبا جعفر هل كاهن أو منجم ... يردّ قضاء الله أم أنت جاهل (٢) قال: فقلت: والله، ما أرى على الحائط شيئا، وإنّه لنقيّ أبيض. قال: آلله؟ قلت: آلله. قال: والله إنّها نفسي نعيت إليّ، الرّحيل، بادر بي إلى حرم ربّي وأمنه هاربا من ذنوبي، وإسرافي على نفسي. فرحلنا وقد ثقل حتّى بلغنا بئر ميمون (٣). فقلت: هذه بئر ميمون وقد دخلت الحرم. فقال: الحمد لله. وقبض في يومه. رحمة الله عليه. ١٧٦ - فهبك ملكت أهل الأرض طرّا (٤) ... ودان لك العباد فكان ماذا أليس تصير في لحد عميق ... ويحثو التّرب هذا ثمّ هذا

стр. 62

١٧٧ - وقيل: نزل بدير الخنافس (١) أخوان من العراق، فمات أحدهما ودفن قريب الدّير، فقال أخوه لما سار عنه: بجنبك يا دير الخنافس حفرة ... بها صاحب رحب الذّراع كريم فكن حافظا حقّ الجوار فإنّني ... غدا راحل عنه وأنت مقيم ١٧٨ - وتوفّي ابن لعون بن عبد الله (٢)، فكتب له عمر بن عبد العزيز: أمّا بعد، فإنّا أناس من أهل الآخرة أسكنّا الدّنيا، فنحن أموات وأبناء أموات، والعجب من ميت يعزّي (٣) عن ميّت. ١٧٩ - وإذا قيل مات يوما فلان ... راعنا ذاك ساعة ما نحير نذكر الموت عند ذاك وننسا ... هـ إذا غيّبته [عنّا] القبور

стр. 63

١٨٠ - وعزّى رجل عمر بن عبد العزيز لما مات ولده فقال: تعزّ أمير المؤمنين فإنّه ... لما قد ترى يغذى الصّغير ويولد هل ابنك إلاّ من سلالة آدم ... لكلّ على حوض المنيّة مورد ١٨١ - وقيل: لما ثقل المأمون في غزوة الرّوم وبلغ الموت، قال: أخرجوني أشرف على عسكري، وأنظر إلى رجالي، وأتبيّن ملكي. وذلك ليلا، فأخرج، وأشرف على الجيش وانتشاره وما قد أوقد من النّيران، فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. ثم ردّ إلى مرقده. وأجلس المعتصم رجلا يلقّنه الشّهادة، فرفع الرّجل صوته؛ ليقولها المأمون. فقال ابن ماسويه (١): لا تصح (٢)، فو الله ما يفرّق الآن بين ربّه وبين ماني (٣). ففتح المأمون عينيه وبهما من التّورّم والاحمرار ما بهما ما لم ير مثله، ورام

стр. 64

البطش بابن ماسويه فعجز، ورمى بطرفه إلى السّماء، وقد امتلأت عيناه دموعا، وانطلق لسانه، وقال: يا من لا يموت ارحم من يموت. ثمّ قضى من ساعته، وكان كثيرا ما ينشد هذه: ومن لم يزل عرضا للمنو ... ن يتركنه ذات يوم عميدا فإن هنّ أخطأنه مرّة ... فيوشك مخطئها أن يعودا وبينا يحيد فيخطئنه ... قصدن فأعجلنه أن يحيدا (١) ١٨٢ - وقيل: سافر رجل وولد له في حاجة له، فمات الرّجل فدفنه ولده في بعض الطّرقات، ومضى لقضاء حاجته، فلمّا عاد مرّ بقبر أبيه فلم يعج عليه، فسمع هاتفا من جانب القبر يقول: رأيتك تطوي الدّوم عمدا ولا ترى ... عليك لثاوي الدّوم أن تتكلما (٢) وبالقبر ثاو لو ثويت مكانه ... ومرّ بأهل الدّوم عاج فسلّما ١٨٣ - وقيل: سار المأمون إلى أمّ الفضل بن سهل (٣) ليعزّيها عنه فبكت، فقال لها: لا تبكي عليه، ولا تجزعي لفقده؛ فإنّ الله قد أخلف عليك منّي ولدا يقوم مقامه. فقالت: يا أمير المؤمنين، حقّ لولد أكسبني ولدا مثلك (٤) أن يبكى عليه. ١٨٤ - أطاقت يد الدّهر انتزاعك من يدي ... ولم يطق الموت انتزاعك من صدري

стр. 65

لأنك مخطوط المحاسن في الحشا ... كما أنت ممحوّ المحاسن في القبر (١) فلا وصل إلاّ بين جفنيّ والبكا ... ولا هجر إلاّ بين قلبي والصّبر ١٨٥ - صفية الباهليّة: كنّا غصينين في جرثومة نميا ... حينا بأحسن ما ينمي له الشّجر (٢) حتّى إذا قيل قد طالت فروعهما ... وطاب ظلاّهما واستنظر الثّمر أخنى على واحدي ريب المنون وما ... يبقي الزّمان على شيء ولا يذر (٣) كنّا كأنجم ليل بيننا قمر ... يجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر ١٨٦ - وقيل: وقف سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلّب (٤) على امرأة عند قبر تبكي، فجاء سليمان، فرفعت البرقع عن وجهها فجلت شمسا عن متون غمامة، فوقفا متعجّبين، فقال لها يزيد: يا أمة الله، هل لك في أمير المؤمنين بعلا؟ فقالت وهي تنظر إلى القبر: فإن تسألاني عن هواي فإنه ... بحوماء هذا القبر يا فتيان (٥)

стр. 66

وإني لأستحييه والتّرب بيننا ... كما كنت استحييه وهو يراني (١) ١٨٧ - وقيل: لما دفن سليمان بن عبد الملك سمع بعض كتّابه وهو يقول: وما سالم عمّا قليل بسالم ... وإن كثرت أحراسه وكتائبه [ومن يك ذا باب شديد ومنعة ... فعمّا قليل يهجر الباب حاجبه] (٢) ويصبح بعد الحجب للنّاس مبغضا (٣) ... رهينة بيت لم تسرّ جوانبه (٤) فما كان إلاّ الدّفن حتّى تفرّقت ... إلى غيره أجناده وكتائبه وأصبح مسرورا به كلّ كاشح ... وأسلمه أحبابه وأقاربه بنفسك فاكسبها السّعادة جاهدا ... فكلّ امرئ رهن بما هو كاسبه ١٨٨ - وقال علي بن يقطين (٥): كنت مع المهدي بماسبذان (٦)، فقال لي يوما: أصبحت جائعا فأتني بأرغفة ولحم بارد. ففعلت، ثم دخل البهو فنام ونمنا في الرّواق، فانتبهنا لبكائه، وبادرنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم ما رأيت؟ وقف عليّ رجل لو أنّه في ألف رجل ما خفي عليّ صوته ولا صورته

стр. 67

فقال: كأنّي بهذا القصر قد باد ملكه ... وأوحش منه ربعه ومنازله (١) وصار عميد الملك من بعد بهجة ... وملك إلى قبر عليه جنادله (٢) ولم يبق إلاّ ذكره وحديثه ... تنادي عليه معولات حلائله فما أتت على المهدي بعد رؤياه هذه إلاّ عشرة أيام حتى مات. ١٨٩ - أبو العتاهية: ألا يا موت لم أر منك بدّا ... أبيت فلا تحيف ولا تحابي كأنّك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي ١٩٠ - ابن الرّومي: رأيت الدّهر يجرح ثمّ يأسو ... يعرّض أن يسلّي أو ينسّي (٣) أبت نفسي الهلوع لفقد شيء ... كفى رزءا لنفسي فقد نفسي (٤) ١٩١ - وقيل: لمّا تأتّى الملك للمأمون كان يقول: هذا الملك لولا أنّ بعده الهلك، وهذا سرور لولا أنّ بعده غرور، وهذا يوم لو كان يؤمن غده.

стр. 68

١٩٢ - محمد بن بشر (١): ويل لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النّار مثواه يا حسرتي [في] كلّ يوم مضى (١) ... يذكرني الموت وأنساه من طال في الدّنيا به عمره ... وعاش فالموت قصاراه ١٩٣ - وقيل لما مات أبو فراس بن حمدان (٢) أنشد عند موته يقول: أبنيّتي لا تجزعي ... كلّ الأنام إلى ذهاب أبنيّتي صبر جمي ... ل للجزيل من المصاب (٣) نوحي عليّ وعددي ... من خلف سترك والحجاب (٤) قولي إذا ناديتني ... فعييت عن ردّ الجواب زين الشّباب أبو فرا ... س لم يمتّع بالشّباب ١٩٤ - وقيل: اجتمع ذات يوم عند الواثق جماعة من الفلاسفة والمتطبّبين وغيرهم، فجرى بحضرته أنواع من العلوم من الطّبيعيّات، وما بعد ذلك من الإلهيات، وأطالوا الكلام في كلّ فنّ، فقطع الواثق عليهم الكلام وأجاز سائر

стр. 69

من حضره منهم، ثمّ أمر الجميع أن يتكلّموا في الزّهد في هذا العالم الذي هو عالم الدّثور والفناء والغرور، فذكر كلّ واحد منهم ما سنح له من الأخبار عن الفلاسفة والمتقدّمين والحكماء اليونانيين كسقراط وذوجانس (١)، فقال الواثق: قد أكثرتم فيما ذكرتم، وأحسنتم الحكاية فيما وصفتم، فليخبرني مخبر منكم ما أحسن ما سمع من كلام الذين حضروا وفاة الإسكندر لما جعل في تابوت الذّهب؟ فقال بعض من حضره: كلّ يا أمير المؤمنين حسن فيما ذكره، وأحسن ما نطق به من حضر ذلك المشهد من الحكماء ذوجانس، وقد قيل إنّه لبعض (٢) حكماء الهند فقال: إنّ الإسكندر أمس أنطق منه اليوم، وإنّه اليوم أوعظ منه أمس. وقد أخذ هذا أبو العتاهية (٣) فقال: كفى حزنا بدفنك ثمّ إنّي ... نفضت تراب قبرك من يديّا وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيّا فاشتدّ بكاء الواثق، وعلا نحيبه، وبكى من حضره، ثمّ قام من فوره وأنشد:

стр. 70

لصروف الدّهر في تغييره ... خطّة (١) فيها ارتفاع وانحدار بينما النّاس على عليائها ... إذ هووا في حطّة منها فغاروا إنّما متعة قوم ساعة ... وحياة المرء ثوب مستعار ١٩٥ - وقيل: إنّ الرّشيد كان يتمثّل عند مرضه بهذه الأبيات: إنّ الطّبيب بطبّه ودوائه ... لا يستطيع دفاع مكروه أتى (٢) ما للطّبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرىء مثله فيما مضى (٣) ١٩٦ - وقيل: كان نجدة بن الأسود موصوفا بالحسن في خلقه وخلقه وفعله، فمات فأقبلت زوجته دلفاء، وألقت نفسها على قبره وقالت: سئمت حياتي يوم فارقت نجدة ... ورحت ودمع العين منهلّ هامله وقال نساء الحيّ قد مات قبله ... رجال فلم تهتك عليه حلائله صدقتم لقد مات الرّجال وما أرى ... لنجدة في أضرابهم من يعادله فتى لم يضق عن جسمه لحد قبره ... ولم تسع الأرض الفضاء فضائله وزارته بعد مدّة فأكبّت على قبره، وقالت منشدة: يا قبر نجدة لم أهجرك قالية ... ولا قطعتك من صبر ولا جلد لكن بكيتك حتّى لم أجد مددا ... من الدّموع ولا عونا على الكمد وأيئستني جفوني من مدامعها ... فقلت للعين فيضي من دم الكبد ولم أزل بدم أبكيك جاهدة ... حتّى بقيت بلا روح ولا جسد والله يعلم لولا الله ما رضيت ... روحي بذاك سوى قتلي لها بيدي

стр. 71

١٩٧ - وكتب بعض الفضلاء عند وفاة بعض الأكابر: كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الرّاكب، ومقصد الوافد، فاستبدل بالأنس وحشة، وبالنّضارة عبرة، وبالضّياء ظلمة، واعتاض من تزاحم الملوك تلادم (١) المآتم، ومن ضجيج النّداء والصّهيل عجيج البكاء والعويل. ١٩٨ - سأبكيك ما فاضت دموعي وإن تغض ... فحسبك منّي ما تجنّ الجوانح (٢) لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح ١٩٩ - ويحكى عن فاطمة الزّهراء كرّمها الله تعالى أنّها قالت ترثي رسول الله ﷺ : كنت السّواد لناظري ... فبكى عليك النّاظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر

стр. 72

٢٠٠ - وقالت أيضا: ماذا على مشتمّ تربة أحمد ... ألاّ يشمّ مدى الزّمان غواليا صبّت عليّ مصائب لو أنّها ... صبّت على الأيام صرن لياليا ٢٠١ - علي بن أبي طالب: أين الألى جمعوا الأموال واحتشدوا ... في الجمع لا عدد أغنى ولا عدد شادوا وقادوا وذادوا عن حريمهم ... حتّى إذا اخترموا لم يحمهم أحد كانوا مصابيح للأبصار تتّقد ... حتّى إذا ما انتهت أعمارهم خمدوا فلا ترى لهم عين ولا أثر ... سرعان ما وجدوا سرعان ما فقدوا يا ويح للموت لا يبقي على أحد ... لا والد منه ينجو له، ولا ولد كأنّه أسد ضار على رصد ... وكلّهم نشبا أظفاره تقد هوّن عليك فكلّ للهوى رصد ... يبلى ويفنى ويبقى الواحد الصّمد ٢٠٢ - وقيل: وقف سليمان بن عبد الملك على قبر ولده أيوب (١)، فقال: اللهمّ، إنّي أرجوك له، وأخافك عليه فحقّق رجائي وآمن خوفي. ٢٠٣ - الخنساء: ألا يا صخر لا أنساك حتّى ... أفارق مهجتي وأزور رمسي (٢)

стр. 73

يذكّرني طلوع الشّمس صخرا ... وأذكره بكلّ غروب شمس (١) ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزّي النّفس عنه بالتّأسّي ٢٠٤ - الحنظلي: لكلّ جديد لذّة غير أنّني ... رأيت جديد الموت غير لذيذ ٢٠٥ - قيل إنّ الرّئيس أبا عليّ بن سينا لما حضرته الوفاة قال له صهره أبو عليّ القرموي الصّوفي: اذكر ربّك. ففتح عينيه وقال: يا أبا علي، ومتى خلا قلبي من ذكر ربّي طرفة عين؟! ائتوني بسماع: أوتار وشبّابة. فاستدعوا لذلك، فقال: شدّوا طبقة لطيفة معتدلة وغنّوا بهذه الأبيات إلى أن تفارق روحي جسدي. وهي هذه: هبت نسيم وصالكم سحرا ... بحدائق للشّوق في قلبي فاهتزّ غصن الوصل من طرب ... وتناثرت درر من الحبّ وغدت خيول الهجر شاردة ... مطرودة بعساكر القرب وبدت شموس الوصل خارقة ... بشعاعها لسرادق الحجب وبقيت لا شيئا أشاهده ... إلاّ أقول بأنّه ربّي فغنّوه وهو ملقى بين أيديهم، وروحه تشرئبّ إلى مفارقة جسده، ثم أصرف (٢) أولاده ومن يصبو قلبه إليه، وبقي عنده صهره أبو عليّ فلمّا فارقت روحه جسده، قال عند ذلك: ربّ توفّني مؤمنا وألحقني بالصّالحين (٣).

стр. 74

ومات من وقته مقدّس الرّوح مطهرا. ٢٠٦ - [يا] رحم الله إخوانا لنا ذهبوا ... أفناهم حدثان الدهر والأبد نمدّهم كلّ يوم من بقيّتنا ... ولا يؤوب إلينا منهم أحد ٢٠٧ - وقيل: قدم إلى ميّافارقين (١) رجل متصرّف من بغداد في أيام ناصر الدّولة ابن مروان (٢) ليتصرّف بها فمات ودفن ظاهر ميّافارقين. فرأى ناصر الدولة في منامه كأنّ ذلك الميت قائم في قبره، ويشير إليه: أبا الحسن بن الفضل يممت نحوكم ... طلوبا لصفو العيش لمّا تكدّرا أردت ثراء المال لما عدمته ... ولم أدر أنّي قد نقلت إلى الثّرى فلا يغترر بالعيش بعدي شامت ... فإنّ مصير الشّامتين كما ترى ٢٠٨ - وقيل: لما مات عاصم بن عمر جزع عليه عبد الله (٣) جزعا شديدا وقال منشدا: فإن يك أحزان وفائض عبرة ... أثرن دما من داخل الجوف منقعا (٤)

стр. 75

تجرّعتها من عاصم واحتسيتها ... لأعظم منها ما احتسى وتجرّعا (١) فليت المنايا كنّ خلّفن عاصما ... فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا ٢٠٩ - وقال المنصور للرّبيع (٢): يا ربيع، ما أطيب الدّنيا لولا الموت! فقال الرّبيع: يا أمير المؤمنين، ما طابت الدّنيا إلاّ بالموت. قال: وكيف ذلك؟ قال: لولا الموت لم تقعد في هذا الموضع الذي أنت فيه. قال: صدقت. ٢١٠ - لقد أفسد الموت الحياة وقد أتى ... على يومه علق (٣) إليّ حبيب أتى دون حلو العيش حتى أمرّه ... نكوب على أثارهنّ نكوب ٢١١ - وقيل لما احتضر معاذ بن جبل (٤) رئي وقد دمعت عيناه، فقيل له: لم تبكي وقد حضرك من الله ما ترى؟ فقال: أمّا أنا فلا أبكي أسفا على دنياكم هذه، ولكنّي أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل، وعلى مهبط طريق
следующие страницы →